← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

ويحقق للتداول طبيعته الاقتصادية المنسجمة مع المسئولية الاجتماعية مبعدًا إياه عن دوره الاستثنائي الرأسمالي المنحرف والمؤدي لتضخم القيمة وإهدار الطاقات، ويوفر التوازن الاجتماعي المطلوب. وعملية التسعير إذا نظر إليها في هذا الإطار كانت عملية طبيعية بلا ريب. ثانيا: إذا أردنا أن نوضح موقف الإسلام من حرية قوانين العرض والطلب في السوق الإسلامية نستطيع الوصول إلى نتيجة ملخصها: ١- أن هذه القوانين لا محل لها في مرحلة ما قيل الإنتاج البشري أي مرحلة الطبيعة الخام فالمؤثر في هذه المرحلة هو العمل على الطبيعة وبدونه لا يحصل أي اختصاص أو توزيع. ٢- أما في مرحلة ما بعد الإنتاج البشري، فإن هذه القوانين تعمل عملها ولكن في أطر معينة يرضاها الإسلام للسوق الإسلامية السليمة والتي تذكرها لنا النصوص الإسلامية الكثيرة. إذ لا يوجد في هذه السوق (احتكار) ولا (إجحاف) ولا (غش) ولا تبان لرفع القيم (حتى التباني الرسمي) ، ولا ندرة مصطنعة كما يتوفر فيها ما يحتاجه المجتمع حيث يجب كفاية توفر ذلك، وهكذا نصل إلى منع أي معاملة محرمة وسيادة روح التعاون والخدمة وغير ذلك من أحكام السوق الإسلامية السليمة، وفي مثل هذه الحالة الطبيعية لا معنى لتدخل الدولة في عملية العرض والطلب حيث الأصل حريتهما وربما يحمل على ذلك ما جاء في الأخبار: ((إنما السعر إلى الله يرفعه إذا شاء ويخفضه إذا شاء)) أو (إن غلاء السعر ورخصه بيد الله) وأمثال ذلك. وإذا رأيناه ﷺ يغضب ممن طلب منه التدخل فهو – على الظاهر – لأنه طلب إليه التدخل في حالة عادية. وقد روى عبد الرزاق في المصنف بسنده عن سالم بن أبي الجعد، قال: قيل للنبي ﷺ سعر لنا الطعام، فقال: ((إن غلاء السعر ورخصه بيد الله وإني إن ألقى الله لا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في مال ولا دم)) (١) .

стр. 7212

فليس غلاء السعر، أو كون الطعام غير مسعر وأمثال ذلك سببًا للتدخل، أما إذا حصل إجحاف في البين أو احتكار وما إلى ذلك مما يتنافى والشكل الإسلامي للسوق، فإن لولي الأمر التدخل لإرجاع الحالة إلى الوضع الطبيعي بلا ريب. قال الصدوق في كتاب التوحيد: (فما كان من الرخص والغلاء عن سعة الأشياء وقلتها، فإن ذلك من الله – – ويجب الرضا بذلك والتسليم له وما كان من الغلاء والرخص بما يؤخذ الناس به لغير قلة الأشياء وكثرتها من غير رضى منهم به أو كان من جهة شراء واحد من الناس جميع طعام بلد فيغلوا الطعام، فذلك من المسعر والمعتدي بشراء طعام المصر كله كما فعله حكيم بن حزام كان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كله فمر عليه النبي ﷺ فقال: ((يا حكيم بن حزام إياك أن تحتكر)) ) (١) . وقد روي عن الإمام على بن أبي طالب أنه كتب إلى مالك الأشتر عامله على مصر يقول: (فامنع من الاحتكار فإن رسول الله ﷺ منع منه وليكن البيع بيعًا سمحًا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع) (٢) . ويقول الشهيد الثاني: (ولا يجوز التسعير في الرخص مع عدم الحاجة قطعًا والأقوى أنه مع الإجحاف حيث يؤمر به لا يسعر عليه أيضًا، بل يؤمر بالنزول عن المجحف وإن كان بمعنى التسعير إلا أنه لا ينحصر في قدر خاص) (٣) . والظاهر أن النصوص تؤكد على حرية التسعير، ما لم يتطلب الموقف غير ذلك، وحتى لو أمكن تلافي الحاجة بالأمر بتقليل السعر دون تحديد لتعين ذلك فهي حالة استثنائية لا يصار إليها إلا عند الضرورة أو اقتضاء المصلحة العامة الملزمة لذلك. وإننا إذا تأملنا الخلاف بين العلماء ونصوصهم واستدلالاتهم وجدنا أن هذا يشير إلى الحالة الطبيعية فيحرم وذاك يشير للحالة الثانوية فيجيز، فهم في الواقع متفقون – كما يظهر-. الخلاصة: من ملاحظة الأدلة والنصوص والفتاوي يتلخص ما يلي: ١- إن الأسعار متروكة للمالكين يسيرون بها حسب العرض والطلب وفي الجو الطبيعي لهما دونما صيرورة إلى ندرة كاذبة واحتكار مذموم. ٢- في الحالات التي تتطلب الضرورة أو المصلحة الاجتماعية تدخل ولي الأمر، فإن له بمقتضى ولايته التدخل. والله أعلم. الشيخ محمد علي التسخيري

стр. 7213

بحث تحديد أرباح التجار إعداد الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يقصد بتحديد أرباح التجار التسعير وهو تحديد أسعار معينة تباع بها سلع معينة في الأسواق. والهدف من تحديد أرباح التجار أو التسعير لهم هو حماية المشتري حتى لا يظلم في شراء ضرورياته ومستلزماته. والهدف من ذلك أيضًا هو محاربة الاحتكار والسوق السوداء وقد تسببا في معاناة شديدة وحرج كبير لكثير من شعوبنا. ولا شك أن هذه أهدافًا جميلة تتمشى مع ما تهدف إليه الشريعة الغراء من الرحمة بين الناس والعدل والرضا والطمأنينة في البيع. ولكن قد يثار أن تحديد أرباح التجار أو التسعير لهم فيه مخالفة لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١) . وفي تحديد السعر الذي بيبع به التاجر وهو تحديد لربحه قد يكون إجبارًا له على البيع بغير ما يرضى أو يريد من الربح. كما أن هذا التحديد قد يحد من حرية المالك مما تكفله له الشريعة الإسلامية من حرية التصرف فيملكه كيف يشاء من غير إتلاف لماله أو مساس بحقوق الآخرين، كما أن مبدأ حرية التجارة وارتزاق الناس بعضهم من بعض التي ذكرها رسول الله ﷺ ، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبع حاضر لباد، ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) (٢) . ولكي نصل إلى الرأي الفقهي في هذه المسألة لا بد من الرجوع إلى أصولها في الفقه ومصادره. أولًا: الأصل في هذه المسألة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، قال القرطبي في تفسير هذه الآية: (اعلم أن كل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا أن قوله (بالباطل) أخر منها كل عوض لا يجوز شرعًا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك. وخرج منها أيضًا كل عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض والصدقة والهبة. وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى مذكورة في مواضعها. فهذان طرفان متفق عليهما) (٣) .

стр. 7214

ويقول: " والجمهور على جواز الغبن في التجارة مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوي مائة فذلك جائز، وإن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب. واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك، فقال قوم: عرف قدر ذلك أم لم يعرف فهو جائز إذا كان رشيدا حرًا بالغًا. وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا، وقال ابن وهب من أصحاب مالك ﵀: والأول أصح لقوله ﵇ في حديث الأمة الزانية: "فليبعها ولو بضفير"، وقوله ﵇ لعمر ((لا تبتعه – يعني الفرس – ولو أعطاكه بدرهم واحد)) . وقوله ﵇ ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) . وقوله ﵇: ((لا يبع حاضر لباد)) . وليس فيها تفصيل بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره". (١) . ثانيًا: ما روي في الحديث من رفض النبي ﷺ أن يسعر للناس، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رجلًا قال: سعر لنا يا رسول الله، فقال الرسول ﷺ : ((إنما يرفع الله ويخفض، إني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة)) . قال له آخر: سعر، قال: ((أدعو الله)) . قال الإمام البغوي في الجزء الثامن من شرح السنة أن إسناد الحديث أعلاه صحيح، وأخرجه أبو داود في البيوع: باب في التسعير. وأخرجه ابن ماجه في التجارات: باب من كره أن يسعر بلفظ، قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال)) . وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الباب أيضًا عن أبي جحيفة وابن عباس وأبي سعيد الخدري عند الطبراني في معاجمه الثلاثة (٢) . ويأتي هنا أيضًا حديث الرسول ﷺ المذكور سابقًا ((لا يبع حاضر لباد)) , ((ودعوا الناس يرزق الله بعضهم بعضًا)) ، وقد بينا صحة إسناده سابقًا، والمنهي عنه هنا أن يأتى البدوي البلدة ومعه قوت يبغي التسارع إلى بيعه رخيصًا، فيقول له الحضري: اتركه عندي لأغالي في بيعه. فهذا الصنيع محرم لما فيه من الاضرار بالغير. والبيع إذا جرى مع المغالاة متعقد. وسئل ابن عباس عن معنى الحديث فقال: لا يكون له سمسارًا. (عن ابن الأثير) (٣) .

стр. 7215

وروى الإمام مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب قال: لا حكرة في سوقنا لا يعمد رجال بأيديهم فضول من إذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف، فليبع كيف شاء، وليمسك كيف شاء الله (١) . ويبدو أن تغير أحوال الناس وظهور عنصر الجشع وفقدان الأمانة والتقوى في معاملاتهم وكذلك اتساع الأوضاع التجارية دفع الفقهاء إلى البحث عن حكم البيع بالزيادة المتفاحشة على الثمن المعتاد. ويبدو أن هناك اتفاقًا ظاهرًا في أنه متى علم البائع والمشتري قيمة السلعة التي تباع بها في الأسواق، وحصل الغبن بزيادة في الثمن غير معتادة، أو نقص فيه كذلك، فالبيع صحيح لا حرمة فيه، ولو كان البيع فوق فائدة الربا بكثير، وما مثل هذا إلا كزارع وضع قليلًا من الحب في أرضه فأنبتت عشرة من الأرادب، فالطريق مشروع، والكسب حلال ورزق ساقه الله إلى التاجر والزارع. أما إذا جهلت قيمة السلعة، فإن استسلم أحدهما لصاحبه بأن أخبره بجهله وائتمنه فيما يخبره به وما يحدده من الثمن، فقال البائع للمشتري: قيمتها في السوق عشرون، فإذا هي عشرة، أو قال المشتري للبائع: قيمتها في السوق عشرة، فإذا هي عشرون، فللمغبون الرد، وعلى صابحه المؤتمن الكذوب الحرمة. فإن لم يستسلم لصاحبه مع جهل القيمة، بل باع أو اشترى على المغالبة والمشاحة فحصل الغبن المتفاحش، فالبيع صحيح لا رد فيه ولا حرمة على المشهور. وقال بعضهم: إن وصل الغبن الثلث فأكثر من قيمة السلعة، فسخ البيع أن قام المغبون برد السلعة في أثناء السنة من يوم البيع. وقد أفتى به ابن عرفة والماذري والبرزلي. ومشى عليه ابن عاصم في التحفة، لكن رده ابن رشد بقوله: إنه غير صحيح لحديث: ((لا يبع حاضر لباد)) ((ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) .

стр. 7216

قال في أقرب المسالك وشرحه: ولا رد بغبن ولو خالف العادة في القلة أو الكثرة، كأن يشتري ما يساوي درهمًا بعشرة أو عكسه، إلا أن يستسلم أحد المتابيعين لصاحبه بأن يخبره بجهله، كأن يقول المشتري: أنا لا أعلم قيمة هذه السلعة فبعني كما تبيع الناس، فقال البائع: هي في العرف بعشرة، فإذا هي بأقل. أو يقول البائع: أنا لا أعلم قيمتها فاشترِ مني كما تشتري من الناس، فقال: هي في عرفهم بعشرة، فإذا هي بأكثر، فللمغبون الرد على المعتمد (بل باتفاق، ولم يخالف فيه أحد) . وإنما الخلاف في الغبن من غير استسلام إذا كان المغبون جاهلًا، فإن كان عارفًا فلا رجوع له اتفاقًا، فإن استسلم الجاهل فالرد متفق عليه" (١) . والذي يتضح من هذا كله أن الرأي الراجح هو ترك البضائع بغير تحديد سعر أو تحديد أرباح للتجار على أن تقوم الدولة بواجبها في توفير البضائع وأنواعها محاربة للغلاء أو الاحتكار أو السوق السوداء كما عليها إقامة الدين بين الناس وإحياء ضمائرهم بالتقوى والبعد عن إجحاف الناس وظلمهم أو استغلال حاجتهم للشراء وجلهم بالأسعار. فعلى الدولة ترك تحديد الأسعار أو تحديد أرباح التجار مع نشر الوعي الديني وحث الناس على تقوى الله في هذا المجال ومخافته في معاملة عباده ولا سيما قول الرسول ﷺ . ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)) (٢) . إلا أنني أرى أن الأمر إذا استشرى جدًا وصارت طبقة من الناس لا تخشى الله ولا ترحم الناس كما يحصل فيما يسمونه اليوم بالسوق السوداء، فعلى الدولة واجب محاربة هذه الطبقة ومحاربة ما يفعلونه، بخلق التنافس الصالح في التجارة وتوفير البضائع وأنواعها وتوعية الناس بكل الوسائل بالأسعار المعقولة للبضائع جملة وتجزئة. ولا شك أن هذا من أهم مهام الدولة الإسلامية والمحتسبين في محاربة أي عامل يؤدي إلى الغلاء في الأسواق وسن اللوائح اللازمة لتحقيق ذلك وعلى الناس طاعتها لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣) . وللحكومة الحق في تعزير من يخالف تلك اللوائح. الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد.

стр. 7217

تحديد أرباح التجار إعداد الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على أفضل الأنبياء والمرسلين المقدمة: لا شك أنَّ اختلاط المسلمين اليوم بغيرهم، وتطور الحريات العامة، واحترام الإنسان لأخيه الإنسان بقطع النظر عن الجنس، أو الدين أو اللغة، أو الإقليم، إضافة إلى سهولة المواصلات وسرعتها وتنوع وسائل الإنتاج، وتصاعد حاجات الإنسان، كلها مؤثرات بالغة الأهمية في نمو ربح التاجر، وتنوع مصادره، فإذا ما تضافرت كلها وترك لها الباب مفتوحًا، فإن تفاحش الربح والبحث عنه لا محالة سيؤدي إلى فوضى اجتماعية، وانتهاكات دينية تخل بسلامة المجتمع الإنساني بصفة عامة، كما ستهدر قيم المجتمع الإسلامي بصفة خاصة. ويثبت ذلك ما يشاهد اليوم في النظام الرأسمالي الغربي، الذي أصبحت الشركات الكبرى هي التي تتحكم في مصيره مكرسة كل طاقات الدول لخدمة ربحها المتنامي بصرف النظر عن كل شيء يخدم الربح على أبشع صور الاستغلال، والاستنزاف. وبموازاة ذلك تعيش مراكز البيروقراطية في المعسكر الاشتراكي جاعلة من طاقات الإنسان وسيلة لرفاهية مدراء المكاتب، والمؤسسات العسكرية على حساب حرية الفرد واختياره وتنمية جهوده، ليصبح عبد التوجيه الذي لا يرحم، ولا يسمن ولا يغني، ولعل ما يلاحظ اليوم من عجز النظامين عن حل أبسط المشاكل اليومية للإنسان يحتم علينا نحن المسلمين أن نرجع لنظريات الإسلام، بإبرازها للعالم كبديل قادر على تجنب كثير من مساوئ التجارب البشرية، التي أعطيت لها كل الفرصة الزمنية فعجزت عن حل أبسط مشاكل الفرد والجماعة، إذ في الوقت الذي يبحث خبراء العالم عن البدائل يجدر بنا نحن المسلمين أن نقدم لهم البديل جاهزًا، وقد أتت جل قواعده من الله لصالح عباده، ثم إن تلك التعاليم قد خضعت لمحك التجربة فأعطت أنها صالحة أيام ازدهار دولة الإسلام. كما أن جُلَّ النظريات الصالحة في سجل الفكر البشري لعالم اليوم، إذا لم تكن مقتبسة في جلها من تعاليم الإسلام، فإنها أتت شديدة التأثر به، ونعني كل القوانين، سواء كانت في إطار نظريات اقتصادية أو قواعد مدنية، مما يحتم علينا نحن أصحاب تلك الشريعة الإسلامية الخالدة أن نعيد تجاربنا في الحياة استنادًا إليها وتطبيقًا لنصوصها، كما يجب علينا أن نتعرف على نصوصها، ونقدم أسسها لأبناء اليوم بأسلوب يحافظ على تعاليمها، وينسجم مع أساليبهم الدراسية.

стр. 7218

لذا، فإن جهود المجمع الفقهي الإسلامي بجدة بفضل الخبرة والحنكة، والاطلاع الواسع الذي يتميز به أمينه العام، العالم الجامع، والمجرب الغيور على وطنه الإسلامي، وعلى عقيدته الإسلامية الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة، قد أحسن صنعًا بتنظيم هذه الندوات التي تقرب بعيد الفقه الإسلامي وتجمع شتاته من حنايا ذلك الزخم العظيم من المؤلفات الفقهية التي أصبحت تعج بها المكتبات ويلفها النسيان في طياته، بحيث أوشكت أن تدخل في عداد الرصيد التاريخي الذي يعتز به اليوم، ولا سبيل إلى تطبيقه، وليس لذلك من سبب سوى قصور الهمم والارتماء في أحضان المستورد من الغرب أو الشرق، والحكم بأنه الوسيلة الوحيدة للخروج من أزمات كان ذلك المستورد هو السبب فيها. وللمساهمة في هذا اللقاء المبارك سندرس الموضوع من خلال النقاط التالية: ١- التعريف بالتجارة. ٢- بيع المرابحة. ٣- التسعير. ٤- سلامة الربح من العيوب الشرعية. ٥- تحريم الاحتكار. ٦- مبررات تدخل الدولة لتنظيم الربح. ٧- الخاتمة. ١- التعريف بالتجارة: لقد تمَّ تعريف التجارة في كتب التفسير وكتب الفقه حكمًا، كما ورد تعريفها في المعاجم لغة، وأيضًا ورد ذكر التجارة في كتاب الله العزيز عدة مرات، منها ما يدل على المعاوضة ومنها ومنها ما يدل على الربح الذي يناله العبد ثوابًا من ربه جزاء على فعله للصالحات، واجتنابه للمنهيات ففي موضوع المعاوضة، قال الله في الآية ٢٩ من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال القرطبي في تفسيره: التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ومنه الأجر الذي يعطيه الباري لعبده عوضًا عن الأعمال الصالحة.

стр. 7219

والتجارة نوعان: تقلب في الحضر من غير نقله ولا سعر، وهذا تربص واحتكار وذكر أنه غير حسن. والثاني: تقلب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة وأعم جدوى ومنفعه غير أنه أكثر خطرًا وأعظم خوفًا، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن المسافر لعلى "قلت" (١) . إلا ما وقى الله "قيل في التوارة" يا ابن آدم أحدث سفرًا أحدث لك رزقًا)) . فكل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، غير أن قول الآية الكريمة "بالباطل" أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعًا "عندنا نحن المسلمين" من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد، كالخمر والخنزير، وغير ذلك، وخرج منها كل عقد جائز لا عوض فيه مثل الهبة والوقف. هذا تعريف القرطبي للتجارة عند تفسيره للآية السالفة. وأثناء تفسير المرجع المذكور لقول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [الآية ٢٧٥ من سورة البقرة] ، والتركيز على أن الله حذر من أكل أموال الناس بالباطل قال بأن الغبن اليسير لا يثير شبهة، وغايته من ذلك الربح العادي، فقال: إلا أن تكون أموال تجارة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقد ورد ذكر التجارة في القرآن الكريم عدة مرات نذكر منها ما يلي: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الآية ٢٨٢ من سورة البقرة] . ثم الآية: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [من الآية ٢٤ من سورة التوبة] . ومن الآية ٣٧ من سورة النور، وهي: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية، ووردت التجارة بمعنى الأجر عند الله في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [الآية ٢٩ من سورة فاطر] . ووردت بنفس هذا المعنى في الآية ١٠ من سورة الصف، وهي: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ...﴾ الآية، وورد لفظ التجارة يرمي لنفس المعاوضة المادية عند قول الله : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الآية ١١ من سورة الجمعة] .

стр. 7220

وفي اللغة قال القاموس: التاجر الذي يبيع ويشتري، وبائع الخمر، الجمع تجار وتجار وتجر وتجر كرجال وعمال، وصحب وكتب، والحاذق بالأمر والناقة النافقة في التجارة وفي السوق كالتجارة، وأرض متجرة يتجر فيها، وإليها، وقد تجر تجرًا وتجارة وهو على أكر تاجرة على أكرم خيل عتاق. وفي الحديث الشريف: ((التاجر الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة)) ، وعن أبي داود قال: حدثنا مسدد، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غرة، قال: كنا في عهد النبي ﷺ نسمي السماسرة، فمر بنا النبي ﷺ فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: ((يا معاشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة)) . قال شمس الحق العظيم أبادي في كتابه عون المعبود على سنن أبي داود: البيع لغة مبادلة المال بالمال، وكذا في الشرع لكن زيد فيه قيد التراضي، وإنما جمعه دلالة على اختلاف أنواعه، والحكمة في شرعية البيع أن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبًا، وصاحبه لا يبذله ففي شرعية البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج (١) . وما دمنا غير مطالبين بالحديث عن التجارة إلا في حدود تبيين الأساليب التي رسمها الفقه الإسلامي لمراقبة أرباح التاجر، فإننا نكتفي بهذا القدر اليسير من التعريف للتعرض بصفة وجيزة أيضًا لنماذج من المعاوضات التي يجني منها التاجر ربحًا، جاعلين الأساس هو تفسير القرطبي للآية الكريمة رقم ٢٩ من سورة النساء حيث قال: إن الربح جائز بإجماع، وهو تفاوت الثمن الذي حصل التاجر بوساطته على بضاعة ما، والقدر الذي باعها به فيكون الربح هو الفرق الحاصل بين رأس المال، وبين قيمة الشراء الجديد، ولم يرَ القرطبي بأسًا في حصول التاجر على ربح يغبن غير فاحش على أن يكون الثمن الأصلي معروفًا، والشاري لم يغرر به ولم يكن جاهلًا لحال السوق غير أنه إذا وصل الثلث أصبح غبنًا فاحشًا يمكن مراجعة العقد بسببه، واستدل للتفاوت بعدة أحاديث منها حديث الأمة الزانية والقائل: ((فليبعها ولو بضفير)) وقول النبي ﷺ لعمر في الحديث الشريف: ((لا تبعه)) يعني الفرس ولو أعطاكه بدرهم واحد وقول النبي ﷺ : ((دعو الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) ، وقوله ﵇: ((لا يبعْ حاضر لباد)) .

стр. 7221

قال ابن وهب من المالكية، فيها تفصيل بين القليل والكثير، كالثلث ولا غيره، ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية كانت سباقة إلى سن مبدأ التراضي، الذي يجعل كل واحد من الطرفين يمحص ماله وما عليه، ومن الأفضل احترام إرادتهما إذا أنشأت عقدًا تمت فيه استفادة كل واحد منهما بما في يد صاحبه، مما يحسبه ربحًا ساعة إبرام العقد. على أن الربح لكي يكون عادلًا ينبغي أن يتميز بالعدل فلا يستنزف البطاقة المادية للشاري، ولا يبخس بضاعة ومجهود البائع، وهذا ما دعي إليه الحديث الشريف المتقدم ذكره ((التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة)) . ويكره للتاجر الحلف من أجل ترويج بضاعته، وعليه أن لا تشغله عن ذكر الله وعن الصلاة. ولا يكون الربح مباحًا وسليمًا إلا إذا سلم من الغبن، والتدليس والنجش وجملة البيوع المنهي عنها كبيع الأشياء المحرمة من خمر وقمار، ولحم خنزير، وجملة أنواع بيوع الربا، فإذا سلم العقد من هذه الشوائب وحصل التاجر على ربح ولو كثيرًا فصرفه في أوجه البر فأعطي منه في النائبات وأدى زكاته، وأعان منه المسلمين في المجهود العام لفائدة نشر الإسلام والحفاظ عليه، واستثمره في الرواج الاقتصادي للتخفيف من البطالة، وتطوير وسائل الإنتاج العام لدولة الإسلام بصفة عامة كان من الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله، والذين قال فيهم الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية ٢٦١ من سورة البقرة] . فإن أنفق التاجر على الضعفاء والأيتام وأدى الزكاة وأعطى في النائبات كان من الذين عيَّنهم الرسول ﷺ بالحديث الشريف: ((ذهب أهل الدثور بالأجر)) من الوعيد النازل في المكتنزين بحكم قول الله : ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وجُنُوبُهُمْ وظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [الآيتان ٣٤، ٣٥ من سورة التوبة] . فإذا ما تجنب التاجر المنهيات ولم يتعاط المحرمات، ولم يتخلف عن الجوانب في النائبات استحق شكر الناس في الدنيا ورحمة الخالق في الآخرة، ومن هنا نتبين أن مراقبة أرباح التاجر في الشريعة الإسلامية هدفها هو أن تنمو طبقة الموسرين وهم محبون عند الله وعند الناس يغبطهم المصلحون، ولا يضرهم حسد المسيئين.

стр. 7222

وإذا كان الفقه الإسلامي يفضل ترك الحرية للمتابعين ليحني كل واحد منهما منفعة أثناء تعاقده مع الآخر، فإنه إضافة إلى ذلك وضع الإطار الشامل لمراقبة الربح، حيث سن قواعد ونصوصًا تمكن من رقابة البيع، وما يحصل عنه مِنْ رِبْحٍ، ولم تترك القواعد مجالًا يمكن أن يمر منه التاجر إلى الربح، إلا ونظمته، فالمبدأ هو أن الإنسان يمكن أن يبيع ما له بما شاء بأقل مما كلفه، أو بأكثر منه، أو بنفس المبلغ. غير أن تلك الحرية تفرض عليها قيود تهدف إلى تحقيق الصالح العام للجماعة، فإذا خفض المالك ثمن بضاعته، وتبين أن ذلك التخفيض من شأنه أن يضر ببقية التجار مما يمكن أن يحملهم على ترك تزويد السوق بما يحتاج إليه العامة، يؤمر المخفض بأن يبيع بمثل بيع السوق، وإلا فلينتقل عنه، وهذا المبدأ يجعلنا نقول بأن الربح في بعض صوره يتعلق بالنظام العام للجماعة، ولولي أمرها أن يراقبه، محافظة على المصالح العامة. وإذا كان التاجر غير ملزم ببيان كل جزئيات بضاعته، فإنه إذا سئل أو تبرع بالإخبار تحتم عليه أن يقول الحقيقة رفعًا لكل لبس، وإذا أصاب البضاعة عيب مؤثر وجب عليه أن يبينه، قال خليل في مختصره "وجب تبيين ما يكره". ويحرم النجش والاحتكار والغبن بالتغرير، ويحرم أن يدخل على سوم أخيه، ويحرم أن يبيع حاضر لباد وعليه مراعاة أحوال التسعير التي يفرضها الحاكم على السوق. هذه إشارات لما يجب أن يتحلى به التاجر في سوق الأمة الإسلامية، فإذا طبقت بنزاهة أصبحنا أمام وضع اقتصادي يجعل الأمة الإسلامية كما هي نموذجًا في معتقدها وسلوكها، تكون كذلك نموذجًا في مبادلاتها التجارية، فتتحكم الروح الإنسانية، وتنتفي الطبقية، ويسود التآلف والتآخي بين مختلف طبقات المجتمع، وتعريف الفقه الإسلامي للبيع هو تعريفه للتجارة، ومن خلال دراسة أنواع البيوع نتعرف على الربح الجائز أو المنهي عنه، كما نتعرف على أنواع النهي، إذ بعض النهي يتعلق بعقاب الآخرة، وتبقى الرقابة فيه لضمير المسلم فيما بينه وبين ربه، بينما تبقى أنواع أخرى من الرقابة للحاكم التدخل في شأنها رعيًا لمصالح الناس. قال صاحب التحفة الحكام: ما يستجاز بيعه أقسام أصول أو عروض أو طعام أو ذهب أو فضة أو ثمر أو حيوان والجميع يذكر قال عبد السلام التسولي في شرح بيتي محمد بن عاصم هذين، ما ملخصه: البيع لغة مصدر باع الشيء إذا خرجه من ملكه بعوض، أو أدخله فيه فهو من أسماء الأضداد يطلق على البيع والشراء.

стр. 7223

وهو إما بيع عين بعين، أو عرض بعرض، فإن بيع بالميزان يسمى مراطلة، وإن بيع بالعدد سمي مبادلة وإن عينا شرط فيه التناجز وسمي صرفًا ويجب على متعاطي البيع أن يعلم حكم الله فيه، وإن بيع بناجز في أحد العوضين ومؤجلًا في الثاني سمي سلمًا (١) . قال ابن العربي في القبس على موطأ الإمام مالك: البيع والنكاح عقدان يتعلق بهما قوام العالم. ٢- المرابحة: قال ابن رشد في بداية المجتهد: "أجمع جمهور الفقهاء على أن البيع صنفان مساومة ومرابحة، وأن المرابحة هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحًا ما للدينار أو الدرهم". ثم تعرض خلافهم حول ما يصح للبائع أن يضمه إلى ثمن السلعة من المصاريف التي تحملها عليها، أي ما يمكن أن يحسب من رأس المال، وما لا يمكن أن يحسب منه ولخص مذهب مالك في الزوائد التي تطرأ من بعد رأس المال في ثلاث حالات: هي قسم يعد من الثمن ويكون له حظ من الربح وهو ما كان مؤثرًا في عين المحل " محل العقد " كالخياطة والصبغ. وقسم بعد من أصل الثمن ولا يكون له حظ من الربح، وهو ذلك الذي يمكن للبائع أن يتولاه بنفسه، ولا يؤثر في السلع ككراء البيوت التي توضع فيها ونقلها من مكان قريب. وإن تطور الكراء والنقل اليوم ليعترضان على التسليم بإمكانية تطبيق هذا الحكم بدون خسارة التاجر. وأما ما لا يحسب فيه التاجر الأمرين معًا فهو ما ليس له تأثير في حال المبيع، كالسمسرة، والطي والشد، فلا يحسب على عين السلعة ولا على الربح (٢) . وقد عزى ابن رشد لأبي حنيفة القول الآتي وأنه أقرب إلى الإنصاف وعدم تعرض أي من الطرفين لأي حيف والقول المنسوب لأبي حنيفة هو: أن البائع يحسب على رأس مال السلعة كلما نابه عليها من مصاريف النقل والإصلاح ثم يطلب ربحه من بعد ذلك كله. قال أبو ثور، لا تجوز المرابحة إلا بالثمن الذي يشتري به البضاعة فقط، واختلف ابن القاسم، وأشهب فيمن اشترى سلعة بعروض هل يجوز له أن يبيعها بعروض، أو بنقود فقط؟

стр. 7224

فابن القاسم أجاز بيعها بالعروض أو بالنقود، بينما أشهب لم يجز بيعها بالعروض مثلما شريت بها. واختلفوا أيضًا في حكم من ابتاع سلعة مرابحة بثمن ذكره، ثم ظهر بعد ذلك، إما بإقراره وإما بالبينة أن الثمن كان أقل مما ذكر، والسلعة مازالت قائمة، فمالك وجماعة أعطوه الخيار بأخذها بالثمن الذي أعطاه فيها أو ردها إذا كانت موجودة، وفسخ البيع، بينما أبو حنيفة وزفر قال بأن المشتري على الخيار دائمًا، نظرًا لاكتشاف كذب البائع، وإعطائه أوصافًا تناقض الواقع، والفرق هو أن مالكًا الزم الشاري بأخذ السلعة الموجودة بنفس الثمن الصحيح، وأبو حنيفة منح الشاري الخيار على الإطلاق ولا يلزمه الأخذ بالثمن أن الزمه البائع به، وقال الثوري وابن أبي ليلى وأحمد وجماعة، بل يبقى البيع لازمًا لهما بعد حط الزيادة، وعن الشافعي القولان: القول بالخيار مطلقًا والقول باللزوم بعد الحط. إن نفس الاتجاه الذي تناول به ابن رشد المرابحة بمختلف أساليبها لهو نفس الأسلوب الذي اتبعه الرافعي أثناء شرحه للمهذب، وأيضًا نفس الحالات التي تناولها السرخسي، وكتاب الأم للشافعي، إذ كل واحد منهم تناول مختلف أوجه الخلاف على حدة، وبما أننا نحاول من خلال هذا البحث أن نبين مختلف أوجه رقابة الفقه الإسلامي لأرباح التاجر ينبغي لنا أن نمر بسرعة على بعض أقوالهم في الموضوع من خلال ما يلي: يجوز أن يبيع السلعة مرابحة، وهو: أن يقول رأسمالها مائة وقد بعتها برأس مالها درهم في كل عشرة، لما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان لا يرى بأسًا بده، وبازده، وده وزاده (١) ، ولأنه ثمن معلوم فجاز البيع به كما لو قال بعتك بمائة إلا عشرة، ويجوز بيع بعضه مرابحة، فإن كان لا تختلف أجزاؤه كالطعام والعبد والواحد قسم الثمن على أجزائه، وباعه ما يريد منه بحصته. وإن كان مما يمكن أن يقسم، وزع الثمن على أجزائه بحسب حصة كل واحد منهما في المبيع، والأصل في هذا هو حديث الذهب الذهب. يدرك من هذا أن المرابحة بأحكامها جائزة. ولكن كره بعض صورها ابن عباس وابن عمر ولم يجوزها إسحاق بن راهويه، واتفقوا على أنه إذا اشتري بثمن مؤجل لم يجز بمطلق بل يجب البيان، وقال الأوزاعي: يلزم العقد إذا أطلق، ويثبت الثمن في ذمته مؤجلًا، وقال أبو حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد يثبت للمشتري الخيار إذا لم يعلم بالتأجيل.

стр. 7225

ووجه هذه المسائل بواعث مختلفة بينهم، بين متشدد ومخفف على البائع، أو على المشتري بحسب مداركهم، فالشافعي يجيز بيع السلعة برأس مالها أو أقل أو أكثر من البائع وغيره قبل نقد الثمن أو بعده. وأحمد وأبو حنيفة ومالك لا يجوز عندهم بيعها بأقل من الثمن الذي ابتاعها به قبل نقد الثمن في المبيع الأول، ويجوز أن يبيع ما اشتراه مرابحة بالاتفاق، وهو أن يبين رأس المال وقدر الربح. قال في مجمع الأبحر: المرابحة بيع ما شراه بما شراه به، وزيادة، والتولية بيعه بلا زيادة والوضيعة بيعه بأنقص منه، قال الرافعي عند استعراضه لهذه الآراء بأنه يرى أن تضاف نفقات الصناعة، والطراز والنقل إلى رأس المال مع بيانها (١) ، وهذا رأي أرى أنه صادف الصواب وإن اتفقا على ثمن حط عنه منه شيء، فإن كان ذلك قبل إمضاء البيع عد من رأس المال، وإن كان من بعد إمضاء البيع عد تبرعًا وأصبح غير مطالب بإضافته إلى رأس المال. وأجاز النووي في بعض أوجه الخلاف أن يقول رأس ماله عشرة مثلًا ويكون اشتراه بثمانية، وطرزه باثنين؛ لأن رأس المال هو كل ما وزن فيه في بعض الروايات، مع أن آخرين خالفوا وقالوا لا يقول إلا قام علي وقد أتينا بتفصيل ذلك عند السرخسي في مكان آخر من هذا البحث. وأصل مسألة المرابحة أحاديث عدة، أهمها الحديث الذي أخرجه مسلم والنسائي، وابن ماجه، عن عبادة بن الصامت باللفظ المشهور، وهو: ((الذهب الذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء، يدًا بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إن كان يدًا بيدا)) . وروى أبو داود بنحوه، وفي آخره ((وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر يدًا بيد كيف شئنا)) . قال النووي ما معناه: يمكن أن يضيف إلى رأس المال نفقات للصناعة والعمل والنقل، مع بيانها وإيضاحها لمن ابتاعها (٢) وآداب تلك الإضافة قال فيها النووي: وعند إضافة شيء إلى الثمن فلا يقول اشتريته، أي المحل بكذا، ولكن يقول: قام علي بكذا، مثل ذلك أن يشتري ثوبًا بخمسة دراهم ثم يقصره بدرهم، ويطرزه بدرهم فلا يقول: اشتريته بستة، ولكن يقول: قام على بستة فيصح له الربح بعد ذلك، ويكون قد احترز من الكذب، يمزج المصاريف مع رأس المال وهو غير مباح عند الجمهور (٣) .

стр. 7226

وإذا ذكر الثمن فيحرم عليه الكذب، ولكن إذا قال: قامت علي بكذا جاز له إدخال كل التكاليف إلا أن إفصاحه عن مبلغ ما كلفته يلزم أن يقول الحقيقة بأمانة، وإذا لم يسأل، أو لم يرد ذكر رأس المال، فليس مطالبًا، إلا في بيع المرابحة فإنه يجب عليه ذكر الحقيقة مفصلة. وإذا اشترى سلعة بها عيب عليه أن يبينه، وإذا أصابها عيب ثان عنده، كان عليه أن يميز بينهما، لأن الأول من رأس المال والثاني من التكاليف. وتنظر الشريعة إلى بيع المرابحة بدقة متميزة، ذلك أن الإنسان إذا سكت وباع متاعه بدون استعمال وسائل الغش أو التدليس أو الغبن، فإن ربحه يكون حلالًا، ولا يلزم بأن يعطي تفاصيل جزئيات لا تضر بالثمن ولم يسأل عنها للحديث الشريف ((دعو الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض)) أو كما قال. أما إذا تعرض هو من تلقاء نفسه للتعريف بالثمن أو سأله عن الشاري، فعندما يحرم الكذب ويلزم بأن يميز بين رأس المال والتكاليف، وبين ما جنى من المحل عما كان مرتبطًا به كولد الدابة وثمار الأشجار وما إلى ذلك. فلابن مسعود وأبي حنيفة أن البائع لسلعةٍ ما عند ضم التكاليف إلى ثمنها فلا يقول رأسمالها، بل يقول قامت على بكذا لأن قوله اشتريت بكذا أكثر من الثمن الحقيقي فيه كذب. وحديث ابن مسعود عن رسول الله ﷺ : ((لا تحل الخلابة لمسلم)) ، والخلابة بأنواعها معروفة، ومنها الكذب والتدليس والغش، وكتمان العيب. وعلى هذا يقول أبو حنيفة: "لا يقول شريته بكذا، وإنما يقول قام على بكذا". وإذا أضاف النفقات الأخرى لثمن الشراء ثم ظهرت الحقيقة، للشاري الخيار في أخذه بكل ثمنه أو تركه. قال في المهذب: فإن ظهر للمشتري خيانة المرابحة خير في أخذه بكل ثمنه، وعند أبي يوسف يحط من الثمن قدر الخيانة مع حصتها من الربح وعند محمد يخير (١) . ومنهم من أبطل العقد مثل شيخ الإسلام ابن تميمة في فتاويه، وللنووي عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)) رواه الدارمي والحاكم، والترمذي وحسنه. ثم قال المهذب بالحرف: "قوله: ولا يضم ما خسر فيه إلى الثمن". كذا هو مقرر في المذهب أنه لا يرابح إلا على الثمن الأخير، وعند أبي حنيفة تمتنع المرابحة إذا شراه ثانية بأقل مما باعه أولًا، وعند الصاحبين محمد وأبي يوسف موافقة المصنف من جواز المرابحة على الثمن الأخير (٢) .

стр. 7227

وعند أبي حنيفة لا يلزم البائع بتبين بعض العيوب الظاهرة التي طرأت للمحل عنده مثل حرق النار أو قرض الفأرة، أي لا يجب عليه أن يقول: اشتريته سليمًا فأصابه هذا العيب عندي، وعلة هذا عنده أن ظهور العيب كافٍ لنزع مقابله من الثمن "لأن الفائت وصف بلا صنع أحد" هذا فيما يتعلق ببيان الثمن قبل العيب. أما العيب نفسه فيجب بيانه بالكتاب والسنة والإجماع لحديث العداء بن خالد الذي روته الجماعة، وهو: كتب لي رسول الله ﷺ : ((هذا ما باع محمد رسول الله ﷺ للعداء بن خالد بيع المسلم للمسلم لا داء ولا خبيئة ولا غائلة)) (١) . هذا إذا كان البيع مرابحة والعيب خفيف، أما إذا وصل العيب إلى درجة تسوق إلى الغبن فإن التساهلات المنسوبة إلى أبي حنيفة قبل سياق لفظ الحديث، لا بد من عدم التمسك بها. وإلا يكون الحكم الذي أعطاه لهذه المسألة غير معلل. قال الإمام الباجي في المنتقى ما ملخصه: قال مالك في الأمر المجتمع عليه: عندنا في البز يشتريه الرجل ببلد ثم يقدم به بلدًا آخر فيبيعه مرابحة، إنه لا يحسب فيه أجر السماسرة ولا أجر الطي ولا الشد ولا النفقة ولا كراء البيت، فأما كراء البز في حملانه فإنه يحسب في أصل الثمن ولا يحسب فيه ربح إلا أن يعلم البائع من يساومه بذلك فإن ربحه على ذلك بعد العلم به فلا بأس به. وأما القصارة والصبغ والخياطة وما أشبه ذلك فعند مالك، فإنه يحسب فيه الربح كما يحسب في البز. وكراء البز في حمله فهو يحسب في أصل الثمن ولا يحسب فيه ربح، إلا أن يعلم البائع من يساومه بذلك كله. وأما الثمار، وكراء الرقيق والدواب، فقد قال ابن القاسم في المدونة: من اكترى ذلك كله زمانًا إذا لم تحل الأسواق فلا بأس أن يبيع مرابحة بلا تبيين إلا أن يطول الحال فإن عليه آنذاك التبيين، لإمكانية تغير حال السوق؛ وعزي لابن القاسم عن مالك أن من اشترى سلعة فحالت أسواقها، فلا يبيع مرابحة حتى يبين، وإن زادت الأسواق، لأن الناس في الطريق أرغب وظاهر المذهب المنع من ذلك".

стр. 7228

وإنما جاز أن يراعى اختلاف الأسواق دون زيادة العين أو نقصها، ووجه آخر هو أن بقاء السلعة مدة طويلة يدل على غلاء شرائها، وعلى زهد الناس في عينها ولذا لم يجز (١) . كتم حالها فعليه أن لا يبيع مرابحة حتى يبين جميع أحوالها وأوصافها. قال ابن حبيب: ليس عليه أن يبين، وقال ابن القاسم: في الزيادة أعجب لي أن لا يبيع حتى يبين ولم يفصل بين قرب المدة وطولها، وهذا في زيادة العين والقيمة، فأما النقص من ذلك فمانع من البيع، إلا أن يبين. استطرد أبو الوليد مواقف الإمام مالك في هذه المسألة إلى أن قال: "ولو اشترى سلعًا فباع بعضها مرابحة، فلا يخلو أن تكون غير مكيلة أو موزونة، كالثياب والحيوان، فإن كانت معينة لم يجز أن يبيع بعضها مرابحة حتى يبين، قاله ابن القاسم وزاد ابن عبدوس كذلك الرجلان يشتريان البز فيقسِّمانه، لا يبيع أحدهما مرابحة حتى يبين حاله، ووجه ذلك إذا شملهما عقد بيع، فلا يختص بعضها بحصة من الثمن إلا بعد التقويم، والتقويم قد تدخله الزيادة، والنقصان. فلا يلزم ذلك المشتري حتى يبين له، فإن لم يبين فللمشتري الرد إن شاء ما لم تفت، فإن فاتت فالقيمة يوم القبض". ومن الصور المهمة التي تعرض لها أبو الوليد في شرحه للموطأ مسألة بيع "سلعة مرابحة قامت عليه بمائة للعشرة أحد عشر، ثم جاء بعد ذلك أنا قامت عليه بتسعين يحتمل أن يكون البائع غلط، وظن أنها قامت عليه بمائة فباع، ثم جاء العلم أنها قامت عليه بتسعين أو أن البائع زاد في الثمن عمدًا، فإذا أحب عند اتضاح الأمر أن يأخذها بجميع الثمن فله ذلك أو يردها، ولا يلزم البائع بالثمن الأول إلا إذا رضي، أي لا يلزم بتفويتها له بتسعين إلا برضى للبائع وفي المسألة خلاف أخذنا هنا بشطره، وأما أيهما له الخيار، فإذا لم تفت السلعة فالخيار للبائع بين أن يرد، أو يحبس بجميع الثمن، فإن رد خير البائع بين أن يرد أو يحط، الكذب وربحه فيتم البيع". قال مالك: وإن باع رجل سلعة مرابحة، فقال: قامت على بمائة دينار ثم جاء بعد ذلك أنها قامت بمائة وعشرين دينارًا خير المبتاع، فإن شاء أعطى البائع قيمة السلعة يوم قبضها، وإن شاء أعطى الثمن الذي ابتاع به على حساب ما ربحه بالغًا ما بلغ، إلا أن يكون ذلك أقل من الثمن الذي ابتاع به السلعة فليس له أن ينقص رب السلعة من الثمن الذي ابتاعها به، لأنه قد كان رضي بذلك، وإنما جاء رب السلعة يطلب الفضل فليس للمبتاع في هذا حجة على البائع، بأن يضع من الثمن الذي ابتاع به على البرنامج (٢) .

стр. 7229

وهذا ما ذهب إليه ابن رشد في البيان والتحصيل حيث أكد أن أقدمية الشيء عند البائع تحول بينه، وبين بيعه مرابحة، إلا إذا بيَّن حالها يوم الشراء، ثم يوضح الأوصاف التي طرأت عليها عنده، فإن باع مرابحة أو مساومة، وقد طال مكث المبتاع عنده ولم يبين فهو بيع غش وخديعة، وإن فعل وظهر للشاري عكس الأوصاف التي أخذها عليها كان له الخيار، بين الرد والإمساك، ويرد في الفوات إلى القيمة إذا كانت أقل من الثمن على حكم الغش والخديعة، في البيع. وفى حكم آخر أنه يحكم له بحكم من باع وزاد في الثمن وكذب به، وتكون القيمة في ذلك يوم القبض للمبيع كالثمن الصحيح في بيع الكذب، فتكون فيه القيمة إذا فات يوم القبض إلا أن تكون أقل من قيمتها يوم البيع فلا ينقص من ذلك شيئًا، وإن كانت أكثر من الذي باع به فلا يزاد عليه وهو مذهب سنحون (١) . ويمكن أن نلخص جميع أقوال المالكية في أن المدونة تعرضت لنحو اثنين وعشرين نموذجًا من الحالات التي يمكن أن يتم عليها بيع المرابحة، فشددت على مراقبة الربح فيها حتى لا يتم شراء لشيء مجهول، ثم دفع فيه ربح غير عادل، قال خليل في المختصر: جاز مرابحة والأحب خلافه، ولو على مقوم، وهل مطلقًا أو إن كان عند المشتري؟ تأويلان وحسب ربح ماله عين قائمة كصبغ وطرز وخياطة وفتل وكعهد وتطرية، وأصل ما زاد في الثمن كحمولة وشد، وطي أعيد أجرتهما وكراء بيت لسلعة إلى آخر الفصل. لقد تعرض المختصر في هذا الفصل لكل أنواع المرابحة التي رأينا الخلاف في شأنها فبين مواقف المالكية منها. قال شارحه الرهوني لابن المواز عن محمد بن رشد:"يضم إلى رأس المال منها ماله عين قائمة في المتاع، ويكون له قسطه من الربح، ولا يضم إليه ما لا تأثير له في عين المتاع مما يمكن توليه بنفسه لا في رأس المال ولا في ربحه، وما لا يمكن توليه بنفسه، مثل كراء المتاع ونقله من بلد والسمسرة فيما جرت العادة فيه بأن لا يباع إلا بواسطة فيضم ما ألزمه عليه إلى رأس المال ولا يكون له قسط من الربح" (٢) .

стр. 7230

ولا أستطيع فهم هذا الموقف بسهولة لأن التاجر عليه أن يحسب الربح بعد كل الخسارة وأجرة هذه الأشياء هي من تكاليفه التي إذا لم تحسب في الربح تعرض الخسارة. وهذه الحالات طالبوا البائع فيها بالإخبار عند البيع فكالزيادة، فإن أراد أن يبيع مرابحة أخبر بالثمن، ولكن يمكنه أن يخبر أيضًا بالتكاليف، وإذا أخذ الفوائد – أو الربح أو الناتج – لم يلزمه تبين مقدار ما جنى، ولابن المنذر عن أحمد أنه يلزمه تبيين ذلك، وعند ابن قدامة أنه إذا صدق في الأوصاف من غير تغرير جاز عدم التعرض لما سلف في المنافع. ومن المراقبة على أرباح التاجر مواقفهم من التولية، وهي: أن يقول: ولني ما اشتريته بالثمن، فقال: وليتك. صح إذا كان الثمن معلومًا لهما، فإن جهله أحدهما لم يصح. ولو اشترى ثوبين بخمسة دراهم فلا يجوز أن يبيع أحدهما بخمسة بلا بيان. وإذا أخبر أن رأس المال مائة مثلًا، وعلي أنه يبيع المحل برأس المال وربح ١٠ % جاز، وفيه أقوال بالكراهة نجمل أقوال المجموع فيها في الفقرات التالية: متى باع شيئًا برأس مال وربح عشرة ثم علم بتبيينه أو إقراره أن رأس ماله تسعون فالبيع صحيح، لأنه زيادة في "الثمن" فلم يمنع صحة العقد كالعيب، وللمشتري الرجوع على البائع بما زاد في رأس المال، وهو عشرة وحطها من الربح (١) . فإذا رفع المال ليزيد من الربح الذي هو عشرة في المائة، فأمام هذه الحالة أبو حنيفة منح الشاري الخيار بين الأخذ بكل الثمن أو الترك قياسًا على الموقف من المحل المعيب. وعند الشافعي في أحد قولين عنه يخير بين الأخذ بكل الثمن، أو الترك، ونفس الحكم عند أحمد بن حنبل حسب رأي ابن قدامة، وخالفه الخرقي، إذ لم يمنح الشاري الخيار، إذ يرى أن الشاري رضي بالمحل ولزم البيع، وهذا القول يوافق القول الثاني للشافعي، فقد حصل البيع برأس مال وحصة من الربح، فهو موافق للمعاملات الشرعية، وعليه فيلزم، هذا على شرط السلامة، أما مع وجود العيب فيجب التبيين، وعند ظهوره بدون علم، فإن الشاري له أن يمسك بالمحل إذا رغب فيه بنفس الثمن، أو يرده، ومنهم من قال بأن أرش العيب يعتبر هبة من الشاري للبائع إذا علم ولم يطالب بالرد أو أخذ الأرش ومنهم من قال بانتقاض العقد، ومنهم من قال بالرد، وهذه كلها أقوال مشروحة في العيوب، إذ لا يهمنا منها هنا إلا ما يتعلق بثبوت المواقف الفقهية في شأن مراقبة أرباح التاجر، إذ لا بأس بناء على ذلك من استطراد نماذج موجزة جدًا من أقوال المذاهب في الموضوع.

стр. 7231

قال أبو الخطاب من الحنابلة: يحط أرش العيب من الثمن ويخير بالباقى. قال الشافعي يحطه من الثمن ويقول تقول علي بكذا، وعقب النووي أن المبيع إذا جنى فقداه المشتري لم يلحق ذلك بالثمن، ولم يخبره في المرابحة؟ لأن هذا الأرش لم يزد به المبيع قيمة، يتضح من كل ما سبق أن المرابحة تصرف جائز، وأن الخلافات المسجلة في شأنها ليست جوهرية، كما يتضح أن مراقبة أرباح التاجر فيها منصوص عليها بما فيه الكفاية، وأنها تهدف إلى تحقيق الأساسيات العامة، التي تبنى عليها سلامة الربح في الشريعة الإسلامية، وهي: - التوازن بين مجهود التاجر، وضرورة احترام ملكيته الخاصة، وبين مصالح الأمة، بعدم استنزاف طاقاتها المادية بأرباح استغلالية. - سلامة الربح المحصل عليه من بيع المرابحة من العيوب الشرعية التي تعلق بالعقد فتجعله إما باطلًا أو قابلًا للإبطال، أو ساري المفعول، ولكن أحد طرفيه ارتكب إثمًا، وأصبح ما جناه من ربح بواسطته من قبيل أكل أموال الناس بالباطل، أن بيع المرابحة اليوم يزداد أهمية لكونه الصورة الرائجة أكثر من غيرها في المعاملات التجارية المعاصرة. ذلك أن دور الصناعة، والمتاجر الكبيرة، ودور النشر، والمؤسسات المالية بصفة عامة كثيرًا ما تعلن أنها تبيع بضائعها بربح لا يتجاوز مبلغًا معينًا في المائة، غير أن الصور الفقهية التي عالج بها علماء الشريعة المشكل حفاظًا على سلامة الربح من الشوائب، وعلى المشتري تبقى معرفة المؤسسات التجارية اليوم، إذ قليلًا ما نجد مؤسسة تذكر رأس مال بضاعتها بصدق. لعدم تحرز الإنسان اليوم من الكذب في غالب الأحوال من جهة ومن جهة ثانية، لأن المعاملات في الفقه الإسلامي ظلت مرتبطة بالشعور الديني مما جعل الإنسان ينظر من خلالها إلى رقابة الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومن هنا تتضح خطورة بيع المرابحة اليوم ودوره في أرباح التاجر كما يدرك من خلال النصوص الإسلامية التي تعرضت إليه مدى صلاحيتها لتطبق على المؤسسات التي تتناول هذا النوع من البيوعات. علمًا بأن كثيرًا منها يطالب بأرباح تبلغ نسبة معينة بعد تحصيل رأس المال مثل ٣٠ % أو ٤٠ %، فإذا لم تراع أحكام ذلك اتسمت كل تلك البيوع بالغرر.

стр. 7232

٣- التسعير: التعريف: قال في القاموس: السعر بالكسر: الذي يقوم عليه الثمن الجمع أسعار وأسعر وسعر وتسعيرًا اتفقوا على سعر معين. سعر الشيء قدر له سعرًا، والجمع أسعار كما رأينا، أما تعريفة حكمًا فلا يبعد عن هذا، قال النووي في المجموع شرح المهذب، التسعير: هو جعل سعر معلوم ينتهي إليه ثمن الشيء، وأسعرته بالألف لغة، ويقال سعر إذا زادت قيمته وليس له سعر إذا رخص، والجمع أسعار مثل حمل وأحمال (١) . والتسعير من بين الوسائل التي تتأتى عن طريقها مراقبة أرباح التاجر، ولا شك أنه من أهمها في هذا العصر، على أن النصوص الواردة فيه بالخصوص جعلت العلماء ينظرون إلى مسطرة ضربة على السلع بحذر شديد. لأن الحرية التي منح الله للتجار أثناء تبادلهم في بيع المعاوضة، وامتناع النبي ﷺ عن التسعير لأهل المدينة كلها مبادئ أصلية ثابتة، فالله قال في كتابه العزيز: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ... ﴾ الآية. وحديث أنس من القادم يكرس نفس مبادئ حرية التبادل، وعدم التدخل. غير أن تطور الأوضاع واختلاط المسلمين بغيرهم، إضافة إلى ضعف روح الإيمان في النفوس كانت عوامل مؤثرة في أن تجعل نوعًا من الرقابة على السوق، وإلا لشاعت فوضى البيع، وفشى الاستغلال وحصل بعض الناس على أرباح غير عادلة، إما لضخامتها، وإما لعدم جواز العقود التي كانت سببًا فيها. لقد بقي إعطاء الحرية للمتبايعين هو الأصل استنادًا إلى مبدأ الرضائية الذي هو من ابتكارات الشريعة الإسلامية مع أن حالات عدة عرفت في الصدر الأول من دولة الإسلام جعلت الفقهاء يفتون بجواز التسعير في بعض الحالات كما يحرمونه في حالات أخرى، فما هي الحالات التي يجوز فيها التسعير، وما هي تلك التي لا يجوز فيها؟ وما هي المواقف المتباينة لفقهاء المذاهب في التسعير؟

стр. 7233

لا شك أن ضعف الرقابة الدينية على إنسان اليوم من داخل نفسه تجعل طمعه ليس له حد، وفي كثير من الحالات يجره إلى انتهاك تعاليم شريعه الله، الشيء الذي يحتم على العلماء البحث عن قيود تمكن المجتمع الإسلامي من تفادي تلاعب المتلاعبين، سواء تعلق الأمر بحرية التصرف، وما ينتج عنها من ربح يجنيه التجار لقاء مخاطرتهم بأنفسهم أحيانًا، ولقاء مجهودهم الدائم أحيانًا أخرى، وسواء تعلق بالحيلولة بين هؤلاء التجار، وبين استنزاف زبائهم بطريق الاستغلال. لقد أصبح هذا باعثًا على تنظيم حال السوق ومراقبة أرباح التاجر، غير أن تلك المراقبة ليست مبتكرة في أسسها، وأهدافها العامة، وإن كانت بسبب تنوع مستجدات الحياة تتعرف كل يوم على وضع جديد لا تنظم أحواله إلا عن طريق القياس، واستخلاص الأحكام من المبادئ العامة، على أن تبقى الرضائية وعدم الإضرار بالناس مبدآن خالدان، ومن خلال تباين هاتين الوضعيتين الرضائية، وعدم الإضرار بالناس، رأى بعض العلماء أن مبدأ حرية التملك والتصرف في الإسلام لا تسمح بالتدخل، معتمدين على حديث أنس القادم عندما طلبوا من النبي ﷺ أن يسعر لهم. ومنهم من بنى على تدخل عمر في بعض الحالات لتنظيم حال السوق حذرًا من كساد المواد، وفقدها بعدم استجلابها وأيضًا عدم ترك الباب مفتوحًا على مصراعيه للمستغلين فيمتصون شرايين الأمة بأرباح ظالمة وغير منظمة. سنحاول تبيين نماذج من تلك المواقف في الفقرات القادمة، ومنها ندرك أن الشريعة الإسلامية جعلت هدفها هو رعاية المصالح المتبادلة لكل أطراف المعامل، إذ لا يجب أن يترك المستغلون يتلاعبون بأموالهم الناس لفائدة حساباتهم الخاصة، كما يجب عدم التحجير على التجار بترك أية رقابة تمنعهم من الربح وتجعلهم يتركونه، فتشتد حاجة الناس إلى السلع، ولن تجد من يمتهن توريدها إليهم. فعلى فكرة خلق التوازن بين ربح التاجر من جهة وعدم مضرة الناس من جهة ثانية تمحورت أحكام أرباح التاجر في الفقه الإسلامي، كما سنشاهد في الفقرات القادمة بحول الله. - السعر في المدينة، على ساكنها أفضل السلام: غلا السعر في عهد النبي ﷺ ، فقال الناس: يا رسول الله سعر لنا فقال عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: ((إن الله هو القابض والباسط والرازق والمسعر وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال)) .

стр. 7234

قال ابن القيم: "وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فيكون ظلمًا وحرامًا إذا أريد به منع الناس من الربح المباح الذي أحله الله لهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] ، كإرغام على بيع الأشياء المحرمة، أو تعديل صور البيع إلى أوضاع تخالف صورتها الشرعية، فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المألوف، أرباح معتادة تؤخذ بدون غش ولا خديعة، ولا غبن، ولا تغرير، فإن حديث أنس بن مالك السابق نهي عن التدخل في مثل هذه الحالة يقول النبي ﷺ : ((إني لأرجو أن ألقى الله ...)) . أما إذا كان التسعير يرمي إلى العدل بين الناس كتدخل الحاكم لإرغام التجار على إخراج بضاعة اختزنوها برغم شدة حاجة الناس إليها لهدف بيعها بأثمان باهظة أو لتسويقها إلى جهات أخرى لمزيد الربح، فإن التسعير هنا حتى تباع بثمن المثل يكون أقرب إلى عدل الله وإلى سنة نبيه الكريم، الذي سنبين في موضوع آخر أحكامها من الاحتكار فتدخل السلطة الحاكمة لإحقاق الحق، رعيًا لمصالح عامة الناس هو خدمة للعدل وإجراء التسعير أمر واجب (١) . لقد حرمت الشريعة الإسلامية إجراءات الحصر "المونويول" وهو أن تقوم سلطة ما يمنع غير طائفة معينة من بيع مادة بذاتها، أو مواد، وكل من شاركهم في بيعها تعاقبه، فهذا ظلم، وتسعير مخالف لشرع الله وتجب مراقبة الربح الحاصل منه، لأنه ينافي غاية الشريعة في حرية البيع، قال ابن القيم:" ومِنْ ذلك أنْ يلزم بأن لا يبيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا أناس يخصون بذلك فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب. فهذا من البغي في الأرض والفساد، والظلم الذي يحبس به قطر السماء وهؤلاء يجب التسعير عليهم وألا يبيعوا إلا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء، لأنه إذا منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاؤوا أو يشتروا بما شاؤوا، كان ذلك ظلمًا للناس ظلمًا للبائعين الذين يريدون بيع تلك السلع، وظلمًا للمشترين منهم (٢) . وعند المالكية تناول الباجي التسعير من خلال أوجه عدة تستهدف كلها قيام توازن تحميه السلطة الإسلامية بين احترام الإرادة وضمان الربح للتجار من جهة، وبين توفير حاجات الناس بتزويد السوق بما يحتاج إليه من جهة ثانية، وأهم ما يمكن أن تستشهد به من ذلك في موضوعنا هذا ما يلى: المعتبر في ذلك ما عليه جمهور الناس فإذا انفرد عنهم الواحد أو العدد اليسير بحط السعر أمر من حطه باللحاق بهم، وإن زاد واحد، أو عدد قليل لم يؤمر الجمهور باللحاق بهم، والمقصود بهذا هم أهل السوق، أما الجالب فلا يمنع من أن يبيع بأقل من ثمن السوق.

стр. 7235

والذي تطبق عليه هذه الأقوال هو ما يكال أو يوزن، وأما غيرهما فلا يحمل الناس فيه على سعر معين. ومنع مالك من أن يحد لأهل السوق سعر لا يتجاوزونه، وبمنعه قال عمر وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وأرخص فيه سعيد بن المسيب، وربيعة بن عبد الرحمن ويحيي بن سعيد الأنصاري، وروى أشهب عن مالك أن صاحب السوق يمكن أن يسعر للجزارين بأثمان لا تنفرهم من السوق، على أن لا يكون في ذلك إجبار لهم ببيع أموالهم بثمن معين خشية الوقوع فيما تبرأ منه النبي ﷺ في الحديث ((بل إن الله يرفع ويخفض وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة...)) . وإذا تقرر التسعير قال ابن حبيب يجمع الإمام وجوه أهل السوق ثم يتشاور معهم ليتم القرار مستجيبًا لمصالح الكل، وفي هذا المضمار لا يسعر على الجانب وحتى إن رضي فالحبوب التي بها قوت أهل البلد، فإنه يمنع تسعيرها (١) وعندنا في المغرب اليوم تطبق الدولة هذه القاعدة فتشتري الحبوب من عند من يرغب في البيع من الفلاحين بأثمان مرتفعة تشجيعًا لهم على مواصلة حراثتها، وإذا كان المبدأ هو عدم إلزام الإنسان ببيع ماله، فإن استثناءات ترد على هذه القاعدة فتشتري الحبوب من عند من يرغب في البيع من الفلاحين بأثمان مرتفعة تشجيعًا لهم على مواصلة حراثتها، وإذا كان المبدأ هو عدم إلزام الإنسان ببيع ماله، فإن استثناءات ترد على هذا المبدأ منها إضافة إلى إلزام أصحاب الحصر بيع المواد التي انفردوا باستيرادها لأهل البلد، أن يلزم الإنسان ببيع ماله لأداء الحقوق المرتبة عليه، كالنفقة وقضاء الدين، ومثل البناء والغرس في أرض الغير فإن لرب الأرض أخذه بثمن المثل ويرغم الباني أو الغارس على أخذ ذلك الثمن، ومن ذلك الأخذ بالشفعة فإن صاحب الشقص المشفوع فيه يلزم بأخذ نفس الثمن الذي خرج من يده، ومن عليه كفَّارة يعتق رقبة أو إطعام فإنه يجبر على شرائها بثمن المثل ويجبر على ذلك الشاري ولا يسمح له بأن يمتنع من أداء ما أخذ بحجة أنه رأى فيه ربحًا. كما منع كثير من الفقهاء على المحترفين لتعاطي عمل معين يحتاج إليه السكان باستمرار، من أن يشتركوا فيما بينهم لأنهم إذا فعلوا أغلوا عليهم الأجرة، وقال ابن القيم إنه ينبغي لوالي الحسبة أن يمنع مغسلي الموتى، والحمالين كلهم من الاشتراك لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم، وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم كالدلالين وغيرهم بخلاف الصنائع فإن اشتراك أصحابها مباح، لعلة تسهيل العمل عليهم، حتى يزودوا السوق بما يحتاج إليه الناس.

стр. 7236

وكذلك على والي الحسبة أن يمنع المشترين من الاشتراك في شيء لا يشتريه غيرهم لما في ذلك من ظلم البائع، ويمنع أولئك الذين يتواطؤون على شراء سلعة معينة مشتركين ثم يبيعونها فيما بينهم ويقتسمون الربح، لأن إقرارهم على ذلك من الظلم والعدوان الوارد النهي عنه صريحًا؛ يقول الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، [الآية ٢ من سورة المائدة] . قال ابن القيم وهذا أعظم إثمًا من تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، ومن النجش ثم عقد ابن القيم فصلًا لتسعير الأجور وأفتى بأن لولي الأمر أن يلزم أصحاب الحرف بأجل المثل لحاجة الناس إلى عملهم، وتضررها من تواطئهم على رفع الأجور وحسب نظري أنها هي علة منعهم من الاتفاق على ذلك. وكذلك لمن بيده الأمر أن يتدخل لدى أصحاب المصانع ليلزمهم ببيع السلاح للمجاهدين بثمن المثل، فالله أوجب الجهاد بالنفس والمال، يقول ابن القيم: فكيف لا يوجب على أرباب السلاح بذله بقيمته، أي بثمن المثل وعدم استغلال الحاجة. وعلق ابن القيم تعليقًا جيدًا محللًا فيه أسباب عدم التسعير في المدينة أيام النبي ﷺ ، فقال: "وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي ﷺ بالمدينة لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز ولا من يبيع طحينًا ولا خبزًا"، فكانوا يخدمون أنفسهم، وكان من يقدم بالحبوب لا يجد من يتلقاه ويحاول الشراء من عنده ليرفع السعر على أهل البلد، ويشتري من عند البادي بأقل ثمن فيعرض مصالح الطرفين للضرر، ولهذا الحديث: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون"، ولم يكن كذلك في المدينة أصحاب حرف أخرى كأصحاب النسيج، حيث كانت تستورد الثياب من اليمن، والشام وغيرهما، وقد تابع الرافعي ابن القيم على أقواله في التسعير وقد تناول العلماء التسعير من وجهين: ١- إذا كان سعر غالبًا على سوق البلد فأراد إنسان أن ينزل عن ذلك السعر عند مالك يمنع، وحجة مالك الحديث الذي رواه في الموطأ ونصه: (عن يونس بن سيف، عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبًا له بالسوق فقال له عمر: "إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا") .

стр. 7237

ولمالك أن الإنسان إذا خالف السعر الغالب في السوق وحط منه لم يجز ترك ذلك، وذكر قولة عمر بن عبد العزيز المستند على الحديث السابق فإنما السعر بيد الله. ٢- قال ابن رشد في البيان والتحصيل، أما الجلابون فلا خلاف أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوا، وإنما حمل الشاذ منهم على أن يبيع بمثل أهل السوق أو يرتحل عنهم تطبيقًا لقول عمر السابق (١) . وتمسك مالك بنظرية عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله فعندهم أن الجلابين إذا باعوا لأهل السوق بأكثر من الربح المعتاد، فإنهم يمنعون من ذلك وقيل أيضًا إذا اشتري من عندهم أصحاب الدكاكين بالجملة ثم أرادوا البيع بالتقسيط بأثمان مرتفعة، قيل أنهم كالجلابون فلا يتركون على اختيارهم إذا أغلوا على الناس، ولم يقتنعوا بأرباح معقولة، وعلى صاحب السوق أن يطلع على ما كلفتهم تلك البضائع ثم يجعل لهم ربحًا لائقًا، وينهاهم عن الزيادة عليه، ويستمر في تفقد السوق لمنعهم من الزيادة على الربح المعتاد، وينزل العقاب بمن خالف، وهذا القول الأخير منسوب أيضًا من طريق أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب، وقال به ابن المسيب، ويحيى بن سعيد والليث وربيعة (٢) ولا يجوز عند أحد من العلماء أن يقال للتجار لا تبيعوا إلا بكذا بما هو أقل من الثمن، وإذا ضرب لهم الربح، فلا يجوز لهم أن يصعدوا الثمن عنه استنزافًا لأموال الناس بغير حق، قال ابن رشد هذا عند مالك، أما عند الشافعي فيستند إلى قصة عمر مع حاطب بن بلتعة حيث لقيه يحمل عدلين من الزبيب ثم قال بكم تبيع؟ قال حاطب مدين لكل درهم، فقال عمر قد قدمت عير من الطائف وهم يغترون بسعرك فإما أن تبيع بسعر أرفع، وإما أن تدخل السوق ثم تبيع كيف شئت، إلا أن عمر قدم على حاطب بعد قليل وقال له: إنما قلت لك آنفًا ليس عزمة، ولكن نصيحة فبع كيف شئت وأين شئت فإنما أردت الخير لأهل البلد. قال الشافعي: "وهذا الحديث ليس بخلاف لما رواه مالك ولكنه روي بعض الحديث أو رواه عنه من رواه فأتي بأول الحديث، وترك آخره، وبآخره أخذنا، قال الشافعي: لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب خاطر، إلا في الحالات التي تلزمهم وهذا ليس منها" (٣) .

стр. 7238

وقال الباجي بأن السعر الذي يلزم البائع باللحاق به هو السعر الذي عليه جمهور الناس، فإذا انفرد منهم الواحد أو العدد اليسير بحط السعر لم يؤمروا باللحاق بسعرهم، لأن الذي يجب أن تراعى أحواله هو الجمهور (١) . وقال القصار من المالكية بأن البغداديين فهموا من قول مالك عدم السماح بمخالفة أسعار الجمهور سواء بالنقص أو بالزيادة. وعند الحنفية قال محمد بن الحسن: يمكن للجالب أن يبيع بسعر أرخص من سعر السوق. ولهم خلافات أخرى في مسألة أن يحد لأهل السوق حدًّا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب، فهذا منع منه الجمهور حتى مالك نفسه، ولأشهب أن صاحب السوق يباح له أن يسعر للجزارين أنواع اللحوم وإن خالفوا تسعيره أخرجوا من السوق، على ألا يكون ذلك شأنه أن يحملهم على مغادرة السوق، وعلة هذا هو عدم السماح للتجار برفع الأسعار على الناس رفعًا غير مناسب لأرباح عادلة، وبأثمان مناسبة. قال أبو الوليد الباجي ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم ولا يكون فيه إجحاف بالناس، وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس (٢) . قال ابن تيمية: "وأما إذا امتنع التجار من بيع ما عندهم مما يحتاج الناس إليه فإنهم يؤمرون بالواجب ويعاقبون على الامتناع، وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع" (٣) . وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ : منع من الزيادة على ثمن المثل، فأصبح هذا قاعدة على أن من وجبت عليه المعاوضة ألزم بإعطاء ثمن المثل، فتدخل الدولة هنا لمنع العارض من استغلال الحاجة والحصول على ربح فاحش هو الموافق لروح الشريعة، وغايتها، وتذهب النصوص الإسلامية إلى أبعد من ذلك فنجعل بيع ما بيد التاجر واجبًا، وأن لا يعطي له غير ثمن مثل، من ذلك الأدوات التي يحتاج إليها الحاج فيجب أن تفوت له بثمن المثل، وكذلك بيع السلاح للمجاهدين ناهيك عن بيع أقوات الناس فإن تفاحش الثمن فيها من الضرر الذي يجب إزالته.

стр. 7239

وعزى الرافعي لابن القيم الجوزية موقفًا رائعًا يتناسب وما ينبغي أن تقوم به المصالح الإسلامية اليوم لفائدة المسلمين، ذلك أنه أوجب على مالك الدار التي اضطر ناس إلى السكنى فيها، وهم لا يجدون سواها، أو النزول في خان مملوك، أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك، أوجب على صاحبه أن يبذله بلا نزاع، والخلاف الحاصل هل يحل له أن يأخذ ثمنه أم لا؟ إلا أنهم أجمعوا أيضًا على أنه إذا أخذ ذلك الثمن فلا يمكن أن يعطى أكثر من ثمن المثل، وأفتى كثيرون بوجوب بذل ذلك مجانًا استنادًا إلى قول الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ، [الآيات ٤-٧ من سورة الماعون] . قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة هو إعارة القدر والفأس والدلو وغيرها من الأدوات الضرورية. إلى أن قال ابن القيم: (وحاجة الناس إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع ولأن كل الناس يحتاجون إليها، فلو مكن من هي بيده من الاختيار في الثمن لرفع ثمنها إلى درجة المضرة الفادحة بهم) . وأبعد العلماء عن التدخل في بيع المعاوضة هو الشافعي، ومع ذلك فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يبذله له بثمن المثل فإذا رفع للقاضي أمر المحتكر بيع ما زاد على قوته وقوت أهله بثمن المثل، فإن أبى حبسه (١) ، فإن أصر تجار المواد الغذائية على مواصلة البيع بما فوق الثمن المعتاد جاز للقاضي أن يستشير أهل البلد ثم يسعر مراعيًا المصالح العامة في تصرفاته. وعن خلافهم حول بيع ما بيد المحتكر: فإن أبا حنيفة يلحقه بالمحجور عليهم بسبب الدين ثم يبيع عليه البضائع التي دعت الحاجة إليها، وقال أصحاب أبو حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر إلا إذا تعلق به – أي السعر – حق العامة. ولمالك وأحمد أن كل مسترسل بمنزلة الجالب الجاهل لحال السوق إذ يجب على الحاضر أن لا يبيع من هؤلاء.

стр. 7240

وقال: إن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سعر عليهم تسعير عدل، وورد عن مالك أنه لا يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب ترد عليه، وللشافعية جواز التسعير (١) . إذا دعت إليه الضرورة، ولبى حاجة الجماعة، وسيبقى في طليعة البحوث الجيدة التي تكلمت عن التسعير بصفته إحدى وسائل تحديد أرباح التاجر ما كتبه العلامة ابن القيم الجوزية في كتابه: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، وقد سبقت إشارات إليه، ولأهميته فسنحاول تلخيص بعض أحكامه فيما يلي: ١- من التسعير ما هو ظلم أو حرام وذلك إذا اتبع لإكراه الناس على بيع أموالهم بثمن لا يرضيهم، أو منعهم مما أباح الله لهم. ٢- ويكون جائزًا إذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم من الزيادة على عوض المثل فيكون هنا جائزًا بل واجبًا. وأساس حكم الأول هو حديث أنس عن غلاء السعر بالمدينة وعرض طلب السعر على النبي ﷺ وامتناعه عن التسعير خشية المضرة بأحد، لقد روينا الحديث في مكان آخر من هذه النقطة. ومن ظلم التسعير تأجير محل تجاري على واجهة الطريق، أو في القرية على ألا يبيع أحد غيره تلك البضائع التي تباع به، فهذا ظلم وإضرار بالناس، ومثل ذلك حصر نوع من الأطعمة والسلع على ناس معينين ومنحهم امتياز بيعها، فهذا إجراء جائز، وظلم تبع، من أن هؤلاء يجب التسعير عليهم، وإلزامهم البيع بثمن المثل ففي هذه الحالة التسعير واجب بلا نزاع. وخشية استغلال الحاجة وطلب أثمان غير لائقة، منع أبو حنيفة وأصحابه: القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة من أن يكونوا شركة بينهم لأنهم إذا فعلوا أغلوا على الناس وقت الحاجة إليهم، ولوالي الحسبة أن يراقب كل أصحاب حرفة حتى لا يكونوا شركة هدفها رفع الأسعار على الناس عند الحاجة إلى شيء من الأشياء التي ينتجونها أو يتعاطونها، خصوصًا مما تدعو الحاجة إليه باستمرار.

стр. 7241

بخلاف الصنائع فإن الشركة فيها محمودة من أجل توفير حاجات توفير حاجات الناس وخفض الأثمنة وضمان تزويد السوق بما يطلبه الجمهور، فكل من ينتج شيئًا، أو يحس حرفة إنجاز ذلك واجبًا عليه، إذا احتاج الناس إلى عمله، وعليه أن يفوته لهم بثمن المثل ولا يستغل حاجتهم، فيطلب ربحًا خياليًا، ولا يستغلون ضعفه، ويفرضون عليه البيع بثمن أقل من ثمن المثل حسب تقلب أحوال السوق. وأثناء تحليل أحوال السوق، وأنواع سبل حكم التسعير تعرض ابن القيم لقضية رسول الله ﷺ مع ابن اللتبية المشهورة، وملخصها، أن النبي ﷺ كلف ابن اللتبية بجمع صدقات بني سليم، فلما قدم حاسبه النبي ﷺ فأخذ الرجل يقول: هذا مالكم، وهذا هدية أهديت لي، فقال النبي ﷺ وخطب في الناس وقال: ((إني لأستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي)) إلى آخر الحديث الذي رواه الشيخان، والموضوع الذي من أجله سيق هنا هو التذكير بأن لولي الأمر نزع أي ملك استحوذ عليه الإنسان من طريق غير مشروع سواء بعوض أو بغير عوض، وأحرى إذا كان ربحًا أتاه من قبل نفوذه أثناء قيامه بالولاية لبعض أمور المسلمين. ومن خلال الحديث عن أمور التسعير تعرض ابن القيم الجوزية لمراقبة الربح عن طريق المزارعة فقال: ومنهم من احتج ((بأن النبي ﷺ : نهى عن المخابرة)) ، ولكن الذي نهى عنه النبي ﷺ هو الظلم، فإنهم كانوا يشترطون ما على المذيانات وإقبال الجداول وشيئًا من التبن يختص به صاحب الأرض ويقتسمون الباقي. وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع فإن المعاملة مبناها العدل من الجانبين وهذه المعاملة من جنس المشاركة لا من باب المعاوضة، وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ ، لأن المشاركة العادلة هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع، فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلمًا، وإن صدق التاجر رزقه الله من حيث لا يحتسب، فقد دعا النبي ﷺ للتاجر الصدوق بنزول البركة، وما قصة عروة بن أبي الجعد إلا تكريس لنظرة الإسلام المشجعة للتجارة الصادقة، ففي الموطأ عن عروة بن أبي الجعد، قال عرض للنبي ﷺ ، جلب فأعطانى دينارًا فقال: ((أي عروة إيت الجلب فاشتري لنا شاة)) فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت منه شاتين بدينار فجئت أسوقهما - أو قال: أقودهما - فلقينى رجل فساومنى فبعت شاة بدينار، فجئت بالدينار وجئت بالشاة فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم وهذه شاتكم، وقال: ((وصنعت كيف؟)) فحدثته الحديث فقال: ((اللهم بارك له في صفقة يمينه)) ، فلقد رأيتنى أقف بكناسة الكوفة، فأربح أربعين ألفًا قبل أن أصل إلى أهلي، وكان يشتري الجواري ويبيع ويهم هذا البحث أن نبين أن كل ربح نتج عن إذعان أو اشتراط شرط ظالم مهما كان مصدره الشركة ... أو بيع البراءة، أو النجش أو الغش، أو التدليس، أو الغبن، أو بيع المحرمات، فإن الفقه الإسلامي لا يقره كربح، ولا نرى أن في ذكرنا لهذه الأشياء مرة ثانية هنا تكرار مشينًا لأنها تتعلق دائمًا بالثمن الذي هو محل التسعير.

стр. 7242

وعلى ما تقدم فإن على دولة الإسلام التدخل الفعلي حسب نظرنا لتضرب السعر المناسب على الضروريات التي بدون شك أنها أصبحت كثيرة ومتنوعة، ويساهم تعدد مصادر إنتاجها وعدم معرفتها عند الجميع في رفع الأثمان على الناس، ولذا فحسب نظري تكون مراقبتها اليوم أقرب إلى روح ما يهدف إليه الفقه الإسلامي. وقد حرم التملك بوساطة التلاعب بالأسعار، والأصل فيه حديث معقل بن يسار قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًّا على الله ﵎ أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة)) ، رواه أحمد والطبراني. ويدخل في الربح غير المشروع استيلاء جهة واحدة على سلعة معينة، والاستبداد ببيعها بحسب الثمن الذي يضمن لها أرباحًا خيالية سواء كانت تلك الجهة شخصًا طبيعيًّا أو اعتباريًّا. ومن مراقبة الريح عدم ترك الأشياء الكبرى ذات النفع العام يتصرف فيها غير الدولة كالبترول، والفوسفات، وما يطلق عليه الركاز بصفة عامة. والأصل في هذا اجتهاد عمر ﵁ حين قدم اثنان على أبي بكر، وقالا بأنهما كان يستغلان سبخة على عهد النبي ﷺ فكتب لهما خليفة رسول الله ﷺ ملكيتها، وكتب في الصك إشهاد عمر على ذلك، فذهب الرجلان بالصك إلى عمر فلما رأه مزقه، ومنع من تنفيذ هذا التمليك بحجة أن تلك السبخة من المال العام، الذي يجب أن تبقى ملكيته للدولة، ثم أخذ سيدنا أبو بكر الصديق بهذا الاجتهاد لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين.

стр. 7243

وقد ذهب المالكية: إلى أن ما يستخرج من الأرض إذا كان له نفع عام كبير فهو ملك للدولة، وذهب الحنابلة إلى أن ما يستخرج من باطن الأرض فيه الزكاة، إذا كان مستخرجه ممن تلزمهم الزكاة وذهب الحنفية إلى أن في الركاز الخمس قياسًا على الغنيمة، ولا يعتبر البترول داخلًا في تعريف الركاز (١) . يبدو من هذا أن الفقه الإسلامي وقف مواقف متطورة جدًّا من تنظيم الملكية العامة والخاصة قبل أن تتعرض إليها النظم الأخرى شرقية كانت أو غربية، وبهذا نرى أن التسعير من أهم الوسائل التي طبقها الفقه الإسلامي لتنظيم ربح التاجر المسلم، أو الذي يبيع في دار الإسلام. ٤- سلامة الربح من العيوب الشرعية: يتميز الفقه الإسلامي أصولًا وفروعًا بسن كثير من القواعد التي يمكن أن يراقب عن طريقها ربح التاجر حتى يسلم من كل شائبة عملية، أو شرعية ليصل إلى صاحبه، وليست عليه فيه تبعة، أمام الله والناس. فهناك رقابة اجتماعية تصاحب التاجر وهذه تشكل قاسمًا مشتركًا بين أبناء البشرية كلهم، إذ تراهم ناقمين على البائع الغشاش والكذاب والمدلس، والمتعاطي لجميع صنوف الخديعة، وإن مرد هذا إضافة إلى سجايا الإنسان هو أن الكتب السماوية استمرت في تحريم مثل هذه الرذائل، جاعلة منها جرائم يعاقب الله عليها الإنسان في آخرته. ثم أتت القوانين الوضعية فحرمت هي بدورها القدر الفادح من تلك العيوب، وللاهتمام البالغ الذي خصها به الفقه الإسلامي فإننا سنقدم نماذج من أحكامه تجاهها فيما يلى: بيع النجش: بيع النجش وصورته أن يأتي شخص من غير المتبايعين، قبل إنهاء البيع يساوم بثمن أكثر من أجل أن يحمل الشاري على الزيادة في الثمن الحقيقي، ولم تكن نيته الحقيقية أن يشتري. والدليل على حرمته الحديث الشريف، فقد ثبت أن النبي ﷺ نهى عن التناجش، وذلك من حديث عمر وهو:" لا يَبِعْ أحدكم على بيع أخيه"، حتى يبتاع أو يذر وهي رواية البخاري. وروى أحمد عن ابن عمر: ((لا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبته إلا أن يأذن له)) ، قال النووي ﵀ في المهذب ما نصه: "ويحرم أن يدخل على سوم أخيه وهو أن يجيء إلى رجل أنعم لغيره في سلعة بثمن فيزيده ليبيع منه أو يجيء إلى المشتري فيعرض عليه مثل السلعة، بدون ثمنها أو أجود منها بذلك الثمن، لما روي أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يخطب الرجل على خطبة أخيه)) الحديث لأن في ذلك إفسادًا وإنجاشًا. فلم يحل" (٢) .

стр. 7244

إن بيع النجش متفق عليه على إثم صاحبه الذي قام به، والخلاف الحاصل يعني بالخيار أو عدمه ومن أوجه خلافاتهم: فأهل الظاهر قالوا: فاسد، وقال مالك: هو كالعيب، والمشتري بالخيار، إن شاء أن يرد رد، وإن شاء أن يمسك أمسك، وقال الشافعي، وأبو حنيفة، إن وقع إثم وجاز البيع. وسبب اختلافهم يرجع إلى خلافهم حول الحكم الذي يترتب على النهي فهل يتضمن فساد المنهي عنه؟ والجمهور على أن النهي إذا ورد لمعنى في المنهي أنه يتضمن الفساد مثل النهي عن الربا والغرر، وإذا ورد الأمر من خارج لم يتضمن الفساد (١) . وهذا هو المرتكز الذي اعتمد عليه، الذين قالو بسريان البيع في هذه الحالة سواء أعطي الخيار في الرد، أو لم يعط. وللباجي في شرحه المنتقي أنواع المبيعات التي نُهي عنها خشية حصول ربح بطريق غير مشروعه فعن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ : ((لا يبيع بعضكم على بيع بعض)) وقال مالك أيضًا، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تلقوا الركبان للبيع ولا يبيع بعضكم على بيع بعض ولا تناجشوا ولا يبيع حاضر لباد)) . والمقصود هو عدم جواز التدخل بين المتابعين ليفسد على أحدهما صفقته من الآخر ليشتريها هو لنفسه بغية الحصول على ربح يستغل فيه الجهل أو الخديعة. وعن تلقي الركبان الغاية منه التلقي لمن يجلب السلع إلى الحضر، ومن فعل ينهى فإن تمادى أدب. والبوادي المنهي عن البيع لهم في القول الراجح عند مالك هو أهل العمود لئلا يرخص ما بأيديهم خصوصًا وإنهم لا يعرفون بكم طلع عليهم نتاج ما تحت أيديهم فمنع الحضري من البيع للبدوي قبل أن يدخل السوق متفق عليه.

стр. 7245

الخلابة: وقد ((نهى رسول الله ﷺ عن الخلابة)) وهي الخديعة ككتم العيوب، أو قوله إنها تساوي أكثر من قيمتها، وأعطي فيها أكثر مما أعطي، وقد روى حكيم بن حزام، عن النبي ﷺ ، قال: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)) ، ولذلك نهى رسول الله ﷺ عن النجش لأنه من باب الخديعة في البيع وإظهار الناجش للمبتاع أن البضاعة تساوي أكثر مما اشتراها به. هذا وقد حذرت الشريعة أثناء وضع الإطار العام لترويج التجارة للتاجر من محاولة ربح عن طريق نوع آخر من الغش، وهو عدم وفاء المكيال والميزان، فعن مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول إذا جئت أرضًا يوفون المكيال والميزان فأطل المقام عندهم، وإذا جئت أرضًا ينقصون المكيال الميزان فأقلل المقام عندهم بها. وقد نهى عن بيع المجازفة مما يعد عدًّا، وأجاز أبو الوليد بيع الجزاف فيما يكال، والذي يحتاط منه مالك حسبما تشير إليه أمهات كتب المذهب هو عدم قيام توازن بين ربح التاجر وبين ضرورة تزويد السوق بما يحتاج إليه المسلمون، والكل ينبغي أن تراعى فيه أحكام الله في سلامة المبيع من العيوب، وعدم استعمال وسائل احتيالية. ويمنع جميع فقهاء المذاهب الإسلامية استغلال الجهل، أو عدم معرفة حال السوق، أو الحاجة الماسة، أو الكتمان، أو استعمال وسائل احتيالية تدفع الشاري إلى إنهاء صفقة ما كان ليقدم عليها لو علم بحقيقة الأمور. ومع ذلك فإنهما متفقون على وجوب احترام إرادة المتبايعين، لأن احترامهما هو الكفيل بأن يمحص كل واحد من أفراد العلاقة، ماله وما عليه بطريقة تفرض توازنًا يكفل للتاجر ربحًا يشجعه على تزويد السوق بما يحتاج إليه، فلا تفرض رقابة عمياء تبتز أموال الناس، وتحول بينهم وبين الغفلة التي ورد النص على أن الله يرزق بعضهم من بعض من خلالها، لكن لا يكون ذلك بطمع جشع يستنزف طاقة الشاري، ويدر ربحًا على التاجر، يمكن أن يقال عنه بأنه ربح استغلالي، ولا بد من سلامة الربح – حتى يسلم به الفقه الإسلامي للتاجر – من تلقي الركبان، والغش والتدليس، وبيع البادي للحاضر، والأنواع المنهي عنها في بيع المرابحة، وقد تقدمت إشارات إليها، كما سبقت عدة إشارات إلى هذه العيوب ويحرم أن يبيع الإنسان على بيع أخيه ومثاله أن يجيء شخص إلى آخر في مدة الخيار فيقول له افسخ العقد وأنا أبيعك أجود منه بهذا الثمن، أو مثله بأقل من هذا الثمن، فإن قبل وفسخ البيع الأول وباع له صح البيع الأخير، وأتم البائع والمشترى الأخير.

стр. 7246

ومستند النهي عن هذا النوع من البيع الحديث الشريف: ((لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له)) ، متفق عليه ورواه أحمد، عن ابن عمر وعند الشيخين عن أبي هريرة في البخاري، عن عقبة بن عامر عن مسلم. ويحرم أن يدخل على سوم أخية، وهو أن يجد اثنين اتفقا على بيع سلعة معينة بثمن، ثم يزيد في ثمنها ليفسد على الأول شراءه (١) . وعند بعض الشافعية على أن البيع والسوم على السوم لا يحرم إلا إذا لحق البائع غبنًا، أما إذا لم يحصل الغبن فلا يحرم البيع على البيع أو السوم على السوم (٢) . وللشوكاني رأي في هذا الشأن إذ يقسم الأحاديث الواردة في السوم على السوم أو البيع، على البيع إلى: أحاديث نصيحة وهي أعم مطلقًا من الأحاديث القاضية بتحريم أنواع من البيع فيبنى العام على الخاص. وهذا غير مسلم في نظري، لأن النهي تلو النهي تقوية لضرورة تجنب الفعل المنهي عنه. وقد استندت جماعة على جواز السوم على السوم بحديث أنس، الذي رواه أحمد والترمذي، وحسنه وقال لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي عنه، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي، وأعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي، ونقل عن البخاري أنه قال لم يصح حديثه، ولفظ الحديث عن أبي داوود وأحمد، أن النبي ﷺ نادى على قدح وحلس لبعض أصحابه فقال رجل هما عليَّ بدرهم، ثم قال آخر: هما عليَّ بدرهمين ... إلخ. ولعلهم هنا لم ينتبهوا إلى أن الرسول ﷺ لم يقبل بالإيجاب الذي وجهه الأول وقبل بالزيادة التي أعطاها الآخر والمسألة مشهورة لأنها أصل من أصول تحريم المسألة. ولم يرَ البخاري بأسًا في بيع المغانم بالمزايدة، وسوى ابن العربي بين البيع بالمزايدة في شتى الأصناف ولذا لا يضر كره التخطي لعمل ثبت عن رسول الله ﷺ لأنه بنى كراهته للمسألة على قضية عين، وهي بيع المدبر، ولا نرى أن يقاس عليها غيرهما من المبايعات الأخرى.

стр. 7247

تلقي الركبان: ولجهل أهل البادية بالسوق، ولئلا يستغل جهلهم المرابون، ثم يشترون من عندهم فيرفعون السعر على السوق، أو يحسبونهم على البيع بالتقسيط بسعر مرتفع فقد نهى الحديث عن ذلك، وهذا مجمل قول الفقهاء في الموضوع، فأصل المسألة هو حديث ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض)) ، رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه الترمذي بلفظ لا يبيع حاضر لباد. وقد رواه أحمد بسند آخر، عن أبي زيد، عن أبيه بلفظ آخر، هو: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل فلينصح له. لم ير الشافعي في الأم أن الحديثين يقتضيان المنع، وقالت الحنفية بأن المنع هنا يختص بزمن الغلاء، وقال ابن حجر في فتح الباري أن المنع انيط بالبادي، لظنة جهله بحال السوق، وإمكانية غبنه. وقال مالك: لا يلحق أهل القرى المترددون على السوق بالباد، لأنهم يعرفون أحوال السوق. والجمهور على منع المسألة إذا كان المبيع مما تدعو الحاجة إليه. ولم يعرضه البدوي على الحضري، وهذه التخصيصات هنا كلها استنباطية. ووردت أقوال عن عطاء ومجاهد وأبي حنيفة، أنه يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقًا، وتمسكوا بحديث النصيحة، وقال بعضهم أن حديث بيع الباد للحاضر منسوخ. والشوكاني يعترض على النسخ ويتمسك هنا بحمل العام على الخاص ويدخل المسألة في بيع المسلم للمسلم بدون غش ولا تدليس، ولا غبن ولا ربا، ويؤيد عدم النسخ موقف الشافعي من المسألة لأنه صحيح البيع، ولم ينفِ الإثم، فأي حاضر باع لباد فهو عاص، إذا علم بالحديث، والبيع لازم غير مفسوخ. ويحرم تلقي الركبان ويخبرهم بكساد ما معهم من المتاع لغبنهم فيه، لأن عمر نهى عنه، ولأنه تدليس، وإن فعل ودخلوا البلد وتبين لهم الغبن كان لهم الخيار لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((لا تلقوا الجلب فمن تلقاها واشترى منهم فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق)) ، وهذا الحديث رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر، وهو نهي رسول الله ﷺ عن تلقي الركبان، وبهذا اللفظ رواه الجماعة إلا البخاري. وأورد الشافعي في الأم، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تلقوا السلع، فمن تلقى فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق)) (١) .

стр. 7248

ومن هنا جوز الشافعي البيع وحكم بإثم المتلقي، واعتبر ابن القيم الجوزية تلقي الركبان من المنكرات للنهي الحاصل فيه (١) ، لكون الباد لا يعرض ثمن السلع فيشتري منه الحضري بثمن بخس، كما أنه لا يجوز لأهل السوق أن يبيعوا للقادم من خارج البلد بثمن يغاير ما يبيعون به لأهل البلد، ولوالي الحسبة مراقبة ذلك. قال ابن القيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: " ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك، لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر، فيشتري من المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت له النبي ﷺ الخيار، إذا دخل السوق، ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن". ولابن حجر أن التلقي يكره عند من لا يقول بتحريمه لسببين: الأول: أن يضر بأهل البلد بأن يشتري السلعة بثمن بخس، ثم يبيعها لهم بثمن مرتفع. الثاني: أن يلبس السعر على الواردين (٢) . وحول النهي الوارد في حديث تلقي الركبان اختلف أصحاب المذاهب على الأقوال التالية: الشافعية، والحنابلة عندهم يثبت الخيار بمجرد تلقي الركبان رحمة عندهم بالباد، لئلا يقع في شرك الحاضر لصيانة القادم من الخديعة، وعن ابن المنذر أن مالكًا حمل النهي على مراعاة منفعة أهل السوق لا على نفع رب السلعة، وإلى رأي مالك جنح الكوفيون والأوزاعي، إلا أن ثبوت الخيار لصاحب السلعة لا لأهل البلد دليل على قوة حجة الشافعية في هذه المسألة. وشرط إمام الحرمين في النهي أن يكذب المتلقي على صاحب السلعة حتى يشتري منه بأقل من الثمن المثل (٣) ، وأطلق الشوكاني المسألة على عمومها في النهي.

стр. 7249

يمكن أن نخرج من هذه الأقوال بنتيجة أساسية، وهي أن الفقه الإسلامي أثناء تحديده لمسطرة سلامة الربح من العيوب الشرعية، بين جميع الصور التي إن تم البيع عليها يكون مباحًا، والربح منه من أكثر أنواع الرزق شرفًا لأن المهنة الوحيدة التي تعاطاها نبينا ﵊ وهي التجارة، فيجب أن تبقى لها حرمتها سلامة ما يجني منها من أي عيب يحرمه على صاحبه، أو يكون له نقدًا في عرضه عند الناس. ومن ثم أتت العيوب التي أشرنا إلى بعضها، وتركنا تلك المألوفة، مثل الغبن والتدليس والإكراه، لأنها معلومة، وكتبت فيها مواضيع خاصة بها، من مختلف فقهاء المذاهب، ولأن موضوعنا ليس في عيوب الرضا. الاحتكار: الحكرة: التعريف: قال في القاموس: الحكر الظلم وإساءة المعاشرة، والفعل كضرب، والسمن بالعسل يلعقهما الصبي والقعب الصغير، والشيء القليل وبضمان، وبالتحريك ما احتكر أي احتبس انتظارًا لغلائه، كالحكر كصرد، وفاعله حكر واللجاجة والاستبداد بالشيء، حكر كفرح فهو حكر، والماء المجتمع، والتحكر الاحتكار، والتحصر والمحاكرة الملاحة، والحكرة بالضم اسم من الاحتكار ومخلاف بالطائف. الاحتكار حكمًا: يحرم الاحتكار في الأقوات، وهو أن يشتري البضائع في وقت الغلاء، ويمسكها رغم حاجة الناس إليها حتى يرتفع ثمنها، ومن الحنابلة من قال يكره ولا يحرم، ولا يمكن أن ينظر إلى المحتكر بالسلامة بعد حديث عمر: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، قال النبي ﷺ : ((لا يحتكر إلا خاطئ)) . وعلى هذا الحديث استند أصحاب الكراهة، لأن لفظة الخطأ لا تدل على التحريم علمًا بأن المخطئ هو المذنب والعاصي. وقد روى أحمد والحاكم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ)) . وزادوا في إسناده "أبو معشر"، وهو ضعيف وقد وثقه بعضهم. وفي حديث آخر عن عبد الله بن عمر: ((من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه)) ، رواه أحمد والبزار وابن أبي شيبة. المهم هو أن هذه الأحاديث بعضها يقوي بعضًا فتشكل حجة كافية على عدم جواز الاحتكار.

стр. 7250

ويرى الشافعية أن المحرم، هو احتكار الأقوات خاصة لا غيرها، وذهب الشوكاني إلى أن الاحتكار حرام من غير فرق بين الأقوات وغيرها. ويقصد بالاحتكار المنهي عنه ذلك الذي يشتري البضاعة القليلة في السوق ويمتنع من بيعها حتى يرتفع ثمنها، أما إذا كان اليسر، وجمع بضاعة حتى قلت ثم أخذ يبيعها بثمنها المعتاد أي ثمن المثل فهذا مستحسن ويثاب عليه، كما سيأتي عن ابن مسعود. وللنووي في شرحه لمسلم عند حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا من احتكر فهو خاطئ. قال النووي: الخاطئ بالهمزة هو العاصي الآثم، وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره حتى يرتفع ثمنه. وأخرج ابن ماجه والحاكم عن رسول الله ﷺ ، قال: ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)) . وعن الحاكم من رواية ابن إسحاق، عن النبي ﷺ قال: ((من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله)) ، وإن صح هذا الحديث فيكون أشنع وعد. وقد اختلف العلماء في النوع الذي يعني بالاحتكار، فطائفة ترى على أنه خاص بما يقتات به، ومنهم من عممه على كل ما يقتات به، أو غيره من أنواع المكتسبات التي تدعو الضروريات إليها، وفي المنتقى قال عمر بن الخطاب: لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من إذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء وليمسك كيف شاء الله. قال أبو الوليد قصد أمير المؤمنين من هذا الحكم أن يمنع الناس من الاحتكار في سوق المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، لأن غالب أحوالها غلاء الأسعار وقلة الأقوات. وعرف أبو الوليد في شرحه لكلام عمر في الموطأ الاحتكار، فقال: الاحتكار هو الادخار للبيع وطلب الربح بتقلب الأسواق، فأما الادخار للقوت، فليس من باب الاحتكار. والإجماع على أن صاحب السلعة يمنع من الاحتكار، وفي أيام عدم الشدة والحاجة فروى ابن القاسم عن مالك أنه لا بأس به، لإمكانية حصول الناس على شدة حاجتهم من عند غيره. وروى ابن الماجشون، عن مالك أن احتكار الطعام يمنع منه في كل وقت. وأما غير الطعام فلا يمنع من احتكار إلا في وقت الشدة، وسوى ابن المواز، وابن القاسم بين الطعام وبين الكتان، إذ يمنع من احتكار ما أضر بالنسا.
следующие страницы →