شيخ الإسلام ابن تيمية يبين أن المضاربة ثابتة بالسنة
قرأت لابن تيمية بيانا لحجية الإجماع، ومما جاء فيه (الفتاوى جـ ١٩ ص ١٩٢) :
الآية المشهورة التي يحتج بها على الإجماع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [١١٥: النساء] .
وبعد أن ذكر الآراء المختلفة حول دلالة الآية الكريمة قال ﵀:
"ومن شاقه فقد اتبع غير سبيلهم وهذا ظاهر، ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا، فإنه قد جعل له مدخلا في الوعيد، فدل على أنه وصف مؤثر في الذم. فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعا، والآية توجب ذم ذلك. وإذا قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول. قلنا: لأنهما متلازمان، وذلك أن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول، وهذا هو الصواب.
فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص، كالأمثال المضروبة في القرآن، وكذلك الإجماع دليل آخر، كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها، فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة. وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص.
وقد كان بعض الناس يذكر مسائل فيها إجماع بلا نص كالمضاربة وليس كذلك، بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لاسيما قريش، فإن الأغلب كان عليهم التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال، ورسول الله ﷺ قد سافر بمال غيره قبل النبوة كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره، فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله ﷺ وكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة ولم ينه عن ذلك. والسنة: قوله وفعله وإقراره، فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة.
والأثر المشهور فيها عن عمر الذي رواه مالك في الموطأ، ويعتمد عليه الفقهاء، لما أرسل أبو موسى بمال أقرضه لابنيه، واتجرا فيه وربحا، وطلب عمر أن يأخذ الربح كله للمسلمين لكونه خصهما بذلك دون سائر الجيش، فقال له أحدهما: لو خسر المال كان علينا فكيف يكون لك الربح وعلينا الضمان؟ فقال له بعض الصحابة: اجعله مضاربة فجعله مضاربة. وإنما قال ذلك لأن المضاربة كانت معروفة بينهم، والعهد بالرسول قريب لم يحدث بعده. فعلم أنها كانت معروفة بينهم على عهد الرسول كما كانت الفلاحة وغيرها من الصناعات كالخياطة والجزارة.
стр. 702
وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص، ولكن كان النص عند غيرهم. وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا عن نص نقلوه عن الرسول، مع قولهم بصحة القياس.
ونحن لا نشرط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل الأخبار، لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة، وكثير من العلماء لم يعلم النص، وقد وافق الجماعة، كما أنه قد يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع ".
(مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٩/١٩٤ – ١٩٦)
هل البنك فقير حتى نقرضه؟
يعجب كثير من الناس عندما يسمعون أن ودائع البنوك تعتبر قرضا، فالقرض إنما يكون للفقير المحتاج، والمودع قد يكون هو الفقير الذي ادخر أموالا قليلة بشق الأنفس للانتفاع بها في وقت آخر، أو لأي سبب من الأسباب، فكيف يقرض البنك صاحب الملايين؟!
ويعترض بعض أهل العلم على جعل هذه الودائع من باب القرض؛ لأن القرض عقد إرفاق، والمتعاملون مع البنوك هنا إنما يريدون الإيداع والاستثمار، وليس الرفق بالبنوك والإحسان إليها!
وعامة الناس معذورون، وخاصتهم قد يعذرون وقد لا يعذرون.
وقبل أن أحاول إزالة هذه الشبهة أضع أمام القارئ المسلم ما يأتي:
بعد أن قتل الزبير بن العوام – ﵁ – ترك من بعده مالا كثيرا وفيرا، ووجدوا عليه دينا كبيرا! وقد أشار إلى هذه التركة وهذا الدين الإمام البخاري في صحيحه، وكثير غيره كما ذكر الحافظ في الفتح.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٧/٢٥٠) :
"وقد كان الزبير ذا مال جزيل وصدقات كثيرة جدا، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد الله، فلما قتل وجدوا عليه من الدين ألفي ألف ومائتي ألف، فوفوها عنه، وأخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الذي أوصى به، ثم قسمت التركة بعد ذلك، فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف ومائتا ألف درهم.. فعلى هذا يكون جميع ما تركه من الدين والوصية والميراث تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف ".
معنى هذا أن تركة الزبير ﵀ ورضي عنه كانت كالآتي:
مجموع الديون مليونان و٢٠٠ ألف.
نصيب الزوجات الأربع ٤ ملايين و ٨٠٠ ألف، ومن المعلوم أن نصيب الزوجة أو الزوجات (ثمن التركة) فتكون التركة المقسمة على الورثة ٦٨ مليونا و ٤٠٠ ألف، وهذا يعادل الثلثين، حيث أوصى بالثلث ومقداره ١٩ مليونا و ٢٠٠ ألف، وبهذا تكون التركة بعد الديون ٥٧ مليونا و٦٠٠ ألف درهم وهنا يرد السؤال:
من يملك هذه الثروة الضخمة كيف يستدين هذا الدين؟
стр. 703
ولنقرأ معا ما جاء في صحيح البخاري:
" إنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة ".
(راجع صحيح البخاري – كتاب فرض الخمس – باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا، مع النبي ﷺ وولاة الأمر) مما رواه الإمام البخاري ترى أن الذين جاءوا بهذه الأموال أرادوا حفظها عند الزبير، أي أن تكون وديعة، فطلب منهم أن تكون سلفا لا وديعة وذكرنا الفرق بين الوديعة والقرض: فالوديعة لا يضمنها المودع لديه والقرض يضمنها المقترض، ولذلك قال الزبير: فإني أخشى عليه الضيعة، أي أنه طلب أن يكون ضامنا للمال باعتباره قرضا، ويقابل هذا الضمان أن يكون من حقه الاستفادة من هذا المال المقترض، فيحفظه بماله في التجارة وغيرها، أما الوديعة فتبقى كما هي لا يستفاد منها.
ونترك تركة الزبير ودينه مؤقتا ونأتي إلى حكم من الأحكام الفقهية وهو " إقراض الولي مال اليتيم":
مما جاء تحت هذا العنوان في معجم الفقه الحنبلي (٢/١٠٧٦) : لا يجوز للولي إقراض مال اليتيم إذا لم يكن فيه حظ له، فمتى أمكن الولي التجارة به، أو تحصيل عقار له فيه الحظ لم يقرضه، وإن لم يكن ذلك وكان في إقراضه حظ لليتيم جاز، ومعنى الحظ أن يكون لليتيم مثلا مال يريد نقله إلى بلد آخر، فيقرضه لرجل ليقضيه بدله في البلد الآخر، بقصد حفظه من الغرر في نقله، أو يخاف عليه الهلاك من نهب أو غرق أو نحوهما أو يكون مما يتلف بتطاول مدته، أو يكون حديثه خيرا من قديمه كالحنطة.
فإن لم يكن فيه حظ وإنما قصد إرفاق المقترض وقضاء حاجته فهذا غير جائز، وإن أراد الولي السفر، لم يكن له المسافرة بمال اليتيم، وإقراضه حينئذ لثقة أمين أولى من إيداعه؛ لان الوديعة لا تضمن.. ولا يجوز قرضه إلا لمليء – أي غني – أمين. (وانظر المغني ٤/٢٩٥) .
من هذا يتضح أن الغاية من إقراض مال اليتيم الرفق باليتيم لا بالمقترض، ومصلحة اليتيم لا مصلحة المقترض، والمراد الإيداع، غير أن الوديعة لا تضمن ففضل الإقراض لغني أمين حتى يحفظ المال لصالح اليتيم لا لصالح الغني.
لعل من هذين المثلين يتضح المراد، فلم يكن الزبير فقيرا يستقرض، بل كان من أصحاب الملايين، له ممتلكات في المدينة والعراق ومصر وغيرها، وأراد المودعون حفظ أموالهم لا الرفق بالزبير، وتحول العقد من وديعة إلى قرض، فكل عقد له ما يميزه عن غيره، وإقراض مال اليتيم لحفظه أيضا، فهو لمصلحة اليتيم لا لمصلحة المليء الغني.
وما دام العقد عقد قرض فلا يحل أخذ زيادة على رأس المال وإلا كان من ربا النسيئة.
فمن أراد الإيداع لحفظ المال مع الضمان فالإيداع هنا قرض مضمون، كإقراض المودعين للزبير، وإقراض مال اليتيم للغني المليء.
ومن أراد الإيداع للاستثمار عن طريق الفائدة المحددة كودائع البنوك الربوية وشهادات الاستثمار، فالإيداع هنا عود للقرض الإنتاجي الربوي الذي كان شائعا في العصر الجاهلي.
ومن ساعد المحتاج، وفرج كربته، وأقرضه قرضا حسنا، جزاه الله أحسن الجزاء، وفرج عنه كربة من كرب يوم القيامة، وهذا هو عقد الإرفاق.
إذن ليس القرض في جميع حالاته عقد إرفاق، وإنما هو في الأصل عقد إرفاق وقد يخرج عن هذا الأصل.
стр. 704
هل الربا يحل بالعادة.. والرضا والاستفادة؟
تحدث أحد السادة الأساتذة عن فوائد البنوك فقال:
"لقد تعودت الناس منذ أجيال عديدة على النظام القائم.
إن وضع المسلمين في البنوك استفادة ما دام لا يجهد المقترض (البنك) ولا يستغله. وليس من الحكمة التنازل عن ربح أموالنا المشتغلة في التجارة.
نظام التوفير ليس ربا.. مادام المتعامل قد ذهب طائعا مختارا وسلم أمواله للبنك.. كذلك نظام الوديعة ليس ربا مادام البنك هو الذي حدد الفائدة وليس المودع.. أي أنك لم ترغم البنك على سعر فائدة معين، بل هو الذي حدد هذه الفائدة على حسب ما أجرى من دراسات وخطط اقتصادية.
الفائدة هنا أرباح في الواقع " اهـ.
وبالنظر في كلام الأستاذ الدكتور نلحظ ما يلي:
أولا: من المعلوم أن البنوك نشأت يهودية ربوية، وعندما دخلت بلاد الإسلام حملت معها طابعها اليهودي الربوي، فقد كان المسلمون في حالة من الضعف والخضوع لم تجعلهم يترددون في قبول ما هو قادم إليهم من بلاد الاستعمار وعلى الأخص أنه يتصل بالنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي فتن به الكثيرون، فإذا تعود الناس التعامل بالربا، فهل العادة تحكم النص وتخرج المسلمين من الأذان بحرب من الله ورسوله، وتجعل الربا المحرم بالكتاب والسنة حلالا طيبا؟!
ما أكثر الحرام الذي انتشر في عصرنا! أفيصبح حلالا مادام الناس قد تعودوه؟!
ثانيا: يعترف الأستاذ بأن ودائع البنوك عقد قرض، فالبنك مقترض، ومعنى هذا أن الزيادة المشروطة في العقد مرتبطة بالقرض والزمن، وهذا من ربا الديون المحرم بالكتاب والسنة، ولكن الأستاذ يرى أن هذا ليس من الربا المحرم لأسباب ذكرها وهي:
١ – الاستفادة وعدم إجهاد المقترض وعدم استغلاله.
٢ – المقرض أقرض طائعا مختارا.
٣ – المقترض هو الذي حدد الفائدة – أي الزيادة الربوية – وليس المقرض.
ولا أدري كيف أن الاستفادة تحل الحرام؟ وهل يخلو الحرام من فائدة ما؟ أن الخمر والميسر بنص القرآن الكريم فيهما منافع ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ . أفلأحد أن يحلهما إذا كان فيهما استفادة؟ أن شركات الطيران التي تصر على بيع الخمر، والدول التي تبيح الخمر والمجون، تستند إلى الاستفادة، أفترى أيها الأستاذ أن هذا حلال؟
стр. 705
إن الله عندما حرم الربا في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله ﷺ ، لم يستثن منه ما كان غير مجهد للمقترض وغير مستغل له، وإنما بين رسوله ﷺ تحريم ربا الجاهلية كله، ومنع أي أحد من أن يأخذ درهما واحدا زيادة عن رأس المال، وحذر من بشاعة جريمة درهم واحد من الربا حتى جعله أشد من الزنا الذي تشمئز منه النفوس الطاهرة.
ولو جاز ما يقوله الأستاذ لأحل لعمه العباس أخذ القليل الذي لا يجهد ولا يستغل، ولأحل هذا أيضا للقبائل التي احتكمت إليه في خلاف حول بقايا الربا، ولنظمت حياة الناس على أساس التعامل بهذا النوع من الربا، ولكن الكتاب والسنة نطقا بغير ما نطق به الأستاذ.
وقوله بأن المقرض أقرض طائعا مختارا، فلا أدري ما الفرق بين هذا وبين التعامل الجاهلي؟ أفكانوا في الجاهلية يجبرون المقرض حتى يقرض رغم أنفه؟! نحن نعرف أثر التراضي في العقود التي لا تصح بغيره، ولكن التراضي لا يحول الحرام إلى حلال، بل أن أكثر جرائم العصر ومنكراته تفعل بالتراضي.
والقول بأن الربا يكون حلالا إذا كان المقترض هو الذي حدد الفائدة يستدعي أن يبين لنا الأستاذ أن كل من قال لغيره: أقرضني بزيادة ربوية كذا فهو حلال! وأن تجار الجاهلية الذين حددوا الفائدة ليتوسعوا في تجارتهم أجبرهم الرسول ﷺ على إعطاء الزيادة الربوية التي حددوها بأنفسهم! وأن من احتكم إلى الرسول ﷺ كان يسأله: من الذي حدد الفائدة؟ فإن كان المقرض حرمها، وإن كان المقترض أحلها!
أخبرنا يا أستاذ: أحدث شيء من هذا؟ أم ربا الجاهلية كله موضوع؟
ونقف عند ختام حديثه بأن البنك حدد الفائدة على حسب ما أجرى من دراسات وخطط اقتصادية، وأن الفائدة هنا أرباح في الواقع.
وأقول: نحن نعرف وظيفة البنك، تاجر الديوان المرابي، فالفائدة التي يعطيها هي جزء من الربا الذي أخذه من المقرضين، فأين الدراسات والخطط الاقتصادية والأرباح نتيجة التجارة؟ أن ربا الجاهلية كان جله ناتج أرباح تجارية، وهو ما أشرت إليه عند الحديث عن القروض الإنتاجية، ومع هذا نزل التحريم، أما ربا البنوك فهو أسوأ من ربا الجاهلية، وسيأتي بيان هذا عند الحديث عن خلق النقود.
ملحظ أخير يتعلق بقوله: ليس من الحكمة التنازل عن ربح أموالنا المستغلة في التجارة، وأقول: إذا كان هذا الربح نتيجة الاتجار في الديون، فهل من الحكمة أن نأكله؟
لقد أجمعت الأمة على أن الزيادة المشروطة في مقابل القرض والزمن هي من الربا المحرم قطعا، فهذا ربا الديون المحرم بالكتاب والسنة، وهو واضح جلي غني عن البيان غير أني أحب أن أقف هنا أمام شيء آخر غير الزيادة المشروطة وهو مجرد المنفعة للمقرض:
ما حكمها؟
وما أدلة الحكم؟
стр. 706
المنفعة للمقرض
من الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة الناس بالأمس واليوم ما روي عن الرسول ﷺ أنه قال: ((كل قرض جر نفعا فهو ربا)) وهذا الحديث ليس له إسناد صحيح، فقد روى الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل قرض جر منفعة فهو ربا)) ، وفي إسناده أحد المتروكين، وله شاهد ضعيف عند البيهقي بلفظ ((كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا)) .
نعم هناك آثار موقوفة عن بعض الصحابة ﵃، وقد تأخذ حكم المرفوع.
(انظر الحديث وبيان عدم صحته في سبل السلام ٣/٨٧٢، وكشف الخفاء للعجلوني ٢/١٢٥، وانظر كنز العمال ٦/١٢٣ حديث رقم ٩٣٧، والحديث ضعفه السيوطي ووافقه المناوي – انظر فيض القدير ٥/٢٨)
ولننظر بعد هذا في حكم المنفعة للمقرض.
قال ابن قدامة في المغني:
"كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: " أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا ". وقد روي عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود أنهم نهوا عن قرض جر منفعة ". (٤/٣٦٠) .
وقال أيضا بعد هذا:
"إن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها، أو على أن يستأجر دار المقرض بأكثر من أجرتها، أو على أن يهدي له هدية، أو يعمل له عملا، كان أبلغ في التحريم.
وإن فعل ذلك من غير شرط قبل الوفاء لم يقبله، ولم يجز قبوله إلا أن يكافئه أو يحسبه من دينه، إلا أن يكون شيئا جرت العادة به بينهما قبل القرض ".
وذكر ابن قدامة من الآثار والأحاديث ما يؤيد هذه الأحكام، ثم قال: " وهذا كله في مدة القرض، فأما بعد الوفاء فهو كالزيادة من غير شرط ".
(راجع أيضا هذا الموضوع في المجموع شرح المهذب للشيرازي ١٢/١٨٢، وكتاب الإجماع لابن المنذر ص ٩٥، وغيرهما من كتب الفقه) .
стр. 707
الأدلة من كتب السنة
بعد هذا البيان للأحكام المتعلقة بالمنفعة للمقرض، ننظر في كتب السنة لنرى الأدلة التي أشار إليها ابن قدامة، وغيرها مما لم يشر إليه.
أولا: في سنن ابن ماجه نجد في باب القرض من كتاب الصدقات الحديث التالي:
حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عتبة بن حميد الضبي، عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي له؟ قال رسول الله ﷺ : ((إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى له، أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك)) .
وعقب الحديث الشريف علق المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي بقوله نقلا عن الزوائد: " في إسناده عتبة بن حميد الضبي، ضعفه أحمد وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات ".
" ويحيى بن أبي إسحاق لا يعرف حاله ".
غير أننا في ترجمة عتبة هذا في ميزان الاعتدال نقرأ ما يأتي: " قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال أحمد: ضعيف، ليس بالقوي ".
وفي تهذيب التهذيب:
"قال أبو طالب عن أحمد: كان من أهل البصرة، وكتب شيئا كثيرا، وهو ضعيف ليس بالقوي، ولم يشتبه الناس حديثه. وقال أبو حاتم: كان جوالة في الطلب وهو صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات ".
أما يحيى بن أبي إسحاق فهو من التابعين، ترجم له الحافظ في تهذيب التهذيب، وأشار إلى هذا الحديث فقال:
"يحيى بن أبي إسحاق الهنائي عن أنس في القرض.. هذا الحديث أخرجه ابن ماجه عن طريق إسماعيل بن عياش، عن عتبة بن حميد، عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، عن أنس. وقد رواه سعيد بن منصور في السنن عن إسماعيل بن عياش فقال: عن يزيد بن أبي إسحاق الهنائي، وكذا رواه البخاري في تاريخه من طريق إسماعيل لكن قال: ابن أبي يحيى الهنائي ".
والحديث ذكره السيوطي وحسنه، ووافقه المناوي، ولكن الشيخ الألباني ضعفه.
(انظر الحديث رقم ٤٦٧ في فيض القدير ١/٢٩٢، ورقم ٤٨٩ في ضعيف الجامع ١/١٥٣) .
ثانيا: روى الإمام البخاري في صحيحه عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال: "أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁ فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقا وتمرا، وتدخل في بيت؟ ثم قال: إنك في أرض – يقصد العراق – الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا ".
(انظر كتاب مناقب الأنصار – باب مناقب عبد الله بن سلام ﵁، والأثر رواه عبد الرزاق في المصنف وفيه: يابن أخي، إنكم بأرض تجار.. إلخ. راجع جـ ٨ ص ١٤٤، وفي ص ١٤٣ أثر مثل هذا عن أبي بن كعب، وفيه.. فخذ قرضك، واردد إليه هديته) .
стр. 708
ثالثا: في مصنف عبد الرزاق نجد كثيرا من الآثار في بابين هما " باب الرجل يهدي لمن أسلفه "، و"باب قرض جر منفعة ". من هذه الآثار:
١ – أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: تسلف أبي بن كعب من عمر بن الخطاب مالا – قال: أحسبه عشرة آلاف – ثم أن أبيا أهدى له بعد ذلك من ثمرته، وكانت تبكر، وكان من أطيب أهل المدينة ثمرة، فردها عليه عمر، فقال أبي: ابعث بمالك، فلا حاجة لي في شيء منعك طيب ثمرتي، فقبلها، وقال: إنما الربا على من أراد أن يربي وينسئ.
(٨/١٤٢، وفي الصفحة تجد رواية ثانية لهذا الأثر.
ولاحظ أن القرض عشرة آلاف، وليس لفقير محتاج.
والأثر أخرجه أيضا البيهقي – انظر الحاشية للشيخ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي. وكنز العمال ٦/١٢٨ حديث رقم ٩٦٧) .
٢ – أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور والأعمشي، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إذا نزلت على رجل لك عليه دين، فأكلت عليه، فأحسب له ما أكلت عنده إلا أن إبراهيم كان يقول: إلا أن يكون معروفا كانا يتعاطيانه قبل ذلك. (٨/١٤٢ – ١٤٣) .
٣ – أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إذا أسلفت رجلا سلفا فلا تقبل منه هدية كراع، ولا رعاية ركوب دابة. (٨/١٤٣) .
٤ – أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إنه كان جار سماك فأقرضته خمسن درهما، وكان يبعث إلي من سمكه، فقال ابن عباس: حاسبه، فإن كان فضلا فرد عليه وإن كان كفافا فقاصصه. (٨/١٤٣ – والأثر أخرجه أيضا البيهقي: انظر الحاشية.
ومثل هذا الأثر عن ابن عباس كذلك في المطالب العالية ١/٤٢٨. ورقم ٤/١٤٢، وهو:
قيلويه أبو صالح، قال: كان لي على علج عشرون درهما، فأهدى إلي هدية فسألت ابن عباس، فقال: احسب من الهدية، وخذ البقية) .
٥ – أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كل قرض جر منفعة فهو مكروه. قال معمر: وقاله قتادة. (٨/١٤٥ – وكلمة مكروه عند السلف تطلق على المحرم) .
٦ – أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر وابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: استقرض رجل من رجل خمسمائة دينار على أن يفقره ظهر فرسه، فقال ابن مسعود: ما أصبت من ظهر فرسه فهو ربا.
(٨/١٤٥ – والأثر رواه البيهقي بطرق مختلفة – انظر الحاشية للأعظمي) .
هذا بعض ما جاء في كتب السنة، وأعتقد أننا لسنا في حاجة إلى البحث عن المزيد من الأدلة، فقي هذا القدر غنى وكفاية لمن أراد أن يتثبت من صحة ما ذهب إليه أئمتنا الفقهاء المجتهدون، ولمن أراد أن يستبرئ لدينه وعرضه.
стр. 709
دفتر التوفير
الإيداع في البنوك عن طريق فتح دفتر توفير يشبه الحساب الجاري من حيث عدم التقيد بمدة معينة للسحب من الرصيد، غير أنه يخضع لقيود لا يخضع لها الحساب الجاري. ونسبة السحب من دفاتر التوفير أقل من الحسابات الجارية، ولذلك تستخدم البنوك من أرصدة هذه الدفاتر نسبة أكبر من الحسابات الجارية، وتدفع فوائد على هذه الأرصدة بشروط معينة.
ومعنى هذا أن البنك تنتقل ملكية الأرصدة إليه، يتصرف فيها ويستفيد منها في عمليات الإقراض ومشروعاته المختلفة، ويتعهد برد المثل للمودعين، وهو ضامن في جميع الحالات.. وهذا هو عقد القرض كما بينت في البحث السابق.
ثم تأتي الفوائد، وهي النسبة الزائدة على القرض في مقابل الزمن الذي يستغرقه هذا القرض.. وهذا هو الربا المحرم. وما ذكرته عن فوائد ودائع البنوك ينطبق على ودائع دفتر التوفير، فالودائع كلها عقد قرض، والفوائد من ربا النسيئة الذي حرمه القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة. وذكرت بعض الاعتراضات والشبه، وأثبت بطلانها ولله الحمد.
غير أن هذا النوع من التعامل قد يحتاج إلى وقفة خاصة نتيجة لما نشر في الصحف، فإن أحد السادة الذين تحدثوا عن شهادات الاستثمار ركز الحديث على صندوق التوفير.
ولننظر إلى كلمة السيد الكاتب من البداية. (١)
جاء في بداية مقاله ما يلي:
نقدم في بداية المقال آراء صفوة من المجتهدين في موضوع الربا. وفيما يلي نصوص ما قالوه. يقول ابن تيمية: " إن الضرر على الناس من تحريم هذه المعاملات أشق عليهم من الأخذ بها؛ لأن الضرر فيها يسير، والحاجة إليها ماسة، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الضرر، والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم، إذا عارضها حاجة راجحة أبيح المحرم (كأكل الميتة) فكيف إذا كانت المفسدة منفية ".
стр. 710
وكلام ابن تيمية هنا ليس عن الربا ولا عن المعاملات الربوية، بل كيف يتصور أن شيخ الإسلام يقول في موضوع الربا: أن المفسدة منفية؟! ولا أدري كيف ساق الأستاذ هذه العبارة ليوهم القارئ أن ابن تيمية يبيح المعاملات الربوية؟!
فالأستاذ يذكر أن ما ينقله آراء صفوة من المجتهدين في موضوع الربا، ثم ينقل كلام ابن تيمية " أن الضرر على الناس من تحريم هذه المعاملات.. إلخ " أي هذه المعاملات الربوية، ومعنى هذا أن ابن تيمية لا يرى تحريم المعاملات الربوية!!
وابن تيمية إنما يتحدث عما رخص فيه من بيوع الغرر – وهو الغرر اليسير – مستندا إلى السنة المطهرة، وموافقا جمهور العلماء، أما كلامه عن الربا فشيء آخر.
ولنقرأ معا شيئا مما قاله شيخ الإسلام:
قال ﵀: " أكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان، ذكرهما الله في كتابه، هما: الربا والميسر ".
ثم قال: "نهى الرسول ﷺ عن بيع الغرر " كما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة ﵁. والغرر هو المجهول العاقبة فإن بيعه من الميسر الذي هو القمار، وذلك أن العبد إذا أبق أو الفرس أو البعير إذا شرد، فإن صاحبه إذا باعه يبيعه مخاطرة، فيشتريه المشتري بدون ثمنه بكثير فإن حصل له قال البائع: قمرتني وأخذت مالي بثمن قليل، وإن لم يحصل قال المشتري: قمرتني وأخذت الثمن مني بلا عوض، فيفضي إلى مفسدة الميسر: التي هي إيقاع العداوة والبغضاء، مع ما فيه من أكل المال بالباطل، الذي هو نوع من الظلم، ففي بيع الغرر ظلم وعداوة وبغضاء.
ومن نوع الغرر ما نهى عنه النبي ﷺ من بيع حبل الحبلة، والملاقيح، والمضامين، ومن بيع السنين، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وبيع الملامسة، والمنابذة، ونحو ذلك كله من نوع الغرر.
أما الربا: فتحريمه في القرآن أشد ولهذا قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .
стр. 711
وذكره النبي ﷺ في الكبائر كما خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم وصدهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل. وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا كما يربي الصدقات، وكلاهما مجرب عند الناس ".
ثم قال ابن تيمية بعد هذا:
"مفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار جملة وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس. ومثل بيع الحيوان الحامل أو الرضيع وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن وإن كان قد نهى عن بيع الحمل مفردا. وكذلك اللبن عند الأكثرين. وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها فإنه يصبح مستحق الإبقاء، كما دلت عليه السنة، وذهب إليه الجمهور كمالك والشافعي وأحمد وإن كانت الأجزاء التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد.
وجوز النبي ﷺ إذا باع نخلا قد أبرت: أن يشترط المبتاع ثمرتها فيكون قد اشترى قبل بدو صلاحها، لكن على وجه البيع للأصل فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره ".
وقال شيخ الإسلام بعد ذلك:
"وإذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء وأكل الأموال بالباطل: فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل، لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض وإن لم يجز غيره بعوض، وكما أن اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم يكن فيه منفعة فهو باطل، وإن كان فيه منفعة – وهو ما ذكره النبي ﷺ بقوله: ((كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رمية بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق)) صار هذا اللهو حقا.
ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض وأكل بالباطل؛ لأن الغرر فيها يسير كما تقدم والحاجة إليها ماسة.
والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر، والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم فكيف إذا كانت المفسدة منتفية؟ ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد البيع على الشجر إلى كمال الصلاح، أباح الشرع ذلك وقاله جمهور العلماء ".
стр. 712
ونختم كلام ابن تيمية بقوله:
" ... فتبين أن رسول الله ﷺ قدم مصلحة جواز البيع الذي يحتاج إليه على مفسدة الغرر اليسير ".
(راجع ما كتبه تحت فصل: القاعدة الثانية في العقود حلالها وحرامها – مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج ٢٩ ص ٢٢ وما بعدها) .
ومن كلام شيخ الإسلام نرى من الخطأ أن ينسب إليه ما نسبه الأستاذ كاتب المقال، ولعل ما نقلته طال بعض الشيء، غير أنني حرصت على هذا لتتضح الصورة، إلى جانب أنه لا يخلو من فائدة مرجوة.
ونترك كلام ابن تيمية هنا، وننتقل إلى فتوى أخرى تعتبر نصا في موضوعنا.
سئل ابن تيمية عن إنسان يريد أن يأخذ من إنسان دراهم قرضا يعمر به ملكه، يشتري بها أرضا إلى مدة سنة، وبلا كسب ما يعطي أحد ماله، فكيف العمل في مكسبه حتى يكون بطريق الحل؟
فأجاب: " الحمد لله، له طريق بأن يكرى الملك أو بعضه، يتسلفها ويعمر بالأجرة وإذا كان بعض الملك خرابا، واشترط على المستأجر عمارة موصوفة جاز ذلك. فهذا طريق شرعي، يحصل به مقصود هذا وهذا.
وأما إذا تواطآ على أن يعطيه دراهم بدراهم إلى أجل، وتحيلا على ذلك ببعض الطرق، لم يبارك الله تعالى لا لهذا ولا لهذا". (مجموع الفتاوى ٢٩/٥٢٩) .
ولنتأمل كلام ابن تيمية هنا:
فالقرض للعمران وليس لتاجر الديون المرابي، ومع ذلك لم يحله، وبين طريقا شرعيا فيه بعد عن القرض. وواقعنا يذكرنا بنهاية ما جاء هنا: "لم يبارك الله تعالى لا لهذا ولا لهذا".
وفي المضاربة ذكرنا رأي ابن تيمية، وهو واضح ناصع، مؤيد بالنص والإجماع، مخالف لما أراده كاتب المقال.
وبعد أن انتهى ما نقله السيد الكاتب عن ابن تيمية قال:
"وقد عرض الإمام محمد عبده لهذه المسألة فقال: أن مثل هذا الربح لا يدخل في الربا. فليس حكم الربا كالحكم في هذه المضاربة.
ويرى الأستاذ عبد الوهاب خلاف أن اشتراط بعض الفقهاء ألا يكون هناك نصيب معين من الربح اشتراط لا دليل عليه ".
وما ذكرته في البحث السابق عن المضاربة يغني عن المناقشة هنا، غير أن كلمة " بعض الفقهاء" من كلام الأستاذ الكاتب ليست صحيحة، فأستاذنا المرحوم خلاف كان يعلم أن هذا اشتراط جميع الفقهاء لا بعض الفقهاء.
وانتقل كاتب المقال بعد ذلك إلى الحديث عن صندوق التوفير فذكر فتوى الشيخ شلتوت (١) ، والشيخ علي الخفيف، والشيخ عبد الجليل عيسى.
ولسنا في حاجة إلى أن نعد إلى المناقشة من جديد بعد البحث الذي نشر من قبل.
غير أنني أحب أن أقف هنا وقفة لننظر في تسلسل فكرنا الاقتصادي المعاصر، ولنعذر مشايخنا الأجلاء – رحمهم الله تعالى - فيما وقعوا فيه من خطأ في الفتوى.
نشأت البنوك نشأة يهودية ربوية، وظل هذا الطابع مسيطرا عليها حتى عصرنا. وصور لنا الاقتصاديون أن الاقتصاد لا يقوم بغير البنوك، وأن البنوك لا تقوم بغير نظام الفائدة المتبع، أي النظام الربوي.
стр. 713
وانقسم علماؤنا آنذاك: فمنهم من بحث بحثا علميا مجردا، وانتهى إلى أن فوائد البنوك وما شابهها هي من الربا المحرم، ومنهم من حاول تبريرها رغبة في تحليل عقود المسلمين، فحسنت نياتهم، وسمت مقاصدهم، إلا أنهم وقعوا فيما رأيناه من الأخطاء، وعذرهم نبل الغايات مع عدم وجود البديل الشرعي.
ومشكلات العصر لا تحل باجتهاد فردي، وهذه حقيقة يسهل إدراكها، فرأي الجماعة غير رأي الفرد، ولهذا عندما سئل الرسول ﷺ عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة، قال: ((ينظر فيه العابدون من المؤمنين)) (وتأمل من الذي ينظر؟ فليس مجرد العلم يكفي للنظر) .
وكان هذا منهج سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، فكما يروي المسيب بن رافع: "كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله ﷺ أثر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا فالحق فيما رأوا". وكان أبو بكر ﵁ إن أعياه أن يجد في أمر سنة رسول الله ﷺ ، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به. (راجع ما سبق وغيره من الأخبار في سنن الدارمي: باب التورع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، وباب الفتيا وما فيه من الشدة) .
وهنا نذكر ونشكر المجهود الذي بذله المرحوم الشيخ شلتوت لإنشاء مجمع البحوث الإسلامية، وتحقق ما سعى إليه ولكن لم ير ثمرة غرسه، وعقد المؤتمر الأول للمجمع سنة ١٣٨٣ هـ (١٩٦٤ م) ، وكان من قراراته وتوصياته:
"أن السبيل لمراعاة المصالح، ومواجهة الحوادث المتجددة، هي أن يتخير من أحكام المذاهب الفقهية ما يفي بذلك، فإن لم يكن في أحكامها ما يفي به فالاجتهاد الجماعي المذهبي، فإن لم يف كان الاجتهاد الجماعي المطلق.
وينظم المجمع وسائل الوصول إلى الاجتهاد الجماعي بنوعيه ليؤخذ به عند الحاجة ".
وعقد المؤتمر الثاني لمجمع البحوث في شهر محرم سنة ١٣٨٥ هـ (مايو سنة ١٩٦٥ م) فكان هذا المؤتمر نقطة تحول في مسار فكرنا الاقتصادي الإسلامي من الناحية النظرية، حيث صدرت الفتوى الجماعية بتحريم فوائد البنوك، ونقلت نصها فيما سبق، وبعد صدور هذه الفتوى حسم الأمر، وأصبحنا في غنى عن أي رأي فردي.
стр. 714
وإلى جانب هذه الفتوى انتهى المؤتمر إلى التوصية التالية:
"لما كان للنظام المصرفي أثر واضح في النشاط الاقتصادي المعاصر، ولما كان الإسلام حريصا على الاحتفاظ بالنافع من كل مستحدث مع اتقاء أوزاره وآثامه، فإن مجمع البحوث الإسلامية بصدد درس بديل إسلامي للنظام المصرفي الحالي، ويدعو علماء المسلمين، ورجال المال والاقتصاد إلى أن يتقدموا إليه بمقترحاتهم في هذا الصدد ".
ثم كان التحول في هذا المسار من الناحية العملية التي دعا إليها المؤتمر بظهور البنوك الإسلامية، فظهر التطبيق العملي، وأثبت البديل الإسلامي إمكان قيام بنوك بدون تعامل بالفوائد الربوية.
وبذلك حسم الجانبان: النظري والعملي معا.
وبدأت الجهود الإسلامية المخلصة تتجه إلى تحسين هذا البديل ودعمه، ومحاولة إزالة العقبات من طريقه.
وعندما عقد المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي سنة ١٣٩٦ هـ (١٩٧٦م) وحضره الكثرة الكاثرة من فقهاء الشريعة ورجال الاقتصاد والقانون وغيرهم، لم يثر أي خلاف حول اعتبار البنوك الربوية من الربا المحرم، كلهم أجمعوا على أن هذه الفوائد من الربا الذي حرمه الإسلام، ثم كانت الخطوة الأخرى نحو دعم البديل الإسلامي وتحسينه، ولهذا جاء في المقترحات والتوصيات ما يلي:
١ – دعوة الحكومات الإسلامية إلى دعم البنوك الإسلامية القائمة في الوقت الحاضر، والعمل على نشر فكرتها، وتوسيع نطاقها.
٢ – العناية بتدريب العاملين في البنوك الإسلامية لتحقيق المستوى اللائق لكفايتهم العملية.
وعقدت مؤتمرات أخرى أجمع المشاركون فيها على ما أجمع عليه هذان المؤتمران، فمن أفتى قبل هذا الإجماع فهو معذور مأجور مغفور له إن شاء الله ، ومن أراد أن نرد على أعقابنا خاسرين ونعود القهقرى، ونخالف هذا الإجماع، فلا عذر له، ونخشى أن يكون خاطئا آثما غير مغفور له.
وأذكر هنا على سبيل المثال أن أستاذنا المرحوم الشيخ علي الخفيف أفتى بحل التأمين على الحياة، وحضر مؤتمرا بعد ذلك أجمع على أن التأمين على الحياة حرام، فكان مع المجتمعين.
والشيخ شلتوت له فتاوى منسقة، وأخرى مضطربة متناقضة.
الأولى نراها في كتابه في التفسير، في حديثه عن الآية الثلاثين بعد المائة من سورة آل عمران، وهي قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
стр. 715
فعند تفسيره لهذه الآية الكريمة تحدث عن الجانب الخلقي، والجانب الاقتصادي في تحريم الربا، ثم تناول شبهات " العصريين" في استباحة الربا، وأبطل هذه الشبهات، وبين أسباب لجوء هؤلاء "العصريين" لمثل هذه الشبهات.
(انظر كتابه: تفسير القرآن الكريم. الطبعة الثامنة - ص ١٣٩ وما بعدها) وتحت عنوان " بطلان الاستدلال بالآية على إباحة الربا القليل " (ص ١٥٠) ذكر كلاما أنقله هنا بتمامه. قال رحمه الله تعالى:
"بقي علينا أن ننبه في هذا الشأن لأمر خطير، وهو أن بعض الباحثين المولعين بتصحيح التصرفات الحديثة، وتخريجها على أساس فقهي إسلامي ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير، يحاولون أن يجدوا تخريجا للمعاملات الربوية التي يقع التعامل بها في المصارف أو صناديق التوفير أو السندات الحكومية أو نحوها، ويلتمسون السبيل إلى ذلك، فمنهم من يزعم أن القرآن إنما حرم الربا الفاحش بدليل قوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ فهذا قيد في التحريم لا بد أن يكون له فائدة وإلا كان الإتيان به عبثا، تعالى الله عن ذلك، وما فائدته في زعمهم إلا أن يؤخذ بمفهومه وهو إباحة ما لم يكن أضعافا مضاعفة من الربا، وهذا قول باطل؛ فإن الله أتى بقوله: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ توبيخا لهم على ما كانوا يفعلون، وإبرازا لفعلهم السيئ، وتشهيرا به، وقد جاء مثل هذا الأسلوب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ . فليس الغرض أن يحرم عليهم إكراه الفتيات على البغاء في حالة إرادتهن التحصن، وأن يبيحه لهم إذا لم يردن التحصن، ولكنه يبشع ما يفعلونه ويشهر به، ويقول لهم: لقد بلغ بكم الأمر أنكم تكرهون فتياتكم على البغاء وهن يردن التحصن، وهذا أفظع ما يصل إليه مولى مع مولاته، فكذلك الأمر في آية الربا، يقول الله لهم: لقد بلغ بكم الأمر في استحلال أكل الربا أنكم تأكلونه أضعافا مضاعفة، فلا تفعلوا ذلك، وقد جاء النهي في غير هذه المواضع مطلقا صريحا، ووعد الله بمحق الربا قل أو كثر، ولعن آكله ومؤكله وشاهديه، كما جاء في الآثار، وآذن من لم يدعه بحرب الله وحرب رسوله، واعتبره من الظلم الممقوت، وكل ذلك ذكر فيه الربا على الإطلاق دون تقييد بقليل أو كثير.
ومنهم من يميل إلى اعتباره ضرورة من الضروريات بالنسبة للأمة، ويقول: ما دام صلاح الأمة في الناحية الاقتصادية متوقفا عى أن نتعامل بالربا، وإلا اضطربت أحوالها بين الأمم، فقد دخلت بذلك في قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات.
وهذا أيضا مغالطة، فقد بينا أن صلاح الأمة لا يتوقف على هذا التعامل، وأن الأمر فيه إنما هو وهم من الأوهام، وضعف أمام النظم التي يسير عليها الغالبون الأقوياء".
ومما قاله تحت عنوان " إباحة الحرام جرأة على الله " (ص١٥١) :
"وخلاصة القول، أن كل محاولة يراد بها إباحة ما حرمه الله، أو تبرير ارتكابه بأي نوع من أنواع التبرير، بدافع المجاراة للأوضاع الحديثة أو الغربية، والانخلاع عن الشخصية الإسلامية، إنما هي جرأة على الله، وقول عليه بغير علم، وضعف في الدين، وتزلزل في اليقين ... ".
стр. 716
وكلام الشيخ هنا واضح كل الوضوح في تحريم المعاملات الربوية التي يقع التعامل بها في المصارف، وهو يتفق مع الفتاوى الجماعية التي صدرت بعد ذلك، وأشرت إليها من قبل.
وذكره للسندات الحكومية يدل على أنه يرفض ما زعمه الزاعمون من أنه " لا ربا بين الدولة وأبنائها". وقد ثبت بطلان هذا الزعم في بحث آخر.
ونرى الاضطراب في كتابه " الفتاوى"؛ حيث أفتى بتحريم فوائد السندات، وهذا يتفق مع ما سبق، غير أنه أفتى بحل فوائد توفير البريد التي حرمها من قبل أو من بعد، وهذا التعارض بين الفتويين قد يعني أنه رجع عن إحداهما، ولكن التفرقة بين فوائد دفتر التوفير وفوائد السندات تناقض، فلا فرق بين أموال دفتر توفير لها زيادة محددة مقابل المبلغ والزمن، وأخرى لسندات لها زيادة محددة أيضا مقابل المبلغ والزمن، مع أن الشيخ نفسه نص على تحريم فوائد البنوك، ولم يعلم أنه أحلها.
وإذا كان هذا مسلك الكاتب، والفتاوى لشخص واحد، فإنا لا نعجب عندما لا يشير إلى فتوى الشيخ عبد المجيد سليم بتحريم فوائد البنوك، وهو الذي تولى مشيخة الأزهر مرتين قبيل الشيخ شلتوت، وتولى الإفتاء عشرين عاما، وله آلاف الفتاوى.
وأكثر من هذا أنه لم يشر إلى أي شيء مما ذكرناه عن المؤتمرات والإجماع، بل قال: فوائد البنوك حلال مائة في المائة! وقال: حلال على مسئوليتي!!
وبعد أن عرض السيد الدكتور أستاذ التاريخ الجزء الذي راقه واتفق مع هواه من تاريخ فكرنا الاقتصادي، انتقل بعد ذلك إلى الإجابة عن سؤال سأله، وهو: لماذا حرم الإسلام الربا؟
ونقل شيئا من تفسير الرازي، ثم قال: " هذه بعض الجوانب في حكمة تحريم الربا ويذكر المفكرون المحدثون جوانب أخرى ذات بال ... ".
ونقل كلاما لأبي الأعلى المودودي، ثم قال: "هل توجد هذه العيوب في شهادات الاستثمار والإيداع بالبنوك؟ "
ثم ختم كلامه هنا بقوله: " وهناك قاعدة فقهية تقول: أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما ".
стр. 717
ولا أستطيع أن أكتب ما يجول بخاطري وأنا أقرأ ما كتبه السيد الدكتور؟ قد يعذر لأن تخصصه بعيد عن الأصول والفقه فلم يعرف الفرق بين الحكمة والعدالة، ولكنه هنا يفتي ويخالف إجماع المئات بل الآلاف من الفقهاء!
والسيد أبو الأعلى المودودي – الذي نقل عنه ما نقل من الحكمة – هو نفسه يرى أن فوائد البنوك من الربا المحرم.
والفخر الرازي لم يشهد عصرنا الربوي حتى نعرف رأيه في هذه الفوائد، غير أننا قد نستطيع أن نستشف رأيه، حيث قال في تفسيره:
" أن ربا النسيئة هو الذي كان مشهورا في الجاهلية؛ لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل، على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا، ورأس المال باق بحاله ".
سبحان الله! أليس ربا النسيئة هذا ما نراه في صورة مستحدثة أعلنت عنها بعض البنوك الربوية حيث جعلت راتبا شهريا لمن يودع لديها مبلغا معينا؟
إن الصورة الجاهلية التي ذكرها الفخر الرازي وبين حرمتها هي الصورة نفسها (طبق الأصل!) التي نراها في شهادات ادخار بنك مصر ذات العائد الشهري.
فلو أن الفخر الرازي رزئ بما رزئنا به، أفيمكن أن يحرم تلك ويحل هذه؟ أما وقد ضاق الصدر.. فلنترك هذا الموضوع حتى لا يشتط القلم.
стр. 718
الإقراض العادي والإقراض بفتح الاعتماد
الصور التي سبقت كان البنك فيها يقوم بعملية الاقتراض، وكان بفائدة وأحيانا بدون فائدة. والبنك ما اقترض أساسا إلا ليقرض، فهو كما عرفنا تاجر ديون مراب وعمليات الإقراض التي تزاولها البنوك تتخذ إحدى صورتين، هما:
أولا: القروض البسيطة. وهي القروض المعتادة.
ثانيا: فتح الاعتماد.
وتختلف القروض عن الاعتمادات المفتوحة في حصول المقترض على مبلغ القرض بمجرد الاتفاق، واحتساب الفوائد عن المبلغ بأكمله، وعن المدة المتفق عليها كاملة، وقد يندمج القرض في حساب جار فيضيف البنك مبلغ القرض إلى الجانب الدائن لحساب العميل بمجرد التعاقد.
أما فتح الاعتماد فعقد يلتزم البنك بمقتضاه بوضع مبلغ معين تحت تصرف عميله لمدة معينة، فيكون للعميل الحق في سحب أي مبلغ يشاء في حدود الاعتماد في غضون مدته، كما أن له إيداع ما يريد خصما على الرصيد المدين فيقل بذلك دينه. ولا تحتسب الفوائد على الأرصدة المدينة من يوم سحبها. (مقدمة في النقود والبنوك للدكتور محمد زكي شافعي ص ٢١٥) .
" ويلتزم العميل أن يدفع للبنك عمولة معينة تستحق – غالبا – بمجرد إبرام عقد فتح الاعتماد سواء استخدمه أم لم يستخدمه، وتبرر العمولة بأنها مقابل ما يتحمله البنك ليكون مستعدا لمواجهة احتياجات العميل ".
(عمليات البنوك للدكتور علي جمال الدين ص ٣٣٠ – ٣٣١) .
وإذا نظرنا فيما سبق وجدنا الفائدة التي تؤخذ زيادة على القرض في الصورتين السابقتين هي من الربا المحرم. وإذا كان البنك قد أخذ العمولة مقابل خدمته التي أداها والمنفعة التي قدمها، فإن ما يزيد على هذه العمولة في مقابل الدين هو من ربا الديون الذي تحدثنا عنه، وبينا حرمته.
وأضيف هنا بعض الحقائق عن عمليات الإقراض الربوي:
يقدم البنك القروض بنوعيها: الاستهلاكي والإنتاجي، مع أخذ الضمانات الكافية.
стр. 719
والضمان هنا لا شيء فيه، فيمكن الإقراض مع أخذ رهن، ولكن لا يحل للمقرض الاستفادة من هذا الرهن.
وقد يكون الإقراض بضمان الراتب مثلا، أو من الوسائل التي تضمن حق المقرض، وما دامت الوسائل لا يمنعها الشرع فهي حلال، ولكن الحرمة هنا في الربا.
والبنك عند الإقراض يحسب الفائدة الربوية، ثم يطرحها من القرض، ويعطي الباقي فقط، مثلا تريد امرأة أن تقترض لضرورة ملجئة، فتأخذ ما لديها من حلي، وتذهب إلى البنك تطلب قرضا، يأخذ البنك الرهن، ويتفق على إقراضها مائتين: فلو فرضنا أن النسبة المئوية للفائدة الربوية هي (٢٠) ، فإنه يعطيها ١٦٠ جنيها فقط، مع أنه في حالة الاقتراض لا تحسب الفائدة إلا بعد المدة، فلو أنه اقترض ١٦٠ جنيها بفائدة ٢٠ % مثلا فالقرض بعد المدة يصبح ١٩٢ جنيه، على حين أن المبلغ نفسه في حالة الإقراض يصبح ٢٠٠ جنيه، أي أن الفائدة هنا ٢٥ % وليست ٢٠ %!
ونسمع أن البنوك تسهم في مشروعات صناعية وتجارية وعمرانية إلخ، والواقع أن إسهامها هنا عادة يكون عن طريق الإقراض الربوي لأصحاب هذه المشروعات، وليس عن طريق المشاركة الإسلامية.
إن هذه القروض كلها محرمة، سواء أكانت استهلاكية أم إنتاجية.. ويستوي في هذا الفائدة الكبيرة والفائدة المنخفضة.
والمقرض آثم لا شك.. فلا عذر له.
والمقترض آثم كذلك إلا عند الضرورة.
والضرورات تبيح المحظورات. ولكن الضرورة تقدر بقدرها، فما زاد عن حد الضرورة ظل محرما، فما الضرورة إذن في القروض الإنتاجية؟
الذي يريد أن ينشئ مصنعا، أو يبني عمارة، أو يعلي بيتا، أو يستورد سلعا أو غير ذلك من المشروعات الإنتاجية.. لا يحل له أن يأخذ قروضا ربوية، إلا إذا وجدت حالات خاصة تدخل ضمن الضرورات، وللأسف الشديد يتساهل كثير من المسلمين في مثل حالات الاقتراض هذه، وقد لا يتأثمون ولا يتحرجون، مع أن الرسول ﷺ لعن الاثنين: آكل الربا وموكله، وجعل الآخذ والمعطي شريكين في الإثم.
روى الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم "أن الرسول ﷺ لعن آكل الربا وموكله" وزاد مسلم وغيره: "وكاتبه وشاهديه". وقال: "هم سواء".
(راجع مثلا: فتح الباري – كتاب البيوع: باب آكل الربا وشاهده وكاتبه، وباب موكل الربا. وصحيح مسلم: كتاب البيوع: باب لعن آكل الربا وموكله. واقرأ ثلاثين حديثا في الترهيب من الربا في كتاب الترغيب والترهيب ٣: ٣ – ١٤) .
وفي الإقراض الذي تزاوله البنوك يصادفنا أمر عجيب غريب يصعب تصوره، ولا يدركه إلا من ألم بأعمال البنوك.
стр. 720
أيمكن مثلا أن نتصور أن شخصا يقترض ألفا، ومن الألف يقرض بضعة آلاف، ويبقى عنده رصيد؟!
هذا ما تفعله البنوك الربوية! تخلق النقود وتقرضها!
تقرض ما ليس عندها، وما لا تملكه، وتأخذ ربا!
والأمر هنا دقيق، ولذلك أترك عرضه لرجال الاقتصاد المختصين.
تحدث أحدهم عن المرحلة الحاسمة في تطور الفن المصرفي وهي خلق النقود:
دخل الفن المصرفي في دور جديد عندما تواضع الناس على قبول التزامات البنوك بديلا عن النقود في الوفاء بالديون، سواء أكان ذلك في صورة إيصالات الإيداع أم في صورة أوامر الصرف التي كان يحررها المودعون لدائنهم على البنوك، فقد فطنت البنوك في كلتا الحالتين إلى إمكان إحلال تعهداتها بالدفع محل النقود فيما تمد به عملاءها من قروض بما يترتب على ذلك من زيادة طاقتها على الإقراض، ومن ثم على جني الأرباح. ولم يكن من العسير، ووقد تمتعت ديون البنوك بالقبول العام كأداة للوفاء بالالتزامات أن تقنع المصارف هؤلاء العملاء بملاءمة اقتضاء مبالغ القروض في ودائع جارية قابلة للسحب في الحال، أو في صورة سندات تتعهد المصارف بمقتضاها بالدفع لدى الطلب (بنكنوت) ، ولن خفى على القارئ أهمية هذا التطور الحاسم في تاريخ البنوك، فلم يكن حسب هذا الاستعمال النقدي لودائع (ديون) البنوك أن ضيق من نطاق أوامر الدفع فأدى إلى زيادة موارد الائتمان عن ذي قبل، ولكنه أدى أيضا إلى ما هو أكثر أهمية، فقد أصبح في استطاعة البنوك خلق هذه الودائع ومحوها من الوجود بما تزاوله من عمليات التسليف أو الإقراض أو التثمير. وإذ تقوم هذا الودائع مقام النقود في تسوية الديون بين الأفراد، فقد تهيأ لبنوك الودائع أن تزاول سلطانا خطيرا على عرض وسائط الدفع في النظام الاقتصادي، ولإيضاح ذلك نفترض مرة أخرى أن جملة ما أودعه الأفراد لدى البنوك من النقود القانونية مليون من الجنيهات، وأن نسبة الرصيد النقدي الحاضر الذي تحتفظ به البنوك لمواجهة أوامر الدفع من قبل المودعين هي الربع.
стр. 721
عندئذ يمكن للبنوك، وقد أحلت تعهداتها بالدفع محل النقود في الوفاء بالقروض، أن تقدم للناس من القروض ما قيمته ثلاثة ملايين من الجنيهات دون أن يؤثر ذلك على نسبة الرصيد النقدي الحاضر الذي تقتضي دواعي الحيطة والأمان الاحتفاظ بها لمواجهة طلبات الصرف المحتملة من قبل المودعين. ويتضح ذلك بالنظر إلى هذه الصورة المبسطة لميزانية النظام المصرفي (بصرف النظر عن حساب رأس المال) :
أصول جنيه خصوم جنيه
نقود في الخزانة ١٠٠٠٠٠٠ الودائع ٤٠٠٠٠٠٠
سندات وقروض ٣٠٠٠٠٠ الجارية -
المبلغ ٤٠٠٠٠٠٠ - -
وهكذا تهيأ للبنوك وقد أودع لديها مليون من الجنيهات أن تنشئ على دفاترها من الودائع ما قيمته أربعة ملايين، لا يمثل منها ما أودعه الناس بالفعل من نقود قانونية لدى البنوك سوى الربع – والربع فقط – على حين تتحصل الثلاثة ملايين جنيه الباقية في ودائع مخلوقة أنشأها النظام المصرفي بمناسبة ما قامت به مجموعة البنوك من عمليات التسليف والتثمير والإقراض.
ومن هنا يتضح لنا سذاجة الاعتقاد بأن مصدر الودائع المصرفية هو إيداع الأفراد أرصدتهم النقدية في صورة عملة قانونية لدى البنوك، فإن الودائع الأصلية التي تنشأ في ذمة البنوك التجارية على هذا النحو لا تمثل سوى قدر محدود من مجموع الودائع الثابتة على دفاتر البنوك، في حين ينشأ الشطر الأكبر منها بمناسبة قيام البنوك بعمليات إقراض أو تثمير يستوفيها في صورة ودائع قابلة للسحب لدى الطلب، ومن هنا أيضا تتحصل الخصيصة الأساسية لما تزاوله البنوك من نشاط في ميدان الإقراض فيما تهيأ لهذه المؤسسات من إقراض الناس ما ليس عندها أو بعبارة أدق، فيما توصلت إليه من خلق الموارد التي تستعملها في إقراض عملائها في غمار عملية الإقراض ذاتها.
стр. 722
(مقدمة النقود والبنوك للدكتور محمد زكي شافعي ص١٧٠ – ١٧٢) وفي ص ١٧٦ عرض هذا التوضيح:
الدورة رقم المبلغ المودع بالجنيهات المستعمل في الإقراض الاحتياطي النقدي
١ ١٠٠٠ ٨٠٠ ٢٠٠
٢ ٨٠٠ ٦٤٠ ١٦٠
٣ ٦٤٠ ٥١٢ ١٢٨
٤ ٥١٢ ٤١٠ ١٠٢
٥ ٤١٠ ٣٢٨ ٨٢
٦ ٣٢٨ ٢٦٢ ٦٦
٧ ٢٦٢ ٢١٠ ٥٢
٨ ٢١٠ ١٦٨ ٤٢
٩ ١٦٨ ١٣٤ ٣٤
١٠ ١٣٤ ١٠٧ ٢٧
الجملة العمومية ٥٠٠٠ ٤٠٠٠ ١٠٠٠
وفي كتاب مذكرات في النقود والبنوك للدكتور إسماعيل محمد هاشم نجد الفصل الخامس عنوانه "خلق نقود الودائع" (ص ٤٧) .
ومما جاء في حديث المؤلف:
وقد أثبتت الخبرة العملية أنه في ظل الظروف الاقتصادية العادية تكون نسبة المسحوبات من النقود القانونية إلى مجموع ودائع البنك ثابتة إلى درجة كبيرة، وعادة لا تتجاوز هذه النسبة ١٠ % من مجموع الودائع، بل إنه كثيرا ما يحدث أن تقل هذه النسبة بدرجة كبيرة عن ذلك.
стр. 723
وتعتمد هذه البنوك التجارية على هذه الحقيقة التي تعني بقاء جزء كبير من الودائع (تحت الطلب) دون سحب. ومن ثم لا تحتفظ إلا بنسبة محدودة من ودائعها في شكل نقود قانونية (في حدود١٠ %) لمقابلة طلبات السحب المحتملة، ما لم يلزمها القانون بالاحتفاظ بنسبة أكبر.
وفي ص ٥٩ نجد هذا التوضيح:
رقم البنك الودائع النقدية الجديدة التي يتسلمها البنك الاحتياطي النقدي الودائع الجديدة
الأول ١٠٠٠ ١٠٠ ٩٠٠
الثاني ٩٠٠ ٩٠٢ ٨١٠
الثالث ٨١٠ ٨١ ٧٢٩
الرابع ٧٢٩ ٧٢.٩ ٥٥٦.١
الخامس ٦٥٦.١ ٦٥.٦ ٥٩٠.٥
بقية البنوك ٥٩٠٤.٩ ٥٩٠.٥ ٥٣١٤.٤
المجموع ١٠٠٠٠ ١٠٠٠ ٩٠٠٠
من هذا كله نلحظ ما يأتي:
١ – الربا الذي يحصل عليه البنك يزيد عن ربا الجاهلية بكثير.
٢ – وهو كذلك أسوأ من ربا الجاهلية؛ لأن البنك يقرض بالربا ما ليس عنده، وما لا يملكه، بل ما لا وجود له في الواقع.
٣ – الحسابات الجارية التي تعتبر قروضا حسنة من المودعين تستغلها البنوك أسوأ استغلال، فتقرض أضعافها قروضا ربوية.
ومن هنا ندرك حرمة هذا التعامل مع البنوك الربوية إلا إذا دعت الضرورة.
٤ – نقطة أشير إليها دون خوض فيها، وإنما أتركها لأهل الاختصاص، وهي علاقة خلق النقود بالتضخم وزيادة الأسعار.
стр. 724
خصم الأوراق التجارية قرض ربوي
الأوراق التجارية عبارة عن صكوك تضمن التزاما بدفع مبلغ من النقود يستحق الوفاء عادة بعد وقت قصير، وتقبل البيئة التجارية على التعامل بهذه الأوراق كأداة لتسوية الديون نظرا لسهولة تحويلها إلى نقود قبل حلول أجل الوفاء للخصم لدى البنوك.
ويقصد بالخصم (١) . (أو القطع) دفع البنك لقيمة الورقة قبل ميعاد استحقاقها بعد خصم مبلغ معين يمثل فائدة القيمة المذكورة عن المدة بين تاريخ الخصم وميعاد الاستحقاق، مضافا إليها عمولة البنك ومصاريف التحصيل.
ويلاحظ أنه كثيرا ما تحرر السندات الإذنية (٢) التي تخصمها البنوك لأمر البنك الذي يقوم بعملية الخصم، بحيث لا يعدو الأمر أن يكون عملية تسليف متخذة صورة عملية خصم. وتفضل البنوك هذا الوضع لاقتطاع الفوائد مقدما. والإفادة من الضمانات القانونية التي يحيط بها القانون الأوراق الجارية. (٣)
ومن هذا نرى أن خصم الأوراق التجارية عملية ربوية واضحة، ولو أن البنك اكتفى بأخذ العمولة لكان هذا أجرا نظير قيامه بالتحصيل، وكان دفع القيمة قبل الموعد من باب القرض الحسن الذي لا تعرفه البنوك الربوية.
أما الفائدة التي يأخذها البنك فهي نظير الإقراض، ولذلك تختلف تبعا لقيمة الورقة التجارية، ولموعد الاستحقاق، فإن افترضنا أن الورقة التجارية قيمتها ألف جنيه، وموعد السداد بعد شهر، واحتاج صاحبها إلى قيمتها في الحال، فإن البنك يعطيه مثلا تسعمائة وخمسين محتسبا فائدة قدرها خمسون جنيها، فكأنه أقرضه تسعمائة وخمسين، ويسترد البنك دينه بعد شهر بزيادة خمسين، وهي بلا شك زيادة ربوية محرمة.
هذه بعض أمثلة للقروض الربوية، وقد ذكر الدكتور عبد الرازق السنهوري صورا مختلفة لعقد القرض نثبتها هنا كما ذكرها في كتابه الوسيط (٥/٤٣٧) .
стр. 725
قال ﵀: قد يتخذ القرض صورا مختلفة أخرى غير الصورة المألوفة.
من ذلك أن تصدر شركة أو شخص معنوي عام سندات، فهذه السندات قروض تعقدها الشركة أو الشخص المعنوي مع المقرضين، ومن اكتتب في هذه السندات فهو مقرض للشركة أو الشخص المعنوي بقيمة ما اكتتب به.
ومن ذلك تحرير كمبيالة أو سند تحت الإذن أو سند لحامله، فهذه الأوراق قد تكون قروضا يعقدها من حررها وهو المقترض لمصلحة من حررت له وهو المقرض.
ومن ذلك فتح اعتماد في مصرف لعميل، فالعميل يكون مقترضا من (المصرف) مبلغا حده الأقصى هو الاعتماد المفتوح.
ومن ذلك إيداع نقود في مصرف، فالعميل الذي أودع النقود هو المقرض والمصرف هو المقترض، وقد قدمنا أن هذه وديعة ناقصة وتعتبر قرضا.
ومن ذلك تعجيل مصرف مبلغا من النقود لعميل لقاء أوراق مالية مودعة في المصرف، فالمصرف يكون قد أقرض العميل هذا المبلغ الذي عجله في مقابل رهن هو الأوراق المالية المودعة في المصرف.
هذه هي الصور التي ذكرها، وقد أشرنا لبعضها، وكل قرض من هذه القروض يأخذ البنك أو غيره زيادة على رأس المال، فهي من الربا المحرم.
فإذا أردنا أن تزكو أموالنا وتطهر، لا أن تمحق وتسحق، فلنبحث عن الحل الإسلامي، فلا حل غيره ما دمنا مسلمين.
ولعل البنوك الإسلامية في عمرها القصير قد قدمت تطبيقا عمليا يمكن الاستفادة منه.
стр. 726
الخاتمة
بعد هذا البيان لودائع البنوك، وبعض الصور الأخرى لعقد القرض في معاملاتنا المعاصرة، أحب أن أقول: أن واجبنا كمسلمين أن نخضع معاملاتنا للإسلام، لا أن نخضع الإسلام لمعاملاتنا، فبدلا من أن نأتي إلى أعمال البنوك الربوية ونحاول تبريرها، ونبحث عن مخرج للحكم بحلها، فلنطالب بتطهير أموالها من الربا، وبتحويل البنوك كلها إلى بنوك إسلامية، ما الذي يمنع بنوكنا وشركاتنا من أن تصبح إسلامية أفليس الحلال الطيب الذي يأتي عن طريق الشركات التي أباحها الإسلام خيرا من الاتجار في الديون والتعامل بالربا؟
إن الدين عند الله الإسلام، فهل الإسلام عقائد وعبادات فقط؟ لقد شكلت لجان لبحث تطبيق الشريعة، فعلينا أن ننادي بتطبيق الإسلام في المعاملات، والمساعدة في بيان كيفية التطبيق لا أن نحل الأوضاع الربوية القائمة.
إن الصالح لمعاملاتنا هو تطبيق الإسلام حتى يتطهر مالنا ويزكو ويبارك فيه، بدلا مما نراه من المحق والسحق وذهاب البركة وغير ذلك من بعض مظاهر حرب الله لنا، ليس الصالح نابعا من عقيدتنا فحسب، بل أن النظر إلى الاقتصاد المجرد يثبت هذا وقد بين هذا الجانب كثير ممن كتب في الاقتصاد الإسلامي.
وأشير هنا على سبيل المثال إلى ما جاء في محاضرة لمدير أحد البنوك الربوية.
تحدث المدير عن مشكلة المدخرات النفطية، وذكر أن هذه المدخرات وصلت سنة ١٩٧٥ إلى خمسين (مليارا) في البنوك الأجنبية وعندما أضيفت إليها الفوائد وصلت سنة ١٩٧٨ إلى خمسة وستين.
ثم قال: أن ارتفاع الأسعار خلال السنوات الثلاث وصل إلى الضعف، أي أن المدخرات مع فوائدها قيمتها الحقيقية هي ٣٢.٥ فقط، ولو أن هذه المدخرات استثمرت بالفعل في مشروعات إنمائية لكانت القيمة الحقيقية للخمسين هي مائة. وقال بأن دولة واحدة – وهي السودان – يمكن أن تستوعب هذه المدخرات جميعها في مشروعاتها.
وهنا قال أحد رجال الاقتصاد الإسلامي:
هذا دليل اقتصادي على تحريم الربا، وعلى أن مصلحة المسلمين في الاستثمار بالطريق التي أحلها الإسلام. فقال مدير البنك: أن هذا لم يخطر ببالي من قبل!
من هذا نرى أن المصلحة الاقتصادية ذاتها ليست في التعامل بنظام الفائدة، وإنما في المشاركة في التنمية والاستثمار، غير أن هذه ليست مصلحة فقط، وإنما هي عقيدة ودين.
فلنتعاون جميعا في الدعوة إلى تطبيق الإسلام في معاملاتنا، بدلا من أن نثير شبها تكون عونا وسندا للمرابين.
ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، إنه نعم المولى ونعم النصير، وهو المستعان، وله الحمد في الأولى والآخرة.
стр. 727
حكم التعامل المصرفي المعاصر بالفوائد
فضيلة الدكتور حسن عبد الله الأمين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد:
للوقوف على الحكم الشرعي للتعامل المصرفي المعاصر بالفوائد، يبدو لي أنه يلزم النظر المتأمل في عدة أشياء لتجلية معانيها وتوضيحها بصورة لا لبس فيها ولا غموض بقدر الإمكان؛ ليكون ذلك مدخلا إلى الغرض المطلوب.
من ذلك كلمة (الربا) ومدلولها العرفي الذي يفهمه العربي عند إطلاقها؛ لأهمية ذلك في تحديد الربا الجاهلي الذي ورد تحريمه في القرآن الكريم، وهل يتناوله ذلك التعامل المصرفي المعاصر، أم لا؟..
ومنها كلمة (الفائدة) وتحديد معناها اللغوي والاصطلاحي القديم والمعاصر وهل يتفق ذلك مع المفهوم العرفي لكلمة (الربا) أم يختلف عنه؟.. وفي ضوء ذلك يمكن إدخالها في نوع الربا القرآني، أو استبعادها منه، ومن ثم يسهل الوصول إلى الحكم الشرعي لها. وإذن فلنتكلم عن كل من هذين الأمرين حسب الترتيب أعلاه..
стр. 728
معنى الربا
ما هو مدلول كلمة الربا في لغة العرب؟ وما هو مدلولها في عرفهم؟ وما هو معناها في الاصطلاح الشرعي؟
أولا: في اللغة – الربا في اللغة معناه الزيادة مطلقا من غير اختصاص شيء معين – من ربا الشيء يربو ربوا – أي زاد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ أي زائدة، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي زادت.
ثانيا: في الاصطلاح:
الربا في الاصطلاح جاء على نوعين: -
النوع الأول: ربا الجاهلية الذي حرمه القرآن الكريم في عدد من الآيات، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ إلخ. (٢)
وهذا النوع من الربا له صورتان في مفهوم العرب، عرف بهما عندهم وتعاملوا به فيما بينهم وصار بهما حقيقة عرفية عندهم.
١ – الصورة الأولى: الزيادة على أصل الدين عند حلول الوفاء، وتأجيله مدة أخرى للعجز عن الوفاء.
٢ – الصورة الثانية: الزيادة على دين القرض عند العقد ابتداء.
وهاتان الصورتان لمفهوم الربا في الجاهلية واللتان يتناولهما النص القرآني في عدد من الآيات ذكر كلا منهما عدد من المفسرين صراحة، وإن كان بعض المفسرين قد اقتصر على الصورة الأولى منهما، ربما لشهرتهما وكثرة جريانها عند العرب.
والذي يؤكد الصورة الثانية بما لا يقل عن الصورة الأولى شهرتها لدى اليهود على مدى التاريخ، وقد كانوا مستوطنين يثرب – المدينة المنورة – قبل الإسلام وفي مطلعه قبل إجلائهم، ولا يعقل أن تكون ممارستهم للربا بهذه الصورة، خافية على جيرانهم العرب على الأقل، أن لم يكونوا قد مارسوها مع اليهود أو فيما بينهم بعد أن تعلموها منهم.
وهذا ما يجعل تناول النص القرآني لها أمرا مؤكدا في مفهوم العرب آنذاك وما جرى به عرفهم.
стр. 729
أقوال المفسرين
وإليك بعض ما قاله المفسرون عن هاتين الصورتين للربا الجاهلي المحرم بالقرآن:
عن الصورة الأولى: قال ابن جرير الطبري: " قال قتادة: أن ربا الجاهلية، يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه. وعن زيد بن أسلم قال: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن، يكون للرجل فضل دين، فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له: تقضي أو تزيدني، فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك، أن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم جذعة، ثم رباعيا، ثم هكذا إلى فوق، وفي العين – الذهب والفضة – يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا، فيكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة، يضعفها له كل سنة أو يعضه ". (١) وقال: عن عطاء قال: كانت ثقيف تداين بني المغيرة في الجاهلية فإذا حل الأجل قالوا نزيدكم وتؤخرون، فنزلت: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ . (٢) ويكاد يكون جميع المفسرين بعد ابن إسحاق قد تكلم بهذا المعنى عن هذه الصورة لربا الجاهلية.
أما الصورة الثانية لربا الجاهلية – المتمثلة في ربا القرض فقد ذكرها عدد من المفسرين عند تعرضهم لتفسير آيات الربا ونوردها فيما يلي نقلا عن كتابنا (الودائع المصرفية النقدية واستثمارها في الإسلام) ص (٢٦١) وما بعدها، (قال أبو بكر الجصاص في كتابه أحكام القرآن عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ قال: والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استعرض على ما يتراضون به، هذا كان المتعارف المشهور بينهم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ فأخبر أن تلك الزيادة إنما كانت ربا في المال العين؛ لأنه لا عوض لها من جهة القرض) .
стр. 730
ثم قال: ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا، من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل، مع شرط الزيادة. (١)
وقال الفخر الرازي في تفسيره: أن ربا النسيئة، هو الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية، ذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المدين برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء، زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا يتعاملون به (٢)
ومثل ما قاله الفخر الرازي ذكره ابن حجر الهيثمي فقال: " وربا النسيئة هو ما كان مشهورا في الجاهلية؛ لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره – أي إلى أجل – على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا ورأس المال باق بحاله، فإذا حل الأجل طالبه برأس ماله، فإن تعذر عليه الأداء زاده في الحق والأجل، ثم قال: وتسمية هذا بنسيئة – مع أنه يصدق عليه ربا الفضل أيضا – لأن النسيئة هي المقصودة فيه بالذات، وهذا النوع مشهور الآن بين الناس وواقع كثيرا ". (٣)
стр. 731
أقوال الفقهاء
تلك كانت أقوال المفسرين في ربا الجاهلية الذي تناولته آيات القرآن ومنه القرض بزيادة مشترطة عند العقد، فإذا انتقلنا إلى أقوال الفقهاء، فإنا نجد عددا منهم يعتبر القرض بزيادة عند العقد صورة أخرى من صور ربا الجاهلية المحرم بالقرآن، قال الكمال ابن الهمام: " الربا: يقال لنفس الزائد، وفيه قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ أي الزائد في القرض والسلف على المدفوع.. ويقال لنفس الزيادة أعني بالمعنى المصدري، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . أي حرم أن يزاد في القرض والسلف على القدر المدفوع ". (١)
وهذا كلام صريح بأن الزيادة في القرض عند العقد هي من ربا الجاهلية المحرم بنصوص القرآن الكريم.
ربا الديون، وربا البيوع
ونجد ابن رشد الحفيد يقسم الربا إلى ربا ديون، وربا بيوع – فيقول: " اتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيوع، وفيما تقرر في الذمة، من بيع أو سلف أو غير ذلك ". (٢) وهو تقسيم دقيق، اتجه إليه أغلب العلماء في هذا العصر، ويدخل في ربا الديون إحدى صور ربا الجاهلية الذي حرمه القرآن – وهو ربا النسيئة – أي الزيادة في الدين في نظير الأجل، سواء نشأ ربا الدين عن قرض بزيادة مشترطة عند العقد، أو بيع مؤجل أعيد تأجيله بربا للعجز عن الوفاء عند الأجل الأول، وعلى ذلك فربا الديون هذا قاصر على النساء فقط ولا يدخله ربا الفضل.
أما ربا البيوع فهو شامل لربا الفضل، وربا النسيئة كل على حدة – حسب التقسيم القديم المعهود، وقد يجتمعان معا في وقت واحد كما في بيع الربوي بجنسه مع التفاضل – كبيع أوقية من الذهب بأوقية وربع الأوقية، إلى أجل شهر مثلا.
ونعود إلى ابن رشد فنجده يستطرد قائلا: " فأما الربا الذي تقرر في الذمة فهو صنفان: صنف متفق عليه، وهو ربا الجاهلية: الذي نهى عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة، وينظرون، فكانوا يقولون: أنظرني أزدك. وهذا هو الذي عناه ﵊ بقوله في حجة الوداع: ((ألا إن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب)) . (٣) فابن رشد يجعل السلف بزيادة من صنف ربا الجاهلية المنهي عنه بالقرآن الكريم – وهو القرض بزيادة، وهو كما يقول صنف متفق عليه.
ويقول ابن قدامة: "وكل قرض شرط أن يزيده فهو حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن السلف إذا شرط على المستلف زيادة أم هدية، فأسلف على ذلك: أن أخذ الزيادة على ذلك ربا ". (٤)
стр. 732
ومن أقوال المفسرين والفقهاء التي سردناها يتبين بجلاء أن القرض بزيادة مشترطة عند العقد هو إحدى صورتي ربا الجاهلية الذي حرمه القرآن والذي كان مفهوما لدى العرب ومعلوما لهم من كلمة الربا عند إطلاقها، وهو من ربا الديون، وليس من ربا الفضل الذي حرمته السنة المطهرة، والذي لا يكون إلا المبيعات، ولا يدخل في ربا الديون بحال.
ولقد حاول بعض العلماء المعاصرين إدراج ربا الفضل المشترط فيه الزيادة عند العقد ربا الفضل، للوصول بذلك إلى إباحته للحاجة الملحة، على أساس أن ربا الفضل من باب سد الذرائع كما يقول ابن القيم وما كان من هذا الباب يجوز عند الحاجة الملحة (١) ، كما يقولون.
وهذا الرأي غير صحيح لما تقدم من اعتبار ربا القرض المشترطة فيه الزيادة من ربا الديون، والذي هو إحدى صورتي ربا الجاهلية الذي حرمه القرآن ونهى عنه وليس هو من ربا البيوع – الذي يدخل ضمنه ربا الفضل.
ولأن الزيادة مع الأجل ليست فضلا وإنما هي عوض الزمن الإضافي ومقابل له، ولا يكون الفضل إلا حيث لا مقابل – فالزيادة تكون فضلا إذا كان تبادل العوضين حاضرا – أما مع الأجل فهي نساء في مقابل الأجل وليست فضلا.
стр. 733
النتيجة المنطقية
فهذه النصوص المختلفة فيما نقل من فعل أهل الجاهلية بشأن القرض، توضح أنهم كانوا يفعلون ذلك في الغالب – على الأقل – بزيادة مشروطة في العقد – أي بما نسميه الآن في المصارف بالفائدة – وقد يكون في بعض الأحيان قرضا حسنا حسبة للمعوزين.
فكيف يقال: أن الزيادة التي أضيفت على المال بعد الاستحقاق ثم التأجيل "ربا" – سواء أكان أصل الدين قرضا أم ثمن سلعة – أما الزيادة التي زيدت على المستلف في مبدأ الإقراض، والثانية التي أضيفت على المال بعد الاستحقاق ثم التأجيل، وبهذا يتناسق التشريع – كما هو الشأن في تشريعات الإسلام – والأمر الثاني: أن يقع في التناقض – وحاشا لله، وهو أمر مستحيل) (١) فلم يبق إلا التسوية بين الزيادتين في الحكم واعتبار النص القرآني متناولا لهما معا، وإجراء حكمه عليهما.
ومن جهة ثانية، فما دمنا كلنا متفقين على أن القرض الجاهلي كان بعضه حسنا وبعضه الآخر بالزيادة المشروطة في أصل العقد وهذه الزيادة مماثلة للزيادة اللاحقة بعد الاستحقاق والتأجيل مرة أخرى. فلا مفر من التسوية بينهما في الحكم، إلا بدليل يخصص إحداهما بالحكم دون الأخرى. وليس بين يدينا هذا الدليل، فتكون التفرقة بينهما في الحكم تحكمًا.
стр. 734
ربا البيوع
ذكرنا فيما مضى تقسيم الربا – كما جرى حديثا- إلى ربا ديون وربا بيوع، وأن هذه الطريقة أوضح وأبين من الطريقة القديمة – التى كانت تقسم إلى ربا نسيئة وربا فضل، لأن الأخيرة فيها كثير من الخلط وعدم الوضوح.
وتكلمنا عن ربا الديون، وكيف أن ربا الجاهلية المحرم بالقرآن هو من هذا القبيل، ومنه ربا القرض المشترط فيه الزيادة عند العقد.
وننتقل الآن للحديث عن ربا البيوع في شئ من الإيجاز لبيان صورته المقابلة لربا الديون – بالرغم من قلة حاجتنا إليه في بيان (حكم التعامل المصرفى بالفوائد) الذى هو موضوع بحثنا – حيث يقع في نطاق ربا الديون – كما سيأتى إن شاء الله.
فنقول: أن ربا البيوع: هو الذى حرمته السنة النبوية الشريفة بقوله ﷺ ، فيما رواه عبادة بن الصامت قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) (١) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن ماعدا الترمذى. وما رواه أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجر)) .. متفق عليه (٢) . فهذان الحديثان الصحيحان وأحاديث أخرى مثلهما في هذا الباب جاءت بتحريم نوع معين من البيوع وسمته ربا – وهو ما يطلق عليه ربا الفضل تغليبا للفضل على ربا النسيئة – وهو في الواقع يشمل ربا الفضل وربا النسيئة كما قدمنا..
ولم يكن هذا النوع من البيوع معروفا لدى العرب في الجاهلية بكونه ربا، وإن كانوا يتعاملون به، ولكنه لم يكن معروفا عندهم بكونه ربا، لا لغة ولا عرفا (٣) ، وإنما أصبح ربا بالسنة النبوية التى أوردناها في الأحاديث السابقة، وكله متعلق بالبيوع سواء كان بيع النقدين أو غيرهما من الأصناف الربوية التى وردت في الأحاديث النبوية الصحيحة، أو ما قيس عليها من الأموال الأخرى لدى القائلين بالقياس من الفقهاء.
وهذا النوع من الربا مجمع على تحريمه كالنوع الأول المتعلق بالديون والمحرم بالقرآن – ماعدا ما نقل عن ابن عباس رضى الله عنهما من إنكار لربا الفضل، استنادا إلى حديث أسامة بن زيد (لا ربا إلا في النسيئة) . وقد قيل أن ابن عباس رجع عن إنكاره لربا الفضل (٤) .
стр. 735
أساس تقسيمات الربا ودليل كل نوع
والأساس الذى قام عليه تقسيم الربا إلى ربا ديون، وربا بيوع. وأن الأول ثابت بالقرآن الكريم – وهو ربا الجاهلية. والثانى ثابت بالسنة الصحيحة ولم يكن معروفا بكونه ربا عند العرب في جاهليتهم.
هو أن الألف واللام في كلمة (الربا) التى وردت في القرآن إنما هى للعهد على الأصح وليست للعموم والاستغراق، كما أنها ليست مبهمة بحيث تحتاج إلى بيان بأمر آخر، كما ذهب إلى ذلك أغلب المفسرين (١) . بأكثر من ثمن الأصل، وكالصوف واللبن وتمر النخيل، إذا كانت أصولها للقنية – فهذه كل فائدة مستفادة (٢) فمعنى الفائدة في الاصطلاح الفقهى أخص من المعنى العام اللغوي لهذه الكلمة، أما معنى الفائدة في الاصطلاح المصرفي فهو (الثمن المدفوع نظير استعمال النقود) ، وهو بعيد عن معناها في الاصطلاح الفقهى ولكنه يدخل في المعنى اللغوي العام للكلمة.
معنى الربح: فإذا انتقلنا إلى وجه آخر من وجوه الكسب المشروعة وهو الربح، فإنا نجد الفقهاء يعرفونه بأنه: (زائد ثمن مبيع تجر – أي تبادل تجاري – على ثمنه الأول ذهبا أو فضة) (٣) أي أن الربح هو الزائد عن ثمن السلعة المشتراه منذ البداية بنية بيعها تجاريا، أما إذا لم يكن الزائد عن ثمن سلعة مشتراه بغرض ونية الاتجار بها فإنه لا يسمى ربحا، وقد يسمى فائدة كما مر، أو قد يسمى غلة على ما سيأتى، ولابن قدامة الحنبلى قول في معنى الربح يطابق تعريف المالكية له، وذلك في معرض كلامه عن زكاة نماء عروض التجارة قال: " أن الزكاة لا تجب إلا في مال نام.. وإن النماء. "
стр. 736
معنى الفائدة المصرفية
ذكرنا في التمهيد: أننا لكي نصل إلى حكم سليم للتعامل المصرفي بالفائدة لابد لنا من توضيح مفاهيم كلمة الربا وكلمة الفائدة توضيحا كاملا لنتمكن بذلك من عقد المقارنة بينهما ثم نرى ما إذا كان بينهما التقاء كلي أو جزئي أم لا، فإن التقيا التقاء تاما أخذت الفائدة المصرفية حكم الربا الذى شرحناه. وإلا، أصبحت آخر ويأخذ حكما مختلفا.
ولقد أوفينا كلمة (الربا) حقها بعض الشئ، من الشرح والتوضيح وننتقل الآن لشرح وتوضيح كلمة الفائدة، في اللغة العربية، وفى الاصطلاح الفقهي، وفى الاصطلاح المصرفي. ولزيادة الإيضاح نذكر معانى بعض الكلمات الشبيهة بالفائدة من حيث كونها أسماء لبعض وجوه الكسب.
كالغلة، والربح، لمعرفة ما إذا كانت الفائدة تمثل واحدة منهما. ونبدأ بالفائدة فنقول:
١- الفائدة في اللغة: جاء في تاج العروس: " أن الفائدة ما افاء الله تعالى العبد من خير يستفيده ويستحدثه " (١) وقال في ترتيب القاموس " الفائدة: ما استفدت من علم أو مال جمع فوائد " (٢) وهذا معنى عام يشمل المال وغيره وسواء أكان المال مشروعا مكتسبا بوجه مشروع أم لا.
٢- أما الفائدة في الاصطلاح الفقهي فهي: " ما تجدد – أي نتج – لا عن مال كميراث وعطية، أو عن مال غير مزكى كالزائد من ثمن عروض القنية – إذا بيعت في الغالب في التجارة إنما يحصل بالتقليب " (٣) والنماء – أي – الزيادة التى تحصل من تقليب التجارة بيعا وشراء، - هو الربح دون شك، فالربح إذن عند ابن قدامة كما هو عند فقهاء المالكية هو ما نتج عن عملية تبادل تجاري، تقلب فيه النقود إلى عروض تجارية، ثم تباع هذه العروض التجارية بثمن أزيد من ثمن شرائها، فهذه الزيادة عن الثمن الأول تسمى في الاصطلاح الفقهي ربحا.
٣- معنى الغلة: الغلة في المصطلح الفقهي هي: " ما تجدد – أي نتج – من سلع التجارة قبل بيع رقابها، كالصوف واللبن وتمر النخيل المشترى للتجارة، وكزيادة المبيع في ذاته، إذا اشتراه للتجارة صغيرا بعشرين، ثم باعه بعد كبره بخمسين مثلا" (٤) فهذه الزيادة لا تسمى ربحا، وإنما تسمى غلة.
стр. 737
اختلاف المعنى العرفي المصرفي
للفائدة عن المعنى الشرعى لها
ومن الشرح المتقدم لبيان معانى بعض أوجه الكسب المشروع يتبين لنا أن المعنى الاصطلاحي للفائدة المصرفية يختلف عن معنى هذه الكلمة في الاصطلاح الفقهي كما يختلف عن غيره من أوجه الكسب المشروع الأخرى لأنها كما تقدم.
(هى الثمن المدفوع نظير استعمال النقود) أي مقابل اقتراضها بزيادة لأجل محدد. فهي لا تتفق مع معنى الربح الشرعي، ولا مع معنى الغلة الشرعية في المصطلح الفقهي.
انطباق معنى الربا على الفائدة المصرفية
وإذا كان معنى الفائدة المصرفية التى يجرى التعامل المصرفي بها في الوقت الحاضر لا ينطبق على مفهوم الفائدة، ولا الغلة ولا الربح في الاصطلاح الفقهي فهل ينطبق معناها على الربا الشرعى المتقدم ذكره، ويأخذ حكمه في الشرع، أم يختلف عنه كما اختلف مع تلك الأشياء؟
لقد ذكرنا من قبل أن تعريف الفائدة المصرفية الذى يقول (إنها الثمن المدفوع نظير استعمال النقود) معناه أنها الزيادة مقابل إقراض النقود إلى أجل – وهذا معنى القرض بزيادة مشروطة عند العقد والذى بينا من قبل أنه إحدى صورتي ربا الديون المعروف في الجاهلية والذى حرم بنص القرآن الكريم في عدد من الآيات.
يتضح ذلك بجلاء إذا علمنا أن المبالغ المالية التى تستخدمها – المصارف – أي تقدمها في عمليات الإقراض المباشر وغير المباشر للمتمولين – أي طالبى التمويل من التجارة وأصحاب الأعمال الأخرى، وتأخذ مقابل ذلك مبالغ محددة سلفا، زيادة على أصل المبلغ تسمى (بالفائدة) هذه المبالغ ما هي في الغالب إلا الودائع المؤجلة أو ودائع الادخار.
стр. 738
وهذه الودائع المذكورة متفق على أنها قروض في فقه القانون وفي التشريعات القانونية بل وفي تخريجها الشرعي.
كما أن البنوك نفسها تدفع لأصحاب هذه الأموال التى يودعونها لديها مبالغ عائدة على أصلها عند ردها لأصحابها – مشروطة تلك المبالغ الزائدة عند استلامها باعتبارها قروضا مباشرة (بالفائدة) .
فالفائدة إذن ما هى إلا زيادة مشروطة في قرض مؤجل لمصلحة المودع في حالتى الودائع المؤجلة أو ودائع الادخار، ويدل على ذلك عدم وجودها في الودائع الجارية – أي تحت الطلب – مع كونها معتبرة قروضا أيضا في الفقه القانون والتشريع.
كما أن الفائدة زيادة مشروطة في قرض مؤجل لمصلحة البنك في حالة إقراضه للمتمولين الآخرين.
فهي على هذا الوجه أو ذلك زيادة مشروطة في قرض مؤجل، وبذلك تلتقى تماما في مقاييس الفقه والشريعة الإسلامية بمعنى الزيادة في القرض عند العقد، وتمثل بذلك إحدى صورتي ربا الجاهلية الذى حرم تحريما قاطعا بنص القرآن الكريم، بل هي الصورة البارزة في ربا الجاهلية، حتى أن أبا بكر الجصاص بالغ في توكيدها حتى قال " ولم يكن تعاملهم – أي عرب الجاهلية – بالربا إلا على هذا الوجه الذى ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة (١)
стр. 739
شاهد من أهلها
والفائدة المدفوعة كثمن لاستعمال النقود، كانت تعتبر (ربا) عند أصحابها الغربيين انفسهم، ولكن التطور التجاري والصناعي والحاجة إلى الائتمان لمواجهة هذا التطور جعلهم يتنازلون عن تشددهم على أخذ الفوائد، ويقصرون اسم الربا على ما زاد الذى سمح به عن القدر القانون أو العرف (١) .
بل أن بعض كبار علماء الغرب من لا يزال يسمى الفائدة المصرفية مهما قلت (ربا) ينقل في ذلك الدكتور عيسى عبده عليه رحمة الله عن اللورد كينز أحد أعمدة الاقتصاد الغربي قوله " وحين تتوافر رؤس الأموال المتاحة للتوظيف في صورة مدخرات خاصة أو جماعية فإن سعر الفائدة يهبط بطبيعته إلى الصفر، ولا يبقى مجال يعيش المستثمر المتبطل على حساب المجتمع بما يقتضيه من فائض ربوي في صورة فائدة، أو ربح فاحش" (٢) .
стр. 740
ربا القرض ليس قاصرا على الأموال الربوية
كما ذهب بعض آخر من الكتاب إلى أن (الفوائد) التى يتعامل بها الناس في النظام المصرفى المعاصر تجرى في نوع من المال الذى يعتبر من نوع الفلوس وليست من نوع الذهب والفضة – والفلوس فيما يرى ليست أثمانا كالذهب والفضة حتى يجري فيها الربا (١) .
ومع اختلافنا مع هذا الفريق في قوله بعدم ربوية الفلوس والنقود الورقية المعاصرة، فإننا نقول إنه فرض صحة هذا الرأى، فإن هذا لا ينطبق على ربا القروض. ذلك أن (الربا) القرض يسرى في جميع الأموال ما كان منها ربويا في الأصل كالأصناف الستة الواردة بالأحاديث النبوية الشريفة كالذهب والفضة والبر والشعير.. إلخ، وما كان منها غير ربوي في الأصل –على رأي هذا الفريق – كالفلوس المصنوعة من الحديد والنيكل والبرونز، والأوراق النقدية في الوقت الحاضر، فبمجرد قرض شئ من هذه الأشياء تصبح الزيادة فيه (ربا) لأن القرض يجب أن يرد كمثله دون زيادة مهما كان نوعه من الأموال، باتفاق العلماء. قال ابن حزم في كتابه المحلى " الربا لا يكون إلا في بيع أو سلم أو قرض.. وهو في القرض، في كل شئ فلا يحل إقراض شئ ليرد إليك أقل ولا أكثر، ولا من نوع آخر أصلا، لكن مثل ما اقرضت في نوعه ومقداره.. وهذا إجماع مقطوع به" (٢) وقال " وأما القرض فجائز في الأصناف الستة التى ذكرناها وغيرها، وفى كل ما يمتلك ويحل إخراجه عن الملك، ولا يدخل الربا فيه إلا في وجه واحد فقط وهو اشتراط أكثر مما أقرض، أو أقل مما أقرض، أو أجود مما أقرض، أو أدنى مما أقرض، وهذا مجمع عليه" (٣) ولذلك كله فإن الفوائد المصرفية باعتبارها قرضا بزيادة مشترطة تظل ربا محرما بأى نقد كانت.