وفي مطالبة الحائز بوجه ملكه ثلاثة أقوال، الأول يطالب إذا أثبت المدعي الملكية أو أقر لها بها قال ابن فرحون في التبصرة نقلا عن ابن رشد: الذي مضى عليه العمل فيما أدركنا، وبه أفتى شيوخنا فيما علمنا أن من ادعى عقارًا بيد غيره رغم أنه صار إليه فيمن ورثه عنه أن المطلوب لا يسأل عن شيء حتى يثبت الطالب موت مورثه الذي ادعى أنه ورث ذلك العقار عنه فإذا ثبت ذلك وقف المطلوب حينئذ على الإقرار والإنكار خاصة. ولمن يسأل من أين صار إليه فإن أنكر وقال: المال مالي والملك ملكي ودعواك فيه باطلة اكتفي منه بذلك ولم يلزمه أكثر من ذلك، وكلف الطالب إثبات المالك الذي زعم أنه ورثه وإثبات موته ووراثته له، فإن أثبت ذلك على ما يجب سئل المطلوب حينئذ من أين صار إليه وكلف الجواب عن ذلك، فإن ادعى أنه صار إليه من غير مورث الطالب الذي ثبت له الملك لم يلتفت إليه ولا ينفعه إثباته أن أثبته، وإن ادعى أنه صار إليه من قبل موروث الطالب بوجه ذكره، كلف إثبات ذلك، فإن أثبته وعجز الطالب عن الدفع في ذلك بطلت دعواه، وإن عجز عن إثبات ذلك قضي عليه للطالب، هذا مذهب ابن القاسم رواه عن مالك في المدينة – القول الثاني يطالب ببيان وجه الملك – الثالث لا يكلف ببيان وجه ملكه مطلقا وهذا ما اقتصر عليه ابن سلمون وغيره وجرى به عمل فاس وهو الموافق لما يفعله القضاة عندنا بتونس إذ أن المنكر دعوى القائم إذا أجاب بملكيته للمحوز وحيازته لذلك المدة القاطعة، يكلف المجيب بإثبات الحيازة التي ادعاها لأن في إثباتها اختصارًا لمسافة الخصام، لأن الحيازة متى ثبتت عجز القائم عن الطعن فيها، يحكم باستحقاق الحائز للمدعي فيه، وبطلان دعوى القائم، ولا فائدة في تكليف القائم بإثبات بينة لا تسمح لثبوت الحيازة، أما عجز المطلوب المجيب بالإنكار عن إثبات الحيازة التي يدعيها فيعجز ويطلب القائم بالبينة المثبتة للتملك ويجري بعد ذلك ما نقل عن ابن رشد.
стр. 7387
أنواع العرف
ينقسم العرف إلى صحيح وفاسد، فالفاسد لا يقول به أحد ولا يعتمد عليه، والعرف الصحيح ينقسم إلى ما يتعلق بالألفاظ أو يتعلق بالأفعال فالمتعلق بالألفاظ هو ما تعارف الناس على استعماله بحيث إذا نطق الإنسان باللفظ انصرف أولًا إلى هذه الحقيقة العرفية وابتعد عن الحقيقة اللغوية حيث صار منقولًا من المعنى الذي وضع له لغة إلى المعنى الثاني المصطلح عليه عرفًا بحيث يصبح هذا المعنى الثاني هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق والتجرد عن القرائن.
ويتكون هذا العرف من اتفاق الناس على هجران المعنى الأصلي وينتقل إلى المعنى الذي ينصرف إليه اللفظ بكثرة الاستعمال الشائع بينهم من غير قرينة حتى إن هذا الاستعمال يعتبر وضعًا جديدًا، وحقيقة عرفية حيث هو مستعمل فيما وضع له في عرف التخاطب وهذا ما عناه القرافي في فروقه في الفرق الثامن والعشرين بين العرف القولي والفعلي حيث يقول: العرف القولي أن تكون عادة أهل العرف يستعملون اللفظ في معنى معين ولم يكن ذلك لغة ونحن نرى أن لفظ الدينار كان يطلق في الأصل على عملة ذهبية مسكوكة بقيمة معينة محددة ووزن معين (وهو ٣.٦٠ جرامات وقد حدده بنك فيصل الإسلامي في السودان ٦.٤٥٧ جراما وهو الوسط المعقول ولا فرق بين الدينار والمثقال لكن الحنابلة ترى أن الدينار أصغر من المثقال) لكن هذا اللفظ هو الدينار إذا أطلق اليوم فإنما ينصرف إلى العملة الرائجة في البلد مهما كان نوعها ومهما كانت قيمتها وهي اليوم أوراق نقدية بعيدة كل البعد عن حقيقة الدينار الذهبي الأصلي.
وهذا معنى حقيقة عرفية أي جعله كثرة الاستعمال إذا أطلق اللفظ لا ينصرف إلا إليه، أما العرف العملي فهو الفعل الذي استمر الناس عليه بحسب الفطرة أو الاختصاص كاختصاص الرجل بالسلاح والمرأة بأدوات الزينة ونحوها، ثم كل من العرف القولي والعملي منه ما كان صحيحًا مقبولًا ومنه ما كان فاسدا مردودًا فأهل العرف إذا استعملوا قولًا في معنى من المعاني واشتهر ذلك بينهم بحيث إذا ذكر لا ينصرف إلا للمعنى المتعارف لديهم ككثير من مصطلحات أهل الصناعات – ومن العرف القولي ما هو عام كإطلاق لفظ الدينار، فإنه لا ينصرف إلا للعملة المتداولة بيننا، وهذا المعنى هو المتبادر للأذهان- أما ما كان في الأصل مما هو نقد ذهبي مسكوك موزون بوزن خاص لهذا المعنى قد تنوسي بكثرة الاستعمال في المتداول بين العموم وقد مثل له القرافي في الفرق الثامن والعشرين بالدابة التي وضعت لغة لكل ما يدب على الأرض ووقع نقلها للحمار بكثرة الاستعمال حتى صارت حقيقة عرفية عامة وبلفظ الغائط للنجو، ثم جعله قسمين ما يكون في المفردات كالدابة وما يكون في المركبات وهو أدق في الفهم وأبعد عن التفطن وضابطها أن يكون شأن الوضع العرفي تركيب لفظ مع لفظ يشتهر في العرف تركيبة مع غيره ومثل له بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ وقوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ .
стр. 7388
إذ التحليل والتحريم ينصبان على الأفعال لا على الذوات كالأكل وفي الميتة والدم ولحم الخنزير والشرب للخمر والاستمتاع للأمهات والبنات.
وخرج على هذا قوله ﷺ ((ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)) ، ومعلوم أن الأعراض والأموال لا تحرم وإنما يحرم ما يضاف إليها كسفك الدماء وأكل الأموال وثلب الأعراض، وخرج على هذا جميع الأحكام التي أضيفت إلى الذوات أي كانت من باب المجاز العقلي وهو إسناد الفعل إلى غير من هو له يتول، قال: إن كثرة الاستعمال صيرته موضوعًا في العرف للتعبير عن تحريم الأفعال المضافة إلى هذه الذوات، ثم عطف على هذا القسم أفعالًا هي ليست بأحكام وإنما هي أخبار قد خصصها العرف كقولهم: أكلت رأسًا فقد صار لا يطلق إلا على رأس الأغنام وهو لغة يشمل كل رأس قال: ومن هذا القبيل ما اشتهر في مصر من قولهم: قتل زيد عمرًا يريدون ضربه، وفلان يعصر خمرًا وهي لا تعصر وإنما العنب الذي يعصر، فهذا ونحوه مجاز في التركيب بالنسبة للغة وحقيقة عرفية منقولة للمعنى الخاص بالعرف والعادة ومنه أيضًا طحن الدقيق وقتل فتيلًا، لأن المقتول لا يقتل المطحون لا يطحن إذ تحصيل الحاصل من المحال ولكنه كلام صحيح في العرف والعادة إذ لا يتصور إلا لقتل الحي وطحن الحب، وهذا ما يعبر عنه بالحقائق العرفية في المفردات والمركبات وبهذا يفرق بين المجاز في المفرد والمركب بين الحقيقة العرفية فيهما، ثم بين القرافي أن النقل العرفي مقدم على الموضوع اللغوي، لأنه نساخ له والناسخ مقدم على المنسوخ وهذا ما يعنونه قولهم: الحقائق العرفية مقدمة على الحقائق اللغوية.
ثم تكلم القرافي على العرف الفعلي مبينا أنه وضع اللفظ لمعنى يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك المسمى دون بقية أنواعه كلفظ الثوب صادق على ما كان من الكتان أو القطن أو الحرير أو الوبر أو الشعر لكن أهل العرف استعملوه فيما كان من الأنواع الثلاثة الأول دون الأخيرين، فهذا عرف فعلي وكذلك لفظ الخبز يصدق لغة على خبز الفول والحمص والبر والشعير وغيرهما إلا أن العرف استعمله في البر لا غير من أغذيتهم فوقوع الفعل في نوع وانصراف المعنى إليه بخصوصه هو الحقيقة العرفية ولهذا قلنا ترك مباشرة المسميات لا يخل بالوضع اللغوي وغلبه استعمال لفظ المسمى في غيره ونقله يخل، وهذا هو تحرير العرف القولي وتحرير العرف الفعلي.
стр. 7389
وأن العرف القولي يؤثر في اللفظ اللغوي تخصيصًا وتقييدًا وإبطالًا وأن العرف الفعلي لا يؤثر في اللفظ اللغوي تخصيصًا ولا تقييدًا ولا إبطالًا لعدم معارضة الفعل وعدمه للوضع اللغوي.. ومعارضة غلبة استعمال اللفظ في العرف للوضع اللغوي، وقد حكى جماعة من العلماء الإجماع في أن العرف الفعلي لا يؤثر في وضع اللفظ للجنس بخلاف العرف القولي، قال القرافي: ورأيت المازري في شرح البرهان نقل خلافًا في ذلك، قال القرافي: وفيه نظر والظاهر حصول الإجماع فيه، قال القرافي: ولم أر أحدًا جزم بحصول الخلاف فيه. وما ذكره بعضهم مما أوجب شكا وترددًا فهو على التأويل وأنه لا تناقض بين نقل الإجماع في المسألة وبين هذه المثل التي أدخلت الشك والتردد، ولقد أوضح الفرق بين العرف القولي والفعلي بأربعة مسائل؛ الأولى إذا فرضنا ملكا أعجمًا يتكلم بالعجمة وهو يعرف اللغة العربية غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه فحلف لا يلبس ثوبًا ولا يأكل خبزًا وكان حلفه بهذه الألفاظ العربية التي تجري عادته باستعمالها وعادته في غذائه لا يأكل إلا خبز الشعير ولا يلبس إلا ثياب القطن، فإنا نخنثه بأي ثوب لبسه وبأي خبز أكله، سواء كان من معتاده في فعله أم لا وهذا إذا لم تجر له عادة باستعمال اللغة العربية لأنه لو كانت له عادته استعمال اللغة العربية لكان طوال أيامه يقول أكلت خبزًا أو ائتوني بخبز وعجلوا بالخبز والخبز على المائدة قليل ونحو ذلك ولا يريد في هذا المنطق كله إلا خبز الشعير الذي جرت عادته به فيصير له في لفظ الخبز عرف قولي ناسخ اللغة فلا نحنثه بغير خبز الشعير وكذلك القول في ثوب القطن بخلاف إذا كان لا ينطق بلفظ الخبز والثوب إلا على الندرة فإنه لا يكون له في اللفظ اللغوي عرف مخصص يقدم على اللغة فيحنث بعموم المسميات اللغوية من غير تخصيص ولا تقييد. اهـ.
وتعقبه ابن الشاط فوافق على تقرير القاعدة وخالفه في حكم المثال، وقال: لا تسلم تحنيثه، بل اقتصاره على أكل خبز الشعير ولبس ثياب القطن مقيد لمطلق اللفظ ويكون هذا من قبيل بساط الحال، إذ الأيمان إنما تعتبر بالنية، فإن لم تكن نية فببساط الحال، فإذا عندما حينئذ اعتبرت بالعرف، فإن لم يكن عرفًا فباللغة.
المسألة الثانية التي ذكرها القرافي: إذا حلف لا يأكل رؤوسًا يحنث بجميع الرؤوس عند ابن القاسم ولايحنث إلا برؤوس الغنم عند أشهب، والقولان مبنيان على أن أهل العرف قد نقلوا هذا اللفظ المركب أكلت رؤوسا لأكل رؤوس الأنعام دون غيرها بسبب كثرة الاستعمال لهذا المركب في هذا النوع خاصة دون بقية أنواع الرؤوس، فهذا مدرك أشهب فيقدم العرفي على الوضع اللغوي وابن القاسم يسلم استعمال أهل العرف لذلك، لكن لم يصل الاستعمال عنده إلى هذه الغاية الموجبة للنقل، فإن الغلبة قد تقصر عن النقل ألا ترى أن أهل العرف يستعلمون لفظ الأسد في الرجل الشجاع استعمالًا كثيرًا، ولم يصل ذلك إلى حد النقل، فإنه لا يفهم منه الرجل الشجاع إلا بقرينة، وضابط النقل أن يصير المنقول إليه هو المتبادر الأول من غير قرينة وغيره هو المفتقر إلى القرينة، فهذا هو مدرك القولين فاتفق أشهب وابن القاسم على أن النقل العرفي مقدم على اللغة إذا وجد واختلفا في وجوده هنا فالكلام بينهما فيتحقيق المناط.
стр. 7390
المسألة الثالثة: إذا حلف بأيمان المسلمين تلزمه فحنث فمشهور فتاوى الأصحاب على أنه يلزمه كفارة يمين وعتق رقبة إن كان عنده وأن كثروا، وصوم شهرين متتابعين والمشي إلى بيت الله في حج أو عمرة وطلاق أمراه، واختلفوا هل هي واحد أو ثلاث والتصدق بثلث ماله ولم يلزموه اعتكاف عشرة أيام ولا المشي إلى مسجد الرسول ولا لبيت المقدس ولا الرباط في الثغور الإسلامية ولا تربية اليتامى ولا كسوة العرايا ولا إطعام الجياع ولا شيء من القربات غير ما تقدم ذكره، وسبب ذلك أنهم لاحظوا ما غلب الحلف به في العرف فيقدم على المسمى اللغوي ويختص حلفه بهذه المذكورات دون غيرها لأنها المشتهرة – ولفظ الحلف والأيمان إنما تستعمل فيها دون غيرها. وليس المدرك أن عادتهم يفعلون مسمياتها وإنما يصومون شهرين أو يحجون أو غير ذلك من الأفعال، بل لغلبة استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها ولأجل ذلك صرحوا بأن من جرت عادته بالحلف بصوم لزمه صوم سنة، فجعلوا المدرك الحلف اللفظى دون العرف الفعلي، فهذا هو مدرك هذه المسألة على التحرير والتحقيق. قال القرافي وبناء على هذا لو اتفق في وقت آخر اشتهار حلفهم ونذرهم للاعتكاف والرباط وإطعام الجيعان وكسوة العريان دون ما تقدم لكان اللازم لهذا الحالف إذا حنث الاعتكاف وما ذكر معه دون ما هو مذكور قبله لأن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها وجودًا وعدمًا تدور كيف دارت وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات والعيوب في الأعراض في البياعات، فلو تغيرت العادة في النقد والسكة التي تحددت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عيبا في الثياب في مادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبًا موجبًا لزيادة الثمن لم ترد به، قال القرافي: وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه، نعم قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا؟ وعلى هذا القانون يجب أن تراعى الفتاوى، فمهما تجدد العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه وبين أنه لا يلزم العالم أن يجمد على المسطور في الكتب وأنه إذا جاءك ممن ليس من أهل البلد يستفتيك لا تفته على عرف بلدك، بل اسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك. والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح الذي يجب اتباعه والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، قال القرافي: وعلى هذا تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات فقد يصير ما كان صريحًا كناية وما كان كناية صريحًا مستغنيًا عن النية.
стр. 7391
المسألة الرابعة: إذا قال أيمان البيعة تلزمني فتخرج ما يلزمه على هذه القاعدة وما جرت به العادة في الحلف عند الملوك المعاصرة إذا لم تكن له نية، فأي شي جرت به عادة ملوك الوقت في التحليف به وبيعتهم، واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عرفًا ومنقولًا متبادرًا للذهن من غير قرينة على القانون المتقدم حمل يمينه عليه، فإن لم يكن كذلك اعتبرت نيته أو بساط يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه (١) .
وتعقبه سراج الدين أبو القاسم قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط في حمل اليمين على العرف، ثم على النية، ثم على البساط، وقال فيه نظر لأنه لا يخلو أن يترتب على يمينه تلك حكم أو لا يترتب، فإن لم يترتب عليها حكم فالمعتبر النية، ثم السبب أو البساط، ثم العرف، ثم اللغة وإن ترتب عليها حكم فالمعتبر العرف، ثم اللغة لا غير، والله أعلم (٢)
قال القرافي القاعدة أن كل متكلم له عرف في لفظه فإنما يحمل لفظه على عرفه، فإذا صدر اللفظ من حالف أو واقف أو موص أو مقر، فإنما يحمل لفظه على عرفه الذي عاد فيه التكلم به فهو خاصة أو أهل بلده عامة بناء على القاعدة أن من له عرف، فإنه يتبع في حقه وكذلك إذا اختلفت العوائد الناقلة للغة حمل لفظ أهل كل عادة على عادتهم دون عادة غيرهم – ثم قال: وإنما يحمل لفظ صاحب الشرعي على العرفي دون اللغوي إذا علم مقارنته تلك العادة لزمن الخطاب، أما لو تأخرت فلا، بل تتعين اللغة، فإن الصارف عنها منتف حالة التكلم، وكذلك القول في كل متكلم يشترط في حمل لفظه على العادة مقارنة تلك العادة كتلفظه. اهـ (٣) .
ولما للعادة والعرف من أثر في الأحكام جاء في كتاب العمليات الفاسية في المقدمة من المعلوم عند الخاصة والجمهور أن أقوال المذهب منها المأخوذ به ومنها المهجور وأن جريان العمل بالقول موجب تقديمه على المشهور وجب أن يكون البحث عن القول المعمول به من أجل الأمور التي فيها مزيد الثواب وكثرة الجور وأن وجوده من أعظم الفوائد وتوقيف القضاء عليه يعدل الإتحاف بسني الفرائد وقد مكثت زمانًا أبحث عن ذلك جهدي وأستخرج من غضون الدفاتر ما قرب به عهدي كلما وجدت ذكر العمل بالقول في مسألة أصبتها قيدتها في صحف معدة لذلك وكتبتها ولم أزل على ذلك مدة مديدة حتى جمعت مسائل عديدة كانت الرغبة مني في جمعها شديدة، ثم صارت الحاجة إلى نظمها بعد الجمع أكيدة لكون النظم على صونها أعون وعلى دوائم حفظها أهون، ثم شرحها وزاد عليها قدر شطرها (٤) .
стр. 7392
بين الحقيقة العرفية والمجاز:
إن العرف القولي هو في الحقيقة من قبيل المجاز اللغوي إذا احتاج فهم المعنى المقصود إلى قرينة أو علاقة عقلية، فإذا استغنى عن هذه الملاحظة وعلى هذه العلاقة العقلية بكثرة الاستعمال حتى صار يتبادر المعنى الثاني إلى الذهن وصار المعنى اللغوي كالمهجور كان ذلك من قبيل الحقيقة العرفية وإلا فهو مجاز لغوي أن كان في المفردات أو مجاز عقلي أن كان في المركبات فمن رأيته يجري وراء غيره وبيده عصا وهو يصيح لأقتلنك فلا شك إنه يفهم من هذه القرينة الحالية أن مراده الضرب المؤلم.
ولو وقفت أمام متعاقدين وسمعت أحدهما يقول وهبتك هذا الثوب بعشرة دنانير، فلا شك أنك تفهم من ذلك البيع لا الهبة ذلك أن الهبة تكون بغير مقابل فقوله بعشرة دنانير قرينة مانعة من حمل اللفظ على حقيقته وحمله على مجازه وهو البيع، وكما لو قال الحاكم حكمت المحكمة على فلان بكذا، فإن المحكمة وهي البناية لا تحكم، وإنما الذي يحكم هو الحاكم فنسبة الحكم إليها من باب إسناد الفعل إلى غير من هوله وذلك هو المجاز العقلي، ومثله فتح الأمير البلاد وإنما الفاتح جنده، فهذه الاستعمالات كلها من قبيل المجاز إذ هي قائمة على قرائن لفظية أو حالية مانعة من حمل اللفظ على ظاهره وليست من الحقائق العرفية في شيء.
أما العرف الفعلي وهو ما يعبر عنه بالعرف المعنوي فهو ما اعتاده الناس في حياتهم وتعودت به أنفسهم وقد عرفها القرافي في تنقيحه فقال: العادة غلبة معنى من المعاني على الذهن، وقد تعم جميع الأقاليم كحاجة الناس إلى الغذاء والتنفس في الهواء، وقد تكون خاصة ببعض البلاد كالنقود والعيوب وقد تكون خاصة ببعض الفرق كالآذان للمسلمين والناقوس للنصارى فهذه العادة يقضي بها عندنا. اهـ (١)
ومن هذا الوادي اختلاف الزوجين في متاع البيت مما جرت العادة أن يملكه الزوج كالرمح والسيف قضي به له وما اختص بالزوجة كالفرش والوسائد وأدوات التجميل قضي به لها (٢) .
стр. 7393
فالعرف العملي هو اعتياد الناس أفعالًا في حياتهم وجريان معاملاتهم المدنية عليها في حياتهم اليومية وتبادلهم المصالح وتصرفاتهم في عقودهم وبيوعاتهم وأنكحتهم ويدخل في ذلك عطلهم وأعيادهم وكل ما جرى عليه عملهم على حسب جهاتهم وعاداتهم فلو اعتادت جهة من الجهات أو البائع هو الذي يوصل البضاعة إلى بيت المشتري، كان ذلك على البائع، ولو أعتادوا أن الصداق يدفع شطرة عاجلًا وشطره آجلًا أو أن أجر العمال يدفع أقساطًا على رأس كل شهر، وكانت هذه العقود مطلقة قيدها العرف لأن المعروف كالمشروط وأعراف الناس العملية كثيرة لا تحصى والعمل فيها على ما جرى به العرف والعادة (١) .
وينقسم العرف القولي والعملي إلى عام وخاص.
فالعرف العام هو الذي يكون عامًا فاشيًا في جميع البلاد الإسلامية بين غالب الناس في أي أمر من الأمور وقد عرفه ابن عابدين بقوله: هو ما تعارفه عامة أهل البلد سواء كان قديمًا أو حديثا (٢) ، وعرفه ابن فرحون بقوله غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد (٣) .
وهذا النوع من العرف ينتظم كثيرًا من الظواهر الاجتماعية المنتشرة في العالم كالاستصناع، فإن الناس محتاجون إليه في كل زمان لا يخلو يوم من التعامل به في كل مكان حتى أصبح جاريًا في كل الحاجيات كالبيع بالمعاطاة وتأجيل جانب من المهر ونكاح التعويض في بعض الجهات وتقسيم الصداق إلى معجل ومؤجل واعتبار الأدوات الضرورية للسيارات والدراجات، وكألفاظ تعارف الناس على أنها لإزالة العصمة في المنكوحات وتحديد الركاب في الطيارات واستهلاك الماء المجهول في الحمامات واعتبار وضع اليد دليلًا على الملكية في الحيازات إلى غيرها مما لا يحد ولا يحصى كثرة مما هو معلوم لدى الخاصة والعامة.
وبخلافه العرف الخاص، ببلد أو فرقة أو جماعة أو من فئة من أهل الاختصاصات، فهذا العرف متنوع متعدد لا تحصى صوره لأن مصالح الناس واحتياجاتهم وعلاقاتهم متجددة متنوعة حسب نوع الاختصاص، فللتجار أعرافهم وللمحامين أعرافهم وللأطباء أعرافهم وهكذا فيما هو عيب مما ليس بعيب عند التجار وتقدير الأجور عند المحامين والعدول وتعليقها على نجاح الأمور، ومعلوم توصيل الركاب ونقلهم من محطة إلى محطة ومن جهة إلى جهة وتعارف التقسيط في نوع من البيوع وتأجير الغرف في السناد وألفاظ الواقفين وعباراتهم والوصايا والأيمان وما إليها، كل هذا من قبيل العرف الخاص.
стр. 7394
وقد قسم محمد بن يحيى الولاتي الشنقيطي العرف إلى قسيمن الأول: عرف الشارع القولي كغلبة استعمال الصلاة في الأركان المخصوصة في العرف الشرعي، حيث نقل الشرع لفظ الصلاة من مطلق الدعاء إلى العبادة التي تفتتح بتكبيرة الإحرام وتختم بالسلام، وقد صار لفظ الصلاة إذا أطلق لا ينصرف إلا للمعنى الثاني وأصبح المعنى اللغوي مهجورًا.
القسم الثاني: عرف الشارع الفعلي كالأذان حيث صار علامة عرفية على دخول وقت الصلاة في عرف الشرع ذلك أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه، كما يقوله تقي الدين ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام شرح عمدة الحكام (١) ، ولا شك أن الشارع حينما يخاطب يتعين حمل كلامه على المعاني الشرعية إذ ذلك هو عرفه وإن كان قد مانع بعضهم في العرف الشرعي واعتبره داخلًا ضمن العرف الخاص لكن المحققين من الأصوليين أثبتوا الحقائق الشرعية، فقد نقل القرافي في تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الفصل السابع في الفرق بين الحقيقة والمجاز (٢) : أن للحقيقة الشرعية تفسيرين، الأول: أن يقال إن حملة الشرع غلب استعمالهم للفظ الصلاة في الأفعال المخصوصة حتى بقي اللفظ لا يفهم منه إلا هذه العبادة المخصوصة وهذا لا نزاع فيه، والثاني: أن يقال أن صاحب الشرع وضع هذه الألفاظ لهذه العبادات وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال: قال القاضي أبو بكر الباقلاني لم يضع صاحب الشرع شيئًا، وإنما استعمل الألفاظ في مسمياتها اللغوية ودلت الأدلة على أن تلك المسميات اللغوية لا بد معها من قيود زائدة حتى تصير شرعية، وقالت المعتزلة: بل تجددت هذه العبادات كمولود جديد يتجدد فلا بد له من لفظ يدل عليه، وقال الإمام فخر الدين وطائفة معه ما استعمل في المسمى اللغوي ولا نقل، بل استعمل اللفظ في خصوص هذه العبادات على سبيل المجاز، لأن الدعاء الذي هو أصل الصلاة لغة جزء الصلاة الشرعية، لأن فيها دعاء الفاتحة ويبعد غاية البعد أن يكون قوله ﵊: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) أن يكون مراده الدعاء من حيث هو دعاء. وزاد في نفائس الأصول في شرح المحصول يبين أن الوضع له ثلاثة معان جعل اللفظ دليلًا على المعنى كتسمية الولد زيدًا ومنه تسمية اللغات ووضعها ويقال الوضع على غلبة الاستعمال للفظ في المعنى حتى يصير أشهر من غيره، وهذا هو وضع الحقائق الثلاث الشرعية كالصلاة للفعل المخصوص والعرفية العامة كالدابة للحمار والعرفية الخاصة كالجوهر والعرض عند المتكلمين، ويقال الوضع على مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة وهو قولهم من شرط المجاز الوضع أي سمع منهم مرة واحدة التجوز لذلك النوع من المجاز ولم يسموا مطلق الاستعمال وضعًا إلا في هذا الوضع (٣) ,
стр. 7395
العرف المعتبر في اصطلاح الفقهاء:
إن العرف المعتبر في الاصطلاح هو ما استقر في النفوس من جهة العقل وتلقته الطباع السليمة بالقبول ولم يعارضه نص شرعي فخرج بقيد ما استقر في النفوس ما حصل ندرة ولم يجر في عادة الناس، فهذا لا يعد عرفًا، وبقيد من جهة العقول خرج ما استقر في النفوس من جهة الأهواء والميولات والشهوات فمن اعتاد شرب المسكرات واللعب بالأوراق وارتكاب أنواع الفجور والموبقات لا يعد ذلك من العرف في شيء، كذلك ما استقر في النفوس لسبب خاص كاللكنة الخاصة بسبب اختلاط العجم بالعرب وكتفاؤل قوم أو تطيرهم من بعض الأعمال لاقترانها مصادفة بنفع أو ضر كما تعارف ذلك عند العرب في الجاهلية فهذا لا يعد عرفًا أيضًا في الاصطلاح (١) وهذا التعريف يفارق التعريف اللغوي للعرف، لأنه في اللغة يطلق على كل ما تتابع الناس فيه بعضهم ببعض لا فرق بين أن يكون مصدره العقل أو الغريزة أو مجرد الصدفة والاتفاق. وأما القيد الأخير وهو أن لا يعارض بنص شرعي، فذلك لأن العقل يخطئ ويصيب وليس كل ما حسنه العقل هو حسن ولا كل ما قبحه العقل قبيح خلافًا للمعتزلة إذ الحسن عند أهل السنة ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، ومسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة تداخلت فيها الأنظار واختلف فيها أهل المعرفة الذين إليهم يشار ومنهم من سلك فيها مسلك الإفراط ومنهم من اتبع طريق التفريط، وقد سلك الشيخ محمد جعيط مسلكًا وسطًا بين الطريقتين في رسالة ألفها سماها زبدة التحصيل والتنقيح في مسألة التحسين والتقبيح (٢) .
ولكي يصبح للعرف قوة الالتزام والاعتبار اشترط الفقهاء شروطًا لا بد من توافرها فيه، إذ ليس كل عرف يصلح أن تبنى عليه الأحكام الشرعية كما قدمنا، وليس كل عرف لغوي دليلًا يرجع إليه الفقيه كلما أعوزه النص من الكتاب والسنة، وهذه الشروط هي أولًا الاطراد والغلبة ومعناه أن يكون العمل به جاريًا بين متعارفيه في جميع الحوادث، ولذلك قالوا: لا تعتبر العادة إلا إذا اطردت أو غلبت وانبنى على هذا الشرط أن لو باع أحد بنقود (بعشرين) ولم ينص على النقد، فإن العقد ينصرف إلى النقد المتعارف في ذلك البلد، فإذا تعدد النقد انصرف إلى الأغلب لأن الأغلب هو المتعارف فينصرف المطلق إليه ويلغي في هذه الحالة العرف المشترك ولا يعمل به ولا تبنى عليه الأحكام، جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي إنما تعتبر العادة إذا اطردت فإن اضطربت فلا، وإن تعارضت الظنون في اعتبارها فخلاف، وكذلك لو غلبت المعاملة بجنس من العروض أو نوع منه انصرف الثمن إليه عند الإطلاق في الأصح (٣) .
стр. 7396
فإذا تساوت العادات أهملت ولا يعمل بواحدة منها فلو جرى ببلد أن الأب يجهز ابنته من ماله الخاص، كما جرت العادة بأن ما يجهز ابنته به يعتبر عارية وبعد أن زفت الزوجة بهذا الجهاز إلى بيت الزوجية اختلفا فادعى الأب أنها عارية، وادعى المنازع أنه تمليك والعادة في البلد واقعة بهما، ولم تكن بينة تثبت ما ادعاه أحدهما فلا يكون هذا العرف المشترك دليلًا ولا حجة لأحد الخصمين نظرًا لتعارضهما ولو أخذ بأحد العادتين لكان ترجيحًا بلا مجرح وهو تحكم (١) ، فلذا لا يبنى الحكم على هذا العرف ويرجع إلى الأصل، والأصل يشهد للأب لأنه المعطي وهو أدرى بحقيقة ما أعطاه، وإنما يقدم العرف على الأصل إذا تعارض الأصل والعرف، أما إذا سقط العرف لمعارضته بما يماثله رجعنا إلى الأصل، فكان الأب مدعى عليه لأن من شهد له أصل أو عرف كان مدعى عليه فإن شهد لأحدهما الأصل وللآخر العرف كان من شهد له العرف هو المدعى عليه ولدقة تحقيق المناط وتطبيق القواعد على جزئياتها صعب أمر القضاء، وكان علم القضاء أخص من فقه القضاء (٢) وإنما قدم العرف على العادة لأنها قاصرة عن العرف إذ يلزم لقيامه توافر الركنين المادي والمعنوي في حين أن العادة يكفي فيها توفر الركن المادي والعادة وإن كانت معتبرة لكنها لم تصل إلى العرف الذي بلغ إلى درجة الإلزام والعادات لا تلزم الأفراد إلا إذا اتفقوا عليها وانصرفت إرادتهم إلى التقيد بها صراحة أو ضمنًا (٣) .
وندرك أنه لا يلزم من العمل بالعرف المخالف للنص ترك النص؛ فالعمل بالمتعارضين أولى من ...
واختلف في العادة هل هي كشاهدين فلا يمين معها أو كشاهد يحتاج معها إلى يمين والمشهور توجيه اليمين إن كان للمدعى فيه نزاع غير من احتج بالعادة فتجب اليمين على المحتج بها، فإن لم يكن منازع فلا يمين قاله صاحب الدكانة عظوم وانتزعه من تعليل القرطبي (٤) وابن عرفة عدم توجه اليمين على صاحب اللقطة بعدم منازع له فيها، قال الشيخ الوالد ﵀: وما ذكره عظوم غير مطرد ينتقض بمسألة ما إذا زوج ابنه البالغ وهو ساكت حتى إذا فرغ أنكر بحدثان ذلك، فإنه يستحلف أنه لم يرضَ فإن نكل لزمه النكاح وكان عليه نصف الصداق (٥)
والخلاف في لزوم النكاح للناكل مبني على الخلاف في أن العادة هل هي كالشاهد أو كالشاهدين، فإن قلنا كالشاهدين لزم النكاح بنكوله وعليه نصف الصداق، وإن قلنا كالشاهد لم يلزمه وقد بسط المسألة شراح العمليات الفاسية عند قول الناظم ومن تحمل عن ابنه النكاح (٦)
стр. 7397
ولا يلزم من اطراد العرف أو غلبته أن يكون عامًا بين جميع الناس، لأن عموم العرف غير اطراده (١) ، فقد يكون العرف منتشرًا عامًا في جميع البلاد وقد يكون خاصًا ببلد معين أو خاصًا بأهل مهنة معينة أو أهل حرفة مخصوصة دون سواها فيكون معروفًا من جميع أهل تلك الحرفة غير مقتصر على عدد منهم وهذا ما يسمى بالعرف الخاص فهو عام بين أهل تلك الصناعة معروف لدى الأغلبية الساحقة من أهل تلك الصناعة كأهل التجارة أو الزراعة وأي مهنة من المهن ويطلق عليه عرف مهني أو طائفي أو إقليمي (٢) ، والعرف أعم من أن يكون عامًا أو خاصًا فيشترط لاعتباره وتحكيمه في المعاملات المطلقة أن يكون في محيطه مطردًا أو غالبًا على أعمال أهله (٣) .
وندرك من وراء ذلك أن المراد من العموم إنما هو عمومه في المكان الذي يقع فيه أو عمومه في الأشخاص الذي صدر عنهم العمل بمقتضاه كالعرف الصناعي والعرف المهني، فإن اختل هذا الشرط سقط عن الاعتبار فلا يكون ملزمًا وينزل عن درجة العرف الملزم إلى درجة العادة التي لا تلزم إلا إذا اشترطها المتعاقدان إذ لا تصلح أن يكون مستندًا أو دليلًا للرجوع إليها في تحديد الحقوق والواجبات المطلقة، كما فصلناه سابقًا، وقد قال القرافي في الأحكام: لا يكفي في الاشتهار كون المفتي يعتقد ذلك لأن ذلك نشأ من دراسة المذهب وقراءته والمناظرة عنه، بل الاشتهار أن يكون أهل ذلك لا يفهمون عند الإطلاق إلا ذلك المعنى (٤) ولهذا اعتبرنا من شرط العادة أن تكون عرفًا الاطراد والغلبة فلا يكون عرفًا إذا كان لا يعرفه إلا الخواص من أهل المعرفة.
الشرط الثاني لاعتبار العرف دليلًا يصار إليه أن لا يكون مخالفا لنص شرعي إذ هو لا يقوى قوة النص وقد جاء في المبسوط كل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر (٥) .
قال ابن عابدين في نشر العرف: لأن العرف قد يكون عن باطل بخلاف النص، كما قال ابن الهمام، وقد قال في الأشباه: العرف غير معتبر في المنصوص عليه، قال في الظهيرة من الصلاة وكان محمد بن الفضل يقول: السرة إلى موضع نبات الشعر من العانة ليس بعورة لتعامل العمال في الإبداء عن ذلك الموضع عند الاتزار وفي النزع عن العادة الظاهرة نوع حرج وهذا ضعيف وبعيد لأن التعامل بخلاف النص لا يعتبر. انتهى بلفظه (٦) .
стр. 7398
وهذا يعني أنه إذا أثبت العرف حكمًا مخالفًا لما أثبته النص يعمل بالنص ويترك العرف المخالف ولا يعتد به، لأن النص أقوى من العرف ولا يترك الأقوى بالأضعف، فإذا كان العرف مخالفًا للنص من كل وجه حيث لو عمل به لزم منه ترك النص وعدم العمل به؛ مثل تعارف الناس كثيرًا من المحرمات شرعًا كتعاملهم بالربا واعتيادهم لعب القمار وتناول المسكرات وغير ذلك من كل المحرمات بالنص، فإن ما جرى به العرف واعتاده الناس لا ينقل الحكم الشرعي من الحرمة إلى الحلية، نعم إذا لم يكن العرف مخالفًا للنص من كل وجه ولا مبطلًا للحكم الذي أثبته النص، كما إذا كان النص الشرعي عامًا والعرف خاصًا كأن يخالفه في بعض أفراده، فإذا يعمل بهما ويكون العرف مخصصًا لذلك الحكم العام الذي ورد به النص وتخصيص العام وتقييد المطلق ليس نسخًا لحكم الأصل ومن أمثلة ذلك أن الفقهاء اشترطوا في محل العقد أن يكون المعقود عليه موجودًا وقت التعاقد، فقالوا بعدم صحة التعاقد على معدوم كبيع الزرع قبل ظهوره لاحتمال عدم نباته ولاحتمال عدم الوجود كبيع الحمل في بطن أمه وبيع اللبن في الضرع وبيع اللؤلؤ في الصدق أو العقد على مستحيل الوجود في المستقبل كالتعاقد مع طبيب على علاج مريض توفي، فهذه العقود كلها باطلة، وذلك لما ورد من نهيه ﷺ عن بيع حبل الحبلة، والمضامين في أصلاب الإبل والملاقيح، ونهي ما في بطون النوق ونهيه عن بيع ما ليس عندك لأن البيع فيها وقت التعاقد معدوم وقد استثنى الفقهاء من هذه القاعدة العامة في منع التصرف بالمعدوم عقود السلم والإجارة والمساقاة والاستصناع مع عدم وجود المحل المعقود عليه حين إنشاء العقد، وذلك استحسانًا ومراعاة لحاجة الناس وتعارفهم على ذلك وإقرار الشرع لهذه العقود، فقد ثبت في السنة تشريع المساقاة والمزارعات والإجارات وقرر الاستصناع مع أنه مستثنى من بيع المعدوم، وندرك أنه لا يلزم من العمل بالعرف المخالف للنص ترك النص؛ فالعمل بالمتعارضين أولى من إلغاء أحدهما، فيبقى النص عاملًا في عمومه ومستثني منه ما وقع استثناؤه وذلك معنى تخصيص العام، أما إذا تعارض العرف مع النص من كل الوجوه تعين ترك العرف والعمل بالنص؛ لأن العرف لا يقوى على إلغاء النص وإهداره، ولهذا لما جاء الإسلام ألغى كثيرًا مما كان متعارفًا عند العرب وجرت عليه عاداتهم في حرمان النساء من الميراث واعتبار الظهار طلاقًا ونحوها مما جرت عليه عاداتهم في الجاهلية (١) .
وقد استثنى بعضهم العرف التجاري باعتبار أن العرف التجاري هو تقنين للعادات التي اصطلح عليها التجار فيما بينهم، ورد ذلك بأنه لا يخرجه عما تعارفه الناس فيلزم أن لا يتعارض مع النصوص الشرعية.
стр. 7399
وخلاصة القول: إن الأعراف المعتبرة هي التي توافق الدلة الأصولية المعتبرة، أما ما ورد على خلافها وجاء معاكسًا لمقاصد الشريعة وغاياتها فهو مردود لا يعتد به ولا يعوَّل عليه، وقد ذكر القرافي في تنقيحه في الفصل الثالث في مخصصات العام، قال: وعندنا العوائد مخصصة للعموم، قال الإمام: إن علم وجودها في زمن الخطاب وهو متجه، قال شيخنا محمد الطاهر بن عاشور: المراد بالعوائد العامة وهي ما غلب على الناس من قول أو فعل أو ترك وهي تخصص ما قارنته، فإن قارنت نصًّا شرعيًّا خصصته وإن قارنت ألفاظ الأيمان والعقود خصصتها ومثل للعمل بالنص والعرف معًا عند المالكية بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٣] .
فخصت المالكية ذوات القدر والشرف من عموم الوالدات وكذلك من كل رجلًا على أن يشتري له ثوبًا فاشترى له ما ليس من لباس أمثاله، فإنه لا يلزمه ما اشتراه (١) .
قال ابن عابدين: اعلم أن العرف نوعان خاص وعام، وكل منهما إما أن يوافق الدليل الشرعي والمنصوص عليه في كتب ظاهر الرواية أو لا، فإن وافقهما فلا كلام، وإلا فإما أن يخالف الدليل الشرعي أو المنصوص عليه في المذهب فنذكر ذلك في بابين: الباب الأول إذا خالف العرف الدليل الشرعي، فإن خالفه من كل جهة بأن لزم منه ترك النص فلا شك في رده كتعارف الناس كثيرًا من المحرمات من الربا وشرب الخمر ولبس الحرير والذهب وغير ذلك مما ورد تحرميه نصًّا، وإن لم يخالفه من كل وجه بأن ورد الدليل عامًا والعرف خالفه في بعض أفراده أو كان الدليل قياسًا والعرف خاصًا، فإنه لا يعتبر وهو المذهب كما ذكره في الأشباه، حيث قال: فالحاصل أن المذهب عدم اعتبار العرف الخاص ولكن أفتى كثير من المشائخ باعتباره، وقال في الذخيرة البرهانية في الفصل الثامن من الإجارات فيما لو دفع إلى حائك غزلًا على أن ينسجه بالثلث، قال: ومشائخ بلخ كنصير بن يحيى ومحمد بن سلمة وغيرهما كانوا يجيزون هذه الإجارة في الثياب لتعامل أهل بلدهم والتعامل حجة يترك به القياس ويخص به الأثر، قال ابن عابدين: وتجويز هذه الإجارة في الثياب للتعامل بمعنى تخصيص النص الذي ورد في قفيز الطحان لأبي الحائك، إلا أن الحائك نظيره يكون واردًا فيه دلالة، فمتى تركنا العمل بدلالة هذا النص في قفيز الطحان كان تخصيصًا لا تركًا أصلًا وتخصيص النص بالتعامل جائز، ألا ترى أنا جوزنا الاستصناع للتعامل، والاستصناع بيع ما ليس عنده وإنه منهي عنه وتجويز الاستصناع بالتعامل تخصيص منا للنص الذي ورد في النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان لا ترك للنص أصلًا، لأن عملنا بالنص في غير الاستصناع قالوا بخلاف ما لو تعامل أهل بلدة بقفيز الطحان، فإنه لا يجوز ولا تكون معاملتهم معتبرة؛ لأنا لو اعتبرنا معاملتهم كان تركًا للنص بالتعامل ولا يجوز ترك النص أصلًا وإنما يجوز تخصيصه.
стр. 7400
قال ابن عابدين: ولكن مشائخنا لم يجيزوا هذا التخصيص، لأن ذلك تعامل أهل بلدة واحدة، وتعامل أهل بلدة واحدة لا يخص الأثر لأن تعامل أهل بلدة إن اقتضى أن يجوز التخصيص فترك التعامل من أهل بلدة أخرى يمنع التخصيص فلا يثبت التخصيص بالشك، بخلاف التعامل في الاستصناع فإنه وجد في البلد كلها. وفي الأشباه والنظائر لابن نجيم: تنبيه هل يعتبر في بناء الأحكام العرف العام أو مطلق العرف ولو كان خاصًا؟ المذهب الأول قال في البزازية معزيًا إلى الإمام البخاري الذي ختم به الفقه: الحكم العام لا يثبت بالعرف الخاص وقيل يثبت. انتهى (١)
الشرط الثالث: عدم معارضة العرف بتصريح يخالفه، فإذا اشترط أحد المتعاقدين شرطًا يخالف ما جرى به العرف ولايتناقض العقد وجب العمل بمقتضاه لأن الناس على شروطهم ولا عبرة للعرف حينئذ، وإنما يعتد بالعرف ويرجع إليه عند الإطلاق فمثلًا جرى العرف أن مصاريف كتب العقد وتسجيله يكون على المشتري فلو اشترط المشتري على البائع أن تكون هذه المصاريف على البائع ورضي البائع بذلك فلا عمل على العرف لأن الناس على شروطهم إذا كان الشرط لم يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، كما ورد ذلك في الحديث إذ العرف منزل منزلة الشرط الضمني ولا يقوى الشرط الضمني أمام الشرط الصحيح (٢) ، ولأن المقرر عند الفقهاء أن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا فقد نزل العرف منزلة الشرط المصرح به، أي عند عدم وجوده، أما مع وجوده فلا يعتد به، إذ لا يعتمد على شرط ضمني مع شرط منصوص عليه، ثم سكوت المتعاقدين عن الأمر المتعارف وعدم اشتراطهم إياه صراحة يعتبر واقعًا منهم اعتمادًا على العرف، فإثبات الحكم المتعارف في هذه الحالة إنما هو من قبيل الدلالة فإذا صرح بخلافه بطلت هذه الدلالة ولا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح (٣) .
وقد نقل في الأحكام عن العز بن عبد السلام الشافعي، قال: كل ما ثبت بالعرف إذا صرح المتعاقدان بخلافه بما يوافق مقصود العقد ويمكن الوفاء به صح، فلو شرط المستأجر على الأجير أن يستوعب النهار بالعمل من غير أكل ولا شرب ويقطع المنفعة للزمه ذلك، أما لو شرط عليه أن يعمل شهرًا في الليل والنهار، قال فالذي أراه بطلان هذه الإجارة لتعذر الوفاء بها فكان ذلك غررًا لا تمس الحاجة إليه وتنزل القرينة العرفية منزلة الشرط، فلو أن امرأة أقامت بينة عند التنازع في الجهاز على ما هو من خصائص الرجال أو أقام الرجل بينه على أن ما هو من خصائص النساء فإنه يقضي بما شهدت به البينة والشهادة إذ البينة تقدم على العرف، وهذا ما عناه العز بن عبد السلام حيث يقول: إن البينات أقوى من الظن المستفاد من هذه الجهات ومدرك هذا الشرط أن دلالة العرف أضعف من دلالة اللفظ يترجح عن المعارضة.
стр. 7401
الشرط الرابع: للاعتماد على العرف أن يكون سابقًا للنص فلا عبرة بالعرف المتأخر عن النص، فإذا تأخر عن تاريخ العقد أو تاريخ التصرف فلا يمكن الاحتكام إلى العرف المتأخر، يقول القرافي: إنما يعتبر من العادات ما كان مقارنًا لها، فكذلك النصوص الشرعية لا يؤثر فيها إلا ما قارنها من العادات، وأما العوائد الطارئة بعد النطق فلا يقضى بها على النطق، فإن النطق سالم عن معارضتها فيحمل على اللغة ونظيره إذا وقع النقد في بيع فإن الثمن يحمل على العادة الحاضرة في النقد وما يطرأ بعد ذلك من العوائد في النقود لا عبرة به في هذا البيع المتقدم وكذلك النذر والإقرار والوصية إذا تأخرت العوائد عليها لا تعتبر وإنما يعتبر من العوائد ما كان مقارنًا لها، فكذلك نصوص الشريعة لا يؤثر في تخصيصها إلا ما قارنها من العوائد (١) فلو وقع الاتفاق على ثمن المبيع بدراهم أو دنانير في بلد قد اختلفت فيها النقود ولم يقع التنصيص على نوع النقد انصرف الثمن إلى النقد المعروف بين الجميع والذي هو فاش في البلد متدوال بين الجميع، ولا ينصرف أصلًا إلى ما طرأ بعد ذلك العقد من أصناف أو تغيير ولذا يتعين حمل ألفاظ الواقفين في أوقافهم وفي النصوص والوثائق في العقود والتصرفات، وما جاء فيها من قيود وإطلاقات يتعين فيها مراعاة العرف الذي كان زمن إنشائها، فإن لم يراع في فهمها وتفسيرها ما كان قائمًا من أعراف ساعة صدور العقود وإنشاء التصرفات وقعنا في الخطأ في فهم المعنى المراد ذلك أن كل متكلم إنما يتكلم بحسب عرفه ولا يقصد من كلامه إلا ما يتعارفه ولا يمكن حمل كلامه أصلًا على ما نشأ من الأعراف والعادات الحادثة لقاعدة أن العرف يعمل فيما يوجد بعده لا فيما وجد قبله (٢) .
وهكذا النصوص التشريعية يجب أن تفهم بحسب مدلولاتها العرفية في عصر صدور النص فإن لم يكن عرف حملت على مدلولاتها اللغوية ولا يمكن حملها على ما نشأ بعد من العرف والعادة بعد صدورها ولا عبرة بتبدل مفاهيم الألفاظ في الأعراف الزمنية المتأخرة وإلا لم يستقر للنص التشريعى معنى فمثلًا أوجب الله صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية التي جاءت في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ٦٠] .
стр. 7402
فالصنف السابع وهو سبيل الله هم الغزاة المجاهدون الذين لا حق لهم في ديوان الجند لأن السبيل عند الإطلاق هو الغزو لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [سورة الصف: الآية ٤] .
وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٩٠] .
فيدفع إليهم من مال الزكاة لإنجاز مهمتهم وعودتهم، ولو كانوا عند الجمهور أغنياء لأن في الجهاد مصلحة عامة أما من له شيء مقدر من الديوان فلا يعطي لأن من له رزق راتب يكفيه فهو مستغن به وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يعطي الغازي في سبيل الله إلا إذا كان فقيرًا أو مريدًا للحج، والحج عند الحنفية وبعض الحنابلة من السبيل، فيعطى مريد الحج من الزكاة لما روى أبو داود، عن ابن عباس أن رجلًا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأة الحج، فقال لها النبي ﷺ ((اركبيها فإن الحج في سبيل الله)) ، فيأخذ مريد الحج من الزكاة إن كان فقيرًا ما يؤدي به فرض حج أو فرض عمرة لأنه يحتاج إلى إسقاط الفرض وأما التطوع فلا، والصنف الثامن ابن السبيل هو المسافر في طاعة غير معصية، وقد عجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة، وقد اتفق فقهاء المذاهب على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله في الآية كبناء المساجد والجسور والقناطير والساقيات وإصلاح الطرق وتكفين الموتى وقضاء الدين والتوسعة على الأضياف ونحوها من القرابات لكن فسر الكاساني في البدائع سبيل الله بجميع القرب، فيدخل عندئذ كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجًا لأن في سبيل الله عام في الملك فيشمل حينئذٍ عمارة المساجد ونحوها مما ذكر.
وفسر بعض الحنفية سبيل الله بطلب العلم ولو كان الطالب غنيًا قال أنس والحسن: ما أعطيت في الجسور والطرق فهي صدقة ماضية لكن قال مالك ﵀: سبيل الله كثيرة ولكني لا أعلم خلافًا في أن المراد بسبيل الله ههنا الغزو، فهو حينئذٍ حقيقة شرعية في الجهاد وإذا كان ذلك فلا يصح حمله على كل ما كان من قبيل القرب فحمله على كل قربة يخالف ما جرى عليه العرف عند نزول الآية فلذا لا يشمل كل القرب، وهو ما مال إليه بعض العلماء لأن النص يجب أن يحمل على معناه العرفي الأول الذي قال فيه مالك: لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله غير الغزو، وقد قال القرافي: دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة لأن العرف ناسخ للغة والناسخ مقدم على المنسوخ، فكما أن العقد يحمل الثمن فيه على النقود المعتادة ولا عبرة لما حدث بعد ذلك من العادات في التغيير في النقود، فكذلك نصوص الشريعة لا يؤثر فيها إلا ما قارنها من العادات (١) .
стр. 7403
وما ذكرناه هو في العرف القولي أما العرف العملي فيعتبر في كل تصرف العرف الذي كان موجودًا عند التصرف دون الحادث بعده، فلو تغير عرف الناس فيما يعد عيبًا في المبيعات، أو فيما يدخل في البيع تبعًا للمبيع، أو في تقسيط أجرة العقارات المؤجرة أو في كون الخلاص بالشهر الشمسي لا القمري أو في أن المهر في النكاح معجلًا كله أو مؤجلًا بعضه، أو لا يحل باقية إلا بموت أحد الزوجين أو الفراق مثلًا فإن العرف الحادث بعد وقوع هذه العقود لا يسري على التصرفات السابقة ولا يغير شيئًا من أحكامها ولا من التزاماتها، وإنما تخضع تلك التصرفات والعقود جميعها إلى ما قارنها من العادات والتقاليد لا إلى ما حدث بعدها، أما التصرفات الجديدة الواقعة في ظل هذه العادات الجديدة فنها تكون خاضعة لها، حيث كانت مقارنة لها، أو العادات سابقة لها (١) .
هذه هي الشروط المعتبرة في العرف وتحكيمه في كل التصرفات والالتزامات بحيث يسقط عن الاعتبار إذا افتقد شرط من هذه الشروط وتنعدم صلوحيته في بناء الأحكام عليه عند علماء الشريعة.
أما أهل القانون من المعاصرين فزيادة على الشروط المتقدمة الذكر اشترطوا أن يكون العرف مطابقًا للنظام العام والآداب في المجتمعات، فإذا جرت عادة الناس على ما ينافي الأخلاق والنظام العام فإنه لا يعتد به، مثلًا مسألة الأخذ بالثأر في بعض الأقاليم فإن هذا وإن تتطبع به بعض الجهات فإنه لا ينشأ عنه عرف ملزم قانونًا؛ لأنه يتعارض مع قاعدة أساسية من القواعد التي تقوم عليه المجتمعات من أن الدولة هي التي تتولى القصاص من الأفراد وتقيم الحدود على المعتدين، ولا يجوز بحال لأحد أن يثأر لنفسه ويأخذ حقه بيده؛ لأن الدولة هي التي تقوم على حراسة الناس ومصالحهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وهي التي تنشر الأمن والأمان بين المواطنين، وإن مخالفة ذلك يستوجب العقاب ويعد الآخذ بثأر نفسه من المعتدين ويترتب على ذلك وجوب احترام القانون وأن كل من خالفه عرض نفسه للجزاء لأنه بعدم احترامه للقانون وبمخالفته لما يوجبه اعتبر من المعتدين. وقد جرى العرف بوجوب احترام القانون واستقر ذلك في نفوس الناس وأن القانون فوق الجميع حتى أصبح قاعدة مسلمًا بها مجمعًا عليها. ومن القديم عند شدة القوة الرومانية وعند تفرق الممالك بالاستقلالية، وقد أخذت كل دولة مأخذها بعد جميع شملها واختارت من الأحكام ما وافق عوائدها وأحوالها وجعلتها أساسًا لما وضعته، وهكذا صارت الأحكام الرومانية اصلًا أصيلًا لجميع القوانين الدولية في معظم الممالك الأوروبية ومدار جميعها على العدالة في الحكم والتحلي بالإنصاف ونشر الخصال الشريفة ودفع الأمة عن الرذائل.
* * *
стр. 7404
سلطان العرف
إن للعرف في نظر الشريعة الإسلامية قيمة كبرى في التشريع حيث يعد مستندًا لكثير من الأحكام العملية بين الناس في مجالات كثيرة في الحياة، كما أن للعرف سلطانًا واسعًا في استنباط الأحكام وتجددها أو تعديلها وتحديها وتقيدها وإطلاقها. ولقد كان للعرف اعتبار قبل الإسلام وكان أساسًا لكل مظهر من مظاهر الحياة وهذه فرنسا مثلًا أحكامها جارية حسب العوائد بحيث كل جهة من جهاتنا تجرى أحكامها على عوائدها، وتلك العوائد في الأصل ليست مكتتبة، ثم وقع كتاب كثيرًا منها وممن كتب بعض تلك العوائد الملك فيليب الرابع المتولي ملك فرنسا سنة ١٢٨٥ ميلادية، ثم لما كانت الجهة الجنوبية من فرنسا قريبة من إيطاليا تداخلت فيهم الأحكام الرومانية حتى كانت أحكام فرنسا عند نهاية القرن الثامن عشر على قسمين: فالقسم الشمالي أحكامهم منوطة بالعوائد، والقسم الجنوبي أحكامهم مشتركة بين العوائد والأحكام الرومانية، لكن رئيس الطبقة الرابعة من ملوك فرنسا نابليون بونابرت كانت له عناية بضبط الأحكام قبل ولاية الإمبراطورية واختار لذلك خاصة رجال مملكته وترأس عليهم بنفسه في مجلس كتب الأحكام الذي تألف من أربعين شخصًا فضبطوا جميع ما وصلهم علمه من العوائد الجارية بالقسمين مما هو مكتتب أو غير مكتتب، وأخذوا من أحكام الرومان ما ناسب الحال عندهم وما جرى به العمل في جهاتهم وجمعوا من ذلك كله (كودنابليون) ، فأعلنه بفرنسا في مارس سنة ١٨٠٤م أربعة وثمانمائة وألف عندما كان نابليون هو القنصل الأكبر النافذ الكلمة، وعلى إثر ذلك ولي الإمبراطورية في باريس في ١٦ مايو ووقعت في قانونه الزيادة مع التعديل سنة عشر ثم تعدل أيضا سنة ١٨١٢، ولم يزل العمل به جاريًا في المملكة الفرنسية وكان أمره منوطًا بمجلس الشورى الذي له النظر في معنى فصوله ولمجلس النواب والسناة حق تغيير الأحكام ووضع القوانين على حسب ما يقتضيه الحال وكلما اقتضى الحال تغيير شيء من فصوله غيروه على ترتيبهم ويعرف الآن باسم (كودسفيل) وهو القانون الجاري به العمل وينعتونه بالقانون المدني الفرنسي ومحتواه ألفان ومائتان وإحدى وثمانون مادة ترجع إلى ثلاثة أصول ذكرت في ثلاث مقالات.
المقالة الأولى في الكلام على الأشخاص – المقالة الثانية في الأملاك وما يعتريها من أحكام، والمقالة الثالثة في أنواع الطرق التي تفيد الملكية وقد ترجمه إلى العربية رفاعه بك ناظر قلم التحرير وعبد الله بك رئيس القلم وأحمد حلمي وعبد السلام أفندي وطبع في مطبعة بولاق سنة ١٩٨٢ (١) .
стр. 7405
وكذلك كان العرف أساسًا لكل مظهر من مظاهر العرب في حياتهم من أمانة وأخلاق وتجارة ومعاملات، وقد دخلت بعض هذه العادات في التشريع الإسلامي من أبواب مختلفة كبناء بعض الأحاديث عليها أو سكوت الرسول ﷺ عن بعضها كما دخلت كذلك في باب إجماع المجتهدين وفي باب الأدلة الشريعة كالاستحسان والمصالح المرسلة ونحوها، ذلك أن التقاليد التي تعتادها كل أمة وتتخذها منهجا تسير عليه ومسلكًا متبعًا تصبح من ضروريات الحياة التي لا يمكن أن تستغنى عنها وتصبح بمرور الزمن بمثابة الدين حرمة وتقديسًا؛ لأن العمل بكثرة تكراره يصير جزءًا من كيان الإنسان لا يمكن أن ينفصل عنه ويتخلص منه وكما قيل: الإنسان ابن ما تعود ولا شك أن في نزع الناس عن عاداتهم حرجًا عظيما.
ولقد راعت الشريعة الإسلامية عوائد الأمم المختلفة وإن كان خلاف الأصل في التشريع الإلزامي والذي يسع ذلك إنما هو الإباحة حتى يتمتع كل فريق من الناس ببقاء عوائدهم، لكن الإباحة لما كان أصلها الدلالة على أن المباح ليس فيه مصلحة لازمة ولا مفسدة معتبرة لزم أن يراعى ذلك في العوائد فمتى اشتملت على مصلحة ضرورية أو حاجية للأمة كلها أو ظهرت فيها مفسدة معتبرة لأهلها لزم أن يصار بتلك العوائد إلى الانزواء تحت قواعد الشريعة العامة من وجوب أو تحريم، ولذا نرى التشريع لم يتعرض لتعيين الأزياء والمساكن والمراكب فلم يندب الناس إلى ركوب الإبل في الأسفار ولم يمنع أهل مصر والعراق من ركوب الحمير ولا أهل الهند والترك من حمل على البقر لذلك لم يحتج المسلمون إلى تطلب دليل على إباحة استعمال الجمل والدراجات والعربات والأرتال والطيارات والبواخر.
وكذلك لم يحتاجوا إلى تطلب الدليل على إباحة أصناف الطعام. التي لا تشتمل على أي شيء محرم الأكل بحيث لا يسأل عن ذلك إلا جاهل بالتركيب أو جاهل بكيفية التشريع. إنا نوقن أن عادات قوم ليس يحق لها بما هي عادات أن يحمل عليها قوم آخرون في التشريع ولا أن يحمل عليها أصحابها كذلك، نعم يراعي التشريع حمل أصحابها عليها ما داموا لم يغيروها لأن التزامهم إياها واطرادها فيهم يجعلها منزلة منزلة الشروط بينهم يحملون عليها في معاملاتهم إذا سكتوا عما يضادها وهذا ما تقتضيه الشريعة باعتبار عمومها وشمولها لكل البشر في كل العصور.
стр. 7406
فمعنى صلاحيتها لكل زمان ومكان أنها قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر، وأما بمعنى أن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلًا للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر، كما أن مكن تغيير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصين والترك من غير أن يجدوا إحراجًا ولا عسرا في الإقلاع عما نزعوه من قديم عاداتهم الباطلة ومن دون أن يلجأوا إلى الانسلاخ عما اعتادوه وتعارفوه من العوائد المقبولة، وهذا هو معنى صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، أي باعتبار أن أحكامها كليات مشتملة على حكم ومصالح صالحة؛ لأن تتفرع عنها أحكام مختلفة الصور متحدة المقاصد. وهذا معنى سماحة الشريعة ونفي الحرج عنها وكونها ليست نكاية للأمة وإنها شريعة عملية تسعى إلى تحصيل مقاصدها في عموم الأمة وفي خويصة الأفراد ولا يتم ذلك إلا بطريق التيسير وعدم التعسير (١) وفي نزع الناس عن عاداتهم حرج وأي حرج، وذلك لما للعادات من التغلغل في النفوس.
وقد روى البخاري عن عائشة ﵂ إذ جاءها عراقي، فقال: أي الكفن خير قالت: ويحك وما يضرك، قال: يا أم المؤمنين أرني مصحفك، قالت: لم قال لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: ما يضرك أيه قرأت قبل. إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا ولو نزل ولا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده قال فأخرجت له المصحف فأمليت عليه آي السورة (٢) .
يحتمل أن يكون سؤال الرجل من الكفن خبر عن الكم أو الكيف أو النوع وكلمة ويحك للترحم وقولها: وما يضرك أي: أي شيء يضرك بعد موتك وسقوط التكليف عنك في أي كفن كفنت، وقوله: لعلي أؤلف القرآن عليه أي على القراءة التي بعث بها عثمان بعد للعواصم إذ كان القرآن على قراءة ابن مسعود في العراق، وكان تأليف مصحف العراقي مغايرًا لتأليف مصحف عثمان فلذلك جاء لعائشة وسأل الإملاء من مصحفها وقولها: أيه قرأت أي القرآن قرأت قبل قراءة السورة الأخرى من القرآن وقولها: إما نزل أول ما نزل منه من المفصل سمي مفصلًا لكثرة ما يقع فيها من فصول التسمية بين السور، وقد اختلف في أول المفصل: فقيل سورة ق، وقيل سورة محمد، وأول ما نزل إما (المدثر) وإما (اقرأ) ففي كل منهما ذكر الجنة والنار، ففي المدثر قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [سورة المدثر: الآية ٢٦] .
стр. 7407
وقوله: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ، وأما اقرأ فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ، و ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ ، وقولها: حتى إذا ثاب، أي رجع نزل الحلال والحرام أشارت به إلى الحكمة الإلهية في ترتيب التنزيل وأنه أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد والتبشير للمطيعين والإنذار للجاحدين الكافرين فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء ولا تشربوا الخمر إلى آخره وذلك لانطباع النفوس بالنفرة عن ترك المألوف وتعلقها بما تعودت به وتشبثها بما استأنست به (١) .
وتبدو هذه الظاهرة جلية واضحة لدى المسنين، فهم أكثر الناس تشبثًا بالقديم وتمسكًا بالعوائد والتقليد رافضين لكل جديد ولو بدا القديم غير صالح أو باطلًا.
ولا شك أن العرف تولده الحاجات التي تنقلب إلى عادات تكرر وتتجدد حتى تصبح نظامًا معتبرًا تنبني عليه الأحكام وتجري الفتوى على ما تقتضيه مما يعرض للناس في معاشهم ويكشف عن مقصودهم ونياتهم وعما اصطلحوا عليه في كلامهم.
ولهذا كان اعتبار العرف والاعتداد به مما يسهل مهمة القاضي في القيام بواجبه وتنكبه الحق والصواب في إصدار أحكامه، وأول ذلك أنه به يفرق بين المدعي والمدعى عليه، كما تقدم بيانه وإذا عرف المدعي من المدعى عليه لا يخطئ في من يطالب بالبينة ومن يطالب باليمين عند عجز المدعى عن إقامة البينة ولذا نجد الفقهاء، وأهل القانون متفقون على أن النصوص وحدها لا تغني عن العرف ذلك أن النصوص لا تستوعب جميع الجزئيات والتفاصيل لذا لم يكتف أهل الأصول بالنصوص بل اعتبروا أدلة أخرى كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعادات وغيرها من القواعد والأدلة التي اعتمدها الفقهاء، ثم أن المصالح تختلف باختلاف الزمان والمكان والعوائد قد تتغير من بلد إلى بلد حتى استحسن بعضهم تعيين القضاة من أصل البلد لأنهم أعرف بعوائدها وتقاليدها وبذلك يبتعدون عن الوقوع في الخطأ في أحكامهم وقضائهم، وقلما خلا باب من أبواب الفقه من الاعتماد على العرف والعادات حتى في الجرائم والعقوبات جاء في التشريع الجنائي أن التعدي على الإنسان بالشتم والإهانة يعتبر من الكلام ما كان العرف يقضي بأنه شتم وتعد على كرامة الإنسان وتعتبر أن الإنسان مسؤول عن الترك والامتناع فيما يوجب العرف فيه العمل ويعتبر بهذا الترك جانبًا، كذلك تعتبر العادة في التعازير وهي تختلف باختلاف البلدان والعادات فما قد يباح في بلد ما قد يمنع في بلد آخر وما قد يعاقب عليه في جهة لسبب ما قد يعاقب عليه في آخر لوجه آخر، وقد يكون العرف حجة في جريمة من الجرائم، أو عقوبة من العقوبات (٢) .
стр. 7408
ولو نظرنا إلى العقوبة التعزيرية نرى أن الشرع لم يحدد مقدارها ولا نوعها وإنما فوض الأمر فيها للحكام حسب ما تقتضيه المصلحة في كل زمان وحسب ما يحقق الزجر بالنسبة للجناة وهي تقدر شرعًا بحسب العرف الذي يقتضي الكف عن المخالفة وسد الأقدام عليها في نظر العقلاء وعرفهم بحسب درجات الجرم حتى لا يكون أكثر مما يستدعيه الجرم المرتكب فيكون ظلمًا ولا أقل فيكون تهاونا بالحقوق، والقاعدة أن كل ما رتب عليه الشرع حكمًا ولم يحد فيه حدًا يرجع فيه العرف والتعزير لا يتقدر بقدر ويخير في العقوبات على قدر الجريمة وصاحبها، وهذا موكول لاجتهاد الإمام (١)
ولقد نص ابن فرحون في التبصرة نقلًا عن القرافي أن التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار فرب تعزير في بلد آخر يكون إكرامًا في بلد كقطع الطيلسان (من لباس العجم) ، ليس تعزيرًا في بلاد الشام بل هو إكرام وككشف الرأس فليس هوانا عند الأندلسيين وهو هوان بمصر والعراق (٢) .
ولا شك أن المجتهدين تأثروا ببيئاتهم وعاداتهم وتقاليدها وهناك من كان متأثرًا بالحضارة الفارسية وبعضهم الحاضرة الرومانية أو بالحضارة الفرعونية أو البربرية والتي كانت عليها عاداتهم وقوانينهم، وقد كان هذا من أعظم أسباب الاختلاف بين الفقهاء في استنباطهم للأحكام وليس معنى هذا أن العرف والظروف تتحكمان في النصوص الصريحة فيحمل المجتهد على القول بحكم غير الذي تعطيه النصوص وإنما معناه أن النصوص منها ما كان قواعده عامة يمكن تطبيقها حسب الظروف والأحوال ومنها ما هو معلل بمصالح خاصة تدور الأحكام وتتغير حسب هذه المصالح، وهكذا يظهر واضحا اختلاف المذاهب في الأحكام المستنبطة كالخلاف في كثير من الفروع بين المذهب الحنفي الذي نشأ بالعراق وبين المذهب المالكي الذي نشأ بالحجاز وأجلى من ذلك ما كان من الإمام الشافعي الذي أخذ فقهه عن الإمام مالك ثم انتقل إلى العراق وتأثر بالطريقتين، ثم لما قدم مصر واطلع على العادات المخالفة لما عرفه بالحجاز وبالعراق، وكان قد كتب مذهبًا بالعراق فلما قدم مصر واطلع على عاداتهم وتقاليدهم ورأى أحوالا غير أحوالهم دعاه ذلك إلى أن يعدل في كثير من اجتهاداته واستنباطه فكان في كثير من الفروع نرى له قولين قوله القديم وقوله الجديد بعد هجرته إلى مصر.
وقد ذكرنا فيما تقدم أن قوة العرف تظهر في تخصيص العام وتقييد المطلق فيحمل العام على ما يقتضيه العرف وبينا أن مالكا ﵀ خصص قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [الآية ٢٣٣ من سورة البقرة] فاستثنى الشريفة التي جرى العرف بأن أمثالها لا يرضعن وإن اختلفت المذاهب في تخصيص العام به، فبعضهم يعتبر ذلك في عرف القولي دون الفعلي وبعضهم لا يعتبر في تخصيص العام إلا العرف الفعلي وبعضهم لا يعتبر العرف من المخصصات أصلًا قولًا أو فعلًا كالمذهب الجعفري، وإنما يعتمدون على العرف في تقسيم الدليل الشرعي اللازم حمله على المعنى العرفي.
стр. 7409
وكان المجتهدون تعرض لهم العادات المختلفات باختلاف الجهات فيطبقون عليها القواعد العامة ومنها (العادة محكمة) كاستئجار الكاتب في كون الحبر والأقلام عليه واستئجار الخياط في كون الخيط والإبرة عليه أو على المستأجر فالحكم تابع لعرف ذلك البلد وعلف الحيوان المستأجر، هل على ربه أو على المستأجر، وكاستئجار الظئر بطعامها وكسوتها، فإنه جائز للعرف وإن كان مجهولًا. فكان لزامًا على المجتهدين أن يراعوا عادات الناس وما جرى عليه عرفهم في مختلف الأقطار وأن يطبقوا القواعد العامة في ذلك وأن يقروا الأحكام على حسب العادات الصالحة ويبطلوا منها ما كان مناقضًا لأسس الشريعة ومقاصدها، فقد أخذ عمر ﵁ بتدوين الدواوين وهي عادة فارسية.
وكم من فرع وارد في باب البيوعات والإجارات أخذوا به واعتمدوه في أحكامهم لما فيه من مصلحة واضحة، وحتى ما كان فيه نوع من العوج هذبوه وأقروه كوضع الخراج على الأرض، فإن ذلك كان معروفًا عند الفرس وقد قبله عمر ﵁ ومعه الصحابة بعد أن عدل نظامه. وقد علق المهدي الوزاني بعد أن نقل قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابًا مطويًّا، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيه، أو كتب الحاكم كتابًا إلى حاكم وختمه وأشهد الشهود به ولم يقرأه عليهم، فقال: الشهادة جائزة نقله عن الباجي، ثم نقل كلام الرهوني على قول المختصر، وأفاد أن أشهدهما أن ما فيه حكمه أو خطه كالإقرار، قال الرهوني: وكذلك شهادتهما به، وإن لم يشهدهما عند ابن القاسم وابن الماجشون، قال الشيخ المهدي: فإن هذا أمر قد تمالأت عليه العدول والقضاة وجرت به عادتهم في أزمان طويلة ودهور متوالية، وقد نص الأئمة على أن العادة تقوم مقام الإفصاح باللسان وتغني عما أغفل رسمه بالبنان كما في المعيار عن المعقاني، بل قدم ابن رشد ما شهدت به العادة بشرطيه على شهادة الشهود بكتبه على الطوع في كثير من الأحكام (١) .
وقد نبهنا إلى أنه إذا تعارض الأصل والعرف قدم العرف على الأصل لأنه أقوى بحيث لو شهد لأحد المتخاصمين الأصل وشهد للآخر العرف كان المدعى عليه من شهد له العرف، لأن العرف أقوى من الأصل، وقد نقلنا عن الشيخ الوالد ﵀ أنه لدقة تحقيق المناط وتطبيق القواعد على جزئياتها صعب أمر القضاء، وكان علم القضاء أخص من فقه القضاء (٢) .
стр. 7410
ولقد استند القضاء في كثير من الأحكام والفتيا وفي كثير من المسائل طبقا لما يقتضيه العرف كالتقادير في الصغر والكبر والكثرة والقلة في الأقوال والأفعال في الصلاة وفي ثمن المثل في البيع ومهر المثل والكفء في النكاح، كما أسند على العرف في تعيين العروض في المؤونة والكسوة والمسكن في النفقات، واستند إليه في مقادير الحيض والطهر في الصلاة والعدد وأقصى أمد الحمل في النسبة واستند إليه في فهم الألفاظ في الأيمان وفي الوقف وفي الوصية وفي الطلاق (١) ، والرهن والإجارة والقراض والمساقاة وغيرها (٢) .
وقد أورد ابن فرحون أمثلة عديدة روعي فيها العرف والعادة (٣) من ذلك اختلاف الزوجين في متاع البيت، وهما في العصمة أو بعد طلاق أو وفاة وكان التداعي بين الورثة أو مات أحدهما وكان التداعي بينه وبين ورثة الآخر، وأن الحكم في ذلك يقضي للمرأة بما يعرف للنساء، وللرجال بما يعرف للرجال طبقًا للعرف المتبع، وكذلك إذا اختلف المتبايعان في قبض السلعة أو الثمن، فالأصل بقاء الثمن بيد المبتاع وبقاء المبيع بيد البائع ولا ينتقل ذلك إلا ببينة أو عرف كالسلع التي جرت العادة أن المشتري يدفع ثمنها قبل أن يبين بها كاللحم والخضر والغلال ونحوها فيحكم ذلك بالعرف والعادة.
ومن ذلك الحكم بمقتضيات الألفاظ، يقول البائع: بعتك هذه الأرض بكذا ولم يزد على هذا، فإن هذا اللفظ يتناول ما هو متصل بالأرض كالبناء والشجر، وهذا بحكم العرف ولفظ الشجر والدار يشمل الثوابت والرفوف والسلم المستمر والأشجار التي في الدار لأن العرف قاضي بهذا (٤)
ومن الفروع التي كان حكمها مبنيًّا على شهادة العرف تمزيق رسم الدين أو قطع طرفه أو سطر بسملته، فإنه يدل عادة على براءة من الدين فلا يقيد المستظهر به شيئًا، ومن الفروع التي استند القضاء فيها للعادة أحداث الساقية التي تمر فيها الفضلات التي تصل إلى الخندق، فمن امتنع من الموافقة على إحداثها ممن تمر عليه أجبر عليه لأن العادات قضت بذلك، ومن الفروع المبنية على العادة القضاء بشهادة الحيازة على الملك وهذا كله يشهد بأن العرف دعامة من الدعائم التي ارتكزت عليها أحكام القضاة وفتاوى الفقهاء (٥)
стр. 7411
ولقد سُئِل مالك عن النكاح يلزمه أهل المرأة هدية العرس وجل الناس تعمل به حتى إنه لتكون الخصومة، أترى أن يقضى به؟ قال: إذا كان ذلك قد عرف من شأنهم وهو عملهم لم أرَ أن يطرح ذلك عنهم إلا أن يتقدم فيه السلطان لأني أراه أمرًا قد جروا عليه (١)
وقد ذكر القرافي أن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات والعيوب والأعراض والمبيعات ونحو ذلك، ولو تغيرت العادة في النقدين والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها وكذلك إذا كان الشيء عيبا في الثياب في العادة رددنا به المبيع، فإذا تغيرت تلك العادة وصار ذلك المكروه محبوبا لزيادة الثمن لم يرد به. وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء لا اختلاف فيه، بل قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا (٢) ، وكذلك نقل الونشريسي الإجماع على أن الفتاوي تختلف باختلاف العوائد (٣) .
قال القرافي وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام فمهما تحدد في العرف اعتبره ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده وأجره عليه، وافته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضيين (٤) .
وفي جواب لابن منظور ورد فيه أن أحكام الأقضية والفتاوى تتبع عوائد الأزمان وعرف أهلها جاء ذلك في تحفة أكياس الناس في شرح عمل فاس (٥) ، ولقد نظم ذلك صاحب العمل الفاسي، فقال: واعتبر الأعراف في الفتوى وفي الحكم لكن بانتفائها نفي. وقد نقل السجلسماسي في شرحه أن العقباني أثبت كثيرًا من مسائل الفقه أن الحكم فيها جرى على مقصود أهل العرف ولو كانت الألفاظ على خلافها (٦) .
стр. 7412
ذلك أن كلام الناس ينصرف إلى ما تعارفوه ولو خالف المعاني الحقيقية التي وضع لها اللفظ في أصل اللغة حيث إن العرف قد نقل هذه الألفاظ من أصل معانيها اللغوية إلى هذه المعاني العرفية بحيث لا يخطر ببال المتكلم المعنى الحقيقي اللغوي لغلبة اللفظ في الاستعمال إلى الحقيقة العرفية بحيث لو صرف كلام المتكلم إلى حقيقته اللغوية دون العرفية لأدى إلى إلزام المتكلم في عقوده وإقراراته وأيمانه وطلاقه وسائر تصرفاته القولية إلى ما لم يعنه ولم يخطر بباله وإلى ما لا يفهمه الناس من كلامه ولهذا المعنى قرر الفقهاء قاعدة، فقالوا: الحقيقة تترك بدلالة العادة، وقالوا أيضًا يحمل كلام الحالف والناذر والموصي والواقف وكل عاقد على لغته وعرفه وإن خالف لغة العرب والشارع، وقد نقل ابن عابدين عن القنية قال: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف (١) ، وجامع الفصولين مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف وفي فتاوي العلامة قاسم التحقيق أن لفظ الواقف والموصي والحالف والناذر وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها وافقت لغة العرب ولغة التاريخ (٢) ، ولقد طبق الفقهاء أحكامًا كثيرة منها مثلًا لو حلف المرء لا يجلس على بساط فجلس على الأرض، أو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء، أو لا يستضيء بسراج فاستضاء بالشمس، أو لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا لم يحنث في كل ذلك. وإن سمى القرآن الأرض بساطًا إذ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ (٣) ، وقال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٤) وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٥) .
فهذه الأسماء التي وردت في الكتاب وإن كانت هي الحقائق اللغوية، لكن غلب استعمالها في المحرف على المعاني المقصودة للمتكلم التي لا يخطر بباله حين أقسم لا يبيت تحت سقف أن السماء سقف أو أن الشمس سراج ولا الحيتان لحم، ولذا لم يلزم الناس الحنث بها وإن كانت ما أقسم يصدق عليها لغة، كذلك لو حلف الإنسان أن لا يضع قدمه في منزل فلان انصرفت يمينه إلى معنى مطلق الدخول الدار إذ هو المعنى العرفي الذي ينصرف إليه الذهن ويفهمه السامع فيحنث بدخوله ولو راكبًا ولو أدخل رجله من غير أن يدخل بدنه لا يحنث ومن هذا القبيل كذلك إطلاق الولد على الذكر دون الأنثى وإطلاق الناس اللحم على غير لحم السمك فلو أقسم لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا لم يحنث للعرف كذلك لو أقسم لا يركب دابة وكان عرفهم أنها لا تطلق إلا على الحمار خاصة كمصر فركب فرسًا لا يحنث، وهكذا يتعين حمل اللفظ تنزيل الكلام على ما جرى بين الناس وتحديد ما يترتب على تصرفاتهم القولية من حقوق وواجبات حسب المعاني العرفية، وإن لغة العامة في كل مكان هي من هذا القبيل فيتعين حمل كلامهم على ما تعارف بينهم وكذلك العرف العملي أو الفعلي، فإن الفعال العادية والمعاملات المدنية لها السلطان المطلق في فرض الإحكام وتقييد آثار العقود والالتزامات على ما جرى بينهم وتعارفه خاصتهم وعامتهم في كل ما لا يخالف نصا من نصوص الشريعة (٦) بل هذا العرف العملي هو نفسه يعتبر دليلًا شرعيًّا – حيث لا دليل سواه – ومرجعًا للأحكام.
стр. 7413
والعرف العملي منه ما هو أفعال عادية شخصية ومنه ما كان معاملات مدنية وهو يثبت على أهله عاما كان أو خاصًا، فإن من ألف شيئًا وجرى عليه في حياته أصبح لما تعود عليه سلطان وتأثير في توجيه الأحكام التي تتصل بتلك الأفعال فمثلًا من وكل أحدا بشراء ثوب أو طعام فاشترى له ثوبًا مما لم يعتد لباسه كأن يكون لا يلبس إلا اللباس التقليدي فاشترى له فستانًا أو اشترى له لحم خنزير أو جمل وهو لم يعتد في حياته إلا أن يأكل لحم الضأن مثلًا، فإن هذا الشراء لا يسري على الموكل ولا يلزمه، بل يلتزمه الوكيل بخلاف ما إذا اشترى له ما كان معتاد لباسه ومعتاد طعامه فإنه يلزمه – ومن هذا القبيل نفقة الزوجة وهي تجب على زوجها وذلك بالقدر المتعارف المعتاد بين أمثالها وحسب حالهما.
ولا بد من مراعاة حال الغني والفقير والشرف والضعة، وليست حالة الوسط الذي يعيش فيه الأغنياء كحالة الوسط الذي يعيش فيه الفقراء، ولا عيشة الأشراف والأمراء كعيشة السوقة والضعفاء، ولهذا قال ابن العربي: إن المرأة الشريفة إذا امتنعت عن إرضاع ولدها فلا يلزمها ذلك نظرًا للعرف، قال ابن العربي (١) : وهو أمر كان في الجاهية في ذوي الحسب وجاء الإسلام عليه فلم يغيره وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات للمتعة بدفع الرضعاء إلى المراضع إلى زمانه، فقال به: وإلى زماننا فحققناه شرعًا وفي المنتقى لو استأجر دابة ليحمل عليها إلى مكان يتعدى مكان الكراء وتجاوز مسافة الكراء، كأن يكتري دابة للركوب من مصر إلى برقة فيركبها إلى إفريقية، فهذا حكمه فيطول الإمساك وقربه مثل الزيادة على زمن الكراء إن ردها سالمة، فقد روى ابن حبيب عن مالك: أنه إذا لم يجاوز المد إلا باليسير الذي لا خيار لصاحبها فيه إذا سلمت فليس لصاحبها الإكراء ما زاد وإن زاد كثيرا فيه الأيام التي تتغير ومثلها سوقها من ربها إن ردها المعتدي سالمة على ما تقدم وإن عطبت في القليل أو الكثير فهو ضامن لها – إلى أن يقول، وأما التعدي في الحمل فعلى وجهين، أحدهما: الزيادة فيه من جنسه.
стр. 7414
والثاني: حمل غير ذلك الجنس، فما الزيادة فيه من جنسه ففي المدونة فيمن اكترى بعيرًا ليحمل عليه عشرة أقفزة، فحمل عليه أحد عشر قفيزًا فلا ضمان عليه في عطب البعير إذا كان الفقير يسيرا لا تعطب منه الدابة، فإن كانت الزيادة يعطب من مثلها فلصاحب الدابة الكراء وكراء الزيادة أو قيمة الدابة يوم التعدي دون الكراء فهو مخير في ذلك وإن كان لا يعطب من مثله تلك الزيادة فليس له إلا الكراء الأول وكراء ما تعدى فيه، وقال سحنون: إن زاد في الحل ولو رطلًا واحدًا ضمن. قال عبد الملك: والفرق بين هذا وبين الزيادة في المسافة أن مجاوزة المسافة تعد كله فلذلك ضمنها في قليله وكثيرة وزيادة الحمل إذا اجتمع فيه تعد وإذن، فإن كانت الزيادة يعطب من مثلها ضمن وإلا لم يضمن وأما إن حمل غير الجنس الذي اتفق معه فلا يخلو أن تكون مضرته كمضرة ما تكارى عليه أو أشد، فإن كانت مثل مضرته فلا ضمان عليه وأصل ذلك أن الحمل لا يتعين عند مالك إلا بجنس المضرة ولو اكترى رجل من حمال على حمل بعينه كان له أن يبدله بمثله مما مضرته مثل مضرته وليس له بدله بما هو أعظم مضرة منه، فالمراعى في ذلك ما يضغط بثقله جانبي الدابة ويضر بها، فإذا حمل ما هو أضر بها فعطبت الدابة فهو ضامن، وهذا في الأحمال، أما الراكب فقد يختلف حاله باختلاف أخلاق الناس مع تساوي أجسادهم فمنهم من فيه رفق وفيهم من فيه عنف، وقد قال مالك: لا يعجبني أن يكري الرجل دابة فيحمل عليها غيره، قال ابن القاسم: فإن حمل عليها من هو مثله في الثقل والحال والركوب لم يضمن وإن حمل عليها من هو أثقل منه أو غير مأمون فهو ضامن، قال ابن حبيب: ومعنى ذلك في الدابة معها صاحبها يتولى سوقها والحمل عليها والحط عنها فأما أن يسلمها إلى المكتري فله منعه من الكراء من غيره لاختلاف سوق الناس ورفقهم وحياطتهم وتضييعهم لها (١) .
ونستخلص من هذه الفروع الفقهية أنه ليس لحد الحق في أن يتجاوز حد المنفعة المتفق عليها الذي إن تجاوز اعتبر صرفا مضرا بغيره، ولذا إذا حصل منه ذلك كان عليه الضمان والمدارك في كل هذا مرجعه العرف والعادة وبما ذكرنا ندرك مدى تأثير العرف في الأمور العادية من أكل وشرب ولباس وركوب وانتفاع. وكيف أن العرف هو الذي يقيدها ويحدد التزاماتها وتخضع للعادة والعرف تصرفاتها وتجري الأحكام عند التنازع على وفق ما يقتضيه عرف كل بلد وعاداته.
стр. 7415
أما عرف الناس في معاملاتهم المدنية، فلقد جاء في صحيح البخاري باب من إجراء الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة، قال العيني: فيعتبر في عادة أهل كل بلد على ما بينهم من العرف، فإنه في البلاد المصرية الأرز يكال وفي البلاد الشامية يوزن لأن الرجوع إلى العرف جملة من القواعد الفقهية قال: وقوله: وسننهم عطف على ما يتعارفون بينهم أي على طريقتهم الثابتة على حسب مقاصدهم وعاداتهم المشهورة، قال: وحاصل كلام البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف والعادة، قال البخاري وقال شريح يعنى أبن الحارث الكندي القاضي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب للغزالين سنتكم بينكم ربحًا يعني عاداتكم وطريقتكم بينكم معتبرة (١) .
وقد حمل الإمام السهيلي شرب النبي ﷺ من إناء قوم دون استئذان في حديث الإسراء على العرف والعادة (٢) ، حيث أن العرب في الجاهلية كان من عاداتهم والمعروف عندهم المطرد بينهم إباحة الرسل (اللبن) لابن السبيل فضلا عن شرب الماء حتى لو كسر أحد الزبناء إناء الشراب وأتلفه فلا يلزمه ضمان ما أتلف اعتمادا على العرف الجاري بين الناس حيث لم يتعمد تكسيره مع أن القاعدة من أتلف شيئًا ضمنه، ولقد جوز جماعة من الفقهاء أن يأكل الإنسان من ثمر البساتين المتروكة تحت الشجر بلا إذن صاحبها إذا كانت الثمرة مما يسرع إليها الفساد بناء على أن العرف قد جرى بذلك، ولقد قال أبو حنيفة ومحمد: لا قطع فيها يسرع إليه الفساد إذ بلغ الحد الذي يقطع في مثله كالتين والسفرجل والرطب ونحوها من الأطعمة الرطبة، وقالا: سواء أخذت من حرم أم لا لعدم قابلية الادخار لقول رسول الله ﷺ : ((لا قطع في ثمر ولا كثر)) ، أخرجه مالك في الموطأ، قال الباجي: ولا قطع في الثمر المعلق، رواه القاضي أبو محمد وروى ابن المواز ذلك ما كان في الحوائط والبساتين فأما من سرق من ثمرة نخلة في دار رجل ومنزله فهذا يقطع إاذا بلغت قيمتها على الرجاء والخوف ربع دينار، فجعل للدار تأثيرًا في حرز مثل هذا ويكون صاحب الدار ساكنًا معها (٣)
стр. 7416
وذلك لأن هذه الأشياء لا تعد مالا عادة إذا لم تكن في حرز وخطرها على الناس قليل وهي في ذاتها تفاهة ولأنها معرضة للهلاك أيضا، أما ما كان في حرز أو كان مما يبقى من سنة إلى سنة فيدخر كالجوز واللوز والتمر اليابس ونحوها، فإذا بلغ قيمته الحد الذي يقطع فيه يقع القطع (١) وعند أبي يوسف يجب القطع فيما لا يحتمل الادخار لأنه منتفع بها حقيقة والانتفاع بها مباح شرعًا، فكانت مالًا فيقطع فيها كسائر الأموال (٢) وما ذهب إليه أبو يوسف هو ما جرى به العرف اليوم لأن هذه الفواكه أصبحت من الأموال المهمة وليست من التفاهة في شيء كما كان عليه عرف الناس في الماضي.
وقد ذكرنا أن العوائد كثيرا ما تتغير بتغير الزمان والمكان على أن المذاهب الثلاث المالكية والشافعية والحنابلة ترى القطع في كل متمول يجوز بيعه وأخذ العوض عنه لا فرق بين الطعام والثياب والحيوان والأحجار وغيرها لعموم قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٨] . نعم ذلك إذا اجتمعت فيه شروط السرقة كأن يكون في حرز مثله (٣) .
وهذا لا يمنع اتفاق العملاء على عدم القطع في الأكل من الثمرة المعلقة على الشجر أو الحنطة في سنبلها إذا لم يكن في رجز مما جرى به عرف الناس لأن الشرع دل على اعتبار الحرز وليس له حد معلوم مقرر في الشرع، وإنما مرجعه إلى عرف الناس، وقد ذكر الشافعي أن حديث رافع (لا قطع في ثمر) خرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها، فإذا أحرزت بالجدران أو الأسلاك الشائكة ونحوها كانت كغيرها، أن العرف والعادة ركن من أركان الشريعة عند مالك وأصحابه وبنوا على ذلك النيابة العرفية يلزم النائب والمنوب عنه في شراء شيء أو أداء خدمة وما إلى ذلك، وقد سئل أبو عبد الله النالي الغماري عن قوم عادتهم إذا نزل بهم ضيف استضافوه وقام اثنان أو ثلاثة من أهل القرية فاشتروا بهيمة وذبحوها وقدموا له الطعام تكريمًا له، فأجاب بأن الثمن يكون على جميع أهل القرية الحاضر والغائب، القوي والضعيف اعتبارًا لعرفهم وعادتهم. ومن هذا القبيل ما في الأرياف عند جز الضأن أن يجتمع أهل الحي لجزها بغير مقابل ويذبح لهم صاحب الماشية ويطعمهم، فهل يستحق أحدهم أجر؟ أفتى بعض مشائخنا بأنه لا يستحق مقابلًا لعمله ويعتبر منه ذلك تطوعًا عملًا بالعرف والعادة.
стр. 7417
وقد نقل المهدي الوزاني عن الفقيه ابن عرضون أن ابن أبي زيد القيرواني سئل عن رجل من قبيلة، اشترى فرسًا من ابن عمه هدية إلى رئيس القبيلة لينصرهم على من بغى عليهم وطلب البائع الثمن فأجابه المشتري بأنك تعلم أني ما اشتريته إلا على الجماعة، فقال البائع: ما بعته إلا منك وكان العرف عندهم أن ذلك يكون على جميع القبيلة فأجاب ابن أبي زيد إن كان العرف عندهم أن شراء مثل هذا على الجماعة وأن المتولي للشراء هو وكيل عرفًا فلا يلزمه غلا ما يلزمهم وإن لم يكن كذلك فالثمن على المتولي الشراء وكما أن الوكيل صراحة له الرجوع عليهم فكذلك الوكيل عرفا له الرجوع عليهم. ومن هذا القبيل إذا أجر كبير القرية غماما للصلاة والعادة أنه يعتبر وكيلا عن جميع أهل القرية فهو حين يتكلم يتكلم بلسان جميعهم إذ هو وكيلهم، فإنهم يطالبون بأداء حصتهم من أجرة الإمام أو المؤدب أو المعلم، فإن لم يكن لهم عادة بذلك فالأجرة على عاقدها. ولهذا نجد من المفتين من أفتى بعدم لزوم الإجارة لغير من عقدها وأفتى بعضهم بلزومها. والحق أن لا خلاف وإنما الخلاف في حال حيث إن المسألة تابعة للعرف والعادة فمن كانت عادتهم كذلك، لزمتهم الأجرة ووزعت عليهم، ومن لم تكن عادتهم كذلك لزمت الأجرة العاقد دون سواه. وفي حاشية المهدي الوزاني على شرح التاودي على لامية الزقاق: تنبيه من الوكالة العرفية تصرف الزوج في مال زوجته حتى يثبت التعدي وتصرف الأخ في الريع المشترك بينه وبين إخواته وقبض خراجه وتصيير ملازم سبيله وعلاجه فيصدق في دفعه لزوجته وأخته ما تصرف لهما فيه كتصديق الوكيل، لكن قال ابن عبد السلام: بناني هنا لا يحمل بيع الزوج أوصل زوجته على الوكالة العرفية إلا بعد ثبوت جريان عرف بلدهم، بذلك باعتبار عرف الأقدمين وليس العرف يقاس في هذا الزمان على اعتبار الوكالة العرفية فلا يعمل بها ولا يحكم بمقتضاها (١) .
وفي المذهب الحنفي تثبت الولاية على المال بالنسبة للصغير القاصر للأب ثم لوصية، ثم للجد، ثم وصي الجد، ثم القاضي، ثم وصي القاضي الذي عينه وهي في المذهب المالكي والحنبلي تكون أولا للأب ثم لوصي الأب، ثم للحكام ثم لمن يقيمه وليا عنه ولا ولاية للجد وغيره من القرابة (٢) ، ومع هذا فقد سئل أبو إسحاق إبراهيم بن هلال السجلسماسي عن الجد، فقال: إن الجد، فقال: إن الجد وصية بالعادة في البلاد السوسية والولاية عند الشافعية هي للأب أولا، ثم للجد أبي الأب ثم لوصييهما، ثم القاضي (٣)
ومن مفعول العادة عقود التعاطي التي أقرها فيها الفقهاء في انعقاد المعاوضات المالية بالقبض والدفع دون أيجاب وقبول باللفظ، وقامت المعاطاة مقام الصيغة اللفظية بالعرف ويظهر ذلك في المغازات الكبيرة اليوم أين نجد أسعار البضائع مرسومة فوقها، فهي معروفة القيمة محددة الثمن فيدفع الزبائن الثمن وتأخذ البضاعة المشتراة بلا إيجاب ولا قبول.
стр. 7418
ومن هذا القبيل أيضًا شراء الجرائد والمجلات الموجودة في دكاكين أصحابها، فإننا ندفع الثمن ونأخذ الجريدة من غير الكلام مع بائعها أكانت داخل الدكاكين أو خارجها، وكل ذلك مرجعه إلى العادات وما تعارفه الناس وجرى في حياتهم اليومية أن العهدة في كل ذلك مرجعها إلى العرف العام الذي يعتبر القبض بعد معرفة الثمن في قوة التعبير عن الإرادة بالإيجاب والقبول في عادة الناس ومنها أجرة السمسار وكتابة العقود ودفع معاليم النقل إذا سكت المتعاقدان فيه عن بيان ما يلتزم به كل منهما، فقد اعتبر الفقهاء في ذلك العرف ويلزمهما بما تعورف عليه، وهو في هذه الأمور جري العرف أن هذه المصاريف على المشتري ومن هذا القبيل ما جرى به العرف من أن حبل الدابة داخل ويستحقه المشتري بلا مقابل، وكذلك السلم المثبت في الدار ومفتاحها، وكذلك من اشتري سيارة فيدخل ما هو من مستتبعاتها كالرافع للعجلات والأدوات الضرورية التابعة لها، وكل هذا ونحوه بحكم العرف فيه، ومن هذا القبيل مسألة من أعطى ولده لصانع قصد تعليمه صنعة دون أن يشترط أحدهما أجرة على الآخر وبعد تعلم الصبي، أو طالب أحدهما الأجر من الآخر فإنه يرجع إلى ما جرى به العرف والعادة فإن شهد العرف للصانع حكم له بأجرة المثل لذلك التعليم وإن كانت الأجرة عادة للصبي لزم الصانع دفعها له، فإن جرى العرف أن لا أجرة لأحدهما على الآخر حتى ساعة تحصيل الصنعة وقص الشعر وإصلاحه فلا شيء لأحدهما على الآخر كما هو العمل في تونس.
ومما كان مرجعه إلى العرف تشوير الأب الغني ابنته بمثل نقد ابنته ذكر ابن غازي في شفاء الغليل عن فتوى الشيخ أبي محمد عبد الله العبدوسي أن الذي جرى به العمل في أغنياء الحاضرة إجبار الأب أن يجهز ابنته بمثل نقدها، فإذا نقدها الزوج عشرين جهزها الأب بأربعين؛ عشرين من نقدها وعشرين زيادة من عنده، وهذا إنما هو إذا فاتت بالدخول أما أن طلب الزوج هذا قبل الابتناء، فلا يجبر أب ويقال للزوج إما ترضى بأن يجهزها لك بنقدها خاصة وإلا فطلق ولا شيء عليك وبهذا القضاء وبه العمل (١) قال في العمليات العامة:
وعند فاس ذو الغنى يشور
بمثل نقد بنته ويجبر
أن وقع الدخول أما أن طلب
الزوج ذا قبل فلا يجبر الأب
وقيل للزوج تجهز إليك
بالنقد أو طلق ولا شيء عليك
стр. 7419
ومما انبنى على العرف وجرى به العمل وجوزه الفقهاء لذلك خلو الحوانيت وأجرة الدلال والحمال ونحوهما من غير تسمية الأجرة بناء على أن الأجير يستحق من الأجرة ما جرت به العادة ومثلها أيضا تقسيم الأشياء ومعرفة المكيلات والموزونات والمزروعات، فهي تتوقف على العرف والعادة وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فإذا بيعت سلعة على أساس وزنها بالأرطال انصرف ذلك الرطل إلى المتعارف في محل التعاقد أو التسليم وفاقًا لنية المتعاقدين، وقد يختلف الرطل من مكان إلى مكان.
ومن مثل ما اتضح فيه العرف ما في المدونة أن ما يباع في الأسواق كاللحم والفواكه والخضر أو على النقد كالصرف، وقد انقلب به المبتاع فادعى البائع عدم دفع الثمن فالقول قول المشتري أنه قد دفعه مع يمينه لشهادة العادة له بصدقة، ومن شهد له أصل أو عرف، فهو مدعى عليه. قال الإمام المازري: وهذا لم يختلف فيه لاتضاح العادة الدالة عليه وذكر ابن رشد أنه لاختلاف وأن القول هنا قول المبتاع (١) قال أبو إسحاق التونسي: ما كان من الأشياء عادتها أن تقبض قبل دفع السلعة أو معها معًا، فإذا قبض المشتري السلعة كان القول قوله مع يمينه أنه دفع الثمن لدعواه العادة، وقال ابن محرز: إن لم ينقلب به وكان قائما مع بائعه، فقد اختلف في ذلك، فروى أشهب عن مالك إن القول قول رب الطعام مع يمينه، وقال ابن القاسم: القول قول المبتاع، قال ابن القاسم: وذلك إذا كانت عادة الناس في ذلك الشيء أخذ ثمنه قبل قبضه أو معه قال ابن محرز فقد نبه ابن القاسم على المعنى الذي ينبغي أن يعتمد عليه في هذا الأصل وهو العادة، فمن ادعى المعتاد كان القول قوله مع يمينه في جميع الأشياء المشتراة على اختلافها من دور وبناء وطعام وغير ذلك (٢) .
وفي العمليات العامة: وفي اختلاف بائع ومشتر في الدفع، فالثانى بتعجيل جرى.
قال ابن عبد السلام: يؤخذ أخذا ظاهرًا يقرب من النص أن المشتري هو المبتدئ بدفع الثمن من قول المدونة في كتاب العيوب من اشترى عبدا فللبائع منعه من قبضه حتى يدفع إليه الثمن وعلى القول المعمول به جرى صاحب المختصر، بل نقل الأجهوري عن ابن رشد أن هذا الحكم متفق عليه في المذهب ولفظه قال ابن رشد: من حق البائع أن لا يدفع ما باع حتى يقبض ثمنه لأن ذلك في يده كالرهن بالثمن، فمن حقه أن لا يدفع إليه ما باع منه ولا يزنه له، ولا يكيله له إن كان مكيلا أو موزونًا حتى يقبض ثمنه، وهذا أمر متفق عليه في المذهب مختلف فيه في غيره (٣) .
стр. 7420
ومن باع سلعة وادعى بعد طول أنه لم يقبض ثمنها وأنكر ذلك المبتاع، فالقول قوله بيمينه، وقد اختلف في حد الطول، قال الإمام المازري: الطول غير محدد ولا مقدر إلا بحسب ما تجري به العوائد في سائر الجهات.
ومن هذا أيضا اختلاف الكاري والمكتري في دفع الكراء، فالقول للمكتري: إذا أطال الأمد بعد انقضاء أمد الكراء حتى جاوز الحد الذي جرى العرف بتأخير الكراء إليه.
ومنه أيضا دعوى الزوج دفع الصداق إلى الزوجة فقد قال مالك وابن القاسم أن الزوج يصدق في دفع الصداق إذا اختلفا في ذلك بعد البناء ويحلف وبه الحكم. قال ابن الماجشون: إن كان قريبا وجاءت بلطخ حلف فإن طال فلا يمين عليه، وقال ابن وهب: عند قول ابن المواز إن قامت بحدثان الدخول فالقول قولها وإن طال الأمر فقوله وما ذكر من كون القول قول الزوج بعد البناء مقيد بقيود: منها أن يدعي الدفع قبل البناء وأن لا يقيد في رسم الصداق ما ينفي قبول قوله إلا ببينة، قال في المختصر: إن ادعى الدفع بعد البناء حلفت الزوجة أو من يلي أمرها وغرمه الزوج، قلت لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وقال أيضًا: إن عقد في الصداق بعد ذكر النقد أنه لا يبريه منه البناء بها ولا طول المقام معها فإنه حينئذ لا يقبل قوله في الدفع كسائر الديون (١) ويعطف عليه ما قالوه من أن رب الدين إذا حضر قسمة التركة ولم يطالب بدينه وسكت من غير عذر فلا شيء له، والأصل في كل ما نقلنا وشبهه شهادة العرف والعادة، ونلاحظ من ذلك ما للعرف من قوة واعتبار في إنشاء الأحكام وابتنائها عليه وبوساطة العرف ندرك ما أولاه الفقهاء من عناية واعتبار للعرف حتى ألفوا كتبًا ورسائل فيما جرى به العرف والعمل حسب الأقطار المختلفة فمثلًا اختلف الفقهاء هل يجوز للقاضي الإفتاء في الخصومة فقيل بالجواز وهو قول ابن عبد الحكم وقيل بالمنع، وقد جرى العمل بفاس بجواز الإفتاء للحكام وجرى العمل بعدم جواز الإفتاء للحكام بتونس عملًا بقول التحفة، ومنع الإفتاء للحكام، قال صاحب العمليات إن العمل على قول ابن الحكم في إفتاء القضاة شائع أي في فاس إلا أنهم ربما تجنبوا ما كان يرجع إليهم التحكيم فيه ملاحظة للقول الآخر (٢) .
стр. 7421
كذلك اختلف الفقهاء في الترشيد والتسفيه فالذي جرى به العمل عند الموثقين من أهل فاس أنه لا يكفي فيه عدلان اثنان، وعليه درج ابن عاصم وتحفته ونقل عن أصبغ الاجتزاء برجلين مع الفشو وهو ما عليه العمل بتونس من قبول عدلين في التسفيه والترشيد والزيادة أفضل من هذا القبيل ما اختلف فيه الفقهاء من الشفعة فيما لا ينقسم كالحمام، ففي التوضيح عند قول أبي الحاجب، وفي غير المنقسم كالحمام ونحوه قولان قال ما نصه: يعني وفي الشفعة فيما لا يقبل القسم إلا بضرر قولان وهما لمالك وابن عبد السلام وفي المدونة ما يدل على كل واحد منهما وبعدم الشفعة قال ابن القاسم ومطرف وبالشفعة قال أشهب وابن الماجشون وأصبغ، قال صاحب الذخيرة: وعدم الشفعة هو المشهور قال صاحب المعين وبه القضاء وقد جرى عمل قرطبة بثبوت الشفعة وأفتوا به لما جمعهم القاضي المنذر بن سعيد، حيث جاءه خط أمير المؤمنين عبد الرحمن أن يحمله على قول مالك ويقضي له به فجمع القاضي منذر بن سعيد الفقهاء وشاورهم فقالوا: مالك يرى في الحمام الشفعة فقضى منذر بذلك وحكم له بها، قال ابن حارث: وأخبرني من أثق به أنه جرى العمل عند الشيوخ بإيجاب الشفعة في نحو الحمام ومن الأبرحة والآبار والعيون والشجرة الواحدة وشبه ذلك وقد جرى العمل بتونس بعدم الشفعة فيما لم ينقسم. ومثل هذا الخلاف الخلاف في كراء الدار بين رجلين كرى أحدهما نصيبه منها، فهل لشريكه أن يشفع ذلك من يد المكتري لأن الكراء بيع منفعة أو ليس له ذلك فيه قولان جرى القضاء بكل منهما، قال القلشاني في شرح الرسالة: اختلف في الشفعة في كراء الربع فقال ابن القاسم والمغيرة وعبد الملك بسقوط الشفعة وبه الحكم الآن بإفريقية على ما سمعت، وقال أشهب ومطرف وأصبع: فيه الشفعة، وروي عن ابن القاسم أيضا، والقولان لمالك وبالثاني الحكم بالمغرب والأندلس فيما سمعته وفي نوازل ابن هلال ما نصه مسألة جرى العرف بالشفعة في الكراء وبه أفتى ابن علال والتازغدري رحمهما الله تعالى، وجعلا المكتري كالشريك في الأصل وخالفهما القاضي عبد الرحيم اليزنانسني واقتصر في التحفة على أن الحكم فيه ينفي الشفعة فقال: والخلف في أكرية الرباح والدور، والحكم بالامتناع وعندنا في تونس لا شفعة في الكراء مطلقًا.
ومما وقع فيه الخلاف بين الفقهاء دعاء الأئمة عقب الصلوات المكتوبة، قال ابن ناجي في آخر كتاب الصلاة نص مالك على كراهة الدعاء لأئمة المساجد والجماعة عقب الصلوات المكتوبات جهرًا للحاضرين خوفًا من الرياء، والعمل عندنا بأفريقية على جواز ذلك لأنها بدعة مستحسنة لورود الدعاء من حيث الجملة ومع جري العادة ينتفى الرياء، وفي المعيار في فصل المستحسن من البدع وغيرها ما نصه قال ابن عرفة: عمل من يقتدى به في العلم والدين من الأئمة على الدعاء بأثر الذكر الوارد أثر تمام الفريضة وما سمعت من ينكره إلا جاهل غير مقتدى به وفي نوازل الصلاة منه من الأمور التي هي كالمعلوم بالضرورة استمرار عمل الأئمة في جميع الأقطار على الدعاء إدبار الصلوات في مساجد الجماعات واستصحاب الحال حجة واجتماع الناس عليه في المشارق والمغارب منذ الأزمنة المتقادمة من غير نكير إلى هذه المدة من الأدلة على جوازه واستحسان أخذ به وتأكده عند علماء الملة. اهـ. باختصار
стр. 7422
قال ابن زرقون: ورد الخبر بمسح وجه باليدين عند انقضاء الدعاء واتصل به عمل الناس والعلماء وقال ابن رشد أنكر مالك مسح الوجه بالكفين لكونه لم يرد أثر وإنما أخذ من فعله ﵊ للحديث الذي جاء عمر ﵁، قلت: بجواز مسح الوجه باليدين عند ختم الدعاء قال الأستاذ أبو سعيد بن لب وأبو عبد الله بن علاق وأبو القاسم بن سراج من متأخري أئمة غرناطة وابن عرفة والبرزلي والغبريني من أئمة تونس والسيد أبو يحيى الشريف وأبو الفضل العقباني من أئمة تلمسان وعليه مضى عمل أئمة فاس والمراد بالحديث الذي جاء عمر ﵁ ما أخرجه الترمذي عنه ((كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه)) نقل ذلك المازري وغيره (١)
وبما ذكرنا ونقلنا ندرك ما للعرف من قوة واعتبار في إنشاء الأحكام وابتنائها وتأثير العرف على اختيارات الفقهاء واختلاف الأحكام باختلاف العادات حسب الجهات وهذا التأثير سيظل متجددًا ما دام في الناس أعراف وعادات وما يتجدد في الحياة باختلاف الحضارات وتبدل أساليب المعيشة وتطوره العلم وكثرة العمران ولا شك أن لدى العمال في مصانعهم أعرافًا ولدى المزارعين في حقولهم أعرافًا ولدى الحرفيين أعرافًا ولكل قطر أعرافًا، ولذا لا يمكن تجاهلها وغض النظر عنها، ولذا كان على الفقيه والمجتهد أن يكون متصلًا بالناس عارفًا بأحوالهم وتقاليدهم وعاداتهم حتى يكون حكمه صحيحًا وفتواه مقبولة وحتى يكون أميل إلى الرفق بالنس جاريًا على ما تقتضيه قواعد الشرع من رفع الحرج والتيسير وعدم التعسير.
стр. 7423
تغير الأحكام بتغير العادات والأحوال:
يقول العلامة ابن خلدون في مقدمة كتاب العبر: يحتاج صاحب هذا الفن (أي التاريخ) إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتفق منها والمختلف والقيام على أصول الدول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم حتى يكون مستوعبًا لأسباب كل حادث واقفا على أصول كل خبر وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحًا وإلا زيفة واستغنى عنه وما استكبر القدماء علم التاريخ إلا لذلك حتى انتحله الطبري والبخاري وابن إسحاق من قبلهما وأمثالهم من علماء الأمة، وقد ذهل الكثير عن هذا السر فيه حتى صار انتحاله مجهلة واستخف العوام ومن لا رسوخ له في المعارف مطالعته وحمله الخوض فيه والتطفل عليه فاختلط المرعي بالمهمل واللباب بالقشر والصادق بالكاذب وإلى الله عاقبة الأمور، ومن الخلط الخفي في التاريخ الذهول من تبدل الأحوال في الأمم والأجيال تبدل الأعصار ومرور الأيام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وفوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص، والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عبادة وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسريانيون والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم جاء بعدهم الفرس الثانية والروم والعرب فتبدلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابها وإلى ما يباينها أو يباعدها، ثم جاء الإسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الأحوال أجمع انقلابة أخرى، وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السلف، ثم درست دولة العرب وأيامهم وذهبت الأسلاف الذين تقيدوا عزهم ومهدوا ملكهم، وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق والبربر بالمغرب، والفرنجة بالشمال، فذهبت بذهابهم وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق، والبربر بالمغرب، والفرنجة بالشمال، فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها والسبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد أن عوائد كل تابعة لعوائد سلطانه إذا استولوا على الدولة والأمر فلا بد وأن يفرعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذوا الكثير منها، ولا يغفلوا عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بغض المخالفة لعوائد الجيل الأول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم وخرجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضًا بعض الشيء، وكانت للأولى أشد مخالفة، ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهى إلى المباينة بالجملة، فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك والسلطان لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة.
стр. 7424
والقياس والمحاكمة للإنسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه، فربما يسمع السامع كثيرًا من أخبار الماضين، ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها، فيجريها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد، وقد يكون الفرق بينها كثيرًا فيقع في مهواة من الغلط، فمن هذا الباب ما نقله المؤرخون من أن التعليم في صدر الإسلام والدولتين لم يكن العلم صناعة إنما كان نقلًا لما سمع من الشارع وتعليمًا لما جهل من الدين على جهة البلاغ فكان أهل الأنساب والعصبية الذين قاموا بالملة هم الذين يعلمون كتاب الله وسنة نبيه ﷺ على معنى التبليغ الخبري لا على وجه التعليم الصناعي إذ هو كتابهم المنزل على الرسول منهم وبه هدايتهم والإسلام دينهم قاتلوا عليه وقتلوا واختصوا به من بين الأمم وشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للأمة لا تصدهم عنه لائمة الكبر ولا يزعهم عامل الأنفة ويشهد لذلك بعث النبي ﷺ كبار أصحابه مع وجود العرب يعلمونهم حدود الإسلام، وما جاء به من شرائع الدين بعث في ذلك أصحابه العشرة فمن بعدهم، فلما استقر الإسلام ووشجت عروق الملة حتى تناولتها الأمم البعيدة من أيدي أهلها، واستحالت بمرور الأيام أحوالها وكثر استنباط الأحكام الشرعية من النصوص لتعدد الوقائع وتلاحقها، فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطأ وصار العلم ملكة يحتاج إلى التعلم فأصبح من جملة الصنائع والحرف وانقلب حرفة للمعاش.
وقد بين الدكتور صبحي محمصاني قاعدة تغيير الأحكام بتغير العادات، أن هذه الحقيقة التي أدركها علماء الاجتماع والقانون كالعلامة منتسكنو وغيره، قد أدركها علماء الإسلام في القرن السابع الهجري الثالث عشر ميلادي، فلاحظها شهاب الدين القرافي وابن القيم الجوزية وأبو إسحاق الشاطبي، وقد قدمنا كلام ابن خلدون في ذلك، بل هي عند فقهاء المسلمين من البديهية التي لا جدال فيها ونوه بها في أواخر القرن التاسع عشر مفتي الديار المصرية الإمام عبده في مقاله اختلاف القوانين باختلاف الأمم (١) .
стр. 7425
إننا ندرك مما نقلنا أن مصالح الناس تتغير وتتبدل حسب تبدل مظاهر المجتمع وتغيره كما أن أحكامها ومعاملاتها تابعة في تشريعها لمصالحها، فكان منطقيًّا أن تتبدل هذه الأحكام وفق هذه الأحكام وفق تبدل الزمان وتغير الأحوال، وهذه تتأثر بمظاهر المحيط والبيئة الاجتماعية. وأن كثيرًا من الفروع الفقهية ليختلف الحكم فيها باختلاف جلب المصلحة ودرء المفسدة وما يكون مصلحة في زمان قد يكون مفسدة في زمن آخر، وأن من الفقهاء من لم يقتصر في ترتيب الأحكام على خصوص المنصوص فإن لم يجد اجتهد وتأمل وفكر فيما هو أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ سواء أكان يتعرف ذلك أقرب من نص معين وهو المسمى بالقياس أم الأقرب للمقاصد العامة للشريعة وذلك هو المصلحة وعلى رأس من أخذ بالمصلحة عمر بن الخطاب، فأفتى وأفتى معه كثير من الصحابة بالمصلحة في ذاتها كحكيم بقتل الجماعة بالواحد وكتضمين الصناع، فقد قال علي كرم الله وجهه: لا يصلح الناس إلا ذاك.
وكان عمر ﵁ في إدارة شؤون الدولة يجتهد عن طريق المصلحة فيما لا نص فيه، وقد جاء كتابه إلى أبي موسى الأشعري (الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة اعرف الأشياء والأمثال وقس الأمور عند ذلك) ، وكان له نوعان من الشورى: الشورى الخاصة والشورى العامة وشوراه الخاصة تكون لذوي الرأي من علية الصحابة من المهاجرين والأنصار السابقين وهؤلاء يستشيرهم في أمور الدولة التي يحتاج إلى أوجه النظر المختلفة، سواء أكانت من صغرى أمور الدولة أم كانت من كبراها. وأما الشورى العامة فإنها تكون لأهل المدينة أجمعين وفي الأمور الخطيرة من أمور الدولة أو التي تقرر قاعدة عامة تسير في مستقبل الأمة على أنها من القرارات الثابتة فإذا جد أمر من هذا النوع يجمع أهل المدينة في المسجد الجامع وإذا ضاق بهم جمعهم خارج المدينة وعرض عليهم الأمر الخطير ويتناقشوا فيه، ومن ذلك استشارتهم في أرض سواد العراق فقد كان من رأي الغزاة قسمتها بينهم، وكان من رأي عمر عدم قسمتها وأن تترك في أيدي أهلها الذين كانت أيديهم عليها، وقد تناقشوا فيها يومين أو ثلاثة وانتهى الأمر إلى موافقة عمر عندما ساق لهم قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] .