كذلك اختلف الفقهاء في الترشيد والتسفيه فالذي جرى به العمل عند الموثقين من أهل فاس أنه لا يكفي فيه عدلان اثنان، وعليه درج ابن عاصم وتحفته ونقل عن أصبغ الاجتزاء برجلين مع الفشو وهو ما عليه العمل بتونس من قبول عدلين في التسفيه والترشيد والزيادة أفضل من هذا القبيل ما اختلف فيه الفقهاء من الشفعة فيما لا ينقسم كالحمام، ففي التوضيح عند قول أبي الحاجب، وفي غير المنقسم كالحمام ونحوه قولان قال ما نصه: يعني وفي الشفعة فيما لا يقبل القسم إلا بضرر قولان وهما لمالك وابن عبد السلام وفي المدونة ما يدل على كل واحد منهما وبعدم الشفعة قال ابن القاسم ومطرف وبالشفعة قال أشهب وابن الماجشون وأصبغ، قال صاحب الذخيرة: وعدم الشفعة هو المشهور قال صاحب المعين وبه القضاء وقد جرى عمل قرطبة بثبوت الشفعة وأفتوا به لما جمعهم القاضي المنذر بن سعيد، حيث جاءه خط أمير المؤمنين عبد الرحمن أن يحمله على قول مالك ويقضي له به فجمع القاضي منذر بن سعيد الفقهاء وشاورهم فقالوا: مالك يرى في الحمام الشفعة فقضى منذر بذلك وحكم له بها، قال ابن حارث: وأخبرني من أثق به أنه جرى العمل عند الشيوخ بإيجاب الشفعة في نحو الحمام ومن الأبرحة والآبار والعيون والشجرة الواحدة وشبه ذلك وقد جرى العمل بتونس بعدم الشفعة فيما لم ينقسم. ومثل هذا الخلاف الخلاف في كراء الدار بين رجلين كرى أحدهما نصيبه منها، فهل لشريكه أن يشفع ذلك من يد المكتري لأن الكراء بيع منفعة أو ليس له ذلك فيه قولان جرى القضاء بكل منهما، قال القلشاني في شرح الرسالة: اختلف في الشفعة في كراء الربع فقال ابن القاسم والمغيرة وعبد الملك بسقوط الشفعة وبه الحكم الآن بإفريقية على ما سمعت، وقال أشهب ومطرف وأصبع: فيه الشفعة، وروي عن ابن القاسم أيضا، والقولان لمالك وبالثاني الحكم بالمغرب والأندلس فيما سمعته وفي نوازل ابن هلال ما نصه مسألة جرى العرف بالشفعة في الكراء وبه أفتى ابن علال والتازغدري رحمهما الله تعالى، وجعلا المكتري كالشريك في الأصل وخالفهما القاضي عبد الرحيم اليزنانسني واقتصر في التحفة على أن الحكم فيه ينفي الشفعة فقال: والخلف في أكرية الرباح والدور، والحكم بالامتناع وعندنا في تونس لا شفعة في الكراء مطلقًا.
ومما وقع فيه الخلاف بين الفقهاء دعاء الأئمة عقب الصلوات المكتوبة، قال ابن ناجي في آخر كتاب الصلاة نص مالك على كراهة الدعاء لأئمة المساجد والجماعة عقب الصلوات المكتوبات جهرًا للحاضرين خوفًا من الرياء، والعمل عندنا بأفريقية على جواز ذلك لأنها بدعة مستحسنة لورود الدعاء من حيث الجملة ومع جري العادة ينتفى الرياء، وفي المعيار في فصل المستحسن من البدع وغيرها ما نصه قال ابن عرفة: عمل من يقتدى به في العلم والدين من الأئمة على الدعاء بأثر الذكر الوارد أثر تمام الفريضة وما سمعت من ينكره إلا جاهل غير مقتدى به وفي نوازل الصلاة منه من الأمور التي هي كالمعلوم بالضرورة استمرار عمل الأئمة في جميع الأقطار على الدعاء إدبار الصلوات في مساجد الجماعات واستصحاب الحال حجة واجتماع الناس عليه في المشارق والمغارب منذ الأزمنة المتقادمة من غير نكير إلى هذه المدة من الأدلة على جوازه واستحسان أخذ به وتأكده عند علماء الملة. اهـ. باختصار
стр. 7422
قال ابن زرقون: ورد الخبر بمسح وجه باليدين عند انقضاء الدعاء واتصل به عمل الناس والعلماء وقال ابن رشد أنكر مالك مسح الوجه بالكفين لكونه لم يرد أثر وإنما أخذ من فعله ﵊ للحديث الذي جاء عمر ﵁، قلت: بجواز مسح الوجه باليدين عند ختم الدعاء قال الأستاذ أبو سعيد بن لب وأبو عبد الله بن علاق وأبو القاسم بن سراج من متأخري أئمة غرناطة وابن عرفة والبرزلي والغبريني من أئمة تونس والسيد أبو يحيى الشريف وأبو الفضل العقباني من أئمة تلمسان وعليه مضى عمل أئمة فاس والمراد بالحديث الذي جاء عمر ﵁ ما أخرجه الترمذي عنه ((كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه)) نقل ذلك المازري وغيره (١)
وبما ذكرنا ونقلنا ندرك ما للعرف من قوة واعتبار في إنشاء الأحكام وابتنائها وتأثير العرف على اختيارات الفقهاء واختلاف الأحكام باختلاف العادات حسب الجهات وهذا التأثير سيظل متجددًا ما دام في الناس أعراف وعادات وما يتجدد في الحياة باختلاف الحضارات وتبدل أساليب المعيشة وتطوره العلم وكثرة العمران ولا شك أن لدى العمال في مصانعهم أعرافًا ولدى المزارعين في حقولهم أعرافًا ولدى الحرفيين أعرافًا ولكل قطر أعرافًا، ولذا لا يمكن تجاهلها وغض النظر عنها، ولذا كان على الفقيه والمجتهد أن يكون متصلًا بالناس عارفًا بأحوالهم وتقاليدهم وعاداتهم حتى يكون حكمه صحيحًا وفتواه مقبولة وحتى يكون أميل إلى الرفق بالنس جاريًا على ما تقتضيه قواعد الشرع من رفع الحرج والتيسير وعدم التعسير.
стр. 7423
تغير الأحكام بتغير العادات والأحوال:
يقول العلامة ابن خلدون في مقدمة كتاب العبر: يحتاج صاحب هذا الفن (أي التاريخ) إلى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات واختلاف الأمم والبقاع والأعصار في السير والأخلاق والعوائد والنحل والمذاهب وسائر الأحوال والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتفق منها والمختلف والقيام على أصول الدول والملل ومبادئ ظهورها وأسباب حدوثها ودواعي كونها وأحوال القائمين بها وأخبارهم حتى يكون مستوعبًا لأسباب كل حادث واقفا على أصول كل خبر وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول فإن وافقها وجرى على مقتضاها كان صحيحًا وإلا زيفة واستغنى عنه وما استكبر القدماء علم التاريخ إلا لذلك حتى انتحله الطبري والبخاري وابن إسحاق من قبلهما وأمثالهم من علماء الأمة، وقد ذهل الكثير عن هذا السر فيه حتى صار انتحاله مجهلة واستخف العوام ومن لا رسوخ له في المعارف مطالعته وحمله الخوض فيه والتطفل عليه فاختلط المرعي بالمهمل واللباب بالقشر والصادق بالكاذب وإلى الله عاقبة الأمور، ومن الخلط الخفي في التاريخ الذهول من تبدل الأحوال في الأمم والأجيال تبدل الأعصار ومرور الأيام وهو داء دوي شديد الخفاء إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وفوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك في الأشخاص، والأوقات والأمصار فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول، سنة الله التي قد خلت في عبادة وقد كانت في العالم أمم الفرس الأولى والسريانيون والنبط والتبابعة وبنو إسرائيل والقبط وكانوا على أحوال خاصة بهم في دولهم وممالكهم وسياستهم وصنائعهم ولغاتهم واصطلاحاتهم وسائر مشاركاتهم مع أبناء جنسهم وأحوال اعتمارهم للعالم تشهد بها آثارهم ثم جاء بعدهم الفرس الثانية والروم والعرب فتبدلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابها وإلى ما يباينها أو يباعدها، ثم جاء الإسلام بدولة مضر فانقلبت تلك الأحوال أجمع انقلابة أخرى، وصارت إلى ما أكثره متعارف لهذا العهد يأخذه الخلف عن السلف، ثم درست دولة العرب وأيامهم وذهبت الأسلاف الذين تقيدوا عزهم ومهدوا ملكهم، وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق والبربر بالمغرب، والفرنجة بالشمال، فذهبت بذهابهم وصار الأمر في أيدي سواهم من العجم مثل الترك بالمشرق، والبربر بالمغرب، والفرنجة بالشمال، فذهبت بذهابهم أمم وانقلبت أحوال وعوائد نسي شأنها وأغفل أمرها والسبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد أن عوائد كل تابعة لعوائد سلطانه إذا استولوا على الدولة والأمر فلا بد وأن يفرعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذوا الكثير منها، ولا يغفلوا عوائد جيلهم مع ذلك فيقع في عوائد الدولة بغض المخالفة لعوائد الجيل الأول فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم وخرجت من عوائدهم وعوائدها خالفت أيضًا بعض الشيء، وكانت للأولى أشد مخالفة، ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهى إلى المباينة بالجملة، فما دامت الأمم والأجيال تتعاقب في الملك والسلطان لا تزال المخالفة في العوائد والأحوال واقعة.
стр. 7424
والقياس والمحاكمة للإنسان طبيعة معروفة ومن الغلط غير مأمونة تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه، فربما يسمع السامع كثيرًا من أخبار الماضين، ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها، فيجريها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد، وقد يكون الفرق بينها كثيرًا فيقع في مهواة من الغلط، فمن هذا الباب ما نقله المؤرخون من أن التعليم في صدر الإسلام والدولتين لم يكن العلم صناعة إنما كان نقلًا لما سمع من الشارع وتعليمًا لما جهل من الدين على جهة البلاغ فكان أهل الأنساب والعصبية الذين قاموا بالملة هم الذين يعلمون كتاب الله وسنة نبيه ﷺ على معنى التبليغ الخبري لا على وجه التعليم الصناعي إذ هو كتابهم المنزل على الرسول منهم وبه هدايتهم والإسلام دينهم قاتلوا عليه وقتلوا واختصوا به من بين الأمم وشرفوا فيحرصون على تبليغ ذلك وتفهيمه للأمة لا تصدهم عنه لائمة الكبر ولا يزعهم عامل الأنفة ويشهد لذلك بعث النبي ﷺ كبار أصحابه مع وجود العرب يعلمونهم حدود الإسلام، وما جاء به من شرائع الدين بعث في ذلك أصحابه العشرة فمن بعدهم، فلما استقر الإسلام ووشجت عروق الملة حتى تناولتها الأمم البعيدة من أيدي أهلها، واستحالت بمرور الأيام أحوالها وكثر استنباط الأحكام الشرعية من النصوص لتعدد الوقائع وتلاحقها، فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطأ وصار العلم ملكة يحتاج إلى التعلم فأصبح من جملة الصنائع والحرف وانقلب حرفة للمعاش.
وقد بين الدكتور صبحي محمصاني قاعدة تغيير الأحكام بتغير العادات، أن هذه الحقيقة التي أدركها علماء الاجتماع والقانون كالعلامة منتسكنو وغيره، قد أدركها علماء الإسلام في القرن السابع الهجري الثالث عشر ميلادي، فلاحظها شهاب الدين القرافي وابن القيم الجوزية وأبو إسحاق الشاطبي، وقد قدمنا كلام ابن خلدون في ذلك، بل هي عند فقهاء المسلمين من البديهية التي لا جدال فيها ونوه بها في أواخر القرن التاسع عشر مفتي الديار المصرية الإمام عبده في مقاله اختلاف القوانين باختلاف الأمم (١) .
стр. 7425
إننا ندرك مما نقلنا أن مصالح الناس تتغير وتتبدل حسب تبدل مظاهر المجتمع وتغيره كما أن أحكامها ومعاملاتها تابعة في تشريعها لمصالحها، فكان منطقيًّا أن تتبدل هذه الأحكام وفق هذه الأحكام وفق تبدل الزمان وتغير الأحوال، وهذه تتأثر بمظاهر المحيط والبيئة الاجتماعية. وأن كثيرًا من الفروع الفقهية ليختلف الحكم فيها باختلاف جلب المصلحة ودرء المفسدة وما يكون مصلحة في زمان قد يكون مفسدة في زمن آخر، وأن من الفقهاء من لم يقتصر في ترتيب الأحكام على خصوص المنصوص فإن لم يجد اجتهد وتأمل وفكر فيما هو أقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ سواء أكان يتعرف ذلك أقرب من نص معين وهو المسمى بالقياس أم الأقرب للمقاصد العامة للشريعة وذلك هو المصلحة وعلى رأس من أخذ بالمصلحة عمر بن الخطاب، فأفتى وأفتى معه كثير من الصحابة بالمصلحة في ذاتها كحكيم بقتل الجماعة بالواحد وكتضمين الصناع، فقد قال علي كرم الله وجهه: لا يصلح الناس إلا ذاك.
وكان عمر ﵁ في إدارة شؤون الدولة يجتهد عن طريق المصلحة فيما لا نص فيه، وقد جاء كتابه إلى أبي موسى الأشعري (الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة اعرف الأشياء والأمثال وقس الأمور عند ذلك) ، وكان له نوعان من الشورى: الشورى الخاصة والشورى العامة وشوراه الخاصة تكون لذوي الرأي من علية الصحابة من المهاجرين والأنصار السابقين وهؤلاء يستشيرهم في أمور الدولة التي يحتاج إلى أوجه النظر المختلفة، سواء أكانت من صغرى أمور الدولة أم كانت من كبراها. وأما الشورى العامة فإنها تكون لأهل المدينة أجمعين وفي الأمور الخطيرة من أمور الدولة أو التي تقرر قاعدة عامة تسير في مستقبل الأمة على أنها من القرارات الثابتة فإذا جد أمر من هذا النوع يجمع أهل المدينة في المسجد الجامع وإذا ضاق بهم جمعهم خارج المدينة وعرض عليهم الأمر الخطير ويتناقشوا فيه، ومن ذلك استشارتهم في أرض سواد العراق فقد كان من رأي الغزاة قسمتها بينهم، وكان من رأي عمر عدم قسمتها وأن تترك في أيدي أهلها الذين كانت أيديهم عليها، وقد تناقشوا فيها يومين أو ثلاثة وانتهى الأمر إلى موافقة عمر عندما ساق لهم قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧] .
стр. 7426
وقد أبطل الإسلام حصره في الأغنياء يتداولونه بينهم ولا ينال أهل الحاجة نصيبًا منه إذ من مقاصد شريعتنا الغراء أن يكون المال دولة بين الأمة الإسلامية على نظام محكم في انتقاله من كل مال لم يسبق عليه ملك لأحد مثل الموات والفيء واللقطات والركاز أو كان جزءًا معينًا مثل الزكاة والكفارات وتخميس المغانم والخراج والمواريث وعقود المعاملات التي بين جانبي مال وعمل، مثل القراض والمغارسة والمساقاة وفي الأموال التي يظفر بها الظافر بدون عمل وسعي مثل الفيء والركاز وما ألقاه البحر (١) .
كان عمر يجمع أهل المدينة ويستشيرهم في الأمور، وكان سكان المدينة في هذا يشبهون سكان أثينا في عهد بركليس إذ كان كل شخص من أهل هذه المدينة له رأي في شؤون الدولة وإن الرأي الذي يكون في اجتماع ويوافق عليه المجتمعون يكون أقوى من الرأي الذي يكون نتيجة دراسة للموضوع من كل نواحيه وجوانبه مع تبادل أوجه النظر المختلفة، ولهذا كان الرأي الجماعي وهو الذي تسير عليه مقتضيات شؤون الدولة وجاء من بعد الصحابة والتابعين من اعتبر الرأي الجماعي إجماعًا وعده مصدرًا رابعًا حتى صارت المصادر عنده الكتاب والسنة والإجماع والرأي، ومما لا شك أن القصد من الأحكام إقامة العدل ودرء المفسدة وجلب المصلحة فيصدر الحكم على وفق ما يحقق تلك المصلحة أو يدرأ تلك المفسدة ويكون علاجًا ناجعًا وتدبيرًا حكيمًا لبيئة معينة في زمن معين، ثم بعد جيل، أو أجيال، وتغير الأحوال لا يبقى صالحًا، ولا محققا للغرض المنشود بل ربما يفضي إلى عكس المطلوب لتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق، ولقد انتبه المتأخرون إلى هذه الحقيقة، ولاحظوها في كثير من المسائل وأفتوا في كثير منها بعكس ما أفتى به الأوائل معللين مخالفتهم لأئمتهم والسابقين من فقهاء مذهبهم باختلاف الزمان وفساد الأخلاق، وهم في الواقع غير مخالفين لهم، موضحين بأنه لو استمر بهم الحال ورأوا ما رأى المتأخرون لقالوا بمثل ما قالوا ولعدلوا عن كثير من الأقوال التي كانوا قد أفتوا بها في قديم الزمان (٢) ويعبرون عن مخالفتهم لمن قبلهم بأنه اختلاف في حال وهؤلاء مجتهدو التخريج المنتسبون وهم الذين اختاروا ما قرره أئمتهم بالنسبة لأصول الاستنباط وخالفوهم في الفروع وإن انتهوا إلى نتائج مشابهة في الجملة إلى ما وصل إليه أئمتهم وهم في الغالب ممن يكون لهم صحبة ملازمة ومن هؤلاء في المذهب الحنفي خالد بن يوسف السمتي وهلال والحسن بن زياد اللؤلؤي، وفي المذهب الشافعي المزني، وفي المذهب المالكي عبد الرحمن بن القاسم وابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن حبيب وغيرهم، ولم يخل عصر في القرون الأولى التي تلت عصر الأئمة من هذا الصنف الذي يتقيد بالمنهاج ولا يتقيد بالفروع كالطحاوي والكرخي وأبي بكر الأصم، فالكرخي مثلًا خالف أبا حنيفة في الأخذ بالكفاءة في الزواج على الصغار والطحاوي كان يتبع المنهج الحنفي وأحيانًا يختار من المذهب الشافعي (٣) .
стр. 7427
ويلي هذه الطبقة طبقة المجتهدين في المذهب واجتهادهم يكون في استنباط أحكام المسائل التي لم يرد فيها عن إمام المذهب رأي فيها واجتهادهم لا يكون في المسائل المنصوص عليها في المذهب إلا في دائرة معينة وهي التي يكون استنباط السابقين فيها مبنيًّا على العرف، أو على ملاحظة أمور من أمور العصر لا وجه لها إلا عرف المتأخرين بحيث لو رأى السابقون ما يرى الحاضرون لرجعوا عما قالوا ولقالوا في هذه وأشباهه إنه اختلاف زمان لا اختلاف دليل وبرهان، وخلاصة القول: إن اجتهاد هؤلاء ينحصر في أمرين: أولهما: استخلاص القواعد التي كان يلتزمها الأئمة السابقون وجمع الضوابط الفقهية التي تتكون من علل الأقيسة التي استخرجها الأئمة. ثانيهما: استنباط الأحكام التي حررت الفقه المذهبي ووضعت أسس الترجيح والموازنة بين الآراء لتصحيح بعضها وتضعيف غيرها وهي التي ميزت الكيان الفقهي لكل مذهب، ويلي هذه الطبقة المجتهدون المرجحون الذين لا يستنبطون أحكام المسائل ولكن يرجحون بين الآراء المروية بوسائل الترجيح التي ضبطها لهم علماء الطبقة السابقة فيرجح هؤلاء بعض الأقوال على بعض بقوة الدليل أو الصلاحية للتطبيق بموافقة أحوال العصر ونحو ذلك مما لا يعد استنباطًا جديدًا مستقلًا أو غير مستقل، وقد عد بعض الأصوليين هذه الطبقة والتي قبلها طبقة واحدة للفرق الدقيق بينهما، ولا يبعد أن نعدهما طبقة واحدة لأن الترجيح بين الآراء بمقتضى الأصول لا يقل وزنًا عن استنباط أحكام الفروع التي لم ترد فيها أحكام من الأئمة والنووي في مقدمة المجموع ذكرهما على أنهما طبقة واحدة وابن عابدين عدهما طبقتين (١) وجعل جملة الطبقات سبعة ذكرها في أول رسالته التي أسماها عقود رسم المفتي (٢) .
وقد رأى الفقهاء أنه لا يصح وقف ما لا فائدة فيه أو مما لا منفعة منه فلا يصح وقف الكلب أو الخنزير والأسباع والبهائم وجوارح الطير التي لا تصلح للصيد وقد اشترط الحنفية أن يكون الموقوف مالًا متقومًا ومثله الوصية، فقد اشترطوا أن يكون متقومًا في عرف الشرع وأن يباح الانتفاع به شرعًا فلا تصح الوصية بنحو خمر وخنزير وكلب وسباع لا تصلح للصيد عند المالكية، وجازت الوصية عند الحنفية بالكلب المعلم والسباع التي تصلح للصيد لتقومها عندهم ولأنها مضمونة بالإتلاف ويجوز عندهم بيعها وهبتها وكذلك الشافعية والحنابلة تصح الوصية فيما نفعه مباح من غير المال ككلب صيد وكلب ماشية وكلب زرع وحرث ونحوها من السباع للصيد، لأن فيها نفعًا مباحًا وتقر اليد عليها (٣) .
стр. 7428
والمروي عن مالك ﵁ أنه لا يرى اتخاذ الكلب لحراسة الدور ولما سئل مالك الصغير أعني عبد الله بن أبي زيد القيرواني عن شأن كلاب الحراسة أجاب بقوله لو أدرك مالك هذا الزمان لاتخذ أسدًا ضاريًا (١) ويؤخذ من ذلك تغير الأحكام التي لا نص فيها بتغير الأحوال والأزمان والناس فتدور الأحكام معها دورانها مع العلة وجودًا وعدمًا ولقد قال الإمام الحافظ ابن يوسف التميمي الصقلي لو أدرك الإمام وأصحابه مثل زماننا (وهو من أبناء القرن الخامس إذ توفي سنة ٤٥١هـ) هذا جعلوا الميراث لذوي الأرحام إذا انفردوا ولقالوا بالرد على ذوي السهام، وذوو الأرحام في اصطلاح الفرضيين هو كل قريب ليس صاحب فرض ولا عصبة كأولاد البنات وأولاد الأخوات وبنات الإخوة، والجد الرحمي وهو من يتصل إلى الميت بأم الجدة الرحمية، والخال والخالة ونحوهم من كل قريب ليس عصبة ولا صاحب فرض، واختلف الفقهاء في توريثهم على رأيين فأبو حنيفة وأحمد قالا بتوريثهم، وهو رأي عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃ مستدلين بقوله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٧٥] ، فيشمل كل الأقرباء أكانوا ذوي فروض أم عصبات أم لا ولحديث البخاري ومسلم ((ابن أخت القوم منهم)) ولقوله ((من ترك مالا فلورثته وأنا وارثه أعقل منه (أي أدفع عنه الدية) وأرثه والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه)) ، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وأعله البيهقي بالاضطراب (٢) .
وذهب مالك والشافعي إلى عدم توريث ذوي الأرحام فإذا هلك هالك عن غير فرض ولا عصبة وله ذو رحم ردت التركة إلى بيت المال وهو رأي زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وأخذ به الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن جرير الطبري واستدلوا بأن الله تعالى ذكر في آيات المواريث نصيب أصحاب الفروض والعصبات ولم يذكر لذوي الأرحام شيئًا ولو كان لهم حق لبينه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ . [سورة مريم: الآية ٦٤] .
وقد قال ﷺ : ((إن الله أعطى لكل ذي حق حقه)) [رواه الترمذي وغيره] . وقد سئل رسول الله ﷺ عن ميراث العمة والخالة فقال: ((أخبرني جبريل أن لا شيء لهما)) رواه أبو داود في المراسيل وقيل في التوفيق بين هذا الحديث وما رواه المثبتون لذوي الرحم في الميراث أن نفي الميراث عن العمة والخالة كان قبل نزول آية الأنفال من قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٧٥] أو أن العمة والخالة ليس لهما فرض مقدر وأنهم لا يرثون مع العصبة ولا مع ذي فرض يرد عليه، فإن الرد على ذوي الفروض مقدم على توريث ذوي الأرحام ولكنهم يرثون مع من لا يرد عليه وهما الزوجان والرد هو دفع ما فضل لأنه زيادة في الأنصبة ونقص في السهام فيرد ما فضل عن فرض ذوي الفروض النسبية عليهم بقدر سهامهم ولا يرد على الزوجين وارد عند الفرضيين هو دفع ما فضل من أصحاب الفروض النسبية إليهم بقدر حقوقهم عند عدم العصبة وللعلماء في الرد رأيان فريق يرى عدم الرد وإنما يكون الباقي من التركة بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم ولا عاصب للهالك يكون الباقي لبيت المال وهو مذهب زيد بن ثابت وبه أخذ مالك والشافعي ودليلهم أن الله قد بين نصيب كل وارث بالنص فلا يجوز الزيادة عليه بغير دليل.
стр. 7429
وقد قال رسول الله ﷺ : ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا يستحق وارث أكثر من حقه)) ، ويرى جمهور من الصحابة والتابعين الرد على غير الزوجين وبه أخذ الحنفية والحنابلة، قال الغزالي والفتوى اليوم على الرد على غير الزوجين عند عدم المستحق لعدم بيت المال إذ الظلمة لا يصرفونه إلى مصرفه وهذا ما جعل ابن يونس يقول لو أدرك الإمام وأصحابه مثل زماننا هذا لجعلوا الميراث لذوي الأرحام إذا انفردوا ولقالوا بالرد على ذوي السهام (١)
لقد أجاد وأفاد ابن القيم الجوزية حين لاحظ أن تغير الفتوى واختلافها تتغير بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد وذكر أن بسبب الجهل بهذه الحقيقة وقع غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يتنافى مع الشريعة التي هي في أعلى رتب المصالح موضحًا لذلك بتنزيل الشرط العرفي منزلة الشرط اللفظي كوجوب نقد البلد عند الإطلاق وكالسلامة من العيوب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلا لا شتراط السلامة من العيوب عرفا منزلة اشتراطها لفظًا وكوجوب الوفاء للمسلم فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظًا بناء على الشرط العرفي وكدفع الثوب لمن يغسله أو يخيطه أو العجين لمن يخبزه أو اللحم لمن يطبخه أو الحب لمن يطحنه أو مشاعًا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك فإنه يجب له أجرة المثل وإن لم يشترط معه ذلك لفظًا عند جمهور العلماء، بل حتى عند المنكرين لتنزيل الشرط العرفي منزلة الشرط اللفظي وكل هذا لأن المؤمنين والمؤمنات وبعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا جاز لأحدهم ضم اللفظة ورد الآبق وحفظ الضالة وله أن يحسب ما أنفقه عليها وينزل إنفاقه منزلة إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظًا لمال أخيه وإحسانًا إليه ولو علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلًا في حكم الشرع لما أقدم على ذلك ولضاعت مصالح الناس ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضًا وتعطلت حقوق كثيرة وفسدت أموال عظيمة، ومعلوم أن شريعة من بهرت شريعته العقول وفاقت كل شريعة واشتملت على مصلحة وعطلت كل مفسدة تأبى ذلك كل الإباء (٢) وهذا الذي لاحظه ابن القيم، قد أدركه كثير من الأئمة قبله فهذا مالك بن أنس يقول تحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا وكلمة عمر بن عبد العزيز في ذلك مشهورة تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ولما كانت الأحكام بالنسبة للمصالح كتعلق المسببات بأسبابها والمعلولات بعلاتها تعين أن تتغير الأحكام عند تغيراتها ومعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا فبوجودها يوجد وبانعدامها ينتهي، قال ابن عابدين: إن كثيرًا من الأحكام التي نص عليها المجتهد صاحب المذهب بناء على ما كان في عرفه وزمانه قد تغيرت بتغير الأزمان بسبب فساد أهل الزمان أو عموم الضرورة من إفتاء المتأخرين بجواز الاستئجار على تعليم القرآن وعدم الاكتفاء بظاهر العدالة. إن ذلك مخالف لما نص عليه أبو حنيفة ومن ذلك تحقق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام بناء على ما كان في عصره أن غير السلطان لا يمكنه الإكراه، ثم كسر الفساد فصار يتحقق الإكراه من غيره، فقال محمد باعتباره وأفتى به المتأخرون ومن ذلك تضمين الساعي مع مخالفته لقاعدة المذهب من أن الضمان على المباشر دون المتسبب ولكن أفتوا بضمانه زجرًا لفساد الزمان ومنه تضمين الأجير المشترك وقولهم إن الوصي ليس له المضاربة بمال اليتيم في زماننا وإفتاؤهم بتضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف وعدم إجارته أكثر من سنة في الدور وأكثر من ثلاث سنين في الأراضي مع مخالفته لأصل المذهب من عدم الضمان وعدم التقدير بمدة ومنعهم القاضي أن يقضي بعلمه وإفتاؤهم بمنع الزوج من السفر بزوجته وإن وافاها المعجل لفساد الزمان وعدم سماع قوله أنه استثنى بعد الحلف بطلاقها إلا ببينة مع أنه خلاف ظاهر الرواية وعللوه بفساد الزمن وعدم تصديقها بعد الدخول مما بانها لم تقبض ما اشترط لها تعجيله من المهر مع أنها منكرة للقبض وقاعدة المذهب أن القول للمنكر لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبضه وكذا قالوا في قوله كل حل علي حرام يقع به الطلاق للعرف عند مشائخ بلخ ولا يقع إلا بالبينة عند محمد وقال: أما عرف بلادنا يريدون به تحريم المرأة فيحمل عليه.
стр. 7430
نقله العلامة قاسم ونقل عن مختارات النوازل أن عليه الفتوى لغلبة الاستعمال بالعرف إلى أن قال بعد أن عدد فروعًا كثيرًا فهذه كلها قد تغيرت أحكامها لتغير الزمان إما للضرورة وإما للعرف وإما لقرائن الأحوال وكل ذلك غير خارج عن المذهب، لأن صاحب المذهب لو كان في هذا الزمان لقال بها ولو حدث هذا التغير في زمانه لم ينص على خلافها، فللمفتي اتباع عرفه الحادث في الألفاظ العرفية وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عرف زمانه وتغير عرفه إلى عرف آخر اقتداء بهم بشرط أن يكون له من الرأي والنظر الصحيح والمعرفة بقواعد الشرع ما يميز بين العرف الذي يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره وقد شرط المتقدمون في المفتي الاجتهاد وهو مفقود فلا أقل من أن يكون عارفًا المسائل بشروطها وقيودها ومن معرفة عرف زمانه وأحوال أهله والتخرج في ذلك على أستاذ ماهر، وفي الغنيمة ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف وهو صريح في أن المفتي لا يفتي بخلاف عرف أهل زمانه (١)
وفي الأشباه في البزازية من أن المفتي يفتي بما يقع عنده من المصلحة علق عليه ابن عابدين في رد المحتار في باب القسامة فيما لو ادعى الولي على رجل من غير أهل المحلة وشهد اثنان منهم عليه لم تقبل عنده وقالا: تقبل إلى آخر (٢) . ونقل السيد الحموي عن العلامة المقدسي أنه قال: توقفت عن الفتوى بقول الإمام ومنعت من إشاعته لما يترتب عليه من الضرر العام، فإن من عرفه من المتمردين يتجاسر على قتل النفس في المحلات الخالية من غير أهلها معتمدًا على عدم قبول شهادتهم عليه، قال ابن عابدين: ينبغي الفتوى على قولهما لا سيما والأحكام تختلف باختلاف الأيام، وفي باب ما يوجب القضاء والكفارة من كتاب الصوم عند قول الهداية: ولو أكل لحمًا بين أسنانه لم يفطر وإن كان كثيرًا يفطر وقال زفر: يفطر في الوجهين، فإذا كان ما بين الأسنان دون الحمصة فلا يفطر لأنه تابع لريقه وكذلك مضغ مثل سمسمة من خارج فمه حتى تلاشت ولم يجد لها طعمًا في حلقه فلا يفطر لعدم ابتلاع شيء، أما المالكية فترى أن وصول أي شيء إلى المعدة سواء أكان مائعًا أم غيره من فم أو أنف أو أذن أو عين أو إذا كان وصوله عمدًا أو خطأً أو سهوًا أو غلبه فإنه يفطر (٣) .
وعند الشافعية لا يفطر بابتلاع ما بقي من الطعام بين الأسنان من غير قصد إن عجز عن تمييزه ومجه لأنه معذور فيه غير مقصر فإن قدر على تمييزه ومجه وابتلعه ولو قليلًا دون الحمصة، فإنه يفطر (٤) .
стр. 7431
قال ابن عابدين والتحقيق أن المفتي في الوقائع لا بد له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس وقد عرف أن الكفارة تفتقر إلى كمال جناية فينظر إلى صاحب الواقعة إن كان ممن يعاف طبعه ذلك أخذًا بقول أبي يوسف وإن كان ممن لا أثر لذلك عنده أخذ بقول زفر ويعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس وما هو الأرفق بالناس وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه ولا يخلو الوجود من تمييز هذا حقيقة لا ظنًّا بنفسه ويرجع من لم يميز إلى من يميز لبراءة ذمته، قال ابن عابدين: فهذا كله صريح فيما قلنا من العمل بالعرف ما لم يخالف الشريعة كالمكسب والربا ونحو ذلك فلا بد للمفتي وللقاضي بل وللمجتهد من معرفة أحوال الناس وقد قالوا: ومن جهل بأهل زمانه فهو جاهل وقد قالوا: يفتى بقول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء لكون جرّب الوقائع وعرف أحوال الناس وفي البحر كان محمد يذهب إلى الصباغين ويسأل عن معاملاتهم وما يدبرونها فيما بينهم (١) .
ومما يوضح جليا اختلاف الحكم باختلاف الزمان لاختلاف الأحوال ما قرره الفقهاء الأوائل من عدم جواز أخذ الأجرة على الطاعات كقراءة القرآن والأذان والإمامة ونحوها من الطاعات فيؤذن الإنسان محتسبًا ولا يأخذ على الأذان والإقامة أجرًا باتفاق العلماء ولا يجوز أخذ الأجرة على ذلك عند الحنفية والحنابلة على ظاهر المذهب لأنه استئجار على الطاعة وقربة لفاعله والإنسان في تحصيل الطاعة عامل لنفسه فلا تجوز الإجارة عليه كالإمامة وغيرها ولأن النبي ﷺ قال لعثمان بن أبي العاص ((واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على آذانه أجرًا)) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن وأجاز المالكية والشافعية في الأصح الاستئجار على الآذان لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الأجر عليه كسائر الأعمال.
стр. 7432
وأفتى متأخرو الحنفية وغيرهم بجواز أخذ الأجرة على القربات الدينية ضمانًا لتحصيلها بسبب انقطاع المكافآت المخصصة لأهل العلم من بيت المال كما أن الحنابلة قالوا: إن لم يوجد متطوع بالآذان والإقامة أعطى من يقوم بها من مال الفيء المعد للمصالح العامة وكذلك كرهوا أخذ أجرة على الغسل والتكفين والحمل والدفن وأجاز الحنفية أخذ الأجر على تلك الأمور، فالحمال والحفار كالعامل إن وجد غيره وإلا فإن لم يوجد غيره فلا يجوز أخذ الأجرة لتعينه عليه حيث صار واجبًا عينيًّا ولا يجوز أخذ الأجرة على الطاعة ولكن أجاز المتأخرون الأجرة على الطاعات للضرورة جاء في رسالة نشر العرف: اعلم أن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتة بصريح النص وهي الفصل الأولى وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثير منها ما يبينه المجتهد على ما كان في عرف زمانه. بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولًا ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد أنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا للزم منه المشقة والضرر بالناس ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام ولذا ترى مشائخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذا من قواعد مذهبه فمن ذلك إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطايا المعلمين التي كانت في الصدر الأول ولو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة وصناعة يلزم ضياع القرآن والدين فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم وكذا على الإمامة والأذان كذلك مع أن هذا مخالف لما اتفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك، ومن ذلك قول الإمامين بعد الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفته لما نص عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمانه من غلبة العدالة، لأنه كان في الزمن الذي شهد له رسول الله ﷺ بالخيرية وهما أدركا الزمن الذي فشى فيه الكذب وقد نص العلماء على أن هذا الاختلاف اختلاف عصر وأوان لا اختلاف حجة وبرهان. ومن ذلك تحقق الإكراه من غير سلطان مع مخالفته لقول الإمام بناء على ما كان في زمنه من أن غير السلطان لا يمكنه الإكراه ثم كثر الفساد فصار يتحقق الإمام بناءً على ما كان في زمنه من أن غير السلطان لا يمكنه الإكراه، ثم كثر الفساد فصار يتحقق الإكراه من غيره فقال محمد ﵀ باعتباره، وأفتى به المتأخرون لذلك، ومن ذلك تضمين الساعي مع مخالفته لقاعدة المذهب من أن لا ضمان على المباشر دون المتسبب، ولكن أفتوا بضمانه زجرًا بسبب كثرة السعاة المفسدين، ومنها تضمين الأجير المشترك وقولهم إن الوصي ليس له المضاربة بمال اليتيم في زماننا وإفتاؤهم بتضمين الغاصب عقار اليتيم والوقف وبعدم إجارته أكثر من سنة في الدور وأكثر من ثلاث سنين في الأراضي مع مخالفته لأصل المذهب من عدم الضمان وعدم التقدير بمدة (١) .
стр. 7433
ومن هذا القبيل أيضا ما قرره الفقهاء من عدم جواز استناد القاضي لعلمه في أحكامه بحيث يعتبر علمه بالقضية المتنازع فيها مستندًا لقضائه ويغني المدعي من إثبات البينة ويكون علمه مغنيًا عنها وكافيًا، وهذا التغير في الزمان وفساد الأخلاق وغلبة أخذ الرشاوى والفساد في القضاة فيما بعد، ولهذا أجمع المتأخرون بأنه لا يجوز له أن يستند إلى علمه في القضايا بل قضاؤه يجب أن يستند إلى وسائل الإثبات ولو كان مطلعًا على القضية عالمًا بجزئياتها، نعم للقاضي أن يستند إلى علمه من حيث عدالة الشهود وجرحهم فيحكم بشهادة من علم عدالته دون من يعلم جرحه وأما فيما عداه فقد شدد مالك استناده لعلمه وحكمه به ووجه استناده إلى علمه في العدل أو التجريح هو أنه لو لم يجز له ذلك إلا ببينة لاحتاج إلى تعديل البينة وتعديل معدلهم إلى ما لا نهاية له فاضطر إلى الحكم بعلمه في ذلك. قاله ابن يونس وحكاه عن ابن الماجشون، وقد وجهه بعضهم بشهرة حالة العدالة وحالة الجرح عند الناس فقل ما ينفرد القاضي بعلمهم ذلك دون غيره فترتفع المظنة عنه وتبعد التهمة عنه لاشتراك الناس معه في معرفة ما حكم به في حق المعدل أو المجرح من كلتا الحالتين، قاله الإمام المازري، وينبغي أن لا يحكم إلا بحضرة الشهود ليحكم بشهادتهم لا بعمله ولا يجوز للقاضي أن يقضي بما علمه في مجلس القضاء بأن أقر بين يديه طائعا (١) .
ودليل المالكية على الجواز ما أخرجه الستة وأحمد عن أم سلمة من قوله ﷺ ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخية شيئًا فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من النار)) فدل الحديث على أنه يقضي بما يسمع لا بما يعلم وقال النبي ﷺ في قضية الحضرمي والكندي: ((شاهداك أو يمينك ليس لك منه إلا ذلك)) ، رواه الشيخان وأحمد عن الأشعث بن قيس.
وقضت الحنفية في قضاء القاضي بعلم نفسه بالمعاينة أو بسماع الإقرار أو بشهادة الأحوال فإن قضي بعلم حدث له في زمن القضاء وفي مكانه بالحقوق المدنية كالإقرار بمال الرجل، أو بالحقوق الشخصية كطلاق رجل لامرأته أو في بعض الجرائم كقصف وقتل إنسان جاز قضاؤه ولا يجوز قضاؤه بعلم نفسه في الحدود الخالصة لوجه الله وإلا أن في السرقة يقضي بالمال لا بالقطع لأنه يحتاط في الحدود مالا يحتاط في غيرها وليس من الاحتياط الاكتفاء بعلم نفسه.
стр. 7434
ثانيا: أن يقضي بعلم نفسه قبل أن يقلد منصب القضاء أو بعد أن قلده، ولكن قبل أن يصل إلى البلد الذي ولي قضاءه فهذا لا يجوز أن يستند إلى علمه عند أبي حنيفة أصلا وعند صاحبيه يجوز فيما سوى الحدود الخالصة لله قياسًا على جواز قضائه فيما علمه زمن القضاء، ورد هذا القياس بالفرق بين الحالتين ذلك أن العلم المستفاد في زمن القضاء علم في وقت يكون القاضي فيه مكلفًا بالقضاء فأشبه البينة القائمة فيه، أما العلم الحاصل في غير زمن القضاء فلا يصلح لأنه ليس في معنى البينة فلم يجز القضاء به لأن البينة المعتبرة أن يسمع القاضي الشهود في ولايته، أما ما يعلمه قبل ولايته فهو بمنزلة ما يسمعه من الشهود قبل ولايته، وهو لا قيمة له فأبو حنيفة يرى أن ما كان من حقوق الله كالحدود الخالصة له، لا يحكم القاضي فيها بعلمه لن حقوقه سبحانه مبنية على المسامحة والمساهلة أما حقوق الناس مما علمه القاضي قبل ولايته لا يحكم به وما علمه في ولايته حكم به (١) .
والمعتمد عند المتأخرين من الحنفية والمفتى به عدم جواز استناد القاضي في قضائه لعلمه مطلقًا في هذا الزمان لفساد قضاة الزمان (٢)
أما الشافعية، فالأظهر عندهم أن القاضي يقضي بعلمه قبل ولايته أو في أثنائها في محل ولايته أو غيرها سواء أكان في الواقعة بينه أم لا إلا في حدود الله تعالى وعلى هذا فيجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في الأموال وفي القصاص وحد القذف على الأظهر لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو الشاهدان فقضاؤه بما يفيد القطع وهو عمله أولى، أما الحدود الخاصة لله تعالى كالزنا والسرقة والمحاربة وشرب المسكرات فلا يقضي بعلمه فيها، لأن الحدود تدرأ بالشبهات ولأنه يندب سترها لكن إن اعترف أحد بموجب الحد ومجلس الحكم قضى فيه بعلمه (٣) لقوله ﷺ : ((واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) (٤) وفي قصة العسيف (أى الأجير) الذي زنى بامرأة.
وعند الحنابلة ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها، قال ابن قدامة: وهذا قول شريح والشعبي ومالك وإسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن، وهو أحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية أخرى يجوز له ذلك، وهو قول أبي يوسف وأبي ثور والقول الثاني للشافعي واختيار المزني لأن النبي ﷺ لما قالت له هند إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطينا من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال لها: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) وهو حكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين لأنهما يغلبان على الظن، فما تحققه وقطع به كان أولى ولاية بحكم تعديل الشهود وجرحهم فكذلك في ثبوت الحق قياسًا عليه والظاهر من مذهب الحنابلة أن القاضي لا يستند إلى علمه في حكمه على أحد المتخاصمين لما ورد في الحديث السابق من قوله: ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه)) فدل على أنه يقضي بما يسمع لا بما يعلم ولقوله ﷺ في قضية الحضرمي والكندي: ((شاهداك أو يمينه ليس لك منه إلا ذاك)) ولما روي عن عمر ﵁ أنه تداعى عنده رجلان، فقال له أحدهما أنت شاهدي فقال إن شئتما شهدت ولم أحكم ولا أشهد ونحن وإن قلنا خلاف المذاهب الأربعة في استناد القاضي لعلمه في أحكامه، فقد نقلنا عن ابن عابدين اتفاق الفقهاء على عدم جواز استناد القاضي لعلمه في أحكامه معللًا ذلك بتغير الزمان وفساد الأخلاق وغلبة أخذ الرشاوى والفساد في القضاة فيما بعد، ولهذا أجمع المتأخرون على عدم جواز استناده لعلمه، فإن أراد أن يشهد بما في علمه فعليه أن يتخلى عن القضاء في القضية التي يعلمها (٥) .
стр. 7435
وكم من حكم كان مستنده على أحوال الناس وأخلاقهم في عهد الرسول ﷺ وتبدلت الأحوال بعد ذلك وتغيرت وفسدت الأخلاق خلال الحكم النبوي بحكم يتماشى وغرض الشارع في تحقيق جلب المصالح ودرء المفاسد وصيانة الحقوق وهذا مما سلكه الصحابة الكرام بعد عهد الرسول ﵊، فمن ذلك ما رواه البخاري وغيره أن النبي ﷺ سئل عن ضالة الإبل هل يلتقطها من وجدها لتعريفها وردها على صاحبها حين يظهر، ونهى رسول الله ﷺ عن التقاطها، وقال لمن سأل عنها: ((مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد المال وتأكل الشجر حتى يجدها ربها)) ، والحذاء الخف والسقاء الجوف، وسأله عن الشاة فقال خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب، وقد رجح الحنابلة أن كل حيوان يقوى على الامتناع من صغار السباع وورود الماء لا يجوز التقاطه ولا التعرض له سواء كان لكبر حجمه كالإبل والخيل والبقر أو لطيرانه كالطيور كلها أو لسرعته كالظباء والصيود أو بغابة كالكلاب والفهود وجاء عن عمر ﵁ من أخذ ضالة فهو ضال أي مخطئ، وبهذا قال الشافعي والأوزاعي وأبو عبيد وقال مالك والليث في ضالة الإبل من وجدها في القرى عرفها ومن وجدها في الصحراء لا يقربها ورواه المزني عن الشافعي وكان الزهري يقول من وجد بدنة فليعرفها، فإن لم يجد صاحبها فلينجزها قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة وقال أبو حنيفة ولفظ يباح التقاطها لأنها لقطة أشبهت الغنم والبقر كالشاة عند مالك وهو ملحق بالإبل عند جماعة.
وقد ظل حكم ضالة الإبل وتركها وعدم التقاطها إلى آخر عهد عمر بن الخطاب فلما جاء عهد عثمان بن عفان أمر ﵁ بالتقاطها وبيعها على خلاف ما أفتى به رسول الله ﷺ حين سئل عن ضالة الإبل وقال عثمان: فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها قال الباجي في المنتقى: فلما كان في زمن عثمان وعلي ﵄ ولم يؤمن عليهما لما كثر في المسلمين من لم يصحب النبي ﷺ وكثر تعديهم عليها أباحوا أخذها لمن التقطها ورفعها إليهم ولم يروا ردها إلى موضعها، وقد كان عمر بن الخطاب أمر ثابت بن الضحاك بتعريفها ثم أباح له ردها إلى موضعها.
стр. 7436
قال الباجي: وإنما اختلفت الأحكام في ذلك لاختلاف الأحوال، وقد قال مالك فيمن وجد بعير: فليأتِ به الإمام يبيعه يجعل ثمنه في بيت المال قال أشهب: إذا كان الإمام عدلا ومعنى ذلك أنه أمن عيها من التعدي فيها فيتركها في موضعها أفضل لأنه يؤمن عليها ضياعها من غير هذا الوجه، ويستغني عن الانفاق عليها والتمون لها وقصد صاحبها إلى ذلك الموضع وتتبع أثرها منه أيسر عليه من طلبها في الآفاق البعيدة، لأنه لا يدري من آواها قريب الدار وبعيدها، فإن خاف عليها متعديًا يتلف عينها؛ كأن أخذها ورفعها إلى الإمام ينظر فيها لصاحبها أفضل له وأمن عليه، والله أعلم وأحكم. وهذا معنى ما روي عن عمر بن عبد العزيز يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (١) فهذا وإن خالف أمر الرسول في الظاهر فهو موافق لمقصوده إذ لو بقي العمل على ما كان عليه في عهد الرسول لأدى ذلك إلى عكس مقصد الشارع وهو صيانة الأموال وحفظها من الهلاك والذوبان.
من هذا القبيل أيضًا نهيه ﷺ عن كتابة سننه، فقد ثبت عنه ((من كتب عني غير القرآن فليمحه)) واستمر الأمر بعدم كتابة الأحاديث بين الصحابة والتابعين يتناقلون السنة النبوية حفظًا وتلقينًا ودام ذلك إلى آخر القرن الأول من الهجرة وفي مطلع القرن الثاني انصرف العلماء إلى تدوين السنة النبوية لأنهم خافوا ضياعها بموت حفاظها وأدركوا أن سبب نهيه ﵇ عن كتابة الأحاديث إنما هو خشية وقوع اللبس والاختلاط بين القرآن والسنة، فلما زال موجب هذا الاختلاط لم يبقَ مانع من كتابة الحديث، بل صار من الواجب تدوينه لحفظ السنة النبوية، ولقد نقلنا عن ابن عابدين أنه لا بد للحاكم من وفقه في أحكام الحوادث الكلية وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس حتى يميز بين الصادق والكاذب وبين المحق والمبطل وحتى يطابق بين هذا وذاك، كما أن المفتي لا بد له من معرفة عرف الناس وعاداتهم ومن معرفة الزمان وأهله ومعرفة ما إذا كان العرف عاما أو خاصًا حتى إن من جهل ذلك ولم يكن عالما بأحوال أهلها وعاداتهم وأعرافهم ومقتضيات ألفاظهم فهو جاهل (٢) . ولهذا المعنى اشترط فقهاء المالكية أن يكون القاضي بلديا حيث الذي يعرف أحوال أهلها وعاداتهم وأعرافهم ومعاني من ألفاظهم في اصطلاحهم وعاداتهم قال الإمام محمد بن أحمد ميارة فيما يشترط في القضاء: تنبيه زاد ابن الحاجب في الشروط المستحبة كونه غنيًا لا دين عليه بلديًّا معروف النسب غير محدود، حليمًا مستشيرًا لا يبالي لومة لائم، سليمًا من بطانة السوء غير زائد في الدهاء.
стр. 7437
قال ابن عبد السلام والظاهر الاكتفاء بالغنى عن عدم الدين واستحب كونه بلديًّا ليعرف الناس والشهود، والمقبولين من الشهود وغيرهم (١) فمعرفة عوائد القوم وعاداتهم يعين القاضي على أن يوفق إلى طرق الصواب. وقد أجريت الصدقات والأوقاف من الرسول ﷺ ومن أصحابه منها صدقة عمر الذي أشار بها عليه رسول الله ﷺ وكذلك صدقة أبي طلحة الأنصاري فإنها كانت بإشارة رسول الله ﷺ كذلك صدقة عثمان ببئر رومة، حيث قال رسول الله ﷺ : ((من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين)) فاشتراها عثمان ﵁ وتصدق بها على المسلمين كذلك تصدق سعد بن عبادة بمخراف له عن أمه توفيت، فكانت هذه الصدقات أوقافًا ينتفع المسلمون بثمرتها على تفصيل شروطها فلا شبهة وإن مقاصد الشريعة إكثار هذه العقود، فلذا تعجب مالك ﵁ من القاضي شريح في منفعة التحبيس وقال لما أخبر بمقالة شريح: (رحم الله شريحًا تكلم ببلاده ولم يرد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج رسول الله ﷺ أصحابه والتابعين بعدهم وما حبسوا من أموالهم وهذه صدقات رسول الله ﷺ سبع حوائط وينبغى للمرء أن لا يتكلم إلا بما أحاط به خبرًا (٢) ، وفي شرح الزقاقية قيل لابن عبد السلام التونسي: إن هؤلاء القوم امتنعوا من توليتك القضاء لأنك شديد في الحكم فأجاب: أنا أعرف العوائد وأمشيها (٣) ولهذا قال الصنهاجي في مواهب الخلاف: ينبغى للقاضي أن يكون عارفًا بعوائد أهل البلد الذي ولي به ليجزي الناس على عوائدهم وأعرافهم المنزلة منزلة الشرط المدخول عليه صريحًا (٤) ، ولا شك أن الحكمة في معرفة أحوال الناس وأعرافهم وعاداتهم وتقاليدهم تعين كثيرًا القاضي إلى بلوغ الهدف والصواب والأحكام بين أهل الخصام خصوصًا فيما لا نص فيه على أن القاضي بمعرفته لعادات وتقاليد القوم يتضح له ويميز بين المدعى عليه فينكب عن الخطأ في تكليف أحد المتخاصمين بغير ما عينه الشارع له، فإن المدعى عليه من عضده أصل أو عرف وأنه إن شهد لأحدهما الأصل وللآخر العرف كان من شهد له العرف هو المدعى عليه (٥) قال القرافي في الفرق الستين والمائة، وقال مالك في المدونة إذا اختلف الزوجان قضي للمرأة بما هو شأن النساء وللرجال بما هو شأن الرجال وما يصلح لهما قضي به للرجل لأن البيت بيته في مجرى العادة وهو تحت يده فيقدم لأجل اليد ووافق مالكًا أبو حنيفة والفقهاء السبعة ﵃ أجمعين، وقال الشافعي: لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة كسائر المدعين وقياسًا على الصباغ والعطار إذا تداعيا آلة العطر أو الصبغ فإنه لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وإن شهدت العادة بأن الآلة للعطار وآلة الصبغ للصباغ فكذلك ههنا، قال ابن يونس: إذا فرعنا على مذهب مالك يحلف من قضى له، وقال سحنون ما عرف لأحدهما لا يحلف، وقال ابن القاسم: ما كان شأن الرجال وشأن النساء قسم بينهما بعد يمينهما لاشتراكهما في اليد وما ولي الرجل شراءه من متاع البيت وشهدت له البينة أخذه بعد يمينه ما اشتراه إلا له وكذلك المرأة، فإن اختلفا في البيت نفسه فهو للرجل لأنه ملكه في غالب العادة ولأن يده عليه، قال ابن يونس: الذي يختص بالرجل نحو العمامة فالقول قوله فيه بغير يمين إلا أن تدعي المرأة إرثه فيحلف، قال ابن حبيب: ولا يكفي أحدهما أن يقول هذا لي لأنه متاع البيت حتى يقول: هذا ملكي قال عبد الحق: وتهذيب الطالب لو تنازعا في رداء، فقال: هو لها إلا الكتاب بأن قال: اشتريته، فقال: اصبغ له بقدر كتانة ولها بقدر عملها لأنه لو ادعاه صدق (٦)
стр. 7438
والعرف إذا تغير تغير الحكم بتغيره في كل ما كان مرجعه للعرف، فقد قال القرافي: إذا جاءك رجل من غير إقليمك لا تجره على عرف بلدك والمقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح والجمود على المنقولات أيا كانت إضلال في الدين وجهل بمقاصد المسلمين والسلف الماضي (١) ، وقد ذكر في الأحكام أن الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب مالك والشافعي وغيرهما المترتبة على العوائد والعرف اللذين كانا صالحين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام، إذا تغيرت تلك العوائد وصارت تدل على ضد ما كانت تدل عليه أولًا فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة في الكتب ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة، أو يقال: نحن مقلدون ومالنا شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد فنفتي بما في الكتب المنقولة من المجتهدين، قال القرافي: فالجواب أن جري هذه الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين بل كل ما في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة وليس ذلك تجديدًا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هي قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها فنحن نتبعهم فيها من غير اجتهاد، ألا ترى أنهم أجمعوا على أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقدًا معينًا حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عينًا من انتقلت العادة إليه وألغينا الأول لانتقال العادة عنه، وكذلك الإطلاق في الوصايا والأيمان وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد وكذلك الدعاوي إذا كان القول قول من ادعى شيئًا لأنه العادة ثم تغيرت العادة لم يبقَ القول قول مدعيه، بل انعكس الحال فيه ولا يشترط فيه تغير العادة، بل لو خرجنا نحن من ذلك البلد إلى بلد آخر عوائدهم على خلاف عادة البلد الذي كنا فيه أفتيناهم بعادة بلدهم ولم تعتبر عادة البلد الذي كنا فيه وكذلك إذا قدم أحد من بلد عادته مضادة للبلد الذي نحن فيه لم نفته إلا بعادة بلده.
تعارض العرف مع غيره من الأدلة:
لا يخلو الأمر من أن يعارض العرف نصًا من كتاب أو سنة أو أن يعارض دليلًا آخر من قياس واستحسان ومصلحة مرسلة والنص لا يخلو حالة من أن يكون خاصا أو عامًا، فإذا كان النص خاصًّا وكان العرف بخلافة فلا اعتداد لهذا العرف ولا اعتبار به، وقد كانت كثيرًا من العادات المتعارفة عند العرب قد أبطلها الشرع بورود النصوص بخلافها لذا أن من المتفق عليه أنه مهما كان العرف مخالفا للنص الوارد من الشرع عملنا بالنص وتركنا العرف المخالف. ذلك أن النص أقوى من العرف ولا يترك الأقوى بالأضعف، كما قال السرخسي في مبسوطه (٢) ، وقد بسطنا فيه القول في ما تقدم ونقلنا كلام الإمام الشاطبي في ذلك موضحين أنه لو كنا نعتد بالعرف مع وجود النص من الكتاب والسنة لنقضنا الشريعة ولعطلنا العمل بها ولم يبق لها معنى كما قاله الشاطبي (٣) .
стр. 7439
فالعرف إذن لا يعمل به إلا في الحدود التي تركها الشرع للمكلفين في ميادين الأعمال والالتزامات دون الحالة التي تولى الشارع فيها بنفسه تحديد الأحكام فيها على سبيل الإلزام فلا اعتبار للعرف في مخالفته للنص، إلا أن النص الوارد إذا كان صدوره مبنيًا على العرف ومعللًا به، فإن هذا النص يكون قد لاحظ عرف الناس فيدور حنيئذ حكمه مع العرف ويتبدل بتبدله (١) مثاله الحديث المروي عن عبادة بن الصامت: الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل، والتمر بالتمر مثلًا بمثل، والبر بالبر مثلًا بمثل، والملح بالملح مثلًا بمثل، والشعير بالشعير مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، رواه مسلم لقد اتفق العملاء على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد إلا سعيد بن جبير، فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا كالحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة بالدخن لأنهما يتقارب نفعهما فجريا مجرى نوعي جنس واحد، واتفق الفقهاء على أن علة الذهب والفضة واحدة وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما فقيل: إن العلة في الذهب والفضة كونه موزون جنس وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس وهو قول النخعي والزهري والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي فيجرى لا ربا في كل مكيل أو موزون من جنسه مطعومًا كان أو غير مطعوم كالحبوب والنورة والقطن والصوف والكتان والحناء والحديد والنحاس ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن فيجوز بيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل لأن العلة المساواة والمؤثر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس، لأن الكيل والوزن يسوى بينهما صورة والجنس يسوى بينهما معنى، فكانا علة ولأنا وجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساووا في الكيل وقيل: إن العلة في الأثمان الثمنية وفيما عداها الطعمية فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها وهو قول الشافعي، فالعلة الطعم والجنس الشرط والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالبًا فيختص بالذهب والفضة، ولما روى معمر بن عبد الله ((نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثل)) رواه مسلم، ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان والثمنية وصف شرف إذ بها قوام الأموال فيقتضى التعليل بهما ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلافها في الموزونات لأن أحد وصفي علة ربا الفضل يكفي في تحريم النسا (٢) .
стр. 7440
وعند مالك العلة هي مجموع الاقتياد والادخار فهذا هو علة المنع في الربوي، وهذا هو القدر المشترك بين الأنواع الأربعة الأخيرة المناسب للتحريم، وقد نبه ﷺ بذكرها ليبقى للعلماء مجال في الاجتهاد ويكون داعيا لبحثهم الذي هو من أعظم القرب فجاء في الحديث ((لا تبيعوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إن كان يدًا بيد)) ولقد نبه ﷺ بذكرها ونص على البر الذي هو قوت اليسر والشعير الذي هو قوت العسر لينبه بهما على الوسط كالأرز والدخن والذرة والسلت وذكر التمر لينبه به على المقتات المدخر الذي فيه ضرب من التفكه، كالزبيب والعسل والسكر وذكر الملح لينبه به على مصلح الأقوات، وإنما كان مجموع الاقتياد والادخار علة منع ربا التفاضل لأن ما اتصف به شرف مناسب أن لا يبدل كثيره بقليله الاقتياد والادخار علة منع ربا التفاضل لأن ما اتصف به شرف مناسب أن لا يبدل كثيرة بقليله صونًا للشرف عن الغبن وجاز التفاضل في الجنسين لمكان الحاجة في تحصيل المفقود وامتنع النساء في الطعام مطلقًا إظهارًا لشرفه على غيره وللمقتات منه شرف على غيره لعظم مصلحته فيزيد فيه شرط التماثل وهذا أيضًا سبب تحريم الربا في النقدين لأنهما رؤوس الأموال وقيم المتلفات فشرفا بذلك عن الغير وبهذا اتضح أن مسلك علة الربا المناسبة، وهي أن يكون في محل الحكم وصف يناسب ذلك الحكم وصف يناسب ذلك الحكم أي يتوقع من ترتيب الحكم عليه حصول مصلحة أو درء مفسدة فيكون اتحاد الجنس في ربا الفضل شرطًا في اعتبار العلة لا جزءا لها لعزوه عن المناسبة، ثم إن القدر المعهود في الشرع بكيل أو وزن المعتبر في الموزون وفي المكيل هو ما كان عليه عرف المسلمين في صدر الإسلام وذلك لما رواه أبو داود عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة)) كما في جامع الأصول (١) .
وإن كان أبو يوسف رحمه الله تعالى يرى أن المقياس المعتبر في الأصناف الربوية هو المقياس العرفي الحاضر وكلامه جلي لأن المكيال والميزان مما يختلف باختلاف العرف وهو يتبدل بتدبل الزمان والمكان كما نص على ذلك الأستاذ الزرقاء (٢) وربا الفضل يختص بالمقدرات المثيلة من مكيل أو موزون فقط، لا مزروع ولا معدود فليس في ذلك ربا، أما الأموال القيمية كأفراد الحيوانات والأراضي والدور والأشجار فلا يجرى فيها ربا الفضل لأنها ليست من المقدرات التي تجمع بين أفرادها وحدة مقياس ومقدار معين فيجوز إعطاء الكثير منها في مقابلة القليل من جنسه فيجوز بيع غنمة بغنمتين لأن ربا الفضل زيادة أحد المتجانسين على الآخر في المقدار والكمية والقيمية ليست من المقدرات (٣) .
стр. 7441
وقد روى أبو داود والترمذي ((أن رسول الله ﷺ ابتاع عبدًا بعبدين)) ، قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح وبناء على ما نقلنا فما كان كان وزنيًّا كالذهب والفضة، فالمعتبر فيه الوزن وما كان كيليًّا كالحنطة والشعير والملح والتمر، فالمعتبر فيه الكيل وهذا الحكم يقوم على أساس وجوب التساوي في الكميات المبدلة في الجنس الواحد ولا خلاف بين العلماء في أن التساوي يعتبر شرعًا بالمقياس العرفي في كل صنف، فما كان وزنيًّا عرفًا كالزبيب والسمن يجب تساوي الكميات فيه بالوزن وما كان كيليًّا يجب فيه التساوى بالكيل وإذا تبدل العرف في مقياس شيء وأصبح كليليًا مثلًا بعدما كان وزنيًّا أو أصبح وزنيًّا بعدما كان كيليًّا ككثير من الأشياء التي نتعامل بها في هذا الزمان فيتبدل المقياس الربوي فيه تبعًا للعرف وقد ورد النص في الأصناف الستة فهل يقتصر على ما ورد به النص وهو ما ذهب إليه أبو يوسف وما ذكر في الحديث إنما ذكر فيها ما كان مقياسًا متعارفًا على عهد الرسول بحيث لو كان العرف فيها على مقياس آخر لورد النص معتبرًا به.
ومن النصوص التي اعتبرها بعضهم مبنية على العرف ما جاء في قوله ﷺ : ((الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها)) . أخرجه مسلم وأحمد وأرباب السنن عن ابن عباس وعن أبي هريرة ﵁، كما في البخاري وغيره قال رسول الله ﷺ : ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن)) ، قالوا: يا رسول الله: كيف إذنها؟ قال: ((أن تسكت)) وقد ذهب الحنفية إلى أن الأمر للوجوب فيجب على أبي البكر البالغة استئذانها في التزويج، فإذا زوجها من غير إذنها كان الزواج موقوفًا على إذنها، أما البكر غير البالغة فلا إرادة معتبرة لها، فلا يجب استئذانها إجماعًا وإلى وجوب الاستئذان ذهب الأوزاعي والثوري وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم ويؤيد ما ذهبوا ليه ما رواه ابن عباس: أن جارية بكرًا أتت رسول الله ﷺ فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله ﷺ ، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن الأمر هنا أمر ندب وإرشاد وأنه يجوز للأب أن يزوجها بغير استئذان والذي صرف الأمر عندهم عن الوجوب هو أن النبي ﷺ في حديث ابن عباس فرق في الحكم بين الثيب والبكر فجعل الثيب أحق بنفسها ما اقتضى نفي ذلك عن البكر فيكون أحق بها منها، وعلى كل فقد اعتبر سكوت البكر إذنًا في تزويجها من رجل معين وبمهر معين، فكان سكوتها توكيلا وهو مبني على العرف والمعروف فيها من الخجل عن إظهار رغبتها في الزواج عند استنفار وليها لها في العادة قاضية بأن السكوت علامة الرضا.
стр. 7442
فإذا ما تغيرت هذه العادة كما في هذا الزمان حيث أصبحت الفتاة لا تتحرج من إعلان رغبتها وأصبح لا فرق بين البكر وبين الثيب فهل عندئذ لا يكفي السكوت بل لا بد من صريح اللفظ وإبداء الرأي وقد مال إلى هذا بعض المجددين اعتبارًا لما عليه بنات اليوم وبالأخص اللاتي تخلقن بأخلاق الأجنبيات من الأوروبيات من أبناء المدن وعندي أن هذا ليس من باب تبدل العادات وإنما هو من فساد الأخلاق وانحلالها بدليل أن الأغلبية الساحقة من فتيات القرى والمداشر لم يتغيرن، وإنما هي فئة قليلة خرجت عن عادات بلادها وتقاليدها وانصهرت وتطبعت بأخلاق الأوروبيات وانحرافها، وإن أعظم مسؤول في هذا الانحلال هم الأولياء الذين لم يرعوا بناتهم ولم يوجهوهن توجيهًا إسلاميًّا يتماشى والفطرة البشرية، فالأسرة تتحمل القسط الأوفر من ذلك، ثم التوجيه المدرسي الذي لم يعر وزنًا للتربية الدينية الإسلامية وإلا فإن البكر في الأسر المحافظة الملتزمة مازالت محتشمة لا تجرؤ على معاكسة أبيها ومخالفة ما وافق هو عليه، لأنها تعلم علم اليقين أن الأب الصالح لا يختار لابنته إلا ما فيه صلاحها وسعادة مستقبلها. نعم من الآباء من لا خلاق لهم يجرون وراء المادة، فيدفعون بناتهن قربانًا لشهواتهم ونهمهم وحبهم للدرهم والدينار فجعلت غشاوة على قلوبهم حتى لا يدركوا إلا مصالحهم الخاصة وإن ذهبت بناتهم فداء، ولذا جعل الشرع الحق لمثل هؤلاء أن يعترضن على آبائهن عن سوء اختيارهم ولو أحسنت الآباء تربية الأبناء وقاموا بواجبهم نحوهم كما أمرت الشريعة لما انقلبت الأوضاع وفسدت الأخلاق وانحلت القيم، ولو فتحنا هذا الباب على مصراعيه من غير إمعان وتثبت لما يعتبر من تغير العادات وما لا يعتبر شرعًا لأدى ذلك إلى هدم الشريعة بالتأويل والتعليل لنصوصها وفي ذلك من الخطر على هذه الشريعة ما فيه وعلينا أن نتثبت فيما تدعو إليه الضرورة وتقتضيه تغير الأحوال بتغير الزمان وتغير المصالح والمفاسد أما العادات الجارية على حسب الهوى والتابعة للذات والشهوات فلو فتح هذا الباب لاستباح الناس كثيرًا من المحرمات واستحسنوا كثيرًا من الرذائل الموبقات، وذلك بدعوى الحداثة والتجدد، وقد جاء في حديث البخاري الذي أخرجه عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ، قال: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذارعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم)) ، قلنا: يا رسول الله ﷺ اليهود والنصارى قال: ((فمن)) ، فأعلم ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات في الأمور والبدع والأهواء كما وقع للأمم قبلهم وهذا واقع ملموس مشاهد كل يوم في غالب البلدان الإسلامية في ملوكها وعلمائها وقضاتها.
معارضة العرف للنص العام:
ذكرنا فيما تقدم معارضة العرف للنص الخاص وهنا سنبحث معارضته للنص العام وهذه المعارضة إما أن تكون مقارنة لورود النص أو متأخرة عنه، فإذا ورد النص مقارنا للعرف لو كان العرف سابقًا عن النص، فإن كان العرف لفظيًّا فقد اتفق الفقهاء على اعتباره ومعنى ذلك أن يحمل اللفظ الوارد على المعنى العرفي أي على المعنى المتبادر لأذهان الناس عملًا بقاعدة يحمل اللفظ على المعنى الحقيقي ما لم تقم قرينة توجب حمله على المعنى المجازي ذلك أن العرف اللفظي يصير المعنى المتعارف حقيقة عرفية ولا شك أن الحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية والنقل العرفي يجعل اللفظ حقيقة عرفية بالوضع وغلبة الاستعمال والحقيقة العرفية هي التي انتقلت عن مسامها اللغوي إلى غيره للاستعمال العام بحيث هجر الأول، قال فخر الدين الرازي في المحصول: وذلك إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها وضعت لغة لكل ما يدب كالإنسان فخصصها العرف العام بما له حافر وإما باشتهار المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة كإضافتهم الحرمة إلى الخمر، وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب أو بالاصطلاح الخاص، وهي الحقيقة العرفية الخاصة وهي ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم كاصطلاح الفقهاء على القلب والنقض والجمع والفرق (١) وكاصطلاح النحاة على الرفع والنصب والجر والحقيقة الشرعية وهي اللفظ المستعمل المستفاد من الشارع وضعها كالصلاة للأفعال المخصوصة والزكاة للقدر المخرج والحرث والماشية والمال (٢) .
стр. 7443
قال القرافي: وفي نفاس الأصول في شرح المحصول الوضع له ثلاثة معان: جعل اللفظ دليلًا على المعنى كتسمية الولد زيدًا ومنه تسمية اللغات ووضعها، ويقال: الوضع على غلبة الاستعمال للفظ في المعنى حتى يصير أشهر من غيره وهذا هو وضع الحقائق الثلاث الشرعية كالصلاة للفعل المخصوص والعرفية العامة كالدابة للحمار والعرفية الخاصة كالجوهر والعرض عند المتكلمين، ويقال: الوضع على مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة وهو قولهم من شرط المجاز الوضع أي سمع منهم مرة واحدة وهو قولهم من شرط المجاز الوضع أي يسمع منهم مرة واحدة التجوز لذلك النوع من المجاز، ولم يسموا مطلق الاستعمال وضعًا إلا في هذا الوضع (١) .
وقد ذكر القرافي في الفرق بين العرف القولي يقضي به على الألفاظ ويخصصها وبين العرف الفعلي لا يقضي به على الألفاظ ولا يخصصها وبين أن العرف القولي أن تكون عادة أهل العرف يستعملون اللفظ في معنى معين ولم يكن ذلك لغة وهو قسمان الأول: في المفردات نحو الدابة للحمار والغائط للنجور والراوية للمزادة ونحو ذلك، وثانيهما: في المركبات وهو أدقها على الفهم وأبعدها عن التفطن وضابطها أن يكون شأن الوضع العرفي تركيب لفظ مع لفظ يشتهر في العرف تركيبه مع غيره وله مثل أحدها نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣] .
وكقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٣] .
فإن التحريم والتحليل إنما تحسن إضافتها لغة للأفعال، دون الأعيان فذات الميتة لا يمكن في العرف أن يقال هي حرام، فيما هي ذات بل فعل يتعلق بها وهو المناسب لها كالأكل للميتة والدم ولحم الخنزير والشرب للخمر والاستمتاع للأمهات والبنات ومن ذكر معهن ومن هذا الوادي قوله ﷺ ((ألا وإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)) ، والأعراض والأموال لا تحرم، بل أفعال تضاف إليها فيكون التقدير ألا وإن سفك دمائكم وأكل أموالكم وثلب أعراضكم عليكم حرام وعلى هذا المنوال جميع ما يرد من الأحكام كان أصله أن يضاف إلى الأفعال، فإذا ركب مع الذوات في العرف وما بقي يستعمل في العرف إلا مع الذوات فصار هذا التركيب الخاص وهو تركيب الحكم مع الذوات موضوعًا في العرف للتعبير به عن تحريم الأفعال المضافة لتلك الذوات وليس كل الأفعال، بل فعل خاص مناسب لتلك الذوات. ثانيها أفعال ليست بأحكام كقولهم في العرف أكلت رأسًا وأكل رأسًا فلا يكادون ينطقون بلفظ الأكل كيف كان، بل لا تصرف إلا لرؤوس الأغنام دون جميع الرؤوس بخلاف رأيت رأسًا، فإنه يحتمل جميع الرؤوس ومن هذا القبيل ما جرى في مصر من مثل قتل زيد عمرًا فهو في اللغة موضوع لإذهاب الروح وهو في مصر ينصرف عرفًا للضرب خاصة، فيقولون: قتله الأمير بالمقارع قتلًا جيدًا، ولا يريدون إلا ضربه فهو من باب المنقولات العرفية وهي الطارئة على اللغة ومن هذا الباب قولهم فلان يعصر الخمر وهي لا تعصر، بل صار هذا التركيب موضوعًا لعصر العنب.
стр. 7444
ومقتضى اللغة أن لا يصح هذا الكلام إلا بمضاف محذوف تقديره فلان يعصر عنب الخرم، لكن أهل العرف لا يقصدون هذا المضاف بل يعبرون بهذا التركيب عن عنصر العنب كما يعبرون بتحريم الميتة عن تحريم أكلها، فهذا ونحوه مجاز في التركيب بالنسبة للغة حقيقة عرفية منقولة للمعنى الخاص بالعرف والعادة، ومن هذا الباب طحن دقيقًا وقتل قتيلًا لأن المقتول لا يقتل والمطحون لا يطحن، إذ تحصيل الحاصل من المحال ولكنه كلام صحيح في العرف والعادة، وهؤلاء لا يعرجون على هذه المضافات ولا ببالهم يخطر هذه المقدرات، بل صار هذا اللفظ المركب موضوعا لقتل الحي وطحن القمح، وهذا هو ما يعبر عنه بالحقائق العرفية في المفردات والمركبات وبهذا يفرق بين المجاز في المفرد والمركب، وبين الحقيقة العرفية فيهما فكل لفظ مفرد انتقل في العرف لغير مسماه وصار يفهم منه غير مسماه بغير قرينة، فهو حقيقة عرفية وكل لفظ أسند لغير من هو له من غير تأويل فهو منقول عرفي من المركبات والنقل العرفي مقدم على موضوع اللغة لأنه ناسخ للغة والناسخ يقدم على المنسوخ وهذا معنى قولنا إن الحقائق العرفية مقدمة على الحقائق اللغوية.
أما العرف الفعلي فمعناه أن يوضع اللفظ لمعنى يكثر استعمال أهل العرف لبعض أنواع ذلك المسمى دون بقية أنواعه كلفظ الثوب صادق لغة على ثياب الكتان والقطن والحرير والوبر والشعر، وأهل العرف إنما يستعملون من الثياب الثلاثة الأول دون الأخريين، فهذا عرف فعلي كذلك لفظ الخبز يصدق لغة على خبز الفول والحمص والبر وغير ذلك غير أن أهل العرف إنما يستعملونه في الأخير من أغذيتهم دون الأولين فوقوع الفعل في نوع دون نوع لا يخل بوضع اللفظ للجنس كله فإن ترك مسمى لفظ ولم يباشر لا يخل بوضع اللفظ له فلفظ الياقوت وضع لحجر بخصوصه، فإذا لم تباشره فإن ذلك لا يخل بوضع لفظ الياقوت (١) .
وإذا أدركنا الفرق بين العرف اللفظي والعرف العملي، أدركنا تأثير العرف اللفظي على المعاني وكيف أنه مقدم في الاستعمال على الحقائق اللغوية وعليه فألفاظ البيع والشراء والعقود كالإجارة والمساقاة والمغارسة ونحوها والصلاة والصيام وغيرها من العادات وعدة المرأة في الطلاق أو الوفاة ونحوها، فهذه كلها تحمل على المعاني العرفية والشرعية عند ورود النص بها، وإن اختلفت عن معانيها الوضعية في أصل اللغة، أما العرف العملي إذا ورد النص مخالفًا له فقد اختلف فيه هل يخصص به النص العام أم لا؟ وقد قال الشيخ عبد الله الشنقيطي في كتاب نشر العقود على مراقي السعود أن نصوص الشريعة لا يخصصها من العوائد إلا ما كان مقارنًا لها في الوجود عند النطق بها، أما الطارئة بعدها فلا تخصصها وإليه الإشارة بقوله.
стр. 7445
والعرف حيث قارن الخطاب (١) وهذا لا خلاف فيه بينهم في العرف اللفظي، أما العرف العملي فقد اختلف فيه الجماعة فقال بعضهم: لا يخصص عموم النصوص ولا يقيد مطلقاتها، وذهب جمهور المحققين إلى أن العرف العملي القائم عند ورود النص يخصص النص العام ويقيد المطلق خلافًا لما ذهب إليه القرافي من أن العرف العملي لا يصلح للتخصيص ولا للتقييد وقد تبعه في ذلك الونشريسي حيث ذكر أن العادة الفعلية لا تخصص العام (٢) .
وقد علق ابن الشاط قول القرافي، وقد حكى جماعة من العلماء الإجماع على أن العرف الفعلي لا يؤثر بخلاف العرف القولي، قال القرافي: ورأيت المازري في شرح البرهان حاول الإجماع في ذلك ونقل عن بعض الناس خلافًا في ذلك ونقل مثلًا عنه، وفي ذلك نظر فالظاهر حصول الإجماع فيه ولم أرَ أحدًا جزم بحصول الخلاف بل رأى كلامًا لبعض الناس أوجب شكًا وترددًا، وهو محتمل للتأويل فلا تناقض بين نقل الإجماع في المسألة وبين هذه المثل المشار إليها، ولقد وضح القرافي لما ذهب إليه من الفرق بين العرف القولي والعرف الفعلي بمسائل الأولى: إذا فرضنا أحدًا أعجميًّا يتكلم بالعجمة، وهو يعرف العربية، غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه فحلف لا يلبس ثوبًا ولا يأكل خبزًا وكان حلفه بألفاظ العربية التي لم تجرِ هودته باستعمالها وكانت عادته في غذائيه لا يأكل إلا خبز الشعير، ولا يلبس إلا ثياب القطن، فإنا نحنثه بأي ثوب لبسه وبأي خبز أكله، سواء كان من عادته في فعله أم لا، وهذا إذا لم تجر له عادة باستعمال اللغة العربية لأنه لو كانت عادته استعمال اللغة العربية لكان طول أيامه يقول أكلت خبزًا وائتوني بخبز وعجلوا بالخبز والخبز على المائدة قليل ونحو ذلك ولا يريد في هذا النطق كله إلا خبز الشعير الذي جرت عادته به فيصير له في لفظ الخبز عرف قولي ناسخ للغة، فلا يحنث بغير خبز الشعير وكذلك القول في ثوب القطن بخلاف إذا كان لا ينطق بلفظ الخبز والثوب إلا على الندرة فإنه لا يكون له في اللفظ اللغوي عرف مخصص يقدم على اللغة فيحنث بعموم المسميات اللغوية من غير تخصيص ولا تقييد قال ابن الشاط: لا نسلم له تحنيثه بل لقائل أن يقول اقتصاره على أكل خبز الشعير ولبس ثياب القطن مقيد لمطلق لفظه ويكون حينئذٍ من قبيل بساط الحال فإن الأيمان إنما تعتبر بالنية، ثم ببساط الحال، فإذا عدما حينئذ يعتبر العرف، ثم اللغة أن عدم العرف وزاد القرافي في إقامة الحجة على أن العرف العملي لا يخصص ولا يقيد، وردها ابن الشاط بأن ذلك غير مسلم لقاعدة أن الاقتصار على بعض مسمى اللفظ في الاستعمال الفعلي من جنس البساط وذكر القرافي في المسألة الرابعة حمل اليمين على العرف ثم على النية، ثم على البساط قال ابن الشاط: وفيه نظر لأنه لا يخلو أن يترتب على يمينه تلك حكم أو لا يترتب، فإن لم يترتب عليها حكم، فالمعتبر النية، ثم السبب أو البساط، ثم العرف، ثم اللغة، وإن ترتب عليها حكم المعتبر، فالمعتبر العرف ثم اللغة لا غير.
стр. 7446
معارضة العرف الخاص للنص العام:
إذا كان هناك عرف خاص بجماعة دون جماعة أو بمكان دون مكان كعرف الصناع والتجار وبعض البلدان أو في بعض الصناعات، فالمعتمد أن هذا العرف لا يعتد به فلا يخصص النص الوارد ولو كان قائمًا عند ورود النص ذلك أنه إذا كان عرف بعض البلاد يقتضي التخصيص لذلك النص فعدمه لدى بقية الأماكن أو التجار والصناع لا يقتضيه ولا شك أن التخصيص لا يثبت بالشك.
هل يكون العرف العملي أي الفعلي مخصصا؟ اختلفت المالكية في ذلك فجمهور المحققين منهم ذهبوا إلى أن العرف العملي القائم وقت ورود النص يخصص النص العام ويقيد النص المطلق خلافًا لما ذهب إليه القرافي من أن العرف الفعلي العملي لا يصلح للتخصيص والتقييد، وقد نقلنا كلامه آنفًا (١) فلقد صرح القاضي أوب عبد الله المقري في قواعده بأن العادة كالشرط عند مالك تقيد المطلق وتخصص العام كما رد أبو عبد الله محمد بن غازي على القرافي فيما ذهب إليه موضحًا أن مسائل المدونة وغيرها دالة على تخصيص العام بالفعلي كما يخصصه العرف القولي كما نقل شمس الدين محمد بن عرفة الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير للدردير نقل عن ابن عبد السلام أن ظاهر مسائل الفقهاء اعتبار العرف مطلقًا قوليها كان أو فعليًّا، كما نقل الوانوغى عن أبي الوليد الباجي أنه صرح بأن العرف العملي يعتبر مخصصًا أيضا، قال الدسوقى، وهو رأي القلشاني: هذا كله فيما إذا كان العرف سابقًا أو مقارنًا للنص، أما العرف المتأخر الحادث بعد ورود النص فلا يعتد به ولا يعمل عليه ولا يصلح بحال أن يكون مخصصًا للنص الشرعي بالإجماع، ولا فرق بين أن يكون عرفًا عامًا أو عرفًا خاصًا قوليًّا أو فعليًا ذلك أن مفهوم النص قد حدد مراد الشارع وكان نافذ المفعول، فلو قلنا بتخصيص العرف له لكان ناسخًا لحكم النص ولا ينسخ النص بالعرف، إذ من شرط اعتبار العرف الذي تحمل عليه الألفاظ أن يكون موجودًا حال صدورها مخصصًا أو مقيدًا لا ناسخًا (٢)
стр. 7447
معارضة العرف للنص الاجتهادي:
إذا كان الحكم مستفادًا بطريق القياس أو الاستحسان أو الاستصحاب. أو المصالح المرسلة من كل الأدلة الفرعية غير الكتاب والسنة والإجماع فإن العرف إذا عارض ذلك الحكم المستنبط من المجتهد يعتبر ويعتد به ومعنى ذلك أننا نأخذ بذلك العرف ونترك الحكم المعارض له الذي كان منشؤه القياس والاستحسان ونحوهما إذ العرف يرجح عليه عند التعرض وهذا هو الرأي الأرجح لدى الفقهاء، فالحكم الذي منشؤه القياس، فالعرف أولى منه، ولو كان عرفًا حادثًا، ولقد اعتبر الفقهاء هذا من قبيل الاستحسان، ذلك أن الاستحسان هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى أو هو تخصيص قياس بأقوى منه أو هو العدول إلى خلاف النظير لدليل أقوى منه أو هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس كدخول الحمام من غير تعيين زمن المكث ومقدار الماء المسكوب والأجرة وهذا كله خلاف الدليل لأن الدليل هو الذي أدى إلى وجوب تعيين المنفعة والأجرة في الإجارات وتعيين المبيع والثمن في المبيعات (١) وبما ذكرنا ندرك كيف أن العرف يترجح على القياس وهو يستند إلى نص تشريعي في الجملة باعتباره الأصل المقيس عليه فيترجح على الاستحسان والمصلحة المرسلة التي لا تستند إلى نص من باب أولى، ويتضح ذلك بضرب الأمثلة؛ القياس يقتضي أن الحاكم يستمع لكل دعوة ترفع إليه، ثم يقضي بين المدعي والمدعى عليه حسب ما يثبت لديه من الأدلة لكن ترك هذا القياس فيما إذا ادعت الزوجة المدخول بها أن زوجها لم يدفع إليها شيئًا من معجل الصداق وطلبت القضاء عليه بمهرها المعجل قالوا: لا تسمع دعواها هذه بل يردها القاضي دون أن يسأل عنها الزوج، وقد عللوا ذلك بالعرف والعادة ذلك أن عادة الناس قد اطردت بأن البنت لا تزف إلى بيت الزوجية ما لم يدفع الزوج المعجل من الصداق أو كل الصداق، فتكون دعواها حينئذ مما يكذبها العادة والعرف وظاهر العرف، وظاهر الحال وهو دعواها هذه الدعوى بعد الدخول والمكوث المدة في بيت الزوجية فلا تسمع دعواها، وقد نقل الشهاب القرافي أن الزوجة إذا ادعت بعد الدخول بها عدم قبض صداقها، فالقول للزوج مع أن الأصل القياسي عدم القبض (٢) .
وإذا تعارض العرف والأصل كان من شهد له العرف هو المدعى عليه والأصل هنا براءة الذمة لكن بعد تحقق عمارتها يكون الأصل استصحاب الحالة التي هي عمارتها حتى يتحقق الرافع لعمارتها وقد سقنا فيما تقدم جملة من الأمثلة مما تعارض به الأصل كتعارض براءة الذمة وعمارتها بعد شغلها وتعارض الصحة والمرض وتعارض الخطأ والعمد وتعارض الجهل والعلم وتعارض الغنى والفقر وتعارض الصحة والفساد أو تعارض الأصل والعرف (٣) .
стр. 7448
فالأصل والقياس يقتضي أن لا يدفع الدين لغير صاحبه ولا ينفذ قبضه على الدائن ما لم يكن للقابض نيابة عن الدائن من ولاية أو وكالة ولكن الفقهاء تركوا القياس في البنت البكر البالغ إذا قبض أبوها مهرها من زوجها حين زفافها، واعتبروا هذا القبض نافذًا عليها ومبرئًا لذمة الزوج وذلك للعرف والعادة لأنه إذا تعارض الأصل مع العرف قدم العرف على الأصل والقياس ومن هذا القبيل دعوى المرأة على زوجها بعد الخلوة بها وبعد مفارقته لها أنه وطئها وأنكر هو الوطء فالزوجة قد شهد لها العرف والزوج قد شهد له الأصل إذ الأصل براءة الذمة ولكن رجح العرف على الأصل عند التعارض ولذا اعتبرت الزوجة مدعي عليها وهو المدعي وكان عليه البينة لأن من شهد له الأصل كان مدعيًا ما لم يعارضه العرف فيكون مدعي عليه (١) ولكنهم استثنوا مسألة واحدة قدموا فيها الأصل على العرف وهي ما إذا ادعى رجل صالح مشهور بالتقى ومخافة الله على رجل فاسق لا يتقي الله ادعى الصالح دينًا على الفاسق فأنكره، فالأصل يشهد للفاسق إذ الأصل براءة الذمة والعرف أن الرجل الذي يخشى الله ويتقيه لا يكذب ولا يدعي ظلما وبهتانًا على أحد. والشأن من الرجل الذي اشتهر بالصلاح والتقوى مخافة الله أن العرف يشهد له، ومع ذلك حكموا بأنه مدعى عليه البينة وقد نظم هذه الصورة الصنهاجي فقال:
والأصل والغالب إن تعارضا
فقد الغالب فهو المرتضى
إلا في دعوى صالح على سواه
بالدين فالعكس جميعهم يراه
ثم الحكم إذا كان مستندًا إلى العرف فإن الحكم يتغير بتغير العرف لأن العرف ينزل منزلة العلة التي يدور الحكم معها وجودا وعدما، ولقد ذكر القرافي أن الإفتاء بالأحكام التي مستندها العرف والعادة يتغير الحكم بتغير العادة وليس ذلك إنشاء اجتهاد جديد ناقض لاجتهاد المجتهدين بل هو تطبيق لقاعدة أجمع عليها علماء الشريعة وجروا في فتواهم على تحقيقها وتطبيقها (٢)
تعارض العرف مع اللغة:
اختلف الأصوليون في تقديم العرف على اللغة أو اللغة على العرف وقد مال القرافي وجماعة إلى تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية واعتبر الحقيقة العرفية ناسخة للحقيقة اللغوية، وقد نقلنا فيما تقدم كلامه في الفرق الثامن والعشرين، وقد صرح في الأحكام أنه ينبغي أن يعلم أن معنى العادة في اللفظ أن ينقل إطلاق لفظ واستعماله في معنى حتى يصير هو المتبادر من ذلك اللفظ عند الإطلاق مع أن اللغة لا تقتضيه، وهذا هو معنى العادة في اللفظ وهو الحقيقة العرفية وهو المجاز الراجح في الأغلب وهو معنى قول الفقهاء: أن العرف يقدم على اللغة عند التعارض، ثم أوضح أنه يتعين أن يدور لفظ الفتيا فيها مع اشتهارها في العرف وجودًا وعدمًا ففي أي شيء اشتهرت حملت عليه بغير نية وما لم يشتهر لم تحمل عليه إلا بنية (٣) وقد مثل القرافي في تنقيحه لتقديم الحقيقة العرفية على اللغوية بقوله ﷺ لا يقبل الله صلاة بغير طهور (٤) قال: إن حملناه على اللغوي وهو الدعاء لزم أن يتقبل الله دعاء بغير طهارة ولم يقل به أحد فيحمل على الصلاة في العرف وهي العبادة المخصوصة فيستقيم (٥) .
стр. 7449
وقد نقل الونشريسي، عن أبي الفضل قاسم العقباني وقد سئل عن مسألة وهي أن ابن رشد سُئِلَ عمن خالج امرأته على أن تتحمل بنفقة ابنه منها إلى الحلم، ثم راجعها بنكاح جديد هل تبقى عليها نفقه ابنها أم لا؟ وكيف لو طلقها ثانية هل تعود إلى نفقته أم لا؟ فأجاب إذا راجعها سقط عنها ما تحملت به ولا يعود عليها إن طلقها ثانية إلا أن تجدد له التحمل، قال بعض الشيوخ: هذه كمسألة المدونة إذا ملكها فلم تقض حتى طلقها ثلاثًا وواحدة ثم نكحها بعد زوج أو بعد عدتها من طلقة فلا قضاء لها لأن هذا ملك مستأنف، ثم قال هذا الشيخ: قلت والعلة الحقيقية أنها لما رضيت به ثانية فكأن الأول لم يكن بوجه فكذا هذه المسألة. قال: أشكل علي يا سيدي جواب ابن رشد سقوط النفقة عنها ومعاوضتها كانت صحيحة وترتبت النفقة في ذمتها ولا يسقط ما في الذمة إلا بالإبراء والإسقاط، وقد قالوا: إذا ماتت المرأة المتحملة بنفقه الولد في الخلع أخذ من تركتها وكذلك أشكل على التنظير المذكور، فالمراد من سيدي بيان ما يختار في المسألة وبيان وجه فقه ابن رشد ووجه التنظير المذكور بأتم بيان، فأجاب: الحمد لله اعلم – حفظك الله – أن كثيرًا من مسائل الفقه يجري الحكم فيها على مقصود أهل العرف وإن كانت الألفاظ تدل على خلاف ذلك ومسألة النفقة التي أشرت اليها وأجاب ابن رشد عنها فيها من هذا المعنى، وذلك أن القوام على المرأة وولدها حال كونها تحت الزوج هو الزوج لكن يسهل ذلك عليه، وهم في موضع واحد فإن وقع افتراق عسر على الزوج القيام بمئون متعددة قد علم هذا بشهادة العادة عند الفراق، فلذا ترى الرجل يرغب في صرف نفقة الولد إلى غيره وهذا المعنى يزول عند المراجعة بانضمام الزوجة وولدها إلى الزوج ولا ترى في العادة زوجة تكون مع زوجها، وهي تنفق له على ولده فلهذا نعلم أن مراجعته إياها أنه أسقط النفقة عنها ولا شك أنها لا تعود بعد الإسقاط وبمثل هذا العرف قضى الإمام فيمن التزمت في الخلع إجراء النفقة على الولد إلى بلوغ الحلم فمات الولد صغيرًا قال: ليس للأب ما بقي من المدة إلى الحلم وعلله بأنه أدرك الناس أنهم لا يظلمون ذلك فترك صريح الالتزام للعرف، والتنظير من الشيخ راجع للعرف أيضا فإن التمليك إذا كان توكيلًا فالشأن في الوكيل أن لا يعزل حتى يقضي ما وكل عليه أو يصرح بترك ذلك، لكن العرف عند بعض أهل العلم يقتضي الجواب في المجلس، ومن لم يجب عد تاركًا ولبعضهم حتى يوقف الحاكم المحكمة على الأخذ أو الرد لما عرض في المسألة أن العصمة لا تصح – وفيها إخبار – لغير الزوج (١) وما ذكره من أن كثيرًا من مسائل الفقه يجرى الحكم فيها على مقصود أهل العرف وإن كانت الألفاظ تدل على خلاف ذلك هو ما عبر عنه الشاطبي عندما أكد بأنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع الأميين وهم العرب الذي نزل القرآن بلسانهم فإن كان للعرب في لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه إلى غيره في فهم الشريعة، وإن لم يكن هناك عرف فلا يصح أن يجرى في فهمها على ما لا تعرفه، وهذا جار في المعاني والألفاظ والتراكيب وأساليب الكلام (٢) .
стр. 7450
وخالف المقري في قواعده رأي الجمهور وقال بتقديم اللغة على العرف مدعيًا أن ذلك مشهور مذهب مالك حيث قال في القاعدة أربع وستين ومائة من قواعده إن العرف لا يقدم على اللغة على مشهور مذهب مالك (١) ، ولكن تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية هو مذهب الجمهور كما ذكرنا، وهو مذهب الحنفية والشافعية أيضا، ففي الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي أن الأيمان، مبنية على العرف لا على الحقائق اللغوية، قال صرح الزيلعي وغيره بذلك وعليها فروع: منها لو حلف لا يأكل الخبز حنث بما يعتاده أهل بلده ففي القاهرة لا يحنث بخبز البر وفي طبرستان ينصرف إلى خبز الأرز، وفي زبيد إلى خبز الذرة والدخن، ولو أكل الحالف خلاف ما عنده من الخبز لم يحنث، ولا يحنث بأكل القطائف إلا بالنية ومنها الشواء والطبيخ على اللحم، فلا يحنث بالباذنجان والجزر المشوي ولا يحنث بالمزورة في البطيخ ولا بالأرز المطبوخ بالسمن بخلاف المطبوخ بالدهن ولا بقليه يابسه ومنها الرأس ما يباع في مصر، فلا يحنث إلا برأس الغنم، ومنها حلف لا يدخل بيتًا فدخل بيعة، أو كنيسة، أو بيت نار، أو الكعبة، لم يحنث (٢) .
قال ابن عابدين: واعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلًا فقالوا في الأصول في باب ما تترك به الحقيقة: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة هكذا ذكر فخر الإسلام في شرح الأشباه للبيري قال في المشرع: الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وفي المبسوط: الثابت بالعرف كالثابت بالنص ونقل عن القنية: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف (٣) هذا المذهب الحنفي، أما المذهب الشافعي فقد حكى الحافظ السيوطي اختلاف فقهاء الشافعية في نقل ترجيح القاضي الحسين الحقيقة العرفية، وخالفه أبو الحسن البغوي ومال إلى تقديم الدلالة العرفية على الحقيقة اللغوية، ثم نبه السيوطي إلى أن الخلاف في تقديم العرف أو اللغة إنما هو في العربي أما العجمي فيعتبر عرفه قطعًا إذ لا وضع يحمل عليه (٤) .
стр. 7451
بهذا ندرك أن مذهب الشافعية كالمالكية والحنفية في تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية ومثل ذلك المذهب الحنبلي فقد ذكر ابن قدامة أن الأسماء تنقسم إلى ستة أقسام، ماله مسمى واحد كالرجل والمرأة والإنسان، وهذا تنصرف اليمين إلى مسماه بغير خلاف، الثاني ما له موضوع شرعي وموضوع لغوي كالوضوء والطهارة والصلاة وتنصرف اليمين فيه عند الإطلاق إلى الموضوع الشرعي دون اللغوي، الثالث ما له موضوع لغوي حقيقي ومجازي لم يشتهر كالأسد والبحر فيمين الحالف تنصرف عند الإطلاق إلى الحقيقة دون المجاز، الرابع الأسماء العرفية وهي ما يشتهر مجازه حتى تصير الحقيقة مغمورة في العرف، وهذا على ضروب: أحدها: ما يغلب على الحقيقة بحيث لا يعلمها أكثر الناس كالرواية هي في العرف اسم المزادة، وفي الحقيقة اسم لما يستقي عليه من الحيوان، والظعينة في العرف المرأة وفي الحقيقة الناقة التي يظعن عليها، والعذرة والغائط في العرف الفضلة المستقذرة وفي الحقيقة العذرة فناء الدار، ولذلك قال ﵇ لقوم: ((ما لكم لا تنظفون عذراتكم)) ، يريد أفنيتكم والغائط المكان، وأشباهه تنصرف يمين الحالف إلى المجاز دون الحقيقة لأنه الذي يريده بيمينه ويفهم من كلامه فأشبه الحقيقة في غيره.
الضرب الثاني: أن يخص عرف الاستعمال بعض الحقيقة بالاسم وهذا يتنوع أنواعًا فمنه ما يشتهر التخصيص فيه كلفظ الدابة، وهو في الحقيقة اسم لكل ما يدب وفي العرف اسم للبغال والحمير والخيل، ولذلك لو وصى إنسان لرجل بدابة من دوابه كان له أحد هذه الثلاث، فالظاهر أن يمين الحالف تنصرف إلى العرف دون الحقيقة عند الإطلاق كالذي قبله ويحتمل أن يتناول يمينه الحقيقة بناء على قول من قال في الحالف على ترك أكل اللحم أن يمينه تتناول السمك، ومن هذا النوع إذا حلف لا يشم الريحان فإنه في العرف اسم مختص بالريحان الفارسي وهو في الحقيقة اسم لكل نبت أو زهر طيب الريح مثل الورد والبنفسج والنرجس ولا يحنث إلا بشم الريحان الفارسي، وهو مذهب الشافعي لأن الحالف لا يريد بيمينه في الظاهر سواه قاله القاضي، وقال أبو الخطاب: يحنث بشم ما يسمى حقيقة ريحانًا لأن الاسم يتناوله حقيقة ولا يحنث بشم الفاكهة وجهًا واحدًا لأنها لا تسمى ريحانًا حقيقة ولا عرفًا الضرب الثالث: أن يكون الاسم المحلوف عليه عامًا لكن أضعاف إليه فعلًا لم تجر العادة به إلا في بعضه أو اشتهر في البعض دون البعض، مثل أن يحلف أن لا يأكل رأسًا فإنه يحنث فأكل رأس كل حيوان من النعام والصيود والطيور والحيتان والجراد ذكره القاضي، وقال أبو الخطاب: لا يحنث إلا بأكل رؤوس بهيمة الأنعام دون غيرها إلا أن يكون في بلد تكثر فيه الصيود وتميز رؤوسها فيحنث بأكلها، وقال أبو حنيفة: لا يحنث بأكل روؤس الإبل لأن العادة لم تجر ببيعها مفردة، وقال صاحباه: لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم لأنها التي تباع في الأسواق دون غيرها فيمينه تنصرف إليها ووجه الأول أن هذه رؤوس حقيقة وعرفًا مأكولة فحنث بأكلها، كما لو حلف لا يأكل لحمًا فأكل من لحم النعام والزرافة وما يندر وجوده وبيعه، من ذلك إذا حلف لا يأكل بيضًا حنث بأكل بيض كل حيوان سواء كثر وجوده كبيض الدجاج أو قل وجوده كبيض النعام، وبهذا قول الشافعي، وقال أصحاب الرأي: لا يحنث بأكل بيض النعام وقال أبو ثور: لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج وما يباع في السوق، وقال أبو الخطاب: لا يحنث إلا بأكل بيض يزايل بائضه في الحياة وهذا هو قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وأكثر العلماء، وهو الصحيح لأن هذا لا يفهم من إطلاق اسم البيض ولا يذكر إلا مضافًا إلى بائضه، ولا يحنث بأكل شيء يسمى بيضا غير الحيوان، ولا بأكل شيء يسمى رأسًا غير رؤوس الحيوان لأن ذلك ليس برأس ولا بيض في الحقيقة (١) ، ولابن قدامة فيما بني من الأيمان عى اعرف من حلق أن لا يبيع ثوبه بعشرة مثلًا فباعه بها أو بأقل منها حنث وذلك بدلالة العرف.
стр. 7452
وقد يكون العرف في زمان ثم ينعدم، ويزول فمثلًا ورد في المدونة أن القائل لا مرأته: أنت حرام، أو خلية، أو برية، أو وهبتك لأهلك، يلزمه الطلاق الثلاث في المدخول بها ولا تنفعه البينة في أنه أراد أقل من الثلاث، باعتبار الاستعمال في ذلك الزمان وأنها كنايات ظاهرة في الثلاث، فلا ينوي صاحبها ويقع الطلاق بناء على ما اشتهر من استعمال هذه الألفاظ في فك العصمة وإزالتها واشتهر كذلك في العدد الذي هو الثلاث، أما ما كان من الكنايات الخفية فإن الزوج ينوي في ذلك فمن قال لامرأته: هذه أختي ونوى أخته في الدين لم تحرم عليه بذلك ولا يعتبر مظاهرا لجريان اللفظ على لسانة اختيارًا، أما ما ظهر قصده بخلاف معناه اعتبر قصده، إذ الأمور بمقاصدها.
وهل الأيمان مبنية على العرف أو النية أو الصيغ اللفظية؟
تحرير هذا: أن الإيمان عند الحنفية مبنية على العرف والعادة لا على المقاصد والنيات لأن غرض الحالف هو المعهود المتعارف عنده ويتقيد بغرضه، هذا هو الغالب عندهم. وقد ثبت أن أيمان عندهم على الألفاظ لا الأغراض وقد ألف ابن عابدين رسالة أسماها رفع الانتقاض ودفع الاعتراض على قولهم الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض، ولقد بين فيها أن هذه القاعدة وقاعدة أن الأيمان مبنية على العرف، بين أن كلا من هاتين القاعدتين مقيدة بالأخرى فقولهم: الأيمان مبنية على العرف معناه العرف المستفاد من اللفظ لا الخارج عن اللفظ اللازم له وقولهم: الأيمان مبنية على الألفاظ لا على الأغراض معناه الألفاظ العرفية، فإذا تعارض الوضع الأصلي للكلمة والوضع العرفي ترجح الوضع العرفي.
وقد أوضح تقييد كل من القاعدتين للأخرى، بأن ذلك ينتج صورًا أربعة لأنه إما أن يوجد حقيقة الفعل ويفوت الغرض، أو توجد صورة الفعل والغرض، أو يوجد الغرض فقط، ويفوت الفعل، أو لا يوجد شيء منهما والحنث إنما يتحقق في الوجه الأول فقط دون الثلاثة الباقية، مثال الأول الشراء بأحد عشر والمحلوف عليه بعشرة وغرض المشتري الحالف نقص الثمن عن الشعرة، فإذا اشترى بأحد عشر فقد اشترى بعشرة وزيادة ووجد الفعل المحلوف عليه وفات الغرض.
стр. 7453
وهذا هو شرط الحنث المطلق المترتب عليه حكمه، فلذا قالوا: إنه يحنث ولا يقال: إن الشراء بعشرة معناه الحقيقي عقد الشراء بعشرة وعقد بأحد عشر غير العقد بعشرة فلم يوجد الفعل المحلوف عليه لأنا نقول: إن الشراء بعشرة له معنى حقيقي وهو ما ذكرته ومعنى مجازي وهو التزام العشرة بإزاء الثوب المبيع والمراد المشتري وهو المعنى المجازي بقرينة حالية وهي أن الحامل له على اليمين من جهة المعنى هو التزام الثمن، وذلك الثمن هو العشرة التي سماها والعشرة تطلق على العشرة المنفردة، وهي هذا الحكم المنفصل الذي هو آخر مراتب الآحاد وأول مراتب العشرات وتطلق على المقرونة أي العشرة التي قرنت غيرها من الأعداء ولما كان الغرض من المشتري نقص الثمن عن العشرة وعدم التزامها بإزاء المبيع علم أن مراده مطلق العشرة أي الشاملة للمفردة والمقرونة، فإذا اشترى بالمنفردة فلا كلام في أنه قد وجد الفعل وفات الغرض فيحنث وكذا لو اشترى بالمقرونة لأن غايته أنه وجدت العشرة التي امتنع من التزامها في الثمن ووجد معها زيادة وهي الدرهم الحادي عشر مثلًا وإذا وجد شرط الحنث ووجد معه زيادة فتلك الزيادة لا تمنع الحنث كما لو حلف لا يدخل هذه الدار فدخلها ودخل دارًا أخرى فإنه يحنث وإن زاد على شرط الحنث مثال الوجه الثاني البيع بأحد عشر، فقد وجدت صورة الفعل المحلوف عليه وهو البيع بعشرة التي في ضمن الأحد عشر ووجد أيضا الغرض لأن غرض البائع الحالف الزيادة على العشرة، وقد وجدت فلا يحنث لأن شرط الحنث وجود الفعل مع فوت الغرض وهنا لم يفت الغرض، بل وجد على أن الفعل في الحقيقة لم يوجد أيضًا لأن مراد البائع في قوله لا بيعه بعشرة العشرة المفردة.
أما المقرونة بالزيادة، فإنه غير ممتنع عنها، بل هو طالب لها وهي غرضه فإذا باع بأحد عشر فقد وجد غرضه ولم يوجد الفعل المحلوف عليه حقيقة أي الذي أراد منع نفسه عنه، وإنما وجد صورة في ضمن الأحد عشر ولذا قيد الشرط بقوله: أما إذا وجد صورة الفعل وإلا فحقيقة الفعل لم توجد وكيف توجد حقيقة الفعل الذي هو شرط الحنث مع وجود الغرض الذي يحصل به البر وهما متناقضان، ومثال الوجه الثالث الشراء بتسعة في المسألة الثالثة من الأربعة المذكورة لأن المشتري الحالف مستنقص عن العشرة، فإذا اشترى بتسعة فقد وجد غرضه ولم يوجد الفعل المحلوف عليه أصلًا فيكون قد وجد شرط البر الكامل وفات شرط الحنث من كل وجه فلا حنث، مثال الوجه الرابع البيع بتسعة، فإذا حلف لا يبيع بعشر لم يوجد الفعل المحلوف عليه وهو العشرة ولا الغرض وهو الزيادة، بحيث فات الفعل لم يتحقق شرط الحنث الكامل وإن فات الغرض لأن فوت الغرض لا يوجب الحنث ما لم يوجد الفعل، لأن الحنث شرطه وجود الفعل المفوت للغرض كما مر بلا حنث (١) . هذا مذهب الحنفية، وقال الشافعية: الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية أي بحسب صيغة اللفظ لأن الحقيقة أحق بالإرادة والقصد إلا أن ينوي شيئًا فيعمل بنيته فلو حلف ألا يأكل رؤوسا فأكل رؤوس حيتان فمن راعى العرف، قال: لا يحنث ومن راعى دلالة اللغة، قال: يحنث وكذلك يحنث من حلف لا يأكل لحمًا فأكل شحمًا مراعاة لدلالة اللفظ وقال آخرون: لا يحنث، والمذهب الشافعي يتبع مقتضى اللغة عند ظهورها وشمولها ويتبع العرف إذا اشتهر واطرد.
стр. 7454
أما مذهب مالك فالمعتبر في الأيمان التي لا يصدر فيها حكم قضائي على حالفها بموجبها النية، وكذلك النذور نية المستحلف في الدعاوى ونية الحالف في غيرها، فإن عدمت النية فقرينة الحال، فإن عدمت فعرف اللفظ وما قصد الناس من عرف أيمانهم، فإن عدم فدلالة اللغة، وقيل: لا يراعى إلا النية أو ظاهر اللفظ اللغوي، وقيل: يراعى النية وبسوط الحال أي السبب الحامل على اليمين أو المقام وقرينة السياق في اصطلاح علماء المعاني، ولا ينفع الاستثناء في النذر وينفع في المشيئة في الأيمان، أما الأيمان التي يقضي بها على صاحبها ففي مجال الاستفتاء تراعى الضوابط على ما سبق من الترتيب وفي مجال القضاء لا يراعى إلا اللفظ في اليمين إلا ما يؤيد ما ادعاه من النية قرينة الحال أو اعرف. قال الشاطبي: من مذهب مالك أن يترك الدليل للعرف ورد الأيمان إلى العرف مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما يقتضيه العرف كقوله: والله لا دخلت مع فلان بيتًا فهو يحنث بدخول كل موضع يسمى بيتا في اللغة والمسجد يسمى بيتًا فيحنث على ذلك إلا أن عرف الناس أن لا يطلقوا هذا اللفظ عليه فخرج بالعرف عن مقتضى اللفظ فلا يحنث (١) .
أما الحنابلة فمرجع الأيمان إلى نية الحالف، فإن نوى بيمينه ما احتمله اللفظ انصرفت يمينه إليه لا فرق بين أن يكون ما نواه لظاهر اللفظ أم مخالفًا له لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٢) فإن لم ينوِ شيئًا رجع إلى سبب اليمين وما هيجها وأثارها لدلالة ذلك على النية، فلو حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار، فإن كان سبب يمينه غيظًا من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منه عليه بها اختصت يمينه بها، وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقضي جفاءها ولا أثر للدار فيه تعلق بإيوائه معها في كل دار.
стр. 7455
تعارض العرف مع الشهادة:
اختلف الفقهاء هل ينزل العرف منزلة شاهد واحد أو منزلة شاهدين إذا تعارضا بأن شهد العرف لشخص واحد، وشهد شاهد لشخص آخر فذهب الإمام البرزلي إلى أن العرف يعتبر كشاهد واحد فقط، وعلى هذا فمن شهد له العرف وجبت عليه اليمين لأن اليمين على المدعى عليه وهو من شهد له أصل أو عرف وما ذهب إليه البرزلي هو ما مال إليه جمهور الفقهاء وقيل: هو بمثابة الشاهدين وعندئذٍ لا تتوجه اليمين على من شهد له العرف (١)
وقد علق المهدي الوزاني على الخلاف في هذه المسالة، فقال: أما كون المتقرر من العادات بمنزلة شاهد واحد فقط لا شاهدين، فهو المعتمد، وقد رجح هذا الرأي الشيخ الزهوني، وفي العمليات نظم أبو زيد الفاسي هذا الخالف، فقال: والمتقرر من العادات كشاهد أو شاهدين، وذكر الوالد ﵀ في الطريقة المرضية أنه اختلف في العادة هل هي كشاهدين فلا يمين معها أو كشاهد يحتاج معها إلى اليمين وبين أن المشهور توجيه اليمين إن كان للمدعى فيه نزاع غير من احتج بالعادة فتجب اليمين على المحتج بها، فإن لم يكن منازع فلا يمين نقل ذلك عن صاحب الدكانة الذي انتزعه من تعليل القرطبي وابن عرفه من عدم توجه اليمين على صاحب اللقطة لعدم منازع له فيها لكن ذكر الوالد أن ما ذكره عظوم غير مطرد ينتقض بمسألة ما إذا زوج ابنته البالغ وهو ساكت حتى إذا فرغ أنكر بحدثان ذلك، فإنه يستحلف أنه لم يرض، فإن نكل لزمه النكاح وكان عليه نصف الصداق، قال خليل: وحلف رشيد وأجنبي وامرأة أنكروا الرضا والأمر حضورًا ذكره ابن يونس وحكاه صاحب اللباب عن ابن القاسم. وقال أبو عبد الله: لا يلزمه شيء وعليه فاليمين استظهار فقط لعله يقرر وصوبه أبو عمران. وقد ذكر الونشريسي أن الخلاف في لزوم نكاح الناكل مبني على الخلاف في العادة هل هي كالشاهد أو كالشاهدين فإن قلنا كالشاهدين لزم النكاح بنكوله وعليه نصف الصداق، وإن قلنا كالشاهد لم يلزمه (٢) .، وعلى الرغم من ذلك أن جمهور الفقهاء مالوا إلى اعتبار العرف كشاهد واحد.
стр. 7456
منزلة العرف بين الأدلة:
لقد استخرج أصحاب مالك الأصول والقواعد التي بنى عليها مذهبه من فروعه الفقهية التي قررها ودونوا هذه الأصول، فقالوا: كان مالك يأخذ بظاهر القرآن وبظاهر السنة وبمفهوم المخالفة وبفحوى الخطاب وبمراعاة الخلاف وليست هذه أقوالًا له مأثورة عنه وإنما هي مستخرجة من الفروع فهي إذن مجهود العلماء الذين اتبعوا مذهبه فعملهم كعمل علماء الحديث بصحيح البخاري، إذ لم يبين الشروط التي اشترطها وإنما ذلك عمل من أتى بعده من المحدثين، وليس هذا إن هذه القواعد والأصول قد خفيت عنه أو لم يوجد في كلامه ما يفيدها، فقد يصرح بأخذه بعمل أهل المدينة وبين البواعث التي أدت به إلى الأخذ به، كما صرح بذلك في الموطأ وقد صرح أيضا بما لا مجال للشك فيه بأنه أخذ بالقياس حتى قال ابن العربي في القبس إن مالكا قصد في الموطأ تبين أصول الفقه وفروعه (ص ٧) وبين أيضا أن مالكا بنى موطأه على تمهيد الأصول للفروع ونبه فيه إلى معظم أصول الفقه التي ترجع إليها مسائله وفروعه، فالإمام لو لم يصرح بهذه القواعد بصريح العبادة، فقد كانت هذه بمثابة الأسس التي قامت عليها أقوال من أتى بعده وعليها استندوا في التخريج والاستنباط وقد اختلف المالكية في عد هذه الأصول التي بني عليها الفقه المالكي بعدها الشيخ محمد صالح الهسكوري صاحب التقييد على الرسالة أنها ستة عشر أصلًا وهي: نص الكتاب، وظاهره وهو العموم ودليله وهو مفهوم المخالفة، ومفهوم الموافقة، وتنبيه، وهو التنبيه على العلة، ومن السنة مثل ذلك، فهذه عشرة ثم الإجماع وعمل أهل المدينة وقول الصحابي والاستحسان وسد الذرائع، واختلف قوله في مراعاة الخلاف فمرة اعتبره ومرة ألغاه. قال أبو يحيى الغرناطي شارح التحفة وابن ناظمها في شأن مراعاة الخلاف ما نصه: مراعاة الخلاف لا يطردونه في جميع المواضع ثم مراعاة الخلاف إما أن تكون صحيحة وإما أن تكون غير صحيحة، فإن كانت صحيحة جارية على أصول الشريعة وجب اعتبارها على الإطلاق، وأما اعتبارها في بعض المسائل دون بعض، فذلك يفتقر إلى ضابط يعرف به الموضوع الذي يجب أو يجوز أن يراعى فيه الخلاف من الذي لا يراعى فيه، وقد أنهاها القرافي في تنقيح الفصول في الفصل الأول من الباب العشرين إلى تسعة عشر، قال: وذلك بالاستقراء وهي الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإجماع أهل المدينة والقياس، وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والاستصحاب والبراءة الأصلية والعوائد والاستقراء وسد الذرائع والاستدلال والاستحسان والأخذ بالأخف والعصمة وإجماع أهل الكوفة وإجماع العترة وإجماع الخلفاء الأربعة (١)
стр. 7457
واستقراء القرافي ناقص، بدليل أن بعض علماء الأصول زاد على التسعة عشر التي ذكرها إجماع المصرين البصرة والكوفة وإجماع الحرمين والعرف والتعامل والعمل بالظاهر والأظهر والأخذ بالاحتياط والقرعة ومذهب كبار التابعين والعمل بالأصل ومعقول النص وشهادة القلب وتحكيم الحال وعموم البلوى والعمل بالشبهين ورؤيا النبي ﷺ والأخذ بأيسر ما قيل والأخذ بأكثر ما قيل وإجماع الصحابة وحدهم وقول الخلفاء الأربعة إذا اتفقوا وقول الصحابي إذا خالف القياس والرجوع إلى المنفعة والمضرة ذهابًا إلى أن الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع، والقول بالنصوص والإجماع في العبادات والمقدرات وباعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام عند الطوفي وإجماع الأمم السالفة عند الإسفراييني والاقتران أي بين جملتين، فإنه يقتضي التسوية في الحكم بينهما عند المزني وأبي يوسف والاستدلال على انتفاء الشيء بانتفاء دليله عند الإسفراييني ومفهوم اللقب عند جماعة وحكم العقل عند المعتزلة والهاتف أي الصوت المعلوم صدقه والأوهام أي الإلقاء في القلب وشرع من قبلنا وإن كان مرجع الجميع إلى الأصلين الكتاب والسنة كما نقله الزركشي عن بعضهم.
وقد رد الشاطبي في موافقاته الأدلة الشرعية إلى ضربين ما يرجع إلى النقل المحض وما يرجع إلى الرأي المحض، وهذه القسمة هي بالنسبة إلى أصول الأدلة وإلا فكل واحد من الضربين مفتقر إلى الآخر لأن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر، كما أن الرأي لا يعتبر شرعًا إلا إذا استند إلى النقل، فأما الضرب الأول فالكتاب والسنة، وأما الثاني فالقياس والاستدلال ويلحق بكل منهما وجوه إما باتفاق وإما باختلاف، فيلحق بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل به، ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا لأن ذلك كله وما في معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان والمصالح المرسلة إن قلنا: إنها راجعة إلى أمر نظري وقد ترجع إلى الضرب الأول إن شهدنا أنها راجعة إلى العمومات المعنوية (١)
стр. 7458
ولقد صرح أبو بكر بن العربي في العارضة بأن العرف أحد القواعد العشر التي تركبت عليها أحكام المعاملات في المذهب المالكي وما ذهب إليه الشاطبي من التقسيم له وجه صحيح حيث عمل أهل المدينة وقول الصحابي وقد اعتمدها مالك، فذلك باعتبار أنهما من شعب السنة كما أن كلمة الرأي تشمل بعمومها المصالح المرسلة وسد الذريعة والعادات والاستحسان والاستصحاب لأن هذه من مشملات الرأي، وقد ذكر تاج الدين السبكي أن أصول مذهب مالك تزيد على الخمسمائة وهو في الواقع يشير إلى القواعد التي استخرجت من الفروع الفقهية في المذهب المالكي ولقد أنهاها القرافي في فروقه إلى خمسمائة وثمان وأربعين قاعدة وجمعها المقرئ في ترتيب الفروق في تسع وثلاثين ومائتين قاعدة وأنهاها في قواعده إلى مائتين وألف قاعدة، ولكن هذه القواعد في الحقيقة تفرعت عن تلك الأصول التي سبق ذكرها، ثم إن الإمام مالك ﵀ لم ينص على هذه القواعد وإنما استنبطها أصحابه من فروعه الفقهية، وقد لاحظ الشيخ أبو زهرة في كتابه مالك أن مذهب الإمام أكثر المذاهب أصولًا حتى إن علماء الأصول من المالكية حاولوا الدفاع عن هذه الكثرة، قال أبو زهرة: وإن نوع الأصول التي يرد بها المذهب المالكي على غيره ومسلكه في الأصول التي اتفق فيها مع غيره يجعلانه أكثر مرونة وأقرب حيوية وأدنى إلى مصالح الناس وما يحسون وما يشعرون وبعبارة جامعة أقرب إلى الفطرة الإنسانية التي يشترك فيها الناس ولا يختلفون إلا قليلًا بحكم الإقليم والمنزع والعادات الموروثة (١)
стр. 7459
أما توثيق هذه الأدلة في المذهب المالكي من حيث الاعتبار والحجية، فقد أوضحه القاضي أبو الفضل عياض في كتابه المدارك فذكر ترتيبه على ما يوجبه العقل ويشهد له الشرع تقديم كتاب الله تعالى على ترتيب وضوح أدلته من نصوصه، ثم ظواهره ثم مفهوماته، ثم كذلك بسنة رسول الله ﷺ على ترتيب متواترها ومشهورها وآحادها ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهومها على ما تقدم في الكتاب، ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة وبعد ذلك عند عدم الأصول والقياس عليهما والاستنباط منهما إذ كتاب الله مقطوع به وكذلك ما تواتر من سنة نبيه ﷺ ، وكذلك النص المقطوع به بموجب تقديم ذلك كله، ثم الظواهر، ثم المفهوم منها لدخول الاحتمال في معناها، ثم أخبار الآحاد يجب العمل بها والرجوع إليها عند عدم الكتاب والتواتر، وهي مقدمة على القياس لإجماع الصحابة على الفصلين وتركهم نظر أنفسهم متى بلغهم خبر ثقة عن النبي ﷺ وامتثالهم مقتضاه دون خلاف منهم في ذلك، ثم القياس أخيرًا إذ إنما يلجأ إليه عند عدم هذه الأصول في النازلة فيستنبط من دليلها ويعتبر الأشباه منها على ما مضى عليه عمل الصحابة ومن بعدهم من السلف المرضيين وعلم من مذهبهم أجمعين وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة وتقرير مآخذهم في الفقه والاجتهاد في الشرع وجدت مالكًا ﵀ ناهجًا في هذه الأصول مناهجها مرتبًا لها مراتبها ومدارجها، مقدما كتاب الله ومرتبًا له على الآثار، ثم مقدمًا لما على القياس والاعتبار تاركًا منها لما لم يتحمله عنده الثقات العارفون بما تحموله أو ما وجد الجمهور والجم الغفير من أهل المدينة قد علموا بغيره وخالفوه ولا يلتفت إلى من تأول عليه بظنه في هذا الوجه سوء التأويل وقوله ما لا يقوله، بل ربما يصرح أنه من الأباطيل، ثم كان من وضوعه عن المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوضات ما سلك به سبيل السلف الصالحين، وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سن الماضين.
ثم سلك الشافعي سبيله وبسط مآخذه في الفقه وأصوله لكن خالفه في أشياء أداه إليها اجتهاده وثاقب فطنته ولم يخلصه من دركها عدم استقلاله بعلم الحديث والأثر وتزحزحه عن الانتهاء في معرفته، ثم ما جرى بينه وبين بعض المالكية بمصر وحمل عليه حتى تميز عنهم بعد أن كان معدودًا منهم وواحدًا من جملتهم، فبان بأصحابه وتلاميذه وصرح من حينئذٍ بالخلاف والرد على أكبر أساتذته.
стр. 7460
وأما أبو حنيفة، فإنه قال بتقديم القياس والاعتبار على السنن والآثار بترك نصوص الأصول وتمسك بالمعقول وآثر الرأي والقياس والاستحسان، ثم قدم الاستحسان على القياس بأبعد ما شاء وحد بعضهم استحسانه أنه الميل إلى القول بغير حجة، وهذا هو الهوى المذموم والشهوة والحديث والبدعة حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع في الدين ولهذا خالفه صاحباه محمد وأبو يوسف في نحو ثلث مذهبه إذ وجدوا السنن تخالفهم فيما تركه لما ذكرناه من قصد لتغليبه القياس وتقديمه أو لم تبلغه ولم يعرفه إذ لم يكن من مثقفي علومه وبه شنع المشنعون عليه وتهافت الجراء على ذم البرآء بالطعن إليه، ثم ما تمسك به من السنن فغير مجمع عليه وأحاديث ضعيفة متروكة، وبسبب هذا تحزبت طائفة أهل الحديث على أهل الرأى وأساءوا فيهم القول والرأي.
وأما أحمد وداود فإنهما سلكا اتباع الآثار ونكبا عن طريق الاعتبار لكن داود خالف ذلك فترك القياس جملة واحدة هو وأصحابه من القول بالظاهر ما خالف فيه أئمة الأمة فخانه التمسك بربع أدلة الشريعة.
وجعل أحمد الخبر الضعيف خيرًا من القياس وبديهية العقل تنكر هذا فلا خير في بناء على غير أساس وهذا اعتبار في التفضيل نبيل يدل المنصف على السالك منهم نهج السبيل هذا مأخذ الجميع في فقههم ونظرهم على ما في فهمهم (١) .
وكان مالك ﵀ يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضيين، هذه نتفة عما يتعلق بالأصول، أما ما يتعلق بالقواعد فقد قسمها المالكية إلى قسمين ما هي أصول لأمهات مسائل الخلاف وما هي أصول للمسائل، والقسم الأول هو مراد الإمام المقري في قواعده فقد ذكر أنه قصد إلى تمهيد ألف ومائتي قاعدة في الأصول القريبة لأمهات مسائل الخلاف وأضاف أنه يعني بالقاعدة كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة وأعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة فهو لا يعني في قواعده القواعد الأصولية العامة ككون الكتاب والسنة والإجماع والقياس حجة أو كحجية المفهوم أو العموم وخبر الواحد أو ككون الأمر عند الإطلاق للوجوب والنهي للتحريم ولا قصد القواعد الفقهية الخاصة ككل ما لا يتغير لونه أو طعمه أو رائحته فهو طهور وكل حيتان البحر مباح في الأكل أو كل عبادة لا تصح إلا بنية، وإنما أراد ما توسط بين هذين مما هو أصل لأمهات المسائل فهو أخص من أصول العامة وأعم من الأحكام الجزئية الخاصة هذا هو غالب ما اشتمل عليه وإن كان قد تعرض لبعض قواعد أصولية وقواعد فقهية تكميلا للفائدة وما من مذهب من المذاهب إلا وله تأليف، وهذه القواعد كالأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي والأشباه والنظائر للسيوطي والقواعد لابن رجب الحنبلي، وكل مذهب من المذاهب له قواعد اختارها، واعتمد عليها في استنباط الأحكام، وقد حصر أبو عبد الله بن عمر الدبوسي السمرقندي الحنفي مذهب الحنفية في أربعة عشر قاعدة وأنهاها ابن نجيم إلى تسعة عشر قاعدة في الأشباه وجعل القاضي الحسين مبنى الفقه الشافعي على أربعة قواعد كما في فتح الباري (٢) ، وأنهاها ابن رجب الحنبلي في قواعده إلى مائة وستين قاعدة وأردفها بفصل اشتمل على عشرين قاعدة ألحقها بالقواعد فيها اختلاف في المذهب الحنبلي ينبني على الاختلاف فيها فوائد متعددة (٣) .