لكن الشرع حكم عليها بالصحة، ففي الحديث: ((ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة)) (١)
ونبَّه النبي ﷺ بالثلاث على ما في معناها وأولى منه كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٥] ، وقال سبحانه: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٦] .
فمن تكلم بكلمة الكفر هازلًا ولم يقصد الكفر كفر.. (٢)
ملاحظة: وقال الزركشي: قالوا في كتاب الإيمان: أنها تبنى أولًا على اللغة ثم على العرف.
وهذا مخالف لكلام الأصوليين: أنه يقدم العرف الشرعي، ثم الاستعمالي، ثم اللغوي. وكلام الأصوليين إنما هو في الحقائق والأدلة التي تستنبط منها الأحكام فيقدم فيها الشرعي على العرفي.
مثاله: بيع الهازل وطلاقه، فإنه نافذ وإن كان أهل العرف لا ينفذونه.
ويقدم العرفي فيهما على اللغوي عند التعارض، لأن العرف طارئ على اللغة فهو كالناسخ (٣)
حجية العرف عند الأصوليين
قال علماء الأصول: تحت عنوان
فصل: في بيان ما تترك به الحقيقة.
وهي خمسة أنواع. وعدَّ منها:
دلالة الاستعمال عرفًا
بيانه: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفًا، لأن الكلام موضوع للإفهام، والمطلوب به ما يسبق إليه الأوهام.
стр. 7317
فإذا تعارف الناس استعماله لشيء عينًا كان ذلك بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه. لوجود إمارة الحقيقة وهي: المبادرة إلى الفهم.
وما سوى ذلك – لانعدام العرف – كالمهجور لا يتناوله إلاَّ بقرينة.
ومثل السرخسي لذلك: بالدرهم. فقال:
ألا ترى أن اسم الدرهم عند الإطلاق يتناول نقد البلد لوجود العرف الظاهر في التعامل به. ولا يتناول غيره إلاَّ بقرينة لترك التعامل به ظاهرًا في ذلك الموضع، وإن لم يكن بين النوعين فرق فيما وضع الاسم له حقيقة (١)
بيان هذا في اسم الصلاة: فإنها للدعاء حقيقة قال القائل: وصلى على دنها وارتسم.
والصلاة مجاز للعبادة المشروعة بأركانها: سميت به لأنها شرعت للذكر، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ وفي الدعاء ذكر وإن كان يثوبه سؤال.
ثم عند الإطلاق – صلاة – ينصرف هذا اللفظ إلى العبادة المعلومة بأركانها سواء كان فيها دعاء أو لم يكن كصلاة الأخرس. وإنما تركت الحقيقة للاستعمال عرفًا.
وكذلك الحج: فإن اللفظ للقصد حقيقة، ثم سميت العبادة بها لما فيها من العزيمة والقصد للزيارة. فعند الإطلاق: الاسم يتناول العبادة للاستعمال عرفًا (٢) .
وقال (عبد العزيز البخاري) ..، ومن العادة نقله إلى معناه المجازي عرفًا واستفاضته فيه كوضع القدم في قوله: لا أضع قدمي في دار فلان. ويسمى حقيقة عرفية.
ويجوز أن يكون الاستعمال راجعا إلى القول، يعني أنهم يطلقون في هذا اللفظ معناه المجازي في الشرع والعرف دون موضوعه الأصلي كالصلاة والدابة: فإنهما لا تستعملان في الشرع والعرف إلاَّ في الأركان المعهودة والفرس. إلى أن قال:
وإنما صار استعمال اللفظ في معناه المجازي واستفاضته فيه دلالة على ترك الحقيقة، لأن الكلام موضوع للإفهام، والمطلوب به ما يسبق إليه الأوهام، فإذا تعارف الناس استعماله لشيء عينًا كان بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه وما سواه لعدم العرف كالمجاز لا يتناوله الكلام إلاَّ بقرينة.
وقال: الحقيقة تترك بالتعارف....
وقال: والحقيقة تترك بنية غيرها أو بالعرف (٣)
стр. 7318
وقال ابن الهمام معقبًا: إن فخر الإسلام أراد بما ذكر هذا المعنى، فهو مجاز لغوي مهجور الحقيقة، فصار حقيقة عرفية (١)
ثم فرع على هذا الأصل مسائل فقال: ومن التخصيص بالعادة:
١- فيمن نذر المشي إلى بيت الله: لزمه حجة أو عمرة والخيار إليه استحسانًا.
وفى القياس لا يلزمه شيء، لأن الإلزام بالنذر إنما يصح إذا كان من جنسه واجب عليه شرعًا، وليس من جنس المشي إلى بيت الله واجب عليه شرعًا فلا يصح التزامه بالنذر. ولكنا تركنا القياس بالعرف الظاهر بين الناس، أنهم يذكرون هذا اللفظ ويريدون به التزام النسك وتعارفوا ذلك، والعرف مختص بلفظ المشي المضاف إلى الكعبة أو إلى بيت الله الحرام أو إلى مكة فبقي وراءها على القياس (٢)
٢- مسألة: لو قال: لله على أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة. فعليه أن يهديه استحسانًا وفي القياس لا شيء عليه: وجه القياس: لأن ما صرح به في كلامه لا يلزمه لأنه (ضرب الثوب) ليس بقربة فلأن لا يلزمه غيره أولى.
وجه الاستحسان: أنه إنما يراد بهذا اللفظ الإمراء به فصار عبارة عما يراد به عرفًا، فكأنه التزم أن يهديه (٣)
٣- حلف لا يأكل رأسًا: أنه يقع على المتعارف – رؤوس البقر والغنم – استحسانًا.. لأنا نعلم أنه إنما يراد به رأس كل شيء.. فإن رأس الجراد والعصفور لا يدخلان تحته وهو رأس حقيقية، فإذا علمنا أنه لم يرد به الحقيقة وجب اعتبار العرف وهو: الرأس ما يكبس في التنانير ويباع مشويًّا.
وكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولًا: يدخل فيه رأس الإبل والبقر والغنم لما رأى من عادة أهل الكوفة أنهم يفعلون ذلك في هذه الرؤوس الثلاثة، ثم تركوا هذه العادة في الإبل فرجع وقال: يحنث في رأس البقر والغنم خاصة.
ثم إن أبا يوسف ومحمدًا رحمهما الله شاهدا عادة أهل بغداد وسائر البلدان أنهم لا يفعلون ذلك إلاَّ في رؤوس الغنم فقالا: لا يحنث إلاَّ في رأس الغنم فعلم:
- أن الاختلاف اختلاف عرف وزمان لا اختلاف حكم وبرهان.
- ثم قال: والعرف الظاهر أصل في مسائل الأيمان.
стр. 7319
وخرج على الأصل مسائل:
منها:
- لو حلف لا يأكل بيضًا فإنه يختص ببيض الإوز والدجاجة استحسانًا.
ومنها:
- لو حلف لا يأكل طبيخًا فهو على اللحم خاصة ما لم ينوِ غيره استحسانًا، وفي القياس يحنث في اللحم وغيره.. لكن الأخذ بالقياس ههنا يفحش فحملناه على أخص الخصوص وهو اللحم لأنه هو الذي يطبخ في العادات الظاهرة (١)
وقلنا: إن هذه العمومات خصصت بالعرف العادي لا بالعرف الاستعمالي: لأن لفظ الرأس كما يستعمل في رأس الغنم يستعمل في رأس العصفور والحمام وسائر الحيوانات على السواء، إلاَّ أن العادة في الأكل مختصة برأس الغنم.
- وكذا إطلاق لفظ البيض على بيض العصفور والحمام شائع كما شاع في بيض الدجاج والإوز لكن العادة الظاهرة في الأكل اختصت بأكل بيض الدجاج والإوز دون غيرهما.
وقال الكمال بن الهمام: كما يقدم المعنى الشرعي في خطاب أهل الشرع على المعنى اللغوي، كذا يقدم المعنى العرفي على اللغوي في لسان أهل العرف خاصًّا كان أو عامًّا.
وضرب لذلك مثلًا فقال: فلو حلف لا يأكل بيضًا كان المحمول عليه ذا القشر.. ولا يدخل فيه بيض السمك إلاَّ أن ينويه، ويدخل بيض النعام – فيحمل على ما ينطلق عليه اسم البيض ويؤكل عادة.. فعلم أن المراد دخوله فيما إذا كانت عرف خطاب الحالف بحسب معتادهم في الإطلاقات ما يعمّ بيض النعام.
وأما إذا كان العرف ما هو أخص من ذلك فلا يدخل فيه فيدور ذلك مع التعارف وهكذا في مسألة الطبيخ والشواء: فتركت الحقيقة وهي العموم بالعادة بخلاف ما تقدم؛ فإن الحقيقة تركت فيه بغلبة استعمال اللفظ في تلك المعاني كما بينا لا بالعادة لأن الناس كما اعتادوا فعل الصلاة اعتادوا الدعاء أيضًا (٢)
العرف في أقوال الفقهاء
اتفقت كلمة الفقهاء على الاستدلال بالعرف إما باستنباط الأحكام بناء على العرف أو التصريح بحجة العرف سواء كان ذلك في كتب القواعد الفقهية أو من خلال عرض المسائل التي اعتمد في تخريجها على العرف. ومن ذلك قولهم.
اتباع العرف أمر مجمع عليه حكاه القرافي ونقله التسولي في (البهجة: ٢ /٨٩) ، وقال صاحب المغنى في مفهوم إحياء الموات – الإحياء ما تعارفه الناس إحياء: ٢ /٤٣٥، وقال التادي في هامش (البهجة: ٢/٩٤) : إذا جرى العرف بشيء صار هو الأصل، وقال صاحب المهذب في الإذن (إطلاق الإذن يحمل على العرف) ونقل التسولي في الالتزام في عقد النكاح يكون باللفظ والعادة. وقال ألفاظ الوقف تجري على العرف. (البهجة: ١ /٢٣٠)
واعتبر القاضي حسين أن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي يبنى عليها الفقه حكاه ابن حجر في (الفتح: ٤ /٤٠٦) ، هذا ومن المالكية محمد بن سحنون قال: أن كان للقوم عادة وعرف متقدم بينهم حملوا على عرفهم وعاداتهم. (ملتقى ابن عرفة: ص ٣٧٠) .
وأما السرخسي الفقيه والأصولي الحنفي فذكر في غير موضع من المبسوط حجية العرف قال: الأيمان مبنية على العرف.. وتعامل الناس – من غير نكير منكر – أصل في الشرع، والتعيين في العرف كالتعيين بالنص، والثابت بالعرف كالثابت بالنص، جوزنا العقود بالعرف وإن كان القياس يأباه. (المبسوط: ٣ /١٤) .
ويقول البدر العيني: العرف عند الفقهاء أمر معمول به. وقال: حمل الناس على أعرافهم ومقاصدهم واجب. (عمدة القاري: ١٢ /١٦) ، وقال الجصاص الحنفي اعتبار الوسع مبني على العادة. (الأحكام: ١ /٤٧٩) ، بل ونقل عن ابن الهمام قوله: العرف بمنزلة الإجماع عند عدم النص. (الفتح: ٧ /١٥) ، ويقول ابن العربي المالكي: العرف والعادة أصل من أصول الشريعة وقد جمع الأستاذ أبو عجيلة في كتابه العرف حكاية أقوال الفقهاء (فقهاء المذاهب) في (حجية العرف: ص ٢٤٧ – ٢٥٨) .
العرف المخصص للعام نوعان:
١- العرف القولي، أو العادة القولية.
٢- العرف العملي، أو العادة الفعلية.
حجية كل من العرف القولي والعرف العملي في حاكميته على النص تقييدًا وتخصيصًا عند الأصوليين.
- لا نزاع بين الأصوليين أن العرف القولي يقضي على النص فيقيده إن كان مطلقًا
ويخصصه أن كان عامًا. ونص عليه الغزالي وصاحب المعتمد والآمدي ومن تبعه (٣)
стр. 7320
واتفقوا كذلك على أن العرف العملي يقيد المطلق.
لكنهم اختلفوا في: تخصيص العام بالعرف العملي. والمراد به تعامل الناس ببعض أفراد العام.
فذهب الحنفية والمالكية: إلى أنه لا فرق بين العرف القولي والعرف العملي – فكلاهما يخصص العام.
وخالفهم في ذلك الشافعية، فذهبوا إلى أن العرف العملي لا يقوى على التخصيص وهنالك قاعدتان في هذا الصدد:
الأولى: إنه يجب إجراء الكلام على حقيقته المتبادرة ولا يحمل على المجاز إلاَّ بدليل
الثانية: العادة محكمة (١)
ومن هنا قرر الأصوليون أن مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف.
القائلون بحجية العرف:
قال صاحب الأشباه: واعلم أن اعتبار العرف والعادة يرجع إليه في مسائل كثيرة. حتى جعلوا ذلك أصلا (أي دليلًا) ، فقالوا في الأصول في باب ما يترك به الحقيقة.. تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة (٢)
وفي القنية للزاهدى (٦٨٥هـ) ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما بظاهر المذهب ويتركا العرف.
قال ابن عابدين: والعرف في الشرع له اعتبار؛ لذا عليه الحكم قد يدار (٣)
وفي شرح الأشباه للبيري: والثابت بالعرف كالثابت بالنص (٤)
وفي المبسوط: الثابت بالعرف كالثابت بالنص (٥)
стр. 7321
وقال القرافي في التنقيح: وأما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها (١)
وقال ابن الفرس: فالعرف متردد بين أن يراد به أفعال الخير، وبين أن يراد به الأفعال الجارية بين الناس مما لا يرده الشرع، واللفظ مشترك بينهما.
ونقل ابن رحال قول ابن يونس: فالعرف فاصل يقضى به.
وقال أبو الحسن: والعرف عندنا دليل من أدلة الشرع، فيقيد المطلق ويخصص العام ويكون شاهدًا لمدعيه (٢)
وقال الإسنوي: إن ما ليس ضابط في الشرع ولا في اللغة يرجع إلى العرف (٣)
حجية العرف
يقول القرافي في مختصر التنقيح:
تنبيه: ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العادات، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع. وليس كذلك.
أما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها (٤)
وابن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ يقول:
المسألة الرابعة في تقدير الإنفاق: قد بينا أنه ليس له تقدير شرعي وإنما أحاله الله سبحانه على العادة، وهي دليل أصولي بنى الله عليه الأحكام وربط به الحلال والحرام (٥) والسرخسي من الحنفية يقول في المبسوط: إن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، ولأن في النزع عن العادة الظاهرة حرجًا بينًا (٦)
وقال أيضًاً في موضع آخر من مبسوطه: وأقرب ما قيل في حق المجتهد أن يكون قد حوى علم الكتاب ووجوه معانيه، وعلم السنة بطرقها ومنزلتها ووجوه معانيها. وأن يكون مصيبًا في القياس عالمًا بعرف الناس (٧)
ثم عمم ابن عابدين ذلك حيث قال: ولهذا قالوا: من شروط الاجتهاد أنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس (٨)
стр. 7322
أدلة القائلين بحجية العرف
استدل القائلون بحجية العرف من الكتاب والسنة.
١- أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ .
قال السيوطي في تفسير الآية: قال ابن الفرس: اقضِ بكل ما عرفته النفوس مما لا يردّه الشرع.
ثم عقَّب السيوطي قائلًا: وهذا أصل القاعدة الفقهية في اعتبار العرف، وتحتها مسائل لا تحصى.
واستدل بهذه الآية على حجية العرف غير واحد من فقهاء المذاهب وبخاصة المالكية منهم ابن يونس وأبو الحسن وابن الفاكهان والقاضي عبد الوهاب (١) وغيره خلق كثير.. وعلاء الدين الطرابلسي في معين الحكام – الباب الثامن والعشرون –.
كما استدل بهذه الآية القرافي في (الفروق) مرتين:
الأولى: في الفرق (١٩٠) وهو يتحدث عن اختلاف الزوجين في متاع البيت.
والثانية: في الفرق (٢٣١) وهو يتحدث عن الحيازة.
وقال ابن الكلبي: وقيل العرف الجاري بين الناس من العوائد واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعوائد (٢)
٢- قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٣] .
قال الرازي الجصاص: وقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ يدل على أن الواجب من النفقة، والكسوة هو على قدر حال الرجل في إعساره ويساره، إذ ليس من المعروف إلزام المعسر أكثر مما يقدر عليه ويمكنه، ولا إلزام الموسر الشيء الطفيف.. إلى أن قال: فإذا اشترطت المرأة وطلبت من النفقة أكثر من المعتاد المتعارف لمثلها لم تعط. وكذلك إذا قصَّر الزوج عن مقدار نفقة مثلها في العرف والعادة لم يحل له ذلك واجبر على نفقة مثلها. واستطرد قائلًا.. واعتبار الوسع مبني على العادة. اهـ.
стр. 7323
وقال: إذ لا توصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلاَّ من جهة غالب الظن واكثر الرأي إذ كان ذلك معتبرًا بالعادة وكل ما كان مبنيًّا على العادة فسبيله الاجتهاد (١)
وقال ابن العربي: وحمل على العرف والعادة في مثل ذلك العمل، ولولا أنه معروف ما ادخله الله في المعروف (٢)
وقال أبو حيان التوحيدي: ومعنى بالمعروف: ما جرى به العرف.
وقال ابن كثير: أي ما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن (٣)
ومن الآيات الكريمة التي فيها تلميح بليغ إلى اعتبار العرف دليلًا قوله تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] .
وقوله سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٩] .
قال القرطبي: العرف والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس (٤)
وجه الاستدلال: أرشد الله تعالى الزوجين في عشرتهما وأداء حق كل منهما إلى الآخر إلى العرف المعتاد والعادة، الذي يرتضيه العقل، ويطمئن إليه القلب، ولا شك أن ذلك متغير حسب الاختلاف بين المناطق وأحوال الناس.
ومن هذا القبيل ما جاء في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية ٨٩] .
قال الإمام الطبري: وأول الأقوال في تأويل قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ، عندنا قول من قال: أوسط ما تطعمون أهليكم في القلة والكثرة، وذلك أن أحكام رسول الله ﷺ – في الكفارات كلها وردت بذلك، وذلك كحكمه ﷺ – في كفارة الحلق من الأذى بفرق من طعام بين ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع (٥)
стр. 7324
وقال الإمام ابن تيمية: أمر الله تعالى بإطعام المساكين من أوسط ما يطعم الناس أهليهم.
وقد تنازع العلماء في ذلك، هل ذلك مقدَّر بالشرع أو يرجع فيه إلى العرف..، وتنازعوا كذلك في النفقة، نفقة الزوجة.
والراجح في هذا كله أن يرجع فيه إلى العرف، فيطعم كل قوم مما يطعمون أهليهم. ولما كان كعب بن عجرة ونحوه يقتاتون التمر، أمره النبي ﷺ أن يطعم فرقًا من التمر بين ستة مساكين (١)
ومن شواهد القاعدة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [سورة النور: الآية ٥٨] .
قال العلائي: فأمر الله بالاستئذان في هذه الأوقات التي جرت العادة فيها بالابتذال ووضع الثياب، فانبنى الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه (٢)
قال القرطبي: أدب الله تعالى عباده في هذه الآية: يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة، هي الأوقات التي تقضي عادة الناس الانكشاف (٣) .
ومن السنَّة:
ومن الأدلة الواردة في السنَّة المطهرة على تحكيم العادة والعرف في بعض الأحكام قوله ﷺ : ((الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة)) (٤)
قال الإمام العلائي في قواعده: وجه الدلالة منه أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخيل وزرع، فاعتبرت عادتهم في مقدار الكيل.
стр. 7325
وأهل مكة كانوا أهل متاجر فاعتبرت عادتهم في الوزن (١)
والمراد بذلك فيما يتقدر شرعًا، كنصب الزكاة ومقدار الديات، وزكاة الفطر، والكفارات ونحو ذلك.
فهذا المبدأ عام قرره النبي ﷺ في الاعتداد بالعرف الجاري بين الناس.
وليس المراد بالحديث تعديل الموازين والأرطال والمكاييل وجعل عيارها أوزان أهل مكة ومكاييل أهل المدينة عند التنازع حكمًا بين الناس يحملون عليها إذا تداعوا إلى أن قال: فإذا جاء باب المعاملات حملنا العراقي على الصاع المتعارف المشهور عند أهل بلاده.
والحجازي على الصاع المعروف ببلاد الحجاز، وكذلك كل أهل بلد على عرف أهله (٢)
قال العيني: كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي أو وزني، فيعتبر في عادة أهل كل بلدة على ما بينهم من العرف فيه، لأن العرف جملة من القواعد الفقهية (٣)
ومن السنة: قضاء النبي ﷺ فيما رواه حرام بن محيصة، عن أبيه: أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته ((فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل))
وفي رواية: فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية على أهلها وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل (٤)
стр. 7326
قال الخطابي: ويشبه أن يكون إنما فرق بين الليل والنهار في هذا: لأن في العرف أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار. ويوكلون بها الحفاظ والنواطير. ومن عادة أصحاب المواشي أن يسرحونها بالنهار، ويردوها مع الليل إلى المراح. فمن خالف هذه العادة كان به خارجًا عن رسم الحفظ إلى حدود التقصير والتضييع، فكان كمن ألقى متاعه في طريق شارع، أو تركه في غير موضع حرز، فلا يكون على آخذه قطع (١)
ومن السنَّة أيضًا: أحوال النساء وعوارضهن. قال ﷺ لحمنة بنت جحش: ((فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام)) وذلك لما شكت، إليه بأنها تستحاض حيضة كثيرة. وفيه تنبيه على الرجوع إلى الأمر الغالب والعادة.
قال الخطابي في المعالم: فردَّ رسول الله ﷺ أمرها إلى العرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النساء، كما حمل أمرها في تحييضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عدتهن، ويدل على ذلك قوله: كما تحيض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن.
وهذا أصل في قياس أمر النساء بعضهن على بعض في باب الحيض والحمل والبلوغ وما أشبه هذا من أمورهن (٢)
وفي ضوء هذه النصوص ونظائرها اهتدى الأئمة إلى وضع هذه القاعدة واحتكموا إليها في كثير من المسائل والقضايا، وهذا ما يرمز إليه قول الإمام القاضي شريح في عهد عمر بن الخطاب ﵁ للغزَّالين: (سنتكم بينكم) ، قال العيني في شرح البخاري: يعني عادتكم وطريقتكم بينكم معتبرة (٣)
أدلة المجيزين لتخصيص العموم بالعادات
وعمدة من ذهب إلى أن العموم يخص بالعادات:
١- إن رسول الله ﷺ إنما يخاطب الناس بلغتهم فيما عرفوا في تحاورهم.
وكذلك أمر الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [سورة النحل من الآية ٤٤] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [سورة إبراهيم من الآية ٤]
وجه الاستدلال: لو لم يكن خطاب الشرع منزلًا على مقتضى العادة خرج عن أن يكون مفهمًا وبطلت فائدة الرسالة، فلا بد من حمله على مقتضى العادة ليتحقق معنى الإفادة (٤)
وقال أبو الوليد الباجي المالكي:
مسألة: يجوز تخصيص العموم بعادة المخاطبين: وبه قال ابن خويز منداد.
وجه هذا القول: أن اللفظ إذا ورد حمل على عرف التخاطب في الجهة التي ورد منها.
وقال القاضي أبو محمد: إن كان العرف من جهة الفعل لم يقع به التخصيص، مثل أن يقول: حرّمت عليكم اللحم، وعادتهم أكل لحم الضأن.
стр. 7327
وإن كان العرف من جهة التخاطب: وقع به التخصيص، مثل أن يقول: حرمت عليكم ركوب الدواب، فيختص بما يستعمل فيه هذا اللفظ دون ما وضع له (١)
قال القرافي (المالكي) :
تحت باب: في جمع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين.
في الأدلة: وعدَّ منها: العوائد. ثم قال:
العوائد، العادة: غلبة معنى من المعاني على الناس، وقد تكون هذه الغلبة في سائر الأقاليم كالحاجة للغذاء والتنفس في الهواء.
وقد تكون خاصة ببعض البلاد كالنقود والعيوب.
وقد تكون خاصة ببعض الفرق كالآذان للإسلام، والناقوس للنصارى.
حكمها: فهذه العادة يقضى بها عندنا – المالكية (٢)
مذهب الحنابلة:
لا يجوز تخصيص العموم بالعادات عندنا.. وقال أبو الخطاب:
وهذا فيه تفصيل:
١- فإن العادات في الفعل – مثل أن يكون عادة الناس شرب بعض الدماء ثم تحرّم الدماء بكلام يعمها – فهذا الذي لا يجوز تخصيص العموم به.
٢- وأما إن كانت العادة في استعمال العموم – مثل أن يحرم أكل الدواب، والدواب في اللغة اسم لكل ما دبَّ – ويكون عادة الناس تخصيص الدواب بالخيل مثلًا – فإنا نحمل الدواب على الخيل.
قال أبو الخطاب: وليس هذا بتخصيص على الحقيقة وإنما هو تخصيص بالنسبة إلى اللغة (٣)
قال ابن القيم:
ومما تتغير به الفتوى لتغير العرف والعادة.
موجبات الأيمان، والإقرار، والنذور وغيرها..
стр. 7328
فمن ذلك: أن الحالف إذا حلف: لا ركبت دابة – وكان في بلد عرفهم في لفظ (الدابة) الحمار خاصة – اختصت يمينه به، ولا يحنث بركوب الفرس ولا الجمل.
وإن كان عرفهم في لفظ (الدابة) الفرس خاصة، حملت يمينه عليها دون الحمار. وكذلك إن كان الحالف ممن عادته ركوب نوع خاص من الدواب. كالأمراء ومن جرى مجراهم حملت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدواب.
فيفتى في كل بلد بحسب عرف أهله، ويفتي كل أحد بحسب عادته.
وكذلك إذا حلف (لا أكلت رأسا) في بلد عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة. لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها.
وإن كان عادتهم أكل رؤوس السمك، حنث بأكل رؤوسها.
وكذلك إذا حلف (لا اشتريت كذا) ولا بعته ولا حرثت هذه الأرض ولا زرعتها ونحو ذلك: وعادته أن لا يباشر ذلك بنفسه كالملوك وحنث قطعًا بالإذن والتوكيل فيه، فإنه نفس ما حلف عليه.
وإن كان عادته مباشرة ذلك بنفسه كآحاد الناس، فإن قصد منع نفسه من المباشرة لم يحنث بالتوكيل.
وإن قصد عدم الفعل والمنع منه جملة حنث بالتوكيل. وإن أطلق اعتبر سبب اليمين.
وعلى هذا: إذا أقرَّ الملك أو أغنى أهل البلد لرجل بمال كثير، لم يقبل تفسير بالدرهم والرغيف ونحوه مما يتمول.
فإن أقرَّ به فقير يعدُّ عنده الدرهم والرغيف كثيرًا قبل منه (١)
أما العرف الخاص: قوليًّا كان أو عمليًّا.
فالمالكية: يجيزون تخصيص النص العام بالعرف الخاص.
أما الحنفية: فلا يرون ذلك في الراجح من مذهبهم.
والمدار في ذلك على تحقق مناط التخصيص، فحيثما تحقق المناط وجب القول بوجوب التخصيص، ولا فرق إذ ذاك بين عام وخاص أو قولي وعملي.
стр. 7329
وأما مذهب الحنابلة: فقد نصَّ عليه صاحب المسودَّة، فقال:
وقال الغزالي في المستصفى:
الثامن عادة المخاطبين:
فإذا قال لجماعة من أمته: حرمت عليكم الطعام والشراب مثلًا، وكانت عادتهم تناولهم جنسًا من الطعام، فلا يقتصر النهي على معتادهم بل يدخل فيه لحم السمك والطير وما لا يعتاد في أرضهم.
وجه القول: لأن الحجة في لفظه وهو عام، وألفاظه غير مبنية على عادات الناس في معاملاتهم حتى يدخل فيه شرب البول وأكل التراب وابتلاع الحصاة والنواة.
وهذا بخلاف لفظ الدابة، فإنها تحمل على ذوات الأربع خاصة لعرف أهل اللسان في تخصيص اللفظ.
وأما أكل النواة والحصاة يسمى أكلًا في العادة، وإن كان لا يعتاد فعله، ففرق بين أن لا يعتاد الفعل وبين أن يعتاد إطلاق الاسم على الشيء.
وعلى الجملة: فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم حتى إن الجالس على المائدة يطلب الماء يفهم منه العذب البارد، لكن لا تؤثر في خطاب الشارع إياهم (٢ /١١١) .
استدل المانعون به من وجوه.
أولًا: إن رسول الله ﷺ إنما بعث لتبديل العادات وتغييرها.
ولو خص العموم بالعادة الواردة بطلت فائدة الألفاظ الواردة على صاحب الشرع.
ثانيا: إن العادة فعل يصدر من المكلفين، وأفعال المكلفين ليست بحجة.
والعموم: قول الله تعالى وقول رسوله وهو حجة، فكيف تخص الحجة بما ليس بحجة.
والعموم: قول الله تعالى وقول رسوله وهو حجة، فكيف تخص الحجة بما ليس بحجة.
ثالثًا: أن العادة ليست بأمر مشروع، وقول صاحب الشرع يشرع من جهة الله تعالى فلا يجوز أن يترك الشرع الوارد لما ليس بشرع ثابت (١)
مذهب الشافعية في المسألة
قال الزركشي: والعرف الفعلي (العملي) غير معتبر في تخصيص الألفاظ، أما عن ابن برهان: العادات الراجعة إلى الأفعال فلا يجوز أن تكون مخصصة للألفاظ الشرعية.
стр. 7330
وجه القول: إن العمل ليس عرفًا للأقوال، فلا يكون له سلطان عليها. بل سلطانه على الأفعال.
أو نقول: إن ذلك يقضي إلى تقديمها على ألفاظ صاحب الشرع فلا بد أن يقضى على العادات بالألفاظ الشرعية.
بيان ذلك: إن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] ، لو كان مخصوصًا بغير الربا الذي اعتادوه فيما بينهم بطلت فائدة الآية.
إنما نزلت لصدهم عن العادة الذميمة ومنعهم منها. فأجرى ما كان اللفظ متناولًا له ودالًا عليه على ما كان شائعًا معتادًا، ولأن الحاجة إنما تدعو إلى بيان ما يتم به البلوى دون ما كان نادرًا، فهذا النوع من العادات لا يجوز أن يخصَّ به الألفاظ.
أما العرف القولي: فسلطانه على الأقوال لأنه عرف لها فيخصصها ولا سلطان له على الأفعال لأنه ليس عرفًا لها.
ثمرة الخلاف: لو حلف السلطان لا يلبس ثوبًا، أو لا يأكل خبزًا، فأكل خبز الشعير أو لبس الكرباس يحنث، وإن كانت عادته عدم تناوله.
وإن حلف هو أو غيره أن لا يأكل رؤوسا، فأكل رؤوس السمك لم يحنث، لأن العرف خصص الرءوس بذوات الأربع.
وفي هذا المقام لا بد من البناء على أصل وهو: أنه إذا ثبت أن رسول الله ﷺ يخاطب كل أمة بلغتهم وبما يتعارفونه جاز التخصيص بهذه الألفاظ لأنها أقرب إلى البيان.
وإن ثبت أنه يخاطب الناس باللغة الأصلية – دون العادة واللغة العرفية – فلا يجوز تخصيص ألفاظه ﷺ بالعادة المطردة (١)
رأي الكوثري في حجية العرف
- وأما تحكيم العرف على النصوص فلم يقع من مسلم ولن يقع.
والتعامل بين المسلمين بالمعدنين المسكوكين – من غير وزن – إنما هو للعلم بوزنهما من قيام رقابة ساهرة عليه جد السهر وليس ذلك من تحكيم العرف من شيء (٢) ، وقال: وأحكام الشرع هي: ما فهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ على موجب اللسان العربي المبين.
стр. 7331
وعمل الفقهاء إنما هو الفهم من الكتاب والسنة، وليس لأحد سوى صاحب الشرع دخل في التشريع مطلقًا.
وأما المتأخرون من الفقهاء فليس لهم إلا أن يتكلموا في نوازل جديدة لا أن يبدوا آراء في الشرع على خلاف ما فهمه من النصوص رجال الصدر الأول الذين هم أهل اللسان، المطلعون على لغة التخاطب بين الصحابة قبل أن يعتورها تغيير وتحرير، والمتلقون للعلم عن الذين شهدوا الوحي.
فما فهموه من الشرع فهو المفهوم.
وما أبعدوه عن أن يكون دليلًا بعيد أن يتمسك به.
وإنما يكون الكلام فيما لم يتكلموا فيه، أو اختلفوا في حكمه.
ثم يبدي تخوفه من هذا المسلك فيقول:
يأسف المسلم كل الأسف من وجود أناس في أزياء العلماء تحملهم شهوة الظهور على التظاهر بمظهر المستدرك على فقهاء الصدر الأول، وعلى محاولة ابتداع أساليب بها يحرفون الكلم عن مواضعه، ويجعلون الشرع الواضح الصريح الأحكام يتقلب مع الزمن وذلك لأجل التقرب إلى الذين لا يضمرون للإسلام خيرًا.
تراهم يقولون: عندنا العرف، وعندنا المصلحة بهما تتغير الأحكام ... يريدون بذلك أن يجعلوا شرع الله متقلبًا مع الزمن ومع الظروف.
إلى أن قال: وليس للعرف في الشرع إلا ما بينه علماء المذاهب في كتب القواعد وكتب الأصول والفروع.
من مثل: حمل الدرهم في العقود على المتعارف في البلد، وكذا الرطل، وكون المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، وزوال خيار الرؤية برؤية المشتري إحدى غرف الدار عندما كان العرف جاريًا بين الناس ببناء دورهم متساوية الغرف (١) .
وعدم زوال الخيار المذكور عند تغير (الغرف) العرف المذكور.
واعتبار اللفظ صريحًا في معنى تعورف فيه بخلاف ما إذا نقل إلى معنى آخر وتنسي المعنى الأول.
وحمل الطعام واللحم على البر ولحم الضأن في بلد تعورف تخصيصهما بهما إلى غير ذلك مما هو مفصل في التحقيق الباهر في شرح الأشباه والنظائر (لهبة الله التاجي) والمجموع المذهب في قواعد المذهب (للصلاح العلائي) وغيرهما من الكتب المؤلفة في قواعد المذاهب وهي الواسطة بين الفروع والأصول ...
стр. 7332
وقال: وليس في شيء منها عد عرف طائفة شرعًا مشروعًا حتى يظن أن عمل أهل المدينة في عهد الفقهاء السبعة ليس بالعمل المتوارث طبقته عن طبقة عن النبي ﷺ اغترارًا بتقولات بعض الماجنين. فليتقِ الله المرجفون في محاولاتهم تغيير الشرع باسم العرف (١) .
وقال في موضع آخر:
ليس العرف في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ، [سورة الأعراف: الآية ١٩٩] بمعنى العادة الجارية هنا وهناك.
بل هو الحكم المعروف الذي لا ينكره الشرع، ولا يستقبحه العقل بل يقره الشرع ويستحسنه العقل.
يوصي الله سبحانه في الآية المذكورة بالتسامح مع الناس في المعاملة الشخصية معهم والمجاهرة بحكم الله في غير هوادة، وترك الالتفات إلى من يحاول إيصال الأذى في هذا السبيل.
فمن فسر العرف هنا بالعادة فقد فسر الرأي بدونه مدرك لا في الرواية ولا في الدراية وإنما عرف العرف بمعنى العادة بعد زمن الوحي، كما لا يجهل ذلك أهل العلم بأطوار اللغة (٢) .
تخصيص العرف للقياس والأثر: لا يصلح العرف عند أهل العلم أن يكون للقياس أو الأثر إلا إذا كان عامًّا متوارثًا – فضلًا عن أن يكون قاضيًا على النص.
وأما الخاص فإنما يثبت به الحكم الخاص ما لم يخالف القياس والأثر فلا يصح أن يكون مخصصًا لهما.
شروط اعتبار العرف والعادة:
إن اعتبار العرف والعادة مشروط بشروط.
منها ما هو عام في جميع الاستعمالات، ومنها ما هو خاص ببعضها.
ويمكن إيجازها فيما يأتي:
الشرط الأول: أن يكون كل من العرف والعادة مطردًا أو غالبًا.
ومعنى الاطراد: أن يكون العرف شائعًا مستفيضًا بمعنى: أنه لا يختلف عند أحد من أهل العرف سواء أكان عامًا أم خاصًا.
ومعنى الغلبة: أن يكون العرف أكثريًّا بمعنى أنه لا يختلف إلا عند قلة من الناس وهذا لأن العرف بين الناس وتمكنه من نفوسهم بحيث ينسب إليهم جميعًا لا يتم إلا بالاطراد والغلبة وهو المراد، من قول الفقهاء (إن العبرة بالشائع لا بالنادر) ، أي المعتبر في العرف الذي هو مبنى الأحكام: الاعتياد الغالب الذي لا يتخلف إلا عند القليل، فالاعتياد المطرد أدخل في الاعتبار.
وهذا الشرط عام في جميع استعمالات العرف والعادة (٣) .
стр. 7333
اطراد العرف
مسألة: إذا اطرد العرف في ناحية هل يطرد في سائر النواحي.
مثاله: حلف لا يدخل بيتًا فدخل بيت الشعر حنث وإن كان قرويًّا.
وجهة: لأنه ثابت في عرف البادية.
وكذا: لو حلف لا يأكل الخبز، فأكل خبز الأرز – بغير طبرستان – حنث.
وقيل: إنما يحنث به بطبرستان لاعتيادهم أكله.
ولو حلف: لا يأكل الرؤوس – وعادة بلده بيع رؤوس الحيتان والصيود منفردة حنت بأكلها هناك وفي غيرها من البلاد وجهان: أصحهما الحنث (١) .
الشرط الثاني: أن يكون العرف عامًا في جميع بلاد الإسلام، وهو بالعرف الذي يكون دليلًا على الحكم - في الظاهر – كاشفًا على دليل حقيقي كالإجماع والمصلحة المرسلة.
كالعرف الذي أجاز الاستصناع، ووقف المنقول.
ذلك: لأن الإجماع لا يتم إلا من عادة المجتهدين في جميع البلاد.
- والمصلحة المرسلة خلاصتها: تأثير الحاجة العامة في التيسير.
- والعلة الضابطة لهذه الحاجة هو: العرف العام (٢) .
الشرط الثالث: أن لا يكون العرف مخالفًا.
بأن تكون عادات الناس لا يعارضها حكم من الأحكام التي أفادته الأدلة فلو خالفها بطل اعتباره.
كتعارف الناس شرب الخمر، ولعب الميسر وكشف بعض العورة من البدع العرفية التي بعد الناس عن الإسلام (٣) .
الشرط الرابع: أن يكون العرف الذي يحمل عليه صيغ المتصرفين وإعجابهم ونصوص الشارع موجودًا وقت ورودها.
стр. 7334
فخرج بهذا أمران:
الأول: ما إذا كان العرف طارئًا على التصرف أو النص وحادثًا بعدهما وإن قارن العمل بمقتضاهما.
الثاني: ما إذا كان العرف سابقًا على التصرف وتغير قبل إنشائه فإنه لا يحمل على كل منهما.
لو أن شخصًا وقف ضيعة على العلماء سنة ألف، وكان المتعارف من هذا اللفظ علماء الدين واللغة.
تم تعورف الآن هذا اللفظ فيما يشمل هؤلاء والعاملين في الكيمياء والطبيعة، وأريد توزيع الريع الآن ... فسر كتاب الوقف بالعرف الموجود وقت إنشاء الوقف لا بالعرف الحادث.
كذلك الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة تفسر بما كان عليه العرب في أقوالهم وأفعالهم وقت نزول الوحي لا بما استحدثه الفقهاء وعامة الناس من عرف جديد.
الشرط الخامس: أن يكون العرف ملزمًا:
أي يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس، وهو خاص بالعرف المثبت لحق من الحقوق لقيامه مقام العقد أو الشرط.
مثاله: الهدايا في الأعياد والأعراس.
هل اعتاد الناس المكافأة عليها في مثل هذه المناسبات أو هي عادة بعض البلاد دون البعض.
يرجع إلى العرف في كل ذلك فمتى كان العرف المكافأة لزم ذلك في الفتيا والقضاء (١) .
стр. 7335
أهم القواعد الفقهية في العرف وسلطانه
أثبت الفقهاء قواعد في العرف والعادة كانت أسسًا وضوابط لكثير من الأحكام الفرعية القائمة على العرف، وذكرت المجلة طائفة منها في المواد: ٣٣٦ و ٣٩ و ٦٠ - ٤٥.
ومن أهم هذه القواعد الفقهية المتعلقة بالعرف القواعد التالية:
١- العادة محكمة: المجلة ٤٠.
٢- الحقيقة تترك بدلالة العادة: م ٤٠.
٣- استعمال الناس حجة يجب العمل بها: م ٣٧.
٤- المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا: م ٤٣.
٥- التعيين بالعرف كالتعيين بالنص: م٤٥.
٦- لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان: م ٣٩.
وقد خرج الفقهاء على هذه القواعد ما لا يحصى من فروع الأحكام وفي مختلف الأبواب الفقهية والمعاملات.
منها:
١- تقسيم مهر المرأة إلى معجل ومؤجل في الزواج، ومقدار كل منهما إذا لم يبين في عقد النكاح يرجع فيه إلى العرف.
٢- تقسيم ثمن المبيع وأجرة المأجور إذا لم يصرح به العاقدان وكان فيه عرف جار في بلد العقد، يلزم فيه الطرفان بحكم العرف.
٣- ما يعد في المبيع عيبًا مسوغًا لفسخ البيع أو لا يعد عيبًا إنما يحكم فيه العرف.
٤- تجاوز المستأجر الحدود الجائزة له في استيفاء منفعة المأجور حتى يعتبر متعديًّا ضامنًا قيمته إذا تلف إنما ميزانه العرف.
٥- كيفية حفظ الوديعة مما يعد به الوديع مقصرًا في حفظها فيضمن إن ضاعت أو غير مقصر فلا يضمن، إنما يعتبر أيضًا فيه العرف.
٦- اختلاف المعلم مع التلميذ العامل في الصناعات أيهما يستحق على الآخر أجرًا يرجع فيه إلى عرف البلدة، المجلة (٥٩٦) .
٧- وكذا في باب (الإجارة) كل ما كان من توابع العمل ولم يشترط على الأجير يعتبر فيه عرف البلدة، المجلة (٥٧٤)(١) .
стр. 7336
فصل: في تنزيل دلالة العادات وقرائن الأحوال منزلة صريح الأقوال في تخصيص العموم وتقييد المطلق وغيرهما وله أمثلة:
المثال الثالث: استصناع الصناع الذين جرت عادتهم بأن لا يعملوا إلا بالأجرة إذا استصنعهم مستصنع من غير تسمية كالدلال والحلاق والفاصد والحجام والنجار والحمال والقصار ...
فالأصح: أنهم يستحقون من الأجرة ما جرت به العادة.
لدلالة العرف على ذلك:
المثال التاسع: تقديم الضيفان إذا أكمل وضعه بين أيديهم ودخل الوقت الذي جرت به العادة بأكلهم فيه، فإنه يباح الإقدام عليه ... تنزيلا للدلالة العرفية منزلة الدلالة اللفظية.
ولا يجوز للأراذل أن يأكلوا مما بين أيدي الأماثل من الأطعمة النفسية المخصوصة بالأماثل، إذ لا دلالة عن ذلك بلفظ ولا عرف بل للعرف زاجر عن ذلك.
المثال العاشر: دخول الحمامات والقياصير والحانات إذا فتحت أبوابها في الأوقات التي جرت العادة في الارتفاق بها فيها، فإنه جائز إقامة للعرف المطرد مقام الإذن الصريح.
ولا يجوز لداخل الحمام أن يقيم فيه أكثر مما جرت به العادة، ولا أن يستعمل من الماء أكثر مما جرت به العادة؛ إذ ليس فيه إذن لفظي ولا عرفي..
المثال الحادي عشر: الدخول إلى دور القضاة والولاة في الأوقات التي جرت العادة بالدخول فيها بعد فتح أبوابها للحكومات والخصومات.
المثال الرابع عشر: التقاط كل مال حقير جرت العادة أن مالكه لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه.
فإنه يجوز تملكه والارتقاق به لاطراد العادات ببذله:
المثال الخامس عشر: الشرب وسقي الدواب من الجداول والأنهار المملوكة إذا كان السقي لا يضر بمالكها جائز، إقامة للإذن العرفي مقام الإذن اللفظي، فلو أورد ألفًا من الإبل إلى جدول ضعيف فيه ماء يسير، فلا أرى جواز ذلك على المعتاد؛ لأنه لا يقتضيه إذن لفظي ولا عرفي..
المثال السادس عشر: حمل الألفاظ الحقيقية العربية على مجازها كلفظ الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة ...
وحمل ألفاظ الأخبار على الإنشاء، واستعمال الماضي في ألفاظ المعاملات: كبعت وأجرت وضمنت ووكلت ووهبت وأقرضت وتصدقت..
وحمل المستقبل على إنشاء الشهادات كأشهد بكذا..
وكذلك الدعوى في قوله: أدعي عليه بكذا – لأن أشهد مردد بين الحال والاستقبال، وهو منصرف إلى الحال بعرف الاستعمال.
стр. 7337
وكذلك قوله أنت حر وأنت طالق، وضعه أن يكون خبرًا عن أمر محقق ثابت من غير اللفظ.
فصار بالعرف إنشاء للحرية والطلاق ...
المثال الثامن عشر: وجوب الإثابة في سباب الأراذل للأماثل على العرف الغالب فيه.
المثال التاسع عشر: اندراج الأبنية والاستئجار في بيع الدار، وإن لم يصرح البائع بذلك بناء على العرف الغالب فيه.
المثال العشرون: دخول ثياب العبد والأمة في بيعها عند من رآه لاطراد العرف بذلك.
لمثال الحادي والعشرون: التوكيل في أداء الديون يجب على الوكيل الإشهاد على الأداء بحكم العرف.
المثال الثالث والعشرون: أذن الإمام للجلاد في جلد الحدود والتعزيرات فإنه يحمل على حزب بين حزبين لسقوط بين سقوطين في زمن بين زمانين.
وإذا أمر الإمام بالرجم تعين الرجم بالأحجار المعتادة فلا يجوز بالصخور ولا بالحصيات الصغار، ولا يجلد عريانًا، لأنه صار بعرف الاستعمال محمولًا على الحائل (١) .
وجهة نظر الشاطبي في تقسيم العرف والعادة
أقسام العرف:
قال الشاطبي: العوائد المستمرة ضربان:
أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها..
والثاني: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.
وهذا القسم هو موضوع بحثنا ... وفيه، قال فيه الشاطبي: وقد تكون العوائد ثابتة، وقد تتبدل ومع ذلك فهي أسباب لأحكام تترتب عليها.
стр. 7338
إلى أن قال: والمتبدلة: منها ما يكون متبدلًا من حسن إلى قبح، وبالعكس، مثل كشف الرأس: فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد الشرقية، وغير قبيح في البلاد الغربية.
فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحا في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح بالعدالة.
ومنها ما يختلف في التعبير عند المقاصد: فتنصرف العبارة عن معنى إلى معنى عبارة أخرى.
إما بالنسبة إلى اختلاف الأمم كالعرب مع غيرهم.
أو بالنسبة إلى الأمة الواحدة، كاختلاف العبارات بحسب اصطلاح أرباب الصنائع في صنائعهم مع اصطلاح الجمهور.
أو بالنسبة إلى غلبة الاستعمال في بعض المعاني حتى صار ذلك اللفظ إنما يسبق منه إلى الفهم معنى ما، وقد كان يفهم منه قبل ذلك شيء آخر أو كان مشتركًا فاختص، وما أشبه ذلك.
والحكم أيضًا يتنزل على ما هو معتاد فيه بالنسبة إلى من اعتاده فيه بالنسبة إلى من اعتاده دون من لم يعتده وهذا المعنى يجري كثيرًا في الأيمان والعقود والطلاق كناية وتصريحًا.
ومنها ما يختلف في الأفعال في المعاملات ونحوهما كما إذا كانت العادة في النكاح قبض الصداق قبل الدخول، أو في البيع الفلاني أن يكون بالنقد لا بالنسيئة، أو بالعكس، أو إلى أجل كذا دون غيره.
فالحكم أيضًا جار على ذلك حسبما هو مسطور في كتب الفقه.
وقال العز بن عبد السلام:
فصل: في حمل الألفاظ على ظنون مستفادة من العادات لمسيس الحاجة إلى ذلك، وله أمثلة:
أحدهما: زفاف العروس إلى زوجها مع كونه لا يعرفها، فإنه يجوز له وطؤها؛ لأن زفافها شاهد على أنها امرأته لبعد التدليس في ذلك في العادات.
المثال الثاني: الأكل من الهدي المنحور المشعر بالفلاة جائز على المختار لدلالة النحر والإشعار القائمين مقام صريح اللفظ على البذل والإطلاق.
المثال الثالث: الدخول إلى الأزقة والدروب المشتركة جائز للإذن العرفي المطرد فيه.
стр. 7339
المثال الرابع: طرق باب الدار والإيقاد من السرج والمصابيح كل ذلك جائز للإذن العرفي.
المثال السادس: المعاطاة في المحقرات قائمة مقام الإيجاب والقبول لمن جلس في الأسواق للبيع والشراء، لأنها دالة على الرضى بالمعاوضة دلالة صريح الألفاظ.
المثال التاسع: الاعتماد في المعاملات والضيافات والتبرعات على بذلك الباذل، لأن دلالتها على ملكه واختصاصه ظاهرة في العرف المطرد.
المثال الحادي عشر: الاعتماد على قول المقومين العارفين بالصفات النفسية الموجبة لارتفاع القيمة، والصفات الخسيسة الموجبة لانحطاط القيمة لغلبة الإصابة على تقويمهم.
وكذلك الاعتماد على قول الخارصين لغلبة إصابتهم في ذلك، حتى لا يكادون يخطئون. اهـ باختصار قواعد الأحكام: ٢ /١٣٨.
هل الخلاف في حجية العرف حقيقي أو ظاهري
من المسلم به بين المخالفين والموافقين أن هنالك تصرفات كثيرة للمكلفين للعرف فيها مدخل ... ولكن لا بد من التوسط ما بين التفريط والإفراط ... خاصة بالنسبة لنفاة حجية العرف فحيث نفوه دليلًا ... وصفوه كاشفًا للحكم لا مثبتًا له ... وهل القياس، وهو المصدر الرابع من مصادر التشريع المجمع عليها، إلا دليل كاشف على ما قال أهل العلم ... باعتبار أن الكتاب والسنة والإجماع مثبتة للأحكام ... وهي من المصادر الأصلية وما سواها من المصادر – أو الأدلة – هي مصادر تبعية.
والعرف مصدر من المصادر الاجتهادية ... ولا اجتهاد في مورد النص ... ولم يقل مثبتو حجية العرف بأن العرف يعارض النص بوجه من الوجوه.. وإن قالوا إنه مخصص بذلك يكون تابعا لا أصلا ...
ويقول صاحب المسودة: وتخصيص العموم بالعادة – بمعنى قصره على العمل المعتاد كثير المنفعة وكذا قصره على الأعيان التي كان الفعل معتادًا فيها زمن المتكلم (١) .
كلمة ختامية
المتتبع للمسائل التي بنيت على العرف – في الفقه والأصول – يتبين له أمور، وهي:
١- أن العرف يقوى على إنشاء أحكام الحوادث التي لا نص فيها.
٢- يترك القياس بالعرف.
٣- إذا تعارض العرف مع النص خصصه.
٤- الأحكام المبنية على العرف تتغير تبعًا له.
٥- أن منشأ دلالة العرف ليس مجرد كونه تعارفًا بل ما أنبأ عنه من المصلحة لذا قيل: العادة محكمة عامة كانت أو خاصة.
стр. 7340
وإذا كان العرف – يرجع في غالب صوره إلى المصلحة التي دعت إليها الحاجة فتكون مرتبته بين الأدلة مرتبة المصلحة.
ولا شك في أن هذه المصلحة التي دعت إليها الحاجة – عامة كانت أو خاصة – دليل من الأدلة التي يستند إليها في إثبات الأحكام، وهي ليست مجرد رأي، بل حجيتها ثابتة بالنصوص الكثيرة النافية للحرج والداعية إلى التيسير وعدم التعسير (١) .
وأن التخوف من اعتبار العرف دليلًا فإذا عارض النص نسخه، ولا نسخ بعد الرسالة بالإجماع. فالجواب إنما يصدق هذا إذا كانت المعارضة كلية، وذلك لم يقل به أحد ولكن ينحصر أثر العرف في المعارضة الجزئية، وهذه لا تلغي النص ولا تبطله، بل تخصصه ويبقى العمل بالنص فيما عدا موضع العرف، فلا يكون العمل به في هذه الحالة نسخًا.. وأقصى ما فيه أن يكون تخصيصًا ... والتخصيص للنص مشروع وباقٍ بعد عصر الرسالة، فكما كان التخصيص في عصر الوحي بالنص، يكون بعده بالقياس والمصلحة والاستحسان.. وهي أنواع من الاجتهاد المأذون فيها إلى قيام الساعة، وعندئذ يكون العرف المخصص عملًا مشروعًا، والعرف الناسخ غير مشروع فافترقا.
وما العرف المخصص إلا عملية استثناء بعض أفراد النص العام وإخراجها من حكمه، فيدخل تحت مبدأ الاستثناء المقرر صراحة في القرآن الكريم.
ونخلص مما تقدم إلى القول بأن العرف في تخصيصه لبعض النصوص أو تفسيره للبعض الآخر والاستناد إليه باعتباره قرينه مرجحة عند التنازع أو إنشائه لبعضها، حيث لا نص – في كل ذلك لم يقف العرف وراء أسوار النصوص بل دخلها، أو أدخلها ليعمل معها بقدر ما أعطي من سلطان.
فهو يعتبر بحق نافذة من نوافذ الفقه الإسلامي التي يطل منها على حياة الناس الواقعية، فيسلط عليها الأضواء لتنير الطريق للسائرين كي لا تلتوي بهم السبل عن الجادة، وليميز الخبيث من الطيب فإذا ما انكشفت الحقائق أقر منها النافع وألغي الفاسد الضار.
وكم من أصولي لم يقل بالعرف في أصوله ولكن على صعيد التطبيق لا يسعه إلا القول به، حتى قال ابن القيم في أمثال هؤلاء: (فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به) (٢) .
أو مما قال القرطبي: ينكرونه لفظًا ويعملون به معنى، والصحيح أن الشريعة الإسلامية راعت العرف وجعلته أصلًا من أصولها – وكان أثر إقرار هذا المبدأ – اعتبار العرف – وغيره أن زخر الفقه الإسلامي على مر العصور بشتى الحلول لما استجد ويستجد من القضايا بين الناس.
وما من شك في أن العمل بالعرف أحد مظاهر السماحة والتيسير في هذه الشريعة الغراء، والتي قال فيها تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ... وقال ﷺ : ((يسِّروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا)) .
والله من وراء القصد ...
الشيخ خليل محيي الدين الميس.
стр. 7341
العرف
إعداد
الشيخ كمال الدين جعيط
خطة البحث
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
حصرنا الموضوع في مقدمة وبحث وخاتمة:
أشرنا في المقدمة إلى مصادر الشريعة الأساسية المجمع عليها وما ألحق بها على خلاف فيه، وإلى مجموعة أخرى من المصادر اعتبرها جمهور العلماء مصادر متفرعة عن المصادر الأصلية كالاستحسان عن أبي حنيفة والمصالح المرسلة وسد الذرائع وعمل أهل المدينة عند مالك والاستصحاب عند الشافعي والإباحة الأصلية عند أحمد بن حنبل، ومن بين هذه المصادر العرف، فقد اعتمده الفقهاء بشروط اختلفوا فيها توسعة وتضييقًا، واعتمده رجال القانون حتى اعتدت الدول واعتبرته أصلًا ومرجعًا وأطلق بعضهم اعتباره وقدمه على النصوص اعتبارًا لسابقيته على الأديان، وهنا بينا الفرق بين العرف ... ونظر الشرع والعرف في نظر القانون فهو في نظر الشرع يكون العرف في كل العلاقات الاجتماعية الأسرية والمعاملات المالية قولية أو فعلية، وهو في نظر القانون علاقة قانونية قائمة بين الأشخاص والدول ودائرة معاملاتهم فلا دخل للعرف قانونًا في المجاملات كالهدايا وتبادل الزيارات، وقد تأثر بعض رجال القانون بالفقه الإسلامي بحمل حقيقته على ما حرره الفقهاء.
وقد أوضحنا في المقدمة أن للعرف مزايا كما له مساوئ فمن محاسنه أنه يصور العادات ويعبر عما ترتضيه الشعوب بما اصطبغت به نفوسهم وألفته قلوبهم، كما أن من مساويه كونه حجر عثر في وجوه المصلحين، إذ يجد رائد الاصطلاح من التعنت والممانعة فيما تعودت به نفوس الناس وإن كانت فاسدة منكرة.
وقد أشرنا في عجالة إلى باعث القوة فيه وهل هي ناشئة عن أحكام القضاء وهي نظرية بعض أهل القانون أو أن مستند قوته من الضرورات الاجتماعية إذ هي التي ترضي مصالحهم وتتجاوب مع غرائزهم وهي نظرية بعض أهل القانون الآخرين. أما عند علماء الشريعة فقوته مستمدة من المصلحة مما لا نص فيه إذ هي معتمد الأحكام الاجتهادية.
стр. 7342
وقد أشرنا إلى أن بعض البلدان الإسلامية اعتمدت العرف بإطلاق كما اعتمده أهل الغرب ففي بعض المواد في القانون المصري تقليد للقانون الفرنسي بما انتقده العلامة السنهوري في كتابه الوسيط، وهنا أشرنا إلى أن الأردن اشترطت في قانونها أن يكون جاريًّا على مقتضى الفقه الإسلامي عند عدم النص وحيث أن القانون المدني الأردني مرتكز على الشريعة وأصولها ومستمد من قواعدها وآخذ بكل ما يتطلبه النمو الحضاري والتقدم البشري ونظم المعاملات حتى صار جامعًا بين أصالة الماضي وجدة الحاضر اقترحت جامعة الدول العربية على خبرائها أن يكون القانون الذي سيرفع إلى الأمانة العامة لوزراء العدل للدول العربية، وقد تابعه في ذكر القانون الذي سيرفع إلى الأمانة العامة لوزراء العدل للدول العربية، وقد تابعه في ذلك القانون المدنى الكويتي الذي ابتدئ العمل به في٢٥ فبراير سنة ١٩٨١.
وينحصر موضوع البحث في عشر موضوعات:
الموضوع الأول: في ورود تكرر العرف والمعروف في القرآن والحديث، وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة وتقرب لله وإحسان إلى الناس، وقد قيد سبحانه طاعته وطاعة رسوله به فقال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ، تعدد ذكره في القرآن والحديث في صفة الأمة وحكومتها والأحوال الشخصية والمالية والآداب الإسلامية بما يجعلنا نجزم بأن المعروف هو المعهود بين الناس في معاملاتهم وعاداتهم وهو يختلف نوعًا وقدرًا وصفة باعتبارات مختلفة ويشمل كل معروف في الشرع في العادات والمعاملات ومن هنا كان ركنًا من أركان الدين وأصلًا من أصول الشريعة.
الموضوع الثانى: كون مرجع العبادات النصوص من الكتاب والسنة ومرجع العادات والمعاملات المعاني والمصالح، وقد تعرضنا هنا للمصالح المرسلة وأخذ المذاهب بها وفرقنا بينها وبين البدع بما أطال به الشاطبي في ذلك موفيًا بالغرض، وعلقنا على مبالغات الطوخي فيأخذه بالمصالح وتقديمه لها على النص والإجماع واعتماده في ذلك على حديث ((لا ضرر ولا ضرار)) وتعليله له بأن العبادات حق الشارع وخاصة به فلا تعرف إلا منه كمًّا وكيفًا وزمانًا ومكانًا بخلاف حقوق المكلفين فقد وضعت لصالح العباد.
وقد أبرزنا أن أدلة الأحكام الدنيوية فيما يعرض للناس كافة قد تثبت بنص محكم قطعي أو بنص صحيح بعمومه أو تعليله أو مفهومه أو بنص تكليفي ظني أو بنص غير وارد مورد التكليف أو بما سكت عنه الشرع وكان مرجعه العرف والمعروف مما تستقر به الأمور وتنتظم به الحياة.
الموضوع الثالث: موقف الإسلام من العادات والتقاليد وقد قسمناها إلى ثلاثة أقسام، أولًا ما أقره الإسلام هو صلاح. ثانيًا ما قيده بما هو في حاجة إلى الإصلاح. ثالثًا من أبطله مما كان فسادًا يشهد لذلك ما ورد في الآيات والأحاديث في رفع الحرج والمشقة والتيسير وعدم التعسير.
стр. 7343
وقد تعرضنا لذلك بالشرح والبيان موضحين أن هذه الشريعة جاءت لتكون رحمةً لا لتكون نكاية ونقمة والإسلام ما جاء إلا لإصلاح ما فسد من أحوال الناس، فليس له غاية في هدم ما اعتاده الناس من العادات الصالحة التي تعارفوها قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل، وهنا تعرضنا لموقف الرسول والخلفاء الراشدين والصاحبة والتابعين والأئمة المجتهدين من عادات الناس وأعرافهم، فقد نظم الخلفاء الراشدون على هدى الكتاب العزيز والسنة النبوية والمقاصد الشرعية عادات البلدان التي فتحوها حتى دخلت هذه العادات في التشريع الإسلامي.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يدون الدواوين وينظم الجيش ويقرر الخراج والجبايات، وقد أبقاها على ما كانت عليه بالفارسية في العراق والرومية في الشام ولم تدون بالعربية إلا في عهد عبد الملك بن مروان كما نص عليه ابن خلدون.
وزاد التابعون في الأخذ بالعرف وتحكيمه لكثرة الفتوحات وتوسع رقعة الإسلام واعتناق كثير من البلدان لهذا الدين ودخولها تحت لوائه، فأقر التابعون ما كان صالحًا من العادات وأبطلوا الفاسد وهذبوا ما كان فيه عوج، وأثروا بذلك الأحكام الفقهية.
ولم يبعد موقف أئمة المذاهب عن سابقيهم فقد اعتمد أبو حنيفة العرف حتى جرى على ألسنة الناس أن أكثر المذاهب اعتبارًا له واعتمادًا عليه، وألف ابن عابدين رسالة خاصة أسماها " نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف" وضمنها كثيرًا من الفروع الفقهية التي كان اختلاف الحنفية فيها لاختلاف أعراف البلدان الآخذة بالمذهب الحنفي ومثله الشافعي فقد تأثر بأعراف الناس وتجلى ذلك في اختلاف قوليه القديم والجديد والمذهب الحنبلي الذي اشتهر بالتمسك بالنصوص هو أيضًا حكم العرف في كثير من الفروع وقد نقلنا منها الكثير عن ابن قدامة وابن رجب وابن القيم وقد صرح هذا الأخير في إعلام الموقعين أن إهمال قصد المتكلم ونيته وعرفه جناية على الإنسان وعلى الشريعة ومثلهم الأوزاعي والشيعة فقد حكموا العرف في بعض القضايا.
أما المذهب المالكي فهو أكثر المذاهب اعتبارًا للعرف حتى جعله أصلًا من أصوله وهو عند المالكية من أعظم المرجحات قد استندوا إليه في معرفة أسباب الأحكام عند عدم النص واعتبروه اعتبار العلة مع المعلول ولم يلبسوه لباس الديمومة، إذ تتغير الأعراف والعوائد ويتغير الحكم بتغيرها، قال ابن العربي: "إن العادة دليل أصلي بنى الله عليه الأحكام وربط بها الحلال والحرام ".
стр. 7344
الموضوع الرابع: في تقسيمات العرف، قسمناه إلى صحيح معتبر وفساد ملغى والصحيح إلى قولي وفعلي، وهنا تعرضنا لأنواع الحقائق وللفرق بين الحقيقة والمجاز كما تعرضنا لأنواع الوضع ثم قسمناه إلى عام وخاص، ونبهنا إلى التفرقة بين العرف اللغوي والاصطلاحي وإلى الشروط المستلزمة لاعتباره حتى تصبح له قوة الإلزام، كما نبهنا إلى تقديمه على الأصل والعادة لقصورهما عنه، كما ذكرنا اختلاف الفقهاء في اعتبار العادة قائمة مقام شاهد أو شاهدين، وذكرنا أمثلة كثيرة اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم في العادة من أنها تقوم مقام الشاهد أو الشاهدين. ثم نبهنا إلى أن اطراد العرف غير عمومه كما نبهنا إلى ما زاده رجال القانون من الشروط لاعتبار العرف، وألمعنا إلى أن ما زيد من الشروط هو مأخوذ في مفهوم العرف الصحيح في الشرع.
الموضوع الخامس: في سلطان العرف وهو سلطان واسع في استنباط الأحكام وتجددها وتعديلها وتحديدها وتقييدها، وفي تقعيد القواعد وتقريرها، وقد كان سلطانه قبل الإسلام مطلقًا غير مقيد بقيد ولا مشروط بشرط، له حرمة وقداسة حيث هو جزء من كيان الأمة ومميز من مميزاتها، ولهذا راعت الشريعة عوائد الأمم ولم يتعرض التشريع إلى تعيين الأزياء والمساكن والمراكب فلا ندب لركوب الإبل ولا مانع من ركوب الحمير أو الحمل على البقر كما هو الشأن في الهند، ولم تلزم قومًا باتباع غيرهم في اتباع عاداتهم وتقاليدهم، بل تركت كل قوم على ما هم عليه مما لا يناقضها أو يخالف مبادئها، وذلك لمرونتها وعمومها وشمولها لكل أحوال البشر في كل العصور وهو معنى صلاحيتها لكل زمان ومكان، فهي بأصولها وكليتها قبالة للانطباق على مختلف أحوال العرف في الفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصينيين والأتراك وغيرهم من غير أن يجدوا في ذلك حرجًا ولا عسرًا في الإقلاع عما تركوه من قديم عاداتهم الفاسدة دون انسلاخ بالكلية عما اعتادوه وتعارفوه مما هو مقبول ذلك أن أحكام الشريعة غالبًا كليات مشتملة على حكم ومصالح تتفرع عنها أحكام مختلفة الصور متحدة المقاصد تتلاءم مع كل عصر، وذلك من سماحة الإسلام إذ هي رحمة وليست بنكاية ولا نقمة كما قدمنا.
ومن سلطان العرف تخصيصه للعمومات وتقييده للمطلقات بحملهما على ما يقتضيه: وإن اختلفت المذاهب في ذلك إذ جعل بعضهم ذلك للعرف القولي دون الفعلي وعاكس بعضهم ذلك، وأطلق بعضهم فجعله لكل عرف ومنعه بعضهم مطلقًا ولكنه اعتمده في تقسيم الدليل الشرعي اللازم حمله على المعنى العرفي كما هو مذهب الجعفرية، وقد ذكرنا أمثلة كثيرة موضحة لهذا الاختلاف، ولفتنا النظر إلى أن الفقهاء أولوا عناية خاصة لما جرى به العرف والعمل وألفوا كتبًا في ذلك أوردنا منها جزئيات كثيرة وأجرينا مقارنة في كثير منها بين ما جرى به العمل في تونس وما جرى به العمل في فاس وقرطبة قصد التيقن من قوة العرف وسلطانه في إنشاء الأحكام وتأثيره في اختلاف الفقهاء والحكام وهنا نبهنا إلى ما يجب على الفقيه من اتصاله بالناس حتى يتعرف على عاداتهم وتقاليدهم ويقف على معاملاتهم، إذ بذلك يصادف الحق في أحكامه وفتاويه ويكون أرفق بالناس على ما تقتضيه قواعد الشريعة من التيسير، ولذلك قال القرافي " الجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسف الصالحين ".
стр. 7345
الموضوع السادس: في بيان أن الأحكام المبنية على العرف والعادة تتغير بتغير العادات والأحوال وهي قاعدة قررها علماء الاجتماع وتنبه إليها من قبل علماؤنا، يشهد لذلك كلام ابن خلدون في مقدمة كتابه العبر، وهذا ما جعل المتأخرين من الفقهاء يفتون في كثير من المسائل بخلاف ما أفتى به المتقدمون، وقد حصرنا دوافع هذا الاختلاف في ثلاث: تبدل الزمان وتباعد البلدان واختلاف الجهات والتقدم واختلاف الحضارات، وقد أوضحنا كل قسم بأمثلة تبرز مقام كل سبب من هذه الأسباب من عهد الرسول والصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين إلى هذا الزمان، فقد ورد النهي عن التقاط ضالة الإبل، وأمر عثمان بالتقاطها وورد الحكم بقطع اليد في السرقة وأفتى عمر بعدم القطع في الغزو وفي السرقة من الغنيمة على تفصيل في ذلك، وورد الإعطاء من مال الزكاة للمؤلفة قلوبهم ومنع من ذلك عمر، وقد مثلنا لتغير الأحكام نتيجة تطور الحياة ووسائلها بمثل تسجيل العقارات والأراضي، إذ بها ينضبط الملك بطريقة لا يخشى معها ضياع حق أو تلاشيه. وأنهينا فوائد ذلك إلى اثني عشر فائدة. ومما اقتضاه التطور والتقدم في الحياة المدنية تسجيل عقود الزواج بدفاتر الحالة المدنية بالمجالس البلدية نظرًا لضعف الإيمان وخراب الذمم وانعدام تقوى الأزواج أحيانًا كثيرة في الزوجات والبنين، وقد ضربنا أمثلة كثيرة موضحة للمقام ولا شك أن التطور العالمي في مختلف الميادين التقنية والعلمية والتنمية الاقتصادية أوجب وضع قوانين مختلفة وتضمينات إدارية متعددة نتج عنها أوضاع وأشكال أوجب علاقة غيرت العادات وأوجبت نوعًا من الاعتراف ترتبت عليها أحكام كإلزام الحكومات لأفراد شعوبهم بجواز سفر للتمكن من الخروج والانتقال إلى الأقطار وإلزام الناس ببطاقة تعريف قومية تكشف عن هوية صاحبها وجبر السواق بحمل بطاقة جواز سياقة، كل هذه استلزمتها تطور المجتمعات وهي توجب على العلماء أن يبحثوا في كثير من الجزئيات التي اقتضتها الحضارة وتقدم الصناعة ووسائل المعيشة واتساع المدن وتكاثف السكان واجتماعهم بعمارات ذات شقق كثيرة وتشابك المصالح، كل هذا فرض تقاليد جديدة في الحياة وأعرافًا وعادات اقتضتها المصالح، كإنشاء المؤسسات الاجتماعية لحضانة الرضع ورياض الأطفال الذين تعمل أمهاتهم بالمعامل والإدارات وإنشاء دور الأيتام والعجز والمتخلفين ذهنيًّا والمعاقين وغيرها وغيرها. كل ذلك أدى إلى حياة جديدة وعادات مستحدثة استلزمت أحكامًا.
الموضوع السابع: منزلة العرف بين الأدلة، لقد اتفق الفقهاء على اعتبار العرف دليلًا من الأدلة التي انبنى عليه كثير من الأحكام عند عدم النص، كما انبنى عليه كثير من القواعد كقاعدة الثابت بالعرف كثابت النص، وقاعدة العادة محكمة، وقاعدة الممتنع عادةً كالممتنع حقيقة وقاعدة الحقيقة تترك بدلالة العرف، والعرف بين التجار كالمشروطة بينهم إلى غيرها من القواعد التي أحصيناها وكلها مرجعها إلى تقرير مصالح العباد في معاشهم وهو العدل والرحمة والمصلحة بحيث كل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ومن الرحمة إلى النكاية ومن المصلحة إلى العبث ليست من الشريعة في شيء، لأن شريعة الله هي عدله بين عباده ورحمته بخلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ .
стр. 7346
العرف يساعد كثيرًا في الاجتهاد لأن النصوص لا تستوعب جميع التفصيلات، فالعرف يعين على تفهم الوقائع وتطبيق الأحكام عليها سواء أكان ذلك في معاني الكلمات وعبارات الناس أو معاملاتهم وعقودهم.
والعرف يقتضى تأليف النفوس ويقوي الوحدة ويجمع كلمة الأمة ويربط بين الناس، ولذا كانت مخالفته هدمًا لهذه الآثار، وبهذا ندرك أن مرتبته تأتي بعد مرتبة الكتاب والسنة حيث هو راجع إلى المصلحة وليس بعد الكتاب والسنة إلا المصلحة، ولقد اعتبره العلامة محمد الطاهر بن عاشور مصدرًا فطريًّا ولهذا لم يكتفِ به في بناء الأحكام العملية عليه، بل انبنت عليه قواعد أصولية، فإن كثيرًا من الاستحسان ومن الاستصحاب ومن المصالح المرسلة كان منشؤها العرف والعادة، وقد قال ابن العربي: " يترك الدليل العام لسبب من أسباب أربعة، المصلحة ورفع الحرج والإجماع والعرف " وقد مثلنا بفروع كثيرة ترك فيها الدليل العام لهذه الأسباب ومعلوم أن المصلحة تبنى على اختلاف أوضاع الناس وأعرافهم وهذه المصلحة المبنية على العرف.
الموضوع الثامن: ارتباط العرف بالقرائن والأمارات، أن القرينة تقوى فتبلغ إلى درجة اليقين وتضعف فتنزل إلى مجرد الاحتمال، وهنا أوضحنا علاقة القضاء بقرائن الأحوال وقسمناها إلى قرائن عقلية وعرفية وإلى قرينة شرعية قانونية وقرائن قضائية، وما كان من القرائن أسبابًا في بعض الأحكام وما كان منها دليلًا في تمحيص الوقائع وإثباتها عند الحكام، وفصلنا القول في القرائن اليقينية من القرائن الظنية ونقلنا عن ابن فرحون أحكامًا انبنت على القرائن وقد أنهاها إلى خمسين مسألة، ثم أوضحنا على أساس اعتبار القرائن، قرر الفقهاء حلولًا كثيرة في شتى الحوادث كما اعتبروها من المرجحات الأولية التي يعتمدها القضاء. وتعرضنا بالمناسبة لمن يصلح للقضاء بين الناس وما يشترط فيه من الشروط التي من بينها معرفته للعرف الصحيح المعتبر من العرف الفاسد الملغى- كما تعرضنا إلى متى يجب اتباعه لمن سبقه ومتى له أن يخالفه، وتطرقنا هنا إلى الكلام على بعض ما جرى عند بعض القبائل البربرية بالمغرب الأقصى من تطرف وابتعاد في عقود الأنكحة ومن مغالاة في اليمين بتشريك أقارب المتهم في تأدية القسم وفي أخذ الولي صداق ابنته لنفسه، ولاحظنا اختلاف أنظار علماء المغرب على طرائق ثلاث منهم من حمل على هذه الأعراف البربرية واعتبرها مروقًا من الدين وواجب محاربتها والقضاء عليها، ومنهم من سايرها ورأى أن مصلحة القوم لا تتحقق إلا بها فحبذها وآثر العمل بها ودافع عنها، ومنهم من توسط فأخذ بما يوافق الشرع ولا يناقضه وأنكر ورد وحارب ما يخالفه؛ وهذا ما اختاره الدكتور عمر بن عبد الكريم الجبيدي، ولقد أصاب في اختياره لأن معيار الأخذ بالأعراف بربرية كانت أو رومية أو فارسية أو مصرية فرعونية هو معيار الشرع وميزانه فما وافق مقاصده ولم يتعارض مع نصوصه ومبادئه أخذناه واعتمدناه وما خالفهما نبذناه وطرحناه ذلك أن المصلحة لا تتحقق بالأحكام الجائرة فلا وجه لحرمان المرأة من ميراث أبيها ولا في تنزيل العقاب بغير الجاني ولا مصلحة في إفساد المال وإحراقه، والحق أن كل ما ناقض كلية من كليات الشريعة التي هي الدين والنفس والعقل والعرض والمال هو مردود لأنه محض جور وفجور وفسوق وعصيان لا ينتج عنه إلا الخراب والدمار.
стр. 7347
الموضوع التاسع: تحقيق معنى عمل أهل المدينة وما جرى به العمل في الأقطار ومعنى العادة والفرق بين هذه الثلاث وبيان علاقتها بالعرف، وقد نبهنا إلى خطأ بعض أهل الأصول في تخليطهم بين عمل أهل المدينة والإجماع، ثم قسمنا عمل أهل المدينة إلى ما يرجع إلى النقل المحض وما يرجع إلى الاجتهاد وأشرنا إلى مذاهب الأئمة في العمل به وأجريناه مجرى العرف، بل هو أقوى لأن مستنده فعل الرسول وتقريره وأهل المدينة أقرب عهد بالرسول وأصحابه، ثم نبهنا إلى الفرق بين عمل أهل المدينة والعرف، والفرق بينه وبين ما جرى به العمل، ثم أشرنا إلى أن العرف قد يوافق القول المشهور في المذهب، وقد يجري على القول الضعيف، ومنه ما جرى على نص فيه وما جرى على شبه دليل أو جرى على وفق دليل المخالف، وقد ضربنا أمثلة موضحة لكل هذه الأقسام والأنواع.
الموضوع العاشر: علاقة العرف بالحقوق، ذكرنا علاقته بالمال إذ العرف هو الذي يحدد ما هو مال مما ليس بمال، كما يحدد ما هو مقوم منه وما كان مثاليًّا، وهنا أشرنا إلى الفرق بين المال والملك، ثم أشرنا إلى أنواع الحقوق: حق الملك، وحق الانتفاع وحق الارتفاق ودور العرف فيها، كما تعرضنا إلى حق الشرب وحق المجرى وحق السير وحق المرور وحق الجوار، وأشرنا إلى حقوق الانتفاع وما كان ممنوعًا في الأصل ورخص فيه لرفع الحرج والمشقة، وأوردنا أمثلة بالعقود المستثناة من أصل ممنوح كالإجازة والمزارعة والمساقاة وتحكيم العرف فيها بين العامل وصاحب العقار. ثم أشرنا إلى حقوق الخيار وارتباط العرف بها، إذ هو الذي يحددها من مثل خيار الرؤية وخيار العيب وخيار النقد وخيار التعيين وخيار الكمية وخيار كشف الحال، وأوضحنا حقيقة كل منها ثم أشرنا إلى علاقة العرف بالعقوبات والتعزير كما أشرنا إلى الشهادة العرفية كشهادة اللفيف والصبيان، ثم نبهنا أخيرًا إلى أن مستند الحكم لا يخرج عن أن يكون يمينا أو إقرارًا أو إبراءً أو إسقاطًا أو التزامًا أو شهادةً. وأوضحنا أنه جرى العمل عندنا بتونس بتوجيه يمين التهمة عند وجود الخلطة.
ثم ختمنا الموضوع بالإشارة إلى العرف الدولي وفرقنا بين ما كان قانونًا دوليًّا وما كان عادة، فالأول يشكل مجرد سلوك اجتماعي بخلاف العرف الدولي، فهو يشكل قاعدة شرعية إلزامية بين الدول كمبدأ حرية الملاحة في المنطقة الدولية، فإنه ينشأ عن مخالفته وعدم احترامه جزاء ومطالبة بجبر الضرر تحكم به المحكمة الدولية المنتصبة بلاهاي.
أما الخاتمة: فقد أشرنا فيها إلى صلاحية التشريع الإسلامي لكل زمان ومكان في كل أمور الدين والدنيا حيث أصَّلت الشريعة كل الأحوال وقررت كل المقاصد وأوضحت كل المبادئ وتركت في الغالب التفاصيل والجزئيات للقائمين على تنفيذها ويستلهمون من روحها ويستنبطون من قواعدها وأصولها ما ليس في نصوصها مما تستلزمه المستحدثات وما يعرضه التقدم والحضارات، وهكذا كانت الشريعة صالحة لعلاج كل مشاكل الحياة وكانت مستغنية الاستغناء المطلق عن تحكيم القوانين الأجنبية الغربية بما فيها من مرونة، وبقابليتها للأعراف والعادات التي تتفق مع ملابسات الناس ومقتضيات الحضارة ولا تتعارض مع قواعدها ومقاصدها بهذا المنهج، وبهذه المرونة مدت الفقهاء والحكام بالأحكام المناسبة لعصورهم الملائمة لمقتضيات تصرفاتهم حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
ولعل فيما قدمنا عن العرف ومدلوله وعما انبثق عنه من قواعد وأحكام بما يتماشى ومصالح الأنام، وعن منزلته من بين الأدلة لها ما فيه كفاية لإنارة السبيل للعلماء والباحثين، ولعلَّ فيما أوضحت أكون قد شاركت قدر المستطاع في تجلية نظرية العرف وتوضيح آثاره في الشريعة والقانون بين الأفراد والجماعات والدول.
نسأل الله العلي القدير أن يرشد الأمة الإسلامية وحكوماتها إلى أن تعود إلى شريعتها وأحكام دينها فتستغنى بذلك عن القوانين الغربية الدخيلة، إذ في شريعتنا الكفاية إلى تحقيق كل غاية فهي شريعة الفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها إلا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* * *
стр. 7348
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد السيد السند وعلى آله وصحابته وتابعيهم بإحسان على طول الأمد.
وبعد: فإن علماء الأمة أجمعوا على اعتبار الكتاب والسنة المصدرين الأساسيين للتشريع الإسلامي، كما اتفق جمهورهم على إلحاق الإجماع والقياس بهذين المصدرين، فكانت هذه الأربعة هي الأسس الأصلية للتشريع الإسلامي، ولقد اختلف المجتهدون في مجموعة أخرى اعتبرها جميعهم فرعية كالاستحسان عند أبي حنيفة والمصالح المرسلة وعمل أهل المدينة عند مالك، والاستصحاب عند الشافعي، والإباحة الأصلية عند ابن حنبل.
والعرف هو المصدر من المصادر الفرعية لاستقناء الأحكام واستنباطها ضمن شروط اختلف الفقهاء في بعضها توسعة وتضييقًا، ولقد اعتبره بعض الدول مصدرًا أساسيًّا في بناء الأحكام وتقنينها، وقدمته على الدين معتبرة أن العرف هو أقدم من الدين، وهو واضح خطؤه لأن الدين وحي من الله ، وهو الخالق لكل شيء، والدين أزلي والأعراف حادثة، ولا يشك عاقل في أن الحادث طارئ متأخر في الوجود بالإضافة إلى الدين.
ولما كان العرف هو عادة مستحكمة في الناس وسلوك معين في تنظيم ناحية من نواحي الحياة كان في نظر القانون مصدرًا لقاعدة قانونية أو هو القاعدة ذاتها، أما عند أهل الشريعة فاعتباره مقيد بعدم معارضته لنصوص الشريعة، وأن يكون مطردا غالبًا سابقًا أو مقارنًا على ما سيأتي بيانه في شروط الاعتداد به حيث يكون عرفًا صحيحًا، أما ما اختل منه بشرط أو أكثر، فهو عرف فاسد لا يعتمد عليه ولا يعول عليه في نظر أهل الشريعة.
لقد اعتبر علماء الشريعة العرف في كل شيء فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية الأسرية كالخطبة والزواج والهدايا، وفي الفراق والطلاق حسب العرف القولي، وفي المعاملات المالية ونحوها، بينما أهل القانون يقصرون العمل به على ما كان علاقة قانونية قائمة بين الأشخاص في دائرة معاملاتهم، أما ما يتعلق بالمجاملات والمظاهر كتبادل الهدايا والزيارات ونحوها، فلا يعتبرون العرف فيها غير أن المشرعين الفرنسيين تأثروا بالفقه الإسلامي وعلم الأصول فقيدوا العرف بالقيود التي قيده بها فقهاء الإسلام.
стр. 7349
وللعرف مزايا كما له عيوب، فمن مزاياه ومحاسنه أنه يعبر تعبيرًا واضحًا عما يرتضيه الشعب وجمهوره، حيث هو يعطي صورة صحيحة عن عاداتهم وتقاليدهم في منهجهم في الحياة. وهو من جهة أخرى قابل للتطور ومواكب للتغييرات التي تحدث في المجتمعات بينما النصوص القانونية المكتوبة تجمد في كثير من الأحيان، فتحتاج إلى التعديل والتغيير والتبديل كلما دعت الحاجة إلى ذلك، ومن مساوئ العرف عند بعضهم أنه قد يقف حجر عثرة عن التقدم في وجوه رائدي الإصلاح خصوصًا إذا كانت الأعراف فاسدة وألفها الناس رغم فسادها، وقد استقر كثير من الأعراف الفاسدة عند جمهور المسلمين حتى فيما ينسب إلى الدين، وهو منها براء بحيث إذا قام المصلون بالدعوة إلى العودة إلى جوهر الدين في لبه وصفائه والتقيد بتعاليمه السامية ومقاصده الرائدة كانت هذه الأعراف حاجزة مانعة من قبول الإصلاح حيث يتركز المانعون للإصلاح على العرف، ويستندون إليه وبذلك يكون سدًّا منيعًا في وجه الإصلاح وهكذا يضطر الناس إلى ممارسة الازدواجية في مسالكهم، فهم من جهة متقيدون بهذه الأعراف، ومن أخرى يريدون التقدم والإصلاح وفق الآراء الجديدة والنظريات الصحيحة والنظم المتقدمة المستحدثة. وهكذا يضطر الناس إلى إظهار خلاف ما يبطنون ويعملون بغير ما يريدون.
والعرف في نظر الشريعة لا تكون له القوة الفعالة قوة الإلزام إلا إذا كان عرفًا صحيحًا مستندًا إلى أصل شرعي أو غير متعارض مع نص شرعى ومقصد من مقاصد الشريعة، وإذا كان كذلك فلا يكون مانعًا من التقدم كما ادعاه بعضهم، وإذا كان العرف صحيحًا وجب العمل به ووجب تحكميه وتطبيقه، وهو بهذا المعنى أشد من العادة؛ لأن العادة غير ملزمة. لذلك فلا تثبت الحقوق بمثل عادات التهادي والمناسبات والأعياد وما يبذله التجار لعملائهم من التسهيلات والهدايا لترغيبهم في الشراء، وما يجري بين الجيران على سبيل التسامح، فكل هذه الأمور لو ادعاها مدع أمام المحاكم لا تسمع دعواه، ولا يقضى له بها؛ لأنها وإن جرت بها العادة، فإنها لم تبلغ مبلغ العرف حتى تصير لها القوة الإلزامية التي له، وهل قوة العرف ناشئة من أحكام القضاء فلا اعتداد بها قبل تدخل القضاء وإقراره وقضائه بذلك العرف بحيث لا اعتداد به قبل القضاء به، وهذا ما ذهب إليه جماعة من أهل القانون وعلى رأسهم الحقوقي الفرنسي لامبير معتمدًا في ذلك على أن معظم العرف خرجه الكهنة والقضاة، وذهب آخرون إلى أن العرف تستند قوته الملزمة من الضرورات الاجتماعية لا من إرادة المشرع ولا من أحكام القضاء، وهذا أظهر النظريات باعتبار قوتها الحاجة الاجتماعية، واعتبار أن العرف يحكم العلاقات بين الناس في كثير من شؤونهم. ولكنه يرضي مصالحهم ويتجاوب مع غرائزهم، ونحن إذا نظرنا إلى الشريعة الإسلامية نراها لم تأخذ بأي النظريتين، وإنما اعتمدت العرف فيما لا نص فيه حيث لا مجال للاجتهاد مع النص، وقد كان اعتماد الشريعة الإسلامية على العرف ناشئًا من إقرار الأحوال المعتمدة في التشريع الإسلامي، وهي تأخذ به وتعتمد عليه في استنباط الأحكام الاجتهادية التي لا نص فيها، أو فيها نص ظني مطلق قابل للتقييد، أو عام قابل للتخصيص بالعرف.
стр. 7350
إنه لمن الغريب أن كثيرًا من القوانين المدنية لبعض البلاد الإسلامية قد أخذت العرف، واعتبرته مصدرًا أصليًّا من مصادرها وقدمته على نصوص الشريعة، فإنا نجد في القانون المدني المصري والعراقي والسوري في كثير من مواده، قد جرى على ما هو ثابت في القانون الفرنسي بحيث قلدته تقيلدًا أعمى لما جاء فيه، والقانون الفرنسي يعتمد العرف بإطلاق، والقانون المصري، والعراقي، والسوري، وإن استمدت قانونها من الفقه الإسلامي في بعض أحكامها، إلا أنها كانت في مجموعها وغالبها أجنبية حيث هي مستنقاة من القانون الفرنسي، وهي تقدم العرف بإطلاق، وإن خالف النص وأول من تفطن لرتق الفتق وإصلاح الوضع المشرع الأردني، فرفض القانون المدني المأخوذ من القوانين الوضعية والتي فيها تقديم العرف على الشريعة، فوضعت قانونًا مدنيًّا مستمدًا من الشريعة الإسلامية واعتمدت العرف في مادته الثانية منه ونصها:
١- تسري نصوص هذا القانون على المسائل التي تتناولها هذه النصوص بألفاظها ومعانيها ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص.
٢- فإذا لم تجد المحكمة نصًّا في هذا القانون حكمت بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون، فإن لم توجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية.
٣- فإن لم توجد حكمت بمقتضى العرف، فإن لم توجد حكمت بمقتضى قواعد العدالة، ويشترط في العرف أن يكون عامًا وقديمًا ثابتًا مطردًا، ولا يتعارض مع أحكام القانون أو النظام العام أو الآداب، أما إذا كان العرف خاصًّا ببلد معين فيسري حكمه على ذلك البلد.
٤- ويسترشد في ذلك كله بما أقره القضاء والفقه على أن لا يتعارض مع ما ذكره وكذلك القانون المدني التونسي، فقد نصت المادة ٥٤٣، العادة والعرف لا يخالفان النص الصريح والمادة ٥٤٤ من استند إلى عرف كان عليه إثباته ولا يحتج به إلا إذا كان عامًّا أو غالبًا غير مناف للنظام العمومي والأخلاق الحميدة. وقد جاءت نصوص كثيرة تتعلق بالالتزامات والعقود نصت موادها على الاعتماد فيها على العرف عند عدم النص إذ المادة ٥١٦ نصت على أن المعمول به عادة بمحل الكتب كالمشروط نصًّا، وكذلك ما هو في طبيعة الأمر المقصود، وكذلك نصت المادة ٥٢٦ على ما يتعلق بالمكاييل والموازين والمقادير من أن مرجعها إلى العرف والعادة بالمكان، وقد ذكر العرف في أكثر من خمسة عشر مادة من مواد القانون التونسي.
стр. 7351
وللعرف في القانون المدني دوران مهمان أولهما: أنه يرجع إليه في المسائل التي لا يجد القاضي نصا فيها من القانون المدني المستمد من الشريعة أو في الاجتهادات الفقهية المبثوثة في كتب الفقه. ثانيهما: الرجوع إليه بمقتضى الشريعة الإسلامية، وقد تقرر ذلك في القواعد الشرعية المعتبرة في مثل العرف كالنص ومثل استعمال الناس حجة والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا ومثل العادة محكمة وبهذا يظهر الدور الثاني للعرف في كونه مرجعًا مساعدًا في التشريع اعتمادًا على ما ذهب إليه جمهرة من الفقهاء من أن العرف يخصص العام ويقيد المطلق، ذلك أن الشارع إنما يخاطب الناس بما يفهمون وبما يتعارفون، وهذا هو العرف القولي ومثله العرف العملي عند جمهور الفقهاء وهذا هو سلطان العرف وتأثيره في استنباط الأحكام الشرعية عند عدم النص أو عدم المعارض لأنه لا قدرة له على إلغاء النص القانوني أو الشرعي سواء أكان عرفًا إيجابيًّا أو عرفًا سلبيًّا والإيجابي هو ما قدم على رضا الجماعة والضرورات الاجتماعية، ولو خالف التشريع، والعرف السلبي هو العرف الملغى بمقتضى عرف آخر، وليس للحجج التي يوردها أنصار مخالفي هذا الرأي مقتنع لأنها قائمة على أساس أن العرف أصدق تعبيرا من القانون عما في نفوس المجتمع، وأن المصلحة تقتضي الاستجابة للناس في اعتبار العرف وعدم إدخال الحرج والتضييق عليهم وذلك لأنهم أغفلوا منشأ العرف في المجتمعات السليمة، وهو إنما ينشأ من أصل مباح أو تجربة صادقة، كما غفلوا على المقياس الصحيح الذي به يؤخذ العرف أو يرد والذي يقع التمييز بين العرف الصحيح والفاسد، ولهذا لم يعتد بالأعراف التي كانت مخالفة للنصوص القانونية أو النصوص الشرعية من باب أول؛ لأن تشريعه وتشريع سماوي، وقواعده ثابتة ومسالكه سليمة، ولهذا نرى من القانونيين من مذهب إلى أن العرف لا يستطيع إلغاء نص قانوني ولاسيما القواعد الآمرة التي تتعلق بنظام المجتمع العام ومصالحه العليا.
وعلى أن العلامة الدكتور عبد الرزاق السنهوري، قد صرح بوضوح مثالب القانون المصري موضحًا أنه مأخوذ من القانون الفرنسي، فقد جاء في كتابه الوسيط في نظرية العقد ما يلي:
إنني جعلت الفقه والقضاء الفرنسيين هما من بين سائر النظم القانونية والأجنبية التي رجعت إليها لم أفعل ذلك دراية للقضاء الفرنسي، فهو القضاء الذي نزلنا ضيوفًا في ساحته الواسعة، ولكن آن للضيف أن يعود إلى بيته ويقول أيضًا: علينا أن نمصر الفقه فنجعله فقهًا مصريًّا خالصًا نرى فيه طابع قوميتنا، ونحس أثر عقليتنا، ففقهنا حتى اليوم لا يزال يحتله الأجنبي، والاحتلال هنا فرنسي وهو احتلال ليس بأخف وطأة ولا بأقل عنتًا من أي احتلال آخر، ويقول أيضا: لا يزال الفقه المصري يتلمس في الفقه الفرنسي الهادي، والمرشد لا يكاد يتزحزح من فقهه أو ينحرف من مسراه، فهو ظله اللاصق وتابعة الأمين، فإذا قدر لنا أن نستقل بفقهنا، وأن نفرغه في جو مصري يشب فيه على قدم مصرية، وينمو بمقومات ذاتية بقي علينا أن نخطو الخطوة الأخيرة، فنخرج من الدائرة القومية إلى الدائرة العالمية، ومن جملة قوله: يمكن القول إن تقنيننا المدني فيه نقص ثم فيه فضول هو غامض حيث يجب البيان، مقتضب حيث تجب الإفاضة، ثم هو يتوسل في التافه من الأمر فيعتني به عناية لا تتفق مع أهميته المحدودة يقلد التقنين الفرنسي تقليدًا أعمى فينقل كثيرًا من عيوبه، وهو به متناقض في نواح مختلفة ويضم إلى هذا التناقض أخطاء معيبة.
стр. 7352
كانت هذه هي الدوافع التي دفعت الأردن لوضع مشروع قانون مدني أردني مستند في مأخذه من الفقه الإسلامي ومستند إلى الأحكام الشرعية الإسلامية غير مأخوذ من مشاريع أجنبية، كالقانون الفرنسي أو الإيطالي، أو غيرهما، بل هو مستمد من تراثنا وعقيدتنا وفقهنا وشريعتنا ولما في هذا القانون المدني الأردني من الميزات اتفقت جامعة الدول العربية على أن تجعله منطلق تقنين القانون لمجموعة الدول العربية وذلك لما تحض عليه من الأخذ بكل ما يتطلبه النمو الحضاري والتقدم البشري مركزًا على دعائم ثابته في تشريعاته، ينتظم المعاملات ويجمع بين أصالة الماضي وجدة الحاضر، ويرعى الاتجاهات المختلفة في الحفاظ على التراث الخالد الذي ساد البشرية قرونًا طويلة على اختلاف عقائد من خضعوا لأحكامه دون أن يروا فيه ما ينبوا عن حاجات المجتمع، ويبعد عن قواعد الحق والعدل والإنصاف، وذلك لأن القانون لا يبلغ القمة إلا إذ واصل بين الحاضر والماضي، وأنار السبيل للمستقبل وكان وسيلة للوصول إلى حفظ المجتمع وتثبيت دعائمه وتحقيق حياة يسودها العدل والنظام والاستقرار، ولا يخفى أن اتجاهات النظم القانونية في العالم لا تخرج عن أحد النظامين، النظام المادي والنظام الشخصي، والأول: يرعى الإرادة الظاهرة في العقد ويضع لذلك المقاييس المادية التي تحلل كثيرًا بالعرف الجاري. والثاني: وهو النظام الشخصي وينظر إلى الإرادة الباطنة دون الظاهرة، ولا يخفى أن النزعة المادية الموضوعية، أو الواقعية في القانون دليل على تقدمه، إذ يهدف بهذه النزعة إلى إثبات المعاملات واستقرارها، وهي نزعة الشريعة الإسلامية بوجه عام فهي وإن كانت العبرة فيهما بالمعاني لا بالألفاظ، لكن ليس ذلك على إبطال الدلالة الظاهرة ولهذا نرى حرص الفقهاء على تفسير معاني الألفاظ حسب قواعد اللغة وأصولها، وفرقوا بين الكنايات الظاهرة والكنايات الخفية، وبين ما كان صريحًا، وما كان ظاهرًا، وما كان مجملًا، وما ينوي فيه صاحبه مما لا ينوي فيه، وبين ما كان من ذلك في باب القضاء وما كان في باب الفتوى بحيث وقفوا عند الإرادة الظاهرة التي يكشف عنها اللفظ، كل ذلك حرصًا على ثبات التعامل واستقراره، كما أن هذه الشريعة الغراء راعت المألوف في التعامل والمتعارف بين الناس والمتبادر إلى الأذهان حسب العادات والتقاليد والاستعمال حيث كان ذلك هو المعيار الموضوعي الذي يبدو في أحكام العقود على اختلافها، وفي كثير من الأبواب والمسائل التي يلعب العرف دورًا عظيمًا في استنباط أحكامه على ما سيأتي بيانه.
стр. 7353
العرف
المعروف في اللغة: ضد المنكر والعرف ضد النكر: يقال أولاه عرفًا أي معروفًا، والمعروف كالعرف وقوله تعالى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي مصاحبًا معروفًا، قال الزجاج هنا يحسن من الأفعال وقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [سورة الطلاق: الآية٦] .
وقال ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [سورة المرسلات: الآية١] .
قيل الملائكة أرسلوا للمعروف والإحسان. والعرف والعارفة، والمعروف واحد، ضد النكر وهو كل ما تعرفه النفس من الخير، وتأنس به، وتطمئن إليه، وفي الحديث تكرر لفظ المعروف وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع من المحسنات، ونهى عنه من المقبحات، وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه (١) .
وقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ، والمعروف الشيء المتعارف المألوف الذي لا ينكر فهو الشيء الحسن انتصب على أنه مصدر وصف لمصدر محذوف أي صاحبهما صحابا معروفا لأمثالهما، وفهم منه اجتناب ما ينكر في مصاحبتهما، فشمل ذلك معاملة الابن أبويه بالشكر، وشمل ذلك أن يدعو الوالد إلى ترك ما ينكره الله ولا يرضى به، ولذلك لا يطاعون إذا أمروا بمعصية، والأمر بمعاشرتهم بالمعروف شامل لحالة كون الأبوين مشركين، فإن على الابن معاشرتهما بالمعروف كالإحسان إليهما وصلتهما، وفي الحديث أن أسماء بنت أبي بكر قالت لرسول الله ﷺ : إن أمي جاءت راغبة أفأصلها، فقال: ((نعم صلي أمك)) وكانت مشركة (وهي قتيلة بنت عبد العزى) ، وشمل المعروف ما هو لهما أن يفعلاه في أنفسهما وإن كان منكرًا للمسلم، فلذلك قال فقهاؤنا: إذا أنفق الولد على أبويه الكافرين الفقيرين وكان عادتهما شرب الخمر اشترى لهما الخمر، لأن شرب الخمر ليس بمنكر للكافر، فإن كان الفعل منكرًا في الدينين، فلا يحل للمسلم أن يشايع أحد أبويه عليه (٢) .
стр. 7354
والعرف والمعروف من أصول التشريع الإسلامي فقد قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩]
فالعرف اسم مرادف للمعروف من الأعمال، فهو الفعل الذي تعرفه النفوس أي لا تنكره إذا خليت وشأنها بدون غرض لها في ضده وقد دل على مرادفته للمعروف قول النابغة: فلا النكر معروف ولا العرف ضائع. فقابل النكر بالعرف. فالمعروف إذن هو ما يعرف وهو مجاز في المقبول المرصي به لأن الشيء إذا كان معروفًا كان مألوفًا مقبولًا مرضيًّا به، وهو في الآية ما يقبل عند أهل العقول وفي الشرائع وهو الحق والصلاح لأن هذا مقبول عند انتفاء العوارض والمنكر ضده وهو مجاز في المكروه، والكره ملازم للإنكار لأن النكر في أصل اللسان هو الجهل ومنه تسمية غير المألوف نكرة، وأريد به في الآية الباطل والفساد لأنهما من المكروه في الجبلية عند انتفاء العوارض (١) . والقول الجامع أن العرب تطلق المعروف على ضد المنكر وعلى ضد المجهول، والمنكر هو المستقبح عند الذي ينفرون منه لقبحه أو ضرره، أو يذمونه، ويذمون مرتكبيه، وسورة الأعراف مكية، وهي قد نزلت في أصول الدين وكليات الشريعة وآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ تثبت لنا أن العرف والمعروف أحد الأركان للآداب الدينية، ومما انبنى عليه التشريع الإسلامي اعتبار عادات الأمة الحسنة، وما تواطأت عليه من الأمور النافعة والأفعال الخيرة مما يحقق لها المصالح ويدرأ عنها المفاسد في مجاري العادات حتى إن كتاب الله قد قيد طاعته وطاعة رسوله بالمعروف في عقد مبايعته للنساء حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ [سورة الممتحنة: الآية ١٢] .
ومعلوم أن عقد المبايعة أعظم العقود في الأمم والدول فتقيد طاعته ﷺ فيه بالمعروف التزام، والمعروف من أعظم أركان الدين روى البخاري عن أم عطية، قالت: بايعنا النبي ﷺ فقرأ علينا: ((أن لا تشركن بالله شيئًا)) ، وفي البخاري، عن ابن عباس، قال: شاهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ قبل الخطبة فنزل نبي الله، فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: ((أنتن على ذلك)) فقالت امرأة منهن واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، قال: ((فتصدقن)) .
стр. 7355
وأجرى هذه المبايعة على الرجال أيضا، فعن عبادة بن الصامت، قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: ((أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تسرقوا)) وقرأ آية النساء (أي النازلة بخطاب النساء في سورة الممتحنة) ((فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئًا فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له)) ، واستمر العمل بهذه المبايعة إلى يوم فتح مكة وقد أسلم أهلها رجالًا ونساء. وجلس ثاني يوم الفتح على الصفا يأخذ البيعة من الرجال على ما في هذه الآية، وجلس عمر بن الخطاب يأخذ البيعة على النساء على ذلك، ولقد قال رسول الله ﷺ : ((إنما الطاعة في معروف)) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، عن علي أي لا تجوز طاعة السلطان، أو نائبه في معصية، ولذا لما قام من أمره رسول الله ﷺ على سرية؟ ألم تعلموا أنه يجب عليكم طاعتي؟ فقالوا: نعم ,فقال: ائتوا بحطب وأوقدوه وادخلوا فيه، فلما تأججت النار، وصاروا يقربون منها صار بعضهم ينظر إلى بعض، ثم قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث لإنقاذ الناس من النار فكيف تأمرنا بالدخول فيها فخمدت النار وذهب غضب الأمير، فلما رجع أخبر النبي بذلك، فقال: ((لو دخولها ما خرجوا أحياء)) ، أي ماتوا فيها، وذكر الحديث ((إنما الطاعة في معروف)) (١) ولقد تكرر ذكر المعروف في السور المدنية، وكان أكثرها في بيان الأحكام الشرعية العملية وذلك في عشرات من الآيات بعضها في صفة الأمة الإسلامية، وحكومتها وأكثرها في الأحوال الشخصية والأحكام المالية، ومن الأول قوله تعالى في تعليل الإذن للمؤمنين بالقتال في سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢) .
ومنه قوله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) أي بما هو معروف في الشرع غير منكر، وينهون عما هو منكر في الدين غير معروف.
وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤) .