ومستند النهي عن هذا النوع من البيع الحديث الشريف: ((لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له)) ، متفق عليه ورواه أحمد، عن ابن عمر وعند الشيخين عن أبي هريرة في البخاري، عن عقبة بن عامر عن مسلم.
ويحرم أن يدخل على سوم أخية، وهو أن يجد اثنين اتفقا على بيع سلعة معينة بثمن، ثم يزيد في ثمنها ليفسد على الأول شراءه (١) .
وعند بعض الشافعية على أن البيع والسوم على السوم لا يحرم إلا إذا لحق البائع غبنًا، أما إذا لم يحصل الغبن فلا يحرم البيع على البيع أو السوم على السوم (٢) .
وللشوكاني رأي في هذا الشأن إذ يقسم الأحاديث الواردة في السوم على السوم أو البيع، على البيع إلى: أحاديث نصيحة وهي أعم مطلقًا من الأحاديث القاضية بتحريم أنواع من البيع فيبنى العام على الخاص.
وهذا غير مسلم في نظري، لأن النهي تلو النهي تقوية لضرورة تجنب الفعل المنهي عنه. وقد استندت جماعة على جواز السوم على السوم بحديث أنس، الذي رواه أحمد والترمذي، وحسنه وقال لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي عنه، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي، وأعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي، ونقل عن البخاري أنه قال لم يصح حديثه، ولفظ الحديث عن أبي داوود وأحمد، أن النبي ﷺ نادى على قدح وحلس لبعض أصحابه فقال رجل هما عليَّ بدرهم، ثم قال آخر: هما عليَّ بدرهمين ... إلخ.
ولعلهم هنا لم ينتبهوا إلى أن الرسول ﷺ لم يقبل بالإيجاب الذي وجهه الأول وقبل بالزيادة التي أعطاها الآخر والمسألة مشهورة لأنها أصل من أصول تحريم المسألة.
ولم يرَ البخاري بأسًا في بيع المغانم بالمزايدة، وسوى ابن العربي بين البيع بالمزايدة في شتى الأصناف ولذا لا يضر كره التخطي لعمل ثبت عن رسول الله ﷺ لأنه بنى كراهته للمسألة على قضية عين، وهي بيع المدبر، ولا نرى أن يقاس عليها غيرهما من المبايعات الأخرى.
стр. 7247
تلقي الركبان:
ولجهل أهل البادية بالسوق، ولئلا يستغل جهلهم المرابون، ثم يشترون من عندهم فيرفعون السعر على السوق، أو يحسبونهم على البيع بالتقسيط بسعر مرتفع فقد نهى الحديث عن ذلك، وهذا مجمل قول الفقهاء في الموضوع، فأصل المسألة هو حديث ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض)) ، رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه الترمذي بلفظ لا يبيع حاضر لباد.
وقد رواه أحمد بسند آخر، عن أبي زيد، عن أبيه بلفظ آخر، هو: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل فلينصح له.
لم ير الشافعي في الأم أن الحديثين يقتضيان المنع، وقالت الحنفية بأن المنع هنا يختص بزمن الغلاء، وقال ابن حجر في فتح الباري أن المنع انيط بالبادي، لظنة جهله بحال السوق، وإمكانية غبنه.
وقال مالك: لا يلحق أهل القرى المترددون على السوق بالباد، لأنهم يعرفون أحوال السوق.
والجمهور على منع المسألة إذا كان المبيع مما تدعو الحاجة إليه. ولم يعرضه البدوي على الحضري، وهذه التخصيصات هنا كلها استنباطية.
ووردت أقوال عن عطاء ومجاهد وأبي حنيفة، أنه يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقًا، وتمسكوا بحديث النصيحة، وقال بعضهم أن حديث بيع الباد للحاضر منسوخ.
والشوكاني يعترض على النسخ ويتمسك هنا بحمل العام على الخاص ويدخل المسألة في بيع المسلم للمسلم بدون غش ولا تدليس، ولا غبن ولا ربا، ويؤيد عدم النسخ موقف الشافعي من المسألة لأنه صحيح البيع، ولم ينفِ الإثم، فأي حاضر باع لباد فهو عاص، إذا علم بالحديث، والبيع لازم غير مفسوخ.
ويحرم تلقي الركبان ويخبرهم بكساد ما معهم من المتاع لغبنهم فيه، لأن عمر نهى عنه، ولأنه تدليس، وإن فعل ودخلوا البلد وتبين لهم الغبن كان لهم الخيار لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((لا تلقوا الجلب فمن تلقاها واشترى منهم فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق)) ، وهذا الحديث رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر، وهو نهي رسول الله ﷺ عن تلقي الركبان، وبهذا اللفظ رواه الجماعة إلا البخاري.
وأورد الشافعي في الأم، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تلقوا السلع، فمن تلقى فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق)) (١) .
стр. 7248
ومن هنا جوز الشافعي البيع وحكم بإثم المتلقي، واعتبر ابن القيم الجوزية تلقي الركبان من المنكرات للنهي الحاصل فيه (١) ، لكون الباد لا يعرض ثمن السلع فيشتري منه الحضري بثمن بخس، كما أنه لا يجوز لأهل السوق أن يبيعوا للقادم من خارج البلد بثمن يغاير ما يبيعون به لأهل البلد، ولوالي الحسبة مراقبة ذلك.
قال ابن القيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية في السياسة الشرعية: " ومن المنكرات تلقي السلع قبل أن تجيء إلى السوق، فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك، لما فيه من تغرير البائع، فإنه لا يعرف السعر، فيشتري من المشتري بدون القيمة، ولذلك أثبت له النبي ﷺ الخيار، إذا دخل السوق، ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن".
ولابن حجر أن التلقي يكره عند من لا يقول بتحريمه لسببين:
الأول: أن يضر بأهل البلد بأن يشتري السلعة بثمن بخس، ثم يبيعها لهم بثمن مرتفع.
الثاني: أن يلبس السعر على الواردين (٢) .
وحول النهي الوارد في حديث تلقي الركبان اختلف أصحاب المذاهب على الأقوال التالية:
الشافعية، والحنابلة عندهم يثبت الخيار بمجرد تلقي الركبان رحمة عندهم بالباد، لئلا يقع في شرك الحاضر لصيانة القادم من الخديعة، وعن ابن المنذر أن مالكًا حمل النهي على مراعاة منفعة أهل السوق لا على نفع رب السلعة، وإلى رأي مالك جنح الكوفيون والأوزاعي، إلا أن ثبوت الخيار لصاحب السلعة لا لأهل البلد دليل على قوة حجة الشافعية في هذه المسألة.
وشرط إمام الحرمين في النهي أن يكذب المتلقي على صاحب السلعة حتى يشتري منه بأقل من الثمن المثل (٣) ، وأطلق الشوكاني المسألة على عمومها في النهي.
стр. 7249
يمكن أن نخرج من هذه الأقوال بنتيجة أساسية، وهي أن الفقه الإسلامي أثناء تحديده لمسطرة سلامة الربح من العيوب الشرعية، بين جميع الصور التي إن تم البيع عليها يكون مباحًا، والربح منه من أكثر أنواع الرزق شرفًا لأن المهنة الوحيدة التي تعاطاها نبينا ﵊ وهي التجارة، فيجب أن تبقى لها حرمتها سلامة ما يجني منها من أي عيب يحرمه على صاحبه، أو يكون له نقدًا في عرضه عند الناس.
ومن ثم أتت العيوب التي أشرنا إلى بعضها، وتركنا تلك المألوفة، مثل الغبن والتدليس والإكراه، لأنها معلومة، وكتبت فيها مواضيع خاصة بها، من مختلف فقهاء المذاهب، ولأن موضوعنا ليس في عيوب الرضا.
الاحتكار:
الحكرة:
التعريف: قال في القاموس: الحكر الظلم وإساءة المعاشرة، والفعل كضرب، والسمن بالعسل يلعقهما الصبي والقعب الصغير، والشيء القليل وبضمان، وبالتحريك ما احتكر أي احتبس انتظارًا لغلائه، كالحكر كصرد، وفاعله حكر واللجاجة والاستبداد بالشيء، حكر كفرح فهو حكر، والماء المجتمع، والتحكر الاحتكار، والتحصر والمحاكرة الملاحة، والحكرة بالضم اسم من الاحتكار ومخلاف بالطائف.
الاحتكار حكمًا:
يحرم الاحتكار في الأقوات، وهو أن يشتري البضائع في وقت الغلاء، ويمسكها رغم حاجة الناس إليها حتى يرتفع ثمنها، ومن الحنابلة من قال يكره ولا يحرم، ولا يمكن أن ينظر إلى المحتكر بالسلامة بعد حديث عمر: الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، قال النبي ﷺ : ((لا يحتكر إلا خاطئ)) .
وعلى هذا الحديث استند أصحاب الكراهة، لأن لفظة الخطأ لا تدل على التحريم علمًا بأن المخطئ هو المذنب والعاصي.
وقد روى أحمد والحاكم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ)) .
وزادوا في إسناده "أبو معشر"، وهو ضعيف وقد وثقه بعضهم.
وفي حديث آخر عن عبد الله بن عمر: ((من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه)) ، رواه أحمد والبزار وابن أبي شيبة.
المهم هو أن هذه الأحاديث بعضها يقوي بعضًا فتشكل حجة كافية على عدم جواز الاحتكار.
стр. 7250
ويرى الشافعية أن المحرم، هو احتكار الأقوات خاصة لا غيرها، وذهب الشوكاني إلى أن الاحتكار حرام من غير فرق بين الأقوات وغيرها.
ويقصد بالاحتكار المنهي عنه ذلك الذي يشتري البضاعة القليلة في السوق ويمتنع من بيعها حتى يرتفع ثمنها، أما إذا كان اليسر، وجمع بضاعة حتى قلت ثم أخذ يبيعها بثمنها المعتاد أي ثمن المثل فهذا مستحسن ويثاب عليه، كما سيأتي عن ابن مسعود.
وللنووي في شرحه لمسلم عند حديث معمر بن عبد الله مرفوعًا من احتكر فهو خاطئ. قال النووي: الخاطئ بالهمزة هو العاصي الآثم، وهذا الحديث صريح في تحريم الاحتكار في الأقوات خاصة، وهو أن يشتري الطعام وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال بل يدخره حتى يرتفع ثمنه.
وأخرج ابن ماجه والحاكم عن رسول الله ﷺ ، قال: ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)) .
وعن الحاكم من رواية ابن إسحاق، عن النبي ﷺ قال: ((من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله)) ، وإن صح هذا الحديث فيكون أشنع وعد.
وقد اختلف العلماء في النوع الذي يعني بالاحتكار، فطائفة ترى على أنه خاص بما يقتات به، ومنهم من عممه على كل ما يقتات به، أو غيره من أنواع المكتسبات التي تدعو الضروريات إليها، وفي المنتقى قال عمر بن الخطاب: لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من إذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء وليمسك كيف شاء الله.
قال أبو الوليد قصد أمير المؤمنين من هذا الحكم أن يمنع الناس من الاحتكار في سوق المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، لأن غالب أحوالها غلاء الأسعار وقلة الأقوات.
وعرف أبو الوليد في شرحه لكلام عمر في الموطأ الاحتكار، فقال: الاحتكار هو الادخار للبيع وطلب الربح بتقلب الأسواق، فأما الادخار للقوت، فليس من باب الاحتكار.
والإجماع على أن صاحب السلعة يمنع من الاحتكار، وفي أيام عدم الشدة والحاجة فروى ابن القاسم عن مالك أنه لا بأس به، لإمكانية حصول الناس على شدة حاجتهم من عند غيره.
وروى ابن الماجشون، عن مالك أن احتكار الطعام يمنع منه في كل وقت. وأما غير الطعام فلا يمنع من احتكار إلا في وقت الشدة، وسوى ابن المواز، وابن القاسم بين الطعام وبين الكتان، إذ يمنع من احتكار ما أضر بالنسا.
стр. 7251
وقد استثنى من التدخل في الملك لمنع الاحتكار، المزارع الذي يدخل محصوله الزراعي سواء في اليسر أو العسر أو نتاج كسبه فإنهما لا يمنعان.
أما الفئة الثانية، وهي التي تجب مراقبتها لمنعها من الاحتكار، فهم من صار إليهم الطعام بابتياعه من سوق البلد، فإن منع الاحتكار يجوز في حقهم، وفي وقتين: أحدهما أن يبتاعه في وقت الضرورة، ثم يحصل على أكثر من حاجته ويمتنع من البيع للناس حتى يحصل على أرباح أكثر من اللازم.
والثاني أن يشتري وقت اليسر كثيرًا من المواد التي لا يجوز احتكارها، ثم يدخرها حتى تشتد حاجة الناس لها، فلا يبيعها لهم إلا بأثمان عالية، أو لا يبيعها، علمًا بأن من عنده طعام مخزون عليه أن يخرجه للناس في ساعة الشدة، وسيأتي مزيد من بيان حكم ذلك، وتابع أبو الوليد في المنتقى كلامه عن حديث عمر، فقال بأن قولة أمير المؤمنين: فذلك ضيف عمر معناه عدم التدخل في شؤونه في السوق إذ لا يمكن أن يرغمه أحد على البيع أو عدم البيع، أو إرغامه على البيع بأقل من الثمن.
ثم أورد قصة عمر بن الخطاب – ﵁ – مع حاطب ابن أبي بلتعة في بيع الزبيب وهي مذكورة في مكان آخر من هذا البحث.
وقد استخلص كثير من العلماء عدم جواز أي ربح يجنى من الاحتكار تطبيقًا للأحاديث الشريفة التي روينا بعضها في بداية هذه النقطة من هذا البحث.
وأيضًا استندوا على الحديث الذي رواه الموطأ، عن عمر بن الخطاب، وهو الحديث المتقدم " لا يعمد رجال ... " (١) .
قال الباجي قصد منع الاحتكار في المدينة، ونحن نرى استنادًا إلى مواقف عمر أنه يحرم الاحتكار قياسًا على ذلك في كل بلد إسلامي، ولنرجع إلى التفريعات التي استخرجها أبو الوليد من الآثار التي رواها عن الاحتكار إذ قسم دراسته إلى أربعة أبواب هي:
١- بيان معنى الاحتكار.
٢- الوقت الذي يمنع فيه الاحتكار.
٣- ما يمنع من احتكاره.
٤- ما يمنع من الاحتكار.
١- قال في النقطة الأولى بأن الاحتكار هو الادخار للمبيع وطلب الربح بتقلب الأسواق.
стр. 7252
ولا يكون ممنوعًا عنده إلا إذا تم الشراء زمن قلة السلع، وشدة الحاجة إليها، أما إن اشتراها زمن الرخاء وادخرها حتى يرتفع السوق، ويكثر الطلب وباعها فلا شيء عليه، ويتعلق المنع بمن يشتري كما قلنا وقت الغلاء أكثر من قوته فيدخره لطلب الربح الفاحش، فإما أن يبيعه لأهل البلد، أو ينقله إلى مكان آخر ليبيعه أيضًا بربح مرتفع كما سبقت إشارة إلى ذلك.
٢- أما عن الوقت الذي يمنع فيه الادخار فذلك المنع تراعى فيه حالتان:
(أ) حالة الضرورة والضيق ففي هذا الظرف يجب أن يمنع الاحتكار وقال الباجي: إنه لا خلاف في ذلك، ولقد وجدنا جل كتب المذاهب متفقة على هذا الحكم.
(ب) الثانية ورد فيها خلاف داخل المذهب المالكي، فعند ابن القاسم عن مالك أنه لا يمنع في ساعة الرخاء، وروى ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون عن مالك أن احتكار الطعام يمنع في كل وقت، أما غير الطعام فلا يمنع احتكاره إلا فيوقت الضرورة إليه ومن طرف الأغلبية.
٣- والذي يمنع احتكاره فعن ابن القاسم عن مالك: أن الطعام وغيره من الكتان والقطن، وجميع ما يحتاج إليه ذلك سواء فيمنع من احتكاره، ما أضر بالناس، ووجه ذلك أن هذا مما تدعو الحاجة إليه لمصالح الناس، فوجب أن يمنع من إدخال المضرة عليهم باحتكاره كالطعام.
٤- أما الذي يمنع من الاحتكار فهم الناس الذين صارت إليهم المواد التي يريدون احتكارها بالشراء، فأما من اكتسبها كنتاج كسب، أو ثمار زراعة فليس بمحتكر إذا ادخرها.
إلا أن مالكًا أفتى بأنه إذا كانت الحاجة وفي البلد طعام مخزون أمر خازنه بإخراجه، فإن امتنع أخرج عليه، ثم أمر ببيعه بثمنه، فإن لم يعلم ثمنه فبسعره يوم احتكاره (١) .
واتفقت أقوال المجموع على شرح المهذب للنووي، مع ما قاله الباجي، وخصوصًا في الحكم على الشراء وقت الرخاء وادخاره إلى زمن الغلاء، وبيعه بثمن المثل يوم تفويته، قال النووي: "ومن أصحابنا من قال بأن الاحتكار يكره ولا يحرم"، ثم رد بأن تلك الأقوال لا يلتفت إليها لمخالفتها للفظ أحاديث متعددة، دلت كلها على أن الاحتكار حرام.
وقد استدل النووي على جواز شراء السلع أيام الرخاء، وادخارها إلى وقت الشدة بالآثار التالية:
стр. 7253
"روى أبو الزناد قال: قلت: لسعيد بن المسيب بلغني عنك أنك قلت إن رسول الله ﷺ قال: ((لا يحتكر بالمدينة إلا خاطئ)) (١) ، وأنت تحتكر قال: ليس هذا الذي قال رسول الله ﷺ ، إنما قال رسول الله ﷺ أن يأتي الرجل السلعة عند غلائها فيغالي بها، فأما أن يأتي الشيء وقد اتضع فيشتريه فيضعه، فإن احتاج الناس إليه أخرجه، فذلك خير، وأما غير الأقوات فيجوز احتكاره (٢) ، واستدل على أن النهي الوارد في احتكار الطعام، والسكوت عن غيره جعل ادخاره مباحًا وفي شرحه المسمى فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي، أورد حديثًا عن عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس)) (٣) .
واستدل الرافعي أيضًا للنهي عن الاحتكار: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًّا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة" رواه أحمد، الطبراني في المعجم الكبير.
وقد روى أيضًا: "أيما أهل قرية أصبح فيهم أمرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله".
قال الرافعي: هذه الأحاديث كلها لا شك أنها تستنهض الهمم للاستدلال على عدم جواز الاحتكار.
وللشافعية أن المحرم هو احتكار الأقوات خاصة، ووافقتهم الزيدية، وكذلك الإمامية من فرق الشيعة حيث رأى فقهاؤهم أن المحرم من الاحتكار هو احتكار الأطعمة، وأخذ الشوكاني بحرمة الاحتكار بناء على الأحاديث المروية أعلاه.
وفرق العلماء بين الاحتكار والادخار، فالاحتكار خزن السلعة وحبسها عن طلابها حتى يتحكم المختزن في حال السوق فيبيعه بأثمان عالية، وهذا حرام، قال الرافعي بالإجماع، وكل سلعة – أضاف الرافعي – يصيب الناس ضرر من احتكارها تلحق باحتكار الطعام.
أما اشتراء الإنسان لما يمكن أن يحتاج إليه وقت اليسر، وادخاره لوقت الحاجة، أو شراء كثير من السلع وقت الرخاء، وادخارها إلى وقت الشدة وإخراجها للناس وبيعها لهم بأثمان معتادة فهذا محبوب، واستدل لجواز هذا النوع الأخير بما كان يفعله النبي ﷺ : من إعطائه لكل واحدة من زوجاته ﵅ مائة وسق من خيبر للنفقة
стр. 7254
وأرى شخصيًّا أن ما ورد في الآية ٤٧ من سورة يوسف لخير دليل على جواز هذا الإجراء أي إجراء شراء السلع أيام الرخاء، وإخراجها عند الشدة وبيعها بأثمان مناسبة، فقد قال الله : ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ .
فالآية وردت على سبيل الإخبار ولكن لم ترد بصيغة التحذير مما فعله أصحاب العزيز خصوصًا وأن الأمر صادر إليهم من نبي، ولم يرد نسخ لهذا الإجراء.
قال ابن أرسلان في شرح السنن: وقد كان النبي ﷺ يدخر لأهله قوت سنة، واتفقت مواقف الطائفة الإمامية من الشيعة مع أهل السنة والجماعة على تعريف الاحتكار، وجملة الأحكام التي تنطبق على المحتكر، والأحوال التي يجوز لولي الأمر التدخل فيها لجعل حد لاحتكار المحتكر.
فهذا الطوسي شيخ الإمامية ووجههم في عصره قال ما ملخصه:
الاحتكار هو حبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن من البيع، ولا يكون الاحتكار في شيء سوى هذه الأجناس، وإنما يكون الاحتكار إذا كان بالناس حاجة شديدة إلى شيء منها. ولا يوجد في البلد غيره، فأما مع وجود أمثاله فلا بأس أن يحبسه صاحبه ويطلب بذلك الفضل (١) .
وقد أوضح بأنه إذا ضاق بالناس الحال كان على السلطان أن يلزم المحتكرين ببيع ما عندهم، ولكنه لا يلزمهم على البيع بثمن معين، وأيضًا قال بأن غير الأشياء التي ذكرها فلا احتكار فيها.
إن أقوال الإمامية هذه هي نفس الأقوال التي مرت معنا عند فقهاء مذاهب السنة، وحتى الخلاف الحاصل في الأنواع التي يحصل فيها الاحتكار، سبق أن رأيناه عندهم بأسلوب مقارب لهذا، إذن فتحريم الربح عن طريق الاحتكار هو المربح فلا مجال للتردد في أن الربح المحصل عليه من قبل بيع غير مشروع اعتبر غير مشروع، مثل الربح الحاصل عن طريق الغبن، أو التدليس، أو الغش أو التناجش، أو أي نوع من أنواع الخلابة.
وكذلك عن طريق الاحتكار الذي وردت فيه أحاديث عدة منها:
روى ابن عساكر عن رسول الله ﷺ من احتكر على أمتي أربعين يومًا وتصدق به لم يقبل منه ويرى ابن قدامة في المغني أن الاحتكار لا يتم إلا إذا استكمل ثلاثة شروط هي:
стр. 7255
١- أن يكون المحتكر حصل عليه من احتكره بواسطة الشراء، فلا يكون من جلبة ولا من غلة ممتلكاته، واتفق مع المالكية في أن ادخار غلة ملك الإنسان لا يعد احتكارًا.
٢- الثاني أن يكون قوتًا، ما عدا الزيت والعسل والبهائم، فادخارها لا يعد احتكارًا.
٣- أن يضيق على الناس بشرائه... ويستنتج من هذه الأقوال عدم جواز الاحتكار، وضرورة مراقبة أرباح التجار حتى لا يتم جنيها من هذا المورد، ومن تتحكم فيه منهم الروح الدينية فلتكن وازعًا له حتى لا يحرم أمواله بجني ربح من مورد حرام كهذا.
٦- مبررات التدخل في تنظيم أرباح التاجر:
يمكن أن نخرج من كل ما سبق بملاحظات أساسية وهي أن مراقبة أرباح التاجر لها أكثر من أصل في الشريعة الإسلامية، وذلك في كل ربح يجنيه التاجر، سواء نتج عن عقد مساومة، أو عقد مرابحة، إذ من حيث التنظيم وضمان مصلحة الطرفين ضبطت القواعد المنظمة لكل عقد على حدة، فأصبح كل طرف يجد السند الشرعي، والذي يحمي حقوقه من الضياع، والموئل الذي يرجع إليه عند الخلاف فيحميه من الظلم، ويمكنه من جني آثار معاملاته بعيدًا عن الاحتكار، أو الاستغلال أو استنزاف الغير.
فمبررات تدخل السلطة في أرباح التاجر ضيقة، بسبب حديث أنس حول سعر المدينة واستنادًا إلى الآية الكريمة: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
وحديث: (دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض....) .
أمام هذه النصوص التي تسير في المبدأ الرباني الخالد والقائل: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [الآية ٧١ من سورة النحل] .
وقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الآية ٣٢ من سورة الزخرف] .
وجد الحاكم سلطته ضيقة جدًّا، تجاه حرية التبادل التجاري، إذ ليس لأية سلطة مهما كانت تشريعية أو تنظيمية، الحق المطلق في تقرير نزع ملكية الأفراد، أو الجماعة، أو الحد من تصرفاتهم في المعاوضات، دون رضاهم.
غير أن حكمة الشارع من منظور الوسطية التي تدعو إلى الاعتدال في كل شيء، ولم تترك الأمر فوضى، يتحكم فيه التجار في رقاب الناس، باستغلال فرصة الحاجة ليستنزفوا كل إمكانياتهم وبذا أتت تحذيرات الكتاب والسنة واضعة الإطار المنظم لكل المعاملات فلا إفراط، ولا تفريط، ومن خلال ذلك جعلت الرقابة على التاجر ذات وجهين: أحدهما يصاحب ضميره وخلجات فكره، لأنه يتعلق بالإيمان الداخلي، فينبهه أن هناك معاملات محرمة يمكن أن يجني من ورائها ربحًا، إلا أنه إن فعل وسلم من عقاب السلطات الحاكمة، فلن يسلم من عقاب الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
стр. 7256
وقد ينجم هذا عن ارتكاب الغش أو التدليس بصورة تنطلي على زبونه، فينفذ العقد، ويحصل الربح، لكن الغشاش أو المدلس، أو المرتكب لعيب من صنوف الخلابة، سينال عذاب الآخرة.
كما يمكن أن يقال إنه خارج عن أمة محمد ﷺ بحكم الحديث الشريف: ((من غشنا فليس منا)) وقصة الحديث معروفة، وهي شاهد على ضرورة مراقبة أرباح التاجر أثناء تحصيله لها.
فقد وقف النبي الكريم ﷺ على رجل يبيع طعامًا في المدينة فأدخل فيه يده فوجد بداخله بللًا فقال الحديث: ((من غشنا فليس منا)) ، ومن المعلوم أن هذه الصفات أي الغش والكذب والخيانة والغبن وما مثلها من وسائل الخداع تعتبر من الباطل الذي قال الله فيه:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
ومن خلال هذه النصوص وما مثلها مما أشرنا إليه في النقط المكونة لهذا البحث، وبالخصوص اجتهاد عمر بن الخطاب: "لا يعمد رجال بأيديهم فضل" الحديث المتقدم، وأصرح من ذلك قول النبي ﷺ : ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)) ، وفي رواية: خاطئ ((ومن دخل في شيء من أسعار المسلمين ليلغيه عليهم)) الحديث، كل هذه الآثار تمكن من القول بأن على حكام المسلمين اليوم واجب التدخل لتنظيم السوق وتحديد أرباح التجار، وتكريسها لخدمة الأمة أولًا ولضمان مصالح التجار غير المستغلين ثانيًا.
ومما يبرر ضرورة هذا التدخل هو كون السوق لم تبق إسلامية محضه، فسيطرة غير المسلمين على كثير من وسائل الإنتاج في الدول الإسلامية، واختلاط الباعة من مختلف الجنسيات والعقائد نرى أنه كافٍ لتبرير وجوب تدخل السلطات في كل بلد إسلامي لضبط حالة السوق، وتنظيم أرباح التجار، والحرص على سلامتها من الشوائب.
وهل هناك تبرير أكثر من تفشي ظاهرة تعاطي الربا في جل المجتمعات الإسلامية، حتى أن كثيرًا من شباب الأمة الإسلامية يوشك أن يأتي اليوم الذي يصبح جاهلًا لما يعرف بالربا، لشيوع تعاطيه داخل الأقطار الإسلامية.
وأيضًا بعض من صور البيوعات المنهي عنها هي أيضًا تكاد تكون مجهولة كذلك.
стр. 7257
الخاتمة:
إن أهم ما يمكن أن تهتم به المؤسسات الإسلامية في نظرنا انطلاقًا من توصيات المجمع الفقهي، لهو القيام بمجهود علمي وتنظيمي لسن قانون تجاري إسلامي موحد، إذ من خلاله يستطيع المسلم معرفة سبل التعامل مع المؤسسات المصرفية سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه، وما هي المعاملات الربوية التي من تعاطاها، قد أذن بحرب من الله ورسوله؟ وما هي الصبغ التي وجد لها العلماء طرقًا أدخلتها في دائرة المباح؟ لأن المسألة ليست حديثة على الساحة الإسلامية، وقد كان الرعيل الأول من المسلمين حائرًا في جواز أو عدم جواز بعض المعاملات مما حدا بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى قولته المشهورة ثلاثًا: وودت أن رسول الله ﷺ لم يمت حتى يبين لنا الحكم فيها، الجد والكلالة وأبواب من الربا، هذا معنى كلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وإذا كان هو لم يتضح له الحكم الراجح فيها فما بالك بأبناء اليوم ومدرستهم ليست إسلامية إلى حد تعريف الأجيال بكل دراسات الحرام والحلال، وشارعهم ليس إسلاميًّا إلى حيث لا يبيع فيه غير المسلمين، بل إن الاختلاط في المدرسة والشارع، وحتى البيوت والمصانع والمتاجر، وعدم تحكم الروح الإسلامية في كثير من النفوس تحتم سن قواعد تنظيمية وزجرية تستبعد تعامل المسلمين مع كل بيع وشراء لا يرضي الله.
أما من يدعي أن حياة اليوم والاختلاط بالعالم، والمصالح المتبادلة أصبحت تفرض نوعًا من التعامل في ظل تجاهل أحكام الشريعة، إذ من يقول بذلك أو يقبله لهو مخرب لبناء هذه الأمة التي لم يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، ولا يستطيع أي مكابر يقول بأن المسلمين حسب لهم أي حساب، أو طلعت شمس عظمتهم أو تحكمت دولتهم في أهم مصادر اقتصاد العالم، وأصبحت لا تغرب شمسها، ما عدا في الفترة التي تحكمت فيهم شريعة الله، بجعلهم القرآن دستورهم والسنة النبوية المطهرة تشريعاتهم التنظيمية، ونبراسهم الذي يهتدون به.
بقيت إشارة أخرى: وهي أن من ادعى بأن قوانين الغرب أو الشرق اليوم، قد احتوت على جميع التطلعات الإنسانية بصفة أكثر شمولية من نظريات الفقه الإسلامي، يعتبر جاهلًا لهذا الفقه، الذي بدون شك، ومن منطلق تجربة طويلة، وممارسة ميدانية اهتمت بمقارنة الفقه الإسلامي بغيره من القوانين الغربية، نستطيع الحكم بأن نظريات وآراء وفتاوي فقهاء الإسلام، أكثر استجابة في جوهرها مما وصلت إليه القوانين الوضعية على مختلف اتجاهاتها، وكذلك الاجتهادات القضائية على مختلف مراكز إصدارها. علمًا بأن الشريعة وسعت دائرة المباح، مما أكسبها مرونة تستجيب لتطورات كل عصر.
стр. 7258
إلا أن عدم جمع وتنظيمه، وتقديمه بأسلوب مقبول يبقى مسئولية علماء اليوم، ومن بين تلك النظريات الشمولية ومراقبتها لأحوال جميع أصناف المعاملات هادفة إلى خلق توازن اجتماعي، عن طريق التربية والتوجيه والتشريع، ولم تقتصر الشريعة على مراقبة ربح التاجر في هذه الحالات التي رأينا في النقط التي تعرضنا إليها أعلاه، بل إن الشريعة ذهبت إلى بعد من ذلك في تنظيم المعاملات، ومراقبة جميع صنوف الحياة العامة، حتى لا يطغى جانب تحت أية طائلة على مصالح الجانب الآخر.
وكأمثلة على ذلك نسوق الحالات الآتية:
لولي الأمر أن يلزم أصحاب الصناعات إلى إنتاج البضائع، التي تنتجها معاملهم وليس لهم أن يطالبوا بغير أجور المثل للعمال، وثمن المثل للبضائع، ولهذا السبب رأى بعض أصحاب أحمد، والشافعي بأن تعليم هذه الصناعات فرض كفاية، ومحاسبة ولاة الأمر المشرفين على تنظيم تلك الأمور واجب على ولي الأمر أيضًا بحكم حديث أبي اللتبية (١) .
المهم أن الأعمال التي تنفع العموم، إذا انفرد شخص واحد بصنعها تصبح فرض عين عليه. وإن تخصص في صناعتها عدة أفراد أصبحت فرض كفاية عليهم جميعًا، يمكن أن يقوم به واحد منهم وأثموا جميعًا إن لم يقم به أحدهم، ويلزمون بالقيام به، إذا لم يفعلوا أو أحدهم من تلقاء نفسه.
وهكذا نظمت نظريات الفقه الإسلامي كل معاملة يمكن أن يجني منها التاجر ربحًا، وأعطت لكل صورة اسمها وبينت أحكامها، حتى لا يقع الناس في الحرام، وحتى لا يتعرض أحد أطراف المعاملة لحيف من الطرف الآخر.
وإذا ما رجعنا لأصول المبيعات المنهي عن الربح عن طريقها، نرى أنها قليلة جدًّا، إذا ما قيست بتلك التي ترك الربح فيها مباحًا إذا سلم من الشوائب، أما المنهي عنها فقد قال ابن رشد في بداية المجتهد في شأنها ما نصه.
"وإذا اعتبرت الأسباب التي من قبلها ورد النهي الشرعي في البيوع، وهي أسباب الفساد العامة وجدت أربعة: أحدها تحريم عين البيع، والثاني الربا، والثالث الغرر، والرابع الشروط التي تؤول إلى واحد من هذه أو لمجموعتها".
وهذه الأربعة هي في الحقيقة الفساد، وذلك أن النهي تعلق فيها بالبيع من جهة ما هو مبيع لا لأمر من خارج، وأما التي ورد النهي فيها لأسباب من خارج فمنها الغش، ومنها الضرر، ومنها ما هو لمكان الوقت المستحق بما هو أهم منه، ومنها لأنها محرمة البيع" (٢) ، مثل النجاسات.
стр. 7259
وإذا كان لا يهمنا هنا أن نستقصي كل حال على حدة، فيمكن أن نستخرج من هذه الإشارات عند ابن رشد الحفيد أن دائرة المبيعات التي يمكن أن يجني منها التاجر أرباحًا كثيرة، ومتنوعة، وربحه فيها إذا سلم من أي عيب يجعله مع النبيين؛ الحديث السابق، وتعاطيه للتجارة الشريفة من أشرف وسائل التكسب للرزق.
والاستنتاج الثاني: هو أن الربح ليس متروكًا للفوضى، أو التصرفات العمياء، وإنما هو مدروس في الشريعة الإسلامية بكيفية تضمن قيام مجتمع متكافل تنظم معاملاته قواعد وسطية الشريعة السمحة، فلا ضرر ولا ضرار.
وفي ختام هذه الكلام فلا بد من التأكيد على شكر الجهات الحكومية في كثير من الأقطار الإسلامية التي جعلت الشريعة الإسلامية هي الأصل لكل تشريع واحترام قواعدها هو الشرط، لتطبيق أي قانون استهدف تقريب المعارف من الحاكمين والمحكومين.
غير أن كثرة النظريات الفقهية ومسطرة تأليفها، والأسلوب الذي ألفت عليه أصبحت عوائق في وجه من أراد الاستفادة منها، هو أمر لا مجال لتذليله إلا عن طريق مجهود الدول بتكريس أهم الطاقات العلمية والمادية لخدمة تلك المؤلفات واستخلاص نصوص منها تلائم مناهج الدراسة اليوم، وتوضح للشباب بأن العيب ليس من تقصير نصوص الشريعة ولكن من عدم فهم أهلها لها.
وإننا لنتفاءل خيرًا بوجود بعض المؤسسات المهتمة على مستوى العالم الإسلامي كالمجمع الفقهي فيما يرجع للتشريع، ومحاولة تقريبه من أجيال الغد، وإذا ما وجدت معه مؤسسات أخرى مهتمة، فإن هذا كله يبشر بالخير، غير أن الإطار وحده لا يكفي والأسماء لا تخدم الأهداف، ولا توصل للغايات إلا إذا صاحبها وترجمها رصد الوسائل المالية الكافية، حتى يتم التنظيم والإنتاج، ومن ثم تتأتى إمكانية التطبيق والله يلهمنا سبل الرشاد إنه ولي التوفيق وبيده الخير إنه سميع مجيب.
الدكتور حمداتي شهبينا ماء العينين.
стр. 7260
مناقشة البحوث
تحديد أرباح التجار
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في هذه الجلسة موضوع " تحديد أرباح التجار "، والعارض هو فضيلة الشيح محمد المختار السلامي، والمقرر هو الشيخ محمد عطا السيد.
وكتب في هذا أبحاث خمسة وهي بحث الشيخ المختار، وبحث الشيخ عطا، وبحث الشيخ علي التسخيري والشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين والدكتور يوسف القرضاوي.
ونرجو الاختصار ما أمكن في العرض والمناقشة، لأن بعد انتهاء هذه الجلسة الصباحية الأولى ستكون – بإذن الله – فترة استراحة ثم نستأنف الجلسة للموضوع الثاني وهو موضوع " العرف ".
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
الموضوع كما تفضل السيد الرئيس هو مسألة " تحديد الأسعار "، وهذه المسألة " تحديد الأسعار ": اتصلت بأربعة عروض وسأرتبها حسب الترتيب الحرفي لأصحابها.
فأقدم أولًا: بحث فضيلة الشيخ علي التسخيري، ثم بحث فضيلة الشيخ عطا السيد، ثم بحث فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، ثم ملخص بحث الشيخ حمداتي ماء العينين.
стр. 7261
الشيخ علي التسخيري: كتب بحثه وبعد أن قدم له بمقدمة قال: فإن الأصل البينة هو حرية البائعين والمشترين في التعامل بأي سعر كان أما التحديد فيجب أن يتم طبق حركة استثنائية، وعلى أساس من سلطة حكومية ولائية، أو قواعد ثانوية تنفي الضرر والحرج وغيرها، وستلاحظ اختلاف المواقف فيما يلي، ثم ذكر أقوال العلماء، فذكر رأي العالم الكبير المنتظري وما جاء في نهاية الشيخ الطوسي، واستخلص وقال في المبسوط الشيخ الطوسي: لا يجوز للإمام ولا النائب عنه أن يسعر على أهل الأسواق متاعهم من الطعام وغيره سواء كان في حال الغلاء أو في حال الرخص بلا خلاف فإذا ثبت ذلك فإذا خالف إنسان من أهل السوق بزيادة سعر أو نقصانه فلا اعتراض لأحد عليه. ثم أخذ نصوص التسعير، ففي مفتاح الكرامة " وفي الوسيلة والمختلف والإيضاح ... إلخ ".
وقال العلامة في المنتهى: " على الإمام أن يجبر المحتكرين على البيع وليس له أن يجبرهم على التسعير بل يتركهم يبيعون كيف شاؤوا ".
ثم نقل بعض الأقوال عن المذاهب: عن المذهب المالكي، وكذلك المذهب الشافعي، ثم أخذ يحتج ويبين أدلة الطرفين، فبين أن دليل النافين هو احترام الملكية العامة، هذا كدليل عام، والدليل الثاني هو الحديث المروي الذي رواه محمد بن يعقوب بسنده عن حذيفة بن منصور عن الإمام الصادق أنه نفذ الطعام على عهد رسول الله ﷺ وهذا الحديث بين أن في سنده ضعفًا، لأنه قال: إلا في حذيفة ومحمد بن سنان، وقال سماحة الشيخ المنتظري في سنده: إنه لا كلام في رجاله إلا في حذيفة ومحمد بن سنان والظاهر أن الأمر فيهما سهل.
وما رواه الشيخ بسنده عن الحسين بن عبيد أيضًا، وهو في نفس المعنى ثم أخذ يستدل للمجيزين.
فاستدل أولا بمسألة الولاية التي يملكها الحاكم الشرعي على الأوضاع العامة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فله حق التدخل لتعديل الأسعار، كما أن له حق التدخل في مختلف المجالات المباحة ومن الطبيعي أن الحكومة والقدرة على الإدارة العامة تتطلبان بلا ريب هذه الولاية لملء منطقة الفراغ التنظيمي.
ثانيا: وجود الضرر:
ثالثا: استند إلى سد الذريعة، والمصالح المرسلة قال: باعتبارها أصولا قائمة برأسها ونحن لا نقول بذلك.
стр. 7262
على ضوء هذه الأدلة انتقل الشيخ التسخيري فيقول: رغم أن الإسلام اعترف تمامًا بالملكية الخاصة والحرية الاقتصادية إلا أن الإنسان مستخلف في المال، ثم بين وظيفة المال الاجتماعية، وانتهى إلى أنه مما يوضح لنا أن الملكية في الإسلام ليست حقا مطلقًا وإنما هي حق تتبعه مسئولية وعلى ضوء هذا فإذا أريد استغلال الملكية لصالح جشع المالك واستفادته من حاجة الناس إليها للتضييق عليهم والوصول إلى الربح المضاعف فإن ذلك مما يتنافى وطبيعة المسئولية التي أشرنا إليها.
والذي يشخص الضرورة الاجتماعية أو المصلحة الاجتماعية العليا هو ولي الأمر العادل عبر تشاوره مع ذوي الخبرة.
ثم يقول: وعملية التسعير إذا نظر إليها في هذا الإطار كانت عملية طبيعية بلا ريب.
ثم تحدث على مرحلتين مرحلة ما قبل الإنتاج ومرحلة ما بعد الإنتاج – بمعنى أن ما تنتجه الأرض والمواد الخام هو لا دخل فيها، أما مرحلة ما بعد الإنتاج البشري فإن القوانين تعمل عملها ولكن في أطر معينة يرضاها الإسلام للسوق الإسلامية السليمة والتي تذكرها لنا النصوص الإسلامية الكثيرة، إذ لا يوجد في هذه السوق احتكار ولا إجحاف ولا غش ولا تبان لرفع القيم حتى التباني الرسمي، ولا ندرة مصطنعة، كما يتوفر فيها ما يحتاجه المجتمع حيث يجب كفاية توفير ذلك. واستخلص إلى أنه ليس غلاء السعر أو كون الطعام غير مسعر، وأمثال ذلك سببًا للتدخل، أما إذا حصل إجحاف في البين أو الاحتكار وما إلى ذلك مما يتنافى والشكل الإسلامي للسوق فإن لولي الأمر التدخل لإرجاع الحالة إلى الوضع الطبيعي بلا ريب.
وانتهى إلى أن الظاهر أن النصوص تؤكد على حرية التسعير ما لم يتطلب الموقف ذلك وحتى لو أمكن تلافي الحاجة بالأمر بتقليل السعر دون تحديد لتعيين ذلك، فهي حالة استثنائية لا يصار إليها إلا عند الضرورة أو اقتضاء المصلحة العامة الملزمة لذلك.
وإننا إذا تأملنا الخلاف بين العلماء ونصوصهم واستدلالاتهم وجدنا أن هذا يشير إلى الحالة الطبيعية فيحرم، وذلك يشير للحالة الثانوية فيجيز، فهم في الواقع متفقون كما يظهر.
والخلاصة من ملاحظة الأدلة والنصوص والفتاوي يتلخص ما يلي:
أولا: إن الأسعار متروكة للمالكين يسيرون بها حسب العرض والطلب وفي الجو الطبيعي لهما دونما صيرورة إلى ندرة كاذبة واحتكار مذموم.
ثانيا: في الحالات التي تتطلب الضرورة أو المصلحة الاجتماعية تدخل ولي الأمر فإن له بمقتضى ولايته التدخل، والله أعلم هذه هي الأولى.
стр. 7263
البحث الثاني: هو مقدم من إعداد الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد بين الهدف من تحديد أرباح التجار، هو حماية المشتري حتى لا يظلم في شراء ضرورياته ومستلزماته ثم ذهب إلى الهدف من ذلك أيضا هو محاربة الاحتكار والسوق السوداء وقال: لا شك أن هذه أهداف جميلة تتمشى مع ما تهدف إليه الشريعة الغراء من الرحمة بين الناس والعدل والرضا والطمأنينة في البيع ثم بين ما يمكن أن يعترض على هذا بالحرية التي جاءت في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
وأن الأصل في المسألة هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
ثم ذكر ما يقوله القرطبي حول هذه الآية، فأخذ منه على أن الجمهور على جواز الغبن في التجارة، إذا عرف قدر ذلك ما تجوز الهبة لو وهب. واختلفوا إذا لم يعرف قدر ذلك، فقال قوم: عرف قدر ذلك أم لم يعرف فهو جائز، بمعنى الغبن، إذا كان رشيدًا حرًّا بالغًا. وقالت فرقة – القول الثاني -: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود وقال ابن وهب من أصحاب مالك ﵀: والأول أصح – أي عدد القول بالغبن – لقوله ﵊ في حديث الأمة الزانية: ((فليبعها ولو بضفير)) ، وقوله ﵊ لعمر: ((لا تبتعه – يعني الفرس – ولو أعطاكه بدرهم واحد)) (فرس الصدقة) .
ثانيا: ما روي في الحديث من رفض النبي ﷺ أن يسعر للناس، فقد روى أبو هريرة – ﵁ – أن رجلًا قال: سعر لنا يا رسول الله، فقال الرسول ﷺ : ((إنما يرفع الله ويخفض، إني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة)) قال له آخر: سعر، قال: ((أدعو الله)) .
стр. 7264
ثم بعد أن علق على ذلك وتتبع الروايات، قال: ويبدو أن تغير أحوال الناس وظهور عنصر الجشع وفقدان الأمانة والتقوى في معاملاتهم، وكذلك اتساع الأوضاع التجارية دفع الفقهاء إلى البحث عن حكم البيع بالزيادة المتفاحشة على الثمن المعتاد، ويبدو أن هناك اتفاقًا ظاهرًا في أنه متى علم البائع والمشتري قيمة السلعة التي تباع بها في الأسواق وحصل الغبن بزيادة في الثمن غير معتادة، أو نقص فيه كذلك فالبيع صحيح ولا حرمة فيه، ولو كان البيع فوق فائدة الربا بكثير، وما مثل هذا إلا كزارع وضع قليلا من الحب في أرضه فأنبتت عشرة من الأرادب، فالطريق مشروع والكسب حلال ورزق ساقه الله إلى التاجر والزارع، أما إذا جهلت قيمة السلعة فإن استسلم أحدهما لصاحبه بأن أخبره بجهله وتحدث عن بيع الاستئمان، ثم تحدث عن الغبن وحكمه، لأنه إذا بلغ الثلث يرد. واستخلص إلى أن الذي يتضح من هذا كله: أن الرأي الراجح هو ترك البضائع بغير تحديد سعر، أو تحديد أرباح للتجار على أن تقوم الدولة بواجبها في توفير البضائع وأنواعها، محاربة للغلاء أو الاحتكار أو السوق السوداء كما عليها إقامة الدين بين الناس، وإحياء ضمائرهم بالتقوى، والبعد عن إجحاف الناس وظلمهم أو استغلال حاجتهم للشراء وجهلهم بالأسعار، فعلى الدولة ترك تحديد الأسعار، أو تحديد أرباح التجار مع نشر الوعي الديني وحث الناس على تقوى الله في هذا المجال ومخافته.
ثم ذكر رأيه، فقال: إلا أنني أرى أن الأمر إذا استشرى جدًّا وصارت طبقة من الناس لا تخشى الله ولا ترحم الناس كما يحصل فيما يسمونه اليوم بالسوق السوداء، فعلى الدولة واجب محاربة هذه الطبقة، ومحاربة ما يفعلونه بخلق التنافس الصالح في التجارة وتوفير البضائع وأنواعها، وتوعية الناس بكل الوسائل بالأسعار المعقولة للبضائع جملة، جملة. ولا شك أن هذا من أهم مهام الدولة.
فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي: أولًا ابتدأ بحثه بتحديد الموضوع فقال: قبل البدء في الموضوع ينبغي أن نحرر المراد منه، فبعض الباحثين في الموضوع قد يفهم أن المراد تحديد الربح للتجار من قبل ولي الأمر.
وأعتقد أن هذا ليس مرادًا هنا، إذ لو كان هو المارد لبحث تحت عنوان آخر أخص به، وهو عنوان (التسعير) .
على أن التسعير لا يقتصر على التجار، بل يشمل المنتجين من زراع وصناع ونحوهم ... وكذلك هذا الموضوع لا يشمل (الغبن) ، لأن (الغبن) شيء آخر وتحدث بعض الأمر عن الغبن، ثم انتقل لبيان معنى التجارة ومعنى الربح، وتتبع الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة التجارة، ثم ذكر عنوانًا هو: " ابتغاء الربح لإيتاء الحقوق والمحافظة على أصل المال ".
وذكر حديث الترمذي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: ((ألا من ولي يتيمًا له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة)) وبعد أن تتبع النصوص من هذا النحو استخلص سؤالا، وهو: هل حددت النصوص نسبة للربح؟
فيقول: ولكن إذا كانت السنة قد رغبت في الاتجار بالمال، ليحقق ربحًا ينفق منه، ويبقى رأس المال سالمًا. فهل أشارت السنة إلى تحديد نسبة معينة للربح، يفرضها التاجر على نفسه، أو يفرضها عليه المجتمع، لا يجوز له أن يتعداها؟
الواقع أن المتتبع للسنة النبوية، والسنة الرشيدة، وقبل ذلك القرآن الكريم، لا يجد أي نص يوجب، أو يستحب، نسبة معينة للربح، ثلثًا أو ربعًا أو خمسًا، أو عشرًا، مثلا، يتقيد بها ولا يزاد عليها.
ولعل السر في ذلك أن تحديد نسبة معينة لجميع السلع، في جميع البيئات وفي جميع الأوقات، وفي جميع الأحوال، ولجميع الفئات، أمر لا يحقق العدالة، ثم أخذ يستدل على هذا المعنى ويؤكده، وانتهى إلى أن المقصود أنه لا يوجد في نصوص القرآن الكريم، ولا في السنة ما يجعل للربح حدًّا معينًا، أو نسبة معلومة، والظاهر أن ذلك ترك لضمير الفرد المسلم، وعرف المجتمع من حوله، مع مراعاة قواعد العل والإحسان، ومنع الضرر والضرار، التي تحكم تصرفات المسلم، وعلاقاته كلها.
стр. 7265
وأكد بعد ذلك هذا ولم أجد في كلام الفقهاء – في حدود ما أتيح لي الاطلاع عليه ولم أبحث كل البحث – ما يدل على تحديد نسبة معينة للربح يلتزمها التاجر في تجارته.
ثم يشتم من كلام الزيلعي أن التعدي الفاحش بأنه البيع بضعف القيمة، فقد عرف الزيلعي التعدي الفاحش بأنه البيع بضعف القيمة، ولكنه لم يبين المراد بالقيمة، وهل هي ثمن المثل؟ أو القيمة هي ثمن الشراء؟
ثم بين مشروعية الربح إلى مائة بالمائة وأورد الأحاديث عن رسول الله ﷺ التي وقعت في حياته وأقرها كحديث حكيم بن حزام: أن رسول الله ﷺ بعث معه بدينار يشتري له أضحية، فاشتراها بدينار وباعها بدينارين، فرجع فاشترى له أضحية بدينار، وجاء بدينار إلى النبي ﷺ فتصدق به النبي ﷺ ودعا له أن يبارك له في تجارته.
ثم انتقل إلى أكثر من هذا وهو مشروعية الربح أكثر من ذلك.
ومن الأدلة على مشروعية الربح بغير حد – إذا لم يأتِ عن طريق غش ولا احتكار ولا غبن ولا ظلم بوجه ما – ما صح أن الزبير بن العوام ﵁، أنه اشترى أرض الغابة بمائة وسبعين ألفًا وباعها بمليون وستمائة ألف.
ثم قال، وأحب أن أنبه على أن دلالة الوقائع التي ذكرناها – وقد بين عدة وقائع والحديث والواقعة – ثم قال:
وأحب أن أنبه هنا على أن دلالة الوقائع التي ذكرناها في العصر النبوي والعصر الراشدي، على جواز بلوغ الربح في بعض الأحيان إلى ضعف رأس المال، أو أضعافه، لا تعني أن كل صفقة يجوز فيها الربح إلى هذا الحد، فإن الوقائع التي ذكرناها من حديث عروة، وحديث حكيم بن حزام – إن صح – وحديث عبد الله بن الزبير، هي في الحقيقة وقائع أعيان أو أحوال لا عموم لها، ولا يمكن أن يؤخذ منها حكم عام دائم مطرد، لكل تجار الأمة في كل زمان ومكان، وفي كل الأحوال، وكل السلع، ولا سيما الذين يتاجرون في السلع الضرورية لجماهير الناس.
ثم بين الربح المحرم، وربح الاتجار بالمحرمات، ثم الربح عن طريق الغش والتدليس، ثم التدليس بإخفاء سعر الوقت في بيع الاستئمان، وما نهى عنه ﷺ من البيوع وأسباب ذلك ثم قال:
فهذه الأخبار في المناهي والحكايات تدل على أنه ليس له أن يغتنم – أي التاجر – فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع، ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار، فإن فعل ذلك كان ظالمًا تاركًا للعدل والنصح للمسلمين.
стр. 7266
وبين الربح عن طريق الغبن الفاحش فقال:
ينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة، فأما أصل المغابنة فمأذون فيه لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ما، ولكن يراعى فيه التقريب وأتى بنصوص تؤكد ذلك، ثم تحدث عن الاحتكار، وعن المواد التي يدخلها الاحتكار، وترجيحه أن كل ما يحتاج إليه الإنسان يدخله الاحتكار. وختم الحديث بهذه الخاتمة التي تعبر عن رأيه.
وإذا كان الأصل جواز الربح بغير نسبة محددة للتاجر الملتزم بأحكام الإسلام وتوجيهاته في البيع والشراء، وترك السوق للعوامل الطبيعية، وهو ما يعبر عنه اليوم بقوانين العرض والطلب، دون تلاعب أو تدليس أو تدخل مفتعل، لإغلاء الأسعار على عموم الناس ... فهذا لا يمنع ولي الأمر المسلم عندما يوجد شيء من ذلك – أن يتدخل بمقتضى عموم ولايته ومسئوليته، لتحديد أرباح التجار بنسب معينة، قد تتفاوت بتفاوت السلع، وبمشورة أهل الرأي والبصيرة، كما عبر علماؤنا السابقون رحمهم الله تعالى. وهذا هو موضوع (التسعير) ومتى يجوز، ومتى لا يجوز، وما شروطه ... إلخ، وهو لا يخص التجار وحدهم، بل يشمل المنتجين أيضًا، وهو جدير ببحث مستقل بعنوانه الخاص والخلاصة التي نخرج بها من هذا البحث تتمثل فيما يلي:
١- أن ابتغاء الربح في التجارة أمر جائز ومشروع، بل هو مأمور به لمن لا يحسنون الاتجار لأنفسهم كاليتامى.
٢- أن النصوص لم تحدد نسبة معينة للربح، بحيث لا يجوز تعديلها، بل وجد في السنة ما يدل على جواز بلوغ الربح إلى ضعف رأس المال أو أضعافه.
٣- أن جواز الربح الكثير لا يعني أنه مرغوب فيه دائمًا، بل القناعة بالربح القليل أقرب إلى هدي السلف وأبعد عن الشبهات.
٤- أن الربح لا يحل للتاجر المسلم، إلا إذا سلمت معاملاته التجارية من الحرام، فأما إذا اشتلمت على محرم كالاتجار في الأعيان المحرمة أو التعامل بالربا أو الاحتكار أو الغش والتدليس، أو إخفاء سعر الوقت أو التطفيف ونحوها فإن ما ترتب عليها من ربح يكون حرامًا.
٥- أن القول بأن التجار أن يربحوا بالحلال ما شاؤوا، في حدود القيم والضوابط التي ذكرناها، لا ينفي حق ولي الأمر المسلم في تحديد مقدار الربح أو نسبته، وخصوصًا في السلع التي يحتاج عموم الناس إليها.
стр. 7267
البحث الرابع، هو بحث الشيخ حمداتي ماء العينين: هو افتتحه بمقدمة حول تحديد الأرباح ثم عرف التجارة من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تعرضت لذكر التجارة، وفي المبحث الثاني عرف بيع المرابحة المتعارف عليه، واستخلص ضرورة مراقبة أرباح التجار من هذا النوع، وأن وجوب مزيد أحكام في التنظيم وفي المبحث الثالث حلل أحكام التسعير، بعد تعريفه يبين أن الأساس هو الحديث الشريف، والقائل أن الله هو القابض، الباسط، والرازق، والمسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال، غير أن تبدل الأحوال واختلاط المسلمين بغيرهم حمل عمر على التدخل في شأن أحوال السوق، واستعرض أقوال أمهات الكتب، وفي المبحث الرابع استعرض بعض الشواذ التي يجب أن يسلم منها البيع، حتى يكون الربح الذي يجنيه منه التاجر ملكًا حلالًا، مبينًا من خلال هذه النقطة جملة من البيع المنهي عنها كالخلابة بجميع صورها، وتلقي الركبان، وغيرها من البيوع الفاسدة بحكم القرآن والحديث وفي النقطة الخامسة تكلم عن الاحتكار بصفته إحدى الوسائل التي تمكن التاجر " من أرباح يجب أن يحال بينهم وبينها، لما فيه من مضرة للمسلمين، ومخالفة للنصوص الصريحة في السنة. أما النقطة السادسة، فقد خصصها لما سماه " بمبررات تدخل الدولة في أرباح التجار " مبينًا أنها ترتكز على عدم تمكن روح الإسلام من الناس، وعدم تحرج الإنسان اليوم من الكذب، وقال بالحرف: يمكن أن نخرج من كل ما سبق بملاحظات أساسية هي أن مراقبة وتحديد أرباح التاجر لها أكثر من أصل في الشريعة الإسلامية، سواء أكان الربح عن طريق عقد مساومة أو عقد بيع. فقد نظمت كتب الفقه الإسلامي ذلك تنظيمًا محكمًا، وبعد أن عدد الصور التي اعتمدها لمبررات التدخل لتحديد ربح التجار ومراقبتهم، أنهى بخاتمة هذا مجملها:
إن أهم ما يمكن أن تهتم به المؤسسات الإسلامية – في نظرنا – انطلاقًا من توصيات المجمع الفقهي هو سن قانون إسلامي تجاري، يستطيع المسلم بوساطته التعامل مع المصارف داخل العالم الإسلامي وخارجه بعيدًا عن الربا، فقال بأن التجربة أعطت على أن الشريعة الإسلامية أكثر استجابة لتلبية جميع المستجدات بإيجاد الحلول الصالحات لها، ولكنها مهمشة مع الأسف من أبنائها قبل غيرهم، وألح على أن الشعارات والتوصيات وفتاوى العلماء وحدها لا تكفي، ما لم تقم الجهات الرسمية في العالم الإسلامي بتبني الشريعة تطبيقًا لا ادعاء، هذا هو ملخص البحث.
стр. 7268
البحث الخامس، هو البحث الذي تقدمت به وسأختصر على بعضه، هو – في نظري – أن هذا العنوان يحتمل:
أولًا: تحديد مقدار نسبة الربح من رأس المال من قبل الشارع، والتزام المؤمن بتطبيق حكم الشريعة، وهذا أمر لم أجد فيما وقفت عليه نصًا، لا في القرآن ولا في السنة ولا في كتب الفقهاء، يحدد الربح بنسبة لا يجوز تجاوزها، خاصة وأن التاجر معرض للخسارة والربح على حد سواء، فلما كانت خسارته لا تضمن، وكساد سلعه لا يضمن فكذلك ربحه ينبغي أن يكون فيه ما يغطي نفقاته، واحتمال خسارته التي ربما تصل إلى رأس المال كله.
ثانيا: يحتمل هذا العنوان تحديد النسبة التي إذا تجاوزها غدا التاجر غابنًا للمشتري، وهذه قضية أخرى هي قضية " الغبن " واختلاف الفقهاء فيها.
الثالث: وهو الذي أرى أنه هو المقصود بالعنوان، هو تدخل السلطة لتحديد ربح التجار، وهو " التسعير " والتسعير: أوسع تعريف وجدته للتسعير هو الذي جاء في (مطالب أولي النهى) ، هو تقدير السلطان أو نائبه للناس سعرًا، وإجبارهم على التبايع بما قدره.
وحكم التسعير: لا شك أن التسعير تقييد لحرية البائع، وعدم اعتبار لرضاه أو سخطه بالقيمة التي يحددها صاحب السلطة، وعنصر الرضا شرط أساسي لسلامة العقود، والضغط على إرادة البائع لبيع سلعته بثمن محدد من إرادة صاحب السلطة هو إكراه، وأمر السلطان إكراه بالإجماع، إلا أن هذا الإكراه، هل هو إكراه بحق فلا إثم فيه، أو هو إكراه بغير حق، فالحاكم المسعر آثم، أو المقام مقام تفصيل؟ للإجابة عن هذا لا غنى عن الرجوع إلى القرآن والسنة، أما القرآن فلا نجد فيه في التسعير إلا الآية العامة التي هي قاعدة من قواعد التعامل، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
فالنهي عن أكل المال بالباطل، واشتراط الرضا في التعامل من القواعد العامة التي تتنزل على الوقائع بالاجتهاد.
стр. 7269
ثانيا: السنة:
فمن ذلك الحديث الذي رواه أنس بن مالك، قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله سعر لنا، فقال: ((إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال)) ، أخرجه أبو عيسى الترمذي، وقال: حسن صحيح وكذلك الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري، والحديث الذي رواه أبو هريرة فالأحاديث متصلة عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك تتفق كلها:
أولًا: على أن الأسعار ارتفعت في عهد رسول الله ﷺ .
ثانيا: أن الصحابة طلبوا تدخل النبي ﷺ لتحديد السعر.
ثالثا: أنه ﷺ امتنع من التسعير.
رابعًا: أنه لم يستجب لطلبهم، معللًا رفضه بكون التسعير مظلمة، يخشى أن يطلبه أحد بها يوم القيامة، وإن الظلم حرام.فظاهر الأحاديث تقتضي المنع من التسعير أيضا، كما أن ظاهر القرآن يقضي بالمنع أيضًا، ولذلك فإن بالرجوع إلى كلام فقهاء الأئمة الأربعة نجدهم يجمعون على أن الأصل في التسعير هو التحريم، فمذهب الحنفية: فقد جاء في الفتاوي الهندية: (ولا يسعر بإجماع) ، ومذهب المالكية، سئل ابن القاسم عن قول مالك: " ينبغي للحاكم إذا غلا السعر واحتاج الناس أن يبيعوا ما عندهم من فضل الطعام أن يبيعوا؟ قال: إنما ما يريد مالك طعام التجار الذين خزنوا للبيع من طعام جميع الناس، إذا اشتدت السنة واحتاج الناس إلى ذلك "، ولم يقل مالك: يباع عليهم، ولكن قال: يأمر أي السلطان بإخراجه، وإظهاره للناس، ثم يبيعون ما عندهم مما فضل عن قوت عيالهم كيف شاؤوا، ولا يسعر عليهم. قيل: فإن سألوا الناس ما لا يحتمل من الثمن قال: هو ما لهم يفعلون فيه ما أحبوا، لا يجبرون على بيعه بسعر يوقت لهم. هم أحق بأموالهم، ولا أرى أن يسعر عليهم. وما أراهم إذا رغبوا وأعطوا ما يشتهون إلا يبيعوا، وأما التسعير فظلم لا يعمل به من أراد العدل. ومذهب الشافعية، هو يحرم التسعير ولو في وقت الغلاء، بأن يأمر الوالي السوقة بألا يبيعوا أمتعتهم.
стр. 7270
ومذهب أحمد، قال ابن حامد: ليس للإمام أن يسعر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون، وهذا هو مذهب الشافعي، وكما استدل أصحاب المذاهب على أن الأصل في التسعير المنع بالقرآن والسنة. وكذلك استدلوا المنع بالمصلحة التي يجب مراعاتها وبالعدل الذي هو المعيار الذي يجب أن يضبط تدخل صاحب السلطة يقول الشوكاني: ووجه المنع من التسعير أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من النظر إلى مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، فالشوكاني يثير قاعدة مقطوعًا بها، إن الحاكم ليس له أن يحابي طرفًا ليستفيد طرف آخر، ولما كانت مصلحة البائع أن يبيع سلعته بالثمن الذي يرغب فيه، دون أن يلزم أحدًا بالشراء منه، وكانت مصلحة المشتري أن يحصل على مرغوبه بأقل ثمن ممكن، ولما تعارضت المصلحتان وجب على الحاكم أن يعتزل عن التدخل، وأن يترك لكل من المتبايعين الاجتهاد لمصلحة نفسه، ذلك هو شأن البيع الذي هو باتفاق مبني على المكايسة، والمماسكة. فهذه النظرية التي يدافع عنها الشوكاني هي نظرية العرض والطلب في تحديد الأسعار، وقبول كل طرف بالنتائج المترتبة على ذلك، فكما يعجز الحاكم عند رخص الأسعار وخسارة التجار أن يفرض على المشترين سعرًا أرفع، فكذلك ليس له إذا غلت الأسعار أن يخفض منها لفائدة المشترين، وهذه النظرية هي نظرية سليمة في بادئ الرأي لو كانت الحياة تجري على نسق وفرة العرض وقلته، ووفرة الطلب وضآلته، ولكن التجار قد يتدخلون لإعطاء صورة مفتعلة ليوفروا لأنفسهم أرباحًا أكثر، كما سنبينه.
فهذه النصوص التي ذكرناها، والأدلة المستندة للقواعد التي حللناها، يعارضها من ناحية أخرى أدلة وقواعد يمكن الاستناد إليها، فمن ذلك الاحتكار فقد ورد في الاحتكار أحاديث كثيرة رويت بطرق متعددة تدل على تحريمه، فقد روى مسلم قال: كان سعيد بن المسيب يحدث أن عمر بن عبد الله العدوي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من احتكر فهو خاطئ)) .
إن تتبع المذاهب في الاحتكار يدل على اتفاق المذاهب في الحقيقة وإن ظهر اختلاف بينها – بعد أن بينت كل المذاهب في الاحتكار في بادئ الرأي – ذلك أن المذاهب الأربعة تتفق على أن الاحتكار المحرم هو ما كان طريق التحصيل عليه الشراء من السوق، وإن المنتج والجالب للسلعة من مكان بعيد حر التصرف في سلعته، له بيعها وادخارها.
стр. 7271
ثانيا: إن الادخار في الوقت الذي يكثر فيه العرض كثرة تفوق الطلب لا حرمة فيه، بل هو مستحب حتى لا تهبط الأسعار هبوطًا يعزف معه المنتج عن الإنتاج.
ثالثا: أن العلة التي يظهر بين الحين والآخر مؤثرة في الترحيم هو قولهم: تعلق حق العامة إذا لم يضر ذلك بالناس. والضرر – كما صرح به ابن العربي – هو غلاء الأسعار، ومن هذه النقطة يظهر وجه ربط الاحتكار بالتسعير، لماذا أتيت به؟
فالمذاهب الأربعة تحرم الاحتكار، وتعطي المحتسب الحق في التدخل حفاظًا على استقرار الأسعار، فهم جميعًا يعتبرون أن استقرار الأسعار مصلحة عامة، وأن الحرية مصلحة خاصة تهدر في مقابلة المصلحة العامة. وأما التفرقة بين الطعام وغيره واختلافهم في تحديد الأطعمة، وإدخال اللباس وعدم إدخاله، إنما هو اختلاف في التدقيق في النظر، فمن تعمق في تقدير الحاجات الإنسانية التي لا بد منها لم يقصر تحريم الاحتكار على القمح والشعير، ومن رأى أن ذلك هو الضروري لبقاء الحياة قصر التحريم، والذي يظهر أن الاحتكار على مستويين المستوى الأول: ما تستطيع المجموعة مقاومته بالامتناع عن الشراء حتى يضطر المحتكرون إلى النزول بسلعهم للسوق. وهو مستوى من التوكل عند المؤمن ورضا بالمقدور، وعند غير المؤمن مستوى متدنٍ، وعلى كل فإن تهافت البشر على ما ليس ضروريًّا لحياتهم يتحملون بتهافتهم قسطًا من اندفاع المحتكر للاحتكار، فالمسئولية موزعة ولذا رأى أكثر الفقهاء أنه لا حرمة فيه والمستوى الثاني: هو أن لا تستطيع المجموعة التأثير على المحتكرين لكون الاحتكار في عيش البشر وما لا يصبرون على اقتنائه، وهنا فالاحتكار طلبًا للغلاء حرام إذ ترضخ الجماعة للأسعار التي يفرضها المحتكرون، فمن راعى هذه الدقة قصر التحريم على الضروري، ومن راعى أن المستوى العام للمجموعات البشرية أنها لا تصبر على المفقود عمم في تحريم الاحتكار.
وعلى كل فإن التأثير في غلاء الأسعار هو الذي أباح للمحتسب التدخل وحرم الاحتكار على المحتكر.
стр. 7272
وبجانب الاحتكار أيضًا – ما يدل على تدخل الحاكم للتسعير – فقد ورد في الشريعة ما يبيح انتقال الملك بقيمة المثل إلى غير صاحبه وبدون رضاه، فمن ذلك ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم ومالك عن عبد الله بن عمر من أعتق شركًا له في عبد فكان له ما يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عنه ما عتق.
فالحديث نص على أن المعتق لنصيبه من العبد المشترك عليه إن كان واجدًا أن يدفع إلى شركائه قيمة حصصهم بعد أن يقوم العبد بقيمة المثل، ومن ذلك أيضا الحديث الذي رواه البخاري وأحمد، عن جابر ((أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)) ، أجمع العلماء على جواز الأخذ بالشفعة وهي في حقيقتها إجبار المشتري على تمكين الشريك من الحصة التي اشتراها بنفس الثمن الذي اشتراها به، فهي تتضمن خروج الملك عن مالكه بغير رضاه، وأن القيمة محددة هي ثمن الشراء ليس له أي أدنى حظ من الربح.
فإذا كان الشارع قد أباح انتزاع ملكية العبد من سيده جبرًا وبسعر محدد هو سعر المثل لتحقق العتق الذي يتشوف له الشارع، وإذا كان الشارع قد أجبر المشتري للشقص على بيع شقصه بالثمن الذي اشتراه به الدفع الضرر عن الشريك وهي مصلحة جزئية لا أفضلية للشريك إلا بالسبق الزمني في التملك، فالتسعير أولى بالقبول، ولذا فإن العلماء بعد اتفاقهم على منع التسعير، أخذوا ينظرون في القضية نظرة جديدة، ومن ذلك ما ذكره ابن العربي في العارضة، وقال سائر العلماء بظاهر الحديث أي بمنع التسعير، ثم قال: والحق التسعير وضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين، وذلك قانون لا يعرف إلا بالضبط للأوقات ومقادير الأحوال وحال الرجال والله الموفق للصواب وما قاله النبي ﷺ حق وما فعله حكم، لكن على قوم صح ثباتهم واستلموا إلى ربهم وأما قوم قصدوا أكل أموال الناس والتضييق عليهم فباب الله أوسع وحكمه أمضى.
فابن العربي نظر إلى القواعد الشرعية فرأى أنها جاءت بالعدل وأن لا يمكن المهرة من الإثراء بوساطة التلاعب في الأسواق وإغلاء الأسعار وأن الحاكم قد نصب لإقامة العدل بين الناس، وأن سياسة البشر الذين يغلب عليهم تقوى الله والإيثار تخالف سياسة البشر الذين همهم ملء خزائنهم والاستئثار وطغيان حب الذات والأنانية ولو بالتضييق على الناس فما حكم به ﷺ حق في الوقت الذي حكم به.
стр. 7273
معنى ذلك أن هذه قضية عين لا عموم لها، هذه من ناحية ومن ناحية أخرى فإن نص الحديث لا يدل على أن الغلاء كان نتيجة عبث بالسوق وإنما ارتفع الثمن في سوق المدينة تبعا لعوامل موضوعية لا دخل للتجار فيها، ولذلك ابتدأ ﷺ بالكشف عن الفاعل في الغلاء بقوله: ((إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق)) فارتفاع الأسعار عهده كانت متسببة عن تصرف إلهي حكيم في الكون تعرف آثاره ولله الحجة البالغة وهو ما يفهم عنه الرواية الأخرى بل أدعو الله.
إذن هما اتجاهان الأول لأصحاب المذاهب لا يتدخل السلطان ولا نائبه في التسعير أصلًا. الاتجاه الثاني أن للسلطان أو نائبه حق التدخل في التسعير إلا أن هذا التدخل في التسعير للمصلحة قد اختلف فيه الفقهاء تبعًا لتحديدهم للمصلحة المسوغة لذلك كما أن ميادين التدخل قد تكون في السلع المعروضة في السوق عند التجار وقد تكون في السلع المجلوبة وقد تكون في الخدمات البشرية، وقد تكون في الانتفاع بالمباني والآلات.
القسم الأول – تدخل السلطة في أثمان المبيعات:
الحنفية يقول الطوري، إن الثمن حق البائع وإليه تقديره فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقه إلا إذا كان أرباب الطعام يحتكرون على المسلمين ويتعدون تعديًّا فاحشًا وعجز السلطان عن منعه إلا بالتسعير، والتعدي الفاحش هو تضعيف القيمة، يقول في الدر المختار وأفاد أن التسعير في القوتين (أي قوت البشر والأنعام) ثم قال لكن إذا تعدى أرباب غير القوتين وظلموا العامة فيسعر عليهم الحاكم بناء على قول أبي يوسف، فالحصكفي جعل القول بتسعير الحاكم في غير القوتين إذا أضر بالعامة غير منصوص لأئمة المذهب، ولكنه مخرج على قول أبي يوسف أن كل ما أضر حبسه بالناس فهو احتكار في أصل مذهب الحنفية أن الإمام أو نائبه لا يتدخل في تسعير قيم المبيعات إلا في القوت إذا تلاعب التجار بالسوق حتى بلغ الضعف نصًّا في المذهب وغير القوت قياسًا على القوت.
المالكية: سئل القاضي أبو عمر بن منظور عن التسعير، فكان مما أجاب به أهل الأسواق والحوانيت الذين يشترون من الجلاب وغيرهم جملًا، ويبيعون ذلك على أيديهم قيل هم كالجلاب الحكم واحد في كل ما مضى لا فرق قاله عبد الله بن محمد والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، وقيل إنهم بخلاف الجلاب، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا غلبوا على الناس، وأن على صاحب السوق أن يعرف ما اشتروا ويجعل لهم من الربح ما يشبه وينهى عن الزيادة ويتفقد السوق فيمنع من الزيادة على ما حد، ومن خالف أمره عوقب بما يراه من الأدب أو الإخراج من السوق إن كان البائع معتادًا لذلك مشتهرًا به، وهو قول مالك في سماع أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب، وقال به من السلف جماعة، ولا يجوز عند واحد من العلماء أن يقول لهم بيعوا بكذا وكذا ربحتم أو خسرتم من غير نظر ما يشترون به وإلا أن يقول لهم فيما اشتروه لا تبيعوه إلا بكذا وكذا مما هو مثل الثمن الذي اشتروه به أو أقل. وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون، فلا يتركهم أن يغلوا في الشراء، ولو لم يزيدوا في الربح إذ قد يفعلون ذلك لأمر ما، مما يكون نتيجته ما فيه ضرر.
стр. 7274
فابن منظور يرى أن على صاحب السوق أن يتدخل بتحديد الثمن كلما تعسف أهل السوق من التجار في مقتضى الحرية، وظلموا الناس دون أن يربط مجال التسعير بقوت أو غيره، والذي ذهب إليه ابن عرفه أن التسعير إنما يكون في القوت خاصة لقوله في تعريفه (تحديد حاكم السوق لبائع المأكول فيه) ، علق الرصاع على هذا بقوله: أخرج به غير المأكول لأنه لا يسعر.
وما ذهب إليه منظور من أن الحاكم يسعر على أهل السوق بعد أن ينظر في شرائهم ويترك لهم من الربح ما لا ضرر فيه على العامة وأنه لا يحل له أن يحدد ثمنًا دون نظر إلى معطيات موضوعية للتسعير، وإن هذا أمر متفق عليه يؤكد ذلك ما في سماع أشهب إذ قال صاحب السوق: بيعوا على ثلث رطل من الضان ونصف رطل من الإبل (يعني أن الدرهم يشتري به ثلث رطل أو نصف رطل) ، قال مالك: ما أرى به بأسًا إذا سعر عليهم شيئًا يكون فيه ربح يقول لهم من غير اشتطاط.
الشافعية: اقتصر صاحب تكملة المجموع على نقل كلام ابن القيم.
الحنابلة: الذي أفاض القول في التسعير هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، يقول ابن القيم: وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم ومنه ما هو عدل جائز.
فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعارضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عرض المثل فهو جائز بل واجب.
وابن القيم يلتقي مع ابن العربي، في أن التسعير لا يحكم عليه حكم مطلق ولكن ينظر الظلم فهو واجب، وبهذا يصبح الخلاف هو في تحقيق المناط أي في بيان الأحوال التي تحقق فيها الظلم لصاحب السلعة، فيكون تصرف صاحب السوق حرامًا، وفي الأحوال التي ظلم فيها أرباب السلع غيرهم فيكون رفع ظلمهم واجبا.
стр. 7275
أنواع صاحب السلعة:
الجالب والمنتج: قد يكون صاحب السلعة جالبًا للسلعة والرأي الغالب أن الجالب لا يسعر عليه، أصله ما رواه مالك في موطئه أن بلغه، أن عمر بن الخطاب – ﵁ قال لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من إذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا فيحتكرونه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء أو الصيف، فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله، فهذا الحديث يدل على حرية الجالب في التسعير لا يتسلط عليه، وكذلك المنتج يبيع سلعته بالثمن الذي يرغب فيه لا يتسلط عليه الحاكم فيحدد له الثمن إلا أنه إذا كان أهل السوق قد جرى بينهم سعر فجاء الجالب ليرفع في الثمن أو ليخفض فيه فإنه لا يتعرض له في تحديد الثمن، ولكن هل يرفع من السوق أولًا؟ خلاف، فمالك اعتمد ما رواه من حديث عمر رضي الله تعالى عنه مع حاطب بن أبي بلتعة فعن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه أن عمر بن الخطاب مر على حاطب بن أبي بلعة، وهو يبيع له زبيبًا بالسوق فقال له عمر بن الخطاب: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا، فهم بعضهم أن حاطبًا كان يبيع بالدرهم أقل مما يبيع غيره، فنهاه عمر عن ذلك ليحط من الثمن ويسير مع ثمن أهل السوق، وقيل بل إن حاطبًا كان يبيع بالدرهم أكثر مما يبيع به غيره وهذا مفضٍ للخصام بين من يخفض في الثمن وأهل السوق، ولذلك لم يفرق كثير من العلماء في الخروج عن الثمن بين الزيادة والنقص، قال ابن القصار: اختلف أصحابنا في قول مالك ولكن من حط سعرًا، فقال البغداديون أراد: باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية بدرهم، وقال قوم من البصريين أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة فيفسد على أهل السوق بيعهم وربما أدى إلى الشغب والخصومة، قال ابن القصار وعنه أن الأمرين جميعًا ممنوعان ورأي ابن رشد هذا – الذي أيده – هو غلط ظاهر إذ لا يلام أحد على المسامحة في البيع والحطيطة فيه، بل يشكر على ذلك فعله لوجه الناس، ويؤجر إن فعله لوجه الله بهذا عقب صاحب الطرق الحكيمة.
يتبين مما سبق أن التسعير لا يعطي لصاحب السلطة الحق في التعسف في الحكم وفرض السعر على الناس حسب تقديره الخاص ولا يمكنه من التسعير بالاعتماد على رأي المشترين وإنما يجمع هيئة تتألف من التجار والخبراء، ويعتمد المعطيات الحقيقية من ثمن الشراء وما يرغب التجار في الاستمرار على القيام بدورهم من إيصال السلع إلى الراغبين فيها، وعلى هذا فالسعر غير ثابت وإنما هو تابع لتقلب السوق واختلاف القيم، يقول صاحب التيسير في أحكام التسعير: يجب على صاحب السوق الموكل لمصلحته أن يجعل لهم من الربح ما يشبه ويمنعهم من الزيادة عليه ويتفقدهم في ذلك ويلزمهم إياه كيفما يتقلب السعر زيادة أو نقصانًا.
стр. 7276
مخالفة التسعير:
إذا تدخل صاحب السلطة وسعر على الناس فإنه يجب أن يطاع، لأن القضية محل خلاف وحكم الحاكم يرفع الخلاف، ويلزم كل الناس احترام حكمه ما دام غير مناقض لأصل يقيني.
وإذا خالف البائع وباع أكثر من القيمة فالبيع صحيح، ففي الفتاوي الهندية إن سعر فباع الخباز بأكثر مما سعر جاز بيعه، ويقول الشربيني: فلو سعر الإمام عزر مخالفه بأن باع بأزيد مما سعر لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخالفة وصح البيع إذا لم يعهد الحجر على المختص في ملكه أن يبيع بثمن معين، والتعزيز عند الحنفية لا يكون إلا إذا تكرر من التاجر المخالفة، يقول الطوري: وينبغي للقاضي والسلطان أن لا يجعل بعقوبة من باع فوق ما سعر به بل يعظه ويزجره، وإن رفع إليه ثانيًا فعل به كذلك وهدده وإن رفع إليه ثالثًا حبسه وغرره حتى يمتنع عنه ويمتنع الضرر عن الناس.
أما حكم الشراء بالسعر المحدد:
يقول الطوري: ومن باع منهم بما قدره الإمام صح لأنه غير مكره على البيع، كذا في الهداية وفي المحيط إن كان البائع يخاف إذا زاد في الثمن على ما قدره أو نقص في البيع يضربه الإمام، أو من يقوم مقامه، لا يحل للمشتري ذلك لأنه في معنى نقص في البيع يضربه الإمام، أو من يقوم مقامه، لا يحل للمشتري ذلك لأنه في معنى المكره والحيلة في ذلك أن يقول له – أن يقول المشتري للبائع – تبيعني بما تحب وعند الحنابلة يبطل البيع إذا هدد المشتري البائع ويكره الشراء بالتسعير وإن هدد من خالفه حرم البيع وبطل، لأن الوعيد إكراه.
وفيما قاله الحنابلة نظر، ذلك أن الإكراه المؤثر في العقد هو الإكراه التعسفي الذي تسلط فيه القوي على الضعيف فيخضعه لإرادته، أما إذا كان الإكراه تطبيقًا لمقتضيات الشرع فلا حرمة فيه ولا بطلان، كما يكره الشفيع المشتري للشقص على تحويله له بثمنه، وكما يكره الشريك شريكه على البيع فيما لا يقبل القسمة، وكما تكره الزوجة زوجها على تنفيذ قضاء القاضي بالنفقة عليها حسبما قدره.
стр. 7277
أما التسعير في عصرنا الحاضر:
أن التسعير في عصرنا الحاضر يختلف عن التسعير في العصور السابقة، كما أنه يختلف أمره من بلد ومن بضاعة إلى بضاعة أخرى ويتبين ذلك مما يأتي:
أولًا: جرت بعض البلدان التي لها قوة مالية تغطي احتياجاتها أو تفوقها أنها لا تتدخل في التوريد ذلك أن عملتها لها من الغطاء ما يضمن رواجها بقيمتها، وهذه الدول تبني اقتصادها على قاعدة العرض والطلب، فترفع الأثمان أو تنخفض تبعًا لهذه القاعدة ولا يرى الحاكم أنه في حاجة إلى التدخل وأن عدم تدخله يضمن تدفق السلع للأسواق والمزاحمة، خاصة وقد غدت وسائل النقل وإيصال السلع تشمل البر والبحر والجو، وأصبح التجار في هذه البلدان يعتمدون لتحقيق الأرباح دوران رأس المال، قلما يلجأون إلى الاحتكار.
ثانيا: جرت بعض البلدان ذات الاقتصاد الضعيف أن تتدخل في الحركة الاقتصادية من عدة نواح:
(أ) لما كانت عملتها لا قيمة لها خارج حدودها، وهي غير ملزمة بمقايضتها لما كانت كذلك كان التوريد خاضعًا لتمكين المورد من العملة التي يقبلها البائع خارج الحدود الوطنية، وهذه العملة ليست من مجهود المورد ولكنها مجهود الأمة، وبهذا الاعتبار، فالمورد يملك رأس مال ناقص تكمله له الدولة من ثروة الأمة، وتنظيم شئون الدولة حصر قائمة الموردين حسب شروط وتنظيمات، وبهذا فإنه يحق للدولة أن تحدد سعر البيع كما تراقب سعر الشراء وهو ما نص عليه ابن القيم لما قال: أن يلزم – أي الحاكم – الناس أن لا يبيع الطعام أو غيره إلا ناس معروفون – إذا وقع هذا – فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون، وهؤلاء يجب التسعير عليهم وألا يبيعوا إلا بقيمة المثل وألا يشتروا إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد العلماء، لأنه إذا منع غيرهم من أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاؤوا أو يشتروا بما شاؤوًا كان ذلك ظلمًا للناس.
(ب) إن الدولة تجد نفسها ملزمة لظروفها الاقتصادية والاجتماعية أن توقف غلاء المعيشة وتيسر على ذوي الدخل المحدود اقتناء بعض الضروريات بثمن أخفض من قيمتها الحقيقية، وتعوض ذلك من صندوق الخزينة الفارق بين القيمتين، وهنا لا بد لها من أن تحدد ثمن البيع لأنها في حقيقة الأمر أسهمت في رأس المال، فهي شريكة ومن يشاركها قد دخل على أنه لا يزيد على الثمن الذي حددته.
فيظهر أن تدخل الدولة في التسعير هو نتيجة ضعف في الاقتصاد الوطني وأنه كلما كان الاقتصاد قويًّا كانت الدولة في غنى عن ذلك.
والله أعلم وهو حسبنا ونعم والوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 7278
الدكتور محمد عطا السيد:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين اللهم صلِّ على محمد عبدك ورسولك.
أود أن أقدم فأقول إن هذه المسألة – أيضًا – من المسائل التي تعاني منها كثير من شعوبنا الإسلامية، بالذات الشعوب ذات الاقتصاد الضعيف، فقد هيمن في هذه الشعوب فئة معينة من التجار ممن ينتسبون إلى التجارة وفرضوا أساليب معينة، وإجراءات معينة، واتجاهات معينة جعلت من أسعار البضائع – يعني – جعلت فيها غلاء سبب معاناة شديدة وحرجًا كبيرًا لهذه الشعوب، والذي يزور الآن كثيرًا من هذه البلاد الإسلامية يجد أن هذه الشعوب: توجد البضائع قي الأسواق، وبضائع أساسية وضرورية لقوتهم وقوت عيالهم يرونها بأعينهم ولا يستطيعون شراء هذه البضائع نسبة للغلاء المتفاحش الذي تباع به هذه السلع، ولذلك أرى – أسأل الله – أن يوفق هذا المجمع، أن يخرج أيضا بقرار حازم، وفقهي واضح للفئات الثلاثة، وهو ما يبين حدود وحقوق التجار وأيضًا حدود وحقوق التجار وأيضا حدود وحقوق ولاة الأمور في هذه المسألة، وكذلك أيضًا حقوق وحدود عامة المسلمين – فهذه المسألة – هذه المعاناة التي ذكرت ليس فقط هو أنهم يعانون في عدم شراء مستلزماتهم، ولكن تسببت في كثير جدًّا من المفاسد، بأن لجأ عدد كبير من هؤلاء إلى أن يستعملوا وسائل فاسدة لكي يزيدوا من دخولهم ويقابلوا هذا الغلاء، لأنهم وجدوا أنهم لا يستطيعون أن يعالجوا أطفالهم أو يشتروا لهم من المستلزمات الضرورية التي تكفل لهم العيش الصالح، ولذلك تسببت أيضا في مفاسد عديدة في مجتمعنا حتى يحصل الناس على ما يكفل لهم المعيشة لهم ولأطفالهم، فإذن هي مسألة مهمة، وأود – إن شاء الله – أن يوفق اللجنة والمجمع في الخروج فيها برأي واضح، كما ذكر فضيلة المقدم جزاه الله كل خير، أن هذه المسألة يدور فيها – في رأيي، وباختصار – أن الله كفل في هذه المسألة حقها، وهي حرية الرضا التي ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
стр. 7279
فهذا الحق كفله الله في كتابه وهو الرضا لكل من يملك، من حقه إذا كان يملك سلعة ويريد أن يبيعها بمطلق رضاه، وله مطلق التصرف، وهذا ما كفلته الشريعة للمالك الحقيقي لأي سلعة، بينت السنة هذا الحق، عندما قال الناس للنبي ﷺ غلا السعر يا رسول الله فسعر لنا، فأبى النبي ﷺ أن يسعر، وقال: ((إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم يطالبني بمظلمة من دم ولا مال)) . والنبي ﷺ هو أرأف الناس بالمسلمين، ولو كان هنالك أي حرج يشكو منه المسلمون، وكانت فيه وسيلة معينة لأن يحدد السعر لفعل، ولكنه بما أوتي من مجامع الكلم ذكر أن هذه مظلمة، وهي في الحقيقة مظلمة، لأنها تنفي حقًّا مؤكدًا في كتاب الله تعالى، وهي هذا الرضا الذي كفله الله تعالى للمتبايعين، لأنهما يملكان هذه السلعة من حقهما. النبي ﷺ أكد أن هذه المسألة مظلمة وفي رأيي في كل العصور تظل مظلمة أن يتدخل الوالي لتحديد السعر، وقد أبى النبي ﷺ أن يفعل ذلك، لكن هل وقف الشارع الكريم عند هذا الحد، وجلس يترك هذه الفئة تهيمن على الناس وتأكل أموالهم؟ أبدًا هنالك حديث مهم جدًّا أوردته في البحث وما أظن عددًا من البحوث الأخرى أورد هذا الحديث، وهو حديث صحيح بيَّن فيه النبي ﷺ بينما رفض أن يحدد الأسعار، أو أن يأتي بهذه المظلمة، لكن بين فيه قاعدة مهمة جدًا – والحديث هو حديث صحيح رواه مسلم والبخاري وغيرهما قال النبي ﷺ : ((لا يبع حاضر لباد، ودعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) فالمتأمل لهذا الحديث يجد أن النبي ﷺ أكد فيه حرية التجارة، وحرية التجارة هذه من المسائل – اليوم – التي تعرف فيها الاتفاقيات والمبادلات بين الدول، وبين الأشخاص، وتراقب الدول بعضها بعضًا مراقبة شديدة، في مدى ما تكفله هذه الدولة من حرية وما تكفله لبضائعها، وما تكفله الدولة الأخرى، فأصبح هذا مبدأ هامًّا للنشاط التجاري الصحي بين الدول وبين الأفراد، وأكده النبي ﷺ منذ زمن بعيد ورفض التسعير لأنه مظلمة ولكنه قال: ((لا يبع حاضر لباد)) ومعنى ذلك أن النبي ﷺ وهذه المسألة كما ذكر شراح الحديث ((لا يبع حاضر لباد)) هي أن يأتي البدوي بسلعة يريد التسارع في بيعها، مثل الخضار، اللحم، الفواكه، من هذه الأشياء يأتي بها، يريد أن يبيعها سريعًا ويرجع، فيأتي إليه الحضري ويقول له: دعني أغالي لك في بيعها، وكما ذكر ابن عباس في شرح هذا الحديث قال: أن يكون له سمسارًا، فقال: منع رسول الله ﷺ ذلك، لأن في ذلك إضرارًا بالغير، فإذن هذا الحديث فيه مبدأ مهم جدًّا في المسألة التي نناقشها الآن وهي أنه بينما أكد النبي ﷺ أن التسعير مظلمة وسلب الحق أكده الله في كتابه الكريم، بين أن لولاة الأمور – وقد بدأ ذلك الفعل النبي ﷺ ولنا فيه أسوة – أن لهم التدخل بكل الوسائل الممكنة، وبكل الطرق الممكنة للحد من الغلاء، فتصرفه بأن منع أن لا يبيع حاضر لباد، هذا تصرف واضح، والحكمة منه واضحة، وإذن لولاة الأمور أن يقفوا ويمتنعوا عن هذه المظلمة، وهي في الحقيقة ليست مظلمة فقط، بل تكفل للناس حرية الرضا وحرية التجارة وحسن التعامل بين الناس، لكن في نفس الوقت للدولة إذا تحرت ووجدت أن هنالك أي عوامل أو أي عناصر أو أي مجموعة من الناس تعمل وتخطط أو تجهد لكي ترفع لأسعار وتغنى – كما هذه الفئة من الناس التي ذكرها فضيلة الشيخ المقدم – على الدولة أن تحاربها بكل الوسائل للدولة أن تسن من اللوائح ما يكفل سوقًا صالحة، ورخاء في الأسواق، وعلى الناس طاعة هذه الدولة في هذه المسألة، والمسائل التي – أيضا – تقوم بها الدولة هي على الدولة وعلى ولاة الأمور في الدول الإسلامية مهام عظيمة وهي توفير البضائع للناس، وهذه مسألة – طبعًا- حسب ما يفتح الله إذا توفرت هذه البضائع صارت السوق سوقًا حرة وللناس حرية التعامل فيها وحرية والتداول، وكذلك في رأيي أن على الدولة الصالحة التي تقتدي أو تشعر بواجبها في هذا الدين أن تحيي ضمائر الناس بالتقوى، النبي ﷺ مدح التاجر الصدوق الأمين، وقال: إنه مع النبيين والصديقين والشهداء، وبين الخيارات المختلفة حتى تكفل هذا الرضا، وهذا التسامح في البيع، فإذن الدولة يجب زيادة على ما يجب تكفله من وفرة البضائع حتى تحارب السوق السوداء وغيرها من الأشياء، وما تكفله الدولة أيضًا من إحياء الضمائر بالتقوى والعمل الصالح والنزاع بين الناس في هذه الأمور، أنا في رأيي هذه مهمة كبيرة جدًّا على ولاة الأمور، وقد أعطاهم النبي ﷺ هذا الحق في التدخل، وشكرًا.
стр. 7280
الدكتور منذر قحف:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
أنا في الحقيقة عندي بضعة نقاط وأرجو أن أدعو أيضًا إخواني الاقتصاديين الحاضرين لأن يتكلموا في هذا الموضوع، أحب أن أبدأ بالنقطة الأخيرة التي انتهى إليها الأخ الدكتور حمد عطا السيد، الحقيقة واضع المسلمين وواقع دولهم أن الدولة كانت المتسبب الأول والأكبر، وفي معظم الأحيان الوحيد في ما نسيمه من جشع التجار، واحتكار التجار، وانتفاعهم، والحقيقة أن الدولة هي المنتفعة أيضًا، الدولة بمعنى موظفيها، بمعنى من يتدخل، من يضع هذه اللوائح، من ينفذ هذه اللوائح، من يعطي التراخيص، ومن يمنع التراخيص، هي كانت المتسببة وهي المنتفعة وهؤلاء كما هو مألوف وملحوظ ومرئي هم شركاء ما يسمى بفئة التجار الجشعة، هذا واقع المسلمين، وهذا تدل عليه تجربة الدول الإسلامية والدول غير الإسلامية خلال نصف قرن من الزمان، ليست فئة التجار هي المشكلة بل أن تنظيمات الدولة وتراخيصها وفئة البيروقراطية التي في الدولة هي التي سببت وعملت وانتفعت من هذه التدخلات، التسعير: أظن ينبغي أن نميز تمييزًا مهمًّا بين تسعير على فرد كما ورد في المثال الذي " أعتق عبدًا له فيه شرك " هذا تسعير على فرد، والتسعير هنا بسعر المثل بسعر السوق بمعنى آخر، بالسعر الذي يتكون بحرية التداول بالسوق، وبين التسعير على الأمة كلها، التسعير على الأمة أمر يمنع السلع، يمنع تداولها، يمنع الإنتاج، يؤثر على كفاءة الإنتاج إلى حدود بعيدة، وهذا أمر مجرب، لا شك أن هناك بعض الظروف التي تقتضي نوعًا من تدخل الدولة، الظروف الاستثنائية، ظروف عدم وجود المواد أصلًا، عدم توفرها، ظروف بطبيعتها استثنائية جدًا، فإذا جعل من هذا الاستثناء القليل النادر، إذا جعل منه قاعدة أدى ذلك إلى هبوط عام في الاقتصاد وفي كفاءة الإنتاج وكفاءة التوزيع، وأدى إلى تسلط فئات هي أكثرها من الفئات التي تصنع هذه الأنظمة وتضع هذه اللوائح، بعض السلع بطبيعتها تتضمن معنى الاحتكار، سلعة لا تنتج إلا باستعمال أموال كبيرة ولا يمكن توزيعها بطريقة تنافسية، مثل الكهرباء مثلا، إنتاج الكهرباء، هذا قد يأتي به موضوع أن تحدد الدولة أو أن تشترك الدولة في تحديد نوع ما من الأسعار على الناس بحيث تتوازن مصالح المستهلك والمنتج، وحتى في هذه السلع يلاحظ أن تدخل الدولة بالتسعير يؤدي في معظم الأحيان إلى عدم موافقة المنتجين لهذه السلع للتطورات الفنية الحديثة، بأن يتخلف الإنتاج عندهم وأن تبقى طريقة الإنتاج بطرق قديمة غير متطورة، وهذا أيضًا أمر ينبغي أن يلحظ كثيرًا عند التسعير حتى في مثل هذه الأحوال، كنت أود أن يركز الموضوع على مسألة تحديد أرباح التجار التي أشار إليها الدكتور القرضاوي، وهي موضوع مختلف عن مسألة التسعير، أحب أن أستمع من السادة العلماء إلى رأي في ما هي العناصر التي يلحظها التاجر المسلم؟ الضمير المسلم، عندما يحدد سعره، عندما يحدد ربحه دون تدخل الدولة، دون أي شيء، ما هي العناصر؟ ما هي المؤثرات التي تجعله يقبل بربح ما ولا يقبل بربح آخر؟ وهل يختلف الإنسان المسلم في هذا عن غيره من غير المسلمين؟ وهل يؤثر الإسلام بأن يجعل في نفس الإنسان عناصر واتجاهات تؤثر وتحدد له منحاه في ما يقبله من ربح، وما لا يقبل به؟ هذا غير تدخل الدولة أيضًا في تحديد الأسعار وهي نقطة مهمة جدًّا في دراسة نفسية الإنسان المسلم مقارنة مع غيرها في سلوكه الاقتصادي أكتفي بهذا والحمد لله رب العالمين.
стр. 7281
الشيخ محمد علي التسخيري:
شكرًا سيدي الرئيس.
أولًا: أود أن أشكر أستاذنا السيخ السلامي على هذا العرض الجيد الجامع فحياه الله، ولم يبقَ لي أي كلام يرتبط بمقالي، وإنما أردت أن أؤيد ما تفضل به الأخ الدكتور المتحدث قبلي الدكتور منذر، من أن الحكومات اليوم أحيانا يكون لها دورها المؤثر في رفع الأسعار، وفي إيجاد هذه الأزمات التي نلاحظها وأعتقد أن هناك عوامل في هذا المعنى منها وجود اتجاهات – واقعًا – اشتراكية جافة جدًّا حتى عند من ينتسبون إلى الإسلام ويؤمنون –واقعًا- بالإسلام ولكنهم متأثرون تماما بالتخطيط المركزي القوي، الحديدي للأسعار، فهؤلاء يتدخلون وفق هذه الاتجاهات، وبالتالي يخلقون نوعًا من التضييق لا مبرر له، وربما دلتنا التجارب الواقعة اليوم على أنهم إذا فسحوا المجال فإنهم يرفعون التضييق عن الشعب من جهة، ويرجع السعر إلى حالته الطبيعية من جهة أخرى هذه التجارب عشناها عملًا في كثير من التطبيقات، الشيء الآخر، هؤلاء يعمدون إلى رفع أسعار خدماتهم التي يقدمونها للشعب، أو الضرائب التي يأخذونها على التراخيص وأمثال ذلك، وهي بالتالي تعطي مبررًا طبيعيًّا لأصحاب السلع لرفع الأسعار، هذه الأمور يجب أن تلحظ عندما يريد ولي الأمر أن يتدخل لتحديد الأسعار فلعله هو أو عماله هم السبب في رفع هذه الأسعار، الشيء الآخر الذي أشير إليه أننا لو غضضنا النظر عن التطبيقات الحالية، ولي الأمر يستطيع – اليوم – من خلال تقديمه الخدمات والتسهيلات والعملة الصعبة وأمثال ذلك، وهذا ما أشار إليه أستاذنا السلامي أيضا، من خلال تقديم هذه الخدمات يستطيع أن يشترط على التجار أن يدخلوا في إطار التحديدات العامة للأسعار، والقوانين العامة للسوق، يعني يستطيع الاشتراط من خلال تقديمه لهذه الخدمات (الماء، والأمن وما إلى ذلك) كل هذه الأمور تقدم على شرط أن يلتزم التجار بما يحقق العدالة في السوق الإسلامية، لا أرى مانعًا بهذا الاشتراط، وشكرًا.
стр. 7282
الدكتور يوسف محمود قاسم:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أقدم خالص شكري إلى فضيلة الأستاذ الشيخ المفتي محمد المختار السلامي، على هذا العرض الوافي بالنسبة للأبحاث، وبالنسبة لبحث فضيلته بالذات، الذي أشار فيه إلى آراء مجموعة كبيرة من السلف الصالح، ثم إلى بعض الآراء المعاصرة التي اختار هو ترجيحها، في الواقع من هذا العرض الذي سمعناه يبدو أن هنالك أصلًا قاعدة أصلية متفق عليها مسلمة في الكتاب والسنة وهو أن (التسعير حرام) " إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني أرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال " فهو ﷺ رفض أن يسعر؛ لأنه مظلمة، كما قرر ذلك علماء السنة، لكن وكما وضح العلامة ابن القيم أن هنالك استثناء، إذا تعنت التجار على أن يضروا بمصالح الناس وأن يرفعوا السعر عليهم ظلمًا وعدوانًا، فهنا يجوز لولي الأمر أن يتدخل لرفع الظلم، وعبارة ابن القيم: " يجوز بل يجب عليه لأن من اختصاصه ولاية المظالم، ورفع الظلم عن الناس " في الحقيقة أيضا، الدول المعاصرة في الدول النامية، الدولة النامية في الواقع هذه الدولة واقعة في ورطة، نتيجة عدم توضيح الأمور من الناحية الفقهية لها، لأننا كثيرًا ما قرأنا وسمعنا في الستينيات فتاوى كثيرة تبرر للدول المتسلطة أن تحدد السعر، والتسعير جائز، والتسعير والمصلحة، وهكذا، والكل يفتي، هذا أوقع الدولة الآن في ورطة لماذا؟ لأنه في الواقع التسعير من غير ضوابط يؤدي إلى ظلم ظاهر، كما أكد ذلك الحديث التسعير الذي تكلم عنه ابن القيم وابن تيميه وغيرهم، هو لرفع الظلم إذن تدخل استثنائي ولفترة محددة فيرفع الظلم، تتدخل الدولة لترفع الظلم عن الناس حتى يعود السعر إلى المجرى الطبيعي إلى العرض والطلب، ولذلك عبارة ابن القيم لا زالت في ذهني، أما إذا كان ارتفاع السعر راجعًا إلى قلة الشيء أو إلى كثرة الخلق، فهذا إلى الله، ولا يجوز التدخل، هذا مذهب ابن القيم، إذن القاعدة ما هي؟ القاعدة هي العرض والطلب، هذا هو الأساس متى يجوز التدخل استثناء؟ لرفع الظلم، على الدولة أن تتدخل لترفع الظلم، ثم ترفع يدها بعد ذلك عندما تعود الأسعار إلى مجراها إلى العرض والطلب، فضيلة الشيخ السلامي – جزاه الله خيرًا – أشار إلى عبارة، يقول: وعلى الدولة أن تعوض التجار من الخزانة العامة، هذه هي الكارثة الواقعة فيها كل الدول النامية الآن، موضوع الدعم، لِمَ الدعم؟ الدعم نتيجة عدم تبصير الدولة بأن التسعير حرام، فغالت مغالاة لا حد لها في التسعير، بطبيعة الحال يصرخ التجار، لأن التسعير يصادر كل أرباحهم، فتأتي الدولة سرًّا وتعوضهم الربح المعقول من خزينة الدولة، خزينة الدولة الآن تتحمل في سلعة واحدة في بعض الدول مليارين من أجل سلعة واحدة فيقول لك: الدعم ويأتي صندوق النقد الدولي ليتدخل، والدنيا تصرخ، والمشاكل التي لا حد لها، هذا من عدم ضبط قاعدة التسعير وبحمد الله حينما أثير هذا الموضوع أمام المجمع الموقر والذي له الكلمة العليا بين علماء المسلمين، والمسلمون ينتظرون كلمة الحق، التسعير حرام إلا إذا كان هنالك ظلم من التجار فتتدخل الدولة لرفع الظلم فقط، ثم ترفع يدها ليعود المجرى الطبيعي، مجرى العرض والطلب، وأكرر عبارة ابن القيم: " أما إذا كان ارتفاع السعر راجعًا إلى كثرة الخلق أو إلى قلة الشيء فهذا إلى الله " وشكرًا لكم. والسلام عليكم.
стр. 7283
الشيخ محمد المختار السلامي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ورد في تعليق الأخ منذر قحف أنه يرى أن هذا الموضوع ما كان ينبغي أن يبسط على هذا النحو، وأن الذي كان يأمله هو أن يعرف هل الإسلام يحدد للمؤمن نفسية خاصة في تحديد أرباحه، أو لا؟ ولست أدري هل كان معنا الأستاذ منذر قحف من الأول أو لا؟ لكن هذا أول ما ابتدأت به حديثي، فقد قلت: إنني لم أجد أي نص، لا في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال العلماء، يوجب على المؤمن أن لا يبيع إلا بربح محدد، بل الواقع الذي وجدناه في تعاليق الصحابة والتابعين، أنهم باعوا بخسارة، وباعوا بربح متوسط، وباعوا بربح يبلغ أضعاف الأضعاف فالقضية هي قضية سوق، ثم إن الإسلام يدخل في قلب المؤمن تارة فيجعله قنوعًا راضيًّا، وتارة يدخل قلب المؤمن ولكن لا يصل به إلى هذا الحد، فهي ليست قضية واجب، لكن هي قضية تأديب سلوك، ونحن هنا لا نبين – لسنا في مقام التبيين – القضايا السلوكية الخاصة التي يرغب فيها، ولكن في مقام الحقوق، فالموضوع يوضع لبيان ما يجب، وما يحرم، ومن باع ولو بأضعاف لا شيء عليه وشكرًا.
الشيخ خليل محيي الدين الميس:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كنا ننتظر من سماحة العلامة أن يبدأ بعنوانين بارزين وهما: التسعير والاحتكار، كل منهما تسلط مرفوض مبدئيًّا، فالتسعير تسلط الحاكم على الفرد، والاحتكار تحكم الفرد في الجماعة كل منهما من حيث المبدأ مرفوض إلا للضرورة، ولكن ماذا نقول إذا اجتمع كل من التسعير والاحتكار في يد واحدة، كما عليه الأمر في كثير من دول ذات نظام معين في الحكم؟ فهي المحتكرة، وهي المسعرة، وهي المضيقة على عباد الله في كلا الأمرين، كما أن هنالك تسعيرًا فيه توسعة، وهذا واضح في دول معينة، عندما تسعر إنتاجًا معينًا للتشجيع وتسعر للمواطنين أسعارًا معينة لمحاصيلهم الزراعية، فهي تعطي ربما فوق ما يستحقون، بينما دول أخرى تظلمهم في كلا الأمرين، ومن هنا فالاحتكار بالجملة والتسعير للتضييق كلاهما قيد على الحرية، هذا من حيث المبدأ ولكن لهذا المبدأ استثناءات إذا خرج المواطن عن أخلاقيته تدخل الحاكم ليرده إلى صوابه، وشكرًا والسلام عليكم.
стр. 7284
الدكتور محمد عمر الزبير:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طبيعة السوق اختلفت اختلافًا كبيرًا وجوهريًّا عن طبيعة السوق في عصر رسول الله ﷺ ، فكانت القوى تتوازن لتحقق السعر العادل بين أطراف المتعاملين في تلك السوق، أما وقد تغيرت تلك الآلية في هذه الأسواق الحاضرة، فيجب أن تتنزل الأحكام على قضايا الواقع ودراسة واقع هذه الأسواق، فالتعارض والتنافر بين مصالح الأفراد في هذه السوق، هذا التعرض هو الظاهرة السائدة في هذه الأسواق، ولا بد من تدخل فئة من الفئات المعنية بتحقيق هذا التعادل والتوازن، الدولة لا بد أن تتدخل في تلك الأحوال، وأقول ليست هذه أحوالًا استثنائية، وإنما ظاهرة الاحتكار في هذه الأسواق هي الظاهرة العامة، فلا توجد تلك الأسواق السائدة في العصور السابقة، أختلف مع زميلي الدكتور منذر في هذه القضية، فإذا كانت الدولة هي المسببة في إثارة هذا التعارض وهذا الارتفاع في هذه الأسواق، إلا أن الدولة أيضًا لها دور كبير جدًّا في القيام بالتوازن بين هذه المصالح، وأعتقد أن التدخل واجب لإقامة العدل بين أفراد المجتمع وشكرًا.
стр. 7285
الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أقدم الشكر الجزيل للشيخ المختار السلامي، على تلخيصه الجيد، واهتدائه إلى النقاط المهمة في كل بحث من البحوث التي أسند إليه تلخيصها.
والحقيقة أن الموضوع اليوم هو موضوع شامل، وحيوي لأنه يهم السوق الإسلامية، والمواطن الإسلامي، فتحديد أرباح التاجر تتمحور تحتها عدة محاور، البيع – كما نعلم – هو بيع مساومة أو مرابحة، والمرابحة خطيرة في عصرنا لأنها أصبحت هي البيع الذي يكاد يشمل جل الساحة الإسلامية، فلا بد من النظر الإسلامي إليه، ولا بد من تنبيه حتى إذا لم نقل التدخل المباشر، لا بد من يقظة أولي الأمر لتتبع حال السوق، والحال أن الذين يبيعون في الأسواق لم يتلقوا أثناء دراستهم الدراسات الكاملة التي تبين لهم الحلال والحرام في البيع، والتي تعرفهم على مواطن الغبن الفاحش المحرم في الشريعة، وتبين لهم المواد التي يحرم بيعها للمسلمين، وتبين لهم غير ذلك من الأشياء التي يجب أن يتجنبها المسلمون في سوقهم، ففي هذه الحالة، تدخل السلطة هنا لا يقول به باحث من الباحثين الزملاء الذين تكلموا في الموضوع والذين لخص الشيخ المختار كلامهم، لا في المرابحة، ولا في التسعير، ولا في تحريم الاحتكار ومراقبته ومنعه، لا نقول بأن يكون التدخل أعمى يوكل إلى سلطة ظالمة تربت في أحضان الغرب وسياسته، والتي تفرض على المسلمين ما درسته في الغرب، وما تلقته، وما ارتبطت به مصالحها فيه، ولكن نقول تدخل السلطة الشرعية المسلمة التي تريد أن تعيد للإسلام توازنه الذي كان يهدف إليه الرسول ﷺ والذي قام به خلفاؤه من بعده، وأكرر هنا قضية عمر بن الخطاب مع حاطب بن أبي بلتعة، حيث قال له: " إما أن تبيع بمثل ما باعت به العير التي قدمت من الطائف، وإما أن تنتقل عن السوق "، ثم أكرر الحديث الذي قال: ((من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغلي عليهم، كان حقًّا على الله أن يقعده على عظم من النار)) حقيقة أنه بين الآية الكريمة: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، وما ورد في القرآن الكريم مما يؤكد أن القرآن يريد أن يعطي الحرية للمسلمين في تبايعهم وما ورد من أحاديث في ذلك، وبين اختلاط المسلمين بغيرهم، وبين احتكار التجار، وبين رغبتهم في الأرباح التي تستنزف كل طاقة المسلم، وبين حتى أولئك الذين يقدمون بتجارتهم من أجل أن يحطموا السوق حتى يتنحى عنه الناس، وهي ظاهرة ألح عليها الإمام مالك، كل هذه الأوضاع يجد فيها الحاكم سلطته ضيقة للتدخل، ولكن لا يمنع هذا أن يتدخل الحاكم لحماية المسلمين من استغلال التجار استغلالًا بشعًا، كما لا يمنع الحاكم من أن يتدخل، حتى لا تفرض على التجار قيود تمنعهم من استجلاب السلع إلى المسلمين، لهذا فأنا لا أريد أن أتدخل هنا لأسرد الحجج لأني أكون كجالب تمر لخيبر، ولكن أقول بأن البحوث هي بين أيديكم، وقد حللنا فيها أقوال العلماء، وأخذنا بأقوال الخلاف العالي أي المذاهب الأربعة، وحتى مذاهب الشيعة ولكن الشيء الذي ينبغي أن نخرج به أوضاعنا اليوم كمسلمين تفرض علينا فرضًا أن تتضافر جهود العلماء والحاكمين تنظم أحوال السوق لتصبح سوقًا إسلامية، وشكرًا لكم والسلام عليكم.