← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

وجه آخر من النظر إن هذه النصوص التي ذكرناها والأدلة المستندة للقواعد التي حللناها يعارضها من ناحية أخرى أدلة وقواعد يمكن الاستناد إليها. فمن ذلك الاحتكار فقد ورد في الاحتكار أحاديث كثيرة رويت بطرق متعددة تدل على تحريم الاحتكار، فقد روى مسلم قال: كان سعيد بن المسيب يحدث أن عمر بن عبد الله العدوي قال: قال: رسول الله ﷺ : ((من احتكر فهو خاطئ)) (١) . ورواه أحمد وأبو داود والترمذي كما روي النهي عن الاحتكار بأسانيد مختلفة يقوي بعضها بعضًا وأصحها هو ما رواه مسلم (٢) . ومعنى خاطئ أي آثم فالاحتكار - حسب ظاهر حديث مسلم - حرام، مع أن المحتكر إنما تصرف في ماله تصرفًا مشروعًا في أوله، إذ أن صاحبه قد اشترى ما يحل له شراؤه بعقد صحيح، لا ظلم فيه. وبين الإنسان ما دخل في ملكه بعقد صحيح لا يكون إلا برضا المالك عملًا بالآية: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ونظرًا لهذا التعارض اختلفت أقوال العلماء في الاحتكار: الحنفية: ذهب أبو حنيفة ومحمد أن الاحتكار المحرم هو في قوت البشر وعن أبي يوسف كل ما أضر بالعامة حبسه. وروى عن محمد أنه في قوت البشر وثيابهم. والمحتكر يأمره القاضي ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله ويزجره، فإذا امتنع أوقف، فإن تمادى حبسه وعززه، وهذا كله إذا كان قد اشترى ذلك من السوق، أما إذا كان من غلة أرضه، أو جلبه من بلد آخر بعيد، فإنه لا يعتبر محتكرًا لعدم تعلق حق العامة (٣) . المالكية: يقول ابن رشد قد اختلف قول المالكية على أربعة أقوال ـ أحدها: إجارة احتكار الأطعمة كلها القمح والشعير وغير ذلك في الأوقات التي لا تضر الحكرة بالناس. والثاني: المنع من احتكارها كلها جملة ـ والثالث: إجازة احتكارها كلها ما عدا القمح والشعير، والرابع: المنع من احتكارها كلها ما عدا الأدم والفواكه والسمن والعسل والتين والزيت. وتأول ابن أبي زيد ما ذهب إليه مطرف وابن الماجشون من تحريم احتكار شيء من الأطعمة بأن ذلك في المدينة المنورة لقلة الطعام بها. ثم يقول ابن رشد: فعلى قوله هم متفقون على أن علة المنع من الاحتكار هو تغلية الأسعار. وإنما اختلفوا في جوازه لاختلافهم باجتهادهم في وجود العلة وعدمها.

стр. 7177

ولا اختلاف بينهم إن ما عدا الأطعمة من العصفر والكتان والحناء وشبهها من السلع يجوز احتكارها إذا لم يضر ذلك بالناس. وهذا الذي ذكره ابن رشد زاده عياض تحديدًا، فقال: والممنوع هو فيما اشترى من السوق، وأما من جلب شيئًا من بلد فله ادخاره إلا أن ينزل بالناس حاجة ولا يوجد عند غيره فيؤمر ببيعه لدفع الضرر عن الناس. وكذلك ما اشتراه لقوت عياله، لادخاره ﷺ قوت عياله سنة، (وزاد القرطبي فقال: وكذلك له ادِّخار ما تحل من كسبه. فإذا باعه الناس لحاجتهم فإنما يبيعه بسعر الوقت. بل إنه رجح أن احتكار ما لا يضر مصلحة وترك احتكاره مفسدة، لأن ذلك الشيء قد يقل أو ينعدم من المستقبل فيوجد عنده. مستدلًا بكلام ابن العربي إذا كثر الجالب ولم يشترِ منهم وردوا. فالاحتكار حينئذ جائز بل مستحب (١) . الشافعية: قال النووي: قال أصحابنا: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصةً. وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة ـ ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو ثمنه. فأما إذا كان من قريته أو اشتراه في وقت الرخص وادخره أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إي أكله أو ابتاعه ليبيعه في وقته فليس باحتكار ولا يحرم فيه. وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيه بكل حال هذا تفصيل مذهبنا. قال العلماء والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة الناس ـ كما أجمع العلماء على أن لو كان عند إنسان طعام واضطر الناس إليه ولم يجدوا غيره، أجبر على بيعه دفعًا للضرر على الناس ـ وما روي أن سعيد بن المسيب ومعمرًا كانا يحتكران، قال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء. (٢) الحنابلة: قالوا الاحتكار حرام والاحتكار المحرم هو ما اجتمع فيه ثلاثة شروط: أحدها: أن يشتري، فلو جلب شيئًا أو أدخل من غلته شيئًا فادخره لم يكن محتكرًا لأن الجالب لم يضيق على أحد ولا يضربه، بل ينفع. الثاني: أن يكون المشتري قوتًا. فأما الإدام، والحلواء، والعسل، والزيت، وأعلاف البهائم، فليس فيه احتكار محرم.

стр. 7178

الثالث: أن يضيق على الناس بشرائه ولا يحصل ذلك إلا بأمرين: أحدهما: يكون في بلد يشق بأهله الاحتكار كالحرمين والثغور فالبلاد الواسعة الكبيرة المرافق والجلب كبغداد والبصرة ومصر لا يحرم فيها الاحتكار؛ لأن ذلك لا يؤثر فيها غالبًا. ثانيهما: أن يكون في حال الضيق كأن يدخل البلد قافلة فيتبادر ذوو الأموال فيشترونها ويضيقون على الناس، فأما إذا اشتروه في حال الاتساع والرخص على وجه لا يضيق على أحد فليس بمحرم. (١) أن تتبع المذاهب في الاحتكار يدل على اتفاق المذاهب في الحقيقة وإن ظهر اختلاف بينها في بادئ الرأي، ذلك أن المذاهب الأربعة تتفق على أن الاحتكار المحرم هو ما كان طريق التحصيل عليه الشراء من السوق ـ وإن المنتج والجالب للسلعة من مكان بعيد حر التصرف في سلعته له بيعها وادخارها، ثانيًا: إن الادخار في الوقت الذي يكثر فيه العرض كثرة تفوق الطلب لا حرمة فيه، بل هو مستحب حتى لا تهبط الأسعار هبوطًا يعزف معه المنتج عن الإنتاج، ثالثًا: إن العلة التي تظهر بين الحين والآخر مؤثرة في التحريم (تعلق حق العامة) (إذا لم يضر ذلك بالناس) ، والضرر كما صرح به ابن العربي: (هو غلاء الأسعار) ، ومن هذه النقطة يظهر وجه ربط الاحتكار بالتسعير، فالمذاهب الأربعة تحرم الاحتكار وتعطي المحتسب الحق في التدخل حفاظًا على استقرار الأسعار ـ فهم جميعًا يعتبرون أن استقرار الأسعار مصلحة عامة. وأن الحرية مصلحة خاصة تهدر في مقابل المصلحة العامة ـ وأما التفرقة بين الطعام وغيره واختلافهم في تحديد الأطعمة وإدخال اللباس وعدم إدخاله، إنما هو اختلاف في التدقيق في النظر. فمن تعمَّق في تقدير الحاجات الإنسانية التي لا بد منها لم يقصر تحريم الاحتكار على القمح والشعير، ومن رأيي أن ذلك هو الضروري لبقاء الحياة قصر التحريم. والذي يظهر أن الاحتكار على مستويين، المستوى الأول: ما تستطيع المجموعة مقاومته بالامتناع عن الشراء حتى يضطر المحتكرون إلى النزول بسلعهم للسوق وهو مستوى من التوكل عند المؤمن والرضا بالمقدور، وعند غير المؤمن مستوى مدني ـ وعلى كلٍّ فإن تهافت البشر على ما ليس ضروريًّا لحياتهم يتحملون بتهافتهم قسطًا من اندفاع المحتكرين للاحتكار فالمسؤولية موزعة ولذا رأى أكثر الفقهاء أنه لا حرمة فيه. والمستوى الثاني: أن لا تستطيع المجموعة التأثير على المحتكرين لكون الاحتكار في عيش البشر وما لا يبصرون على اقتنائه. وهنا فالاحتكار طلبًا للغلاء حرام. إذ ترضخ الجماعة للأسعار التي يفرضها المحتكرون. فمن راعى هذه الدقة قصر التحريم على الضروري ومن راعى أن المستوى العام للمجموعات البشرية أنها لا تصبر على المفقود في تحريم الاحتكار.

стр. 7179

وعلى كل، فإن التأثير في غلاء الأسعار هو الذي أباح للمحتسب التدخل وحرم الاحتكار على المحتكر. وبجانب الاحتكاك أيضًا، فقد ورد في الشريعة ما يبيح انتقال الملك بقيمة المثل إلى غير صاحبه وبدون رضاه. فمن ذلك ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم ومالك عن عبد الله بن عمر من أعتق شركًا له في عبد، فكان له ما يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عيه العبد، وإلا فقد عتق عنه ما عتق (١) . فالحديث نص على أن المعتق لنصيبه من العبد المشترك يجب عليه أن كان واجدًا أن يدفع إلى شركائه قيمة حصصهم بعد أن يقوم العبد بقيمة المثل. يقول ابن القيم صار هذا الحديث أصلًا أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل لا بما يزيد عن الثمن (٢) ومن ذلك أيضًا الحديث الذي رواه البخاري وأحمد، عن جابر ((أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم)) . فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. (٣) أجمع العلماء على جواز الأخذ بالشفعة وهي في حقيقتها إجبار المشتري على تمكين الشريك من الحصة التي اشتراها بنفس الثمن الذي اشتراها به، فهي تتضمن خروج الملك عن مالكه بغير رضاه، وأن القيمة المحددة، هي ثمن الشراء ليس له أي أدنى حظ من الربح. فإذا كان الشارع قد أباح انتزاع ملكية العبد من سيده جبرًا وبسعر محدد هو سعر المثل ليتحقق العتق الذي يتسوفِ له الشارع، وإذا كان الشارع قد أجبر المشتري للشقص على بيع شقصه بالثمن الذي اشتراه به دفع الضرر عن الشريك، وهي مصلحة جزئية لا أفضلية للشريك إلا بالسبق الزمني في التملك، فالتسعير أولى بالقبول. ولذا فإن العلماء بعد اتفاقهم على منع التسعير أخذوا ينظرون في القضية نظرة جديدة. ومن ذلك ما ذكره ابن العربي في العارضة وقال سائر العلماء بظاهر الحديث أي بمنع التسعير والحق التسعير وضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين، وذلك قانون لا يعرف إلا بالضبط للأوقات ومقادير الأحوال. وحال الرجال والله الموفق للصواب وما قاله النبي ﷺ حق وما فعله حكم، لكن على قوم صح ثباتهم واستسلموا إلى ربهم، وأما قوم قصدوا أكل أموال الناس والتضييق عليهم فباب الله أوسع وحكمه أمضي (٤)

стр. 7180

فابن العربي نظر إلى القواعد الشرعية فرأى أنها جاءت بالعدل، وأن لا يمكن المهرة من الإثراء بوساطة التلاعب في الأسواق وإغلاء الأسعار، وأن الحاكم قد نصب لإقامة العدل ين الناس ـ وأن سياسة البشر الذين يغلب عليهم تقوى الله والإيثار تخالف سياسة البشر الذين همهم ملء خزائنهم والاستئثار، وطغيان حب الذات والأنانية، ولو بالتضييق على الناس، فما حكم به ﷺ حق في الوقت الذي حكم به. معنى ذلك أن هذه قضية عين لا عموم لها هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن نص الحديث لا يدل عي أن الغلاء كان نتيجة عبث بالسوق، وإنما ارتفع الثمن في سوق المدينة تبعًا لعوامل موضوعية لا دخل للتجار فيها. ولذلك ابتدأ ﷺ بالكشف عن الفاعل في الغلاء بقوله ((إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق)) ، فارتفاع الأسعار في عهده كانت متسببة عن تصرف إلهي حكيم في الكون تعرف آثاره، ولله الحجة البالغة وهو ما يفهم عنه الرواية الأخرى بل ادعو الله. إذن هما اتجاهان: الأول لأصحاب المذاهب لا يتدخل السلطان ولا نائبه في التسعير أصلًا. الاتجاه الثاني أن للسلطان أو نائبه حق التدخل في التسعير، إلا أن هذا التدخل في التسعير للمصلحة قد اختلف فيه الفقهاء تبعًا لتحديدهم للمصلحة المسوغة لذلك، كما أن ميادين التدخل قد تكون في السلع المعروضة في السوق عند التجار، وقد تكون في السلع المجلوبة، وقد تكون في الخدمات البشرية، وقد تكون في الانتفاع بالمباني والآلات. القسم الأول ـ تدخل السلطة في أثمان المبيعات: الحنفية: يقول الطوري: إن الثمن حق البائع وإليه تقديره، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقه إلا إذا كان أرباب الطعام يحتكرون على المسلمين ويتعدون تعديًّا فاحشًا، وعجز السلطان عن منعه إلا بالتسعير والتعدي الفاحش هو تضعيف القيمة. يقول في الدر المختار وأفاد أن التسعير في القوتين (أي قوت البشر والأنعام) ثم قال: لكن إذا تعدى أرباب غير القوتين وظلموا العامة فيسعر عليهم الحاكم بناء على قول أبي يوسف فالحصكفي جعل القول بتسعير الحاكم في غير القوتين إذا أضر بالعامة غير منصوص لأئمة المذهب، ولكنه مخرج على قول أبي يوسف أن كل ما أضر حبسه بالناس فهو احتكاره (١)

стр. 7181

فحاصل مذهب الحنفية أن الإمام أو نائبه لا يتدخل في تسعير قيم المبيعات إلا في القوت إذا تلاعب التجار بالسوق حتى بلغ الضعف نصًّا في المذهب، وفي غير القوت قياسًا على القوت. المالكية: سئل القاضي أبو عمر بن منظور عن التسعير فكان مما أجاب به: (أهل الأسواق والحوانيت الذين يشترون من الجلاب وغيرهم جملًا ويبيعون ذلك على أيديهم) . قيل هم كالجلاب الحكم واحد في كل ما مضى لا فرق، قاله عبد الله بن محمد، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وقيل إنهم بخلاف الجلاب، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا غلبوا على الناس، وإن على صاحب السوق أن يعرف ما اشتروا ويجعل لهم من الربح ما يشبه وينهي عن الزيادة، ويتفقد السوق، فيمنع من الزيادة على ما حد. ومن خالف أمره عوقب بما يراه من الأدب أو الإخراج من السوق أن كان البائع معتادًا لذلك مشتهرًا به، وهو قول مالك في سماع أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب، وقال به من السلف جماعة. ولا يجوز عند واحد من العلماء أن يقول لهم بيعوا بكذا وكذا ربحتم أو خسرتم من غير نظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما اشتروه لا تبيعوه إلا بكذا وكذا مما هو مثل الثمن الذي اشتروه به أو أقل، وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون، فلا يتركهم أن يغلوا في الشراء، ولو لم يزيدوا في الربح إذ قد يفعلون ذلك لأمر ما، مما يكون نتيجته ما فيه ضرر (١) فابن منظور يرى أن على صاحب السوق أن يتدخل بتحديد الثمن كلما تعسف أهل السوق من التجار في مقتضى الحرية، وظلموا الناس دون أن يربط مجال التسعير بقوت أو غيره، والذي ذهب إليه ابن عرفة أن التسعير إنما يكون في القوت خاصةً لقوله في تعريفه (تحديد حاكم السوق لبائع المأكول فيه) علق الرصاع على هذا بقوله: أخرج به غير المأكول، لأنه لا يسعر (٢)

стр. 7182

وما ذهب إليه ابن منظور من أن الحاكم يسعر على أهل السوق بعد أن ينظر في شرائهم ويترك لهم من الربح ما لا ضرر فيه على العامة، وأنه لا يحل له أن يحدد ثمنًا دون نظر إلى معطيات موضوعية للتسعير، وأن هذا أمر متفق عليه، يؤكد ذلك ما في سماع أشهب لصاحب السوق: بيعوا على ثلث رطل من الضأن ونصف رطل من الإبل (يعني أن الدرهم يشتري به ثلث رطل أو نصف رطل) ، قال مالك: ما أرى به بأسًا إذا سعر عليهم شيئًا يكون فيه ربح يقوم لهم من غير اشتطاط (١) الشافعية: اقتصر صاحب تكملة المجموع على نقل كلام ابن القيم (٢) الحنابلة الذي أفاض القول في التسعير هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. يقول ابن القيم: وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز. فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعتهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب. وابن القيم يلتقي مع ابن العربي في أن التسعير لا يحكم عليه حكم مطلق، ولكن ينطبق في الظروف التي أدت إليه، فما كان منه ظلمًا للناس فهو حرام، وما كان منه حماية للناس من الظلم، فهو واجب. وبهذا يصبح الخلاف هو في تحقيق المناط أي في بيان الأحوال التي تحقق فيها الظلم لصاحب السلعة، فيكون تصرف صاحب السوق حرامًا. وفي الأحوال التي ظلم فيها أرباب السلع غيرهم فيكون رفع ظلمهم واجبًا.

стр. 7183

أنواع صاحب السلعة: الجالب: قد يكون صاحب السلعة جالبًا للسلعة، والرأي الغالب أن الجالب لا يسعر عليه، أصله ما رواه مالك في موطئه أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: لا حكرة في سوقنا.. لا يعمد رجال بأيديهم فضول من إذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف، فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله (١) . فهذا الحديث يدل على حرية الجالب في التسعير لا يتسلط عليه. وكذا المنتج يبيع سلعته بالثمن الذي يرغب فيه لا يتسلط عليه الحاكم فيحدد له الثمن، إلا أنه إذا كان أهل السوق قد جرى بينهم سعر فجاء الجالب ليرفع في الثمن أو ليخفض فيه فإنه لا يتعرض له في تحديد الثمن، ولكن هل يرفع من السوق أو لا؟ خلاف، فمالك اعتمد على ما رواه من حديث عمر ﵁ مع حاطب بن أبي بلتعة ـ فعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر على حاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع له زبيبًا بالسوق فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا (٢) ، فهم بعضهم أن حاطبًا كان يبيع بالدرهم أقل مما يبيع غيره فنهاه عمر عن ذلك ليحط من الثمن ويسير مع ثمن أهل السوق، وقيل بل إن حاطبًا كان يبيع بالدرهم أكثر مما يبيع غيره. وهذا مفضٍ للخصام بين من يخفض في الثمن وأهل السوق. ولذا لم يفرق كثير من العلماء في الخروج عن الثمن بين الزيادة والنقص، قال ابن القصار: اختلف أصحابنا في قول مالك ولكن من حطَّ سعرًا، فقال البغداديون: أراد أن يباع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية بدرهم، وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة، فيفسد على أهل السوق بيعهم وربما أدى إلى الشغب والخصومة. قال ابن القصار، وعنه أن الأمرين جميعًا ممنوعان (٣) ، ورأي ابن رشد هذا غلط ظاهر إذ لا يلام أحد على المسامحة في البيع والحطيطة فيه، بل يشكر على ذلك إن فعله لوجه الناس ويؤجر إن فعله لوجه الله (٤) .

стр. 7184

تدخل صاحب السلطة في الشراء: إذا تمالأ التجار على الزيادة في ثمن الشراء طلبًا لإغلاء الأسعار فإن صاحب السلطة يتدخل لرفع الظلم، يقول ابن القيم: فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها قد تواطؤوا على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل ويبيعوا ما يبعدونه بأكثر من ثمن المثل ويقتسموا ما يشتركون فيه من الزيادة كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، [الآية ١٢ من سورة المائدة] ، ولا ريب أن هذا عظم إثمًا وعدوانًا من تلقي السلع وبيع الحاضر للبادي ومن النجش (١) طريقةُ تدخُّلِ صاحبِ السُّلْطَةِ: إن الزيادة في السعر أو التنقيص منه قد تكون من جملة التجار في السوق وقد تكون من عدد محدود. فإذا كانت من عدد محدود فإن لم تتحدد صفة المبيع واختلفت جودة ورداءة، فلا يتدخل صاحب السلطة (٢) وإن اتحدَّ المبيع صفة فكما تبين من النصوص السابقة يؤمر من زاد في الثمن إما بمتابعة أهل السوق وإما أن يتحول عنه ولا يبقى يبيع ويشتري به. وإن نقص فقد رأينا الخلاف في ذلك، غير أن ابن رشد يرى أنه لا فرق بين رفع الأثمان وخفضها، ويرى ابن رشد أن من خفض في الثمن لأوجه لمنعه من ذلك، لأن خفض الثمن من المسامحة التي يستحق صاحبها الشكر في الدنيا، والمثوبة عند الله إذا قصد به وجه الله وما قاله ابن رشد فيه نظر ذلك أن التخفيض يكون من الجلابين فلا يتعرض لهم، أما من أرباب السوق فإنها من الطرق التي يعمد لها بعض التجار ليفسد على أهل السوق بيعتهم ويستأثر هو بالحرقاء، حتى إذا ما ألفه الناس استطاع أن يرفع في الأثمان فهو من الطرق الماكرة للاستئثار. وأما إذا كان التنقيص من جملة التجار فلا يتدخل صاحب السلطة، وأما إذا كانت الزيادة من جملة التجار فهنا يتدخل صاحب السلطة ويجب أن يكون تدخله بالعدل فلا يظلم الباعة، ولا يظلم المشتري، وصفة ذلك يقول ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق في ذلك الشيء، ويحضر غيرهم استظهارًا على صدقهم، فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا به، ولا يجبرهم على التسعير، ولكن عن رضا (٣) .

стр. 7185

قال أبو الوليد بن رشد: ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا ما لا ربح لهم فيه، أدى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس (١) وهو نص ما جاء في جواب ابن منظور. يتبين مما سبق أن التسعير لا يعطي لصاحب السلطة الحق في التعسف في الحكم وفرض التسعير حسب تقديره الخاص، ولا يمكنه التسعير بالاعتماد على رأي المشترين وإنما يجمع هيئة تتآلف من التجار والخبراء، ويعتمد المعطيات الحقيقية من ثمن الشراء، وما يرغب التجار في الاستمرار على القيام بدورهم من إيصال السلع إلى الراغبين فيها، وعلى هذا فالسعر غير ثابت وإنما هو تابع لتقلب السوق واختلاف القيم ـ يقول أحمد سعيد المجيلدي: يجب على صاحب السوق الموكل لمصلحته أن يجعل لهم من الربح ما يشبه ويمنعهم من الزيادة عليه ويتفقدهم في ذلك ويلزمهم إياه كيفما يتقل بالسعر زيادة أو نقصانًا (٢) . تدخل صاحب السلطة في قيمة الانتفاع بالمباني والآلات: يقول ابن القيم إذا قدر أن قومًا اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان لا يجدون سواه أو النزول في خان مملوك، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك، وجب على صاحبه بذله بلا نزاع لكن هل له أن يأخذ أجرًا؟ فيه قولان للعلماء. ومن جوز له الأجرة حرم عليه الزيادة على أجر المثل (٣) . فالتسعير بقيمة المثل في هذه إنما تكون عند الاضطرار بتوفر ركني الحاجة وعدم وجود سواه. تدخل صاحب السلطة في قيمة الانتفاع بالخدمات: يقول ابن تمية: أن ولي الأمر أن أجبر أهل الصناعات على ما يحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل، فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك ولا يمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل، وهذا من التسعير الواجب وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك، فيستعمل بأجرة المثل ولا يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم، مع الحاجة إليها فهذا تسعير العمال (٤) .

стр. 7186

هذا وجه من التدخل فصله شيخ الإسلام أن ولي الأمر يقدر قيمة العمل المحتاج إليه ويلزم صاحب المال بدفع أجر العمل كاملًا حسبما قدره مراعاة للظروف العامة ويلزم العامل بالعمل بتلك القيمة إذا تعينت فيه ولم يجد صاحب العمل عاملًا آخر. ونوع آخر من التدخل فصله ابن القيم: وهو اشتراك أهل صناعة أو حرفة فيما بينهم اشتراكًا يوقع الناس في حرج، بإلزامهم الرضا بما يسعرون به فقال: منع غير واحد من العلماء كأبي حنيفة وأصحابه القسامين الذين يسقمون العقار وغيره بالأجرة أن يشتركوا، فإنهم إذا اشتركوا والناس يحتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجرة. قلت: وكذلك ينبغي لوالي الحسبة أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم كالشهود والدلالين وغيرهم. (١) ونقل المجيلدي عن المالقي: لا احتساب على جالب الطعام ولا لمن يبيع بغير دكان ولا حانوت يعرض للخاص والعام، ولا على الفواكه والخضر، إلا لغلاء مفرط ولا على السكري ولا على الدباغ والسمسار والخراز والبناء والكاتب والصاغة والشراط والنكاز والحواز والخياط والبرام ـ والصفار ـ والقواس ـ والخراط ـ والفخار ـ والحائك والنجار والرماح والحداد وجميع أهل الحرف والصنائع والمنتسبين من حمال أو سواه ودلال وسمسار وغيرهم (٢) فالمالقي يخرج كل الصناعات من دائرة التسعير وإنما يفرض على المحتسب أن يقيم لكل صناعة أمينًا يتفقد الإنتاج والخدمات هل راعى أصحابها الأصول الفنية أو لا؟ وله أن يؤدب من لم يحترم الأصول بإفساده من أنتج (٣) . إنه بالموازنة بين رأي ابن القيم والمجيلدي يتبين بوضوح أن ابن القيم أبعد نظرًا بتقسيمه أرباب الصناعات إلى قسمين: قسم تعسف في استعمال حقه ومكر للإضرار بغيره، وهذا تنطبق عليه القاعدة لا ضرر ولا ضرار. وما وضع الحاكم إلا ليقيم العدل ويمنع الظلم الظاهر والمقنع. وقسم جرى على سنة التفاضل حسب القدرة على التجويد بدون حيلة ولا مكر، وهذا لا يتدخل فيه الحاكم ولا يسعر عليه. مخالفة التسعير: إذا تدخل صاحب السلطة وسعر على الناس فإنه يجب أن يطاع لأن القضية محل خلاف وحكم الحاكم برفع الخلاف، ويلزم كل الناس احترام حكمه ما دام غير مناقض لأصل يقيني. وإذا خالف البائع وباع أكثر من القيمة فالمبيع صحيح. ففي الفتاوى الهندية فإن سعر فباع الخباز بأكثر مما سعر جاز بيعه (٤) ، ويقول الشربيني: فلو سعر الإمام عزر مخالفة بأن باع بأزيد مما سعر لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخافة وصح البيع. إذ لم يعهد الحجر على المختص في ملكه أن يبيع بثمن معين (٥) . والتعزيز عند الحنفية لا يكون إلا إذا تكرر من التاجر المخالفة. يقول الطوري وينبغي للقاضي والسلطان أن لا يعجل بعقوبة من باع فوق ما سعر بل يعظه ويزجره وإن رفع إليه ثانيًا فعل به كذلك وهدده وإن رفع إليه ثالثًا حبسه وعزره حتى يمتنع عنه ويمتنع الضرر عن الناس (٦) . حكم الشراء بالسعر المحدد: يقول الطوري: ومن باع منهم بما قدَّره الإمام صح لأنه غير مكره على البيع. كذا في الهداية، وفي المحيط: أن كان البائع يخاف إذا زاد في الثمن على ما قدره أنقص في البيع يضربه الإمام أو من يقوم مقامه ولا يحل للمشتري ذلك؛ لأنه في معنى المكره، والحيلة في ذلك أن يقول له تبيعني بما تحب (٧) . وعند الحنابلة يبطل البيع إن هدد المشتري البائع (ويكره الشراء بالتسعير، وإن هدد من خالفه حرم البيع بطل لأن الوعيد إكراه) (٨) . وفيما قاله الحنابلة نظر ذلك أن الإكراه المؤثر في العقد هو الإكراه التعسف الذي يتسلط فيه القوي على الضعيف فيخضعه لإرادته، أما إذا كان الإكراه تطبيقًا لمقتضيات الشرع فلا حرمة فيه ولا بطلان ـ كما يكره الشفيع المشتري للشخص على تحويل له بثمنه، وكما يكره الشريك شريكه على البيع فيما لا يقبل القسمة، وكما تكره الزوجة زوجها على تنفيذ قضاء القاضي بالنفقة عليها حسبما قدره.

стр. 7187

التسعير في عصرنا الحاضر: إن التسعير في عصرنا الحاضر يختلف عن التسعير في العصور السابقة كما أنه يختلف أمره من بلد إلى بلد ومن بضاعة إلى بضاعة أخرى، ويتبين ذلك مما يأتي: أولًا: جرت بعض البلدان التي لها قوة مالية تغطي احتياجاتها أو تفوقها أنها لا تتدخل في التوريد، ذلك أن عملتها لها من الغطاء ما يضمن رواجها بقيمتها، وهذه الدول تبني اقتصادها على قاعدة العرض والطلب، فترتفع الأثمان أو تنخفض تبعًا لهذه القاعدة ولا يرى الحاكم أنه في حاجة إلى التدخل، وإن عدم تدخله يضمن تدفق السلع للأسواق والمزاحمة، خاصةً وقد غدت وسائل النقل وإيصال السلع تشمل البر والبحر والجو وأصبح التجار في هذه البلدان يعتمدون لتحقيق الأرباح دوران رأس المال. وقلما يلجأون إلى الاحتكار. ثانيًا: جرت بعض البلدان ذات الاقتصاد الضعيف أن تتدخل في الحركة الاقتصادية من عدة نواح: (أ) لما كانت عملتها لا قيمة لها خارج حدودها وهي غير ملزمة بمقايضتها، كان التوريد خاضعًا لتمكين المورد من العملة التي يقبلها البائع خارج الحدود الوطنية، وهذه العملة ليست من مجهود المورد ولكنها مجهود الأمة. وبهذا الاعتبار فالمورد يملك رأس مال ناقص تكمله له الدولة من ثروة الأمة، وتنظيم شؤون الدولة حصر قائمة الموردين حسب شروط وتنظيمات، وبهذا فإنه يحق للدولة أن تحدد سعر البيع كما تراقب سعر الشراء وهو ما نص عليه ابن القيم أن يلزم الناس أن لا يبيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون وهؤلاء يجب التسعير عليهم والا يبيعوا إلا بقيمة المثل ولا يشتروا إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء، لأنه إذا منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاؤوا أو يشتروا بما شاؤوا كان ذلك ظلمًا للناس. (ب) إن الدولة تجد نفسها ملزمة لظروفها الاقتصادية والاجتماعية أن توقف غلاء المعيشة وتيسر على ذوي الدخل المحدود اقتناء بعض الضروريات بثمن أخفض من قيمتها الحقيقية وتعوض من صندوق الخزينة الفارق بين القيمتين، وهنا لا بد لها من أن تحدد ثمن البيع، لأنها في حقيقة الأمر أسهمت في رأس المال ـ فهي شريكة ومن يشاركها قد دخل على أنه لا يزيد على الثمن الذي حددته. فيظهر أن تدخل الدولة في التسعير هو نتيجة ضعف في الاقتصاد الوطني وأنه كلما كان الاقتصاد قويًّا كانت الدولة في غنى عن ذلك. والله أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الشيخ محمد المختار السلامي.

стр. 7188

تحديد أرباح التجار إعداد الدكتور يوسف القرضاوي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تحرير موضوع البحث: قبل البدء في الموضوع ينبغي أن نحرر المراد منه، فبعض الباحثين في الموضوع قد يفهم أن المراد تحديد الربح للتجار من قبل ولي الأمر. وأعتقد أن هذا ليس مرادًا هنا، إذ لو كان هو المراد لبحث تحت عنوان آخر أخص به، وهو عنوان (التسعير) . على أن التسعير لا يقتصر على التجار، بل يشمل المنتجين من زراع وصناع، ونحوهم.. كما أن بعض الباحثين يشتبه عليه موضوع الربح ونسبته، بموضوع (الغبن) ، وقد اشتهر عند بعض الفقهاء أن الغبن يتسامح فيه في حدود الثلث وما عدا ذلك يعتبر غبنًا فاحشًا، لا يجوز، أخذًا بالحديث المتفق عليه في شأن الوصية ((الثلث والثلث كثير)) . ولكن الغبن شيء والربح شيء آخر، ولا تلازم بينهما، فقد يربح التاجر ٥٠ % أو ١٠٠ %، ولا يكون غابنًا للمشتري، لأن السلعة في السوق تساوي ذلك، أو أكثر، بل قد يكون مع الربح الكبير متساهلًا مع المشتري. وقد يبيع للمشتري بربح قليل، بل بغير ربح، بل ربما مع خسارة تقل أو تكثر، وهو مع هذا قد غبن المشتري. وهنا يلزم معرفة المراد من التجارة والربح ... التجارة والربح: التجارة هي: شراء السلع وبيعها بقصد الربح منها. والتاجر هو: من يشتري السلعة ليبيعها بقصد الربح، وقد تسمى السلعة: البضاعة أو العرض، وتجمع على عروض.

стр. 7189

والربح هو: الفرق الزائد بين ثمن بيع السلعة وثمن شرائها مضافًا إليه المصاريف التجارية. وفي القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩] . وفي آية المداينة التي أمرت بكتابة الدين: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] . كما عرض القرآن للتجارة المعنوية، كما في قوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [سورة فاطر: الآية ٢٩] . وقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الصف: الآية ١٠] . ووصف تعالى المنافقين بقوله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٦] . فدل هذا على أن الأصل في التجارة أن تربح، ومن لم تربح تجارته فلا بد أنه لم يحسن اختيار ما يتجر فيه، أو من يتعامل معه. وقد روى الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ ، قال: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك)) وقال: حسن غريب (١) وهذا، لأن المقصود من التجارة الربح، فإذا دعا عليه المؤمنون ألا يربح الله تجارته، فقد ضاع مقصوده وذهب تعبه سدى. وقد ذكر القرآن التجار المؤمنين بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [سورة النور: الآية ٣٧] . وإذا كانت التجارة بيعًا وشراء، فقد ذكر القرآن البيع في رده على المرابين المتلاعبين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] . وذكر القرآن البيع في معرض الحث على السعي إلى الجمعة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [سورة الجمعة: الآية ٩] . وذكر القرآن فعل (يشري) بمعنى (يبيع) ، وذلك في مجال المعنويات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٠٧] . ومثله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٤] .

стр. 7190

كما ورد فعل (شرى) في الماديات في قصة يوسف الصديق: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [سورة يوسف: الآية ٢٠] . وفي جملة آيات يطلق القرآن الكريم على التجارة وصفًا أو عنوانًا يوحي بالرضا عنها، وهو – الابتغاء من فضل الله – وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [سورة الجمعة: الآية ١٠] . وقوله: ﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [سورة المزمل: الآية ٢٠] . والقرآن لا يمنع ابتغاء هذا الفضل، ولو في موسم الحج، وقصد النسك والعبادة، فيقول سبحانه ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٨] . كما نوه برحلتي قريش الشهيرتين بين اليمن والشام بقوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [سورة قريش: الآيات ١-٣] . ابتغاء الربح لإيتاء الحقوق والمحافظة على أصل المال: وقد روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: ((ألا من ولي يتيما له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)) (١) . وهذا الحديث إن كان فيه مقال، فقد روى الطبراني في الأوسط من حديث أنس مرفوعًا: ((اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة)) (٢) . وصح نحو هذا مرسلًا، من حديث يوسف بن ماهك مرفوعًا، كما صح هذا المعنى موقوفًا على أمير المؤمنين عمر ﵁ (٣) . وكل هذه الأحاديث تشير إلى أمر هام في ميدان الاقتصاد والتجارة، وهي أن الحد الأدنى الذي ينبغي أن تحققه التجارة الناجحة، هو: أن يفي الربح بما يجب في المال من زكاة، إلى جوار النفقة أيضا أي النفقة المطلوبة لرب المال ومن يعوله.

стр. 7191

فإن المال كما ينقص ظاهرًا بإخراج الزكاة منه، بحيث تصبح المائة ٩٧.٥، فإنه لا شك ينقص بمقدار ما ينفق منه على حاجات مالكه. وهذا يحتم على ذي المال القليل أن يربح أكثر، إما بإدارة المال مرات أكثر، أو بزيادة نسبة الربح، حتى يمكن لربحه أن يغطي نفقاته المتجددة، وإلا أكلت النفقة رأس ماله. وهذا بخلاف ذي المال الكثير، فقد يكفيه القليل من الربح كل ما يحتاج إليه، وزيادة. هل حددت النصوص نسبة للربح؟ ولكن، إذا كانت السنة قد رغبت في الاتجار بالمال، ليحقق ربحًا ينفق منه، ويبقى رأس المال سالمًا، فهل أشارت السنة إلى تحديد نسبة معينة للربح، يفرضها التاجر على نفسه، أو يفرضها عليه المجتمع، لا يجوز له أن يتعداها؟ الواقع أن المتتبع للسنة النبوية، والسنة الراشدية، وقبل ذلك للقرآن الكريم، لا يجد أي نص يوجب، أو يستحب، نسبة معينة للربح، ثلثًا أو ربعًا أو خُمسًا أو عشرًا، مثلًا يتقيد بها ولا يزاد عليها. ولعل السر في ذلك أن تحديد نسبة معينة لجميع السلع، في جميع البيئات وفي جميع الأوقات، وفي جميع الأحوال، ولجميع الفئات، أمر لا يحقق العدالة دائما. فهناك فرق بين المال الذي يدور بسرعة بطبيعته كالأطعمة ونحوها، بحيث يدور في السنة عدة مرات، وبين المال البطيء الدوران الذي لا يدور في السنة إلا مرة، وقد تمضي أكثر من سنة، دون أن يتحرك، فالربح في الأول ينبغي أن يكون أقل من الربح في الأخير. وهناك فرق بين من يبيع قليلًا ومن يبيع كثيرًا، وكذلك بين رأس المال القليل التافه ورأس المال الكثير الوافر، فإن ربح القليل في المال الكثير كثير. وثمة فرق كذلك من يبيع حالًا، ومن يبيع بالأجل، فالمعروف أن البيع الحال المقبوض يكون الربح فيه أقل، على حين تكون نسبة الربح في البيع المؤجل أعلى، نظرًا لما فيه من احتمال إعسار المشتري أو مطله، أو تلف ماله بوجه من الوجوه، وبهذا يهلك مال البائع، فضلًا عن تعطيل ماله، هذه المدة، وقد أجاز جمهور العلماء الزيادة في الثمن إذا زيد في الأجل، إذا عرف ذلك من أول الأمر، وتحدد بوضوح وهو مقابل بيع السلم الذي تباع فيه السلعة بأقل من الثمن المعتاد. وأيضًا يوجد فرق بين السلع الضرورية، أو الحاجية، التي يفتقر إليها جمهور الناس، وبخاصة الضعفاء والفقراء منهم، والسلع الكمالية التي لا يشتريها إلا الأثرياء.

стр. 7192

ففي الأولى ينبغي أن يقلل الربح رفقًا بذوي الضعف والحاجة، وفي الثانية يمكن أن يكون أكثر، إذ من الميسور الاستغناء عنها. ولهذا شدد الشارع في احتكار الأقوات والأطعمة خاصة، أكثر من غيرها لاشتداد حاجة الناس – بل ضرورتهم – إليها، ولهذا أيضا حرم احتكارها بالإجماع، وجرى الربا فيها بالإجماع، ووجبت الزكاة فيها بالإجماع. وكذلك ينبغي التفريق بين من يحصل على السلعة بسهولة، ومن يجهد ويتعب في جلبها من مصادرها، وكذلك بين من يبيع السلعة كما هي، ومن يدخل عليها تحويلات تكاد تجعلها سلعة أخرى. كما أن ثمة فرقًا بين من اشترى برخص، كأن اشترى السلعة من منتجها بلا وسائط بسعر نازل، ومن اشتراها بعد تداول عدة وسائط لها، بسعر مرتفع، فشأن الأول أن يربح أكثر من الآخر. والمقصود أنه لا يوجد في نصوص القرآن الكريم، ولا في السنة ما يجعل للربح حدًّا معينًا، أو نسبة معلومة، والظاهر أن ذلك ترك لضمير الفرد المسلم، وعرف المجتمع من حوله، مع مراعاة قواعد العدل والإحسان، ومنع الضرر والضرار، التي تحكم تصرفات المسلم، وعلاقاته كلها ... فالإسلام لا يفصل بين الاقتصاد والأخلاق، خلافًا لفلسفة النظام الرأسمالي، الذي يجعل (الربح) المادي الفردي، هو الهدف الأول، والمحرك الأكبر، للنشاط الاقتصادي، الذي لا يتقيد بكثير من القيود التي يقيده بها الإسلام فلا حرج في ابتغاء الربح عن طريق الربا أو الاحتكار، أو بيع المسكرات، أو غيرها مما يضر بالجماعة، ويدر الربح على الأفراد. أما الإسلام فله قيود وضوابط دينية وأخلاقية وتنظيمية، يوجب على كل تاجر رعايتها والوقوف عندها، وإلا كان ربحه حرامًا أو مشوبًا بالحرام. هذا، ولم أجد في كلام الفقهاء – في حدود ما أتيح لي الاطِّلاع عليه، ولم أبحث كل البحث – ما يدل على نسبة معينة للربح يلتزمها التاجر في تجارته. إلا ما ذكره العلامة الزيلعي من علماء الحنفية في تعريف ما ذكره صاحب الهداية وغيره من شرعية التسعير إذا تعدى أصحاب الطعام تعديًّا فاحشًا. فقد عرف الزيعلي التعدي الفاحش بأنه البيع بضعف القيمة (١) ولكنه لم يبين المراد بالقيمة: هل هي ثمن المثل في السوق في مثل هذا الوقت؟ حينئذٍ لا تلازم بين القيمة والربح أو قيمة ثمن الشراء الذي اشتريت به السلعة، وهنا يكون الربح محددًا بألا يزيد على مائة في المائة؟

стр. 7193

وقد شاع لدى كثيرين أن في علماء المالكية من يحدد نسبة الربح بالثلث ولم أعثر على مصدر لهذه الدعوى وأخشى أن يكون ثمة خلط بين الربح والغبن، ولا تلازم بينهما كما ذكرت في أول البحث. ولعل الإخوة الأجلاء من علماء المذهب المالكي، وهم متوافرون والحمد لله يفيدونني بما لديهم من علم في هذه المسألة. لكنني – بتوفيق من الله ﵎ – وجدت في صحيح السنة المشرفة، وفي عمل الصحابة ﵃، ما يدل على أن الربح إذا سلم من كل أسباب الحرام وملابساته، فهو جائز ومشروع، إلى حد يمكن لصاحب السلعة أن يربح فيها ضعف رأسماله، مائة في المائة (١٠٠ %) بل أضعاف رأس ماله، مئات في المائة، وهاكم الدليل. مشروعية الربح إلى مائة (١٠٠ %) : قد صح الحديث عن رسول الله ﷺ ، بما يدل على مشروعية الربح إلى مائة في المائة (١٠٠ %) . وهذا في الحديث الذي أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عروة بن الجعد – أو ابن أبي الجعد – البارقي ﵁. روى الإمام أحمد في مسنده عن عروة، قال: عرض النبي ﷺ جلب، فأعطاني دينار، وقال: ((أي عروة، ائت الجلب فاشترِ لنا شاة)) فأتيت الجلب، فساومت صاحبه، فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما – أو قال: أقودهما – فلقيني رجل فساومني، فأبيعه شاة بدينار، فجئت بالدينار، وجئت بالشاة، فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم، وهذه شاتكم! قال: ((وصنعت كيف؟!)) قال: فحدثته الحديث فقال: ((اللهمَّ بارك له في صفقة يمينه)) فلقد رأيتني أقف بكناسة الكوفة، فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي. (١) . ورواه الترمذي بنحوه (٢) .

стр. 7194

وروى الإمام البخاري في (كتاب المناقب) من صحيحه عن عروة: أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه! (١) . ورواه أبو داود في كتاب البيوع من سننه – باب في المضارب يخالف – بنحو ما رواه البخاري (٢) ، وذكره المنذري في مختصر السنن (٣) قال: وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٤) .

стр. 7195

وروى أبو داود أيضا عن حكيم بن حزام ﵁: أن رسول الله ﷺ ، بعث معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار، وباعها بدينارين، فرجع فاشترى له أضحية بدينار، وجاء بدينار إلى النبي ﷺ ، فتصدق به النبي ﷺ ، ودعا له أن يبارك له في تجارته (١) . ورواه الترمذي من حديث حبيب بن أبي ثابت، عن حكيم بن حزام قال: وحبيب لم يسمع – عندي – من حكيم (٢) . مشروعية الربح أكثر من ذلك: ومن الأدلة على مشروعية الربح بغير حد – إذا لم يأتِ عن طريق غش ولا احتكار ولا غبن ولا ظلم بوجه ما – ما صح أن الزبير بن العوام ﵁ – وهو أحد المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وحواري رسول الله ﷺ وابن عمته – اشترى أرض الغابة، وهي أرض عظيمة شهيرة من عوالي المدينة بمائة وسبعين ألفًا (١٧٠٠٠٠) فباعها ابنه عبد الله بن الزبير ﵄ بألف ألف وستمائة ألف، أي مليون وستمائة ألف (١٦٠٠٠٠) أي أنه باعها بأكثر من تسعة أضعافها! ويحسن بي أن أسواق الحديث من الجامع الصحيح للإمام البخاري، كما رواه بسنده عن عبد الله بن الزبير، وقد ساقه في كتاب فرض الخمس – باب بركة الغازي في ماله حيًّا وميتًّا (حديث ٣١٢٩) . قال عبد الله بن الزبير: (لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همي لديني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شئنا؟ فقال: يا بني، بع مالنا فاقض ديني. وأوصى بالثلث وثلثه لبنيه – يعني عبد الله بن الزبير يقول ثلث الثلث -، فإن فضل مالنا فضل بعد قضاء الدين فثلثه لولدك، قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير – خبيب وعباد – وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات.

стр. 7196

قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني إن عجزت عنه،في شيء فاستعن عليه مولاي، قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت يا أبت من مولاك؟ قال: الله، قال والله ما وقعت في كربة من دينه، إلا قلت يا مولى الزبير اقضِ عنه دينه فيقضيه، فقتل الزبير ﵁ ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلا أرضين منها الغابة وإحدى عشرة دارًا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر. قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة. وما ولي إمارة قط، ولا جباية خراج، ولا شيئا إلا أن يكون في غزوة، مع النبي ﷺ ، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف، قال فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير، فقال يا ابن أخي: كم على أخي من الدين؟ فكتمه فقال: مائة ألف، فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه! فقال له عبد الله: أرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه، فاستعينوا بي، قال وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام فقال، من كان له على الزبير حق، فليوافنا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم، قال عبد الله: لا، قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم، فقال عبد الله: لا قال: قال: فاقطعوا لي قطعة، قال عبد الله: لك من ههنا إلى ههنا، قال: فباع منها فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم مائة ألف، قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف، فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهمًا بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهمًا بمائة ألف، فقال معاوية: كم بقي؟ فقال: سهم ونصف، أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف ... ) . والحديث موقوف، ولكن عبد الله بن الزبير، وهو صاحبي، باع ما باعه من الغابة لعبد الله بن جعفر، وهو صحابي، ولمعاوية، وهو صحابي، وكثير من الصحابة أحياء متوافرون، إذا تم ذلك في عهد علي ﵁، ولم ينكر ذلك أحد منهم، مع اشتهار الواقعة واتصالها بحقوق كثير من الصحابة وأبنائهم، فدل ذلك على إجماعهم على الجواز. وأحب أن أنبه هنا على أن دلالة الوقائع التي ذكرناها من العصر النبوي والعصر الراشدي، على جواز بلوغ الربح في بعض الأحيان إلى ضعف رأس المال، أو إضعافه، لا تعني أن كل صفقة يجوز فيها الربح إلى هذا الحد، فإن الوقائع التي ذكرناها من حديث عروة، وحديث حكيم بن حزام ـ إن صح ـ وحديث عبد الله بن الزبير، هي في الحقيقة وقائع أعيان أو أحوال لا عموم لها. ولا يمكن أن يؤخذ منها حكم عام دائم مطرد، لكل تجار الأمة في كل زمان ومكان، وفي كل الأحوال، وكل السلع. ولا سيما الذين يتاجرون في السلع الضرورية لجماهير الناس. كما أن الواقعات المذكورة لم تقترن بأية محاولة من محاولات إغلاء السعر على الناس، أو أي لون من احتكار السلعة، أو غبن المشتري، أو استغلال غفلته أو حاجته أو التدليس عليه، أو ظلمه بأي وجه من الوجوه. فهذا لو وقع، يجعل الربح الحاصل من الصفقة حرامًا. إذ كل ربح يأتي ثمره لتعامل يحظره الشرع، فإنه لا يطيب لكاسبه ولا يحل بحال من الأحوال. والمسلم لا يرضى أن يربح الدنيا، ويخسر الآخرة. وهذا ما نحاول أن نبينه بإيجاز في الصفحة التالية، إن شاء الله.

стр. 7197

الربح المحرم من المعلوم أن من ربح التجارة ما هو محرم بلا نزاع. وذلك له جملة صور وأسباب ... منها: الربح بالاتجار في المحرمات: ما جاء عن طريق الاتجار في أعيان محرمة شرعًا، مثل الاتجار في المسكرات، والمخدرات، وبيع الميتة والأصنام، ومنها: التماثيل المحرمة، وكل ما يضر بالناس، مثل الأغذية الفاسدة، والأشربة الملوثة، والمواد الضارة، والأدوية المحظورة، ونحوها ... وقد جاء في عدد من الأحاديث النهي عن بيع الأعيان المحرمة، والانتفاع بثمنها. فعن جابر: أنه سمع النبي ﷺ : ((إِنَّ الله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام)) ... وفيه: ((قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه (أي أذابوه) ثم باعوه وأكلوا ثمنه)) [رواه الجماعة] (١) . وعن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ قال: ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه)) [رواه أحمد وأبو داود] (٢) . قال أبو البركات ابن تيمية: وهو حجة في تحريم بيع الدهن النجس. وعن ابن عباس أيضا قال: ((نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، وقال: إن جاءك يطلب ثمن الكلب، فاملأ كفه ترابا)) [رواه أحمد وأبو داود] (٣) .

стр. 7198

وعن عائشة أن النبي ﷺ قال: ((حرمت التجارة في الخمر)) [رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه] (١) . وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: ((لعن الله الخمر، وشاربها وساقيها ,وبائعها ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)) [رواه أبو داود وابن ماجه] ، وزاد: ((وآكل ثمنها)) (٢) . ذكره المجد ابن تيمية في (المنتقى) في باب تحريم بيع العصير لمن يتخذه خمرًا، وكل بيع أعان على معصية (٣) . ومن هذه الأحاديث يتبين أن الربح الذي يتحقق من هذا اللون من التجارة في المحرمات، ربح خبيث محرم، قلت نسبته أو كثرت. الربح عن طريق الغش والتدليس: ومثل ذلك الربح عن طريق الغش والتدليس التجاري، بإخفاء عيوب السلعة، أو إظهارها بصورة خادعة، تغاير حقيقتها، تلبيسًا على المشتري وقد يدخل في ذلك الدعاية الإعلانية المبالغ فيها، التي تضلل المشتري عن واقع السلعة. وقد برئ النبي ﷺ ، ممن غش، وقال: ((من غشنا فليس منا)) [رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي] (٤) . وعن عطية بن عامر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب، إلا بينه له)) [رواه أحمد وابن ماجه] (٥) . وكان الصحابة والسلف ﵃ يرون إظهار عيوب السلعة من النصيحة التي بها يصح دين المسلم ويستقيم وكان جرير بن عبد الله إذا قام إلى السلعة يبيعها، بصر المشتري بعيوبها، ثم خيره، وقال: إن شئت فخذ، وإن شئت فاترك فقيل له: إنك إذا فعلت هذا لم ينفذ لك بيع فقال: (إنا بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم) (٦) .

стр. 7199

وكان واثلة بن الأسقع واقفًا، فباع رجل ناقة له بثلاثمائة درهم، فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة، فسعى وراءَه وجعل يصيح به: يا هذا، اشتريتها للحم أو للظهر؟ فقال: بل للظهر، فقال: إن بخفها نقبا قد رأيته، وإنها لا تتابع السير، فعاد فردها فنقصها البائع مائة درهم، وقال لواثلة: رحمك الله أفسدت علي بيعي، فقال: إنا بايعنا رسول الله ﷺ ، وعلى النصح لكل مسلم، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحل لأحد يبيع بيعًا إلا أن يبين ما فيه، ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا بينه)) (١) . قال الإمام الغزالي معقبًا على هذه الواقعة: (فقد فهموا من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه، ولم يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيادة المقامات، بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعتهم، وهذا أمر يشق على أكثر الخلق فلذلك يختارون التخلي للعبادة والاعتزال عن الناس لأن القيام بحقوق الله مع المخالطة والمعاملة ومجاهدة لا يقوم بها إلا الصديقون) (٢) . التدليس بإخفاء سعر الوقت: ويدخل في ذلك، أو يقرب منه: التدليس في سعر الوقت، فالواجب – كما ذكر الغزالي – أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئًا، فقد نهى رسول الله ﷺ عن تلقي الركبان (٣) .

стр. 7200

ونهى عن النجش (١) أما تلقي الركبان، فهو أن يستقبل الرفقة ويتلقى المتاع ويكذب في سعر البدل، فقد قال ﷺ : ((لا تتلقوا الركبان ومن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق)) (٢) ، وهذا الشراء منعقد، ولكنه إن ظهر كذبه ثبت للبائع الخيار، وإن كان صادقًا ففي الخيار خلاف لتعارض عموم الخبر مع زوال التلبيس (٣) . ونهى أيضًا أن يبيع حاضر لباد (٤) : وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يريد أن يتسارع إلى بيعه، فيقول له الحضري: اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه، وأنتظر ارتفاع سعره، وهذا في القوت محرم وفي سائر السلع خلاف، والأظهر تحريمه لعموم النهي، ولأنه تأخير للتضييق على الناس على الجملة، من غير فائدة للفضولي المضيق. ((ونهى رسول الله ﷺ عن النجش)) وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي الراغب المشتري، ويطلب السلعة بزيادة، وهو لا يريدها، وإنما يريد تحريك رغبة المشتري فيها، فهذا إن لم تجر مواطأة مع البائع، فهو فعل حرام من صاحبه، والبيع منعقد، وإن جرى مواطأة ففي ثبوت الخيار خلاف، والأولى إثبات الخيار لأنه تغرير بفعل يضاهي التغرير في المصراة وتلقي الركبان.

стр. 7201

قال الإمام الغزالي: فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر الوقت ويكتم منه أمرًا لو علمه لما أقدم على العقد، ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب، فقد حكي عن رجل من التابعين أنه كان بالبصرة وله غلام بالسوس يجهز إليه السكر، فكتب إليه غلامه، أن قصب السكر قد أصابته آفة في هذه السنة، فاشتر السكر، قال: فاشترى سكرًا كثيرًا، فلما جاء وقته ربح فيه ثلاثين ألفًا، فانصرف إلى منزله فأفكر ليلته وقال: ربحت ثلاثين ألفًا وخسرت نصح رجل من المسلمين، فلما أصبح غدا إلى بائع السكر فدفع إليه ثلاثين ألفًا، وقال: بارك الله لك فيها، فقال: ومن أين صارت لي؟ فقال: إني كتمتك حقيقة الحال وكان السكر قد غلا في ذلك الوقت، فقال: رحمك الله قد أعلمتنى الآن، وقد طيبتها لك، قال: فرجع بها إلى منزله وتفكر وبات ساهرًا، وقال: ما نصحته فلعله استحيا مني فتركها لي فبكر إليه من الغد، وقال: عافاك الله خذ مالك إليك فهو أطيب لقلبي، فأخذ منه ثلاثين ألفًا!. فهذه الأخبار في المناهي والحكايات تدل على أنه ليس له أن يغتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع، ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار، فإن فعل ذلك كان ظالمًا تاركًا للعدل والنصح للمسلمين، ومهما باع مرابحة بأن يقول: بعت بما قام على أو بما اشتريته، فعليه أن يصدق، ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان، ولو اشترى إلى أجل وجب ذكره، ولو اشترى مسامحة من صديقه أو ولده يجب ذكره، لأن المعامل يعول على عادته في الاستقصاء أنه لا يترك النظر لنفسه، فإذا تركه بسبب من الأسباب فيجب إخباره، إذ الاعتماد فيه على أمانته (١) . الربح عن طريق الغبن الفاحش: فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة، فأما أصل المغابنة فمأذون فيه: لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما، ولكن يراعى فيه التقريب، فإن بذل المشتري زيادة على الربح المعتاد إما لشدة رغبته أو لشدة حاجته في الحال إليه، فينبغي أن يمتنع من قبوله، فذلك من الإحسان، ومهما لم يكن تلبيس لم يكن أخذ الزيادة ظلمًا، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الغبن بما يزيد على الثلث يوجب الخيار ولسنا نرى ذلك، ولكن من الإحسان أن يحط ذلك الغبن. ويروى أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان: ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة، وضرب كل حلة قيمتها مائتان، فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة، فعرض عليه من حلل المائتين، فاستحسنها ورضيها فاشتراها فمضى بها وهي على يديه، فاستقبله يونس فعرف حلته، فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة، فقال: لا تساوي أكثر من مائتين، فارجع حتى تردها، فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها، فقال له يونس فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها، ثم رده إلى الدكان، ورد عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه، في ذلك وقاتله وقال: أما استحييت، أما اتقيت الله، تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين؟ فقال: والله ما أخذها إلا وهو راض بها قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك، وهذا إن كان فيه إخفاء سعر وتلبيس، فهو من باب الظلم وقد سبق (يعني أنه محرم) وفي الحديث: غبن المسترسل حرام (٢) ، وكان الزبير بن عدي، يقول: أدركت ثمانية عشر من الصحابة ما منهم أحد يحسن يشتري لحمًا بدرهم، فغبن مثل هؤلاء المسترسلين ظلم، وإن كان من غير تلبيس فهو من ترك الإحسان وقلما يتم هذا إلا بنوع تلبيس وإخفاء سعر الوقت. ثم ضرب الغزالي مثلًا للإحسان المحض في المعاملة، وهو أمر فوق العدل الواجب، بما روي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق بعضها بخمسة وبعضها بعشرة، فباع غلامه في غيبته شقة من الخمسينات بعشرة فلما عرف لم يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة، فقال: يا هذا قد رضيت، فقال: وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك، وإما أن ترد عليك خمسة، وإما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك، فقال: أعطني خمسة، فرد عليه خمسة وانصرف الأعرابي.

стр. 7202

قال الغزالي: فهذا إحسان في أن لا يربح على العشرة إلا نصفًا أو واحدًا على ما جرت به العادة في ذلك المتاع في ذلك المكان، ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ربحًا كثيرًا، وبه تظهر البركة. كان علي ﵁، يدور في سوق الكوفة بالدرة ويقول: معاشر التجار، خذوا الحق تسلموًا، لا تردوا قليل الربح فتحرموا كثيرة. قيل لعبد الرحمن بن عوف ﵁: ما سبب يسارك؟ قال: ثلاث، وما رددت ربحًا قط، ولا طلب مني حيوان فأخرت بيعه، ولا بعت بنسيئة، ويقال: إنه باع ألف ناقة فما ربح إلا عقلها باع كل عقال بدرهم، فربح فيها ألفا وربح من نفقته عليها ليومه ألفًا. الربح عن طريق الاحتكار: ومن الربح الذي لا يحل لتاجر مسلم: ما جاء عن طريق الاحتكار الذي نهى عنه الشرع. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه، عن النبي ﷺ : ((لا يحتكر إلا خاطئ)) (١) . والخاطئ هو الآثم، وقد وصف الله أكثر الطغاة المستكبرين بهذا الوصف حين قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [سورة القصص: الآية ٨] . وروى أحمد والحاكم من حديث ابن عمر عنه ﷺ : ((من احتكر الطعام أربعين يومًا فقد برئ من الله، وبرئ الله منه)) (٢) . وعن علي ﵁: من احتكر الطعام أربعين يومًا نسا قلبه!. وعنه أيضا: أنه أحرق طعام محتكر بالنار (٣) . وقيل في قوله تعالى في شأن المسجد الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الحج: الآية ٢٥] .

стр. 7203

إنَّ الاحتكار من الظلم، وداخل تحته في الوعيد. والاحتكار أن يحبس التاجر السلعة، ينتظر بها غلاء الأسعار. وهو يدل على نزعة أنانية، لا يبالي صاحبها بما يقع من أذى وضرر على جمهور الناس، ما دام هو يجني من وراء ذلك أرباحًا طائلة. ويتفاقم الضرر إذا كان التاجر هو البائع الوحيد السلعة، أو تواطأ مجموعة التجار الذين يبيعون السلعة على إخفائها وحبسها، حتى يشتد الطلب عليها، فيغلو سعرها، ويفرضوا فيها الثمن الذي يريدون وهذا هو شأن النظام الرأسمالي الذي يقوم على دعامتين رئيسيتين هما: الربا والاحتكار. وللفقهاء هنا خلاف حول أمرين: الجنس الذي يحرم احتكاره من السلع ما هو؟.. والوقت الذي يحرم فيه الاحتكار. فمن الفقهاء من قصر الاحتكار على (الأقوات) لا يتجاوزها قال الغزالي: أما ما ليس بقوت ولا هو معين على القوت، كالأدوية والعقاقير، والزعفران وأمثاله، فلا يتعدى النهي إليه، وإن كان مطعومًا، وأما ما يعين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد سدًّا يغني عن القوت في بعض الأحوال، وإن كان لا يمكن المرادفة عليه، فهذا في محل النظر، فمن العلماء من طرد التحريم في السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت، وما يجري مجراه (١) . ويفهم من كلام الغزالي هنا أنهم يعتبرون (القوت) محصورًا في الطعام الجاف مثل الخبز والأرز بلا سمن ودون أدام، حتى الجبن والزيت والسمسم ونحوها اعتبرت خارج دائرة القوت. وهذا الذي ذكروه من القوت، لا يكتفي به الطب الحديث غذاء صحيحًا للإنسان، إذ لا بد أن تتوافر في الغذاء الجيد جملة عناصر ضرورية منها البروتينات والدهنيات والفيتامينات وإلا أصبح الآن عرضة لأمراض سوء التغذية، ومن هنا فإن كل ما تشتد حاجة الناس إليه يكون احتكاره أشد إثمًا، وفي مقدمة ذلك الطعام، وفي مقدمة الطعام القوت الضروري. كما أن الأدوية في عصرنا أصبحت أمرًا ضروريا للناس، وكذلك الملبوسات ونحوها. وحاجات الناس تتطور بتطور أنماط حياتهم، وكم من أمر تحسيني أو كمالي، أصبح حاجيًّا، وكم من حاجي غدا ضروريًّا. والأرجح في رأيي تحريم الاحتكار لكل ما يحتاج إليه الناس، طعامًا كان أو دواء، أو لباسًا، أو أدوات مدرسية أو منزلية، أو مهنية، أو غير ذلك.

стр. 7204

والدليل على ذلك عموم الحديث ((لا يحتكر إلا خاطئ)) أو ((من احتكر فهو خاطئ)) والوعيد عليه خاصة، لا ينفي ذلك العموم. وعلة النهي أيضًا تؤكد ذلك، وهي الإضرار بعموم الناس، نتيجة حبس السلعة وحاجة الناس ليست إلى الطعام وحده، وخصوصًا في عصرنا، فهو في حاجة إلى أن يطعم ويشرب، ويلبس ويسكن، ويتعلم، ويتداوى، وينتقل، ويتواصل مع غيره بشتى الوسائل. ومن هنا أرجح قول الإمام أبي يوسف في (الخراج) : كل ما أضر بالناس حبسه فهو احتكار (١) . وكل ما تشتد حاجة الناس إليه يكون احتكاره أشد إثمًا، وفي مقدمة ذلك الطعام، وفي مقدمة الطعام القوت الضروري. وكذلك الخلاف في الوقت الذي يحرم فيه الاحتكار، فمن العلماء من طرد النهي في جميع الأوقات، ولم يفرق بين وقت الضيق ووقت السعة أخذًا بعموم النهي، وعليه عمل الورعين من السلف. قال الغزالي: (ويحتمل أن يخصص بوقت قلة الطعام، وحاجة الناس إليه حتى يكون في تأخير بيعه ضر ما، فأما إذا اتسعت الأطعمة، وكثرت واستغنى الناس عنها، ولم يرغبوا فيها إلا بقيمة قليلة، فانتظر صاحب الطعام ذلك، ولم ينتظر قحطًا، فليس في هذا إضرار،وإذا كان الزمان زمان قحط، كان في ادخار العسل والسمن والشيرج وأمثالها أضرار، فينبغي أن يقضي بتحريمه ويعول في نفي التحريم وإثباته على الضرار، فإنه مفهوم قطعًا من تخصيص الطعام، وإذا لم يكن ضرار فلا يخلو احتكار الأقوات عن كراهية، فإنه ينتظر مبادئ الضرار وهو ارتفاع الأسعار وانتظار مبادئ الضرار، محذور كانتظار عين الضرار، ولكنه دونه، وانتظار عين الضرار أيضًا هو دون الإضرار، فبقدر درجات الإضرار تتفاوت درجات الكراهية والتحريم (٢) . وعن بعض السلف: أنه كان بواسط، فجهز سفينة حنطة إلى البصرة، وكتب إلى وكيله: بع هذا الطعام يوم يدخل البصرة، ولا تؤخره إلى غد فوافق سعة في السعر فقال له التجار: لو أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه، فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، وكتب إلى صاحبه بذلك فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا، إن كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا، وإنك قد خالفت وما نحب أن نربح أضعافه بذهاب شيء من الدين، فقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كله، فتصدق به على فقراء البصرة، وليتني أنجو من إثم الاحتكار كفافًا لا علي ولا لي (٣) . خاتمة: وإذا كان الأصل جواز الربح بغير نسبة محددة للتاجر الملتزم بأحكام الإسلام وتوجيهاته في البيع والشراء، وترك السوق للعوامل الطبيعية، وهو ما يعبر عنه اليوم بقوانين العرض والطلب – دون تلاعب أو تدليس، أو تدخل مفتعل، لإغلاء الأسعار على عموم الناس ... فهذا لا يمنع ولي الأمر المسلم – عندما يوجد شيء من ذلك – أن يتدخل بمقتضى عموم ولايته ومسئوليته، لتحديد أرباح التجار، بنسب معينة، قد تتفاوت بتفاوت السلع وبمشورة أهل الرأي والبصيرة، كما عبر علماؤنا السابقون رحمهم الله تعالى، وهذا هو موضوع (التسعير) ومتى يجوز، ومتى لا يجوز، وما شروطه، إلخ ... وهو لا يخص التجار وحدهم، بل يشمل المنتجين أيضًا، وهو جدير ببحث مستقل بعنوانه الخاص.

стр. 7205

الخلاصة والخلاصة التي تخرج بها من هذا البحث تتمثل فيما يلي: ١- أن ابتغاء الربح في التجارة أمر جائز ومشروع، بل هو مأمور به لمن لا يحسنون الاتجار لأنفسهم كاليتامى. ٢- أن النصوص لم تحدد نسبة معينة للربح، بحيث لا يجوز تعديها، بل وجد في السنة ما يدل على جواز بلوغ الربح إلى ضعف رأس المال أو أضعافه. ٣- أن جواز الربح الكثير لا يعني أنه مرغوب فيه دائمًا، بل القناعة بالربح القليل أقرب إلى هدي السلف وأبعد عن الشبهات. ٤- أن الربح لا يحل للتاجر المسلم، إلا إذا سلمت معاملاته التجارية من الحرام فأما إذا اشتملت على محرم كالاتِّجار في الأعيان المحرمة، أو التعامل بالربا أو الاحتكار أو الغش والتدليس، أو إخفاء سعر الوقت أو التطفيف ونحوهما فإن ما ترتب عليها من ربح يكون حرامًا. ٥- أن القول بأن للتجار أن يربحوا بالحلال ما شاؤوا، في حدود القيم والضوابط التي ذكرناها، لا ينفي حق ولي الأمر المسلم في تحديد مقدار الربح أو نسبته، وخصوصًا في السلع التي يحتاج عموم الناس إليها. الدكتور يوسف القرضاوي.

стр. 7206

مسألة تحديد الأسعار إعداد الشيخ محمد علي التسخيري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على سيد البشر محمد وآله الطيبين وصحبه المنتخبين. رغم أن الموضوع المطلوب بحثه هو مسألة تحديد أرباح التجار ولكننا نقصر البحث هنا على موضوع تحديد الأسعار لأن الموضوع الأول واسع الأبعاد يشمل مساحات مختلفة كتحديد الأجور والرواتب وتحديد موارد الاستثمار الصناعي والزراعي والتجاري وتحديد الأسعار، وتحديد الدخل بشكل عام ومن الطبيعي عدم إمكان البحث في كل هذه الأمور اللهم إلا أن يقال بوحدة الملاك فيها جميعًا ويتم التركيز على هذا الملاك ليعرف الجواب في الجميع ومن هنا فقد ركزنا على موضوع تحديد الأسعار للأمور التالية: أولًا: لتحديد محل البحث. ثانيا: لأنه أكثر من غيره محل الخلاف والبحث من قبل علمائنا. وثالثا: لأن الموقف فيه إذا عرف عرفت أغلب المواقف في الموارد الأخرى، وعلى أي حال، فإن الأصل في البين هو حرية البائعين والمشترين في التعامل بأي سعر كان، أما التحديد فيجب أن يتم طبق حركة استثنائية وعلى أساس من سلطة حكومية ولائية أو قواعد ثانوية تنفي الضرر والحرج وغيرها وسنلاحظ اختلاف المواقف فيما يلي: أقوال العلماء: ذكر العالم الكبير المنتظري في رسالته (التسعير) بعض هذه الأقوال وأكد على أن كلماتهم مختلفة في ذلك والأكثر على المنع، بل في كتاب مفتاح الكرامة: (إجماعًا وأخبارًا متواترة كما في السرائر وبلا خلاف كما في المبسوط وعندنا كما في التذكرة للعلامة) (١) . وجاء في نهاية الشيخ الطوسي (ولا يجوز له أن يجبره على سعر بعينه، بل يبيعه بما يرزقه الله – تعالى – ولا يمكنه من حبسه أكثر من ذلك) (٢) .

стр. 7207

وفي المبسوط للشيخ الطوسي: (لا يجوز للإمام ولا النائب عنه أن يسعر على أهل الأسواق متاعهم من الطعام وغيره سواء كان في حال الغلاء أو في حال الرخص بلا خلاف ... فإذا ثبت ذلك فإذا خالف إنسان من أهل السوق بزيادة سعر أو نقصانه فلا اعتراض لأحد عليه) (١) . وفي كتاب الغنية لابن زهرة: (ولا يجوز إكراه الناس على سعر مخصوص) (٢) . وفي كتاب الشرائع: (ولا يسعر عليه، وقيل: يسعر: والأول أظهر) (٣) . وفي المختصر للمحقق الحلي: (وهل يسعر عليه؟ الأصح، لا) (٤) . وفي المقنعة: (وله أن يسعرها على ما يراه من المصلحة ولا يسعرها بما يخسر أربابها فيها) (٥) . وفي الدروس للشهيد الأول: (ولا يسعر عليه إلا مع التشدد) (٦) . وفي مفتاح الكرامة: (وفي الوسيلة والمختلف والإيضاح والدروس واللمعة والمقتصر، والتنقيح أنه يسعر عليه إن أجحف في الثمن لما فيه من الإضرار المنفي) (٧) . وقال العلامة في المنتهى: (على الإمام أن يجبر المحتكرين على البيع وليس له أن يجبرهم على التسعير، بل يتركهم يبيعون كيف شاؤوا به قال أكثر علمائنا وهو مذهب الشافعي، وقال المفيد وسلار (ره) للإمام أن يسعر عليهم فيسعر بسعر البلد وبه قال مالك) (٨) . وجاء في موسوعة الفقه الإسلامي: (نص المالكية على أن من اشترى الطعام من الأسواق واحتكر وأضرَّ بالناس، فإن الناس يشتركون فيه بالثمن الذي اشتراه به) (٩) . وجاء في نفس الموسوعة: صرح الحنابلة بأن لولي الأمر أن يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام يحتاج إليه الناس في مخمصة، فإن من اضطر إلى طعام غيره أخذه منه بغير اختياره بقيمة المثل ولو امتنع عن بيعه إلا بأكثر من سعره أخذه منه بقيمة المثل) (١٠) .

стр. 7208

وهكذا نجد العلماء بين موافق ومخالف في هذا الموضوع. أدلة الطرفين: أما النافون للجواز فقد استندوا إلى أدلة أهمها: أولا: كل الأدلة العامة التي تدعو إلى احترام الملكية الخاصة، والسطلنة على المال وعدم التدخل في ذلك، وأن الأصل هو تحريم نقل مال الغير عنه بغير إذنه وأن البيع معاملة وقعت عن تراضٍ فما المجوز للتدخل وأمثال ذلك. ثانيا: الروايات الخاصة الواردة في هذا الموضوع ومنها: ١- ما رواه محمد بن يعقوب بسنده عن حذيفة بن منصور عن الإمام الصادق ﵇ ، قال: نفذ الطعام على عهد رسول الله ﷺ فأتاه المسلمون فقالوا يا رسول الله قد نفذ الطعام ولم يبق منه شيء إلا عند فلان فمره ببيعه، قال: ((فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا فلان إن المسلمين ذكروا أن الطعام قد نفذ إلا شيء عندك فأخرجه وبعه كيف شئت ولا تحبسه)) (١) ورواه الشيخ الطوسي بسنده إلا أنه قال (فقد) مكان (نفذ) وقال سماحة الشيخ المنتظري في سنده أنه لا كلام في رجاله إلا في حذيفة ومحمد بن سنان والظاهر أن الأمر فيهما سهل. ٢- ما رواه الشيخ بسنده عن الحسين بن عبيد الله بن حمزة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب ﵇ ، أنه قال: رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ أنه مر بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق وحيث تنظر الأبصار إليها فقيل لرسول الله ﷺ : لو قومت عليهم! فغضب رسول الله ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه، فقال: ((أنا أقوم عليهم إنما السعر إلى الله يرفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء)) (٢) . ورواه الصدوق أيضا في (من لا يحضره الفقيه) مرسلًا، وفي التوحيد بسند موثوق به (٣) .

стр. 7209

٣- ما رواه الصدوق في الفقيه قال: قيل للنبي ﷺ لو سعرت لنا سعرًا فإن الأسعار تزيد وتنقص، فقال ﷺ : ((ما كنت لألقى الله ببدعة لم يحدث إلى فيها شيء فدعوا عباد الله يأكل بعضهم من بعض وإذا استنصحتم فانصحوا)) ، ورواه في التوحيد أيضا (١) . ٤- وفي سنن أبي داود بسنده عن أبي هريرة أن رجلًا جاء فقال: يا رسول الله سعر فقال: ((بل أدعو)) ، ثم جاء رجل فقال يا رسول الله: سعر، فقال: ((بل الله يخفض ويرفع وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة)) (٢) . ٥- وفيه أيضا بسنده عن أنس بن مالك قال: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا: فقال رسول الله ﷺ : ((إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال)) (٣) ، وأحمد في المسند (٤) . ٦- وهناك روايات أخرى رواها ابن ماجه وعبد الرزاق في المصنف وروى بعضها أبو يوسف في (الخراج) والشوكاني في نيل الأوطار وغيرهم. وأما المجيزون للتسعير فهم يستندون إلى أدلة منها: أولا: مسألة الولاية التي يملكها الحاكم الشرعي على الأوضاع العامة لتحقيق العدالة الاجتماعية فله حق التدخل لتعديل الأسعار كما أن له حق التدخل في مختلف المجالات المباحة ومن الطبيعي أن الحكومة والقدرة على الإدارة العامة تتطلبان بلا ريب هذه الولاية لملء منطقة الفراغ التنظيمي. أما الأساس الذي يقوم عليه تدخله في الأمور فقد يكون هو الضرورة وقد لا تكون هناك ضرورة وإنما تقتضي المصلحة العامة أي تقتضي مسألة السير الاجتماعي المتوازن أن يتدخل في هذه المنطقة ومن الواضح أن التسعير لا يعني الإجبار على البيع إذا كان هناك ما يتطلب ذلك ويقوم أصل الولاية هذا على أساس من أمر الشريعة بإطاعة ولي الأمر فيما رآه. ثانيًا: وجود الضرر وهو منفي في الإسلام والمقصود به هنا أن المنع من التسعير أو عدم التسعير يؤدي إلى ضرر العامة وهم محتاجون إلى المتاع ويتأكد هذا الموضوع إذا قلنا إن الضرر يفسر بسوء الحال فيشمل الضرر الاجتماعي العام.

стр. 7210

ثالثا: كما استند في ذلك إلى سد الذريعة إلى الحرام، والمصالح المرسلة باعتبارها أصولًا قائمة برأسها ونحن لا نقول بذلك. وعلى ضوء هذه الأدلة التي نقلناها وما نفهمه من طبيعة الإسلام والنظام الإداري فيه نستطيع طرح النقاط التالية والتي تساهم في تفهم الموقف الصحيح. أولا: رغم أن الإسلام اعترف تمامًا بالملكية الخاصة والحرية الاقتصادية في مجالات ترشيد الثروة والتملك والاستهلاك وأعطاها دورها الخاص الأصيل في الحياة الاقتصادية تمامًا إلى جانب الاعتراف بالملكية العامة والمصالح العامة، ولكنه أكد من جهة بعض المفاهيم التي تبعد هذا الاعتراف عن صورته الرأسمالية الجشعة وتلك من قبيل مفهوم الخلافة الإلهية على المال وأن الإنسان إنما خول التصرف في المال بما يريده المالك الحقيقي له. ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [سورة الحديد: الآية ٧] . ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٤] . وإن الأموال إنما أعطيت ونظم لها نظام ملكية معين باعتبار مالها من وظيفة اجتماعية عامة ألا وهي قيام المجتمع بها ولذا يمنع السفهاء من التلاعب بها واستغلال ملكيتهم الخاصة في هذا الصدد. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [سورة النساء: الآية ٥] . وتلاحظ هنا عبارة (لكم) مع أن المراد هو أموال السفهاء. وربما جاءت نصوص تذكر حقيقة الملكية الإلهية والهدف منها، ثم تعقب على ذلك بأحكام تحدد فيها هذه الملكية. مما يوضح لنا أن الملكية في الإسلام، ليست حقًّا مطلقًا وإنما هي حق تستتبعه مسئولية. وعلى ضوء هذا، فإذا أريد استغلال الملكية لصالح جشع المالك واستفادته من حاجة الناس إليها للتضييق عليهم والوصول إلى الربح المضاعف، فإن ذلك مما يتنافى وطبيعة المسئولية التي أشرنا إليها. والذي يشخص الضرورة الاجتماعية أو المصلحة الاجتماعية العليا هو ولي الأمر العادل عبر تشاوره مع ذوي الخبرة. وعبر هذا المعنى يملك ولي الأمر القدرة على توجيه الاقتصاد السياسي المطبق الوجهة التي يريدها الإسلام فيمنع من انحصار الأموال بيد طبقة خاصة: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] .

стр. 7211

ويحقق للتداول طبيعته الاقتصادية المنسجمة مع المسئولية الاجتماعية مبعدًا إياه عن دوره الاستثنائي الرأسمالي المنحرف والمؤدي لتضخم القيمة وإهدار الطاقات، ويوفر التوازن الاجتماعي المطلوب. وعملية التسعير إذا نظر إليها في هذا الإطار كانت عملية طبيعية بلا ريب. ثانيا: إذا أردنا أن نوضح موقف الإسلام من حرية قوانين العرض والطلب في السوق الإسلامية نستطيع الوصول إلى نتيجة ملخصها: ١- أن هذه القوانين لا محل لها في مرحلة ما قيل الإنتاج البشري أي مرحلة الطبيعة الخام فالمؤثر في هذه المرحلة هو العمل على الطبيعة وبدونه لا يحصل أي اختصاص أو توزيع. ٢- أما في مرحلة ما بعد الإنتاج البشري، فإن هذه القوانين تعمل عملها ولكن في أطر معينة يرضاها الإسلام للسوق الإسلامية السليمة والتي تذكرها لنا النصوص الإسلامية الكثيرة. إذ لا يوجد في هذه السوق (احتكار) ولا (إجحاف) ولا (غش) ولا تبان لرفع القيم (حتى التباني الرسمي) ، ولا ندرة مصطنعة كما يتوفر فيها ما يحتاجه المجتمع حيث يجب كفاية توفر ذلك، وهكذا نصل إلى منع أي معاملة محرمة وسيادة روح التعاون والخدمة وغير ذلك من أحكام السوق الإسلامية السليمة، وفي مثل هذه الحالة الطبيعية لا معنى لتدخل الدولة في عملية العرض والطلب حيث الأصل حريتهما وربما يحمل على ذلك ما جاء في الأخبار: ((إنما السعر إلى الله يرفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء)) أو (إن غلاء السعر ورخصه بيد الله) وأمثال ذلك. وإذا رأيناه ﷺ يغضب ممن طلب منه التدخل فهو – على الظاهر – لأنه طلب إليه التدخل في حالة عادية. وقد روى عبد الرزاق في المصنف بسنده عن سالم بن أبي الجعد، قال: قيل للنبي ﷺ سعر لنا الطعام، فقال: ((إن غلاء السعر ورخصه بيد الله وإني إن ألقى الله لا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في مال ولا دم)) (١) .

стр. 7212

فليس غلاء السعر، أو كون الطعام غير مسعر وأمثال ذلك سببًا للتدخل، أما إذا حصل إجحاف في البين أو احتكار وما إلى ذلك مما يتنافى والشكل الإسلامي للسوق، فإن لولي الأمر التدخل لإرجاع الحالة إلى الوضع الطبيعي بلا ريب. قال الصدوق في كتاب التوحيد: (فما كان من الرخص والغلاء عن سعة الأشياء وقلتها، فإن ذلك من الله – – ويجب الرضا بذلك والتسليم له وما كان من الغلاء والرخص بما يؤخذ الناس به لغير قلة الأشياء وكثرتها من غير رضى منهم به أو كان من جهة شراء واحد من الناس جميع طعام بلد فيغلوا الطعام، فذلك من المسعر والمعتدي بشراء طعام المصر كله كما فعله حكيم بن حزام كان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كله فمر عليه النبي ﷺ فقال: ((يا حكيم بن حزام إياك أن تحتكر)) ) (١) . وقد روي عن الإمام على بن أبي طالب أنه كتب إلى مالك الأشتر عامله على مصر يقول: (فامنع من الاحتكار فإن رسول الله ﷺ منع منه وليكن البيع بيعًا سمحًا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع) (٢) . ويقول الشهيد الثاني: (ولا يجوز التسعير في الرخص مع عدم الحاجة قطعًا والأقوى أنه مع الإجحاف حيث يؤمر به لا يسعر عليه أيضًا، بل يؤمر بالنزول عن المجحف وإن كان بمعنى التسعير إلا أنه لا ينحصر في قدر خاص) (٣) . والظاهر أن النصوص تؤكد على حرية التسعير، ما لم يتطلب الموقف غير ذلك، وحتى لو أمكن تلافي الحاجة بالأمر بتقليل السعر دون تحديد لتعين ذلك فهي حالة استثنائية لا يصار إليها إلا عند الضرورة أو اقتضاء المصلحة العامة الملزمة لذلك. وإننا إذا تأملنا الخلاف بين العلماء ونصوصهم واستدلالاتهم وجدنا أن هذا يشير إلى الحالة الطبيعية فيحرم وذاك يشير للحالة الثانوية فيجيز، فهم في الواقع متفقون – كما يظهر-. الخلاصة: من ملاحظة الأدلة والنصوص والفتاوي يتلخص ما يلي: ١- إن الأسعار متروكة للمالكين يسيرون بها حسب العرض والطلب وفي الجو الطبيعي لهما دونما صيرورة إلى ندرة كاذبة واحتكار مذموم. ٢- في الحالات التي تتطلب الضرورة أو المصلحة الاجتماعية تدخل ولي الأمر، فإن له بمقتضى ولايته التدخل. والله أعلم. الشيخ محمد علي التسخيري

стр. 7213

بحث تحديد أرباح التجار إعداد الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يقصد بتحديد أرباح التجار التسعير وهو تحديد أسعار معينة تباع بها سلع معينة في الأسواق. والهدف من تحديد أرباح التجار أو التسعير لهم هو حماية المشتري حتى لا يظلم في شراء ضرورياته ومستلزماته. والهدف من ذلك أيضًا هو محاربة الاحتكار والسوق السوداء وقد تسببا في معاناة شديدة وحرج كبير لكثير من شعوبنا. ولا شك أن هذه أهدافًا جميلة تتمشى مع ما تهدف إليه الشريعة الغراء من الرحمة بين الناس والعدل والرضا والطمأنينة في البيع. ولكن قد يثار أن تحديد أرباح التجار أو التسعير لهم فيه مخالفة لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) . وفي تحديد السعر الذي بيبع به التاجر وهو تحديد لربحه قد يكون إجبارًا له على البيع بغير ما يرضى أو يريد من الربح. كما أن هذا التحديد قد يحد من حرية المالك مما تكفله له الشريعة الإسلامية من حرية التصرف فيملكه كيف يشاء من غير إتلاف لماله أو مساس بحقوق الآخرين، كما أن مبدأ حرية التجارة وارتزاق الناس بعضهم من بعض التي ذكرها رسول الله ﷺ ، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبع حاضر لباد، ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) (٢) . ولكي نصل إلى الرأي الفقهي في هذه المسألة لا بد من الرجوع إلى أصولها في الفقه ومصادره. أولًا: الأصل في هذه المسألة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (اعلم أن كل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا أن قوله (بالباطل) أخر منها كل عوض لا يجوز شرعًا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك. وخرج منها أيضًا كل عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض والصدقة والهبة. وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى مذكورة في مواضعها. فهذان طرفان متفق عليهما) (٣) .

стр. 7214

ويقول: " والجمهور على جواز الغبن في التجارة مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة فذلك جائز، وإن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب. واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك، فقال قوم: عرف قدر ذلك أم لم يعرف فهو جائز إذا كان رشيدا حرًا بالغًا. وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا، وقال ابن وهب من أصحاب مالك ﵀: والأول أصح لقوله ﵇ في حديث الأمة الزانية: "فليبعها ولو بضفير"، وقوله ﵇ لعمر ((لا تبتعه – يعني الفرس – ولو أعطاكه بدرهم واحد)) . وقوله ﵇ ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) . وقوله ﵇: ((لا يبع حاضر لباد)) . وليس فيها تفصيل بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره". (١) . ثانيًا: ما روي في الحديث من رفض النبي ﷺ أن يسعر للناس، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رجلًا قال: سعر لنا يا رسول الله، فقال الرسول ﷺ : ((إنما يرفع الله ويخفض، إني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة)) . قال له آخر: سعر، قال: ((أدعو الله)) . قال الإمام البغوي في الجزء الثامن من شرح السنة أن إسناد الحديث أعلاه صحيح، وأخرجه أبو داود في البيوع: باب في التسعير. وأخرجه ابن ماجه في التجارات: باب من كره أن يسعر بلفظ، قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال)) . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الباب أيضًا عن أبي جحيفة وابن عباس وأبي سعيد الخدري عند الطبراني في معاجمه الثلاثة (٢) . ويأتي هنا أيضًا حديث الرسول ﷺ المذكور سابقًا ((لا يبع حاضر لباد)) , ((ودعوا الناس يرزق الله بعضهم بعضًا)) ، وقد بينا صحة إسناده سابقًا، والمنهي عنه هنا أن يأتى البدوي البلدة ومعه قوت يبغي التسارع إلى بيعه رخيصًا، فيقول له الحضري: اتركه عندي لأغالي في بيعه. فهذا الصنيع محرم لما فيه من الاضرار بالغير. والبيع إذا جرى مع المغالاة متعقد. وسئل ابن عباس عن معنى الحديث فقال: لا يكون له سمسارًا. (عن ابن الأثير) (٣) .

стр. 7215

وروى الإمام مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب قال: لا حكرة في سوقنا لا يعمد رجال بأيديهم فضول من إذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف، فليبع كيف شاء، وليمسك كيف شاء الله (١) . ويبدو أن تغير أحوال الناس وظهور عنصر الجشع وفقدان الأمانة والتقوى في معاملاتهم وكذلك اتساع الأوضاع التجارية دفع الفقهاء إلى البحث عن حكم البيع بالزيادة المتفاحشة على الثمن المعتاد. ويبدو أن هناك اتفاقًا ظاهرًا في أنه متى علم البائع والمشتري قيمة السلعة التي تباع بها في الأسواق، وحصل الغبن بزيادة في الثمن غير معتادة، أو نقص فيه كذلك، فالبيع صحيح لا حرمة فيه، ولو كان البيع فوق فائدة الربا بكثير، وما مثل هذا إلا كزارع وضع قليلًا من الحب في أرضه فأنبتت عشرة من الأرادب، فالطريق مشروع، والكسب حلال ورزق ساقه الله إلى التاجر والزارع. أما إذا جهلت قيمة السلعة، فإن استسلم أحدهما لصاحبه بأن أخبره بجهله وائتمنه فيما يخبره به وما يحدده من الثمن، فقال البائع للمشتري: قيمتها في السوق عشرون، فإذا هي عشرة، أو قال المشتري للبائع: قيمتها في السوق عشرة، فإذا هي عشرون، فللمغبون الرد، وعلى صابحه المؤتمن الكذوب الحرمة. فإن لم يستسلم لصاحبه مع جهل القيمة، بل باع أو اشترى على المغالبة والمشاحة فحصل الغبن المتفاحش، فالبيع صحيح لا رد فيه ولا حرمة على المشهور. وقال بعضهم: إن وصل الغبن الثلث فأكثر من قيمة السلعة، فسخ البيع أن قام المغبون برد السلعة في أثناء السنة من يوم البيع. وقد أفتى به ابن عرفة والماذري والبرزلي. ومشى عليه ابن عاصم في التحفة، لكن رده ابن رشد بقوله: إنه غير صحيح لحديث: ((لا يبع حاضر لباد)) ((ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) .
следующие страницы →