← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

معنى الفائدة المصرفية ذكرنا في التمهيد: أننا لكي نصل إلى حكم سليم للتعامل المصرفي بالفائدة لابد لنا من توضيح مفاهيم كلمة الربا وكلمة الفائدة توضيحا كاملا لنتمكن بذلك من عقد المقارنة بينهما ثم نرى ما إذا كان بينهما التقاء كلي أو جزئي أم لا، فإن التقيا التقاء تاما أخذت الفائدة المصرفية حكم الربا الذى شرحناه. وإلا، أصبحت آخر ويأخذ حكما مختلفا. ولقد أوفينا كلمة (الربا) حقها بعض الشئ، من الشرح والتوضيح وننتقل الآن لشرح وتوضيح كلمة الفائدة، في اللغة العربية، وفى الاصطلاح الفقهي، وفى الاصطلاح المصرفي. ولزيادة الإيضاح نذكر معانى بعض الكلمات الشبيهة بالفائدة من حيث كونها أسماء لبعض وجوه الكسب. كالغلة، والربح، لمعرفة ما إذا كانت الفائدة تمثل واحدة منهما. ونبدأ بالفائدة فنقول: ١- الفائدة في اللغة: جاء في تاج العروس: " أن الفائدة ما افاء الله تعالى العبد من خير يستفيده ويستحدثه " (١) وقال في ترتيب القاموس " الفائدة: ما استفدت من علم أو مال جمع فوائد " (٢) وهذا معنى عام يشمل المال وغيره وسواء أكان المال مشروعا مكتسبا بوجه مشروع أم لا. ٢- أما الفائدة في الاصطلاح الفقهي فهي: " ما تجدد – أي نتج – لا عن مال كميراث وعطية، أو عن مال غير مزكى كالزائد من ثمن عروض القنية – إذا بيعت في الغالب في التجارة إنما يحصل بالتقليب " (٣) والنماء – أي – الزيادة التى تحصل من تقليب التجارة بيعا وشراء، - هو الربح دون شك، فالربح إذن عند ابن قدامة كما هو عند فقهاء المالكية هو ما نتج عن عملية تبادل تجاري، تقلب فيه النقود إلى عروض تجارية، ثم تباع هذه العروض التجارية بثمن أزيد من ثمن شرائها، فهذه الزيادة عن الثمن الأول تسمى في الاصطلاح الفقهي ربحا. ٣- معنى الغلة: الغلة في المصطلح الفقهي هي: " ما تجدد – أي نتج – من سلع التجارة قبل بيع رقابها، كالصوف واللبن وتمر النخيل المشترى للتجارة، وكزيادة المبيع في ذاته، إذا اشتراه للتجارة صغيرا بعشرين، ثم باعه بعد كبره بخمسين مثلا" (٤) فهذه الزيادة لا تسمى ربحا، وإنما تسمى غلة.

стр. 737

اختلاف المعنى العرفي المصرفي للفائدة عن المعنى الشرعى لها ومن الشرح المتقدم لبيان معانى بعض أوجه الكسب المشروع يتبين لنا أن المعنى الاصطلاحي للفائدة المصرفية يختلف عن معنى هذه الكلمة في الاصطلاح الفقهي كما يختلف عن غيره من أوجه الكسب المشروع الأخرى لأنها كما تقدم. (هى الثمن المدفوع نظير استعمال النقود) أي مقابل اقتراضها بزيادة لأجل محدد. فهي لا تتفق مع معنى الربح الشرعي، ولا مع معنى الغلة الشرعية في المصطلح الفقهي. انطباق معنى الربا على الفائدة المصرفية وإذا كان معنى الفائدة المصرفية التى يجرى التعامل المصرفي بها في الوقت الحاضر لا ينطبق على مفهوم الفائدة، ولا الغلة ولا الربح في الاصطلاح الفقهي فهل ينطبق معناها على الربا الشرعى المتقدم ذكره، ويأخذ حكمه في الشرع، أم يختلف عنه كما اختلف مع تلك الأشياء؟ لقد ذكرنا من قبل أن تعريف الفائدة المصرفية الذى يقول (إنها الثمن المدفوع نظير استعمال النقود) معناه أنها الزيادة مقابل إقراض النقود إلى أجل – وهذا معنى القرض بزيادة مشروطة عند العقد والذى بينا من قبل أنه إحدى صورتي ربا الديون المعروف في الجاهلية والذى حرم بنص القرآن الكريم في عدد من الآيات. يتضح ذلك بجلاء إذا علمنا أن المبالغ المالية التى تستخدمها – المصارف – أي تقدمها في عمليات الإقراض المباشر وغير المباشر للمتمولين – أي طالبى التمويل من التجارة وأصحاب الأعمال الأخرى، وتأخذ مقابل ذلك مبالغ محددة سلفا، زيادة على أصل المبلغ تسمى (بالفائدة) هذه المبالغ ما هي في الغالب إلا الودائع المؤجلة أو ودائع الادخار.

стр. 738

وهذه الودائع المذكورة متفق على أنها قروض في فقه القانون وفي التشريعات القانونية بل وفي تخريجها الشرعي. كما أن البنوك نفسها تدفع لأصحاب هذه الأموال التى يودعونها لديها مبالغ عائدة على أصلها عند ردها لأصحابها – مشروطة تلك المبالغ الزائدة عند استلامها باعتبارها قروضا مباشرة (بالفائدة) . فالفائدة إذن ما هى إلا زيادة مشروطة في قرض مؤجل لمصلحة المودع في حالتى الودائع المؤجلة أو ودائع الادخار، ويدل على ذلك عدم وجودها في الودائع الجارية – أي تحت الطلب – مع كونها معتبرة قروضا أيضا في الفقه القانون والتشريع. كما أن الفائدة زيادة مشروطة في قرض مؤجل لمصلحة البنك في حالة إقراضه للمتمولين الآخرين. فهي على هذا الوجه أو ذلك زيادة مشروطة في قرض مؤجل، وبذلك تلتقى تماما في مقاييس الفقه والشريعة الإسلامية بمعنى الزيادة في القرض عند العقد، وتمثل بذلك إحدى صورتي ربا الجاهلية الذى حرم تحريما قاطعا بنص القرآن الكريم، بل هي الصورة البارزة في ربا الجاهلية، حتى أن أبا بكر الجصاص بالغ في توكيدها حتى قال " ولم يكن تعاملهم – أي عرب الجاهلية – بالربا إلا على هذا الوجه الذى ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة (١)

стр. 739

شاهد من أهلها والفائدة المدفوعة كثمن لاستعمال النقود، كانت تعتبر (ربا) عند أصحابها الغربيين انفسهم، ولكن التطور التجاري والصناعي والحاجة إلى الائتمان لمواجهة هذا التطور جعلهم يتنازلون عن تشددهم على أخذ الفوائد، ويقصرون اسم الربا على ما زاد الذى سمح به عن القدر القانون أو العرف (١) . بل أن بعض كبار علماء الغرب من لا يزال يسمى الفائدة المصرفية مهما قلت (ربا) ينقل في ذلك الدكتور عيسى عبده عليه رحمة الله عن اللورد كينز أحد أعمدة الاقتصاد الغربي قوله " وحين تتوافر رؤس الأموال المتاحة للتوظيف في صورة مدخرات خاصة أو جماعية فإن سعر الفائدة يهبط بطبيعته إلى الصفر، ولا يبقى مجال يعيش المستثمر المتبطل على حساب المجتمع بما يقتضيه من فائض ربوي في صورة فائدة، أو ربح فاحش" (٢) .

стр. 740

ربا القرض ليس قاصرا على الأموال الربوية كما ذهب بعض آخر من الكتاب إلى أن (الفوائد) التى يتعامل بها الناس في النظام المصرفى المعاصر تجرى في نوع من المال الذى يعتبر من نوع الفلوس وليست من نوع الذهب والفضة – والفلوس فيما يرى ليست أثمانا كالذهب والفضة حتى يجري فيها الربا (١) . ومع اختلافنا مع هذا الفريق في قوله بعدم ربوية الفلوس والنقود الورقية المعاصرة، فإننا نقول إنه فرض صحة هذا الرأى، فإن هذا لا ينطبق على ربا القروض. ذلك أن (الربا) القرض يسرى في جميع الأموال ما كان منها ربويا في الأصل كالأصناف الستة الواردة بالأحاديث النبوية الشريفة كالذهب والفضة والبر والشعير.. إلخ، وما كان منها غير ربوي في الأصل –على رأي هذا الفريق – كالفلوس المصنوعة من الحديد والنيكل والبرونز، والأوراق النقدية في الوقت الحاضر، فبمجرد قرض شئ من هذه الأشياء تصبح الزيادة فيه (ربا) لأن القرض يجب أن يرد كمثله دون زيادة مهما كان نوعه من الأموال، باتفاق العلماء. قال ابن حزم في كتابه المحلى " الربا لا يكون إلا في بيع أو سلم أو قرض.. وهو في القرض، في كل شئ فلا يحل إقراض شئ ليرد إليك أقل ولا أكثر، ولا من نوع آخر أصلا، لكن مثل ما اقرضت في نوعه ومقداره.. وهذا إجماع مقطوع به" (٢) وقال " وأما القرض فجائز في الأصناف الستة التى ذكرناها وغيرها، وفى كل ما يمتلك ويحل إخراجه عن الملك، ولا يدخل الربا فيه إلا في وجه واحد فقط وهو اشتراط أكثر مما أقرض، أو أقل مما أقرض، أو أجود مما أقرض، أو أدنى مما أقرض، وهذا مجمع عليه" (٣) ولذلك كله فإن الفوائد المصرفية باعتبارها قرضا بزيادة مشترطة تظل ربا محرما بأى نقد كانت.

стр. 741

وضوح القضية من المسار المتقدم أصبح أمر الفوائد المصرفية جلى وواضح بدرجة فيما نعتقد لا لبس فيها ولا غموض – وهو أنها نوع من ربا الديون الناشئة عن قروض بزيادة مشترطة في أصل العقد، ومتفق عليها منذ البداية بين طرفيه، وهى والحال هكذا أمر لا ريب في حرمتها حرمة مغلظة باعتبارها صورة لربا الجاهلية الذى شجبه القرآن وحرمه وأنذر متعاطيه بحرب من الله ورسوله، وهو أشنع أنواع الوعيد. وكان بعض الزملاء بمعهد البحوث الإسلامية بالبنك الإسلامى يرى أن موضوع (حكم التعامل المصرفي بالفوائد) أصبح أمرا معلوم الحرمة لدى الرأي العام الإسلامي باعتباره ربا، ولم تعد هناك حاجة لإنفاق الوقت في دراسته دراسة جديدة. ولكن يبدو أن هؤلاء الإخوة لم يطلعوا على وجهات نظر بعض المهتمين بالكتابة في هذه المسائل والذين لم يصلوا إلى القناعة التى يشير إليها الإخوة المعترضون على دراسات جديدة في هذا الموضوع وقد أشرنا فيما تقدم لبعض وجهات نظر هذا الفريق (١) . فكان لابد أن تقوم بعض المعاهد المختصة بهذه المسائل، وخاصة مجمع الفقه الإسلامي بتقديم دراسات علمية مستوفاة تستنفر لها ما تيسر لها الوصول إليهم ممن تأنس فيهم المقدرة على أداء هذه المهمة من علماء المسلمين ثم تبنى على ذلك قرارات تكون هى المرجع والممثل لوجهة النظر العامة للمسلمين في هذا الموضوع.

стр. 742

هل الفائدة المصرفية من باب السلم من جهة أخرى ذهب بعض الباحثين إلى أن الفائدة المصرفية ليست فضلا – أي زيادة في قرض: - ١- لأن الأموال التى تسلمها البنوك أو تدفعها بأجل للمقترضين ليست هى في الحقيقة قرضا، لأنها مؤجلة، والأجل لا يجوز في القرض عند الشافعية. ٢- وأن تلك الأموال تدخل في عقد السلم، لأن السلم يجوز فيه الأجل عند الشافعية. ٣- أن الربا في السلم لا يقع في الأموال غير الربوية – الذهب والفضة، والبر، والشعير.. إلخ. وبما أن الأوراق النقدية ليست من الأموال الربوية – كمثل الفلوس – في مذهب الشافعية، فإنه يرى الفائدة المصرفية ليست من ربا البيوع وعلى ذلك فإن الفائدة حلال. وهذه القضية كما طرحها صاحبها غير صحيحة، وإليك نقضها فيما يلى: المسألة المسارة بين الفقهاء حول الأجل في القرض – والتى بنى عليها هذا الباحث رأيه في جعل الأموال التى تتداولها البنوك أخذا أو عطاء مع عملائها، نوعا من السلم- هى: هل الأجل في القرض ملزم أم لا- بمعنى أنه يلزم المقترض رد القرض وقتما يطلب ذلك منه المقترض ولو كان له أجل مضروب ولم يحل وقته؟ قال الفقهاء كلهم الشافعية وغيرهم ما عدا المالكية، قالوا: " نعم يلزم رد القرض بمجرد طلبه بصرف النظر عن الميعاد المضروب لرده، لأن القرض إرفاق وإحسان، وما على المحسنين من سبيل، وقال المالكية: لا بل الأجل لازم ولا يجب على المقترض رد القرض إلا في الأجل المحدد له، لأن عدم لزوم الأجل قد يترتب عليه إلحاق ضرر بالمقترض، وهذا أمر يتنافى مع غرض مشروعية القرض – وهو الإرفاق بالمقترض لا إعناته والإضرار به. وسواء أصح ما ذهب إليه المالكية – كما نرى – أم ما ذهب إليه غيرهم فإنهم جميعا المالكية وغيرهم متفقون على أن لزوم – اشتراط الأجل، أو عدم لزومه في القرض، لا يؤثر في صحة عقد القرض، ولا يبطله، أو يخرجه عن ماهيته، ويحوله إلى عقد آخر – كعقد السلم – كما يقول الباحث.

стр. 743

وقوله: أن اشتراط الأجل لا يجوز عند الشافعية، قول غير صحيح لأن قضية الأجل عند الشافعية وغيرهم هي حول لزومه، وعدم لزومه كما ذكرنا، لا بخصوص جوازه أو منعه، وفرق كبير بين جواز الشرط وبين لزومه. وعليه فإن القرض مع الأجل يظل صحيحا وتترتب عليه آثاره باتفاق جميع الفقهاء، ولا يتحول إلى عقد سلم سواء قلنا بلزوم شرط الأجل فيه أم لا. ومن جهة أخرى، فإن السلم لا ينعقد إذا كان رأس مال السلم والمسلم فيه نقدا – أي الثمن والمثمن، حتى ولو كان النقد من نوع (الفلوس) ، ما لم يتحدد القدر والصنف، ويكون بلفظ القرض أو – السلف فينعقد حينئذ قرضا حتما، أما سلما فلا ينعقد إطلاقا. فقد جاء في حاشية الصاوى على الشرح الصغير الآتى: " قوله: إلا أن يكونا طعامين أو نقدين إلخ، فلا يجوز أن تقول لآخر: أسلمتك أردب قمح في أردب قمح ... ، ولا أسلمك دينارا في قدر من فضة أو دينار، ما لم يتحدد القدر والصنف، ويكون بلفظ القرض – أو السلف، وإلا، جاز. وعلم أن الفلوس الجدد هنا كالعين، فلا يجوز سلم بعضها" (١) . وجاء في رد المحتار: " الدراهم والدنانير لأنها أثمان، فلم يجز فيها سلم " وعلق على ذلك ابن عابدين بقوله: " لكن إذا كان رأس المال دراهم أو دنانير أيضا، كان العقد باطلا اتفاقا " (٢) . وبناء على ما أوضحنا تصبح دعوى تحويل الأموال المتبادلة بين المصارف وعملائها داخلة في عقد السلم – وليست قروضا، وبالتالى تصبح الفوائد عليها حلالا لأن السلم لا يدخله الربا إذا كانت الأموال المستعملة فيه ليست من الأموال الستة الربوية – كالنقود الورقية والفلوس، أقول: تصبح هذه الدعوى منقوضة من أساسها، لعدم صحتها كما بينا.

стр. 744

أنواع التعامل المصرفى الذى تدخله الفائدة فيما مضى بينا معنى الربا تفصيلا، ومعنى الفائدة المصرفية وانتهينا إلى أنهما يمثلان شيئا واحدا ولا خلاف بينهما إطلاقا، وبناء على ذلك يجب أن تأخذ الفائدة حكم الربا تماما، فما هى إذن أنواع التعامل المصرفى الذى تدخل فيه الفائدة؟ الإجابة على ذلك فيما يلى: أن الأعمال – أو التعامل المصرفي الذى يمثل الوظيفة الأساسية للمصارف ينقسم إلى نوعين: الأعمال الخدمية النوع الأول: يتعلق بالنواحى الخدمية التى يقدمها المصرف لزبائنه والمتعاملين معه بالأجر، وهو ليس من باب الأعمال التى تدخلها الفائدة في العادة، ويشمل الأعمال التالية: ١- قبول الودائع الجارية – تحت الطلب – وحفظها لأصحابها، وهو في الغالب يأخذ على هذه الخدمة أجرة، وخاصة إذا كانت المبالغ المودعة قليلة، أما إذا كانت المبالغ كبيرة فهو في العادة لا يأخذ عليها أجرة، لأنه كما هو واقع الحال، يستفيد منها في استخداماته لها، وهي في الغالب تمثل أكبر موارد المصارف. ٢- حفظ الأوراق المالية – الأسهم، السندات.. إلخ. ٣- بيع الأوراق المالية – الأسهم، السندات.. إلخ. ٤- تحصيل الأوراق التجارية – الكمبيالات – مثلا. ٥- إصدار خطابات الضمان – المغطاة – أما المكشوفة فالحديث حولها ما زال مطروحا في اللقاءات العلمية. ٦- الاعتمادات المستندية التى لا يقدم المصرف فيها مبالغ نقدية. ٧- ويلحق بهذا قيام المصرف بعمليات الصرافة، أي بيع وشراء العملات المختلفةبعضها بالبعض الآخر. هذه أبرز الأعمال التى تقوم بها المصارف في باب الخدمات.

стр. 745

أعمال الإقراض والتسليف النوع الثانى: من التعامل المصرفي الذى تدخله الفائدة وهو من أعمال الإقراض والتسليف في الغالب – أي ما يطلق عليه منح الائتمان في العرف المصرفي، وقلنا في الغالب لأن هناك من القروض والسلف ما قد يكون حسنا، حسبة لله تعالى بدون (فائدة) . وفيما يلى أغلب أنواع هذا النوع وأظهرها: ١- الفوائد المدفوعة من المصارف، على المبالغ المودعة لديها، خاصة في شكل حسابات بأجل – أيا كان الأجل، شهرا أو عدة شهور، أو سنة وقد تقدم تعريف الفائدة فلا داعي لتكراره. ٢- الفائدة على القرض النقدى المباشر – وهو واضح وبسيط ولكنه لا يمثل إلا قدرا محدودا في العادة من النشاط المصرفي، لارتباطه بقضاء حاجات محدودة للمتعاملين مع المصارف. ٣- الاعتمادات المصرفية – والاعتماد المصرفي كما يعرفه د. محمد شفيق هو: " عقد بين بنك وعميل، يتعهد فيه البنك بوضع مبلغ معين تحت تصرف العميل، خلال مدة معينة " ولأنه عقد يضع البنك بموجبه مبلغا محددا من المال تحت تصرف العميل بحيث يسحبه العميل دفعة واحدة أو على عدة دفعات متعددة، أثناء المدة الزمنية المقررة لسريانه، فإنه والحال هذه، بالإضافة إلى كون هذا المبلغ المسموح للعميل بسحبه بموجب هذا العقد لا تستحق عليه فوائد إلا فيما يسحب منه بالفعل ومن تاريخ السحب، فإنه لهذين الأمرين يمثل الوسيلة الملائمة للعمل التجاري بعكس القرض المباشر الذى تستحق عليه فوائد من حين أخذه، ولو لم يستفد منه في وقته. ٤- الفائدة –على خصم الأوراق التجارية – الكمبيالات- وسندات الإذن، القابلة للتداول، وقد عرفوا الخصم بأنه " اتفاق يعجل به البنك الخاصم، لطالب الخصم قيمة ورقة تجارية، أو سند قابل للتداول، أو مجرد حق أخر مخصوم منها مبلغ يتناسب مع المدة الباقية، حتى استيفاء قيمة الحق عند أجل الورقة، أو السند، أو الحق، وذلك في مقابل أن ينقل طالب الخصم إلى البنك هذا الحق على سبيل التمليك، وأن يضمن له وفاءه عند حلول أجله" (١) . والفائدة على خصم الأوراق التجارية تدخل في هذا الباب على اعتبار أن عملية الخصم هى على القول الراجح في تكييفها الشرعى من قبيل القرض بفائدة. وليست من قبيل حوالة الحق لعدم تساوى الدين المحال به والمحال عليه – وذلك شرط لصحة الحوالة. كما أنها ليست من قبيل بيع الدين الثابت بالأوراق المخصومة لأن بيع الدين لغير من عليه الدين يلزم فيه التقايض، وعدم التفاضل. تلك هى أظهر وأوضح أنواع التعامل المصرفى المعاصر التى تدخلها الفائدة – التى هى ربا محرم كما تبين لنا بوضوح من هذا المسار على صفحات هذا البحث، وهناك أنواع أخرى ثانوية في تضاعيف بعض العمليات المصرفية لا تخفى حقيقتها عند النظر.

стр. 746

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم ٣ بشأن حكم التعامل المصرفى بالفوائد وحكم التعامل بالمصارف الإسلامية أما بعد: فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من ١٠-١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦هـ، الموافق ٢٢-٢٨ ديسمبر ١٩٨٥ م. بعد أن عرضت عليه بحوث مختلفة في التعامل المصرفي المعاصر. وبعد التأمل فيما قدم ومناقشته مناقشة مركزة أبرزت الآثار السيئة لهذا التعامل على النظام الاقتصادي العالمي، وعلى استقراره خاصة في دول العالم الثالث. وبعد التعامل فيما جره هذا النظام من خراب نتيجة إعراضه عما جاء في كتاب الله من تحريم الربا جزئيًا وكليًا تحريمًا واضحًا بدعوته إلى التوبة منه، إلى الإقتصار على استعادة رؤوس أموال القروض دون زيادة ولا نقصان قل أو كثر، وما جاء من تهديد بحرب مدمرة من الله ورسوله للمرابين. قرر: أولًا: أن كل زيادة أو فائدة على الدين الذى حل أجله وعجز عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة (أو الفائدة) على القرض منذ بداية العقد: هاتان الصورتان ربا محرم شرعًا. ثانيًا: أن البديل الذى يضمن السيولة والمساعدة على النشاط الاقتصادي حسب الصورة التى يرتضيها الإسلام – هو التعامل وفقًا للأحكام الشرعية. ثالثًا: قرر المجمع التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف التى تعمل بمقتضى الشريعة الإسلامية، والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامى لتغطى حاجة المسلمين كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته. والله أعلم

стр. 747

أحكام التعامل في المصارف الإسلامية الدكتور وهبة الزحيلي المصرف الإسلامي: هو مؤسسة مالية تقوم بتجميع الأموال واستثمارها وتنميتها لصالح المشتركين، وإعادة بناء المجتمع المسلم، وتحقيق التعاون الإسلامي وفق الأصول الشرعية. وأهم تلك الأصول: اجتناب المعاملات الربوية والعقود المحظورة شرعًا، وتوزيع جميع الأرباح وفق الاتفاق دون استغلال حاجة المضطر أو المحتاج، ومساعدة أهل الحاجة عن طريق القرض الحسن، والدعوة إلى الإسلام اقتصاديًا واجتماعيًا واعتقادًا. مميزات المصارف الإسلامية: تمتاز المصارف الإسلامية عن المصارف التجارية الربوية القائمة على أساس الفائدة المصرفية إيداعًا وإقراضًا، أخذًا وعطاءً، بمميزات واضحة مستمدة من الشريعة الإسلامية، وفقهها الخصب غير الملتزم بمذهب معين، بحيث يمكن أن تحقق هذه التجربة نجاحًا ملحوظًا بارزًا، تستطيع به الصمود أمام المصارف الأخرى، ومنافستها وإقناع المسلم بأنها قادرة على تلبية حاجاته، وتحقيق مطالبه في ظل أحكام القرآن والسنة النبوية الصحيحة، والحد من غطرسة النظام الرأسمالى القائم أساسًا على الاستغلال والطبقية والفائدة الربوية. وأهم هذه المميزات التى يبين منها أوجه الفرق بين المصارف الإسلامية وبين المصارف التجارية هى ما يلى: ١- ارتباطه بالعقيدة الإسلامية: المسلم في كل تصرفاته ملتزم بأصول الحلال والحرام في شريعته، فهو يقدم على الحلال الواضح المعالم الذى يطمئن إليه قلبه، ويتجنب الحرام الذى يمنعه دينه، ويحظره عليه شرعه، فلا يجرؤ على مخالفة حكم من أحكام قرآنه وسنة نبيه، وقد نص القرآن الكريم على تحريم الربا تحريمًا قطعيًا أبديًا، سواء أكان ربا نسيئة، ومنها ربا المصارف، أم ربا فضل، وسواء أكان الربا في البيع أم في القرض، وسواء أكان القرض استهلاكيًا أم إنتاجيًا.

стр. 748

وبذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥) أي حرم جنس الربا بمختلف أنواعه، وأنذر تعالى بمحق فوائد الربا، فقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: ٢٧٦) وأوجب تعالى ترك كل آثار الربا وتصفيته، ولو كانت الفائدة قليلة مثل ١ % بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٢٧٨) وأعلن الحق ﵎ الحرب والعداوة على أكلة الربا، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٩) . وهذا أشد عقاب في الإسلام في الدنيا، وأدل على أن الربا أشد الأحكام حرمة، وأفظعها وأشنعها جرمًا عند الله تعالى، لاستحقاقه عداوة الله والرسول. وينبنى على قاعدة الحلال والحرام هذه أنه لا يجوز للمصرف الإسلامي إنتاج أو تمويل أو استيراد أو تصنيع السلع المحرمة شرعًا كالخمر، أو التعامل بالربا، أو الاحتكار، أو التغرير، أو الغش في التعامل، أما المصارف الربوية فتعتمد على الفائدة أخذًا وعطاء، وعلى دعم الاحتكارات. ويتعين على المصرف الإسلامى توجيه الموارد، واستثمارها في مجال السلع والخدمات المشروعة دون إسراف. ويراعى المصرف في مشروعاته حاجات المسلمين ومصلحة الأمة. ٢- الأخذ بمبدأ الرحمة والتسامح واليسر: إن مبدأ الإخاء الإسلامى يوجب على عاملي المصرف الإسلامي الأخذ بيد المسلم، لانقاذه من عسر أو ضيق طارئ، أو أزمة ألمت به، فلا إرهاق ولا إعنات في المطالبة، ويعتمد في معاملته النصح والإرشاد، والأمانة والصدق، والإخلاص والتسامح، ويتعامل بالقروض الحسنة، ويمهل المدين الغريم عند العسر، أخذًا بنظرية الميسرة المقررة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨٠) . أما المصارف التجارية غير الإسلامية فنظرتها مادية محضة، لا تعنى بالأخلاق، ولا تراعى ظروف المقترض، وإنما يهمها مصلحتها وتحقيق أرباحها، بغض النظر عن أوضاع العميل مع المصرف، فإذا لم يقم بتسديد ما عليه من فوائد متراكمة، تبادر إلى الحجز على ممتلكاته التى قدمتها رهنًا بالقرض.

стр. 749

٣- النزعة الاجتماعية الإنسانية: إن هدف المصارف الربوية هو الربح، وتحقيق أكبر ربح ممكن، بينما هدف المصارف الإسلامية هوالتعاون، ودرء الضرر، ودفع الحاجة، من طريق القروض الحسنة التى لا تأخذ فائدة عليها، وصرف الزكاة إلى الأسر الفقيرة، وطلبة العلم، وبناء المساجد، ودعم الجمعيات الخيرية التى تعنى برعاية الفقراء، طعامًا وغذاء وكساء وماوى وعلاجًا، وبتحفيظ القرآن، وإعداد الجيل إعدادًا صالحًا على منهج التربية الإسلامية في سيرتها السلفية الأولى، مع الأخذ بما تقتضيه المعاصرة والحداثة والتطور النافع المفيد. وتعنى المصارف الإسلامية بربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية، في أطر متوازنة، وتنسيق متكامل، فيسير العمل من أجل توفير الإخاء الاقتصادى، مع التهذيب الاجتماعي القائم على الالتزام بآداب الإسلام وقيمه وأخلاقه الاجتماعية في كل مناحى الحياة ومسيرة المعاملات، فلا غش ولا خداع، ولا تغرير ولا تدليس. ولا مقامرة ولا غبن في المعاملة، منعًا لأكل أموال الناس بالباطل، وحفاظًا على شيوع روح الود والحب والطمأنينة، ومنع المنازعات بين الناس، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الاستقرار في الحياة والأوطان الإسلامية، وتقوية وازع الدين، وخشية الله تعالى ورقابته في السر والعلن، حتى يكون المواطن عضوًا أمينًا صالحًا منتجًا، يعمل بوحى من دينه وضميره الذى لا رقيب عليه إلا الله تعالى، ويتقن أعماله، ويضاعف جهوده في الإنتاج، والتصنيع، وتحسين الثمار والزروع، وغير ذلك من الأنشطة الاقتصادية، وتقوية التجارة القائمة على الثقة، وإفادة الأمة الإسلامية.

стр. 750

٤- المساواة بين طرفى التعامل، والوضوح في العمل، والثقة في الاستثمار. لا تعرف المصارف الربوية هذه المبادئ، وإنما يهمها تشغيل الأموال بمعرفة إدارة المصرف، وإعادة الإقراض إلى غير المودعين بسعر فائدة أعلى من سعر فائدة الودائع. بينماالمصارف الإسلامية لا غموض فيها، وكل أعمالها واضحة، ويهمها توفير ثقة المتعاونين مع إدارة المصرف، ولا تعتمد على الإقراض بالفائدة، وتلتزم بعقد المشاركة بطريق شركة العنان في الفقه الإسلامى مع العميل أو صاحب رأس المال، فيساهم الشريك والمصرف في رأس المال والإدارة، ويقسم الربح بنسبة يتفقان عليها بالتراضى مقدمًا، أما الخسارة فتكون بنسبة رأس المال، إلا إذا كانت الخسارة بسبب التعدى أو التقصير. وفى مجال تشغيل الأموال أو استثمارها يعتمد المصرف على نوع آخر من الشركات هو شركات القراض أو المضاربة التى يقدم فيها المصرف كل التمويل، بينما يقوم الشريك المضارب بالإدارة والعمل، وفقًا لشروط محددة يعينها المصرف حسبما يعرف في الفقه الإسلامى بالمضاربة المقيدة. ويحدد نصيب المضارب في الربح بالتراضى بين الجانبين مقدما، أما الخسارة فيتحملها المصرف وحده، ويفقد الشريك المضارب مجهوده الذى بذله في إدارة المشروع، ما لم تكن الخسائر بسبب التعدى أو التقصير. أما في نطاق الاستيراد كشراء السيارات والسلع التجارية، سواء من داخل البلاد أو خارجها فيلجأ المصرف إلى نوع آخر من البيوع يسمى بيع المرابحة: وهو البيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح، وهو من بيوع الأمانة، فإن ظهرت خيانته، كان للمشترى الخيار بنقض الصفقة. ويستطيع المصرف أن يأخذ ربحًا معقولًا على شراء السلعة، سواء أكان البيع حالًا (نقدًا) أم مقسطًا، أم مؤجلًا لأجل معين، ويجوز في رأى جمهور الفقهاء أن يكون سعر التقسيط أو المؤجل أعلى من السعر الحالى أو النقدى، بشرط تحديد السعر تحديدًا نهائيًا عند الاتفاق على البيع.

стр. 751

ويمكن للمصرف بناء بيت أو منزل في أرض بمبلغ معين يراعى فيه التكاليف زائدًا الربح، يدفع عند التسليم أو على أقساط يتفق عليها، ولا مانع من اختلاف الثمن باختلاف الأجل. أما التحاويل والحوالات التى هى وسائل تؤدى إلى سداد مبالغ نقدية في داخل البلد أو خارجه، فيجوز شرعًا، وكما هو معمول به في المصارف التجارية، أن تكون بأجر أو بغير أجر. وأما خطابات الضمان (وهى التعهدات الكتابية التى يتعهد بمقتضاها المصرف بكفالة أحد عملائه في حدود مبلغ معين تجاه طرف ثالث، بمناسبة التزام ملقى على عاتق العميل المكفول) فهى كفالة جائزة شرعًا. أما أخذ المصرف الأجرة على هذه الكفالة، فيجوز إذا كان خطاب الضمان بغطاء كامل أو جزئي (أى يتعهد بالدفع الكلي أو الجزئي، ويرصد مقابلها ما يوازيها) لأن العقد عقد كفالة ووكالة معًا، كفالة بالنسبة لعلاقة المصرف مع الطرف الثالث، ووكالة بالنسبة لعلاقة المصرف مع العميل. ولا يجوز للمصرف أخذ الأجر إذا كان خطاب الضمان بغير غطاء (أى لا يرصد مقابل الكفالة شئ) لأن العقد هنا عقد كفالة، ولا يجوز أخذ الأجرة على الكفالة، لأنها من عقود التبرعات، وأخذ الأجر على ذات الضمان غير جائز عند جمهور الفقهاء خلافًا لما عليه المصارف التجارية من أخذ عوائد على خطابات الضمان التى تصدرها. وهذا الحكم الشرعى هو ما أخذ به المؤتمر الأول للمصارف الإسلامية وهيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامى السوداني. وأجازت هذه الهيئة أخذ أجر حالة الكفالة المجردة، شريطة أن يكون محسوبًا نظير ما يقوم به البنك من خدمة فعلية يتكبدها في سبيل إصدار خطابات الضمان، من غير أن يمتد ذلك إلى الضمان نفسه.

стр. 752

٥-مناط الربح تشغيل رأس المال والعمل: الاسترباح في المصارف الإسلامية يعتمد على تشغيل رأس المال والعمل من جانب المصرف أو وكلائه، فلا يحق إيداع المال مقابل فائدة ثابتة، وأنما صاحب رأس المال شريك بناء على شركة العنان أو شركة المضاربة. ويجوز اجتماع شركة المضاربة مع أخرى كشركة العنان، كما يجوز تعدد أرباب المال وتعدد المضاربين، فللمضارب الواحد أو جماعة المضاربين الاشتراك مع آخرين في شركة عنان. والمضاربة مبنية على الأمانة، فلا يجوز أن يضمن المضارب المال، وإلا فسخ العقد. ويطبق المصرف مبدأ المضاربة المطلقة فيما يتعلق بالودائع الاستثمارية، والمضاربة المقيدة فيما يتعلق بعمليات الاستثمار. أما المستفيد من المصارف فيقترض منها بالقرض الحسن الذى لا فائدة فيه، ومال القرض هو مال بعض مؤسسى المصرف، لأن الفقهاء اتفقوا على أن كل قرض جر نفعًا فهو ربا، أي اشترط فيه النفع وهو الربا أو الفائدة أو المنفعة كالسكنى في بيت الغريم المدين. ولا يجوز في أي تعامل للمصرف أن ينص على دفع فائدة منه أو إليه، وليس له أخذ فائدة مقابل دفع مبلغ مؤجل حالًا، لأن ذلك ربا حرام، داخل في مضمون قاعدة: (ضع وتعجل) وهى من قواعد الربا. وبناء عليه، لا يصح للمصرف في تعامله مع المصارف الأجنبية أن ينص على أخذ فائدة أو دفع فائدة، كأن يشترط المصرف الإسلامي على المصرف الأجنبى أن يقرضه عندما ينكشف حسابه مقابل فائدة. والحل هو الاتفاق على إيداع المصرف الإسلامي مبالغ في المصرف الأجنبي لحسابه من غير فائدة. وإذا احتاج المصرف الإسلامي تغطية عجزه، لا يدفع فائدة للمصرف الأجنبي إذا صار دائنًا له، وقد قبلت المصارف الربوية هذا التعامل.

стр. 753

ويلاحظ أن المصارف التجارية لا تتعامل مع عملائها أو مع المصارف الأخرى إلا بفائدة ربوية في حالتي الأخذ والعطاء. ونظام الفوائد سلبًا وإيجابًا يؤدى إلى تضخم التكاليف، وارتفاع الأسعار، لأن كل فائدة تضم في النهاية على سعر السلعة، ويدفعها المستهلك مع ثمن البضاعة. وهناك عبء إضافى ثقيل على المقترض من المصارف الربوية وهو مضاعفة الفائدة أو ما يسمى بالفائدة المركبة مع مرور الزمن ومضي السنوات، وإذا عجز عن تسديد هذه الفائدة وهو الغالب، فإن أرضه أو بستانه أو منزله الذى قدمه رهنًا سيباع بالمزاد العلني، ويأخذ المصرف من الثمن كامل حقه غير منقوص. ٦-سعة رقعة التعامل مع العملاء: ليس كل أحد يستطيع التعامل مع المصارف التجارية الربوية، وإنما الأمر مقصور غالبًا على الأغنياء، فتعطى القروض لكبار العملاء والذين يستطيعون تقديم ضمانات عقارية، أو عينية، كالبضائع والمعدات والآلات. أما المصارف الإسلامية فتتعامل مع جميع الناس، حتى أبسط الحرفيين، وصغار الكسبة وصغار التجار، وحديثى التخرج من الجامعات، فتمول المشروعات الصغيرة، وتساعد في توفير المسكن والمأوى للشباب الذى يريد الزواج والاستقرار في حياته العائلية. ٧- العدالة في تقدير العمولة: تتقاضى المصارف التجارية عمولة على جميع أوجه نشاط التعامل معها، أما المصارف الإسلامية فتتقاضى عمولة مطابقة تمامًا للجهد المبذول، أو السعي في تحقيق مصلحة العميل، فيأخذ المصرف النفقات الفعلية التى أنفقها على قرض معين بذاته، كما يأخذ مصاريف القرض الحسن مرة واحدة في بداية القرض، ومبلغًا موحدًا على القرض غير مرتبط بقيمته. وبعض هذه المصاريف مثل (بنك دبى الإسلامى) لا يأخذ أية مصاريف على القرض الحسن‘ وإنما يأخذ فقط على مبلغ القرض، دون أي مصاريف أو زيادة.

стр. 754

هل التعامل مع المصارف الإسلامية حلال أو حرام؟ تبين مما تقدم أن المصرف الإسلامى يلتزم جانب الحلال في أعماله ومعاملاته كلها، ويتجنب الحرام فيما يقوم به من مشاركة واستثمار وتنمية الأموال المدفوعة إليه، ويساهم في سد حاجة المحتاج عن طريق القروض الحسنة غير المقترنة بشرط دفع فائدة ربوية، أو تحقيق منفعة على حساب المقترض، فليطمئن المسلم على سلامة تعامله مع المصارف الإسلامية شرعًا، أخذًا وعطاء، إنتاجًا واستثمارًا، على أساس المشاركة المنتهية بالتمليك أو المساهمة. إذ من المعلوم شرعًا أن العقد الجائز أو المباح يصح للإنسان المسلم إبرامه، والأصل في المعاملات والعقود: الإباحة. وأما التعامل أو العقد المحظور شرعًا كالعقد الفاسد أو الباطل، مثل البيع المشتمل على الربا، فيحرم الاقتراب منه، ويلزم اجتنابه، حتى ولو كان عقدًا صحيحًا في الظاهر، لكنه يستهدف غاية محظورة أو ممنوعة شرعًا، فمن المبادئ الشرعية أو الأصولية: مبدأ سد الذرائع إلى الحرام فكل ما أدى إلى الحرام أو كان وسيلة إليه، فهو حرام محظور شرعًا. والإسلام يجيز كل ما يحقق حاجات الناس، ولا يحجر على أحد الربح المعقول شرعًا. وهو ما كان دون الخمس أو الثلث، وربما اشتبه على بعض الناس الوقوع في معنى الحرام أو الربا في بعض المعاملات، وهذا صحيح، ولكن الإسلام يمنع التصريح بالربا أو اشتراط الفائدة، ولكنه لا يمنع التوصل إلى المقصود بأسلوب شرعي مباح، فمثلًا البيع بالتقسيط أو بثمن مؤجل أكثر من السعر الحال أو النقدى المعجل، قد يقال: أنه حرام، لما فيه من زيادة في السعر على ثمن الحال، ولكن فقهاء الإسلام ما عدا بعض الزيدية أجازوه رعاية للحاجة، ولأنه لا يقصد به الاستغلال والتضييق على المضطر أو المحتاج، وإنما على العكس فيه رعاية لحاجة المشتري الذى لا يملك الثمن الكلي للسلعة، وهو بحاجة إليها. والعمولة على الخدمات المصرفية قد يتوهم أنها فائدة أو ربا حرام، مع أنها أجر على عمل، ما لم ينص صراحة على الفائدة، ومعظم الخدمات المصرفية التى يقوم بها المصرف للعملاء جائز على أساس الإجارة والوكالة بأجر، والإجارة نوعان: إجارة منافع الأعيان، وإجارة الأشخاص، فإيجار الخزائن الحديدية أو المخازن تتضمن منافع الأعيان، وقيام موظفى المصرف بالعناية بهذه الأماكن يتضمن إجارة الأشخاص. وما عدا إيجار الخزائن الحديدية والاعتمادات المستندية من الخدمات المصرفية، يعتبر وكالة على عمل معين، وقد يجتمع مع الوكالة كالكفالة، كما في خطابات الضمان. لكل ما سبق أرى أن التعامل مع المصارف الإسلامية حلال شرعيًا، لا شبهة فيه، وهو طريق لتنمية الأموال القليلة وإفادة أصحاب الدخل المحدود.

стр. 755

أحكام التعامل في المصارف الإسلامية فضيلة الشيخ محمد على عبد الله لقد ورد في وثيقة استفسارات البنك الإسلامي للتنمية، بأن عمليات القروض التى يقدمها البنك الإسلامي للتنمية لمشروعات البنية الأساسية هى قروض طويلة الأجل، تتراوح مدة الوفاء بين خمسة عشر وثلاثين عامًا. والتزامًا بأحكام الشريعة الإسلامية فإن البنك لا يتقاضى فوائد على تلك القروض، غير أنه بناء على ما نصت عليه اتفاقية تأسيسه يتقاضى البنك رسم خدمة لتغطية مصاريفه الإدارية. وبناء على ما ورد من وثيقة البنك الإسلامى فإن المصارف الإسلامية تقوم كغيرها من المصارف العالمية بقروض لحرفائها، ونحن نعلم أن القرض هو دفع مال معلوم عينيا كان أو عرضًا أو حيوانًا في مماثل الذمة لغرض نفع المعطى له (بالفتح) فقط دون المعطى (بالكسر) ، وهو المطلوب شرعًا لأنه من التعاون على البر المعروف. وهذا النوع من التعامل هو الذى كان أهل الورع يتهربون منه بمجرد شم رائحة النفع، وهو يعرف في الفقه الإسلامى بـ (سلف جر نفعًا) وهو محرم بإجماع المسلمين، مما أدى إلى التهرب من كل ما عسى أن يكون في النهاية مؤديًا إلى هذا النفع عملًا بما ورد في صحيح مسلم، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه)) . وقد ورد في صدد الربا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ . والربا لغة الزيادة واصطلاحًا هو ما كانت العرب تفعله من قولهم للغريم: أتقضى أو تربى، فكان الغريم يزيد في المال، ويصبر عليه الطالب. وهذا محرم باتفاق الأمة. ونحن نخشى أن لا يكون هناك فرق فيما تقدمه المصارف العصرية من قروض مع الفائض أي زيادة وما تقدمه المصارف الإسلامية من قروض. خصوصًا إذا ما شهدنا وأن هنالك نوعا من الغموض فيما يتعلق بالمبلغ المقطوع الذى يتقاضاه المصرف الإسلامي للتنمية مقابل خدماته لتغطية مصاريفه الإدارية. وحسب رأيي يحتاج هذا إلى نوع من تبين وإيضاح لا شبهة فيه. وخلاصة القول إذا ما كانت المصارف الإسلامية تقدم خدماتها وفقًا للشريعة فهذا يكون متمشيًا مع الدين الحنيف. وإلا فحكمها يكون كحكم المصارف المعاصرة الربوية. وعلى هذا الأساس أقول بصفة التنبيه: أن الله تعالى قد أوصى الأغنياء بالفقراء أو جعل لهم حقًا معلومًا في أموالهم، وشرع القرض لإغاثة الملهوفين وإعانة المضطرين. ولا شك أن للمصارف الإسلامية دورًا فعالًا لتنشيط هياكل الاقتصاد للدول الإسلامية النامية وتوحيد شمل المسلمين وانتشالهم من السعي وراء الاقتصاد الذى يريد أصحاب رؤؤس الأموال الربوية فرضها على المسلمين لحملهم على التخلى عن عقيدتهم بفتح باب الشهوات لضعاف الإرادة والقضاء على ما بقي من ثرواتهم وبالتالى من الواجب على المصارف الإسلامية افتراض وجودها على الصعيد العالمى لحمل راية الإسلام في المعارك الاقتصادية. فاعملوا فسيرى الله عملكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 756

العرض والمناقشة ١٣/٤/١٤٠٦=٢٥/١٢/١٩٨٥ الساعة: ١٧.٢- ١٩.١٠ الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد قد ترون من المناسب أن نبدأ (بحكم التعامل المصرفى المعاصر بالفوائد) والدراسات التى لدينا في حكم التعامل المصرفى المعاصر بالفوائد من المشايخ، الشيخ الصديق الضرير والشيخ على السالوس والشيخ محمد على عبد الله والشيخ حسن عبد الله الأمين، وأرجو من الشيخ الصديق أن يتفضل بإعطاء ملخص وموجز عن البحث المذكور. الشيخ الصديق الضرير: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وبعد، من أهم طرق الاستثمار في البنوك التجارية المعروفة هو الاستقراض بفائدة أو بغير فائدة في الحسابات الجارية وإقراضها بفائدة أكبر من الفائدة التى اقترض بها البنك والاستفادة من الفرق بين الفائدتين، وهذه الفائدة تكلم فيها الفقهاء المحدثون وأصدروا فيها عدة فتاوى فردية وجماعية بالتحريم. وكان لكتابتى هذا البحث سبب هو أن أحد الأساتذة كتب عن الأوراق النقدية فقال: أن الأوراق النقدية ليست من الأموال الربوية ولهذا يجوز إقراضها بفائدة وما تفعله البنوك ليس ربا. ولهذا جاء ردى لهذه الدعوى بعنوان (الفائدة التى تتعامل بها البنوك من ربا القرض الثابت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع) وتحدثت عن أنواع الربا فبينت أن الربا نوعان: ربا الديون، وربا البيوع. ربا الديون يشمل ربا الجاهلية وربا القرض الذى نتحدث عنه، أما ربا البيوع فهو ربا النسيئة وربا الجاهلية هو الذى جاء فيه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ فهذه الآية هى أول ما نزل في تحريم الربا، والمراد بالربا فيها هو ربا الجاهلية المعهود، (ال) هنا للعهد، هو الربا المعهود عند المخاطبين عند نزول هذه الآية. وهذا الربا كما صوره ابن جرير الطبرى هو أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل وإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذى عليه المال: أخر عنى دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك. وروى هذا التفسير لربا الجاهلية عن عطاء ومجاهد وقتادة، وأيضا القرطبى تعرض لهذا فقال "إن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم: إما أن تقضى وإما أن تربى" فربا الجاهلية على هذا التفسير الذى صوره لنا الطبرى والقرطبى كان في اقتضاء الدين بعد حلول الأجل، وهذا الدين قد يكون أصله بيعا إلى أجل وقد يكون قرضا أيضا إلى أجل وقد يكون بزيادة أول الأمر أو بغير زيادة، فإذا حل الأجل طالب البائع أو المقرض المدين فإن لم يف قال له: إما أن تقضي وإما أن تربي.

стр. 757

أما ربا القرض فهو القرض الذى تكون فيه منفعة للمقرض مشروطة في العقد، وهذا الربا صوره كثيرة منها أن يقرضه مالا على أن يرد له أكثر منه. وهذه هى الصورة المتعارفة والمتعامل بها بين الناس وبين البنوك التى تتعامل بالفائدة وهى الفوائد المقصودة بالحديث، الزيادة هذه في القبض، السؤال هنا: هل ربا القرض هذا من ربا الجاهلية؟، واضح أن ما نقلته عن الطبرى والقرطبى يدل على أن ربا القرض في المرة الأولى قبل أن يحل الأجل لا يدخل في ربا الجاهلية. وقد اقتضى هذا التفسير الشيخ محمد رشيد رضا وقال في ذلك بعد أن نقل كلام الطبرى: أن هذا هو المروي عن عامة أهل الأثر ومنه عبارة الإمام أحمد الشهيرة وهي أنه لما سئل عن الربا الذى لا يشك فيه قال: " هو أن يكون دين فيقول له: تقضى أم تربي، فإن لم يقض زاده في المال وزاده هذا في الأجر"، حتى الربا بهذا التصوير يدخل فيه ربا القرض في بعض صوره وهي ما إذا أقرض شخص مبلغا ثم طالبه به عند حلول الأجل فأمهله نظير زيادة يدفعها إليه المقترض، هذه الصورة هى ربا الجاهلية بعينه وهي معروفة ومتعامل بها في البنوك ومتعامل بها حتى بين الدول التى تتعامل بالربا ولها اسم معروف هو (الربح المركب) أو (الفوائد على الفوائد) ويسمونها (الفوائد التأخيرية) ، فهذه لاشك في دخولها في ربا الجاهلية، ثم هل ما قاله الطبري في تفسير ربا الجاهلية هو كل ما روي عنه عن ربا الجاهلية؟ الواقع أن بعض المفسرين غير الطبري ذكر تفسيرا لربا الجاهلية يدخل فيه ربا القرض أي القبض في العقد الأول الذى هو القبض بزيادة مشروطة في القرض الذى هو القبض بفائدة، من هؤلاء: الجصاص وأبوبكر الجصاص يقول: " الربا الذى كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به" ويقول أيضا: "ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذى ذكرنا من قبض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة " ويقول في موضع آخر: " معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة فكانت الزيادة بدلا من الأجل". أيضا فخر الدين الرازى يتفق مع الجصاص في هذا ويقول: اعلم أن الربا قسمان، ربا النسيئة وربا الفضل.

стр. 758

أما ربا النسيئة فهو الأمر الذى كان مشهورًا متعارفًا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ويكون رأس المال باقيًا ثم إذا حل الدين طالبوا المدين برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذى كانوا في الجاهلية يتعاملون به. الألوسى أيضا يقول: " روي عن غير واحد أنه كان الرجل يربى إلى أجل فإذا حل الأجل قال للمدين: زدنى في المال وأزيدك في الأجل فيفعل. وهكذا عند كل أجل، فيستغرق بالشئ الضعيف ماله بالكلية، فنهوا عن ذلك". هذه الروايات واضحة وصريحة في أن ربا الجاهلية كان يأخذ شكل القرض بزيادة كما يأخذ شكل الزيادة في الدين عند حلول الأجل. ونخرج من هذه الروايات بأن كلا النوعين كان موجودًا في الجاهلية عندما نزلت آية التحريم، فإذن كلاهما محرم بهذه الآية. فنستطيع أن نقول بكل اطمئنان: أن ربا القرض من ربا الجاهلية، وهذه هي ربا الديون، حكم ربا الديون ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، وهذا لا يحتاج إلى تطويل في الاستدلال عليه، آيات الربا معروفة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ وهذه كما قلنا، هي أول آية نزلت وليس المراد من التقييد في الربا المنهى عنه بالأضعاف وإنما المراد منها كما يقول الفقهاء هو بيان الواقع الذى كان موجودًا عندهم، وآية ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ومنها قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ثم جاءت آية ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ جاءت مبينة بيانًا شافيًا أن أخذ أي زيادة على رأس المال غنم منهي عنه. ومن السنة قوله ﷺ في حجة الوداع: ((وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)) وواضح أن هذا الحديث تأكيد لما جاء في القرآن، وحديث آخر ما روي من أنه ﷺ نهى عن قرض جر منفعة وفي روايات قال ﷺ : ((كل قرض جر منفعة فهو ربا)) . هذا الحديث وإن كان في سنده مقال إلا أن معناه مقبول ويؤيده القرآن، ولهذا اتفقت المذاهب الأربعة على العمل بهذا الحديث بأن كل قرض جر منفعة فهو ربا، ولكنهم يختلفون في المنفعة التى تجعل القرض ربا، لكنهم لم يختلفوا في أن الزيادة في القرض ربا. الإجماع نقل عن أكثر من واحد في كل مذهب من المذاهب، نجد من حكى الإجماع على تحريم الربا الذى هو ربا الدين أو ربا الديون، أكتفى بعبارة القرطبى يقول: " أجمع المسلمون نقلًا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف، كما قال ابن مسعود: ولو حبة واحدة، هذا هو ربا الديون".

стр. 759

أما ربا البيوع فهذا ثابت بحديث عبادة المشهور ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء، يدا بيد، فإن اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)) فهذا الحديث بين الأصناف الربوية، وربا البيوع هذا يشمل كما قلنا ربا النسيئة وربا الفضل، وليس هذا موضوع الحديث ولكن سقته لأمر هام وهو لأن نبين أن ربا البيوع لا يجرى إلا في الأموال الربوية وهى الأصناف الستة المذكورة في الحديث وما يلحق بها عند جمهور الفقهاء، بعضهم قصرها على الأنواع الستة، أما ربا الديون فيجرى في الأموال الربوية وفى غيرها باتفاق الفقهاء، وهذا هو محط الكلام في هذا الموضوع، هذه التفرقة. وهو السبب الذى أوقع بعض الباحثين في الخطأ والقول بأن الأوراق النقدية ليست من الأموال الربوية ولهذا أرادوا أن يجوزوا فيها القرض بفائدة ظنا منهم أن القرض يدخل في ربا البيوع. أوردت هنا عددًا من النصوص تدل على أن ربا القرض أو ربا الديون يجرى في الأموال الربوية وفى غيرها، منها ما روي عن زيد أنه كان يقول: "إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن والربا المعروف في الجاهلية هو ربا الديون، كان في التضعيف وفي السن – يريد بالسن أسنان الإبل – يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل يقول له: تقضني أو تزيدني، أن كان عنده شئ يقضيه قضاه وإلا حوله إلى السن التى فوق ذلك أن كانت ابنة مخاض حولها ابنة لبون في السنة الثانية ثم حقة ثم جذعة" فهذا هو ربا الحيوان وهذا نص صريح، ثم بعد ذلك يقول بعدما تكلم عن هذا: " وفى العين – ويقصد بالعين الذهب والفضة – يأتيه فإن لم يكن عنده أضعفه في العام المقابل، فكان ربا الجاهلية عندهم يكون في الحيوان كما يكون في الذهب والفضة". أما ربا القرض فهذا يجرى في كل ما يجوز فيه القرض، سواء أكان في الأموال الربوية أم من غيرها، ونصوص الفقهاء صريحةوواضحة في هذا، كل ما يجوز فيه القرض يجرى فيه هذا الربا. فلا يجوز قرض أي مال من الأموال بزيادة مهما كان هذا المال سواء كان من النقود أو من غير النقود. أكتفى بعبارة هنا لفقهاء الشافعية، الرملى يقول: " ولا يجوز قرض نقد أو غيره إن اقترن بشرط رد زيادة على القدر المقرض" وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ما يفيد أن ربا الديون الذى وردت فيه الآية يكون في كل مال ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ والنقود الورقية التى كان فيها مثار الشبهة هذه مال من غير شك.

стр. 760

فيظهر لنا من هذا أن الفائدة التى تدفعها البنوك عند الاقتراض من الغير والفوائد التى تأخذها عند قرض الغير هى ربا محرم بإجماع سواء اعتبرنا النقود الورقية من الأموال الربوية – وهذا هو الحق وفيه كلام كثير لبعض المحدثين – أو لم نعتبرها، حتى لو قلنا أنها ليست من الأموال الربوية، فلا يصح قرضها بأي زيادة مهما كانت هذه الزيادة لأن هذه الزيادة ربا فتدخل في ربا الديون وليست من ربا البيوع. وهذه الحرمة في ربا القرض المعروف في البنوك تشمل كل أنواع التعامل بفائدة. فتشمل القرض بفائدة قليلة أو كثيرة. ولقد سمعنا ابن مسعود "ولوحبة " وتشمل الفائدة البسيطة والمركبة كماتشمل القرض للإستهلاك والقرض للإنتاج، وهذه كلها مسائل حدثت فيها مجادلات بين العلماء وحصلت فيها فتاوى وانتهى فيها الأمر إلى ما أقوله: " هذه ليست فتواي لوحدي وإنما هي فتوى عدد كبير من العلماء وعدد من الندوات والمؤتمرات، وتشمل أيضا الحرمة فتح الاعتماد بفائدة، وتشمل أيضا خصم الأوراق التجارية التى تكون مستحقة بعد شهر ويدفع أقل مما في هذه الورقة، أقل من قيمتها، كأنه يقرض صاحبها مبلغًا ليأخذ أكثر منه بعد شهر، وهذا هو القرض بفائدة. وشكرًا لكم.

стр. 761

الشيخ عبد اللطيف جناحى: بسم الله الرحمن الرحيم ... في الواقع ما أورده فضيلة الشيخ لن أعلق عليه من الناحية الفقهية فهذا أمر متروك لمجمعنا الفقهي ولكن ما أود أن أشير إليه بأن النظام المتبع، نظام سعر الفائدة، بأن يحدد سعر أدنى لقيمة النقد عندما يودع مبلغ في البنك ويكون هناك حد أدنى للمبلغ، هذا هو ما أوصل العالم إلى الكوارث الاقتصادية اليوم نتيجة لهذا الاقتصاد الوضعي الغربي فيه ٨٠٠ بليون دولار ديون على دول أمريكا اللاتينية خدمة هذا الدين ١٠٠ بليون دولار سنويًا، فعملية الربا وعملية سعر الفائدة هي التى أدت التضخم فوصلنا إلى الباب المسدود حتى أن الكنز نفسه صاحب (النظرية الكنزية) نادى (بالزيرو انترست) أي الفائدة تكون صفرًا. فهل ما نادى به ما رجع عنه كنز نعود إليه نحن، ما رجع عنه أصحاب النظرية نعود إليه نحن. القضية قضية الربا كنا بالأمس نعتقد أنها ظلم الغني للفقير، لا، قضية الربا هي قضية تحطيم الاقتصاد العالمي، تحطم الاقتصاد العالمي من وراء سعر الفائدة ومن وراء تحديد نسبة مهما كانت صغيرة، هذه قاعدة. وصلنا إلى التضخم والتضخم اللامعقول، أنا أعطيكم نموذجًا بسيطًا، قيل لنا أن سبب التضخم هو العجز في ميزان المدفوعات، سنة ٧٢ العجز في ميزان المدفوعات الأمريكية وهى أكبر دولة كان ٠.٠٨ % وسنة ٧٤ كان العجز في ميزان المدفوعات ٤.٥ % وسنة ٧٨ كان العجز في ميزان المدفوعات فاصلة خمسة من مائة يعنى بشكل هرمى، بينما التضخم وهو المشكلة العالمية كان يمشى في ازدياد، لما جاء الاقتصاديون يبحثون السبب الرئيسي وجدوه سعر الفائدة. موضوع آخر جدير بالإشارة، إنها عملية تؤخذ لأغراض تجارية ومن قال أن المصارف التجارية لديها القدرة على ضبط مسار المال، ما حصل لدينا في سوق الكويت من انهيار سوق المناخ مثلا وما حصل من البطر الذى حصل من وراء الاقتراض من البنوك كانت كلها أسعارًا لفائدة تؤخذ الأموال، هناك ضمانات موجودة، ثم صفيت هذه الضمانات وفلست المجموعة. فالعملية ليست عملية ننظر إليها في حيز ضيق على أنها ظلم الغني للفقير، لان العملية ننظر إليها كاقتصاد عام ككل، ماذا يكون نتيجة سعر الفائدة بعد استخدام من سنة ٤٠ فقط إلى اليوم، كانت هناك دورات اقتصادية من سنة ٤٠ إلى سنة ٧٠، سعر الفائدة كانت هى عامل الحذر، وعندما نأتى إلى قضية الأضعاف المضاعفة، تظهر صورها في أشكال عديدة جدًا، البنك عندما يقترض من زيد من الناس أو يودع زيد من الناس لديه مبلغ مائة ريال بسعر أقل سعر ٢ %، هذا البنك هل يقرضه لمنتج؟ لا! يقرضه لبنك آخر ويقول له: كلفنى المائة ريال ١٠٢ كم تعطينى بزيادة؟ قال له: أعطيك ١٠٣ جيد جدا، فيذهب البنك الثانى إلى البنك الثالث ويقول له: أنت محتاج إلى مائة ريال كلفنى هذا ١٠٣ كم تعطينى زيادة؟ قال له: ١٠٤، انظروا كيف تسير المضاعفة، هذه زاوية من الزوايا. الزاوية الأخرى، هذا الثوب الذى ألبسه أنا الآن، كان صوفًا على ماعز أو على خروف، اجتز ومول من قبل البنك بنسبة ١٤ % ثم ذهب إلى محلج ومول ١٤ % صار ٢٨ ثم ذهب إلى بائع الجملة ومول ١٤ %، احسبوها تصلون إلى أضعاف مضاعفة التى وردت في القرآن، الحقيقة مع تطور الزمن نرى عظمة هذا الكتاب كيف في عصرنا هذا نراه يتجسد أمامنا ويتجسم بعدما كبرت مشاكل العالم الاقتصادية، فالعملية حددها رسول الله ﷺ في خطبة الوداع وانتهى ((فلكم رءوس أموالكم)) وانتهى الموضوع فأخذ رأس المال وليس فيه فلس زيادة. لدي في الحقيقة تعليقات أخرى لكن أنا أحببت أتعرض فقط من زاوية فنية ضيقة حتى أوضح لكم أن العالم اليوم في انهيار اقتصادى، وفى جدولة ديون وفى مشاكل لا أول لها ولا آخر، والسبب في الدرجة الأولى يعود إلى هذه النسبة البسيطة التى كانت في يوم ٤، ٥، ٢ %. وشكرا سيدى الرئيس.

стр. 762

الشيخ أحمد البزيع ياسين: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه وحده نستعين، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدى رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام الغر الميامين وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، عندما نريد أن نتكلم عن المصارف الإسلامية أو المصارف العادية، أود قبل ذلك أن أدعو بالرحمة والغفران على إمام المسلمين الملك فيصل بن عبد العزيز رحمة الله على مبادرته التاريخية وعزمته الإسلامية في تأسيس بنك التنمية الإسلامي الذى جمع الأمة الإسلامية في مصرف. وقصده من هذا القضاء على الربا والتعاون فيما بين الدول الإسلامية فغفر الله له ورحمه وجزاه خيرًا عن الإسلام والمسلمين، ثم بعد ذلك أقول: إن أستاذى العزيز صاحب البحث جزاه الله خيرًا لم يقل عن بحثه: أنه فتوى إنما قال هو مجرد بحث، وأنا أود أن أبين بأن البحوث المتكررة السابقة التى مرت على كثير من علماء المسلمين في أقطار الأمة الإسلامية جميعًا انتهت على أن الفائدة البنكية هى عين الربا وانتهى الكلام، والربا محرم في الكتاب والسنة ونحن مسلمون فعلينا أن نلتزم فلا نقاش في ذلك. ثم بعد ذلك أود أن أبين الحالة التى تعانيها المصارف إيضاحًا للصورة وما تأتي على المصارف العالمية في العالم زيادة عن ما قال أخي وزميلي الأخ عبد اللطيف فأقول: أولًا: القروض سواء كانت قروضًا استثمارية ويؤخذ من الأغنياء الفائدة دائما يدفعها الفقير، لأن الغنى المستثمر يضيف الفائدة التى يأخذها ككلفة على رأس المال فإذن دائمًا الذى يدفع كلفة الفائدة المستهلك، والمستهلكون أغلبهم من أصحاب الدخول المتوسطة والفقراء. ثم أن البنوك ممنوع عليها أن تتاجر في نظمها الحالية، وإذا استطعنا أن نحولها إلى بنوك مضاربة فهذا خير كثير، علينا أن نعد لها شروط وقواعد المضاربة الإسلامية ونسلمها لها ونطلب منها أن تلتزم بالمضاربة الشرعية.

стр. 763

والمضاربة الشرعية لها شروطها ولها قواعدها ولها أساتذتها، إذا استطعنا أن نحول هذه المصارف الموجودة المعاصرة التى تسمى بالتجارية هي ليست تجارية، هي تشتري النقود وتبيع النقود والنقود في مفهوم الاقتصاد وحدة قياسية تقاس بها الأثمان شأنها شأن الوحدات القياسية الأخرى التى تقاس بها الأطوال، المتر وحدة قياسية للطول، الكيلو وحدة قياسية للوزن، فلا يجوز أن نقول: كيلو يساوى كيلو وربع، ولا يجوز أن نقول: مائة متر تساوى مائة وعشر أمتار، هذه من الناحية الاقتصادية البحتة، فلذلك لا يجوز أن نقول: أن المائة دينار تساوى مائة وعشرة دنانير أو مائة ريال تساوى مائة وعشرة ريالات، فالبنوك عندما تأخذ الأموال من الناس وتعطيهم الفائدة عليها، كأنها تقول: مائة دينار كم أعطيكم بدلها مائة وعشرة بدون عمل. فالوحدة القياسية عندما تقاس مع ذاتها تساوى ذاتها، كذلك بالنسبة لقضية الخليفة الثانى عمر بن الخطاب، هى في الحقيقة بُدِئى بقرض حسن وليس بقرض فائدة، يعنى أخذ المبلغ من العراق كما سمعته من مشايخنا على أساس أن يردوه في المدينة بعينه، وذلك اجتهد القائد وقال بدلا من أن أتحمل أنا المسؤولية وأولى أن يتحملوا المسؤولية اجتهادًا منه أعطاهم المبلغ على أن يردوه بنفسه وليس بزيادة، فلما جاءت البضاعة وربحت الربح الطائل تورع عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقال: هلا عملت هذا لجميع المسلمين؟ قال: لا. قال: إذن لا يجوز لأبناء أمير المؤمنين أن يأخذوا. هذا من باب الورع، وأظن أن الإمام علي رضي الله تعالى عنه أشار بأن تكون المسألة قرضًا، فبداية القرض هو قرض حسن واجتهاد من القائد ثم بعد ذلك عمل قراضًا. ثم مبدأ الربا إذا أقر مبدأ الربا هنا تأتي الأضعاف المضاعفة يعنى السيارة الموجودة في المعرض لابد أنكم تعلمون إذا كانت قاعدة الربا موجودة، السيارة أخذ عليها من الربا من بداية صنعها كمادة خام، الشركة التى تأخذ الحديد تقترض من البنوك وعليها فائدة تضيف الفائدة، القطار الذى يحمل أو اللوري الشاحنة التى تحمل، إذا كان مبدأ الربا قائمًا فتؤخذ في الحقيقة تشتري اللوري بربا فيضيف سعر النقل، ثم المصنع الذى يصب الحديد كذلك أيضا دخل فيه الربا. فتجد السيارة الموجودة في المعرض للبيع دخل فيها الربا منذ بدايتها كمادة خام إلى أن تصل إلى المستهلك. هذه في الحقيقة أمور يجب علينا أن ننبه لها كناس نشتغل في هذا الميدان.

стр. 764

ثم أود أن أبين أننا لسنا في حاجة، والحاجة هنا منتفية إلى المصارف الربوية، منتفية تمامًا بل أن العالم يعاني، وأود أن أبين حيلة عالمية في المصارف العالمية. لمعلومكم موجودات المصارف العالمية الآن هي ديون على الناس، عاجزين هؤلاء الناس على الوفاء بها، فعندما تعمل الميزانيات، المحاسبون القانونيون يعتبرون الدين ميتًا إذا كانت لا تسدد عليه الفوائد. وأكثر المدينين ليس عندهم هذه الفوائد لتسديدها، عملوا لهم حيلة، قالوا: نقرض لكم الفوائدوتسددونها لنا حتى المحاسبون القانونيون يعتبرون بأن ما عندنا من ديون على المدينين ديون محترمة، يقدر الدائنون الوفاء بها بدليل أن الفائدة تدفع، والفائدة في الحقيقة هى قروض أيضا تعطى لهم ثم يعيدونها للبنك تسديدًا عما عليهم من فوائد، فهذه في الحقيقة مصداق لقوله تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ، ثم أود أن أبين مسألة، لو أن المسلمين أصحاب رؤوس الأموال يلتزمون بدينهم ولا يرابون ولا يضعون الأموال حبيسة في البنوك الأجنبية لاضطرهم ذلك إلى استثمارها في البلاد الإسلامية، وعدم استثمارها في البلاد الإسلامية، جعلها موجودة سجينة في البنوك الأجنبية مما أدى إلى الحروب الناشئة في بلادنا، لأن أصحاب المصارف الأجنبية عندما رأوا هذه الأموال الطائلة العظيمة قالوا: لو أراد أصحابها أخذها ونحن لسنا بقادرين على إرجاعها ماذا نعمل إما أن نفلس، نعلن إفلاس اقتصادنا أو أننا نجمد هذه الأموال؟ فكلا الحالتين مضر بنا، إذن نجعل في بلادهم الفتن والحروب حتى عن طريق الفتن والحروب يستوردون منا آلة الحرب التى تكلفهم بأرخص الأثمان ويبيعونها علينا بأغلى الأثمان لابتزاز أموالنا فهنا يأتي تفسير قوله تعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فأذنوا، هل لنا طاقة في حرب مع الله ورسوله، الحرب القائمة الآن هي حرب مع الله ورسوله، أسبابها الربا وأسبابها إيداع أموالنا في البنوك وفي البنوك الأجنبية، وللأسف هذه الحروب امتصت هذه الأموال، لا أريد أن أقول أكثر مما قلت كإنسان أعايش تلك المسألة، ثم إننى في الحقيقة تورطت في السابق وكنت من مؤسسى بنك ربوي وعملت على أموال وهمية لا وجود لها مجرد قيود حسابات، تبت إلى الله وأعلنت التوبة ثم أردت أن أكفر عن ذنبي بالدعوة إلى المصارف الإسلامية التى عن طريقها نستقل استقلالًا تامًا في جميع الميادين، ثم كنت عضوًا في البنك المركزى الكويتى على أساس معارض لعنصر الفائدة فقيل: كيف تجعلونه عضوًا وهو يعارض؟ قالوا: نحن نريده أن يثبت هذا، ثم بعد أن صار من التزامات المصرف الكويتي بنك التنمية من أعماله ومن مهامه تحديد الفائدة قدمت استقالتي أيضا وأود أن أبين في الحقيقة بأن الأجانب عندما لايريدون لنا تطبيق الشريعة الإسلامية هم ليسوا بذلك حريصين على يد السارق تقطع، أو شفوقين على عنق قاتل يقتل، إنما يعلمون تمام العلم بأن المسلمين إذا طبقوا شريعتهم وأقاموا الحدود، طبقوا شريعتهم في الميدان السياسي والاجتماعي والأخلاقي والسلوكي والاقتصادي فإذا طبقنا شريعتنا الإسلامية في جميع هذه الميادين صرنا قادة وصرنا أصحاب الريادة، فلذلك لا يريدون منا أن يبعدونا عنهم ويريدون منا أن نقلدهم في كل شئ، فنحن أمة إسلامية متميزة لها عقيدتها ولها كيانها ولها تاريخها ولها أمجادها فيجب علينا أن نتمسك بعقيدتنا وألا تخور عزائمنا وأن ننطلق كما انطلق الصحابة الأوائل عندما قال لهم المصطفى ﷺ : ((أول ربا أبدأ به ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب قالوا: سمعًا وطاعة)) ، نحن أمة نحتاج إلى إيمان، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

стр. 765

الرئيس: أصحاب الفضيلةن أمامنا في هذا الموضوع عدة بحوث كلها في مسار واحد على نحو ما ذكره مختصرًا الشيخ الصديق الضرير. فلدينا بحث الشيخ على السالوس والشيخ محمد على عبد الله والشيخ حسن الأمين، وكل هذه البحوث في مسار واحد على نحو ما سمعتم من فضيلة الشيخ الأمين الضرير، ولعلنا نكتفى في قضية العرض في البحوث إذا رأيتم ذلك ونطرح الموضوع إذا كان لأحد وجهة نظر في هذا وإلا نعلن ما تم عليه. الشيخ وهبة الزحيلى: بعد هذه النفحةالإيمانية الطيبة التى سمعناها من الأخ مدير بيت التمويل الكويتي الإسلامي وبعد أن عرفنا المصائب الكبرى التى تهز كيان العالم برمته وتصيب المسلمين والدول النامية بالذات بشكل أخطر بكثير مما يصاب به العالم الغربي، أري أن نطوي البحث في هذا الموضوع ونعلن ما أعلنه في كلمته الأخيرة أن موضوع الفائدة قد انتهى وطوي عليه الزمن ونحترم نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة ونعلنها صريحة مدوية أننا أمة نحترم كرامة الإنسان وأننا أمة الرحمة وأمة التعاون ولا داعى للبحوث الجزئية خصوصًا بعد أن وجد البديل الإسلامي والحمد لله وهي البنوك الإسلامية كما قلت في قضية التأمين وليكن قرارنا إجماعيًا حتى يكون لهذا الموضوع أهميته الكبرى بعد وجود النصوص القطعية في القرآن الكريم ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وهنا الربا يشمل أي فائدة ولو كانت نصفا في المائة فلا داعي بعد هذا البيان الكافي الشافي في نصوص كتابنا وسنة نبينا، وبعدما سمعناه من بيان الأضرار على يد المتخصصين مديري بنك الكويت والبحرين. وشكرًا والله يوفقنا لما فيه الخير.

стр. 766

الشيخ عبد الله ابراهيم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شكرًا لفضيلة الرئيس، وفى الواقع إننى مسرور جدًا إلى النداء الأخير الذى سمعناه من الشيخ أحمد والدكتور الزحيلي، فأنا أؤيد كل التأييد مثل هذا النداء. الرئيس: أصحاب الفضيلة يظهر لي أن هناك اتفاقًا على ما انتهى إليه أصحاب الفضيلة المشايخ الباحثون والذين لم يأتونا برأي جديد بل هو ما جرى عليه إجماع أهل العلم سلفًا وخلفًا، وأن هذا ربا وأنه ربا الديون المحرم بنص الكتاب والسنة وعليه إجماع أهل العلم. وبهذا انتهى هذا الموضوع، وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 767

بداية الشهور العربية فضيلة الشيخ محمد على التسخيري أولًا: أننا نعتبر مسألة الوحدة الإسلامية من أهم خصائص الأمة الإسلامية والتى عمل القرآن الكريم، والسنة الشريفة عليها، ونؤيد كل خطوة صحيحة مشروعة لتحقيق هذا الهدف الإسلامي الضخم والذى نصبو إليه جميعًا، حيث تقف الجماهير الإسلامية في خندق واحد تبني نفسها من جهة متكاملة نحو المطلق، وتقارع الطغاة المعتدين (الشرقيين والغربيين) من جهة أخرى. ثانيًا: كما أننا متأكدون من أن الكثير من المتسلطين على مقاليد الأمور في عالمنا الإسلامي حاولوا أن يستفيدوا من مسألة بداية الشهور القمرية والمناسبات وتوقيتها لصالح أغراضهم الضيقة، الأمر الذى يدعو إلى تجريدهم من هذه السلطات وتسليمها بيد مراكز مستقلة لا تتأثر بالأهواء وإنما تراقب الله تعالى لا غير. ثالثًا: من المعلوم أن هناك حالات يخرج فيها القمر من المحاق، ولكنه لا يمكن أن يرى في بعض المناطق تبعًا لعوامل طبيعية متعددة: ومنها: أن يظهر بعد غروب الشمس فوق الأفق الغربي قليلًا، ثم يختفي تحت الأفق الغبر فيكون غير واضح الظهور وربما صعبت رؤيته أو كانت غير ممكنة. ومنها: أن يواجه الجزء المضئ من القمر الأرض، ثم يغيب ويختفى تحت الأفق قبل غروب الشمس، فلا تتيسر حينئذ رؤيته مادامت الشمس موجودة. ومنها: أن يكون الجزء المنير المواجه للأرض من القمر (الهلال) ضئيلًا جدًا لقرب عهده بالمحاق، فلا تمكن رؤيته بالعين المجردة. وفى كل الحالات تكون الدورة الطبيعية للقمر قد بدأت، إلا أن الهلال لا تمكن رؤيته، حينئذ فإن الشهر بمفهومه الشرعى لا يبدأ حينذاك، وإنما يتوقف على أمرين: أحدهما: خروج القمر من المحاق، ومواجهة جزء من نصفه المضئ للأرض. والآخر: أن تمكن رؤية هذا الجزء بالعين الاعتيادية المجردة، ولهذا يتأخرالشهر القمرى الشرعى عن الشهر القمرى الفلكي الطبيعي. وقد قلنا سلفًا أن إمكان الرؤية بالعين المجردة هو المقياس لا الرؤية نفسها، فوجود حاجب يحول دون الرؤية كالغيم والضباب لا يضر بذلك. كما أنه ليس المعيار الرؤية بالوسائل العلمية، وإنما المعيار هو إمكان الرؤية بالعين الاعتيادية المجردة.

стр. 768

حالة اختلاف البلاد في الرؤية: قد يرى الهلال في بلد دون آخر، فما الحكم؟ وللإجابة على ذلك يقال أن هذا الاختلاف تارة لسبب طارئ كوجود غيم في هذا البلد دون ذاك وحينئذ فلا شك في كفاية الرؤية في أحدهما بالنسبة للبلد الآخر. وأخرى يكون الاختلاف تابعًا لاختلافهما في خطوط الطول أو خطوط العرض أو فيهما معًا، فتكون لدينا آفاق متعددة. ولما كان من اللازم توفر الأمرين السابقين (خروج القمر من المحاق، وإمكان الرؤية المجردة) فإنه لا ريب في نسبية دخول الشهر بالمفهوم الشرعي. وذلك سواء آمنا بأن خروج القمر من المحاق أمر نسبى أو أمر طبيعي واحد لا يتكرر، لاختلاف مفهوم المحاق وهل هو انطباق مركز القمر على الخط الواصل بين مركزي الأرض والشمس فيغيب القمر عن كل أهل الأرض، أو هو مواجهة الوجه المظلم بتمامه لمنطقة ما على الأرض وهو أمر نسبي. فإن النسبية لا محالة آتية من إمكان الرؤية بالعين الاعتيادية المجردة. ومع ذلك يجب الرجوع إلى النصوص الشريفة لمعرفة ما إذا كان الشارع المقدس يعتبر إمكان الرؤية في مكان كافيًا لاعتبار الأرض كلها دخلت في الشهر الشرعى أم لا يعتبر ذلك؟ وفى هذا المجال وقع اختلاف رئيس بين العلماء الأعلام عند تمحيص النصوص، وسر الاختلاف يكمن في وجود انصراف لنصوص (الرؤية في البلد الآخر) يصرف الإطلاق إلى البلد القريب المتحد في الأفق وعدم وجود مثل هذا الانصراف.

стр. 769

فمثلًا وردت رواية نقلها الوافى عن التهذيب، عن سعد بن أحمد، عن الحسين، عن ابن عمير، عن هشام بن الحكم، عن الإمام الصادق ﵇، أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين يومًا: "إن كانت له بيّنة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين – على رؤية – قضى يومًا". ورواية أخرى عن الشيخ الطوسى، عن القاسم، عن أبان، عن عبد الرحمن، عن الصادق ﵇ قال: "لا تصم إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه". وهناك روايات أخرى متفاوتة (راجع الملحق رقم ١) . وكما قلنا فإن نقطة الخلاف تكمن في انصراف لفظ (البلد الآخر) إلى البلد القريب وعدمه، فلو تم الإطلاق كان ذلك يعنى أن رؤية شرعية ما في بلد تشكل حجة شرعية على كل الأقطار بدخول الشهر، أما لو أدى الإنصراف إلى تقييد الإطلاق فالقاعدة هي وحدة الحكم في خصوص البلدان المتقاربة فقط. ولسنا نقصد فعلًا البحث عن المسألة بقدر ما نريد من تجلية الخلاف وذكر بعض الأقوال في ذلك لنصل إلى النتيجة المطلوبة (راجع الملحق رقم ٢) . وعلى هذا الأساس، نقول أن مسألة توحيد الشهور القمرية أمر لا ينسجم مع هذا الخلاف – مادام قائمًا- ولا يمكن أن تشكل نظامًا عامًا سواء قلنا بانفتاح باب الاجتهاد أو انغلاقه فإنه بمراجعة الملحق نجد أن المذاهب مختلفة فيها وكذلك آراء المجتهدين القائلين بانفتاح باب الاجتهاد. ومن الطبيعي والحال هذه أنه لا يمكن إجبار فرد أو دولة على اتباع نظام قد لا نؤمن به شرعًا، فكيف يمكن إصدار مثل هذا القرار؟ خامسًا: ورغم ما سبق فإننا نجد أن الجهود المبذولة قد تكون نافعة في تقريب وجهات النظر، وتشخيص الشهادات الصحيحة من الباطلة –أحيانًا- بل وهى تنفع في توحيد شطر كبير من الذين يؤمنون بمسلك وحدة الآفاق.. إلا أننا مع هذا نحذر من الاستغلال السياسى اللئيم لهذه المسألة الشريفة. سادسًا: إننا إذا تمسكنا بشريعتنا وبحقانية ما تقول بكل دقة، فزنا ولا يهمنا ما يقوله العالم لنا، ولذلك فإننا نسجل اعتراضنا على الاستناد إلى ما يسمى بـ (ال رأى العام العالمي) في كلمات بعض العلماء. والمهم لدينا أن نحقق ما تريده الشريعة، وقد علمنا أن المسألة خلافية لا إجماع فيها. وفى الختام فمع تقديرنا للجهود المبذولة في هذا السبيل نود أن يخرج هذا القرار عن الصفة الإلزامية إلى الصفة الترجيحية مع الدعوة إلى التقارب والتأكيد على الأمر. ونرجو في الختام التوفيق لكل المخلصين العاملين.. والسلام عليكم.

стр. 770

[المحرر] الملحق رقم ١ بعض النصوص بالإضافة لما ذكر يقول الإمام ﵇ كما جاء في (فقه الصادق ج ٢ ص ٤٥) : "الفطر يوم فطر الناس، والأضحى يوم يضحى الناس، والصوم يوم يصوم الناس". وجاء في وسائل الشيعة قول الحر العاملي: "وتقدم في المواقيت قولهم ﵈: إنما عليك مشرقك ومغربك وليس على الناس أن يبحثوا". "أقول هذا محمول على البلد البعيد لاتحاد المشارق والمغارب ولما تقدم". وجاء في الوسائل أيضا (الجزء السابع ص ٢٠٨) "سئل عن اليوم الذى يقضى من شهر رمضان، فقال: لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر". وفيه أيضًا: "أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين، قال: أن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يومًا". وفيه أيضًا: "إذا رأيتم الهلال، فأفطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين". وفى الوافى نقلًا عن التهذيب: عن محمد بن عيسى، قال: "كتب إليه أبو عمرو: أخبرنى يا مولاي أنه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان، فلا نراه، ونرى السماء فيهاعلة، فيفطر الناس، ونفطر معهم، ويقول قوم من الحُساب قبلنا أنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وأفريقيا والأندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحساب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا، فقال ﵇: لا تصومن الشك أفطر لرؤيته وصم لرؤيته". وكذلك؛ سعد بن أحمد، عن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال: " فيمن صام تسعة وعشرين، قال: أن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يومًا". وكذلك عن أبي عبد الله ﵇ أنه سئل عن اليوم الذى يقضى من شهر رمضان فقال: "لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر" وقال: " لا تصم ذلك اليوم الذى يقضى إلا أن يقضي أهل الأمصار، فإن فعلوا فصم". وعلق المرحوم الفيض الكاشانى بقوله: " من جميع أهل الصلاة يعنى أي مذهب كان من ملل أهل الإسلام. وكذلك عن أبي الجارود، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن على ﵇ يقول: " صم حتى يصوم الناس وأفطر حين يفطر الناس فإن الله جعل الأهلة مواقيت". وجاء في التهذيب عن أبي جعفر: "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحى الناس، والصوم يوم يصوم الناس".

стр. 771

ملحق رقم ٢ بعض الأقوال والنصوص في هذا المورد: نقل المرحوم (مغنية) في كتابه (الفقه على المذاهب الخمسة) أن الحنفية والمالكية والحنابلة قالوا: "متى ثبتت رؤية الهلال بقطر، يجب على أهل سائر الأقطار من غير فرق بين القريب والبعيد ولا غيره باختلاف مطلع الهلال". وقال الإمامية والشافعية: " إذا رأى الهلال أهل البلد، ولم يره أهل بلد آخر فإن تقارب البلدان في مطلع كان حكمها واحدًا، وإن اختلف المطلع فلكل بلد حكمه الخاص". وجاء في كتاب روائع البيان (تفسير آيات الأحكام) للشيخ محمد الصابوني الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة قوله: الحكم العاشر: هل يعتبر اختلاف المطالع في وجوب الصيام؟ ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع، فإذا رأى الهلال أهل بلد، وجب الصوم على بقية البلاد، ولقوله ﷺ : ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) وهو خطاب عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعًا.

стр. 772

وذهب الشافعية إلى أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا تكفى رؤية البلد الآخر، والأدلة تطلب في كتب الفروع، فارجع إليها هناك (الجزء الأول ص ٢١١) . وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين ج ١ ص ٢٣٢) . "وإذا رئي الهلال ببلدة، ولم يرى بأخرى، وكان بينهما أقل من مرحلتين، وجب الصوم على الكل، وإن كان أكثر، كان لكل بلدة حكمها ولا يتعدى الوجوب ". ونقل العلامة الفيض الكاشانى في كتابه (الوافى ص ٢) الرواية التالية: عن البصرى عن أبي عبد الله ﵇ قال سألته عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: "لا تصم إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه". وعلق عليها قائلًا: إنما قال ﵇ فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه، لأنه إذا رآه واحد في بلد، رآه ألف كما مر. والظاهر أنه لا فرق بين أن يكون ذلك البلد المشهود برؤيته فيه من البلاد القريبة من هذا البلد أو البعيدة عنه، لأن بناء التكليف على الرؤية لا على جواز الرؤية ولعدم انضباط القرب والبعد لجمهور الناس ولإطلاق اللفظ فما اشتهر بين متأخرى أصحابنا من الفرق ثم اختلافهم في تفسير القرب والبعد بالاجتهاد ولا وجه له. (ص٢٠) . إلا أن المرحوم الشعرانى علق على كلامه بقوله: "الشريعة نفسها التى ربطت شهرها (القمرى) الشرعى بإمكان الرؤية لنر أنها هل ربطت الشهر في كل منطقة بإمكان الرؤية في تلك المنطقة أو ربطت الشهر في كل المناطق بإمكان الرؤية في أي موضع كان؟ والأقرب على أساس ما نفهمه من الأدلة الشرعية هو الثانى. وعليه فإذا رئي الهلال في بلد ثبت الشهر في سائر البلاد". ويقول المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه (الفردوس الأعلى) : "سؤال: هل البينة حجة من البلد في ثبوت الهلال فيما إذا لم يكن في السماء علة أم لا..؟ الجواب: فى السؤال نوع من إجمال، ولكن الضابطة الكلية أن أدلة حجية البينة مطلقة غير مقيدة بعدم الاستبعاد، أو عدم الريب فيما بعد تحقق موضوعها إلا أن يعلم اشتباهها أو خطأها، ولا فرق بين كونها من البلد أو خارج البلد بعيدة أو قريبة.."

стр. 773

نظرة أكثر تفصيلًا عن بدايات الشهور العربية فضيلة الشيخ محمد على التسخيري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هناك نقاط تلقى ضوءًا على الموضوع المبحوث عنه وهي: أولًا: أننا نعتبر مسألة الوحدة الإسلامية من أهم خصائص الأمة الإسلامية والتى عمل القرآن الكريم، والسنة الشريفة عليها، ونؤيد كل خطوة صحيحة مشروعة لتحقيق هذا الهدف الإسلامي الضخم والذى نصبو إليه جميعًا، حيث تقف الجماهير الإسلامية في خندق واحد تبنى نفسها من جهة متكاملة نحو المطلق، وتقارع الطغاة المعتدين (الشرقيين والغربيين) من جهة أخرى. ثانيًا: كما أننا متأكدون من أن الكثير من المتسلطين على مقاليد الأمور في عالمنا الإسلامي حاولوا أن يستفيدوا من مسألة بداية الشهور القمرية والمناسبات وتوقيتها لصالح أغراضهم الضيقة، الأمر الذى يدعو إلى تجريدهم من هذه السلطات وتسليمها بيد مراكز مستقلة لا تتأثر بالأهواء وإنما تراقب الله تعالى لا غير. ثالثًا: يبدأ الشهر بخروج القمر من موضعه بين الأرض والشمس (والذى يكون فيه وجهه المظلم مواجهًا للأرض فلا يرى) يبدأ بخروجه من هذا الموضع حيث تبدو حافة النصف المضئ بشكل هلال (ويسمى هذا بدء الحركة الاقترانية) وكلما ابتعد عن المحاق زادت مساحة الجزء الظاهر لنا حتى نواجه النصف المضئ كله بشكل (بدر) وتكون الأرض بينه وبين الشمس. ويكون ظهور الهلال عند أول الشهر عند غروب الشمس ولا يلبث غير قليل فوق الأفق ثم يختفى ولهذا قد تصعب رؤيته أو قد لا تمكن من قبيل: أن يظهر بعد غروب الشمس فوق الأفق الغربى قليلًا، ثم يختفى تحت الأفق الغبر فيكون غير واضح الظهور وربما صعبت رؤيته أو كانت غير ممكنة. أو: أن يواجه الجزء المضئ من القمر الأرض، ثم يغيب ويختفى تحت الأفق قبل غروب الشمس، فلا تتيسر حينئذ رؤيته مادامت الشمس موجودة. أو: أن يكون الجزء المنير المواجه للأرض من القمر (الهلال) ضئيلًا جدًا لقرب عهده بالمحاق، فلا تمكن رؤيته بالعين المجردة. وفى كل الحالات تكون الدورة الطبيعية للقمر قد بدأت، إلا أن الهلال لا يمكن رؤيته، وحينئذ فإن الشهر بمفهومه الشرعى لا يبدأ حينذاك، وإنما يتوقف على أمرين: أحدهما: خروج القمر من المحاق، ومواجهة جزء من نصفه المضئ للأرض. والآخر: أن يمكن رؤية هذا الجزء بالعين الاعتيادية المجردة، ولهذا فقد يتأخرالشهر القمرى الشرعى عن الشهر القمرى الفلكى الطبيعى. وإمكان الرؤية بالعين المجردة هو المقياس لا الرؤية نفسها، فوجود حاجب يحول دون الرؤية كالغيم والضباب لا يضر بذلك. كما أنه ليس المعيار الرؤية بالوسائل العلمية، وإنما المعيار هو إمكان الرؤية بالعين الاعتيادية المجردة.

стр. 774

حالة اختلاف البلاد في الرؤية: قد يرى الهلال في بلد دون آخر، فما هو الحكم؟ وللإجابة على ذلك يقال أن هذا الاختلاف تارة يكون لسبب طارئ كوجود غيم في هذا البلد دون ذاك وحينئذ فلاشك في كفاية الرؤية في أحدهما بالنسبة للبلد الآخر. وأخرى يكون الاختلاف تابعًا لاختلافهما في خطوط الطول أو خطوط العرض أو فيهما معًا، فتكون لدينا آفاق متعددة. ولما كان من اللازم توفر الأمرين السابقين (خروج القمر من المحاق، وإمكان الرؤية المجردة) فإنه لا ريب في نسبية دخول الشهر بالمفهوم الشرعي. وذلك سواء آمنا بأن خروج القمر من المحاق أمر نسبى أو أمر طبيعى واحد لا يتكرر، (تبعًا لاختلاف مفهوم المحاق وهل هو انطباق مركز القمر على الخط الواصل بين مركزي الأرض والشمس فيغيب القمر عن كل أهل الأرض، أو هو مواجهة الوجه المظلم بتمامه لمنطقة ما على الأرض وهو أمر نسبى) . فإن النسبية لا محالة آتية من إمكان الرؤية بالعين الاعتيادية المجردة. ومع ذلك يجب الرجوع إلى النصوص الشريفة لمعرفة ما إذا كان الشارع المقدس يعتبر إمكان الرؤية في مكان ما كافيًا لاعتبار الأرض كلها قد دخلت في الشهر الشرعى أم لا يعتبر ذلك؟ وفى هذا المجال وقع اختلاف رئيس بين العلماء الأعلام عند تمحيص النصوص، وسر الاختلاف يكمن في وجود انصراف لنصوص (الرؤية في البلد الآخر) يصرف الإطلاق إلى البلد القريب المتحد في الأفق وعدم وجود مثل هذا الانصراف.

стр. 775

رأى علماء الإمامية: اتفق علماء الإمامية على أن رؤية الهلال في بلد كافية لثبوته في غيرها من البلدان القريبة منها باعتبار العلم بأن عدم رؤيته فيه إنما يستند – لا محالة إلى مانع يمنع من ذلك. أما البلدان المتباعدة (ذات الأفاق المتفاوتة) فقد نقل أنه لم يقع التعرض لهذه المسألة من قبل العلماء الماضين أما بالنسبة للعلماء المتأخرين فالرأى المشهور هو عدم كفاية الرؤية في بلد ما للقول بدخول الشهر القمري الشرعي لكل الأرض في حين اختار البعض من العلماء والمحققين الكفاية. فقد نقله العلامة الحلي في كتاب (التذكرة) عن بعض العلماء واختاره هو بكل صراحة في كتابه (المنتهى) واحتمله الشهيد الأول في كتاب (الدروس) واختاره بصراحة المحدث الكاشانى في كتابه (الوافى) ونقل الرواية التالية: عن البصري عن أبي عبد الله ﵇ قال سألته عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: "لا تصم إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه". وعلق عليها قائلًا: إنما قال ﵇ فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه، لأنه إذا رآه واحد في بلد، رآه ألف كما مر. والظاهر أنه لا فرق بين أن يكون ذلك البلد المشهود برؤيته فيه من البلاد القريبة من هذا البلد أو البعيدة عنه، لأن بناء التكليف على الرؤية لا على جواز الرؤية ولعدم انضباط القرب والبعد لجمهور الناس ولإطلاق اللفظ فما اشتهر بين متأخري أصحابنا من الفرق ثم اختلافهم في تفسير القرب والبعد بالاجتهاد ولا وجه له. (ص٢٠) . إلا أن المرحوم الشعرانى علق على كلامه بقوله: "الشريعة نفسها التى ربطت شهرها (القمرى) الشرعي بإمكان الرؤية لنر أنها هل ربطت الشهر في كل منطقة بإمكان الرؤية في تلك المنطقة أو ربطت الشهر في كل المناطق بإمكان الرؤية في أي موضع كان؟ والأقرب على أساس ما نفهمه من الأدلة الشرعية هو الثانى. وعليه فإذا رئى الهلال في بلد ثبت الشهر في سائر البلاد".
следующие страницы →