← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

الشيخ محمد علي التسخيري: شكرًا سيدي الرئيس. أولًا: أود أن أشكر أستاذنا السيخ السلامي على هذا العرض الجيد الجامع فحياه الله، ولم يبقَ لي أي كلام يرتبط بمقالي، وإنما أردت أن أؤيد ما تفضل به الأخ الدكتور المتحدث قبلي الدكتور منذر، من أن الحكومات اليوم أحيانا يكون لها دورها المؤثر في رفع الأسعار، وفي إيجاد هذه الأزمات التي نلاحظها وأعتقد أن هناك عوامل في هذا المعنى منها وجود اتجاهات – واقعًا – اشتراكية جافة جدًّا حتى عند من ينتسبون إلى الإسلام ويؤمنون –واقعًا- بالإسلام ولكنهم متأثرون تماما بالتخطيط المركزي القوي، الحديدي للأسعار، فهؤلاء يتدخلون وفق هذه الاتجاهات، وبالتالي يخلقون نوعًا من التضييق لا مبرر له، وربما دلتنا التجارب الواقعة اليوم على أنهم إذا فسحوا المجال فإنهم يرفعون التضييق عن الشعب من جهة، ويرجع السعر إلى حالته الطبيعية من جهة أخرى هذه التجارب عشناها عملًا في كثير من التطبيقات، الشيء الآخر، هؤلاء يعمدون إلى رفع أسعار خدماتهم التي يقدمونها للشعب، أو الضرائب التي يأخذونها على التراخيص وأمثال ذلك، وهي بالتالي تعطي مبررًا طبيعيًّا لأصحاب السلع لرفع الأسعار، هذه الأمور يجب أن تلحظ عندما يريد ولي الأمر أن يتدخل لتحديد الأسعار فلعله هو أو عماله هم السبب في رفع هذه الأسعار، الشيء الآخر الذي أشير إليه أننا لو غضضنا النظر عن التطبيقات الحالية، ولي الأمر يستطيع – اليوم – من خلال تقديمه الخدمات والتسهيلات والعملة الصعبة وأمثال ذلك، وهذا ما أشار إليه أستاذنا السلامي أيضا، من خلال تقديم هذه الخدمات يستطيع أن يشترط على التجار أن يدخلوا في إطار التحديدات العامة للأسعار، والقوانين العامة للسوق، يعني يستطيع الاشتراط من خلال تقديمه لهذه الخدمات (الماء، والأمن وما إلى ذلك) كل هذه الأمور تقدم على شرط أن يلتزم التجار بما يحقق العدالة في السوق الإسلامية، لا أرى مانعًا بهذا الاشتراط، وشكرًا.

стр. 7282

الدكتور يوسف محمود قاسم: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أقدم خالص شكري إلى فضيلة الأستاذ الشيخ المفتي محمد المختار السلامي، على هذا العرض الوافي بالنسبة للأبحاث، وبالنسبة لبحث فضيلته بالذات، الذي أشار فيه إلى آراء مجموعة كبيرة من السلف الصالح، ثم إلى بعض الآراء المعاصرة التي اختار هو ترجيحها، في الواقع من هذا العرض الذي سمعناه يبدو أن هنالك أصلًا قاعدة أصلية متفق عليها مسلمة في الكتاب والسنة وهو أن (التسعير حرام) " إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني أرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال " فهو ﷺ رفض أن يسعر؛ لأنه مظلمة، كما قرر ذلك علماء السنة، لكن وكما وضح العلامة ابن القيم أن هنالك استثناء، إذا تعنت التجار على أن يضروا بمصالح الناس وأن يرفعوا السعر عليهم ظلمًا وعدوانًا، فهنا يجوز لولي الأمر أن يتدخل لرفع الظلم، وعبارة ابن القيم: " يجوز بل يجب عليه لأن من اختصاصه ولاية المظالم، ورفع الظلم عن الناس " في الحقيقة أيضا، الدول المعاصرة في الدول النامية، الدولة النامية في الواقع هذه الدولة واقعة في ورطة، نتيجة عدم توضيح الأمور من الناحية الفقهية لها، لأننا كثيرًا ما قرأنا وسمعنا في الستينيات فتاوى كثيرة تبرر للدول المتسلطة أن تحدد السعر، والتسعير جائز، والتسعير والمصلحة، وهكذا، والكل يفتي، هذا أوقع الدولة الآن في ورطة لماذا؟ لأنه في الواقع التسعير من غير ضوابط يؤدي إلى ظلم ظاهر، كما أكد ذلك الحديث التسعير الذي تكلم عنه ابن القيم وابن تيميه وغيرهم، هو لرفع الظلم إذن تدخل استثنائي ولفترة محددة فيرفع الظلم، تتدخل الدولة لترفع الظلم عن الناس حتى يعود السعر إلى المجرى الطبيعي إلى العرض والطلب، ولذلك عبارة ابن القيم لا زالت في ذهني، أما إذا كان ارتفاع السعر راجعًا إلى قلة الشيء أو إلى كثرة الخلق، فهذا إلى الله، ولا يجوز التدخل، هذا مذهب ابن القيم، إذن القاعدة ما هي؟ القاعدة هي العرض والطلب، هذا هو الأساس متى يجوز التدخل استثناء؟ لرفع الظلم، على الدولة أن تتدخل لترفع الظلم، ثم ترفع يدها بعد ذلك عندما تعود الأسعار إلى مجراها إلى العرض والطلب، فضيلة الشيخ السلامي – جزاه الله خيرًا – أشار إلى عبارة، يقول: وعلى الدولة أن تعوض التجار من الخزانة العامة، هذه هي الكارثة الواقعة فيها كل الدول النامية الآن، موضوع الدعم، لِمَ الدعم؟ الدعم نتيجة عدم تبصير الدولة بأن التسعير حرام، فغالت مغالاة لا حد لها في التسعير، بطبيعة الحال يصرخ التجار، لأن التسعير يصادر كل أرباحهم، فتأتي الدولة سرًّا وتعوضهم الربح المعقول من خزينة الدولة، خزينة الدولة الآن تتحمل في سلعة واحدة في بعض الدول مليارين من أجل سلعة واحدة فيقول لك: الدعم ويأتي صندوق النقد الدولي ليتدخل، والدنيا تصرخ، والمشاكل التي لا حد لها، هذا من عدم ضبط قاعدة التسعير وبحمد الله حينما أثير هذا الموضوع أمام المجمع الموقر والذي له الكلمة العليا بين علماء المسلمين، والمسلمون ينتظرون كلمة الحق، التسعير حرام إلا إذا كان هنالك ظلم من التجار فتتدخل الدولة لرفع الظلم فقط، ثم ترفع يدها ليعود المجرى الطبيعي، مجرى العرض والطلب، وأكرر عبارة ابن القيم: " أما إذا كان ارتفاع السعر راجعًا إلى كثرة الخلق أو إلى قلة الشيء فهذا إلى الله " وشكرًا لكم. والسلام عليكم.

стр. 7283

الشيخ محمد المختار السلامي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ورد في تعليق الأخ منذر قحف أنه يرى أن هذا الموضوع ما كان ينبغي أن يبسط على هذا النحو، وأن الذي كان يأمله هو أن يعرف هل الإسلام يحدد للمؤمن نفسية خاصة في تحديد أرباحه، أو لا؟ ولست أدري هل كان معنا الأستاذ منذر قحف من الأول أو لا؟ لكن هذا أول ما ابتدأت به حديثي، فقد قلت: إنني لم أجد أي نص، لا في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال العلماء، يوجب على المؤمن أن لا يبيع إلا بربح محدد، بل الواقع الذي وجدناه في تعاليق الصحابة والتابعين، أنهم باعوا بخسارة، وباعوا بربح متوسط، وباعوا بربح يبلغ أضعاف الأضعاف فالقضية هي قضية سوق، ثم إن الإسلام يدخل في قلب المؤمن تارة فيجعله قنوعًا راضيًّا، وتارة يدخل قلب المؤمن ولكن لا يصل به إلى هذا الحد، فهي ليست قضية واجب، لكن هي قضية تأديب سلوك، ونحن هنا لا نبين – لسنا في مقام التبيين – القضايا السلوكية الخاصة التي يرغب فيها، ولكن في مقام الحقوق، فالموضوع يوضع لبيان ما يجب، وما يحرم، ومن باع ولو بأضعاف لا شيء عليه وشكرًا. الشيخ خليل محيي الدين الميس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كنا ننتظر من سماحة العلامة أن يبدأ بعنوانين بارزين وهما: التسعير والاحتكار، كل منهما تسلط مرفوض مبدئيًّا، فالتسعير تسلط الحاكم على الفرد، والاحتكار تحكم الفرد في الجماعة كل منهما من حيث المبدأ مرفوض إلا للضرورة، ولكن ماذا نقول إذا اجتمع كل من التسعير والاحتكار في يد واحدة، كما عليه الأمر في كثير من دول ذات نظام معين في الحكم؟ فهي المحتكرة، وهي المسعرة، وهي المضيقة على عباد الله في كلا الأمرين، كما أن هنالك تسعيرًا فيه توسعة، وهذا واضح في دول معينة، عندما تسعر إنتاجًا معينًا للتشجيع وتسعر للمواطنين أسعارًا معينة لمحاصيلهم الزراعية، فهي تعطي ربما فوق ما يستحقون، بينما دول أخرى تظلمهم في كلا الأمرين، ومن هنا فالاحتكار بالجملة والتسعير للتضييق كلاهما قيد على الحرية، هذا من حيث المبدأ ولكن لهذا المبدأ استثناءات إذا خرج المواطن عن أخلاقيته تدخل الحاكم ليرده إلى صوابه، وشكرًا والسلام عليكم.

стр. 7284

الدكتور محمد عمر الزبير: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. طبيعة السوق اختلفت اختلافًا كبيرًا وجوهريًّا عن طبيعة السوق في عصر رسول الله ﷺ ، فكانت القوى تتوازن لتحقق السعر العادل بين أطراف المتعاملين في تلك السوق، أما وقد تغيرت تلك الآلية في هذه الأسواق الحاضرة، فيجب أن تتنزل الأحكام على قضايا الواقع ودراسة واقع هذه الأسواق، فالتعارض والتنافر بين مصالح الأفراد في هذه السوق، هذا التعرض هو الظاهرة السائدة في هذه الأسواق، ولا بد من تدخل فئة من الفئات المعنية بتحقيق هذا التعادل والتوازن، الدولة لا بد أن تتدخل في تلك الأحوال، وأقول ليست هذه أحوالًا استثنائية، وإنما ظاهرة الاحتكار في هذه الأسواق هي الظاهرة العامة، فلا توجد تلك الأسواق السائدة في العصور السابقة، أختلف مع زميلي الدكتور منذر في هذه القضية، فإذا كانت الدولة هي المسببة في إثارة هذا التعارض وهذا الارتفاع في هذه الأسواق، إلا أن الدولة أيضًا لها دور كبير جدًّا في القيام بالتوازن بين هذه المصالح، وأعتقد أن التدخل واجب لإقامة العدل بين أفراد المجتمع وشكرًا.

стр. 7285

الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أقدم الشكر الجزيل للشيخ المختار السلامي، على تلخيصه الجيد، واهتدائه إلى النقاط المهمة في كل بحث من البحوث التي أسند إليه تلخيصها. والحقيقة أن الموضوع اليوم هو موضوع شامل، وحيوي لأنه يهم السوق الإسلامية، والمواطن الإسلامي، فتحديد أرباح التاجر تتمحور تحتها عدة محاور، البيع – كما نعلم – هو بيع مساومة أو مرابحة، والمرابحة خطيرة في عصرنا لأنها أصبحت هي البيع الذي يكاد يشمل جل الساحة الإسلامية، فلا بد من النظر الإسلامي إليه، ولا بد من تنبيه حتى إذا لم نقل التدخل المباشر، لا بد من يقظة أولي الأمر لتتبع حال السوق، والحال أن الذين يبيعون في الأسواق لم يتلقوا أثناء دراستهم الدراسات الكاملة التي تبين لهم الحلال والحرام في البيع، والتي تعرفهم على مواطن الغبن الفاحش المحرم في الشريعة، وتبين لهم المواد التي يحرم بيعها للمسلمين، وتبين لهم غير ذلك من الأشياء التي يجب أن يتجنبها المسلمون في سوقهم، ففي هذه الحالة، تدخل السلطة هنا لا يقول به باحث من الباحثين الزملاء الذين تكلموا في الموضوع والذين لخص الشيخ المختار كلامهم، لا في المرابحة، ولا في التسعير، ولا في تحريم الاحتكار ومراقبته ومنعه، لا نقول بأن يكون التدخل أعمى يوكل إلى سلطة ظالمة تربت في أحضان الغرب وسياسته، والتي تفرض على المسلمين ما درسته في الغرب، وما تلقته، وما ارتبطت به مصالحها فيه، ولكن نقول تدخل السلطة الشرعية المسلمة التي تريد أن تعيد للإسلام توازنه الذي كان يهدف إليه الرسول ﷺ والذي قام به خلفاؤه من بعده، وأكرر هنا قضية عمر بن الخطاب مع حاطب بن أبي بلتعة، حيث قال له: " إما أن تبيع بمثل ما باعت به العير التي قدمت من الطائف، وإما أن تنتقل عن السوق "، ثم أكرر الحديث الذي قال: ((من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغلي عليهم، كان حقًّا على الله أن يقعده على عظم من النار)) حقيقة أنه بين الآية الكريمة: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، وما ورد في القرآن الكريم مما يؤكد أن القرآن يريد أن يعطي الحرية للمسلمين في تبايعهم وما ورد من أحاديث في ذلك، وبين اختلاط المسلمين بغيرهم، وبين احتكار التجار، وبين رغبتهم في الأرباح التي تستنزف كل طاقة المسلم، وبين حتى أولئك الذين يقدمون بتجارتهم من أجل أن يحطموا السوق حتى يتنحى عنه الناس، وهي ظاهرة ألح عليها الإمام مالك، كل هذه الأوضاع يجد فيها الحاكم سلطته ضيقة للتدخل، ولكن لا يمنع هذا أن يتدخل الحاكم لحماية المسلمين من استغلال التجار استغلالًا بشعًا، كما لا يمنع الحاكم من أن يتدخل، حتى لا تفرض على التجار قيود تمنعهم من استجلاب السلع إلى المسلمين، لهذا فأنا لا أريد أن أتدخل هنا لأسرد الحجج لأني أكون كجالب تمر لخيبر، ولكن أقول بأن البحوث هي بين أيديكم، وقد حللنا فيها أقوال العلماء، وأخذنا بأقوال الخلاف العالي أي المذاهب الأربعة، وحتى مذاهب الشيعة ولكن الشيء الذي ينبغي أن نخرج به أوضاعنا اليوم كمسلمين تفرض علينا فرضًا أن تتضافر جهود العلماء والحاكمين تنظم أحوال السوق لتصبح سوقًا إسلامية، وشكرًا لكم والسلام عليكم.

стр. 7286

الدكتور يوسف القرضاوي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حينما تلقيت التكليف من الأمانة العامة للمجمع حول موضوع " تحديد أرباح التجار"، في الحقيقة كان الذي في ذهني أن الموضوع هو ليس موضوع " التسعير " وإلا طلب الحديث عن موضوع التسعير، ولذلك انصرف همي وذهني من أول الأمر إلى البحث عن هذا الموضوع – موضوع تحديد الربح _ وهو لم يحظَ بالبحث من قبل ذلك، وأحمد الله أنه بالبحث لم أجد من العلماء من حدد نسبة معينة إلا ما نقلته عن الزيلعي الحنفي من تفسيره وتعريفه للتعدي الفاحش في قول صاحب الهداية وغيره: " إذا تعدى أرباب الطعام تعديًّا فاحشا جاز للسلطان أو نائبه أن يتدخل للتسعير مشورة أهل الرأي والبصيرة "، فهو قال: إن التعدي الفاحش أن يبيع بضعف القيمة، ولكن لم أفهم ولم أعرف بالضبط ما الذي يريده من ضعف القيمة، هل قيمة المثل – وهذا يتعلق بموضوع الغبن وغيره – أو قيمة الثمن الذي اشترى به؟ هنا يدخل مسألة الربح، لم يحدد بالضبط، وكنت سمعت من بعض الإخوة أن المالكية يقولون أو قال بعضهم – بعضهم قال: إن هذا في حاشية الدسوقي، ولم أستطع أن أعثر على نص في هذا – إنهم يقولون بالثلث، بتحديد الربح بالثلث، وأنه يستحب أن لا يزيد على ذلك، ولعل الإخوة من علماء المذهب المالكي وهم متوافرون هنا أقدر على تحديد هذا الكلام ومصدره، ولكني – كما ذكر فضيلة الأخ الشيخ السلامي وقد أحسن في تلخيصه للبحوث – حفظه الله- وجدت في السنة المشرفة ما يدل على أن يكون الربح مائة في المائة كما في حديث عروة بن الجعد الباقي وهو في البخاري وعند أبي داوود والترمذي وعند الإمام أحمد، وهو الذي اشترى الشاتين بدينار حينما أعطاه النبي ﷺ دينارًا ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، ثم باع في الطريق إحداهما بدينار وجاء للنبي ﷺ وقال: يا رسول الله هذا ديناركم وهذه شاتك، قال: ((وصنعت كيف؟)) فحدثه الحديث، فقال: ((اللهم بارك له صفقة يمينه)) قالوا: فكان لو تاجر في التراب لربح فيه، وقال عن نفسه كنت أقف في كناسة الكوفة – سوق هناك – فأربح أربعين ألفًا قبل أن أصل إلى أهلي ببركة دعوة رسول الله ﷺ ، فالشاهد أنه ربح مائة في المائة في دقائق، يعني في مشوار واحد، وذكرت قصة الزبير والغابة، وكيف باعها عبد الله بن الزبير – وقد اشترى بمائة وسبعين ألفًا – بمليون وستمائة ألف، أي بحوالي تسعة أضعاف، فليس إذن هناك ما يدل على تحديد نسبة معينة للربح، لأننا لا نستطيع أن نأخذ من هذا حكمًا عامًا مطردًا، لأن هذه كما يقول الأصوليون: وقائع أعيان، وإنما تعطينا المبدأ، إنه ليس هناك تحريم لربح معين، ولكن كيف نحدد النسبة للربح لو أدرنا؟ لأن الرسول ﵊ لم يفعل هذا، كما أشرت إلى أن هناك اعتبارات عددية تتدخل في تحديد نسبة الربح، من يبيع حالًا غير من يبيع آجلاء، ومن يبيع قليلًا غير من يبيع كثيرًا، وصاحب رأس المال القليل التافه غير صاحب رأس المال الكبير، ومن يبيع سلعًا تتداول بسرعة بطبيعتها غير من يبيع السلع المعمرة كما يقولون أو يبيع أرضًا تبقى سنين حتى يبيعها التاجر المدير أو التاجر المتربص كما يعبر المذهب المالكي، هذه كلها تختلف، فلا يمكن تحديد ربح معين، ولكن هنا في الحقيقة الشيء المهم: أنه لو أن التاجر المسلم التزم بأحكام الإسلام وبتوجيهاته في البيع والشراء، فإنه لا يمكن في أغلب الأحوال إلا أن يربح قليلًا، لأن مسألة منع الاحتكار، ومنع الربا، ومنع التدليس، ومنع الحلف، وأن يجعل الله بضاعته أو ينفق سلعته بالحلف الكاذب، أو إذا باع مدح وإذا اشترى يذم، إلى آخره، كل هذه الأشياء حتى تزيين السلعة كما قال الإمام الغزالي بالكلام – وهذا يدخل فيه معظم الدعايات التجارية والإعلانات التجارية– فالتاجر لو التزم بهذه التعليمات كلها قلما يربح إلا القليل وخاصة من يبيع السلع اليومية والضرورية للناس، أما إذا اعتمد التلاعب وتدخل بعوامل مفتعلة وأصبح هناك احتكار، فلا بد من التسعير، لا ينبغي أن نصدر فتوى كما توجه بعض الإخوة أن التسعير حرام، لا، الأصل هو عدم التسعير، إنما إذا وجدت عوامل مختلفة كما توجد في كثير من بلاد المسلمين الآن، لا بد أن يسعر ولي الأمر حفظًا لمصالح عموم الناس، وبعض الإخوة بتباكون على التجار، والواقع أننا يجب أن نتباكى على المستهلكين، التجار يكسبون الملايين، ولكن الآن المستهلكون هم الضحية، ثم إن التسعير ليس على التجار فقط، التسعير على المنتجين أيضا، لأن الزارع والصانع وصاحب السلعة (منتج السلعة) يجب أن يسعر عليه، هنا شيء آخر – يعني الحقيقة أحببت تصحيح بعض الأشياء – كلام عمر بن الخطاب ﵁ لحاطب بن أبي بلتعة: " إما أن ترفع السعر أو ترفع من سوقنا "، وبعض الإخوة يرى أن عمر لا يمكن أن يقول هذا وأن الإنسان ممكن أن يتسامح ويبيع بأقل من السعر، ولكن هذا أحيانًا يكون خطرًا على المجموع، وهذه حيلة يفعلها بعض التجار الرأسماليين، وهي من صنع اليهود الآن قد يتدخل في السوق ويغرقه بسلعة معينة في أول الأمر ويبيع بأرخص ليضرب التجار الآخرين ويضرب السلعة، ثم يحتكر بعد ذلك، فأحيانًا إذا وجد هذا، هذا لا يكون لوجه الله ولا لوجه الناس إنما لوجه صاحبه ولمنفعته، وعمر كان خبيرًا وبصيرًا وملهمًا، فأراد أن يكون العدل هو الحاكم، كثير من الإخوة ينقلون عن ابن القيم كل الكلام الذي نقل عن ابن القيم، إن هذا لقلة الشيء أو لكثرة الخلق، وإنه إلزام بالعدل الذي ألزم الله الناس به، وإن التسعير منه ما هو ظلم ومنه ما ... كله كلام ابن تيمية، يعني ابن القيم نقل كلام شيخه – شيخ الإسلام ابن تيمية – في رسالة الحسبة، وأفرغه في الطرق الحكيمة، فمن العدل ومن الأمانة العلمية أن ينسب هذا إلى الإمام ابن تيمية، كذلك ما قاله الشوكاني في "نيل الأوطار " هو كلام الصنعاني في " سبل السلام " وهو سابق عليه فينبغي أن ينسب إليه. أكتفي بهذا القدر وشكرًا.

стр. 7287

الدكتور عبد الله إبراهيم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شكرًا لفضيلة الرئيس. أحب أن أشارك في هذا البحث، وخاصة استجابة لما أثاره أحد الخبراء وهو الدكتور منذر قحف، حول العناصر المعتبرة في تحديد السعر، لأني لم أسمع أحدًا من الحاضرين تناولها بالمناقشة أو بالتفصيل هنا، الواقع أن التاجر حينما يتاجر إنما يطلب الربح، فهو إذن إنما يبيع بسعر يتضمن قيمة التكلفة مضافًا إليها مبلغًا آخر كالربح، وقيمة التكلفة وما يعتبر من الأمور التي يضاف، هناك قيمة التكلفة، قد بينها وتناولها الفقهاء بالتفصيل، كذلك تناولها الباحثون المعاصرون، بينما مسألة الربح المضاف إلى قيمة التكلفة، لم يتناولها إلا قليل منهم كما استمعنا إلى فضيلة الدكتور القرضاوي قبل قليل، وقد ذكرت – أيضًا – هذه المسألة من حيث قلة تناول الباحثين لها في بحثي المطروح أمامكم في (التأجير المنتهي بالتمليك) وكذلك (التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها) فإنهم لم يتناولوا الربح المضاف إلى قيمة التكلفة إلا قليل منهم، لعلهم اكتفوا بذلك إلى معالجة سعر السوق، وبالنسبة للأمور المعتبرة في تحديد قيمة التكلفة كما قلت إنه قد تناولها الفقهاء من قبل بالتفصيل، فإنهم قد ذكروا أمورًا عديدة يمكن اعتبارها من تكاليف الإنتاج، فيوضع لكل منها قيمته فتجمع هذه القيم كلها لتكون قيمة التكلفة، وبعد ذلك يضاف إليها ربح معين لتكون سعر البيع أو قيمته، ومن الأمور المعتبرة بتحديد قيمة التكلفة – كما ذكر الفقهاء – ثمن الشراء الأول على حسب الاصطلاح الحالي، ومنها أيضا ثمن العلف إذا كان هناك حيوان، ومن ذلك أيضًا ثمن النقل إلى غير ذلك من الأمور المبسطة وإن كانوا يتكلمون في هذه المسألة بالمرابحة، إلا أن مسألة تحديد قيمة التكلفة واحدة، سواء كانت في المرابحة أو في البيوع العادية، هذا ما أرى أنه من العناصر المعتبرة في تحديد السعر استجابة لما أثاره الدكتور منذر، وأما بالنسبة للربح المضاف إلى قيمة التكلفة الذي يندر تناوله من العلماء إلا عدد قليل منهم، ومنهم فضيلة الشيخ الدكتور القرضاوي في بحثه المطروح أمامنا الآن، فإنه قد ذكر كما استمعنا لكلامه أنه يمكن أن يصل إلى مائة في المائة وأكثر منه، ومن العلماء أو الباحثين الذين تناولوا هذه المسألة – كما اطلعت – الدكتور شوقي إسماعيل شحاته، ومنهم أيضا الدكتور محمد عبد الحليم عمر في بحثيهما المقدمين إلى المؤتمر السنوي السادس للمجمع الملكي المنعقد في الأردن في يونيو ١٩٨٧ م، فإنهما مع ذلك لم يتناولا هذه المسألة بالتفصيل، مثلًا الدكتور شوقي شحاته فإنه ذكر بصفة عامة عندما ذكر في بحثه المقدم للمؤتمر المذكور – وهو مؤتمر يعقد بالتعاون باسم ندوة بين المجمع الملكي والبنك الإسلامي للتنمية بجدة – ذكر الدكتور شحاته عن الربحية أمرين: أولا: ملاءمة الربحية لذات السلعة أو النشاط في ضوء أسعار السوق أو العمليات السابقة. وثانيا: مدى الالتزام بالقرارات الخاصة بنسب تحديد نسب الربح، وقوانين الاستيراد، واللوائح التنفيذية.

стр. 7288

هذا ما ذكره الدكتور شحاته حول الربح المضاف إلى قيمة التكلفة. وأما ما تناوله الدكتور محمد عبد الحليم عمر، فقد تناوله بشيء من التفصيل، فإنه قال في بحثه حول عنصر الربح كأحد عناصر الثمن الثلاثة، الثمن الأساسي أو الأول ثم الربح، فقال: إن هذا العنصر هو المقصود بالعملية وقال: والعلم به ذكره بالعقد شرط من شروط المرابحة، وإن كان ذكر هذا في المرابحة ونحن في المسألة عامة في المرابحة وغيرها، وذكر عن بعض البنوك الإسلامية، فإن بعض البنوك تذكره، والبعض الآخر لا يذكره بل يذكر ثمنًا إجماليًّا متضمنا الربح دون إشارة إلى ذلك، فقال عن هذا: وهذا أمر يجب تعديله بضرورة ذكر الربح في عقد البيع حتى يحقق الشرط العيني بالربح كأحد شروط المرابحة، وقال: ولا يكتفي في ذلك بذكره في عقد الوعد، حتى ولو أشير صراحة في عقد البيع على هذه الحالة. أولًا: لأن عقد الوعد لا ينعقد بيعًا. وثانيا: لأنه ربما يتم تغيير الربح بين مرحلة المواعدة ومرحلة البيع، لأية ظروف، مثل صدور قوانين أو قرارات من الدولة تنظم ذلك، ثم تناول كيفية حساب الربح المضاف إلى قيمة التكلفة وذكر: أولا: اختلاف البنوك الإسلامية في كيفية حسابه، فقال: يحسب الربح كنسبة مئوية من ثمن الشراء، وجميع المصروفات في بعض البنوك ومصروفات محددة في بنوك أخرى، ويلفت النظر بعد ذلك إلى أن نسبة الربح يجب أن تختلف بحسب نوع البضاعة وعدم السداد بما يؤثر على إجمالي الثمن الذي يزيد في البيع الآجل عنه بالبيع النقدي، مع ضرورة الإشارة إلى أن ذلك يجب أن يكون محددًا بصفة قاطعة عند إبرام عقد البيع، ولا يقال مثلا ً إن نسبة الربح لسلعة ما ٥ % إذا كان السداد على شهرين، و٧ % إذا كان السداد على أربعة شهور، وقال: فإذا كان يجوز أن يكون هذا واضحًا قبل التعاقد فإنه إذا تم العقد على نسبة ٥ % مثلًا، والسداد في مدة شهرين ثم تأخر المشتري عن السداد في الموعد المحدد، ألا تزاد نسبة الربح مقابل الأجل في هذه المرة، بل يعالج الموقف بأخذ الإجراءات المقررة للتوقف عن الدفع على أن بعض البنوك تلتزم بتحديد الربح بالنسبة المقررة من الدولة عندما تحدد الدولة بقرارات نسب الربح لكل سلعة مستوردة أو محلية لكل من المستورد أو تاجر الجملة والتجزئة وذكر أن بعض البنوك تحدد الربح بنسب ثابتة على جميع أنواع السلع: ١٨ % مسترشدة في ذلك بسعر فائدها الربوي السائد في السوق، هذا بعض ما تناوله العلماء والباحثون المعاصرون في مسألة الربح المقدم أو المضاف إلى قيمة التكلفة، ونحن كما أرى أننا في بحث تحديد السعر لا بد أن نناقش ونتخذ قرارًا بالنسبة للربح المضاف إلى قيمة التكلفة هذه، وليس فقط بالنسبة لقيمة التكلفة، وشكرًا.

стр. 7289

الشيخ أحمد بازيع الياسين: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد: الحقيقة في تحديد الأسعار تبرز سوق تسمى " السوق السوداء " وتختفي السلع، وتزيد المشاكل: تخفيض الأسعار والتأثير في تخفيض الأسعار ينتج بزيادة الإنتاج، وسوقنا في البلاد الإسلامية مع الأسف الشديد سوق تابعة للأسواق العالمية المحتكرة، وهناك موجود عصابات منتشرة في العالم تحتكر السلع، وتحد الأسعار لمصالحهم لتهديد الدول غير المنتجة، تهددهم سياسيًّا، وثقافيًّا، واجتماعيًّا، هناك عوامل أرغب في أن أبينها وألقي الضوء عليها، أيضا يتدخل في ارتفاع الأسعار، انخفاض العملة المحلية: انخفاض العملة المحلية أيضا أسبابها كثيرة وكلكم تعرفونها، ثم هناك سبب الاحتكار الناتج عن الجشع، ثم جمع السلطة مع التجارة، يعني لا يجوز أن يكون وزير تاجر أو أمير وتاجر، يعني لا يجوز الجمع بين الإمارة والتجارة، الأمر الثاني، عدم إعطاء رخص الاستيراد، ثم هنالك نقطة مهمة جدًا في الحقيقة وأنا أنادي من هذا المجمع المجتمع الإسلامي يجب عليه أن يكون مجتمعًا إنتاجيا، مع الأسف اليوم المجتمع الإسلامي مجتمع استهلاكي، فيجب أن يطالب في هذا جميع الأمة الإسلامية يجب عليها أن تتحول إلى أمة إنتاجية، البنوك الإسلامية ندعوها –الآن وبعد أن مضى على تأسيسها قرابة الخمسة عشر عامًا، أعتقد أنها نجحت في الخطوة الأولى، الخطوات التي يجب أن تتبع الخطوة الأولى، ونحن بدأنا فيها في بيت التمويل الكويتي – أن تسوق وتنسق بين البلاد العربية والإسلامية في منتجاتها الزراعية والصناعية لأن في التسويق والتنسيق في ما بين الدول العربية والبلاد الإسلامية في منتجاتها الزراعية والصناعية لأن في التسويق والتنسيق في ما بين الدول العربية والبلاد الإسلامية تأثيرًا بالغًا في تخفيض الأسعار، وتشغيل اليد العاملة الصانعة والزراعة، ونحن إن شاء الله قريبًا سوف نجتمع في جدة مع البنك الإسلامي للتنمية لتأسيس شركة في هذا الصدد هذا ما وددت أن أبينه في هذا المجال وشكرًا.

стр. 7290

الشيخ علي المغربي: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله الصادق الأمين. شكرًا سيدى الرئيس. قد كان للحديث والبحث القيم الذي قدمه الأستاذ مختار السلامي، أثر مستوفٍ لجميع المسائل التي تتعلق بالبحث هذا، وتعرض فيه لقضية حرية البيع وهي الأصل، يعني أن التاجر يكون له الحرية المطلقة في أن يبيع بما شاء، ربح الكثير أو القليل، وهذا له الحق فيه، وعدم التدخل من طرف الحاكم، وذكر الأستاذ في الأخير تدخل الحاكم في التسعير، وذكر أن هناك أمما قوية، وأممًا ضعيفة وهو حق، فالأمم القوية لها نظامها ولها تراتيبها في أسواقها، والأمم الضعيفة هي دائما في حاجة إلى من يعيلها، وهي في حاجة أيضا إلى الأمم القوية لتكون لها سندًا في الغالب، ومن هنا أصبح تدخل الحكام في كثير من الحالات في بعض البلاد الإسلامية، وقد لا تكون جميعها، هناك قوي أن لم يكن كليًّا فهو في الغالب، وهذا التدخل قد يراد منه في أول الأمر أن المتدخل لتحديد السعر وتنظيم التجارة وتسييرها واستيرادها وتوزيعها قد يكون المراد منه إدخال كثرة البضاعة في السوق أو رخصها في السوق، ولكننا في كثير من الأحيان نجد القضية عكس هذين الأمرين، فكثيرًا ما يكون التدخل سببًا لفقدان السلعة، أو لزيادة قيمها في السوق، وهذا عائد إلى أن الذين يقومون بالمسئوليات هم الحكام، والحاكم أصلًا لا يجمع بين التجارة وبين الحكم، فإذا دخل الحاكم في التجارة فكثيرًا ما يكون سببًا لفسادها، وكثيرًا ما يكون هذا التدخل أيضا سببًا لفقدان السلعة سواء السلع المنتجة في البلاد أو السلع المستوردة، فالسلع المنتجة في البلاد كثيرًا ما يكون تحديد السعر لها سببًا لفقدها، لأن المنتج إذا رأى نفسه ينتج السلعة أو البضاعة أو إنتاج الفواكه أو الحبوب أو غيرها، ورأى نفسه إذا أراد البيع لا يبيع بما تكلفت عليه به السلع وتكلفت به عليه البضاعة، هناك يتأخر وربما ذلك التأخر يؤدي إلى نقصان السلعة في السوق، فيكون ذلك التحديد سببًا للضرر، هذه ناحية موجودة في كثير من البلدان، كذلك قضية تحديد الربح، قلنا هذا في السوق، الحقيقة هي أن التحديد هذا، تحديد ربح التاجر، وقد تعرض الأساتذة إلى أن هذا التحديد غير جائز لأنه لم يرد به نص في الشارع، وهذا صحيح، ولكن عندما ننظر إلى الذمم بين العصر القديم الذي كان في العهد الماضي عهد الصحابة وعهد السابقين الأولين وبين الذمم في العصر الحاضر، فهذه الذمم الموجودة الآن عند كثير من التجار أنهم لا يخافون الله، وإنما لا يريدون إلا شيئًا واحدًا وهو الربح الفاحش، والاستغلال الكثير في الأمم، فإذا كان المجمع ترك هذه القضية من دون أن يضع لها بحثًا، ومن دون أن يضع لها حلًا، فإن التاجر الذي يربح المرة والمرتين ضعف ما تكلفت عليه البضاعة، ونقول له: إن هذا حلال لك ومباح، لأن الشارع لم يضع لك حدا، فهو يقول: أنا أتصرف تصرفًا شرعيًّا مباحًا، لا حق لأحد أن يعارضني في هذا، ولهذا فالقضية هي قضية نظر إلى الضعفاء، إلى المستضعفين من أفراد الأمة، وإذا نظرنا إلى أن الربا حرمه الله؛ لأن فيه فائدة عن المال، وقد تكون قليلة، ولكن نظرًا إلى أنه أخذ شيئًا ليس من حقه ثم بعد ذلك نأتي إلى التاجر فنقول له: لك أن تربح الضعف أو الضعفين، وهو حلال لك، فهنا لا بد وأن ننظر أيضًا إلى قضية الأمة، خصوصًا الكثرة الكثيرة من أفراد الأمة هم في حاجة إلى العون، وفي حاجة إلى النظر إليهم في هذه القضية، ولهذا فإن القضية هذه نرجو من المجمع الموقر أن ينظر فيها، وكثير من التجار من لهم إيمان، يسألون هذا السؤال ويقولون، ما هو المقدار الذي يمكن لنا أن نقف عنده؟ هل هو الثلث، أو النصف، أو المقدار؟ أعطونا مقدارًا، ولكن المسئول غالبًا ما دام ليس هناك نص محدد، لا يستطيع أن يقول له: قف عند هذا المقدار، وإنما نقول له: كن مؤمنا صالحًا، والإسلام يقول: " لا ضرر ولا ضرار " فلا تضر نفسك، ولا تضر بغيرك وشكرًا لكم.

стр. 7291

الشيخ محمد المختار السلامي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عندي أمران أردت الحديث فيهما إتمامًا – هو طول البحث قد يتسبب عنه أن الإنسان يشرد ذهنه، وشرود الذهن هذا عارض لكل منا – فلما تحدثت عن الاحتكار والتسعير، قلت: إن الأصل في الاحتكار والتسعير هو التحريم ولكن قد يعرض لهما ما يوجب الاحتكار، وقد رأى بعض العلماء وجوب الاحتكار، كما إذا وردت سلع كثيرة من المنتجين، فلولا الاحتكار لها عزف الناس عن الإنتاج الوافر، فالاحتكار يكون ضمنيًّا لسلامة الاقتصاد، فجعل عالم لبنان فضيلة الشيخ خليل الميس: من أن الاحتكار والتسعير كلاهما ظلم، هذا كلام لا يصح على عمومه، ثم إنه ما جاء من كثرة ما دار على كثير من الألسنة: الدولة وهي المسئولة، واتهام الدول، نحن لسنا ضد الدول ولا مدافعين عن الدول ولكن الدول قد تكون لها من الظروف ما يفرض عليها، وواجبها أن تتدخل كلما كان في ذلك مصلحة للشعب، وإذا وقع الظلم في مرة من المرات أو الانحراف عن الحق، فليس معنى ذلك أن الدولة ليس لها أن تتدخل، وليس كل ما تتدخل فيه الدولة هو فساد، قضية ما جاء من أن الكلام هو لابن تيمية وليس لابن القيم، أنا قلت في كلامي بالضبط: الذي أفاض القول في التسعير هو شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقد قابلت بين كلاميهما، ثم نقلت كلام ابن القيم باعتبار أن ابن القيم إنما تتلمذ على ابن تيمية، ثم أضاف ما أضاف، وابن تيمية لم يرد كلامه هذا فقط في رسالته بل إنما أيضًا ورد في الفتاوى، فهو قد ورد في الفتاوى، وأما في رسالته في أحكام السوق ورد في كلام ابن القيم والذي نقلت منه هو كلام ابن القيم فلما نقلت ابن القيم كنت أمينًا عندما أسندت الكلام لابن القيم أما كلام الشوكاني فإني أشكر فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي، وحكم باطلاعه أن أصله للصنعاني، ولكن أقول: أنا عشت مع كتاب الله والحمد لله أكثر من خمسة عشر سنه أدرسه، وفي تدريسي لكتاب الله كنت أجد دائما نفس الكلام منقولًا عمن سبق، هذا أجده في كتاب آخر بنفس اللفظ، فهل يستطيع الإنسان أن يعرف المنبع الأساسي؟ في الواقع أنا عجزت عن إدراك المنبع الأساسي، ولذلك أنسب دائما الكلام لصاحبه الذي نقلت عنه، إذا كان ثقة عندي مطمئنا بلغ من العلم درجة، الأمر الثالث: هو ما تفضل به فضيلة الشيخ على المغربي: أن تحديد السعر لم يرد بالنص ولكن الذمة اليوم خربت فإذا ترك التجار وما يشاؤون ... هذا ما بينته في كلامي، هذا متفقون عليه قدر ما هو متفق عليه، وقد بينت ما قاله ابن العربي وهو الأصل، وهذا كلام ابن العربي زاده بيانًا من عنده فشكرًا له، وأما أن يربح التاجر الضعف أو الضعفين: - اليوم بسرعة وهذا ما انتهيت إليه وأريد أن أؤكده لعله قد وقعت الغفلة عنه – الذي أريد أن أؤكده هو أن سرعة الانتقال وسهولة تحول السلعة من أمكنة إلى أمكنة وكثرة البشر الراغبين في التجارة، هو لا يجعل الحالة اليوم كحالتنا في القرون الماضية، وأنه إذا تركت الحرية للتجار للبيع، فإنه لا تغلي الأثمان، بل هي تنزل، لأن كل شخص يريد أن يشتري ويريد أن يربح ولو القليل، ويقع التنافس بين التجار وهنا يجعل الأرباح تنزل وشكرًا والسلام عليكم.

стр. 7292

دكتور محمد عثمان شبير: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بالنسبة لموضوع تحديد أرباح التجار من الموضوعات التي التبس الأمر فيها على الباحثين، فبعضهم تناول الموضوع من حيث السياسة الإسلامية للسوق الإسلامي، فبين الآداب الإسلامية التي ينبغي أن يراعيها التاجر في تجارته، ونظرية العرض والطلب، وغير ذلك، وبعضهم تناول موضوع " التسعير " وبعضهم تناول موضوع " المرابحة " وهكذا، فلذلك ينبغي على المجمع الموقر قبل أن يكلف الباحثين بكتابة موضوع في الموضوعات أن يضع خطة عمل أو خطة بحث للموضوع فإذا كان الموضوع من الناحية الاقتصادية فينبغي أن يشترك في هذه الخطة باحث اقتصادي وباحث شرعي. الرئيس: أعطونا ذات الموضوع يا شيخ، أما توجيه المجمع فالمجمع هو أدرى بأموره، فقط أعطونا ذات الموضوع، عندكم شيء أعطونا إياه. دكتور محمد عثمان شبير: هذه بعض الملاحظات، الملاحظات التي تتعلق بالموضوع، بالنسبة للتسعير إذا أردنا بالتسعير أو إذا أردنا بأرباح التجار أو تحديد أرباح التجار التسعير، فإن هذه القضية فرع عن أصل، والأصل هو الذي تكلمنا عنه بالأمس وهو تطبيق الشريعة الإسلامية، فالمشاكل الاقتصادية التي يقع فيها المسلمون اليوم هي نتيجة الهيمنة الاقتصادية الغربية الرأسمالية على السوق الإسلامية العربية، فالتجار ليس لهم إلا أن يتبعوا تلك السياسة الرأسمالية، والسياسة الرأسمالية سياسة احتكارية تقوم على المنافسة غير الأخلاقية، وغير ذلك، ولذلك ليس للتاجر العربي أو المسلم إلا اتباع تلك السياسة والسير في ركاب هذه السياسة، فينبغي أن تكون دراسة الموضوع من الأصل ومن الأساس، والتسعير الذي تكلم عنه الفقهاء في زمانهم هو تسعير في مجتمع إسلامي، وفي دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية، وتطبق الآداب الإسلامية، والأحكام الشرعية والعقيدة الإسلامية، وغير ذلك، والتسعير عند فقهاء المسلمين معدود من السياسة الشرعية، فالسياسة الشرعية يختلف حكمها تبعًا لاختلاف الأزمان والأمكنة والأعصار، فالنبي ﷺ حرمه أو منعه؛ لأن الوقت أو لأن الظرف في ذلك الوقت لا يقتضي وجوب التسعير، لكن في بعض الأوقات اقتضى وجوب التسعير، فلا مانع، فالتسعير ليس أصلًا عامًّا نقول فيه بالحرمة أو بالجواز، وإنما هو حكم يتغير بتغير الزمان والمكان، وإذا أردنا بتحديد أرباح التجار وضع سياسة اقتصادية يتبعها التاجر المسلم، فأقول: إن التاجر المسلم عمله في التجارة رسالة ودعوة كالمعلم في المدرسة وفي الجامعة، فالمعلم يلتزم بأخلاقيات الإسلام في عمله، والتاجر يلتزم بأخلاقيات الإسلام في تجارته، ولذلك كثير من الدول فتحت بالتجار ولم تفتح بالسيف فتحت بالأخلاقيات، وأخلاقيات التاجر المسلم كما هو معروف لديكم ولذلك إذا أردنا أن نضع قواعد تتعلق بأخلاقيات التاجر المسلم وما ينبغي أن يراعيه في هذا الموضوع فأرى أن يوسع هذا البحث، وأن يقارن بين المنافسة غير الأخلاقية الموجودة في المجتمع الحالي، ويبين زيفها، وعوارها، وغير ذلك، وأن يطرح الموضوع من باب أوسع، وسبحانك اللهمَّ وبحمدك.

стр. 7293

الرئيس: شكرًا، الوقت انتهى فهل ترون أن تختتم المناقشة؟ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين. من مجموع الأبحاث والمداولات التي جرت يتبين أن الأصل الشرعي هو حرية التعامل في العرض والطلب، وينتج عن ذلك الأصل الشرعي وبدلالة النص، منع التسعير، وأنه لا يكون التدخل في التسعير إلا إذا توفرت المقتضيات الشرعية له، في أحوال: سمعتم التفصيل في بعضها، وقد ترون مناسبًا أن تتألف لجنة لهذا من أصحاب الفضيلة المشايخ: الشيخ المختار، الشيخ يوسف، الشيخ خليل، الأستاذ منذر، والمقرر الشيخ عطا. مناسب؟ وبهذا ترفع الجلسة للاستراحة لربع ساعة، ثم نعود لبحث مسألة العرف. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 7294

مناقشة القرار الدكتور عبد الستار أبو غدة: قرار رقم (٨) بشأن تحديد أرباح التجار قرر: أولًا: الأصل الذي تقرر النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحرارًا في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها عملًا بمطلق قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ ثانيًا: ليس هناك تحديد لنسبة معينة للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة وظروف التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير. ثالثا: أكدت الشريعة الإسلامية وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته كالغش، والخديعة، والتدليس والاستغفال، وتزييف حقيقة الربح، والاحتكار الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة. رابعا: لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير إلا حيث يجد خللًا واضحًا في السوق والأسعار ناشئًا عن عوامل مصطنعة، فإن لولي الأمر حينئذٍ التدخل بالوسائل العادلة الممكنة التي تقضي على تلك العوامل وأسباب الخلل والغلاء والغبن الفاحش. الرئيس: والله أعلم. أبو غدة: والله أعلم.

стр. 7295

الرئيس: ما شاء الله جزاكم الله كل خير، هل ترونه مناسبًا، نمشي؟ أبو غدة: قرار رقم (٨) . الشيخ المختار السلامي: فيه (ثالثًا: أكدت الشريعة الإسلامية وجوب) ، تمشي؟ أين الشيخ المختار (أكدت الشريعة الإسلامية وجوب سلامة) . الرئيس: (سلامة التعامل من أسباب الحرام) . المختار السلامي: لا. بمعنى أكدت بنفسها.. تصبح أفضل. الرئيس: أكدت وجوب، يعنى. المختار السلامي: نعم. الأمين العام: أكدت كذا. المختار السلامي: (أكدت الشريعة) قلت لك: تمشي، لكن. الرئيس: هو إذا أردتم إما عبارة ... ، أما العبارة المألوفة، فهو يعني ... الشيخ المختار: أكد على كذا أكثر ... الرئيس: تضافرت نصوص الشرع أو شيء من هذا القبيل، يعني.... الشيخ المختار أحمد السلامي: نعم، لهذا أنا قلت لك عندي توقف بسيط لا مشكل.

стр. 7296

الرئيس: عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ لأنه قيل هنا: عملًا بمطلق قول الله تعالى، لو قيل: وما في معنى من نصوص الكتاب والسنة. أبو غدة: نقول: تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب.... الرئيس: إيه، نعم. تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل. الرئيس: كذا يا شيخ، (تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل) . الشيخ إبراهيم: سيدي. أنا عندي على هذه الصياغة ثلاث ملاحظات، الأول: في أولًا أنا اشعر أن هذا لا يتماشى مع موضع الاستدلال ويدخلنا في شبهة الموافقة على أن يفعل الناس في أموالهم ما يشاؤون. أن نفعل في أموالنا ما نشاء. الرئيس: في إطار أحكام الشريعة يا شيخ، السطر الثاني. الشيخ إبراهيم: ثانيًا: أن الاستدلال بالآية الكريمة إنما هو يؤكد أن ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ فالتجارة هنا جاء: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ ، فهي ليست الأصل بل هي استثناء ولا يتوسع فيه ولا يقاس عليه. ثالثًا: أن في الفقرة الرابعة تعبير (ولي الأمر) ، وكان أولى أن يستعمل (أولو الأمر) ، وهو التعبير القرآني. هذه ملاحظات ثلاث لا بد أن أبديها. وشكرًا. الرئيس: على كل هل ترون هذا أو نمشي؟

стр. 7297

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم (٨) بشأن تحديد أرباح التجار إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي لمنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ / ١٠ إلى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨م. بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع (تحديد أرباح التجار) واستماعه للمناقشات التي دارت حوله. قرر: أولا: الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية ترك الناس أحرارا في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها عملًا بمطلق قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . ثانيًا: ليس هناك تحديد لنسبة معينة للربح يتقيد بها التجار في معاملاتهم، بل ذلك متروك لظروف التجارة عامة وظروف التجار والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير. ثالثًا: تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته كالغش، والخديعة، والتدليس، والاستغفال، وتزييف حقيقة الربح، والاحتكار الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة. رابعًا: لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير إلا حيث يجد خللًا واضحًا في السوق والأسعار ناشئًا من عوامل مصطنعة، فإن لولي الأمر حينئذٍ التدخل بالوسائل العادلة الممكنة التي تقضي على تلك العوامل وأسباب الخلل والغلاء والغبن الفاحش. والله اعلم.

стр. 7298

العرف إعداد الشيخ خليل محيى الدين الميس عضو المجمع مفتي زحلة والبقاع الغربي – لبنان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد المصطفى وعلى آله وصحبه. وبعد: فالعرف من مباحث الأصول والفقه، لذا عرض له كل من الأصوليين والفقهاء بوصفه دليلًا تناط به الأحكام الشرعية، ومسائل هذا الباب مبثوثة في كثير من أبواب الفقه وبخاصة في باب الإيمان والتي للعرف فيها مجال واسع وكذلك الشأن في أبواب النذور والمعاملات. أما الأصوليون فقد عرض بعضهم لمبحث العرف تحت عنوان مستقل كالقرافي في تنقيح الفصول والفروق. وأما بقية الأصوليين فقد عرضوا لمسألة العرف تحت عنوان (ما يترك به الحقيقة) أو تخصيص العام وعدوا منها العرف وخرجوا عليها أحكام المسائل الفرعية. ومن الحقائق المسلَّمة أن العرف لا يرتفع من المجتمع البشري مطلقًا، لأنه من صنعهم.. لذا كان متعددًا فمرة يكون عامًّا، ومرة يكون خاصًّا ومختلفًا باختلاف الأعصار والأمصار لذا تقرر أن نبقي على كل مِنَ المفتي والقاضي أن يكون محيطًا بعادات الناس وتقاليدهم لإناطة الحكم في بعض الوجوه بالعرف والعادة. وقد أفرد الفقهاء في السلف والخلف مصنفات ضمنوها آداب القاضي والمفتي يرسمون فيها المنهج لكل منهما وعرضوا من خلالها إلى أحكام العرف كما في تبصرة الحكام، لابن فرحون المالكي، وعين الحكام، للطرابلسي.. ومن كتب القواعد الفقهية: الفروق للقرافي، والأشباه والنظائر لكل من ابن نجيم الحنفي والإمام السيوطي الشافعي، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام. وأما كتب الأصول فقد أفرده بالبحث القرافي في الفصول، وأبو إسحاق الشاطبي في كتابه الموافقات والاعتصام. وممن أفرده بالبحث: العلامة ابن عابدين في رسالته نشر العرف. كما أفاض الزركشي الشافعي في تقسيمات العرف في كتابه المرسوم: (المنثور في القواعد) ومن المعاصرين الفضلاء من صنف رسائل علمية في موضوع العرف ، كما سبق وعرض له بشيء من التفصيل العلامة الكوثري ﵀ في مقالاته.

стр. 7299

ويلاحظ أن آراء المتأخرين كانت متعارضة من حيث الظاهر في حكم العرف. فالعلامة أبو سنة لم يعتبره دليلًا آخذًا برأي العلامة الكوثري في المقالات. ولكن الباحث مصطفى عبد الرحيم أبو عجيلة رجح اعتباره دليلًا شرعيًّا. واستدل لهذه الدعوة بأدلة نقلية وعقلية كما أورد في الشواهد المستفيضة في الفقه والأصول ما يؤيد صحة دعواه تلك.. لكن العلامة خاتمة المحققين ابن عابدين ﵀ يميل إلى القول بحجية العرف حيث قال، من نظمه: والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار ولا غرو أن استمرار النظر في هذا الموضوع له ما يبرره؛ لأنه مسألة خلافية كما وأنها حياتية، والقوانين الوضعية لها اهتمام بارز به وعلى اختلافها، والعرف والعادات إلى اليوم تُعد في نظر الحقوقيين مصدرًا من أهم المصادر للقوانين الوضعية ذاتها، فيستمد منه واضعوها كثيرًا من الأحكام المتعارفة، ويبرزونها في صورة نصوص قانونية يزال بها الغموض والإبهام الذي لا يجليه العرف في بعض الحالات. هذا ومن الحكمة طرح الموضوع في المجمع.. لمزيد من الدراسة والبحث واستقصاء المذاهب والأدلة وترجيح ما ينبغي ترجيحه وتكون عليه الفتوى حسب الأصول. العرف (لمحة تاريخية) : جاء للإسلام وللعرب عادات وتقاليد ساروا عليها واحتكموا إليها مئات السنين: عادات اختلطت فيها بقية من الشرائع السابقة بقواعد أحكمتها تجاربهم، فيها الصالح والفاسد تنازعتها العقول والأهواء، فكانت الغلبة للعقل مرة، وللهوى مرات. ولما جاء الإسلام – وهو دين الصلاح والإصلاح – أقر طائفة منها على ما كانت عليه، وألغى أخرى.. وأبقى على ثالثة وعدَّل رسمها.. كما ابتكر نظما لم يسبق لهم عهد بها. فما ألغاه من عاداتهم وتقاليدهم: بيع المخاطرة والغرر، كبيع الملامسة والمنابذة وإلقاء الحصاة وغيرها.. وأقر من الزواج صنفًا وألغى سواه، فقد أخرج البخاري وأبو داود بسندهما عن أم المؤمنين عائشة ﵂: قالت: إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فلما بعث الله محمدًا بالحق هدم نكاح الجاهلية إلاَّ نكاح الناس اليوم (١) - أقر أصل الطلاق ونظم طريقته. - وأبقى نظام القصاص في القتل العمد – بعد أن أذهب عنه عنت الجاهلية. - وأقر الرق بشروط معروفة –..

стр. 7300

وهكذا اعتبر الرسول ﷺ العرف القائم عند بعثته، بيد أنه لم يغيره، لأنه مجرد أمر متعارف معمول به من قديم الزمن، وإلا لاعتبر كل ما تعارفوه. وبذلك كان موقف رسول الإسلام من أعراف العرب: إقرار وتنظيم، ووحي السماء ينزل عليه بقرآن وسنة.. وما أقره لم يبق على ما كان عليه عادة وعرفًا، بل أصبح تشريعًا إسلاميًّا واجب الاتباع، ودينًا يتعبد به (١) الصحابة والعرف: سار الصحابة رضوان الله عليهم، على هدي رسول الله بما كان عند العرب من عادات. فأقروا الصالح منها، وأهدروا فاسدها، وهذبوا ما احتاج إلى تهذيب بعد وزنها بميزان الشريعة وتقدير ما فيها من مصلحة. أقر عمر تدوين الدواوين الذي كان معمولًا به عند فارس والروم، وأمر بضرب الدراهم وهو أول من ضربها في الإسلام سنة ١٨ هـ. وكذلك طبق نظام الخراج والجزية الذي كان يعمل به كسرى. ومع إقرار الصحابة ما أقروه من عادتهم التي لا تتنافى مع مبادئ الإسلام رفضوا منها ما يخالف تعاليمه كعادات القوم في الأعياد وغيرها. العرف عند التابعين: أورد الإمام البخاري في صحيحه بابًا خاصًا بالعرف، ذكر تحته أحاديث تتضمن عمل التابعين بالعرف والعادة، منها: - إحالة شريح الغزَّالين على عرفهم، وجواز كراء الدواب على العرف. وقال البدر العيني: حاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف (٢) قال شريح القاضي: إن أناسا من الغزالين اختصموا إلى شريح في شيء كان بينهم، فقالوا: إن سنتنا بيننا كذا وكذا، فقال شريح سنتكم بينكم، يعني عادتكم وطريقتكم بينكم معتبرة (٣)

стр. 7301

وذكر أن الحسن البصري اكترى حمارًا فقال: بكم؟ قال صاحبه بدانقين، فركبه. ثم جاء مرة أخرى فقال: الحمار الحمار.. فركبه ولم يشارطه. قوله ولم يشارطه يعني الأجرة اعتمادًا على الأجرة المتقدمة المعتادة. التقسيمات الحصرية للعرف باستقراء المسائل المبنية على العرف ومواطن بحثه في الفقه والأصول نجد أن للعرف غير تقسيم وذلك لغير اعتبار، وتعدد منشأ هذا التقسيم. ١- ينقسم العرف إلى قولي وفعلي. ٢- وينقسم إلى عام وخاص. ٣- وينقسم كل العام والخاص إلى عرف مطلق للاسم وإلى عرف مقيد له. ٤- وينقسم العرف القولي: إلى عرف عادي، وعرف شرعي وهو أحد تقسيمات العرف القولي. ٥- وهنالك عرف اللفظ وعرف اللافظ. ٦- وهنالك العرف الذي كان سائدًا قبل الإسلام وإبان نزول القرآن الكريم. والعرف الطارئ بعد نزول القرآن الكريم وبأقسامه التي ذكرنا. بيان أقسام العرف ١- العرف القولي: هو أن يتعارف الناس على إطلاق لفظ لمعنى بحيث إذا أطلق انصرف إليه من غير قرينة، ولا علاقة عقلية، ولا يتبادر عند سماعه إلاَّ ذاك المعنى (١) وهذا يشمل الاتفاق على إرادة بعض المدلول، وإرادة غير المدلول. فالأول: كإرادة بعض أفراد العام منه بعد أن كان دالًّا على كل أفراده. أما إرادة بعض المدلول كالدراهم، الدرهم: بعد أن كان يطلق على كل أفراد الدرهم صار مقصورًا على النقد الغالب. وأما إرادة غير المدلول: كالاتفاق على إرادة فرد معين من المطلق بعد أن كان دالًّا على فرد شائع والاتفاق على إرادة معنى آخر للمركب غير معناه الأصلي.

стр. 7302

- فمثال المطلق: لفظ المرأة في قول الموكل: وكَّلتك بتزويجي امرأة. - فإن اللغة تطلقها على الأنثى من بنات آدم. - والعرْف قيدها بالحرة كما هو رأي أبي يوسف ومحمد. ومثال المركب: قول الحالف: لا يضع قدمه في دار فلان، وقول الحالف أيضًا: على المشي. فإن العرف، استعمل الأول في دخول الدار على أي حال. واستعمل الثاني في إيجاب أحد النسكين الحج أو العمرة (١) وهذه الأساليب الفنية في طرائق التعبير هي من صور المجاز في البيان. لأنها تقوم على أساس وجود القرينة أو العلاقة، وليست في شيء من العرف اللفظي الذي يعتبر كلغة وصفية خاصة تصبح معانيها حقائق عرفية تستفاد من مجرد اللفظ (٢) العرف العملي: هو اعتياد الناس على شيء من الأفعال العادية أو المعاملات المدنية. والمراد بالمعاملات المدنية: التصرفات التي يقصد منها إنشاء الحقوق بين الناس، أو تصفيتها وإسقاطها، سواء كانت تلك التصرفات عقودًا أم غيرها، كالنكاح والبيع والإبراء، وكالغصب والقبض والأداء (ر. ف ٤١٣/حـ١) . من أمثلة العرف في الأفعال: اعتياد الناس في بعض الأماكن أكل نوع خاص من اللحوم كالضأن والمعزى والبقر. ومن أمثلتهم في المعاملات: اعتياد الناس تقسيط الأجور السنوية للعقارات إلى أقساط معدودة. وتعجيلهم في الأنكحة تعجيل جانب معين من المهور كالنصف والثلثين، وتأجيل الباقي إلى الطلاق أو ما بعد الوفاة (٣) وقسم ابن عابدين العرف باعتبار من يصدر عنه إلى: (عام) و (خاص) و (شرعي) .

стр. 7303

فالعرف العام: هو ما تعامله أهل البلاد الإسلامية سواء أكان قديمًا أي في عصر الرسالة والاجتهاد أو حديثًا أي في عصر التقليد. مثاله: استعمال لفظ الطلاق في إزالة الزوجية، وتعارف أن دخول المساجد بالأحذية تحقير لها. والعرف الخاص: هو ما لم يتعامله أهل البلاد جميعا، كتعامل أهل بلد أو حرفة أو دين.. كتعارف أهل العراق لفظ الدابة على الفرس. وكتعارف أهل بلخ وخوارزم جواز دفع الغزل إلى حائك لينسجه بذلة. ومنه الاصطلاحات الفقهية وكذا اصطلاحات سائر العلوم كالرفع للنحاة، والفرق والجمع والنقض للنظار. العرف الشرعي: وهو اللفظ الذي استعمله الشرع مريدًا منه يعني خاصًّا مثل المنقولات الشرعية كالصلاة: نقلت عن الدعاء إلى العبادة المخصوصة. والناقل في هذا القسم هو الشارع، وهكذا تركت معانيها اللغوية بمعانيها الشرعية (١) الفرق بين العرف العام والعرف الخاص من حيث الحكم: إن كلًّا من العرف العام والخاص: إنما يعتبر إذا كان شائعًا بين أهله يعرفه جميعهم. ١- العرف العام: يثبت به الحكم العام. ٢- العرف الخاص: يثبت به الحكم الخاص. وحكما لعرف يثبت على أهله عامًّا أو خاصًّا. فالعرف العام في سائر البلاد: يثبت حكمه على سائر البلاد. والعرف الخاص في بلدة واحدة: يثبت حكمه على تلك البلدة فقط. والحكم العام لا يثبت بالعرف خاصة إذا عارض النص الشرعي، فلا يترك به القياس ولا يخص به الأثر، بخلاف العرف العام. العرف العادي – والعرف الاستعمالي: المراد من الاستعمال: نقل اللفظ من موضوعه الأصلي إلى معناه المجازي شرعًا وغلبة استعماله فيه كالصلاة والزكاة حتى صار بمنزلة الحقيقية ويسمى إذ ذاك: حقيقة شرعية. والمراد من العرف العادي: نقل اللفظ إلى معناه المجازي عرفًا واستفاضته فيه. مثاله: وضع القدم في قوله: لا أضع قدمي في دار فلان ويسمى: حقيقة عرفية (٢)

стр. 7304

عرف اللفظ وعرف اللافظ موضوع الكلام في اعتبار عرف اللفظ وعرف اللافظ. ١- هو في اللفظ العربي: يعتبر وضعه عند أهله. ٢- أما الأعجمي: فيعتبر عرف اللافظ، إذ لا وضع هناك يحمل عليه. ولهذا قال القفال الشاشي: فيما إذا حلف على البيت بالفارسية لا يحنث بيت الشعر وغيره إذا لم يثبت شمول اللفظ له في غرف الفارسية. ومنع الإمام الفرق بينهما (١) وفي تقسيمات العرف يقول صاحب المسودَّة: العرف في اللغة ينقسم إلى عام وخاص: وكل منهما ينقسم إلى عرف مطلق للاسم، وعرف مقيّد له مثل عرف الفقهاء إذا قالوا (الولد) في باب الفرائض عنوا به الولد وولد الابن. وإذا قالوه في باب النكاح عنوا به كل من ولده. وكذلك (المفرد والمركب) للنحاة في عدة مواضع، وكذلك لفظ (المحلل) للفقهاء في باب النكاح وباب السبق. ويكون تخصيص العام بالعرف: تارةً من جهة المتكلم.. وتارة من جهة المتكلم فيه (٢) أوجه عرف الاستعمال إنّ عرف الاستعمال يكون من ثلاثة أوجه: أحدها، من جهة اللغة: نحو استعمالنا الدابة لذوات الأربع وما أشبه ذلك. الثاني، من جهة الشرع: نحو استعمالنا الصلاة والصوم والحج والزكاة على حسب ما ورد به الشرع.

стр. 7305

الثالث: من جهة الصناعة: نحو استعمال أهل النظر متكلمًا في من يناظر في أصول الديانات. واستعمال أهل الدواوين الزمّام في الكتاب الجامع لما يجمعه، واستعمال أهل الإبل الزمّام لخطام الناقة. وغير ذلك مما لأهل كل صناعة عرف وعادة فيه. فيحمل لفظ كل طائفة على عرفها وعادتها (١) فصل في بيان الأسماء العرفية قال الباجي: الأسماء العرفية: أن تكون اللفظة موضوعة لجنس في أصل اللغة ثم يغلب عليها عرف الاستعمال في نوع من ذلك الجنس. مثاله: قولنا دابة: فهو اسم كان موضوعًا في الأصل لكل ما دب ودرج. ثم غلب عليه الاستعمال لمطلق في البهيمة المخصوصة ذات الأربع. وكذلك قولنا: صلاة، هي في أصل اللغة موضوعة في الدعاء، ثم استعملت في الشرع في الدعاء بقرائن ومعان مخصوصة. وكذلك الصوم: هو الإمساك ثمَّ استعمل في إمساك عن معنى مخصوص في وقت مخصوص. وكذلك الحج: هو القصد في أصل اللغة، ثم غلب عليه عرف الاستعمال بالقصد إلى موضع مخصوص في وقت مخصوص على وجه مخصوص. وأما البيع: فإنه باقٍ على أصله ومستعمل على الوجه الذي وضع به. وكذلك الربا، إلاَّ أنه يدخل التخصيص على حسب ما يدخل ألفاظ العموم، ولم يستعمل في بعض ما يقع عليه في أصل اللغة دون بعض. الحقيقة العرفية الشرعية والحقيقة اللغوية من الثابت أن لكل تشريع عرفًا خاصًا في استعماله لكثير من الألفاظ يخالف به عن حقائقها اللغوية فيجب حمل تلك الألفاظ على معانيها العرفية في لسان الشرع. وهي التي تسمى (بالمصطلحات؛ فالصلاة والصوم والزكاة، والحج، والطلاق) مثلًا: ذات مفاهيم وحقائق شرعية قصدها المشرع كعرف خاص له في الاستعمال وجب أن تعرف هذه الألفاظ عند إطلاقها إلى تلك المعاني العرفية الشرعية تحقيقًا لمراد الشارع منها. ومن ذلك اليمين الواردة في القرآن والسنة.

стр. 7306

الأمثلة: قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [الآية ٨٩ من سورة المائدة] ، فإنه مستعمل في معنى الحلف بالله تعالى في عرف الشرع لا الحلف بالطلاق، لأن الحلف بالطلاق لم يكن معودًا أثر نزول الآية الكريمة. ومن شرط العرف المخصص أن يكون مقارنًا ولهذا فإن اللغو في الأيمان بالله غير مؤاخذ به دون الطلاق. قال الفقهاء: كل ما ورد به الشرع مطلقًا ولا ضابط له فيه ولا في اللغة يحكم فيه بالعرف. ومثاله: الحرز في السرقة، والتفرق في البيع، والقبض، ووقت الحيض وقدره. ومرادهم: أنه يختلف حاله باختلاف الأحوال والأزمنة، ويختلف الحرز باختلاف عدل السلطان وجوره، وبحالة من الأمن والخوف (١) أوجه استعمال العرف للعرف استعمالات مختلفة كان في كل منها مبنى لحكم من أحكامها على نحو خاص يمكن إجمالها في الصور التالية: ١- استعماله بمنزلة الدليل على تشريع الحكم، أو الدليل المخصص للنص والمقيد له. مثاله: الاستدلال على جواز المضاربة بالعرف، والاستدلال على جواز وقف المنقول – عند بعض الفقهاء – بالعرف. والاستدلال على استصناع الحلي والأثاث وغيرهما بالعرف. واستدلال مالك على عدم جواز خيار الشرط بعرف أهل المدينة. ٢- أن يكون استعمال العرف معيارًا يرجع إليه المفتي والقاضي في تطبيق الأحكام المطلقة. بيان ذلك: أن الشريعة توجد بها أحكام مطلقة تختلف باختلاف عادات الناس ومصالحهم. والشارع إنما ينص على حكم شامل، والقضاة والمفتون يطبقونه بحسب العرف. مثاله: عقوبة التعزير فقد أجملها الشارع، فقال الفقهاء: هي كل ما يحصل به التأديب والزجر، وهذا ما يختلف باختلاف الناس وعاداتهم وأحوالهم. ويردع الخسيس بما لا يردعه التغريم بالمال، وقد يكون الكيّ، وقد يكون النفي، والضرب هو العقاب الرادع. ولهذا فوض الشارع تحديد العقاب إلى ولاة الأمر.

стр. 7307

الاستعمال الثالث: أن يقوم العرف مقام النطق بالأمر المتعارف في الدلالة على الإذن، أو المنع، أو الالتزام، أو الشهادة أمام القضاء أو غيرها. بيانه: أن الأصل في التعبير عن المعاني التي تقوم بالنفس هو اللفظ لوفائه بتفهم الغرض من غير صعوبة، وقد يستغنى عن اللفظ بالعادات الجارية بين الناس الدالة على شيء من غير صعوبة، فهذه العادات تجري مجرى النطق بالعبارات الدالة على مضمونها في اعتبار الشارع، وهي القاعدة المشهورة بين الفقهاء: (المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا) فإن المرد بالشرط ما هو أعم من اللفظ الدال على الإذن، أو صيغة العقد، أو بيان النوع أو القدر في الأغراض الواقعة في العقود إلى غير ذلك. فمثال العرف الدال على الإذن: إيداع المال عند إنسان فإنه يكون إذنا بدفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها إليه كالزوجة والأولاد. ومثال ما يدل على المنع: تسييج الأرض المملوكة فإنه يكون منعًا من استعمال الغير لها. ومثال ما يدل على ذكر النوع بعد النص على الجنس: كاستئجار الدور والحوانيت بلا بيان ما يعمل فيها، فإنه يكون كالتصريح بالسكنى بالنسبة إلى الدول، وبالتجارة ونحوها بالنسبة إلى الحوانيت، لأن هذا هو المتعارف. ومثال ما يكون كالتصريح بالقدر استئجار الظئر: بطعامها وكسوتها عند أبي حنيفة، ومالك: حيث يكون التصريح بالقدر الذي به الكفاية في عرف المتعاقدين. ومثال ما يكون التصريح بالالتزام عقدًا أو بيعًا أو شرطًا، البيع بالمعاطاة: فإنها في العادة تكون دالة على الرضى من الجانبين، فتكون كالتصريح بالإيجاب والقبول. من ذلك العرف الذي يبين للقاضي من يكون القول قوله من المتداعيين: كما إذا اختلف الزوجان في متاع البيت ولا بينة لواحد منهما، حيث يأخذ القاضي بقول كل واحد منهما فيما تعورف أن يكون له كالكتب وأدوات الزينة وغير ذلك. الاستعمال الرابع: هو الاستعمال العرفي للألفاظ اللغوية، وهو العرف القولي. فكل متكلم يحمل كلامه على عرف، سواء كان ذلك في خطاب الشارع أم تصرفات الناس.

стр. 7308

فلفظ الصلاة: تطلقه اللغة على الدعاء، ويطلقه الشارع على الأقوال والأفعال المخصوصة فقول النبي ﷺ ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) يحمل على عرف الشرع لا على المعنى اللغوي. وكذلك للعرف القولي أثره في جعل الكتابة صريحة، إذا غلب استعمال اللفظ في أحد المعنيين بعد أن كان محتملًا لها: كقول الرجل لزوجته: أنت بائن مني، أنت عليَّ حرام – إذا غلب استعماله في الطلاق فيقع الطلاق بهما بلا نية، وكذلك في قول وكيل المرأة: جوزتك فلانة بل زوجتك.. فإنه ينعقد العقد.. الاستعمال الخامس: أن يكون العرف الجاري بين الناس مرجحًا لبعض المذاهب الفقهية على بعض، بشرط أن يكون كل من المذاهب التي جرى بينها الترجيح له دليل مقبول إلا أن دليل أحد المذاهب أقوى فيترجح المرجوح بالعرف، لأنه إمارة على حاجة الناس، أما المذهب الباطل فلا يرجحه العرف بحال. مثاله: ترجيح مذهب المالكية والحنابلة القائل: إن المفقود يحكم بموته بعد أربع سنين، لأن هذا المذهب هو الذي يتناسب وفساد الزمان وتداعي الأخلاق. الاستعمال السادس: أن يكون العرف مفيدًا لتمويل الأشياء وتقومها بعد أن لم تكن كذلك. مثاله: النحل والنبات الذي يثبت الطب فائدته، وفضلات الدواب التي اعتاد الناس تسميد الزروع بها، فإن اعتياد الناس تقوّم هذه الأشياء لحاجتهم إليها جعلتها أولًا تباع وتشترى بعد أن لم تكن كذلك. الاستعمال السابع: تأثير العادة في الحكم الشرعي، لأن الظروف التي وجد فيها تغيرت يحتاج إلى احتياط أكثر، أو إلى تخفيف، وهذا يسمى بفساد الزمان. مثاله: أن عدالة الشهود لا تثبت الآن إلا بالتزكية لفشو الكذب، وضعف الإيمان بعد أن كان يكتفي بمجرد إسلام الشاهد. ومثاله: خروج النساء إلى المساجد، فإنه كان يسمح بها في الليل والنهار، لأن القلوب كانت محصنة بقوة التدين. أما الآن فقد تغير حال النساء والرجال، قالت عائشة ﵂: لو يعلم رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل (١)

стр. 7309

مستند العرف ولابد للعرف من مستند يقره الشرع، وأغلب ما يكون العرف مستندًا إلى (مصلحة مرسلة مفيدة ومعقولة بذاتها) كانت هي السبب في انتشاره واضطراده، أو غلبته والنزول عند حكمه. والمخصص في الواقع مستند العرف لا العرف ذاته. وعليه يشترط أن تكون (المصلحة) معقولة في ذاتها والتي انعقد الإجماع السكوتي العرفي على شرعيتها. هذا: والتخصيص ليس إلا إعمالًا للدليلين معًا، بما يحقق التوفيق ويزيل التعارض الظاهر بين النص العام والعرف القائم. يقول ابن العربي: العادة دليل أصولي بنى الله عليها الأحكام وربط به الحلال والحرام (١) من له حق الحكم أو الفتوى بالعرف قال بعض العلماء والمحققين: لا بد للحاكم من فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس يميز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقع. وكذا المفتي الذي يفتي بالعرف: لا بد له من معرفة الزمان وأحوال أهله ومعرفة أن هذا العرف خاص أو عام، وأنه مخالف للنص أو لا. ولابد له من التخرج مع أستاذ ماهر، ولا يكفيه مجرد حفظ المسائل والدلائل، فإن المجتهد لا بد له من معرفة عادات الناس، فكذا المفتي. وقالوا: لو أن الرجل حفظ جميع كتب أصحابنا لا بد أن يتلمذ للفتوى حتى يهتدي إليها، لأن كثيرًا من المسائل يجاب عنه على عادات أهل الزمان فيما لا يخالف الشريعة. وقالوا: إن المفتي في الوقائع لا بد له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس (٢)

стр. 7310

ما يحكم به العرف ما ورد به الشرع مطلقًاً ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة قال الفقهاء: كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة. يحكم في العرف. مثاله: الحرز في السرقة، والتفرق في البيع والقبض، ووقت الحيض وقدره. ومرادهم: أنه يختلف حاله باختلاف الأحوال والأزمنة، ويختلف الحرز باختلاف عدل السلطان وجوره، وبحالة الأمن والخوف. وهذه الأشياء لا تكاد تنضبط، وكل موضع في كل شيء من ذلك يرجع فيه إلى أهل ناحيته. فما عدوه حرزًا فالمال محرز، وما لا فلا. أما كلام الأصوليين: فإنهم يقدمون العرف للعرف الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي. الجواب: إن كلام الأصوليين، إنما هو في الحقائق والأدلة التي تستنبط منها الأحكام فيقدم فيها الشرعي على العرفي. كبيع الهازل وطلاقه، فإنه نافذ، وإن كان أهل العرف لا ينفذونه. ويقدم العرفي فيهما على اللغوي عند التقاضي، لأن العرف طارئ على اللغة فهو كالناسخ (١) تغير العرف قال ابن عابدين: فإن قلت: العرف يتغير مرة بعد مرة، فلو حدث عرف آخر جديد لم يقع في الزمان السابق، فهل يسوغ للمفتي مخالفة المنصوص واتباع العرف الحادث؟ قلت نعم، فإن المتأخرين خالفوا المنصوص في مسائل لم يخالفوه إلا لحدوث عرف بعد زمن الإمام. من له حق النظر والفتوى في هذه المسائل ونظائره: فللمفتى اتباع عرفه الحادث في الألفاظ العرفية، وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عرف زمانه وتغير عرفه إلى عرف آخر اقتداء بهم، بعد أن يكون المفتي ممن له رأي ونظر صحيح ومعرفة بقواعد الشرع والشروط المرعية حتى يميز بين العرف الذي يجوز بناء الأحكام عليه، وبين غيره. قلت: لأن الاستدلال بالعرف ضرب من الاجتهاد والاستنباط وإنزال الدليل منزلته بحيث لا يتقدم على غيره، ولا يقضي به على النص إنما يفسر به النص وذاك إنما هو من اختصاص الفقيه (٢)

стр. 7311

مخالفة العرف ظاهر الرواية إذا كانت المسائل الفقهية ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثير منها ما بينه المجتهد على ما كان في عرف زمانه، - بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولًا – قالوا في شروط الاجتهاد أنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكيم على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام. ولهذا: ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذًا من قواعد مذهبه. فمن ذلك: إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطايا المسلمين التي كانت في الصدر الأول، ولو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم. وكذا أخذ الأجرة على الإمامة وآذان كذلك – مع أن ذلك مخالف لما اتفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف من عدم جواز الاستئجار، وأخذ الأجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة ونحو ذلك. ومن ذلك: قول الإمامين بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادات مع مخالفته لما نص عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، لأنه كان في الزمن الذي شهد له رسول الله ﷺ بالخيرية، وهما أدركا الزمن الذي فشي فيه الكذب. وقد نص العلماء على أن هذا الاختلاف: اختلاف عصر وأوان لاختلاف حجة وبرهان. ومن ذلك تضمين الساعي مع مخالفته لقاعدة المذهب، من أن الضمان على المباشر دون المتسبب، ولكن أفتوا بضمانه زجرًا بسبب كثرة السعاة المفسرين.

стр. 7312

وكذا قولهم: المختار في زماننا قول الإمامين في المزارعة والمعاملة والوقف لمكان الضرورة والبلوى ... ودخول الحمام بلا بيان مدة المكث وقدر الماء ونحو ذلك من المسائل التي اختلف حكمها لاختلاف عادات أهل الزمان وأحوالهم، التي لا بد للمجتهد من معرفتها وهي كثيرة جدًا (١) الاصطلاح الخاص هل يرفع الاصطلاح العام ويعبر عنها بأنه: هل يجوز تغيير اللغة بالاصطلاح. وهل يجوز للمصطلحين نقل اللفظ عن معناه بالكلية. أو يشترط بقاء أصل المعنى، ولا يتصرف فيه بأكثر من تخصيصه فيه. قولان للأصوليين وغيرهم، والمختار الثاني. ومن فروعها: لو اتفق الزوجان على ألف واصطلحوا على أن يغيروا عن الألف في العلانية بألفين. فالأظهر: وجوب ألفين لجريان اللفظ الصريح به. والثاني: الواجب ألف عملًا باصطلاحهما. قال الإمام: وعلى هذه القاعدة تجري الأحكام المتلقاة من الألفاظ. فلو قال الزوج لزوجته: إذا قلت أنت طالق ثلاثًا، لم أرد به الطلاق، وإنما غرضي أن تقومي وتقعدي. أو أريد بالثلاث واحدة. فالمذهب: أنه لا عبرة بذلك. وقيل: الاعتبار بما توافق عليه. حكاه الرافعي في باب الصداق. وذكر الإمام في باب الإقرار: أنه لو عمّ في ناحية استعمال الطلاق مخاطبته زوجته على معنى التخلص وحل الوثاق لم يقبل ذلك منه. والعرف: إنما يعبر في إزالة الإيهام، لا في تغيير مقتضى الصرائح. اهـ (٢) مسألة: تعارض العرف العام والخاص: إن كان الخصوص محصورًا لم يؤثر، مثاله: لو كان عادة امرأة الحيض أقل ما استقر من عادة النساء، ردت إلى الغالب في الأصح، وقيل تعتبر عادتها. وإن كان الخصوص غير محصور. مثاله: لو جرت عادة قوم بحفظ زروعهم ليلًا ومواشيهم نهارًا، فهل ينزل ذلك منزلة العرف العام. في العكس وجهان أصحهما: نعم (٣)

стр. 7313

تعارض اللغة والعرف العام قال الزركشي في المنثور: ٢ /٣٨٣: وإذا تعارض اللغة والعرف العام: قال صاحب الكافي في كتاب الطلاق: إذا اجتمع في اليمين الحقيقة اللفظية، والدلالة العرفية، فأيهما أولى بالاعتبار، فيه وجهان: أحدهما: وإليه ذهب القاضي حسين – الحقيقة اللفظية أولى، واللفظ متى كان مطلقًا وجب العمل بإطلاقه عملًا بالوضع اللغوي. والثاني: - وإليه ذهب محيى السنة – الدلالة العرفية. لأن العرف محكم في التصرفات سيما في الأيمان. قال: فلو دخل دار صديقه، فقدم إليه طعامًا فامتنع، فقال: إن لم تأكل فامرأتي طالق، فخرج ولم يأكل، ثم قدم اليوم الثاني فقدم إليه ذلك الطعام فأكل. فعلى القول الأول: لا يحنث. وعلى القول الثاني: يحنث. قال المصنف: أقول: اللغة تارة يعم استعمالها في لسان العرب. وتارة يخص استعمالها. وتارة يقيد في إطلاقهم. فإن عمت اللغة: قدمت على العرف، هذا مذهب الإمام الشافعي ﵀. كما نقله الرافعي في كتاب الأيمان: فيما لو حلف لا يأكل الروس. قال في كتاب الطلاق: إن تطابق العرف والوضع فذاك. وإن اختلفا، فكلام الأصحاب يميل إلى الوضع. والإمام، والإمام الغزالي يريان اعتبار العرف. وينبني على هذا قاعدة، وهي: إذا عارض اللغة المستعملة عرف خاص، هل يعتبر عرف اللفظ أو عرف اللافظ. أو أن الاصطلاح العام، هل يرفع العام؟

стр. 7314

ومن أمثلة هذا: ما لو حلف لا يشرب الماء أو ماء. حنث بالعذب والملح. وإنما حنث بالملح، وإن لم يعتد شربه اعتبارًا بالإطلاق والاستعمال اللغوي. والضابط أنه: إن كان الخاص ليس له في اللغة وجه ألبتة، فالمعتبر اللغة. وإن كان الخاص له فيه استعمال، ففيه خلاف في صور: منها: لو حلف لا يدخل بيتًا أو لا يسكنه، فاسم البيت يقع على المبني بالطين، والحجر والمدر سُمِّي بيتًا لأنه يبات فيه، كما قاله الزجاج في تفسيره. ثم إن كان الحالف بدويًّا حنث بكل منها. لأنه قد تظاهر فيه العرف واللغة، لأن الكل يسمونه بيتًا. وإذا ثبت هذا العرف عندهم ثبت عند سائر الناس. لأنهم أهل اللسان فرده على التعميم عملًا باللغة المستعملة. وهذا أيضًا مما اتفقت عليه اللغة والشرع. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٠] . وفي الحديث: ((لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخله الإسلام)) . ومنها: حلف ألا يأكل الخبز حنث فيما يتخذ من الأرز، وإن كان الحالف من قوم لا يتعارفون أكل خبز الأرز، كما إذا كان بغير طبرستان. لأن خبز الأرز يطلق عليه هذا الاسم لغة في سائر البلاد. وإن تخصصت اللغة في استعمالهم وهجر استعمال بعضها، فلا يستعمل إلا نادرًا، أو صارت نسيًا منسيًّا. فالمقدم العرف كما إذا حلف لا يأكل البيض فإنه يحمل على ما يزايل بائضة، أي: يفارقه في الحياة كبيض الدجاج والأوز والحمام والعصفور ولا يحنث ببيض السمك والجراد. ومن هذا القسم لو قال: زوجتي طالق، لم تطلق زوجاته عملًا بالعرف. وإن كان وضع اللغة يقتضي الطلاق، لأن الجنس إذا أضيف عم. ومنها: لو وصى للفقهاء فهل يدخل الخلافيون المناظرون. ومنها: ويحتمل وجهين لتعارض العرف والحقيقة.

стр. 7315

حكم تعارض العرف مع الشرع. إذا تعارض عرف الاستعمال مع عرف الشرع، فهو نوعان: النوع الأول: أن لا يتعلق بالعرف الشرعي حكم، فيقدم عليه عرف الاستعمال، كما قرره الصيدلاني في شرح المختصر. مثاله: ١- حلف ألا يأكل لحمًا. فلا يحنث لحم السمك وإن سماه الله تعالى لحمًا. ٢- أو حلف ألا يجلس على بساط، لا يحنث بالجلوس على الأرض، وإن سماها الله تعالى بساطًا. ٣- ولو حلف لا يقعد في سراج، لم يحنث بالقعود في الشمس، وإن سماها الله تعالى سراجًا. ٤- ولو حلف لا يضع يده على وتد فوضعها على جبل، لم يحنث، وإن سمى الله الجبال أوتادًا. ووجه في الكل من وجهين: أحدهما: أن أهل العرف لا يسمونها بذلك، فقدم عرف الاستعمال على عرف الشرع، لأنها فيه تسمية لم يتعلق بها تكليف. والثاني: أن الإنسان إنما يؤاخذ بما نواه وفعله، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٩] أي قصدتم. وعقد القلب قصده وتصميمه (١) النوع الثاني: أن يتعلق بعرف الشرع حكم، فيقدم على عرف الاستعمال. مثاله: ١- إذا حلف لا يصلي لم يحنث إلاَّ بذات الركوع والسجود دون التسبيح. ٢- وكذا لو حلف لا يصوم، لا يحنث إلاَّ بالإمساك بالنية في زمن قابل للصوم، ولا يحنث بمطلق الإمساك، وإن كان صومًا لغة. ٣- ولو حلف لا ينكح، فالنكاح حقيقة في العقد في الأصح، وفي العرف لا يعني به غير الوطء. ومن ذلك: لو باع أو اشترى أو نكح أو راجع أو طلق هازلًا نفذت وصحت، وإن كان أهل العرف لا يعدونها بيعا وشراء ونكاحًا وطلاقًا.

стр. 7316

لكن الشرع حكم عليها بالصحة، ففي الحديث: ((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة)) (١) ونبَّه النبي ﷺ بالثلاث على ما في معناها وأولى منه كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٥] ، وقال سبحانه: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٦] . فمن تكلم بكلمة الكفر هازلًا ولم يقصد الكفر كفر.. (٢) ملاحظة: وقال الزركشي: قالوا في كتاب الإيمان: أنها تبنى أولًا على اللغة ثم على العرف. وهذا مخالف لكلام الأصوليين: أنه يقدم العرف الشرعي، ثم الاستعمالي، ثم اللغوي. وكلام الأصوليين إنما هو في الحقائق والأدلة التي تستنبط منها الأحكام فيقدم فيها الشرعي على العرفي. مثاله: بيع الهازل وطلاقه، فإنه نافذ وإن كان أهل العرف لا ينفذونه. ويقدم العرفي فيهما على اللغوي عند التعارض، لأن العرف طارئ على اللغة فهو كالناسخ (٣) حجية العرف عند الأصوليين قال علماء الأصول: تحت عنوان فصل: في بيان ما تترك به الحقيقة. وهي خمسة أنواع. وعدَّ منها: دلالة الاستعمال عرفًا بيانه: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفًا، لأن الكلام موضوع للإفهام، والمطلوب به ما يسبق إليه الأوهام.

стр. 7317

فإذا تعارف الناس استعماله لشيء عينًا كان ذلك بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه. لوجود إمارة الحقيقة وهي: المبادرة إلى الفهم. وما سوى ذلك – لانعدام العرف – كالمهجور لا يتناوله إلاَّ بقرينة. ومثل السرخسي لذلك: بالدرهم. فقال: ألا ترى أن اسم الدرهم عند الإطلاق يتناول نقد البلد لوجود العرف الظاهر في التعامل به. ولا يتناول غيره إلاَّ بقرينة لترك التعامل به ظاهرًا في ذلك الموضع، وإن لم يكن بين النوعين فرق فيما وضع الاسم له حقيقة (١) بيان هذا في اسم الصلاة: فإنها للدعاء حقيقة قال القائل: وصلى على دنها وارتسم. والصلاة مجاز للعبادة المشروعة بأركانها: سميت به لأنها شرعت للذكر، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ وفي الدعاء ذكر وإن كان يثوبه سؤال. ثم عند الإطلاق – صلاة – ينصرف هذا اللفظ إلى العبادة المعلومة بأركانها سواء كان فيها دعاء أو لم يكن كصلاة الأخرس. وإنما تركت الحقيقة للاستعمال عرفًا. وكذلك الحج: فإن اللفظ للقصد حقيقة، ثم سميت العبادة بها لما فيها من العزيمة والقصد للزيارة. فعند الإطلاق: الاسم يتناول العبادة للاستعمال عرفًا (٢) . وقال (عبد العزيز البخاري) ..، ومن العادة نقله إلى معناه المجازي عرفًا واستفاضته فيه كوضع القدم في قوله: لا أضع قدمي في دار فلان. ويسمى حقيقة عرفية. ويجوز أن يكون الاستعمال راجعا إلى القول، يعني أنهم يطلقون في هذا اللفظ معناه المجازي في الشرع والعرف دون موضوعه الأصلي كالصلاة والدابة: فإنهما لا تستعملان في الشرع والعرف إلاَّ في الأركان المعهودة والفرس. إلى أن قال: وإنما صار استعمال اللفظ في معناه المجازي واستفاضته فيه دلالة على ترك الحقيقة، لأن الكلام موضوع للإفهام، والمطلوب به ما يسبق إليه الأوهام، فإذا تعارف الناس استعماله لشيء عينًا كان بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه وما سواه لعدم العرف كالمجاز لا يتناوله الكلام إلاَّ بقرينة. وقال: الحقيقة تترك بالتعارف.... وقال: والحقيقة تترك بنية غيرها أو بالعرف (٣)

стр. 7318

وقال ابن الهمام معقبًا: إن فخر الإسلام أراد بما ذكر هذا المعنى، فهو مجاز لغوي مهجور الحقيقة، فصار حقيقة عرفية (١) ثم فرع على هذا الأصل مسائل فقال: ومن التخصيص بالعادة: ١- فيمن نذر المشي إلى بيت الله: لزمه حجة أو عمرة والخيار إليه استحسانًا. وفى القياس لا يلزمه شيء، لأن الإلزام بالنذر إنما يصح إذا كان من جنسه واجب عليه شرعًا، وليس من جنس المشي إلى بيت الله واجب عليه شرعًا فلا يصح التزامه بالنذر. ولكنا تركنا القياس بالعرف الظاهر بين الناس، أنهم يذكرون هذا اللفظ ويريدون به التزام النسك وتعارفوا ذلك، والعرف مختص بلفظ المشي المضاف إلى الكعبة أو إلى بيت الله الحرام أو إلى مكة فبقي وراءها على القياس (٢) ٢- مسألة: لو قال: لله على أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة. فعليه أن يهديه استحسانًا وفي القياس لا شيء عليه: وجه القياس: لأن ما صرح به في كلامه لا يلزمه لأنه (ضرب الثوب) ليس بقربة فلأن لا يلزمه غيره أولى. وجه الاستحسان: أنه إنما يراد بهذا اللفظ الإمراء به فصار عبارة عما يراد به عرفًا، فكأنه التزم أن يهديه (٣) ٣- حلف لا يأكل رأسًا: أنه يقع على المتعارف – رؤوس البقر والغنم – استحسانًا.. لأنا نعلم أنه إنما يراد به رأس كل شيء.. فإن رأس الجراد والعصفور لا يدخلان تحته وهو رأس حقيقية، فإذا علمنا أنه لم يرد به الحقيقة وجب اعتبار العرف وهو: الرأس ما يكبس في التنانير ويباع مشويًّا. وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولًا: يدخل فيه رأس الإبل والبقر والغنم لما رأى من عادة أهل الكوفة أنهم يفعلون ذلك في هذه الرؤوس الثلاثة، ثم تركوا هذه العادة في الإبل فرجع وقال: يحنث في رأس البقر والغنم خاصة. ثم إن أبا يوسف ومحمدًا رحمهما الله شاهدا عادة أهل بغداد وسائر البلدان أنهم لا يفعلون ذلك إلاَّ في رؤوس الغنم فقالا: لا يحنث إلاَّ في رأس الغنم فعلم: - أن الاختلاف اختلاف عرف وزمان لا اختلاف حكم وبرهان. - ثم قال: والعرف الظاهر أصل في مسائل الأيمان.

стр. 7319

وخرج على الأصل مسائل: منها: - لو حلف لا يأكل بيضًا فإنه يختص ببيض الإوز والدجاجة استحسانًا. ومنها: - لو حلف لا يأكل طبيخًا فهو على اللحم خاصة ما لم ينوِ غيره استحسانًا، وفي القياس يحنث في اللحم وغيره.. لكن الأخذ بالقياس ههنا يفحش فحملناه على أخص الخصوص وهو اللحم لأنه هو الذي يطبخ في العادات الظاهرة (١) وقلنا: إن هذه العمومات خصصت بالعرف العادي لا بالعرف الاستعمالي: لأن لفظ الرأس كما يستعمل في رأس الغنم يستعمل في رأس العصفور والحمام وسائر الحيوانات على السواء، إلاَّ أن العادة في الأكل مختصة برأس الغنم. - وكذا إطلاق لفظ البيض على بيض العصفور والحمام شائع كما شاع في بيض الدجاج والإوز لكن العادة الظاهرة في الأكل اختصت بأكل بيض الدجاج والإوز دون غيرهما. وقال الكمال بن الهمام: كما يقدم المعنى الشرعي في خطاب أهل الشرع على المعنى اللغوي، كذا يقدم المعنى العرفي على اللغوي في لسان أهل العرف خاصًّا كان أو عامًّا. وضرب لذلك مثلًا فقال: فلو حلف لا يأكل بيضًا كان المحمول عليه ذا القشر.. ولا يدخل فيه بيض السمك إلاَّ أن ينويه، ويدخل بيض النعام – فيحمل على ما ينطلق عليه اسم البيض ويؤكل عادة.. فعلم أن المراد دخوله فيما إذا كانت عرف خطاب الحالف بحسب معتادهم في الإطلاقات ما يعمّ بيض النعام. وأما إذا كان العرف ما هو أخص من ذلك فلا يدخل فيه فيدور ذلك مع التعارف وهكذا في مسألة الطبيخ والشواء: فتركت الحقيقة وهي العموم بالعادة بخلاف ما تقدم؛ فإن الحقيقة تركت فيه بغلبة استعمال اللفظ في تلك المعاني كما بينا لا بالعادة لأن الناس كما اعتادوا فعل الصلاة اعتادوا الدعاء أيضًا (٢) العرف في أقوال الفقهاء اتفقت كلمة الفقهاء على الاستدلال بالعرف إما باستنباط الأحكام بناء على العرف أو التصريح بحجة العرف سواء كان ذلك في كتب القواعد الفقهية أو من خلال عرض المسائل التي اعتمد في تخريجها على العرف. ومن ذلك قولهم. اتباع العرف أمر مجمع عليه حكاه القرافي ونقله التسولي في (البهجة: ٢ /٨٩) ، وقال صاحب المغنى في مفهوم إحياء الموات – الإحياء ما تعارفه الناس إحياء: ٢ /٤٣٥، وقال التادي في هامش (البهجة: ٢/٩٤) : إذا جرى العرف بشيء صار هو الأصل، وقال صاحب المهذب في الإذن (إطلاق الإذن يحمل على العرف) ونقل التسولي في الالتزام في عقد النكاح يكون باللفظ والعادة. وقال ألفاظ الوقف تجري على العرف. (البهجة: ١ /٢٣٠) واعتبر القاضي حسين أن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي يبنى عليها الفقه حكاه ابن حجر في (الفتح: ٤ /٤٠٦) ، هذا ومن المالكية محمد بن سحنون قال: أن كان للقوم عادة وعرف متقدم بينهم حملوا على عرفهم وعاداتهم. (ملتقى ابن عرفة: ص ٣٧٠) . وأما السرخسي الفقيه والأصولي الحنفي فذكر في غير موضع من المبسوط حجية العرف قال: الأيمان مبنية على العرف.. وتعامل الناس – من غير نكير منكر – أصل في الشرع، والتعيين في العرف كالتعيين بالنص، والثابت بالعرف كالثابت بالنص، جوزنا العقود بالعرف وإن كان القياس يأباه. (المبسوط: ٣ /١٤) . ويقول البدر العيني: العرف عند الفقهاء أمر معمول به. وقال: حمل الناس على أعرافهم ومقاصدهم واجب. (عمدة القاري: ١٢ /١٦) ، وقال الجصاص الحنفي اعتبار الوسع مبني على العادة. (الأحكام: ١ /٤٧٩) ، بل ونقل عن ابن الهمام قوله: العرف بمنزلة الإجماع عند عدم النص. (الفتح: ٧ /١٥) ، ويقول ابن العربي المالكي: العرف والعادة أصل من أصول الشريعة وقد جمع الأستاذ أبو عجيلة في كتابه العرف حكاية أقوال الفقهاء (فقهاء المذاهب) في (حجية العرف: ص ٢٤٧ – ٢٥٨) . العرف المخصص للعام نوعان: ١- العرف القولي، أو العادة القولية. ٢- العرف العملي، أو العادة الفعلية. حجية كل من العرف القولي والعرف العملي في حاكميته على النص تقييدًا وتخصيصًا عند الأصوليين. - لا نزاع بين الأصوليين أن العرف القولي يقضي على النص فيقيده إن كان مطلقًا ويخصصه أن كان عامًا. ونص عليه الغزالي وصاحب المعتمد والآمدي ومن تبعه (٣)

стр. 7320

واتفقوا كذلك على أن العرف العملي يقيد المطلق. لكنهم اختلفوا في: تخصيص العام بالعرف العملي. والمراد به تعامل الناس ببعض أفراد العام. فذهب الحنفية والمالكية: إلى أنه لا فرق بين العرف القولي والعرف العملي – فكلاهما يخصص العام. وخالفهم في ذلك الشافعية، فذهبوا إلى أن العرف العملي لا يقوى على التخصيص وهنالك قاعدتان في هذا الصدد: الأولى: إنه يجب إجراء الكلام على حقيقته المتبادرة ولا يحمل على المجاز إلاَّ بدليل الثانية: العادة محكمة (١) ومن هنا قرر الأصوليون أن مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف. القائلون بحجية العرف: قال صاحب الأشباه: واعلم أن اعتبار العرف والعادة يرجع إليه في مسائل كثيرة. حتى جعلوا ذلك أصلا (أي دليلًا) ، فقالوا في الأصول في باب ما يترك به الحقيقة.. تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة (٢) وفي القنية للزاهدى (٦٨٥هـ) ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما بظاهر المذهب ويتركا العرف. قال ابن عابدين: والعرف في الشرع له اعتبار؛ لذا عليه الحكم قد يدار (٣) وفي شرح الأشباه للبيري: والثابت بالعرف كالثابت بالنص (٤) وفي المبسوط: الثابت بالعرف كالثابت بالنص (٥)
следующие страницы →