← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

وللعرف في القانون المدني دوران مهمان أولهما: أنه يرجع إليه في المسائل التي لا يجد القاضي نصا فيها من القانون المدني المستمد من الشريعة أو في الاجتهادات الفقهية المبثوثة في كتب الفقه. ثانيهما: الرجوع إليه بمقتضى الشريعة الإسلامية، وقد تقرر ذلك في القواعد الشرعية المعتبرة في مثل العرف كالنص ومثل استعمال الناس حجة والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا ومثل العادة محكمة وبهذا يظهر الدور الثاني للعرف في كونه مرجعًا مساعدًا في التشريع اعتمادًا على ما ذهب إليه جمهرة من الفقهاء من أن العرف يخصص العام ويقيد المطلق، ذلك أن الشارع إنما يخاطب الناس بما يفهمون وبما يتعارفون، وهذا هو العرف القولي ومثله العرف العملي عند جمهور الفقهاء وهذا هو سلطان العرف وتأثيره في استنباط الأحكام الشرعية عند عدم النص أو عدم المعارض لأنه لا قدرة له على إلغاء النص القانوني أو الشرعي سواء أكان عرفًا إيجابيًّا أو عرفًا سلبيًّا والإيجابي هو ما قدم على رضا الجماعة والضرورات الاجتماعية، ولو خالف التشريع، والعرف السلبي هو العرف الملغى بمقتضى عرف آخر، وليس للحجج التي يوردها أنصار مخالفي هذا الرأي مقتنع لأنها قائمة على أساس أن العرف أصدق تعبيرا من القانون عما في نفوس المجتمع، وأن المصلحة تقتضي الاستجابة للناس في اعتبار العرف وعدم إدخال الحرج والتضييق عليهم وذلك لأنهم أغفلوا منشأ العرف في المجتمعات السليمة، وهو إنما ينشأ من أصل مباح أو تجربة صادقة، كما غفلوا على المقياس الصحيح الذي به يؤخذ العرف أو يرد والذي يقع التمييز بين العرف الصحيح والفاسد، ولهذا لم يعتد بالأعراف التي كانت مخالفة للنصوص القانونية أو النصوص الشرعية من باب أول؛ لأن تشريعه وتشريع سماوي، وقواعده ثابتة ومسالكه سليمة، ولهذا نرى من القانونيين من مذهب إلى أن العرف لا يستطيع إلغاء نص قانوني ولاسيما القواعد الآمرة التي تتعلق بنظام المجتمع العام ومصالحه العليا. وعلى أن العلامة الدكتور عبد الرزاق السنهوري، قد صرح بوضوح مثالب القانون المصري موضحًا أنه مأخوذ من القانون الفرنسي، فقد جاء في كتابه الوسيط في نظرية العقد ما يلي: إنني جعلت الفقه والقضاء الفرنسيين هما من بين سائر النظم القانونية والأجنبية التي رجعت إليها لم أفعل ذلك دراية للقضاء الفرنسي، فهو القضاء الذي نزلنا ضيوفًا في ساحته الواسعة، ولكن آن للضيف أن يعود إلى بيته ويقول أيضًا: علينا أن نمصر الفقه فنجعله فقهًا مصريًّا خالصًا نرى فيه طابع قوميتنا، ونحس أثر عقليتنا، ففقهنا حتى اليوم لا يزال يحتله الأجنبي، والاحتلال هنا فرنسي وهو احتلال ليس بأخف وطأة ولا بأقل عنتًا من أي احتلال آخر، ويقول أيضا: لا يزال الفقه المصري يتلمس في الفقه الفرنسي الهادي، والمرشد لا يكاد يتزحزح من فقهه أو ينحرف من مسراه، فهو ظله اللاصق وتابعة الأمين، فإذا قدر لنا أن نستقل بفقهنا، وأن نفرغه في جو مصري يشب فيه على قدم مصرية، وينمو بمقومات ذاتية بقي علينا أن نخطو الخطوة الأخيرة، فنخرج من الدائرة القومية إلى الدائرة العالمية، ومن جملة قوله: يمكن القول إن تقنيننا المدني فيه نقص ثم فيه فضول هو غامض حيث يجب البيان، مقتضب حيث تجب الإفاضة، ثم هو يتوسل في التافه من الأمر فيعتني به عناية لا تتفق مع أهميته المحدودة يقلد التقنين الفرنسي تقليدًا أعمى فينقل كثيرًا من عيوبه، وهو به متناقض في نواح مختلفة ويضم إلى هذا التناقض أخطاء معيبة.

стр. 7352

كانت هذه هي الدوافع التي دفعت الأردن لوضع مشروع قانون مدني أردني مستند في مأخذه من الفقه الإسلامي ومستند إلى الأحكام الشرعية الإسلامية غير مأخوذ من مشاريع أجنبية، كالقانون الفرنسي أو الإيطالي، أو غيرهما، بل هو مستمد من تراثنا وعقيدتنا وفقهنا وشريعتنا ولما في هذا القانون المدني الأردني من الميزات اتفقت جامعة الدول العربية على أن تجعله منطلق تقنين القانون لمجموعة الدول العربية وذلك لما تحض عليه من الأخذ بكل ما يتطلبه النمو الحضاري والتقدم البشري مركزًا على دعائم ثابته في تشريعاته، ينتظم المعاملات ويجمع بين أصالة الماضي وجدة الحاضر، ويرعى الاتجاهات المختلفة في الحفاظ على التراث الخالد الذي ساد البشرية قرونًا طويلة على اختلاف عقائد من خضعوا لأحكامه دون أن يروا فيه ما ينبوا عن حاجات المجتمع، ويبعد عن قواعد الحق والعدل والإنصاف، وذلك لأن القانون لا يبلغ القمة إلا إذ واصل بين الحاضر والماضي، وأنار السبيل للمستقبل وكان وسيلة للوصول إلى حفظ المجتمع وتثبيت دعائمه وتحقيق حياة يسودها العدل والنظام والاستقرار، ولا يخفى أن اتجاهات النظم القانونية في العالم لا تخرج عن أحد النظامين، النظام المادي والنظام الشخصي، والأول: يرعى الإرادة الظاهرة في العقد ويضع لذلك المقاييس المادية التي تحلل كثيرًا بالعرف الجاري. والثاني: وهو النظام الشخصي وينظر إلى الإرادة الباطنة دون الظاهرة، ولا يخفى أن النزعة المادية الموضوعية، أو الواقعية في القانون دليل على تقدمه، إذ يهدف بهذه النزعة إلى إثبات المعاملات واستقرارها، وهي نزعة الشريعة الإسلامية بوجه عام فهي وإن كانت العبرة فيهما بالمعاني لا بالألفاظ، لكن ليس ذلك على إبطال الدلالة الظاهرة ولهذا نرى حرص الفقهاء على تفسير معاني الألفاظ حسب قواعد اللغة وأصولها، وفرقوا بين الكنايات الظاهرة والكنايات الخفية، وبين ما كان صريحًا، وما كان ظاهرًا، وما كان مجملًا، وما ينوي فيه صاحبه مما لا ينوي فيه، وبين ما كان من ذلك في باب القضاء وما كان في باب الفتوى بحيث وقفوا عند الإرادة الظاهرة التي يكشف عنها اللفظ، كل ذلك حرصًا على ثبات التعامل واستقراره، كما أن هذه الشريعة الغراء راعت المألوف في التعامل والمتعارف بين الناس والمتبادر إلى الأذهان حسب العادات والتقاليد والاستعمال حيث كان ذلك هو المعيار الموضوعي الذي يبدو في أحكام العقود على اختلافها، وفي كثير من الأبواب والمسائل التي يلعب العرف دورًا عظيمًا في استنباط أحكامه على ما سيأتي بيانه.

стр. 7353

العرف المعروف في اللغة: ضد المنكر والعرف ضد النكر: يقال أولاه عرفًا أي معروفًا، والمعروف كالعرف وقوله تعالى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي مصاحبًا معروفًا، قال الزجاج هنا يحسن من الأفعال وقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [سورة الطلاق: الآية٦] . وقال ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [سورة المرسلات: الآية١] . قيل الملائكة أرسلوا للمعروف والإحسان. والعرف والعارفة، والمعروف واحد، ضد النكر وهو كل ما تعرفه النفس من الخير، وتأنس به، وتطمئن إليه، وفي الحديث تكرر لفظ المعروف وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع من المحسنات، ونهى عنه من المقبحات، وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه (١) . وقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ، والمعروف الشيء المتعارف المألوف الذي لا ينكر فهو الشيء الحسن انتصب على أنه مصدر وصف لمصدر محذوف أي صاحبهما صحابا معروفا لأمثالهما، وفهم منه اجتناب ما ينكر في مصاحبتهما، فشمل ذلك معاملة الابن أبويه بالشكر، وشمل ذلك أن يدعو الوالد إلى ترك ما ينكره الله ولا يرضى به، ولذلك لا يطاعون إذا أمروا بمعصية، والأمر بمعاشرتهم بالمعروف شامل لحالة كون الأبوين مشركين، فإن على الابن معاشرتهما بالمعروف كالإحسان إليهما وصلتهما، وفي الحديث أن أسماء بنت أبي بكر قالت لرسول الله ﷺ : إن أمي جاءت راغبة أفأصلها، فقال: ((نعم صلي أمك)) وكانت مشركة (وهي قتيلة بنت عبد العزى) ، وشمل المعروف ما هو لهما أن يفعلاه في أنفسهما وإن كان منكرًا للمسلم، فلذلك قال فقهاؤنا: إذا أنفق الولد على أبويه الكافرين الفقيرين وكان عادتهما شرب الخمر اشترى لهما الخمر، لأن شرب الخمر ليس بمنكر للكافر، فإن كان الفعل منكرًا في الدينين، فلا يحل للمسلم أن يشايع أحد أبويه عليه (٢) .

стр. 7354

والعرف والمعروف من أصول التشريع الإسلامي فقد قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩] فالعرف اسم مرادف للمعروف من الأعمال، فهو الفعل الذي تعرفه النفوس أي لا تنكره إذا خليت وشأنها بدون غرض لها في ضده وقد دل على مرادفته للمعروف قول النابغة: فلا النكر معروف ولا العرف ضائع. فقابل النكر بالعرف. فالمعروف إذن هو ما يعرف وهو مجاز في المقبول المرصي به لأن الشيء إذا كان معروفًا كان مألوفًا مقبولًا مرضيًّا به، وهو في الآية ما يقبل عند أهل العقول وفي الشرائع وهو الحق والصلاح لأن هذا مقبول عند انتفاء العوارض والمنكر ضده وهو مجاز في المكروه، والكره ملازم للإنكار لأن النكر في أصل اللسان هو الجهل ومنه تسمية غير المألوف نكرة، وأريد به في الآية الباطل والفساد لأنهما من المكروه في الجبلية عند انتفاء العوارض (١) . والقول الجامع أن العرب تطلق المعروف على ضد المنكر وعلى ضد المجهول، والمنكر هو المستقبح عند الذي ينفرون منه لقبحه أو ضرره، أو يذمونه، ويذمون مرتكبيه، وسورة الأعراف مكية، وهي قد نزلت في أصول الدين وكليات الشريعة وآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ تثبت لنا أن العرف والمعروف أحد الأركان للآداب الدينية، ومما انبنى عليه التشريع الإسلامي اعتبار عادات الأمة الحسنة، وما تواطأت عليه من الأمور النافعة والأفعال الخيرة مما يحقق لها المصالح ويدرأ عنها المفاسد في مجاري العادات حتى إن كتاب الله قد قيد طاعته وطاعة رسوله بالمعروف في عقد مبايعته للنساء حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ [سورة الممتحنة: الآية ١٢] . ومعلوم أن عقد المبايعة أعظم العقود في الأمم والدول فتقيد طاعته ﷺ فيه بالمعروف التزام، والمعروف من أعظم أركان الدين روى البخاري عن أم عطية، قالت: بايعنا النبي ﷺ فقرأ علينا: ((أن لا تشركن بالله شيئًا)) ، وفي البخاري، عن ابن عباس، قال: شاهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ قبل الخطبة فنزل نبي الله، فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: ((أنتن على ذلك)) فقالت امرأة منهن واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، قال: ((فتصدقن)) .

стр. 7355

وأجرى هذه المبايعة على الرجال أيضا، فعن عبادة بن الصامت، قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: ((أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تزنوا ولا تسرقوا)) وقرأ آية النساء (أي النازلة بخطاب النساء في سورة الممتحنة) ((فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئًا فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له)) ، واستمر العمل بهذه المبايعة إلى يوم فتح مكة وقد أسلم أهلها رجالًا ونساء. وجلس ثاني يوم الفتح على الصفا يأخذ البيعة من الرجال على ما في هذه الآية، وجلس عمر بن الخطاب يأخذ البيعة على النساء على ذلك، ولقد قال رسول الله ﷺ : ((إنما الطاعة في معروف)) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد، عن علي أي لا تجوز طاعة السلطان، أو نائبه في معصية، ولذا لما قام من أمره رسول الله ﷺ على سرية؟ ألم تعلموا أنه يجب عليكم طاعتي؟ فقالوا: نعم ,فقال: ائتوا بحطب وأوقدوه وادخلوا فيه، فلما تأججت النار، وصاروا يقربون منها صار بعضهم ينظر إلى بعض، ثم قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث لإنقاذ الناس من النار فكيف تأمرنا بالدخول فيها فخمدت النار وذهب غضب الأمير، فلما رجع أخبر النبي بذلك، فقال: ((لو دخولها ما خرجوا أحياء)) ، أي ماتوا فيها، وذكر الحديث ((إنما الطاعة في معروف)) (١) ولقد تكرر ذكر المعروف في السور المدنية، وكان أكثرها في بيان الأحكام الشرعية العملية وذلك في عشرات من الآيات بعضها في صفة الأمة الإسلامية، وحكومتها وأكثرها في الأحوال الشخصية والأحكام المالية، ومن الأول قوله تعالى في تعليل الإذن للمؤمنين بالقتال في سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢) . ومنه قوله تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) أي بما هو معروف في الشرع غير منكر، وينهون عما هو منكر في الدين غير معروف. وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (٤) .

стр. 7356

وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) وقد وصفهم الله تعالى بعد ذلك بقوله: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (٢) ، أي القائمون بأمر الناس بما هو معروف والشريعة، والقائمون بإنكار كل فعل أنكره الشرع – فكل هذه الآيات أصول لا مندوحة للأمة من التزامها في آدابها وتشريعاتها. ومن النوع الثاني، وهو ما ورد في الأحكام الفرعية العملية، ففي الحقوق الزوجية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ، أي ما تعرفه العقول السليمة المجردة عن الانحياز إلى الأهواء والعادات الضالة، وذلك هو الحسن وما جاء به الشرع نصًا أو قياسًا واقتضته المقاصد الشرعية، والمصالح العامة التي ليس في الشرع ما يعراضها وتحتها تفاصيل كبيرة تؤخذ من الشريعة، وهي مجال للمجتهدين في مختلف العصور وتعدد الأقطار يشهد لذلك اختلاف الفقهاء في جبر البنت البكر من أبيها دون الابن مصداقًا لقوله وللرجال عليهن درجة. ومن منعها من التبرع بما زاد على الثلث إلا بإذن زوجها عملًا بقوله وللرجال عليهن درجة: إلى غير ذلك من الجزئيات، التي اختلفت فيها الأنظار بين المماثلة بين الذكر والأنثى وبين جعل درجة للرجل عليها وكل ينظر إلى أن ذلك من المعروف أو من المنكر، ففي هذه الآية الكريمة احتباك والتقدير: ولهن مثل ما على الرجال، مثل الذي للرجال عليهن، فحذف من الأول لدلالة الآخر وبالعكس، وكان الاعتناء بذكر ما للنساء من الحقوق على الرجال وتشبيهه بما للرجال على النساء لأن حقوق الرجال على النساء مشهورة مسلمة من أقدم عصور البشر، أما حقوق النساء فلم تكن مما يلتفت إليه، أو كانت ولكنها متهاون بها وموكولة إلى مقدار حظوة المرأة عند الزوج، فلما جاء الإسلام أقامها وكانت هذه الآية أعظم ما أسست به، وكانت هذه الآية ركنًا من أركان حقوق الزوجية، بما يفضل الإسلام جميع الشرائع والقوانين والأديان في العدل والإنصاف، والمصلحة مما لم تنل النساء مثله في أمة من الأمم ومنها قوله تعالى في أحكام الطلاق: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣)

стр. 7357

فقد روى مالك في جامع الطلاق من الموطأ، عن هشام بن عروة عن أبيه، أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته، ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم قال: والله لا آويك ولا تحلين أبدًا فأنزل الله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ، فاستقبل الناس الطلاق جديدًا من يومئذ من كان طلق منهم أو لم يطلق، وقد جاء رجل للنبي ﷺ فقال: أرأيت قول الله تعالى الطلاق مرتان، فأين الثالثة؟ فأجابه رسول الله ﷺ : ((إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)) ، والمقصود من الجملة هو الإمساك أو التسريح المطلق قيد الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان إذ ما جاء للوصية والإرشاد في أثناء التشريع وإيماء إلى أنه الأهم المرغب فيه في نظر الشرع والإمساك بالمعروف أي على ما عرفه الناس في معاملاتهم من الحقوق التي قررها الإسلام أو قررتها العادات التي لا تنافي أحكام الإسلام وهو مناسب للإمساك إذ يشتمل على أحكام العصمة كلها من إحسان المعاشرة وغيرها؛ إذ المعروف أعم من الإحسان والتسريح بإحسان هو الفراق ومعروفه منحصر في الإحسان إلى المفارقة بالقول الحسن والبذل بالمتعة، كما قال تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ . وقد كان الأزواج يظلمون المطلقات ويمتعوهن من حليهن ورياشهن ويكثرون الطعن فيهن (١) . ومثل هذه الآية قوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (أي أمسكوهن بحسن معاشرة ورغبة فيهن من غير قصد إلى مضارة لهن) ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) ومنها قوله تعالى في المطلقات الرجعيات: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) . وهو شرط للنهي لأن الولي إذا علم عدم التراضي بين الزوجين ورأى أن المراجعة ستعود إلى دخل وفساد فله أن يمنع مولاته نصحًا لها وخوفًا عليها، ولا يحق له بحال إذا تراضى الزوجان بعود المعاشرة أن يمنعها إذ ليس هو بأدرى من ميلها لزوجها منها فهو على حد قولهم رضي الخصمان ولم يرض القاضي.

стр. 7358

ومنها قوله تعالى في المطلقات: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (١) متاعًا بالمعروف وهو ما عرف في الشرع والعادة الموافقة له فالاعتبار في ذلك بحال الزوج وهي من الغنى فوق المتعة من الفقير إذ ليس الموسع وهو من اتسعت حاله كالمقل المقتر، وهو من عسرت حاله، فالمعروف ما تعورف في الشرع والعادة (٢) ومنها قوله تعالى في معاشرة الأزواج: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣) . والمعاشرة المخالطة مفاعلة من العشرة، والمعروف ضد المنكر وسمي الأمر المكره منكرًا لأن النفوس لا تأنس به، فكأنه مجهول عندها نكرة، إذ الشأن أن المجهول يكون مكروهًا، ثم أطلقوا اسم المنكر على المكروه وأطلقوا ضده على المحبوب لأنه تألفه النفوس والمعروف هنا ما حدده الشرع ووصفه العرف (٤) ومما جاء في العفو عن القصاص قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٥) . فالاتساع مستعمل في القبول والإرضاء، أي فليرض بما بذل له من الصلح المتيسر وليؤدِّ باذل الصلح ما بذله دون مماطلة ولا نقص ومقصد الآية إبطال ما كان في الجاهلية من اعتبار أن أخذ الصلح في القتل العمد هو بيع لدم صاحبهم، قال مرة الفقعسي: فلا تأخذوا عقلا من القوم إنني أرى العار يبقى والمعاقل تذهب فجاء القرآن وأطلق وصف الأخ على المماثل في دين الإسلام وجعل التوافق في العقيدة أشد من التوافق في النسب ذلك أن التوافق في الدين آصرة نفسانية والتوافق في النسب آصرة جسدية، والروح كما هو معلوم أشرف من الجسد، وقوله تعالى ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وصف أي الرضا بما هو معروف تألفه النفوس وتستحسنه من كل ما تسر به النفوس ولا تشمئز منه ولا تنكره ومنها ما في الوصية للوالدين والأقربين، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٦)

стр. 7359

والمعنى: كتب عليكم ما هو معروف عندكم بالوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ما ألفته العقول ولم تنكره النفوس وهو الشيء المحبوب المرضي سمي معروفًا لكثرة تداوله والتأنس به حتى صار معروفًا بين الناس وهو العدل الذي لا يحصل منه تحاسد بين الأقارب ولا تباغض وتدابر، ومن المعروف في الوصية ألا تكون للإضرار بوارث أو زوج أو قريب وقد قال طرفة: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند وقد كانوا في الجاهلية يمنعون القريب من الإرث بتوهم أنه يتمنى موت قريبه ليرثه وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض، وكان هذا مما يفضي إلى الإحن، الأمر الذي يتسبب في اختلال الحالة الاجتماعية بإلقاء العدواة بين الأقارب ومنها في أكل الموصى من مال اليتيم، فقد قال الله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، ففي قوله بالمعروف حوالة على ما يناسب حال الوصى ويتيمه بحسب الأزمان والأماكن، ولقد أرشد إلى ذلك حديث أبي دواد في سننه أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني فقير وليس لي شيء، قال: ((كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مباذر ولا متأثل)) ، وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت نزلت هذه الآية فيولي اليتيم إذا كان محتاجًا أن يأكل منه بالمعروف، ولهذا قالت المالكية: يأخذ الوصي بقدر أجرة مثله، وقد قال عمر ﵁: إني نزلت نفسي من مال الله منزلة الوصي من مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت أكلت بالمعروف فإذا أيسرت قضيت. قال عطاء وإبراهيم النخعي: لا قضاء عليه أن أيسر وهو مذهب الجمهور وروي عن ابن عباس من كان من الأوصياء غنيًّا فليستعفف بماله، ولا يتوسع بمال محجوره ومن كان فقيرًا فإنه يقتر على نفسه لئلا يمد يده إلى مال يتيمه، وقد استحسنه النحاس وعلي بن على الطبري المعروف مالكيًّا الطبري نسبة إلى طبرستان قرب الري (١) قال الإمام الشافعي: وجماع المعروف إتيان ذلك بما يحسن لك ثوابه، وكف المكروه (٢) . إننا بما نقلنا نرى أن المعروف في هذه الآيات المتعددة معتبر في هذه الأحكام المهمة كما ندرك أن المعروف فيها هو المعهود بين الناس في المعاملات وفي العادات، ومن المعلوم بالضرورة أن العادات والتقاليد تختلف باختلاف الشعوب والبيوت والبلاد، والأوقات، وأن تحديد الأحكام وتعيينها من دون مراعاة عرف الناس يكون مخالفًا لنص كتاب الله (٣) ولشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من فقهاء الحديث أقوال حكيمة في المعروف فقد ذكر في أحكام الطلاق (٤) وما ورد فيه من الآيات المقيدة للإمساك بالمعروف والتراضي بالمعروف والمعاشرة بالمعروف وفي أن لهن وعليهن بالمعروف ورزقهن وكسوتهن بالمعروف قال: هذا المعروف المذكور في القرآن هو الواجب العدل في جميع ما يتعلق بالنكاح من أمور النكاح وحقوق الزوجين.

стр. 7360

والمعروف هو الذي يعرفه الناس في حالهما نوعًا وقدرًا وصفة وهو يتنوع بتنوع حالهما من اليسار والإعسار، والزمان كالشتاء والصيف والليل والنهار، والمكان فيضعهما في كل بلد مما هو عادة أهل البلد وهو العرف بينهم وكذلك ما يجب عليه من المتعة والعشرة، فعليه أن يبيت عندها ويمسها بالمعروف، وكل هذا يختلف بحاله وحالها، كذلك النفقة تقدر بالمعروف فتنوع بتنوع حال الزوجين عند جمهور المسلمين وقد قال بعضهم هي مقدرة بالشرع نوهًا وقدرًا مدًّا من حنطة أو مدًّا ونصفًا، أو مدين قياسا على الإطعام والواجب في الكفارة على أصل القياس والصواب المقطوع به ما عليه الأمة علمًا وعملًا قديمًا وحديثًا. فإن القرآن قد دل على ذلك وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال لهند امرأة أبي سفيان، لما قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي فقال لها النبي ﷺ : ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فأمرها أن تأخذ بالمعروف ولم يقدر لها نوعًا ولا قدرًا)) ، ولو تقدر ذلك بشرع أو غيره لبين لها القدر والنوع، كما بين فرائض الزكاة والديات. وفي صحيح مسلم ,عن جابر أن النبي ﷺ قال في خطبته العظيمة بعرفات: ((لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)) وكل ذلك يرجع للعرف والعادة، فإذا كان عادتهم أكل التمر والشعير أعطاها ذلك وإن كان أكل الخبز والإيدام أعطاها ذلك، وإن كان يطحن في الطاحون ويخبز في البيت، فعل ذلك، وإن كانت عادتهم يشتري الخبز من السوق فعل ذلك، كل ذلك على ما هو معروف عندهم، وكذلك القدر لا يتعين مقدار مطرد بل تتنوع حتى تتنوع المقادير- والمعروف فيما له ولها هو موجب العقد المطلق، فإن العقد المطلق يرجع في موجبه إلى العرف، كما يوجب العقد المطلق في البيع النقد المعروف فإن شرط أحدهما على صاحبه شرطًا لا يحرم حلالا ولا يحلل حرامًا فالمسلمون عند شروطهم إذ موجبات العقود تتلقى من اللفظ تارة ومن العرف تارية أخرى لكن كلاهما مقيد بما لم يحرمه الله ورسوله. واللفظ في العرف والمعروف عام، يشمل كل معروف في الشرع وفي العادات والمعاملات، فلا بد من الاعتماد على العرف والاعتداد به إذا لم يكن هناك نص من الشارع، أما إذا كان هناك نص صار هو نفسه من جملة المعروف الذي هو ضد المجهول كما يكون بالضرورة من المعروف الذي هو ضد المنكر. والعقائد والعبادات مرجعها إلى النصوص من الكتاب والسنة فلا يجوز بحال من الأحوال إحداث عبادة جديدة أو الإتيان بها على غير الوجه الذي كان أتى بها الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ ولا ينفع في ذلك اجتهاد ولا قياس ولا إجماع من بعد الرسول وأصحابه، كما لا ينفع فيها علل ولا نظريات حيث أن الله قد أكمل الدين، وقال سبحانه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)

стр. 7361

وقد أخبرنا رسول الله ﷺ أن ما سكت عنه، فهو معفو عنه فمن زاد على ذلك شيئًا كان مراغمًا لنص القرآن أو طاعنًا في بيان رسول الله ﷺ أو زاعمًا أنه هو أكمل منه علمًا بالدين، وقد قال مالك ﵁ لمن أراد أن يحرم بالحج من المسجد النبوي: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة فقال الرجل وأي فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك قد سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) . ومن أجل كلامه ﵁ في ذلك قوله من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين (٢) / قال الشاطبي: ولذلك التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني وإن ظهرت لبادئ الرأي وقوفًا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم على ما هي عليه (٣) ولم يلتفت ﵁ في إزالة الأحداث ورفعها إلى مطلق النظافة التي اعتبرها غيره حتى اشترط في رفعها النية، ولم يجعل غير الماء المطلق الذي لم يتغير لونه ولا طعمه ولا ريحه. وكذلك امتنع من إقامة التكبير والتسليم في القراءة بغير العربية، ولم يجعل غيرها يقوم مقامها في التحليل والتحريم والإجزاء، وكذلك منع من إخراج القيم في الزكاة واقتصر في الكفارات على مراعاة العدد وما أشبه ذلك ومسلكه في هذا كله دائر على ما حده الشرع دون ما يقتضيه معنى من المعاني مناسب، وذلك لقلة وجوده في التعبديات وندوره في الديانات وهو ﵁ بخلافه في العادات الذي هو جار على المعنى المناسب، الظاهر للعقول فقد استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم معاني المصالح مع مراعاة مقصود الشارع وعدم مناقضة تلك المصلحة لأصل من أصوله التي قسمها العلماء إلى ثلاثة: مناسب علم اعتباره الشارع له، ومناسب علم إلغاؤه له ومناسب لم يعلم إلغاؤه ولا اعتباره، وهو الذي لم يشهد له أصل معين بالاعتبار بل أخذ من مقاصد الشريعة العامة وهو المسمى بالمصالح المرسلة (٤) .

стр. 7362

وقد اشتهر انفراد المالكية به، قال الزركشي: وليس كذلك فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة، ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك، ولقد أطنب أبو إسحاق الشاطبي المتوفى سنة ٧٩٠ هـ في بحث البدع والحث على التزام السنة من كتابه الاعتصام بما لم يسبق إلى مثله وفرق بين البدع والمصالح المرسلة تفرقة واضحة بينه، وأثبت فيها أن مالك بن أنس كان يقول بها على تشدده في نصرة السنة ومبالغته في مقابلة البدع حتى قال فيه أحمد بن حنبل إذا رأيت الرجل يبغض مالكًا فاعلم أنه مبتدع، وقال فيه عبد الرحمن بن مهدي: إذا رأيت الحجازي يحب مالكًا بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة، كما أنه ممن أطنب غاية الإطناب في بحث المصالح من المشارقة نجم الدين الطوبي الحنبلي المتوفى سنة ٧١٦ حتى بلغ به الأمر إلى أن قدم المصلحة على النص والإجماع، وقد ركز كلامه على حديث أبي سعيد الخدري: ((لا ضرر ولا ضرار)) ، الذي رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مرسلًا، ورواه مالك كذلك مرسلًا، وقال: إنه يقتضي رعاية المصالح إثباتًا ونفيًا والمفاسد نفيا، ثم استدل على المسألة بعد أدلة من الكتاب والسنة تفصيلًا وإجمالًا وجعل مدار تعليل الأحكام الشرعية عليها ودعم ما ذهب إليه بالاستدلال بالنظر العقلي ولم يكتفِ بكل هذا حتى جعل رعاية المصالح مقدمًا على النص والإجماع عند التعارض فقال: وإن خالفها وجب تقديم رعاية المصالح عليها بطريق التخصيص والبيان لهما لا بطريق الافتيات عليهما والتعطيل لهما، ثم قال بعدها: واعلم أن هذه الطريقة التي قررناها مستفيدين لها من حديث ((لا ضرر ولا إضرار)) ثم قال: وليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك بل هي أبلغ من ذلك، وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام، ثم علل ذلك بأن العبادات وشبهما حق للشارع خاصة به، ولا يمكن معرفتها ومعرفة حقه كمًّا وكيفًا وزمانًا ومكانًا إلا من جهته، فيأتي بها العبد على ما رسم له، ولهذا لما تعبدت الفلاسفة بعقولهم ورفضوا الشرائع أسخطوا الله وضلوا وأضلوا، قال: وهذا بخلاف حقوق المكلفين، فإن أحكامها سياسية شرعية وضعت لمصالحهم، فعلينا أن نأخذها من أدلته، فإذا رأينا الشرع متقاعدًا عن إفادتها علمنا أنا أحلنا فيتحصيلها على رعايتها (١) ونحن إذا نظرنا الأمور الدنيوية من حيث الحلال والحرام ومن حيث القضاء والسياسة والآداب وجدناها تنقسم بحسب الأدلة إلى ستة أقسام: الأول: ما فيه نص محكم قطعي الدلالة قطعي الثبوت، وهذا واجب العمل به ولا مجال للاجتهاد فيه ما لم يعارضه ما هو أرجح منه من النصوص الخاصة لموضعه أو العامة كنفي الحرج ونفي الضرر والضرار وكون الضرورات تبيح المحظورات كما قال تعالى ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٢)

стр. 7363

والإضطرار الوقوع في الضرورة ويغلب فعله البناء للمجهول وهي حالة توجب على الإنسان أن لا يقدم على المحرمات إذا كان رائمًا بذلك تناولها مع ضعف الاحتياج إليها، وتوجب عليه أن لا يحجم من تناولها إذا خشي أن يتناول ما في أيدي الناس بالغصب والسرقة ونحوها يدل على ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) أي غير باغ، ولا عاد على الناس ولا على أحكام الدين فهي تقدر بقدرها وتزول بزوال مقتضياتها. القسم الثاني: ما دل عليه نص صحيح بعمومه أو تعليله أو مفهومه دلالة واضحة أجمع عليها أهل الصدر الأول، أو عمل بها جمهورهم وعرف شذوذ من خالفهم، فالواجب في هذا عين الواجب في الأول بشرطه عند من عرفه. القسم الثالث: ما ورد فيه نص تكليفي ظني الدلالة، أو حديث لا هو واهٍ ولا هو صحيح، وقد اختلف فيه الصحابة أو من بعدهم من علماء السلف والأئمة المجتهدون للاختلاف في صحة روايته، أو للاختلاف في صراحة دلالته، فمثل هذا يعمل فيه كل مكلف حسب اجتهاده ويعذر فيه كل من خالفه فيها ظهر له أنه الحق وليس أن يعيب على أحد ولا له أن ينتقده كاختلاف السلف في بعض أحكام الطهارة والنجاسة، فلم يعب أحدهم مخالفه فيه ولم يمتنع من الصلاة معه لا إمامًا ولا مأمومًا، وكما فهم بعض الصحابة من آية البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٢) وقد نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل متلفة للمال فنزلت الآية، قال في الكشاف: " فترك الخمر قوم وشربها آخرون حيث اختلف فهمهم في تحريمها وعدم تحريمها عمل كل ما ظهر له، ولم يعترض على غيره ومثله ما يستنبطه بعض العلماء من الكتاب والسنة في كل زمان، فمن ظهر له أن ذلك من الدين وأن كلام الله، أو سنة رسوله ﷺ دالة عليه عمل به، ومن لم يظهر له ذلك فلا يكلف تقليد من استنبطه، وقد نقل عن أشهر المجتهدين من الأئمة أنه لا يجوز لأحد أن يقلدهم وأن يأخذ بشيء من أقوالهم إلا إذا عرف مأخذه وظهر له صحته وترجح له دليله وعند ذلك يكون متبعًا لما أنزل الله لا لما رآه غيره، وبذلك لا يكون مخالفًا لقول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) .

стр. 7364

وأما ما يتعلق بالأمور العامة من هذا القسم كالأحكام القضائية والسياسية، فينبغي أن ينظر أولو المر وأن يتشاوروا فيه من حيث تصحيح النقل، ومن حيث طريق الدلالة على الحكم، فإذا ظهر لهم ما يقتضي؛ إلحاقه بأحد الأقسام السابقة ألحقوه به فكان له حكمه وإلا كان كالمسكوت عنه. القسم الرابع: ما ورد فيه نص غير وارد مورد التكليف كالأحاديث المتعلقة بالعادات من الأكل والشرب والطب ونحوها مما يسميه العلماء إرشادًا لا تشريعًا، وكذا ما كان من قبيل الفتاوي الشخصية فلم يعمل به الجمهور لعدم الأمر بتبليغه، فالأولى والأفضل للمسلم أن يعمل بها ما لم يمنعه من ذلك مانع من الشرع، والمصلحة أو المنفعة العامة أو الخاصة ذلك أن المبالغة في الاتباع حتى في العادات والتقاليد مما يقوي وحدة الأمة ويثبت الرابطة بين المسلمين ويقوي شوكتهم في أعين أعدائهم. نعم، لا ينبغي لحكام المسلمين في مثل هذا أن يجبروا أحدًا على الفعل أو الترك وإنما يحسن أن يكونوا قدوة صالحة في مثله. القسم الخامس: ما سكت عنه الشرع فلم يرد عنه فيه ما يقتضي فعلًا، ولا ما يقتضي تركًا، وهذا هو الذي عفا الله عنه رحمة منه وتخفيفًا على عباده وليس لأحد أن يكلف أحدًا من عبيد الله يفعل شيئًا لم يأذن الله فيه وإن ما أمرنا الله به من طاعة الأمراء وأولي الأمر منا خاص بأمور الدنيا ومصالحها ومشروط بأن لا يكون في معصية الله كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان في الصحيحين وأبو دواد والنسائي عن على كرم الله وجهه: ولا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في معروف أما أمر الدين فقد تم واكتمل، فليس لأولي الأمر من المسلمين سلطان على أحد في أمر الدين المحض لا بزيادة على مدلل النص ولا بنقصان منها قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (١) . ومن زاد أو نقص فقد جعل نفسه أو جعل شريكًا لله أو اتخذ ربًا من دون الله، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢) . ولما كانت طاعة أولي الأمر خاصة بأمور الدنيا ومصالحها كان حتمًا تحكيم العرف والمعروف فيما لا نص فيه إذ لا يستقيم نظام الأمة إلا على أساس ثابت.

стр. 7365

فإذا كانت فوضى غير مقيدة بأصول وأحكام وفضائل ثابتة، ولا بد من شيء ثابت لا تختلف فيه المصالح والمنافع، ولهذا جاء الشرع العزيز بالعرف والمعروف. ولو اختلف الناس فيما يعرفون وما ينكرون فالناس على عاداتهم وتقاليدهم، وقد أحسن الجصاص إذ عرف العرف فقال: هو ما يستحسن في العقل فعله، ولا تنكره العقول الصحيحة وقد ذهب جماعة إلى أنه العرف والعادة مترادفان، فالعرف عندهم هو العادة، وهي غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد، أو على بعضه وعرفها بعضهم بأنها الأمر المكرر من غير علاقة عقلية كتكرار حدوث الأثر مع المؤثر وتكرار المعلول عند وجود علته كسرعة البلوغ في البلاد الحارة وبطئه في البلاد الباردة، قال القرافي في تعريف العادة: إنها غلبة معنى من المعاني على الناس، وهو غير جامع لعدم اشتماله عادة الفرد، وقد عرفها بعضهم وقصرها على العادة العملية ولا وجه لما ذهب إليه لأن الفقهاء عمموا العادة في الأقوال والأعمال، وأدى تعريف لها ما عرف به ابن فرحون، حيث قال في تعريفها: غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد أو بعضها، وقد عرف العرف بما استمر الناس عليه على حكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد مرة وبتعريفه للعادة وتعريفه للعرف ندرك أنهما مترادفان، وهذا يؤيده وجه نظر أغلب الفقهاء والأصوليين لكن منهم من فرق بينهما، وجعلوا العادة أعم من العرف باعتبار أنها جنس يندرج تحته أنواع كثيرة من جملتها العرف، إذ العادة تشمل ما كان ناشئًا عن عامل طبيعي أو عن عادة فردية شخصية، أو عن عادة عامة بين الجمهور، وهو العرف، فكل عرف عادة وليس كل عادة عرفًا، وذهب بعضهم إلى أن العادة تختص بالأفعال، والعرف بالأقوال وفيه متكلم. أما أهل القانون، فيفرقون بين العرف والعادة بأمور أولها: أن أحكام العرف تلزم الطرفين ولو كانا جاهلين في حين أن العادة لا تلزمهما إلا إذا قصد الإحالة عليها صراحة أو دلالة. ثانيهما: أن من يريد التمسك بالعادة فعليه أن يثبتها بخلاف العرف فلا يحتاج للإثبات لأنه مفروض فرضا ولهذا يتعين على القاضي معرفة ذلك حتى يميز بين الطالب والمطلوب. ثالثها: أنه لا يعتد بحكم الحاكم إذا خالف العرف التي نصت عليها القوانين العرفية، واصطلحت على تسمية الركن المعنوي بالعرف، وبركن الاعتقاد بلزوم العادة وهو ما يميز العادات التي أصبحت عرفًا من العادات التي لم تبلغ هذه المرتبة وما تزال في طور الاستعمال المتوارث دون التزام (١) .

стр. 7366

يقول الإمام الشاطبي: اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد ليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها كما في البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف، فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب، وإنما وقع الاختلاف في العوائد أو في الشواهد ثم يقول في المسألة التالية العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعًا كانت شرعية في أصلها أو غير شرعية أي سواء كانت مقررة بالدليل شرعًا أمرًا ونهيًّا ,أو إذنًا أم لا، أما المقررة بالدليل فأمرها ظاهر، وأما غيرها فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك، ثم يقول بعد كلام ولما قطعنا بأن الشارع جاء باعتبار المصالح لزم القطع بأنه لا بد من اعتباره العوائد لأنه إذا كان التشريع على وزن واحد دل على جريان المصالح على ذلك لأن أصل التشريع سبب المصالح، وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع (١) ، وقد قسم الشاطبي العوائد إلى عوائد عامة، لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال، والثاني: العوائد التي تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأحوال كهيئات اللباس والمسكن ونحوها. والأول: يقضي به على أهل الأعصار للقطع بأن مجاري سنة الله تعالى في خلقه على هذه السنن لا تتخلف بما يجري منها في الزمان الحاضر محكومًا به على الزمان الماضي والمستقبل أكانت العادة وجودية أو شرعية، والثاني: لا يصح أن يقضي به على ما تقدم حتى يقوم الدليل على الموافقة من الخارج فإذ ذاك يكون قضاء على ما مضى بذلك الدليل لا بمجرى العادة، وكذلك في المستقبل. والنوع الأول: راجع إلى عادة كلية أبدية وضعت عليها الدنيا وبها قامت مصالحها في الخلق وهذه العادة معلومة. أما النوع الثاني: فعادة جزئية داخلة تحت العادة الكلية، وهي التي يتعلق بها الظن لا العلم وهذه لا يصح أن يحكم بها لاحتمال التبدل والتخلف بخلاف الأولى، وهذه القاعدة محتاج إليها في القضاء فيجب على القاضي أن يكون عالمًا بما كان عليه الأولون لتكون حجة للآخرين، وهذه القاعدة يستعملها الأصوليين في البناء عليها ورد القضاء بالعلمية إليها (٢) . ولشدة الارتباط بين العرف والعادة وتداخلهما جرت المالكية على الرأي الأول من أن العرف والعادة لفظان مترادفان (٣) .

стр. 7367

ولقد استدل العلماء على الاحتجاج بالعرف من السنة بما أخرجه الإمام أحمد ومسنده. قال: حدثنا عبد الله حدثني أبي، حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زيد بن حبيش ,عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دنيه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء (١) وجه الاستدلال أن ما رآه المسلمون مستحسنًا قد حكم بحسنة عند الله، فهو حق لا باطل فيه لأن الله لا يحكم بحسن ما هو باطل، فإذا كان العرف مما استحسنه المسلمون كان محكوما باعتباره، وقد انتقد هذا الدليل من حيث الثبوت والدلالة، أما من حيث الثبوت فقد نقل عن العلائي أنه لم يجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا عليه، قال: وأخرجه أحمد في مسنده وصرح الزيلعي بأن الحديث غريب مرفوع (٢) وجزم ابن حزم بأن لا وجود للحديث في مسند صحيح، وإنما يعرف عن ابن مسعود (٣) ، وذكر الشيخ عبد الحي الكتاني أن هذا الحديث لا يصلح مبينًا أن ابن نجيم أخطأ في نسبته لأحمد في مسنده وإنما هو في كتاب السنة له، كما نص عليه السخاوي في المقاصد ثانيًا أن سياق كلام ابن مسعود يفيد أن المراد بالمسلمين الصحابة والمجتهدين، فالمراد بالمسلمين في الحديث المجتهدون لا عموم الناس يشده لذلك فعل ما رآه في الحديث لأن الرأي في عرف الصحابة هو ما يراه القلب بعد فكر وتأمل واجتهاد لوجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات ويدخل في ذلك ما يستنبط بطريق القياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وهذا لا يمكن أن يكون إلا ممن بلغ درجة الاجتهاد وهو خواص الخواص وعلى تقدير أن " أل " في المسلمين للعموم، فهي تشمل جميع المسلمين أي المسلمين من أهل الحل والعقد إذ ما أجمعوا عليه يجب اتباعه لقوله ﷺ : ((لا تجتمع أمتي على ضلالة ولا تجتمع على خطأ)) فقوله: ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)) بهذا المعنى، وهذا ما صرح به علماء الأصول كالآمدي وغيره (٤) فقد قال الآمدي: وما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن إشارة إلى إجماع المسلمين، والإجماع حجة ولا يكون إلا عن دليل، وليس في الحديث دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنًا، فهو حسن عند الله تعالى، ومثل هذا الكلام قال الشاطبي في كتابه الاعتصام على ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه إلى أن قال: وأما الدليل الثاني فلا حجة فيه من أوجه أحدها: أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون حسنًا، فهو حسن والأمة لا تجتمع على باطل فاجتماعهم على حسنه شرعًا، لأن الإجماع يتضمن دليلًا شرعيًّا، فالحديث دليل عليكم لا لكم، والثاني: أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع، والثالث: أنه إذا لم يرد به أهل الإجماع، وأريد بعضهم فيلزم عليه استحسان العامة، وهو باطل بإجماع (٥) .

стр. 7368

وإذا أمعنا النظر في شريعتنا الغراء، وجدناها شريعة مستكملة الأحكام صالحة لكل زمان ومكان مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد في هذا العمران متسعة المجال صالحة لجميع الأقاليم والأجيال عقيدة حكم بصحتها العقل والنقل، وأن في اختلاف علمائها مما تختلف فيه الأقطار بما تقتضيه الأطوار في اختلاف الأمصار والأعصار لدليل على كمال توسعها وصلاحها، ومعلوم أن المأخذ متحد يعتمده كل معتمد فكالوادي إذا جرى إلى أراضٍ مختلفة فاختلف نباتها باختلاف جهاتها، فليس من اختلاف المياه، فالوارد من أواخر جداوله يستوي مع من ورد من منبعه ومصبه والماء واحد وإن اختلفت الموارد وهكذا شريعتنا، فهي متحدة الأصول وإن اختلفت في جزئياتها الفحول على أنها قد حافظت على ما لا يخالف أصولها من أحكام الشرائع السابقة حتى كان شرع من قبلنا شرعًا لنا ما لم يرد ناسخ، وصانت أيضًا ما لا ينقص أحكامها مما جرى به العرف والعوائد على أنه إن ذهبنا إلى أن آية الأعراف ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ . وحديث: ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن لا يقوم بهما الاستدلال صراحة بخصوصهما، فمن الآيات والأدلة ما يقوي جانبهما مما لا يترك مجالًا إلى اعتبار العمل والعرف وأنهما أصل من الأصول التي انبنت عليه كثير من الأحكام. فمن الآيات قوله تعالى فيما يجب للزوجات على الأزواج من النفقات: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) . فقد قيدت الإنفاق بما تعارفه الناس واعتادوه، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) . فقد صرحت الآية بأن الكسوة والرزق والإنفاق مرجعه إلى ما اعتاده الناس، وقوله تعالى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) أي أمسكوهن بما عرف بين الناس من حسن المعاشرة من غير مضارة. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بعيشة حسنة رضية استقر عرف الناس عليها، وقوله تعالى في المطلقات: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) وهو ما عرف في الشرع والعادة الموافقة له والاعتماد في ذلك على حال الزوج من الغنى والفقر والسعة والضيق، ومنها قوله تعالى في معاشرة الأزواج ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٥) .

стр. 7369

فالمعروف هنا ما حدده الشرع ووصفه العرف وتألفه النفوس ولا تستنكره، ومنها قوله تعالى في العفو من القصاص ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) . فاتباع بمعروف أي بما تألفه النفوس وتستحسنه في مجاري العادات ولا تشمئز منه وتستنكره، ومنها قوله تعالى: في الوصية للوالدين ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) ، أي بما ألفته العقول ولم تنكره النفوس وهو المحبوب المرضي سمي بذلك لكثرة تداوله بين الناس والتأنس به حتى صار معروفًا بين الناس معتادًا وهو العدل الذي لا يحصل منه تحاسد ولا تباغض بين الأقارب. ومن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) . والجلباب ثوب أصفر من الرداء وأكبر من الخمار والقناع تضعه المرأة على رأسها، فيتدلى جانباه على ذراعها وينسدل سائره على كتفيها وظهرها تلبسه المرأة عند الخروج، ولا شك أن لباسه يختلف باختلاف أحوال النساء التي تبينها العادات والتقاليد، وما استشهدنا به من الآيات أوردناها لتؤكد على أن معناها يدور كله على العرف الذي يقضي به في المعاملات والعادات ما لم تكن مخالفة لنص من نصوص الشريعة والله إنما يخاطب عباده بما يفقهونه إما بطريق النص مما جاء في الكتاب والسنة وما لم يرد فيه نص فيجري على ما تعارفه الناس واعتادوه، وكل هذه الآيات لتعزز آية الأعراف التي استدل بها الفقهاء على اعتبار العرف وهي حجة على ما أنكر الاستدلال به. وأما من السنة فقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال لحكيم بن حزام: ((لا تبع ما ليس عندك)) ، فلما قدم المدينة وجد الناس يتعاملون بالسلم، وهو بيع ما ليس عند الإنسان، فأقرهم عليه بعد أن نظمه لهم مراعيًا في ذلك العرف ورفع الحرج فقال ﷺ كما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم)) ، والأصل أن لا يصح التعاقد على معدوم كبيع قبل ظهوره لاحتمال عدم نباته، ولا على ماله خطر العدم، أي احتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه وكبيع اللبن في الضرع لاحتمال عدمه بكونه انتفاخًا وكبيع اللؤلؤ في الصدف، ولهذا ورد النهي عن بيع حبل الحلبة وهي المضامين ما في أصلاب الإبل والملاقيح، وهو ما في بطون النوق.

стр. 7370

وقد استثنى الفقهاء من هذه القاعدة العامة في منبع التصرف بالمعدوم عقود السلم والإجارة والمساقاة والاستصناع مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء العقد استحسانًا ومراعاة للحاجة ورفعًا للحرج عن الناس لتعارفهم عليها وإقرار الشرع صحة السلم والإجارة والمساقاة نحوها، وإنما صحح الشرع بيع المعدوم وبعض المواضع وإن كان الأصل عدم ذلك، فذلك تخفيفًا ورفعًا للحرج واحتياج الناس لذلك، فلهذا أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه والحب بعد اشتداده والعقد في هذه الحالة ورد على الموجود المعدوم الذي لم يخلق بعد ومما يدل على اعتبار العرف أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: ((إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا لمعروف)) ، فقال العباس: إلا الإذخر وهو نبت طيب الرائحة، فإنه لا بد لهم منه فإنه للقبور والبيوت فقال ﷺ : ((إلا الإذخر)) فاستثناؤه ﷺ الإذخر ما هو إلا مراعاة لعادة ألفوها ويعسر عليهم ترك عادتهم فرخص لهم في ذلك دفعًا للحرج. ومما يدل على مراعاة عرف الناس وعادتهم ما اتخذه الشرع من وضع الدية على العاقلة واشتراط الكفاءة في الزواج وبنائه على العصبية ومثله الإرث ومنه أيضا قوله ﷺ لهند بنت عتبة: ((خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف)) (١) ، أي حسب العادة والتقاليد كذلك ما في الصحيحين والموطأ من قوله ﷺ : ((لقد هممت أن أحرم الغيلة والرضاع لولا أن قومًا من فارس يفعلونها ولا تضر أطفالهم)) . ومن رحمة هذه الشريعة الغراء أن أبقت للأمم معتادها وأحوالها الخاصة بها إذا لم يكن فيها استرسال على فساد يدل لذلك قوله ﷺ ((أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيما دار، أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام)) ، وفي صحيح البخاري باب ما أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيع والإجارة والمكيال والوزن، وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشورة، قال ابن حجر: مقصود البخاري بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف وأنه يقضي به على ظواهر الألفاظ حتى أنه لو وكل رجل غيره في بيع سلعة فباع بغير النقد الذي عرف الناس لم يجز، وكذا لو باع موزونًا أو مكيلًا بغير الكيل، أو الوزن المعتاد (٢) . ثم أضاف ابن حجر إن الرجوع إليه في كثير من الأشياء، كمقادير الأيام والحيض والطهر وأكثر مدة الحمل ومقدار سن اليأس، وإحياء الموات والإذن في الضيافة، ودخول بيت قريب، والأيمان، والوصايا، ومقادير المكائيل والموازين، فكل هذه المسائل مرجعها إلى العرف والعادة. وكل ما لم ينص الشارع عليه فيحمل على ما تعارفه الناس وتعامل به أهل تلك البلدة، قال ابن حجر: وهذا ما قصده البخاري من الترجمة، أي من إثبات الاعتماد على العرف والعادة (٣) .

стр. 7371

وقال بدر الدين العيني في شرحه لهذا الباب: أي هذا باب يذكر من أجرى أمرها إلى الأمصار على ما يتعارفون بينهم أي على عرفهم وعوائدهم في أبواب البيوع والإجارات والمكيال، ثم قال: كل شيء لم ينص عليه الشارع أنه كيلي، أو وزني، يعمل في ذلك على ما تعارفه أهل تلك البلدة مثلا الأرز فإنه لم يأتِ فيه نص من الشارع أنه كيلي، أو وزني، فيعتبر في عادة أهل كل بلد على ما بينهم من العرف فيه فإنه في البلاد المصرية يكال، وفي البلاد الشامية يوزن ونحو ذلك من الأشياء لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية. وقوله: وسننهم عطف على ما يتعارفون بينهم، أي على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة وحاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة (١) . ومما يدل على اعتبار العادة الحسنة ما أخرجه أبو داود في سننه من أن رسول الله ﷺ ، قال للسائب بن أبي السائب: ((كنت شريكي فنعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري)) (٢) ، وفي رواية ((ولا تداريني ولا تماريني)) ، والمداراة الملاطفة، والمير الإيتاء بالميرة، وهو الطعام، وكانت السيدة خديجة ﵂ في الجاهلية تستأجر الرجال في مالها بشيء تجعله، ولما قدم النبي ﷺ المدينة وجدهم يسلفون في التمر السنة والسنتين، فقال الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري: ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم)) ، فلقد أبقى رسول الله ﷺ في كثير من العادات مما كان عليه العرب في الجاهلية ومعاملاتهم وأحوالهم الشخصية، وأبقى حتى بعض الشعائر الدينية التي تتماشى مع الفطرة البشرية، والتي تسربت لهم من الديانة اليهودية أو النصرانية، ولم يبطل منها إلا ما كان فاسدًا كربا الفضل والنسيئة وبيوع الغرر والجهالة كبيع الملامسة والمنابذة والحصاة، وما نعت من أنكحتها ما كان فاسدًا، كنكاح الاستبضاع والبغاء والسفاح والمخادنة، ونحوها، وأبقت ما هو صلاح متعارف تألفه الطباع وتستحنه العقول النيرة وهو ما عليه الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها (٣) . وقد أبقى الإسلام ما كان عليه العرب في الجاهلية من حججهم واعتمادهم، أخرج البخاري عن عاصم بن سليمان، قال: سألت إنسانًا على الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ونظام القسامة في الإسلام، هو الذي كان في الجاهلية، فقد روى مسلم، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ من الأمصار أن النبي ﷺ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية (٤) .

стр. 7372

وفي باب الصيام روى البخاري ومسلم، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا؟)) ، قالوا: هذا يوم صالح نجى الله تعالى موسى ﵇، وبني إسرائيل من عدوهم فصامه وأمر بصومه (١) وكذلك كان الاعتكاف في الجاهلية من القربات، فجاء الإسلام به فقد أخرج البخاري ومسلم، عن ابن عمر أن عمر سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال ﷺ : ((فأوفِ بنذرك)) (٢) ، إن ما نقلناه يعطينا صورة واضحة جلية وموقف الإسلام من العادات، وإنه ليتضح من ورائها أن الشرع أقر كثيرًا مما كان عليه الناس في العهد الجاهلي مما هو صلاح وقيد بعضها وهذبها بما هي في حاجة إليه، وأبطل منها ما كان فاسدًا فلم تهدم الشريعة كل ما كان متعارفًا عند العرب في الجاهلية، بل أقر ما كان مسايرًا لمبادئ الإسلام ومقاصده مهتمًا اهتمامًا عظيمًا بالعادات والتقاليد مراعيًا العرف الصالح فيما يشرع من أحكام حتى يتقبلها الناس بصدر رحب والإنسان ابن ما تعود. ومن مبادئ هذه الشريعة رفع الحرج، إذ هو أساس من أسسها الثلاث التي بنيت عليه، وهو رفع الحرج وقلة التكليف والتدريج في التشريع، ولقد أوضح العلامة المقدس المبرور محمد الطاهر بن عاشور هذا المعنى في كتابه مقاصد الشريعة، بعد ما بين أن ليست الشريعة بنكاية فذكر أن مقصد الشريعة من التشريع تغيير وتقرير، فبين أن للتشريع مقامين: الأول: تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فسادها، وهذا المقام هو المشار إليه بقوله تعالى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٥٧] . وقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة المائدة: الآية ١٦] . والتغيير قد يكون إلى أشد رعيًا لصالح العباد، وقد يكون إلى تخفيف إبطالًا لغلوهم كتغيير اعتداد المرأة المتوفى عنها زوجها من تربص سنة إلى تربص أربعة أشهر وعشر وكتغيير الحداد بتهذيبه من لبس المرأة شر الثياب ومكثها في الحفس (بيت صغير) وعدم التنظيف والتطبيب مدة سنة، فأبدل ذلك بعدم لبسها للمصبوغ إلا الأسود وعدم التطيب والاكتحال مدة أربعة أشهر وعشر. أما المقام الثاني: فهو تقرير ما كانوا عليه في الجاهلية من الأحوال الصالحة التي اتبعها الناس والمعبر عنها بالمعروف، ولقد توارث الناس من القدم كثيرًا من المصالح التي كانت من نصائح الآباء والمعلمين والمربين والأنبياء والمرسلين والحكام العادلين حتى رسخت في النفوس واستحسنها العقول كإغاثة الملهوف ودفع الصائل وحراسة القبيلة والمدينة، والتجمع في الأعياد واتخاذ الزوجة وكفالة الصغار وغيرها، مما فيه صلاح البشر قديمًا وحديثًا، ثم إن التقرير لا يحتاج إلى القول إلا إذا كان عن سبب دعا إلى القول من إبطال وهم أو جواب سؤال أو تحريض على فعل وما عدا ذلك يعتبر سكوت الشارع تقريرًا لما عليه الناس ولذلك كانت الإباحة أكثر أحكام الشريعة لأن أنواع متعلقها لا تنحصر ومن رحمة الشريعة أنها أبقت للأمم معتادها وأحوالها الخاصة إذا لم يكن فيها استرسال على الفساد (٣) ، وما جاء الإسلام إلا لإصلاح ما فسد من أحوال الناس، ولم يكن غايته هدم ما اعتاده الناس من العادات الصالحة التي تعارفوها قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل باحترام الشريعة للعرف، والعادة يكون قد شرعه للناس وأصبح مصدرًا من مصادر تشريعه.

стр. 7373

موقف الصحابة من العرف: لقد أخذ به الصحابة وحكموه في كل ما لا يصادم نصًّا، ولا يتعارض مع مقصد من مقاصد الشريعة ومبادئها، ولقد أقرت الصحابة في فتوحاتهم لمصر، والشام، ورومان البربر أقروهم على عوائدهم الصالحة وألغوا ما كان فاسدًا، وقد أثبت التاريخ أن لهذه الأمم من العادات والتقاليد ما يمثل مظهرًا من مظاهر حياتهم فدخلت هذه الأعراف، والعادات والتقاليد وأصبحت من العادات الإسلامية كما أقرها رسول الله ﷺ في البلاد العربية، وأصبحت بعد ذلك من العادات الإسلامية المبنية على السنة النبوية، ولقد اهتدى الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون على عادات لم يعرفوها من قبل فنظموها على هدي الكتاب العزيز والسنة النبوية والمقاصد الإسلامية حتى دخلت في التشريع الإسلامي من إجماع المجتهدين أو من بقية الأدلة، كالاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وقد فعلوا ذلك تأسيًا برسول الله ﷺ ، وهكذا دوَّنَ عمر ﵁ الدواوين، وهي عادة فارسية ونظَّم ديوان الجيش وقرَّر الخراج والجبايات، وأبقاها على ما كانت عليه قبل الإسلام بالفارسية في العراق، وبالرومية في الشام ولم يغير من ذلك شيئًا ولم يتغير ذلك إلا بعد ما جاءت دولة الأمويين وذلك في عهد عبد الملك بن مروان، واستحالت الخلافة إلى ملك، وانتقل القوم من غضاضه البداوة إلى رونق الحضارة ومن سذاجة الأمية إلى حذق الكتابة وظهر في العرب ومواليهم مهرة في الكتاب والحسبان، فأمر عبد الملك بن سلمان بن سعد والي الأردن لعهده أنه ينقل ديوان الشام إلى العربية فأكمله لسنة من يوم ابتدائه، ووقف عليه سرحون كاتب عبد الملك فقال لكاتب الروم: اطلبوا العيش وغيره هذه الصناعة، فقد قطعها الله عليكم. أما ديوان العراق فأمر الحجاج كاتبه صالح بن عبد الرحمن، وكان يكتب بالعربية والفارسية، ولقن ذلك عن زيدان فروخ كاتب الحجاج قبله، ولما قتل زيدان في حرب عبد الرحمن بن الأشعث استخلف الحجاج صالحًا هذا مكانه، وأمره أن ينقل الديوان من الفارسية إلى العربية (١) .

стр. 7374

موقف التابعين من العرف: ولقد توسع التابعون في الأخذ بالعرف وتحكيمه وبناء الأحكام عليه حيث وجدوا لأنفسهم في الاعتماد عليه سندا من عمل الرسول ﷺ والصحابة من بعده، فلقد أدركوا في زمانهم أشياء لم تكن زمن الصحابة، واعترضتهم حوادث لم تحدث زمن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حيث كثرت الفتوحات في عهدهم وتوسعت رقعة الإسلام ودخلت أقطار كثيرة تحت رايته. ودخل في دين الله كثير من الناس من بلدان متعددة وأقطار متباعدة لكل عادتهم وتقاليدهم وأعرافهم جعل التابعين يعيرون اهتمامًا زائدًا بما تعارفه الناس في أقطارهم، وجرت عليه عاداتهم، وقد بلغت الفتوحات الإسلامية إلى أقصى البلاد شرقًا وغربًا، وبلغت السلطة الإسلامية أوجها في اتساع رقعتها التي شملت أقطارًا كثيرة وبلدانًا متقاصية اختلفت قوانينها وأخلاقها وعاداتها، ولما نزل التابعون بهذه البلدان قضاة وحكامًا ومفتين وواجهوا هذه العادات على تباينها وجهلهم بها فكان لزامًا أن يعلموا بما تقتضيه قواعد الشريعة ومقاصدها حتى لا يعطوا هذه العادات أحكامها ويثبتوا ما هو صالح منها فيبقوه ويقروه، وما كان فيه عوج فيهذبوه، وما كان فسادًا فيبطله اقتداء بسيرته ﷺ وسيرة أصحابه، لقد تأثر التابعون بالوسط الذي حلوا فيه ونظروا إلى عادات الناس التي كانت تكتفهم وتحيط بهم، وعلموا أن الأحكام التي أنزل الله إنما هي لمصالح عبادة إذ هو غني عن العالمين، وأدركوا المرونة التي في هذه الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وتفهموا مدى تأثر الأحكام المبنية على العادات المتأصلة في الناس وتأثر المبيئات بها. فلو لم تجرِ الأحكام على مقتضاها مما لا تخالف نصًّا، ولا مبدأ من مباديها، ولا مقصدا لأصاب الناس الضيق والحرج ولصارت الشريعة معاكسة للغرض الذي بنيت عليه، وقد ذكرنا فيما سبق أنها بنيت على أسس ثلاث من بينها رفع الحرج، وهو مقصد قطعي من مقاصد الشريعة يثبت قطعية، ما ورد من الآيات القرآنية في إثبات التيسير وعدم التعسير كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) . فهذا التأكيد الحاصل بقوله: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ بعد قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ، قد جعل دلالة الآية قريب من النص، ويضم إليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)

стр. 7375

وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (٢) . وقوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣) ومن السنة قوله ﷺ ((بعثت بالحنيفية السمحة)) ، وقوله: ((عليكم من الأعمال ما تطيقون)) . وفي المبسوط للسرخسي أن في النزع عن العادة الظاهرة حرجًا بينا ذكر هذا حين الكلام على أن الشرط في البيع على أوجه (٤) . وقد شاع على السنة العلماء الفقهاء أن المذهب الحنفي يعتبر من أكثر المذاهب الإسلامية اعتبارًا للعرف واعتمادا على العادات، يشهد لذلك الرسالة التي ألفها ابن عابدين نشر العرف في بيان بعض الأحكام على العرف، وذكر عدة مسائل مما تبين على العرف، مما اختلف فيه لاختلاف الأمصار ولاختلاف الأعراف في الأقطار بين الديار الشامية وغيرها، فذكر من مسائل الوقف واعتماد الخطوط والتوثيق وأحكام السياسة، وما يأخذونه من الغرامات وعشر الأراضي المستأجرة وبيع الثمار على الأشجار عند ظهور بعضها، كما ذكر مسائل في النكاح مما انبنى على العرف إلى غيرها من المسائل التي تبرز مدى اعتبار المذهب الحنفي للعرف. أما الإمام الشافعي فمن أبرز ما يظهر اعتماده على العرف ما نجده من الفرق بين أقواله القديمة وأقواله الجديدة بعدما نزل مصر، ولا شك للأعراف والعادات الأثر الفعال في هذا التجديد والتغيير، ولقد ذكر أبو علي الحسن بن محمد المردودي الشهير بقاضي حسين وهو من كبار فقهاء الشافعية أن مذهب الشافعي بني على قواعد خمس هي اليقين لا يرفع بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والأمور بمقاصدها، والعرف. وقد صرح الرافعي من كبار أئمة الشافعية أن الأصح فيما جعل من كيل ووزن مراعاة العرف كما صرح بأن العادة تؤثر في المعاملات لكثرة وقوعها ورغبة الناس فيها يروح في النفقة ولقد عقد السيوطي فصلا في كتابه الأشباه والنظائر فصل فيه القول وذكر فيه كثيرا من الفروع الفقهية التي بنيت في المذهب الشافعي على العرف والعادة، واستعرض أمثلة كثيرة أحال فيها فقهاء الشافعية على العرف كسن الحيض والبلوغ والإنزال وأقل مدة الحيض والنفاس والأفعال المنافية للصلاة التي تبطل بها والنجاسات المعفو عن قليلها والرد بالعيب وعمل الصناع واستئجار الدواب ودخول الحمام وغيرها من الأمثلة الكثيرة (٥) .

стр. 7376

وفي كتاب نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج من الفروع الفقهية في المذهب الشافعى ما يوضح كثرة الفروع الفقهية التي بنيت على العرف ومذهب الشافعية (١) . وحتى الحنابلة الذين عرف عنهم التشبث بالنصوص، فقد حكموا العرف في كثير من الفروع، وقد استدل ابن قدامه بالعرف في قضايا عديدة كتقدير النفقات الواردة في قوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ . قال ابن قدامة: وهذا قد أطعمهم من أوسط ما يطعم أهله، فوجب أن يجزئه، روى الإمام أحمد في كتاب التفسير بإسناده عن ابن عمر ليس أوسط ما تطعمون أهليكم، قال: الخبز واللبن، وفي رواية عنه الخبز والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسمن، وقال أبو رزين: من أوسط ما تطعمون خبز وزيت، وقال الأسود بن يزيد: الخبز والتمر، ثم نقل عن ابن سيرين، قال: كانوا يقولون أفضله الخبز واللحم، وأوسطه الخبز والسمن، وأخسه الخبز والتمر (٢) . وذكر ابن رجب الحنبلي في قواعده القاعدة الثانية والعشرون بعد المائة إلى أن قال: ومنها لو استأجر أجيرًا يعمل له مدة معينة حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان دون غيره بغير خلاف، ومنها لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة اختصت يمينه بما يؤكل منها عادة، وهو التمر دون ما لا يؤكل عادة كالورق والخشب (٣) . وقد بين ابن القيم الجوزية في كتابه إعلام الموقعين، أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، وأن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة والأحوال، ولقد ندد ابن القيم بإهمال قصد المتكلم ونيته وعرفه، واعتبر أن ذلك جناية على الإنسان وعلى الشريعة (٤) . ومثل هؤلاء الأئمة الإمام الأوزاعي، اعتبر العرف مرجعًا لبناء الأحكام، فمن تتبع الفروع الفقهية لمذهبه يدرك أنه كان فيما يعتمد عليه من الأدلة المختلف فيها العرف فقد اعتمد عليه في مسألة أقل الحيض حيث لم يرد دليل على تقدير أقله لا شرعًا ولا لغة (٥) ، بل حتى الشيعة حكموه في بعض القضايا، فقد نصوا على أن العرف يحتاج إليه وتقويم المسروق إن لم يكن من النقود فما رآه العرف يساوي ربع دينار، فما زاد يجب فيه القطع، وما لا فلا يكون معه القطع والمذهب الجعفري، وإن لم يعتبر العرف من الأدلة الشرعية لكنه اعتبره في تفسير الدليل اللازم حمله على المعنى العرفي وهم لم يختلفوا في الأخذ به، وإن اختلفوا في العدد الذي تحصل به العادة أهو اثنان أو ثلاثة (٦)

стр. 7377

وقوله: إن هذا الدين يسر وليس بالعسر، وقوله ﷺ لمعاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: ((يسرا ولا تعسرا)) ، وقوله ﷺ ((وإنما بعثتم مبشرين)) ، فمثل هذا الاستقراء يخول للباحث عن مقاصد الشريعة أن يقول: إن مقاصد الشريعة التيسير، لأن الأدلة المستنبطة في ذلك كلها عمومات متكررة وكلها قطعية النسبة إلى الشارع لأنها من القرآن وهو قطعي المتن ومثلها المقاصد الظنية القريبة من القطعي على ما قاله الشاطبي في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة (الدليل الظني) إما أن يرجع إلى أصل قطعي مثل قول النبي ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى فإن الضرر والضرار مثبوت منعه في الشريعة كلها في وقائع وجزئيات وقواعد كليات كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣١] . وقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٦] . وقوله ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٣] ومنها النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض وعن الغصب والظلم، وكل ما هو في المعنى إضرار وضرار، ويدخل تحته الجناية على النفس أو العقل، أو النسل، أو المال، فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك (١) . وبوجه عام، فالتابعون اتبعوا ما ترمي إليه الشريعة وتقصده من تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وجروا على ما تقتضيه الشريعة من رفع الحرج والتيسير وعدم التعسير الذي يستلزم اعتماد العادات والتقاليد التي لا تتضارب ومقاصد هذه الشريعة، وهكذا أصبح العرف في الفقه الإسلامي معتبرًا تبنى عليه الأحكام بل أصبح في نظر الفقهاء دليلًا شرعيًّا كافيا في ثبوت الأحكام الإلزامية إذا لم يكن دليل سوها. موقف أئمة المذاهب من العادة والعرف لقد تأثر أئمة المذاهب بما تأثر به من قبلهم من الصحابة والتابعين، فكان لوسطهم الذي عاشوا فيه تأثير عميق لا ستنباطهم للأحكام وارتباط واضح في تأثرهم بعادات مجتمعهم وتقاليده، وقد زاد المعنى وضوحا بالنسبة للفقهاء المقلدين، حيث كانوا أكثر تحكيمهًا للعرف والعادة ممن سبقهم لما شهدوا من الحوادث والنوازل الطارئة ما لم يشهده السابقون، فما من مذهب من المذاهب إلا وقد حكم العرف وجعله مصدرًا للتشريع، يقول القرافي: نقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار العادات والمصالح المرسلة وسد الذرائع، وليس كذلك أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك (٢) . ويؤيد كلام القرافي النظر في كتب المذاهب الفقهية، فالحنفية اعتبروا العرف وجعلوه أصلًا من الأصول يرجع إليه عند فقد غيره، قال ابن نجيم: واعلم أن العادة والعرف يرجع إليه الفقه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا، فقالوا في الأصول، في باب ما تترك به الحقيقة، تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة (٣)

стр. 7378

وفي شرح الأشباه للبيري، قال المشرع: الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي. وفي المبسوط الثابت بالعرف كالثابت بالنص ومن ابن عابدين والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار. قال ابن عابدين: لما شرحت أرجوزتي التي أسميتها عقود رسم المفتي ووصلت في شرحها إلى هذا البيت أردت إفراد الكلام على البيت برسالة مستقلة تظهر المقصود إلى العيان لأني لم أرَ من أعطى هذا المقام حقه ولا من بذلك له في البيان مستحقه. وسميت هذه الرسالة نشر العرف في بيان بعض الأحكام على العرف. ومما يوضح هذه الحقيقة فتوى محمد بن الحسن الشيباني في جواز بيع النحل ودود القز حيث وجد الناس يتعاملون بذلك بيعا وشراء، وكان يذهب إلى الصباغين يسأل عن معاملاتهم وما تعورف بينهم وما جرت عليه عاداتهم، ليلاحظ ذلك في فتاويه ومما يحدث بينهم. وقد ذهب أبو يوسف صاحب أبي حنيفة إلى أن الحكم الشرعي الذي يثبت بالنص بناء على عرف الناس يتغير بتغير العرف كوجوب المماثلة كيلًا في بيع القمح بالقمح، ولقد صحح الحنفية ما تعارف عليه الناس مما ورد النهي عنه كبيع وشرط فصححوا الشروط مبينين بأن النهي لم يكن إلا لأن الشرط في عقد البيع يفضي إلى النزاع غالبًا والعرف يقضي على هذا النزاع، ويقول شمس الأئمة السرخسي: أن الثابت بالعرف ثابت بدليل والرأي الذي يرى أن العرف يتحقق بتكرره مرتين يوافق مذهب المالكية في ثبوت العادة (١) . والرأي الثاني أي من يرى أن العادة لا تثبت إلا بتكرر الأمر ثلاثًا يوافق ما ذهب إليه بعض الشافعية، وقد حكى جلال الدين السيوطي الخلاف بين فقهاء الشافعية في أن العادة تتحقق بتكرر الفعل مرتين أو ثلاث ورجح أبو حامد الغزالي من الشافعية القول الثاني (٢) .

стр. 7379

ولقد أخرنا القول عن العرف عند المالكية لأن مالكًا ﵀ اعتبره نوعًا من المصلحة وتوسعت المالكية في الأخذ به حتى جعلوه مخصصا لنصوص وقد فاق المذهب المالكي غيره من المذاهب في الاعتماد عليه والأخذ بمقتضاه واعتبره أصلًا من أصوله الفقهية، وقد ذكر الإمام الفقيه ابن رشد، عن شيخه ابن محمد صالح أنه قال: الأدلة التي بنى عليها الإمام مالك مذهبه ستة عشر، نص الكتاب، وظاهره وهو العموم، ودليل الكتاب وهو مفهوم المخالفة، ودليل الكتاب، وهو باب أحرى، وتنبيه الكتاب، وهو التنبيه على العلة كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ ، ومن السنة أيضًا مثل ذلك فهذه عشرة، والحادي عشر: الإجماع، والثاني عشر: الاستصحاب، والثالث عشر: عمل أهل المدينة والرابع عشر: قول الصحابي، والخامس عشر: الاستحسان، والسادس عشر: الحكم بالذرائع، واختلف قوله في السابع عشر وهو مراعاة الخلاف فمرة يراعيه ومرة لا يراعيه. من شرح التسولس على التحفة (١) . ولقد اعتبرت المالكية العرف نوعًا من المصلحة وتوسعوا فيه كثيرًا حتى خصصوا به بعض النصوص، قال القرافي في تنقيحه: والعوائد عندنا مخصصة للعموم إن قارنت الخطاب أو تقدمته وكل من له عرف وعادة في لفظ إنما يحمل لفظه على عرفه فإن قارنت العوائد نصًّا شرعيًّا خصصته وإن قارنت ألفاظ الإيمان والعقود خصصتها، إلا إذا دل دليل على أن العموم جاء لشمول تلك الألفاظ بالحكم كما في قوله ﷺ كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، بعد تعودهم اشتراط الولاء لمن أعتق. ولقد فاق المذهب المالكي غيره من المذاهب في الاعتماد على العرف واعتباره أصلًا من الأصول الفقهية فيما لا يكون فيه نص قطعي واعتبروه ضربًا من ضروب المصلحة التي لا يمكن إغفالها يدل لذلك قول ابن العربي: إن العادة دليل أصلي بنى الله عليه الأحكام وربط به الحلال والحرام (٢) . وفي قواعد المقري أصل مالك اعتماد العرف الخاص والعام (٣) والعرف والعادة من الأدلة المشروعة في المذهب المالكي، قال ابن عاصم في منظومته الأصولية.

стр. 7380

والعرف ما يعرف بين الناس: ومثله العادة دون بأس ومقتضاهما معًا مشروع: في غير ما خالفه مشروع. ومما خصصوا بالعرف قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (١) فقد ذكر القرطبي في المسألة الثالثة من تفسير الآية قال: اختلف الناس في الرضاع، هل هو حق للأم أم هو حق عليها، واللفظ محتمل لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال: وعلى الوالدات رضاع أولادهن، كما قال تعالى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ ، ولكن هو عليها في حال الزوجية وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط إلا أن تكون شريفة ذات ترفه فعرفها أن لا ترضع وذلك كالشرط وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب وهو عليها إذا عدم لاختصاصها به وقد ذكر الونشريسي أن من أصول الشريعة عند مالك تنزيل العقود المطلقة على العوائد المتعارفة وهذا يتماشى مع ما كنا نقلناه عن المقري في قواعده من أن العادة عند مالك كالشرط تقيد المطلق، وتخصص العام ولقد رجحوا به الأقوال الضعيفة والشاذة، وهو عند المحققين من المالكية من أعظم المرجحات، وقد نقل الشيخ المهدي أن ابن عتاب، وابن رشد وابن سهل، وابن زرب، وابن العربي، واللخمي ونظراءهم لهم اختيارات وتصحيحات لبعض الروايات والأقوال عدلوا فيها عن المشهور وجرى فيها باختيارهم عمل الحكام تطبيقًا لقاعدة العادة محكمة ومثل ذلك الفتوى وذلك لما تقتضيه المصلحة وجرى به العرف (٢) . قال الأغلالي في منظومته: ورجحوا بالعرف وهو أقوى من سائر المرجحات (٣) والأحكام تحرر مع العرف والعادة، قاله القرافي في قواعده وابن رشيد في رحلته وغيرهما من الشيوخ حتى إنه لا يعتبر من أحكام القضاة في هذا الزمان إلا ما وافق المشهور، أو الراجح، أو ما به العمل على ما ذكره الشيخ التاودي بن سودة المزي في شرحه على تحفة ابن عاصم (٤) ، حيث يقول: وهو الحق الذي لا شك فيه، ونحوه قوله في أجوبته: وهو الحق المتعين الذي لا محيد فيه، ومثله للشيخ السنوسي، والعقباني، والبرزلي، وابن عرفة، وغيرهم نقل هذا الشيخ الرهوني في حاشيته على الزرقاني.

стр. 7381

الفرق بين القول الراجح والمشهور والشاذ: والفرق بين القول الراجح والمشهور، أن الراجح ما قوي دليله والمشهور ما كثر قائله، وإذا تعارض الراجح والمشهور قدم الراجح ومقابل المشهور هو الشاذ، وقد ذكر الشيخ عبد القادر الفاسي أن القاضي إذا حكم بالشاذ لا يلتفت لحكمه ولا يعتد به وحمل حكمه على سبيل الغلط والجهالة معللًا ذلك بأنه لا يفعل ذلك إلا من كان له غرض فاسد من اتباع الهوى والميل إلى المحكوم له إلا إذا جرى به العمل فإن ما جرى به العمل مقدم على المشهور لأن وجوب العمل بالمشهور مقيد بما لم يجر عمل بمقابله، وإلا فهو المقدم وقد نظم ذلك أبو زيد الفاسي، فقال: وما به العمل دون المشهور مقدم في الأخذ غير مهجور الفرق بين ما جرى به العمل وبين العرف: معنى قولهم به العمل أو العمل به، معناه أن القول حكمت به الأئمة واستمر حكمهم به، أما جريان العرف بالشيء فمعناه عمل العامة من غير استناد لحكم من قول أو فعل ولقد اعترض الشيخ علي الأجهوري في باب الفلس على التاتائي إذا اقتضى كلامه أن رجحان العمل بالشيء هو جريان العرف به، قال العلامة السجستاني في نوازله: بعد أن وجه العمل في مسألة ذكرها، فإذا اتضح لك توجيه ما جرى به العمل لزم إجراء الأحكام عليه لأن مخالفة ما جرى فتنة وفساد كبير حتى قال بعض العلماء: إن خروج القاضي عن عمل بلده ريبة قادحة في حكمه فيجب حينئذ أن يقتصر من العمل على ما ثبت ويسلك المشهور فيما سواه (١) . ولقد نبه الشيخ ميارة في شرحه على لامية الزقاق أنه لا بد لجريان العمل من أمور ثلاثة: أن يكون العمل صدر من العلماء المقتدي بهم، ثانيًا: أن يكون جاريًا على قوانين الشرع ولو كان شاذا. ثالثًا: أن يثبت بشهادة العدول المتثبتين. ولقد راعوا عرف المتكلم في جميع الأحوال سواء تعلق الأمر بالأفعال الشرعية من معاملات وإقرارات أو الأفعال العادية من ألفاظ وغيرها من سائر التصرفات حتى قال القرافي في تنقيحه في الكلام على تخصيص العموم بالعادة، فكل من له عرف وعادة في لفظ، إنما يحمل لفظه في عرفه. فإن قارنت العوائد نصًا شرعيًّا خصصتهما وإن قارنت ألفاظ الأيمان والعقود خصصتهما إلا إذا دجل دليل على أن العموم جاء لشمول تلك الألفاظ بالحكم كما في قوله ﷺ : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل بعد تعودهم اشتراط الولاء لمن اعتق (٢) .

стр. 7382

ويقول المقري: كل متكلم له عرف فإن لفظه يحمل على عرفه في الشرعيات والمعاملات والإقرارات وسائر التصرفات (١) .ويقول أيضا: من تقررت له عادة عمل عليها (٢) ولهذه الاعتبارات استحبوا في القاضي أن يكون بلديًا عالمًا بأعراف الناس مطلعًا على أحوال المتقاضين وعاداتهم حتى يقضي بين الناس طبقا لما جرت عليه عاداتهم وتصرفاتهم التي اعتادوها في حياتهم اليومية وفي أسواقهم ومجتمعاتهم، حتى يكون أقرب إلى الحق في أحكامه مطابقًا لمصلحتهم جاريًا على أعرافهم. نقل الونشريسي في المعيار عن ابن منظور القيسي الإشبيلي قال ينبغى عندي للمشاور (أي المستشار) في المسألة أن يحضر عند ذلك أمورًا يبني عليها فتواه ويجعلها أصلًا يرجع إليه أبدًا فيما يستحضره في ذلك منها مراعاة العوائد في أحوال الناس وأقوالهم وأزمانهم لتجري الأحكام عليها من النصوص المنقولة عن الأئمة. ولهذه المراعاة جرى على ألسنة العلماء وكثير من المواضع المنقول فيها اختلافهم أن يقولوا هذا خلاف في حال لا في مقال، وقد نقل بعض الناس الإجماع على مراعاة ذلك، وأن الفتاوي تختلف عند اختلاف العوائد ولا يجوز طرحها مع اختلافها، ومنها مراعاة قول بعض أئمة السلف لو أدركت الناس إلى الكوعين وأنا أقرؤها إلى المرفقين لتوضأت إلى الكوعين. يشير بذلك إلى الحث على الاقتداء بمن تقدم في فعله وطريقته (٣) ولقد قيل للشيخ ابن عبد السلام قاضي الجماعة بتونس إن القوم امتنعوا من توليتك القضاء لأنك شديد في الحكم قال لهم: أنا أعرف العوائد وأمشيها (٤) ولا شك أن القاضي كلما تمكن من معرفة عادة البلد الذي يحكمه كلما سهل عليه تطبيق الأحكام ويحق ما تعارفه الناس واعتادوه، لأن معرفته لعاداتهم وتقاليده يمكنه من معرفة مشاكلهم ودوافع نوازلها وهذا ما أوضحه الشاطبي في موافقاته من أن على القاضي أن يلاحظ العرف الجاري بين الناس وأن لا يجمد مع الروايات ويقطع النظر عن العادات؛ إذ أن الجمود على النصوص لا يليق بالقاضي وأن عليه أن يعتبر العوائد وإن ذلك من الضرورات (٥) ذلك أن العرف والعادة أحد الدعائم الخمسة التي بني عليها الفقه والتي هي: اليقين لا يرفع بالشك، والضرر يزال، والأمور بمقاصدها، والمشقة تجلب التيسير، والعرف فهو من الدعائم التي استندوا إليها في معرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كالصغر والكبر والكثرة والقلة في الأقوال والأفعال والصلاة، وثمن المثل في البيع والتعدي ومهر المثل والكفء في النكاح وتعيين الفروض من المؤونة والكسوة والسكن في النفقات كما استندوا إلى العرف في مقادير الحيض والطهر والصلاة والعدد وأقصى أمد الحمل في النسب واستندوا إليه في فهم الألفاظ في الأيمان والوقف والوصية والطلاق إلى غير ذلك (٦) .

стр. 7383

وبما نقلنا ندرك كيف توسع المذهب المالكي في الأخذ بالعرف واعتباره له أصلًا أصيلًا في بناء الأحكام عليه وتطبيقها على الحوادث والجزئيات كلما لم يوجد نص من الشارع، بل قد غالى بعضهم في اعتباره حتى قال: إن قطع العوائد المباحة قد يوقع في المحرمات سنن المهتدين: ص ٤٨. الأحكام تدور مع العوائد: ولقد نبه العلماء الأجلاء إلى وجوب الاعتماد على العوائد عند عدم النقل والى وجوب أن تدور الأحكام مع العوائد وليس من المعقول أن يلبس العرف لباس الديمومة أو القداسة، بل الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها حيثما دارت وتبطل معها إذا بطلت، ذلك أن الأقضية والفتاوى تتبع العوائد حسب عرف ذلك الزمان والمكان وأهله قال القرافي: إن كل ما هو في الشريعة يتبع الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة والجمود على ما كان في الكتب ضلال وإضلال (١) ، وقد نظم الإغلالى هذه القاعدة فقال: وكل ما يبنى على العرف يدور معه وجودًا وعدمًا دور البذور فما اقتضته عادة تجددت، تعين الحكم به إذا بدت، وفي لامية الزقاق: وكن ذا تأنٍّ عارفًا بعوائد وأحدث قضاء للبجود كما ترى. وفي قواعد المقري: كل حكم رتب على عادة فإنه ينتقل بانتقالها إجماعًا (٢) ، فالمذهب المالكي توسع كثيرًا في الاعتماد عليه وبناء الأحكام حسب مقتضاه، بل هو أصل يرجع إليه الفقيه والقاضي والمفتي في معرفة الأحكام الشريعة التي لا نص فيها، بل هو طريق لمعرفة المدعي من المدعى عليه، فقد ذكر الشيخ الوالد ﵀ محمد العزيز جعيط في كتابه الطريقة المرضية والإجراءات الشرعية وما جرى به العمل في الأقطار التونسية على مذهب السادة المالكية في الفصل الثالث في المدعي والمدعى عليه في التفرقة بينهما وتمييز المدعى من المدعى عليه إلى أن قال بعد كلام وأقربها أن المدعي من تجرد قوله من أصل أو عرف والمدعى عليه من أعضده، أحدهما، فإن شهد لأحدهما الأصل وللآخر العرف كان من شهد له العرف هو المدعى عليه، ثم قال ولدقة تحقيق المناطق وتطبيق القواعد جزئيتها صعب أمر القضاء وكان علم القضاء أخص من فقه القضاء، ولقد استعرض الفقهاء جملة من الأصول في بعض الأشياء واختلفت الفتاوى والأحكام لاختلاف الأعراف المبنية عليها وساق جملة مما ذكروه ومثل لها حتى تكسب الناظر بصيرة، فقال: قالوا: الأصل براءة الذمة قبل تحقق عمارتها، فإذا تحققت عمارتها فالأصل الاستصحاب، إن استصحاب تلك الحالة حتى يتحقق الرافع والأصل الصحة وزاعم المرض مدع خلاف الأصل فعلية البينة، لأنها مدعية خلاف الأصل والأصل عدم العداء، فلو ادعى على الطبيب العمد فيما زاد على المأذون فيه وادعى الطبيب الخطأ.

стр. 7384

فالقول قول الطبيب لأن الأصل الخطأ لا العمد قال خليل: والقول للسيد ونفي العمد، واضطرب قول سحنون في الزوج والسيد يفقأ عين زوجته أو عبده: فقالا فعل بنا ذلك عمدًا، وقال السيد والزوج أدبتهما فأخطأت، أنه لا شيء على السيد ولا على الزوج أدبتهما فأخطأت أنه لا شيء على السيد ولا على الزوج حتى يظهر العداء والقول قول السيد والزوج (١) ، واستظهر ابن رشد حمل أمر السيد على الخطأ إلا أن يعلم أنه قصد به التمثيل واستظهر عدم حمل الزوج على الخطأ إلا أن يعلم أنه قصد به التمثيل واستظهر عدم حمل الزوج على الخطاب مع زوجته وإنما يحمل على شبه العمد، ومعنى ذلك أن تكون الدية على الجاني ولو حمل على الخطأ لكانت على العاقلة ولو حمل على العمد لوجب القصاص – وزاد ابن رشد ولو طلبت المرأة فراقه وقالت: أخافه على نفسى طلقت عليه طلقة بائنة. اهـ -. والأصل فيمن ادعى عليه العلم بالشرع الجهل حتى يثبت العلم فإذا أقام الشريك على مشتري حصة شريكه بالشفعة بعد سنة مدعيًا عدم العلم بالبيع إلا وقت قيامه وادعى المشتري علمه بالبيع فالقول للشفيع بيمينه لأنه مدعى عليه، والأصل في الإنسان الفقر لسبقه، ولكن الناس محمولون على الملأ لغلبته وهذا من باب تعارض الأصل والغالب، ولهذا كان زاعم الإعسار وإن وافقه الأصل الذي هو الفقر مدعيًا فهو المطلوب بالبينة على الإعسار فلو ادعي على الزوجة الطالبة للنفقة أنها عالمة بعدمه توجهت عليها اليمين، والأصل في العقود الصحة فمن ادعى الفساد فهو المدعى عليه ويكون من قبيل ما تعارض فيه الأصل والغالب (٢) . ومن الفروع التي كان حكمها مبنيًّا على شهادة اعرف تمزيق رسم الدين أو قطع طرقه أو سطر بسملته فإنه يدل عادة على البراءة من الدين فلا يفيد المستظهر به شيئًا بخلاف محو ظاهر باطني به عقد ونحوه فإنه يستظهر على من قام به بيمين، بناء على عدم حصول عادة في هذه الصورة كحصولها فيما مر، وإنما ذلك ريبة وشبهة يجب رفعها باليمين كما ترفع ريبة التزوير فيمن قام بعقد ظهرت فيه تلك الريبة وشهدت بينه أن الشهادات التي فيه من وضع شهوده وشهدت أخرى أنها ليست من وضعهم وإنما هي مزورة عليهم فطلبت يمين القائم به لمكان البينة، والشهادة المثبتة هي المقدمة قاله الشيخ عظوم في الدكانة (٣) .

стр. 7385

ومن الفروع التي وقع استناد القضاء فيها للعادة ما حكم به أحمد القلشاني قاضي الجماعة بتونس في ساقية أحدثت مدار بأبي عائشة واتصلت إلى شارع باب المنارة الذي تمر فيه فضلات مراحض دوره إلى أن تصل إلى الخندق المعد لذلك، وقد امتنع من الموافقة على أحداثها من تمر عليه وترافعا في ذلك فحكم بتمكين المحدث مما أحدثه بعد أن تذاكر في النازلة مع الشيخ عظوم فاستظهر الحكم بذلك معللًا بأن وضع الشوارع بتونس قد علم حين وضعها وتخطيط دورها عدم حفر آبار لفضلات أهلها، ووضعوا السواقي في شوارعهم لذلك، واستمروا على ذلك على تعدد الأزمنة والأعصر، وأهل كل زقاق قد دخلوا على ما وجدوا عليه من تقدمهم في ذلك والحادث عهده تبع لمن سبقه إلى زمن الواضع وعلى هذا مشت أحوالهم واستمرت قصودهم وأفعالهم وإذا دخل على ذلك المتقدم وجب إلحاق حكم الطارئ به إذ لا يملك الطارئ من الشارع إلا ما يملكه من خلفه هو فيه (١) . ومن الفروع المبنية على العادة القضاء بشهادة الحيازة على الملك والحيازة لا تنقل الملك، ولكن تدل عليه وما ذكره القلشاني عن المازري من الشروط فمنشؤه تحقيق الحال التي تكون فيها الحيازة شاهدة للحاز بالملكية حيث ذكر لها شروطا سبعة هي وضع اليد على الشيء المجاز وأن ينسب إليه وأن يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه وأن تطول المدة وأن لا ينازع في تلك المدة وأن يكون المدعى للملكية على الحائز حاضرا عالمًا بالغًا رشيدا وأن لا يمنعه من القيام مانع، ولهذا لا تنفع الحيازة إلا مع ادعاء الحائز الملكية وجهل أصل مدخله أما إذا تحققنا أن مدخله كان بوجه لا يقتضي الملكية كالعارية والإسكان ونحوهما فلا تنفعه الحيازة ولو طالبت حيازته جدًا. ولتحقيق حال الشهادة عرفًا للحائز قسم فقهاء المالكية الحائز إلى أجنبي وقريب غير شديد القرابة، وقريب جدا وإصهار وجعلوا مدة الحيازة في الأجنبي عشر سنين وفصلوا بين أن يكون شريكًا فاشترطوا فيه أن يكون التصرف يشمل الهدم والبناء الكثير والغرس في الدار والأرض والاستغلال في غيرهما واكتفوا في التصرف بمثل السكنى وزرع الأرض إذا كان غير شريك، وإذا كان قريبًا غير شديد القرابة كالإخوان والأعمام والأخوال وأبنائهم وفي معناهم الأصهار والموالي، فإذا كان التصرف ضعيفًا كسكنى الدار وزراعة الأرض وعمارة الحانوت فلا تقبل دعوى الحائز للملكية لما حاز إلا مع طول المدة جدًا وهو ما زاد على أربعين سنة إن لم تكن بينهم عداوة وإلا كفى في حيازتهم عشر سنين كالأبعدين وإذا كان التصرف قويًا جدًا كالتفويت بالبيع والهبة والصدقة لم تشترط مدة، بل السكوت يوجب انقطاع الحق بانقضاء المجلس وإذا كان الحائز قريبًا جدًا كالأب مع أبنه أو العكس فلا يعتبر التصرف بمثل السكنى والازدراع ويعتبر بمثل التفويت بالبيع ونحوه واختلف هل يجوز كل منهما على صاحبه بالهدم والبنيان والغرس على قولين: قيل لا يجوز عليه بذلك إن ادعاه ملكًا لنفسه قال عليه في حياته أو بعد وفاته وهو قول مالك وقيل يجوز إن طال الأمد جدًا إلى ما تهلك فيه البينات وينقطع فيه العلم وهو قول ابن رشد والاختلاف في مقدار المدة المؤثرة ونوع التصرف المعتبر باختلاف صفة الحائز ودرجة قرابته، لأن العادة قاضية بالتسامح مع الأقارب ووصل رحمهم بمثل سكنى الدار والزرع للأرض والاعتمار للحانوت بخلاف التصرف بما هو أقوى من ذلك ولو قال القائم على الحائز ما علمت حتى الآن فقيل: لا يقبل قوله، وهو ما أفتى به ابن عرفة وأبو مهدي عيسى الغبريني وبفتواهما جرى العمل على ما حكاه الرصاع ونقله عظوم في البرنامج، وقيل يقبل قوله بيمينه وهو قول ابن سهل وغيره، وبه أفتى الرزلي فأدخل مشقة عظيمة على أهل القيروان إذ كثير من الناس يزهد في عقود أشرية البائع فيقوم على المشتري بعد طول، ويقول لا علم عندي إلا الآن وربما يضيع عقد الأصل. وفي الوثائق المجوعة لو قال: علمت بحقي ولم أجد ما أقوم به إلا الآن، قال العبريني: يقبل قوله سواء كانت البينة استرعاء أو غيره، وقال ابن ناجى: الصواب عندي أنه لا يقبل منه، لأنه كالمعترف بأن لا حق له مدعٍ رفعه، وإذا كان لا يقبل قوله في عدم علمه بحقه بأحرى أن لا يقبل مع اعترافه بعلمه وادعائه أنه لم يجد ما يقوم به.

стр. 7386

وفي مطالبة الحائز بوجه ملكه ثلاثة أقوال، الأول يطالب إذا أثبت المدعي الملكية أو أقر لها بها قال ابن فرحون في التبصرة نقلا عن ابن رشد: الذي مضى عليه العمل فيما أدركنا، وبه أفتى شيوخنا فيما علمنا أن من ادعى عقارًا بيد غيره رغم أنه صار إليه فيمن ورثه عنه أن المطلوب لا يسأل عن شيء حتى يثبت الطالب موت مورثه الذي ادعى أنه ورث ذلك العقار عنه فإذا ثبت ذلك وقف المطلوب حينئذ على الإقرار والإنكار خاصة. ولمن يسأل من أين صار إليه فإن أنكر وقال: المال مالي والملك ملكي ودعواك فيه باطلة اكتفي منه بذلك ولم يلزمه أكثر من ذلك، وكلف الطالب إثبات المالك الذي زعم أنه ورثه وإثبات موته ووراثته له، فإن أثبت ذلك على ما يجب سئل المطلوب حينئذ من أين صار إليه وكلف الجواب عن ذلك، فإن ادعى أنه صار إليه من غير مورث الطالب الذي ثبت له الملك لم يلتفت إليه ولا ينفعه إثباته أن أثبته، وإن ادعى أنه صار إليه من قبل موروث الطالب بوجه ذكره، كلف إثبات ذلك، فإن أثبته وعجز الطالب عن الدفع في ذلك بطلت دعواه، وإن عجز عن إثبات ذلك قضي عليه للطالب، هذا مذهب ابن القاسم رواه عن مالك في المدينة – القول الثاني يطالب ببيان وجه الملك – الثالث لا يكلف ببيان وجه ملكه مطلقا وهذا ما اقتصر عليه ابن سلمون وغيره وجرى به عمل فاس وهو الموافق لما يفعله القضاة عندنا بتونس إذ أن المنكر دعوى القائم إذا أجاب بملكيته للمحوز وحيازته لذلك المدة القاطعة، يكلف المجيب بإثبات الحيازة التي ادعاها لأن في إثباتها اختصارًا لمسافة الخصام، لأن الحيازة متى ثبتت عجز القائم عن الطعن فيها، يحكم باستحقاق الحائز للمدعي فيه، وبطلان دعوى القائم، ولا فائدة في تكليف القائم بإثبات بينة لا تسمح لثبوت الحيازة، أما عجز المطلوب المجيب بالإنكار عن إثبات الحيازة التي يدعيها فيعجز ويطلب القائم بالبينة المثبتة للتملك ويجري بعد ذلك ما نقل عن ابن رشد.

стр. 7387

أنواع العرف ينقسم العرف إلى صحيح وفاسد، فالفاسد لا يقول به أحد ولا يعتمد عليه، والعرف الصحيح ينقسم إلى ما يتعلق بالألفاظ أو يتعلق بالأفعال فالمتعلق بالألفاظ هو ما تعارف الناس على استعماله بحيث إذا نطق الإنسان باللفظ انصرف أولًا إلى هذه الحقيقة العرفية وابتعد عن الحقيقة اللغوية حيث صار منقولًا من المعنى الذي وضع له لغة إلى المعنى الثاني المصطلح عليه عرفًا بحيث يصبح هذا المعنى الثاني هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق والتجرد عن القرائن. ويتكون هذا العرف من اتفاق الناس على هجران المعنى الأصلي وينتقل إلى المعنى الذي ينصرف إليه اللفظ بكثرة الاستعمال الشائع بينهم من غير قرينة حتى إن هذا الاستعمال يعتبر وضعًا جديدًا، وحقيقة عرفية حيث هو مستعمل فيما وضع له في عرف التخاطب وهذا ما عناه القرافي في فروقه في الفرق الثامن والعشرين بين العرف القولي والفعلي حيث يقول: العرف القولي أن تكون عادة أهل العرف يستعملون اللفظ في معنى معين ولم يكن ذلك لغة ونحن نرى أن لفظ الدينار كان يطلق في الأصل على عملة ذهبية مسكوكة بقيمة معينة محددة ووزن معين (وهو ٣.٦٠ جرامات وقد حدده بنك فيصل الإسلامي في السودان ٦.٤٥٧ جراما وهو الوسط المعقول ولا فرق بين الدينار والمثقال لكن الحنابلة ترى أن الدينار أصغر من المثقال) لكن هذا اللفظ هو الدينار إذا أطلق اليوم فإنما ينصرف إلى العملة الرائجة في البلد مهما كان نوعها ومهما كانت قيمتها وهي اليوم أوراق نقدية بعيدة كل البعد عن حقيقة الدينار الذهبي الأصلي. وهذا معنى حقيقة عرفية أي جعله كثرة الاستعمال إذا أطلق اللفظ لا ينصرف إلا إليه، أما العرف العملي فهو الفعل الذي استمر الناس عليه بحسب الفطرة أو الاختصاص كاختصاص الرجل بالسلاح والمرأة بأدوات الزينة ونحوها، ثم كل من العرف القولي والعملي منه ما كان صحيحًا مقبولًا ومنه ما كان فاسدا مردودًا فأهل العرف إذا استعملوا قولًا في معنى من المعاني واشتهر ذلك بينهم بحيث إذا ذكر لا ينصرف إلا للمعنى المتعارف لديهم ككثير من مصطلحات أهل الصناعات – ومن العرف القولي ما هو عام كإطلاق لفظ الدينار، فإنه لا ينصرف إلا للعملة المتداولة بيننا، وهذا المعنى هو المتبادر للأذهان- أما ما كان في الأصل مما هو نقد ذهبي مسكوك موزون بوزن خاص لهذا المعنى قد تنوسي بكثرة الاستعمال في المتداول بين العموم وقد مثل له القرافي في الفرق الثامن والعشرين بالدابة التي وضعت لغة لكل ما يدب على الأرض ووقع نقلها للحمار بكثرة الاستعمال حتى صارت حقيقة عرفية عامة وبلفظ الغائط للنجو، ثم جعله قسمين ما يكون في المفردات كالدابة وما يكون في المركبات وهو أدق في الفهم وأبعد عن التفطن وضابطها أن يكون شأن الوضع العرفي تركيب لفظ مع لفظ يشتهر في العرف تركيبة مع غيره ومثل له بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ وقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ .

стр. 7388

إذ التحليل والتحريم ينصبان على الأفعال لا على الذوات كالأكل وفي الميتة والدم ولحم الخنزير والشرب للخمر والاستمتاع للأمهات والبنات. وخرج على هذا قوله ﷺ ((ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)) ، ومعلوم أن الأعراض والأموال لا تحرم وإنما يحرم ما يضاف إليها كسفك الدماء وأكل الأموال وثلب الأعراض، وخرج على هذا جميع الأحكام التي أضيفت إلى الذوات أي كانت من باب المجاز العقلي وهو إسناد الفعل إلى غير من هو له يتول، قال: إن كثرة الاستعمال صيرته موضوعًا في العرف للتعبير عن تحريم الأفعال المضافة إلى هذه الذوات، ثم عطف على هذا القسم أفعالًا هي ليست بأحكام وإنما هي أخبار قد خصصها العرف كقولهم: أكلت رأسًا فقد صار لا يطلق إلا على رأس الأغنام وهو لغة يشمل كل رأس قال: ومن هذا القبيل ما اشتهر في مصر من قولهم: قتل زيد عمرًا يريدون ضربه، وفلان يعصر خمرًا وهي لا تعصر وإنما العنب الذي يعصر، فهذا ونحوه مجاز في التركيب بالنسبة للغة وحقيقة عرفية منقولة للمعنى الخاص بالعرف والعادة ومنه أيضًا طحن الدقيق وقتل فتيلًا، لأن المقتول لا يقتل المطحون لا يطحن إذ تحصيل الحاصل من المحال ولكنه كلام صحيح في العرف والعادة إذ لا يتصور إلا لقتل الحي وطحن الحب، وهذا ما يعبر عنه بالحقائق العرفية في المفردات والمركبات وبهذا يفرق بين المجاز في المفرد والمركب بين الحقيقة العرفية فيهما، ثم بين القرافي أن النقل العرفي مقدم على الموضوع اللغوي، لأنه نساخ له والناسخ مقدم على المنسوخ وهذا ما يعنونه قولهم: الحقائق العرفية مقدمة على الحقائق اللغوية. ثم تكلم القرافي على العرف الفعلي مبينا أنه وضع اللفظ لمعنى يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك المسمى دون بقية أنواعه كلفظ الثوب صادق على ما كان من الكتان أو القطن أو الحرير أو الوبر أو الشعر لكن أهل العرف استعملوه فيما كان من الأنواع الثلاثة الأول دون الأخيرين، فهذا عرف فعلي وكذلك لفظ الخبز يصدق لغة على خبز الفول والحمص والبر والشعير وغيرهما إلا أن العرف استعمله في البر لا غير من أغذيتهم فوقوع الفعل في نوع وانصراف المعنى إليه بخصوصه هو الحقيقة العرفية ولهذا قلنا ترك مباشرة المسميات لا يخل بالوضع اللغوي وغلبه استعمال لفظ المسمى في غيره ونقله يخل، وهذا هو تحرير العرف القولي وتحرير العرف الفعلي.

стр. 7389

وأن العرف القولي يؤثر في اللفظ اللغوي تخصيصًا وتقييدًا وإبطالًا وأن العرف الفعلي لا يؤثر في اللفظ اللغوي تخصيصًا ولا تقييدًا ولا إبطالًا لعدم معارضة الفعل وعدمه للوضع اللغوي.. ومعارضة غلبة استعمال اللفظ في العرف للوضع اللغوي، وقد حكى جماعة من العلماء الإجماع في أن العرف الفعلي لا يؤثر في وضع اللفظ للجنس بخلاف العرف القولي، قال القرافي: ورأيت المازري في شرح البرهان نقل خلافًا في ذلك، قال القرافي: وفيه نظر والظاهر حصول الإجماع فيه، قال القرافي: ولم أر أحدًا جزم بحصول الخلاف فيه. وما ذكره بعضهم مما أوجب شكا وترددًا فهو على التأويل وأنه لا تناقض بين نقل الإجماع في المسألة وبين هذه المثل التي أدخلت الشك والتردد، ولقد أوضح الفرق بين العرف القولي والفعلي بأربعة مسائل؛ الأولى إذا فرضنا ملكا أعجمًا يتكلم بالعجمة وهو يعرف اللغة العربية غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه فحلف لا يلبس ثوبًا ولا يأكل خبزًا وكان حلفه بهذه الألفاظ العربية التي تجري عادته باستعمالها وعادته في غذائه لا يأكل إلا خبز الشعير ولا يلبس إلا ثياب القطن، فإنا نخنثه بأي ثوب لبسه وبأي خبز أكله، سواء كان من معتاده في فعله أم لا وهذا إذا لم تجر له عادة باستعمال اللغة العربية لأنه لو كانت له عادته استعمال اللغة العربية لكان طوال أيامه يقول أكلت خبزًا أو ائتوني بخبز وعجلوا بالخبز والخبز على المائدة قليل ونحو ذلك ولا يريد في هذا المنطق كله إلا خبز الشعير الذي جرت عادته به فيصير له في لفظ الخبز عرف قولي ناسخ اللغة فلا نحنثه بغير خبز الشعير وكذلك القول في ثوب القطن بخلاف إذا كان لا ينطق بلفظ الخبز والثوب إلا على الندرة فإنه لا يكون له في اللفظ اللغوي عرف مخصص يقدم على اللغة فيحنث بعموم المسميات اللغوية من غير تخصيص ولا تقييد. اهـ. وتعقبه ابن الشاط فوافق على تقرير القاعدة وخالفه في حكم المثال، وقال: لا تسلم تحنيثه، بل اقتصاره على أكل خبز الشعير ولبس ثياب القطن مقيد لمطلق اللفظ ويكون هذا من قبيل بساط الحال، إذ الأيمان إنما تعتبر بالنية، فإن لم تكن نية فببساط الحال، فإذا عندما حينئذ اعتبرت بالعرف، فإن لم يكن عرفًا فباللغة. المسألة الثانية التي ذكرها القرافي: إذا حلف لا يأكل رؤوسًا يحنث بجميع الرؤوس عند ابن القاسم ولايحنث إلا برؤوس الغنم عند أشهب، والقولان مبنيان على أن أهل العرف قد نقلوا هذا اللفظ المركب أكلت رؤوسا لأكل رؤوس الأنعام دون غيرها بسبب كثرة الاستعمال لهذا المركب في هذا النوع خاصة دون بقية أنواع الرؤوس، فهذا مدرك أشهب فيقدم العرفي على الوضع اللغوي وابن القاسم يسلم استعمال أهل العرف لذلك، لكن لم يصل الاستعمال عنده إلى هذه الغاية الموجبة للنقل، فإن الغلبة قد تقصر عن النقل ألا ترى أن أهل العرف يستعلمون لفظ الأسد في الرجل الشجاع استعمالًا كثيرًا، ولم يصل ذلك إلى حد النقل، فإنه لا يفهم منه الرجل الشجاع إلا بقرينة، وضابط النقل أن يصير المنقول إليه هو المتبادر الأول من غير قرينة وغيره هو المفتقر إلى القرينة، فهذا هو مدرك القولين فاتفق أشهب وابن القاسم على أن النقل العرفي مقدم على اللغة إذا وجد واختلفا في وجوده هنا فالكلام بينهما فيتحقيق المناط.

стр. 7390

المسألة الثالثة: إذا حلف بأيمان المسلمين تلزمه فحنث فمشهور فتاوى الأصحاب على أنه يلزمه كفارة يمين وعتق رقبة إن كان عنده وأن كثروا، وصوم شهرين متتابعين والمشي إلى بيت الله في حج أو عمرة وطلاق أمراه، واختلفوا هل هي واحد أو ثلاث والتصدق بثلث ماله ولم يلزموه اعتكاف عشرة أيام ولا المشي إلى مسجد الرسول ولا لبيت المقدس ولا الرباط في الثغور الإسلامية ولا تربية اليتامى ولا كسوة العرايا ولا إطعام الجياع ولا شيء من القربات غير ما تقدم ذكره، وسبب ذلك أنهم لاحظوا ما غلب الحلف به في العرف فيقدم على المسمى اللغوي ويختص حلفه بهذه المذكورات دون غيرها لأنها المشتهرة – ولفظ الحلف والأيمان إنما تستعمل فيها دون غيرها. وليس المدرك أن عادتهم يفعلون مسمياتها وإنما يصومون شهرين أو يحجون أو غير ذلك من الأفعال، بل لغلبة استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها ولأجل ذلك صرحوا بأن من جرت عادته بالحلف بصوم لزمه صوم سنة، فجعلوا المدرك الحلف اللفظى دون العرف الفعلي، فهذا هو مدرك هذه المسألة على التحرير والتحقيق. قال القرافي وبناء على هذا لو اتفق في وقت آخر اشتهار حلفهم ونذرهم للاعتكاف والرباط وإطعام الجيعان وكسوة العريان دون ما تقدم لكان اللازم لهذا الحالف إذا حنث الاعتكاف وما ذكر معه دون ما هو مذكور قبله لأن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها وجودًا وعدمًا تدور كيف دارت وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البياعات، فلو تغيرت العادة في النقد والسكة التي تحددت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عيبا في الثياب في مادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبًا موجبًا لزيادة الثمن لم ترد به، قال القرافي: وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه، نعم قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا؟ وعلى هذا القانون يجب أن تراعى الفتاوى، فمهما تجدد العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه وبين أنه لا يلزم العالم أن يجمد على المسطور في الكتب وأنه إذا جاءك ممن ليس من أهل البلد يستفتيك لا تفته على عرف بلدك، بل اسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك. والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح الذي يجب اتباعه والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، قال القرافي: وعلى هذا تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات فقد يصير ما كان صريحًا كناية وما كان كناية صريحًا مستغنيًا عن النية.
следующие страницы →