ملحق رقم ٢
بعض الأقوال والنصوص في هذا المورد:
نقل المرحوم (مغنية) في كتابه (الفقه على المذاهب الخمسة) أن الحنفية والمالكية والحنابلة قالوا: "متى ثبتت رؤية الهلال بقطر، يجب على أهل سائر الأقطار من غير فرق بين القريب والبعيد ولا غيره باختلاف مطلع الهلال".
وقال الإمامية والشافعية: " إذا رأى الهلال أهل البلد، ولم يره أهل بلد آخر فإن تقارب البلدان في مطلع كان حكمها واحدًا، وإن اختلف المطلع فلكل بلد حكمه الخاص".
وجاء في كتاب روائع البيان (تفسير آيات الأحكام) للشيخ محمد الصابوني الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة قوله:
الحكم العاشر: هل يعتبر اختلاف المطالع في وجوب الصيام؟
ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع، فإذا رأى الهلال أهل بلد، وجب الصوم على بقية البلاد، ولقوله ﷺ : ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) وهو خطاب عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعًا.
стр. 772
وذهب الشافعية إلى أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، ولا تكفى رؤية البلد الآخر، والأدلة تطلب في كتب الفروع، فارجع إليها هناك (الجزء الأول ص ٢١١) .
وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين ج ١ ص ٢٣٢) .
"وإذا رئي الهلال ببلدة، ولم يرى بأخرى، وكان بينهما أقل من مرحلتين، وجب الصوم على الكل، وإن كان أكثر، كان لكل بلدة حكمها ولا يتعدى الوجوب ".
ونقل العلامة الفيض الكاشانى في كتابه (الوافى ص ٢) الرواية التالية: عن البصرى عن أبي عبد الله ﵇ قال سألته عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: "لا تصم إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه".
وعلق عليها قائلًا: إنما قال ﵇ فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه، لأنه إذا رآه واحد في بلد، رآه ألف كما مر. والظاهر أنه لا فرق بين أن يكون ذلك البلد المشهود برؤيته فيه من البلاد القريبة من هذا البلد أو البعيدة عنه، لأن بناء التكليف على الرؤية لا على جواز الرؤية ولعدم انضباط القرب والبعد لجمهور الناس ولإطلاق اللفظ فما اشتهر بين متأخرى أصحابنا من الفرق ثم اختلافهم في تفسير القرب والبعد بالاجتهاد ولا وجه له. (ص٢٠) .
إلا أن المرحوم الشعرانى علق على كلامه بقوله:
"الشريعة نفسها التى ربطت شهرها (القمرى) الشرعى بإمكان الرؤية لنر أنها هل ربطت الشهر في كل منطقة بإمكان الرؤية في تلك المنطقة أو ربطت الشهر في كل المناطق بإمكان الرؤية في أي موضع كان؟
والأقرب على أساس ما نفهمه من الأدلة الشرعية هو الثانى. وعليه فإذا رئي الهلال في بلد ثبت الشهر في سائر البلاد".
ويقول المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه (الفردوس الأعلى) :
"سؤال: هل البينة حجة من البلد في ثبوت الهلال فيما إذا لم يكن في السماء علة أم لا..؟
الجواب:
فى السؤال نوع من إجمال، ولكن الضابطة الكلية أن أدلة حجية البينة مطلقة غير مقيدة بعدم الاستبعاد، أو عدم الريب فيما بعد تحقق موضوعها إلا أن يعلم اشتباهها أو خطأها، ولا فرق بين كونها من البلد أو خارج البلد بعيدة أو قريبة.."
стр. 773
نظرة أكثر تفصيلًا عن بدايات الشهور العربية
فضيلة الشيخ محمد على التسخيري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هناك نقاط تلقى ضوءًا على الموضوع المبحوث عنه وهي:
أولًا: أننا نعتبر مسألة الوحدة الإسلامية من أهم خصائص الأمة الإسلامية والتى عمل القرآن الكريم، والسنة الشريفة عليها، ونؤيد كل خطوة صحيحة مشروعة لتحقيق هذا الهدف الإسلامي الضخم والذى نصبو إليه جميعًا، حيث تقف الجماهير الإسلامية في خندق واحد تبنى نفسها من جهة متكاملة نحو المطلق، وتقارع الطغاة المعتدين (الشرقيين والغربيين) من جهة أخرى.
ثانيًا: كما أننا متأكدون من أن الكثير من المتسلطين على مقاليد الأمور في عالمنا الإسلامي حاولوا أن يستفيدوا من مسألة بداية الشهور القمرية والمناسبات وتوقيتها لصالح أغراضهم الضيقة، الأمر الذى يدعو إلى تجريدهم من هذه السلطات وتسليمها بيد مراكز مستقلة لا تتأثر بالأهواء وإنما تراقب الله تعالى لا غير.
ثالثًا: يبدأ الشهر بخروج القمر من موضعه بين الأرض والشمس (والذى يكون فيه وجهه المظلم مواجهًا للأرض فلا يرى) يبدأ بخروجه من هذا الموضع حيث تبدو حافة النصف المضئ بشكل هلال (ويسمى هذا بدء الحركة الاقترانية) وكلما ابتعد عن المحاق زادت مساحة الجزء الظاهر لنا حتى نواجه النصف المضئ كله بشكل (بدر) وتكون الأرض بينه وبين الشمس.
ويكون ظهور الهلال عند أول الشهر عند غروب الشمس ولا يلبث غير قليل فوق الأفق ثم يختفى ولهذا قد تصعب رؤيته أو قد لا تمكن من قبيل:
أن يظهر بعد غروب الشمس فوق الأفق الغربى قليلًا، ثم يختفى تحت الأفق الغبر فيكون غير واضح الظهور وربما صعبت رؤيته أو كانت غير ممكنة.
أو: أن يواجه الجزء المضئ من القمر الأرض، ثم يغيب ويختفى تحت الأفق قبل غروب الشمس، فلا تتيسر حينئذ رؤيته مادامت الشمس موجودة.
أو: أن يكون الجزء المنير المواجه للأرض من القمر (الهلال) ضئيلًا جدًا لقرب عهده بالمحاق، فلا تمكن رؤيته بالعين المجردة.
وفى كل الحالات تكون الدورة الطبيعية للقمر قد بدأت، إلا أن الهلال لا يمكن رؤيته، وحينئذ فإن الشهر بمفهومه الشرعى لا يبدأ حينذاك، وإنما يتوقف على أمرين:
أحدهما: خروج القمر من المحاق، ومواجهة جزء من نصفه المضئ للأرض.
والآخر: أن يمكن رؤية هذا الجزء بالعين الاعتيادية المجردة، ولهذا فقد يتأخرالشهر القمرى الشرعى عن الشهر القمرى الفلكى الطبيعى.
وإمكان الرؤية بالعين المجردة هو المقياس لا الرؤية نفسها، فوجود حاجب يحول دون الرؤية كالغيم والضباب لا يضر بذلك.
كما أنه ليس المعيار الرؤية بالوسائل العلمية، وإنما المعيار هو إمكان الرؤية بالعين الاعتيادية المجردة.
стр. 774
حالة اختلاف البلاد في الرؤية:
قد يرى الهلال في بلد دون آخر، فما هو الحكم؟
وللإجابة على ذلك يقال أن هذا الاختلاف تارة يكون لسبب طارئ كوجود غيم في هذا البلد دون ذاك وحينئذ فلاشك في كفاية الرؤية في أحدهما بالنسبة للبلد الآخر.
وأخرى يكون الاختلاف تابعًا لاختلافهما في خطوط الطول أو خطوط العرض أو فيهما معًا، فتكون لدينا آفاق متعددة.
ولما كان من اللازم توفر الأمرين السابقين (خروج القمر من المحاق، وإمكان الرؤية المجردة) فإنه لا ريب في نسبية دخول الشهر بالمفهوم الشرعي.
وذلك سواء آمنا بأن خروج القمر من المحاق أمر نسبى أو أمر طبيعى واحد لا يتكرر، (تبعًا لاختلاف مفهوم المحاق وهل هو انطباق مركز القمر على الخط الواصل بين مركزي الأرض والشمس فيغيب القمر عن كل أهل الأرض، أو هو مواجهة الوجه المظلم بتمامه لمنطقة ما على الأرض وهو أمر نسبى) .
فإن النسبية لا محالة آتية من إمكان الرؤية بالعين الاعتيادية المجردة.
ومع ذلك يجب الرجوع إلى النصوص الشريفة لمعرفة ما إذا كان الشارع المقدس يعتبر إمكان الرؤية في مكان ما كافيًا لاعتبار الأرض كلها قد دخلت في الشهر الشرعى أم لا يعتبر ذلك؟
وفى هذا المجال وقع اختلاف رئيس بين العلماء الأعلام عند تمحيص النصوص، وسر الاختلاف يكمن في وجود انصراف لنصوص (الرؤية في البلد الآخر) يصرف الإطلاق إلى البلد القريب المتحد في الأفق وعدم وجود مثل هذا الانصراف.
стр. 775
رأى علماء الإمامية:
اتفق علماء الإمامية على أن رؤية الهلال في بلد كافية لثبوته في غيرها من البلدان القريبة منها باعتبار العلم بأن عدم رؤيته فيه إنما يستند – لا محالة إلى مانع يمنع من ذلك.
أما البلدان المتباعدة (ذات الأفاق المتفاوتة) فقد نقل أنه لم يقع التعرض لهذه المسألة من قبل العلماء الماضين أما بالنسبة للعلماء المتأخرين فالرأى المشهور هو عدم كفاية الرؤية في بلد ما للقول بدخول الشهر القمري الشرعي لكل الأرض في حين اختار البعض من العلماء والمحققين الكفاية.
فقد نقله العلامة الحلي في كتاب (التذكرة) عن بعض العلماء واختاره هو بكل صراحة في كتابه (المنتهى) واحتمله الشهيد الأول في كتاب (الدروس) واختاره بصراحة المحدث الكاشانى في كتابه (الوافى) ونقل الرواية التالية: عن البصري عن أبي عبد الله ﵇ قال سألته عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: "لا تصم إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه".
وعلق عليها قائلًا: إنما قال ﵇ فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه، لأنه إذا رآه واحد في بلد، رآه ألف كما مر. والظاهر أنه لا فرق بين أن يكون ذلك البلد المشهود برؤيته فيه من البلاد القريبة من هذا البلد أو البعيدة عنه، لأن بناء التكليف على الرؤية لا على جواز الرؤية ولعدم انضباط القرب والبعد لجمهور الناس ولإطلاق اللفظ فما اشتهر بين متأخري أصحابنا من الفرق ثم اختلافهم في تفسير القرب والبعد بالاجتهاد ولا وجه له. (ص٢٠) .
إلا أن المرحوم الشعرانى علق على كلامه بقوله:
"الشريعة نفسها التى ربطت شهرها (القمرى) الشرعي بإمكان الرؤية لنر أنها هل ربطت الشهر في كل منطقة بإمكان الرؤية في تلك المنطقة أو ربطت الشهر في كل المناطق بإمكان الرؤية في أي موضع كان؟
والأقرب على أساس ما نفهمه من الأدلة الشرعية هو الثانى. وعليه فإذا رئى الهلال في بلد ثبت الشهر في سائر البلاد".
стр. 776
وأيده صاحب الحدائق في (حدائقه) ومال إليه صاحب جواهر الكلام وإن لم يصرح باختياره وكذلك النراقى في (المستند) والسيد أبو تراب الخونساري في شرح (نجاة العباد) والسيد الحكيم في مستمسكه: إذا قال ما نصه "فمع العلم بتساوى البلدين في الطول لا إشكال في حجية البينة على الرؤية في أحدهما لإثباتها في الآخر، وكذا لو رئي في البلاد الشرقية، فإنه تثبت رؤيته في الغربية بطريق أولى، أما لو رئي في الغربية فالآخذ بإطلاق النص غير بعيد (إلا أن يعلم بعدم الرؤية إذا لا مجال حينئذ للحكم الظاهري) ودعوى الانصراف إلى المتقاربين غير ظاهرة". (١) وقال بهذا القول السيد الخوئى في منهاج الصالحين إذ صرح قائلًا: " وهذا القول- أي كفاية الرؤية في بلد ما لثبوت الهلال في بلد آخر ولو مع اختلاف أفقهما هو الأظهر ". (٢) كما استظهر المرحوم السيد محمد باقر الصدر في فتاواه الواضحة (٣) ويقول المرحوم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه (الفردوس الأعلى) :
"سؤال: هل البينة حجة من البلد في ثبوت الهلال فيما إذا لم يكن في السماء علة أم لا..؟
الجواب:
فى السؤال نوع من إجمال، ولكن الضابطة الكلية أن أدلة حجية البينة مطلقة غير مقيدة بعدم الاستبعاد، أو عدم الريب فيما بعد تحقق موضوعها إلا أن يعلم اشتباهها أو خطأها، ولا فرق بين كونها من البلد أو خارج البلد بعيدة أو قريبة.."
إلا أن الرأى المشهور هو عدم الكفاية وقد صرح الإمام الخمينى به قائلًا: "لوثبت الهلال في بلد آخر دون بلده فإن كانا متقاربين أو علم توافق أفقهما كفى وإلا فلا" (٤) .
стр. 777
رأى العلماء غير الإمامية:
نقل العلامة مغنية في كتابه (الفقه على المذاهب الخمسة) أن الحنفية والمالكية والحنابلة قالوا: "متى تبينت رؤية الهلال بقطر يجب على أهل سائر الأقطار من غير فرق بين القريب والبعيد ولا غيره باختلاف مطلع الهلال"، وقال الإمامية والشافعية: " إذا رأى الهلال أهل البلد، ولم يره أهل بلد آخر فإن تقارب البلدان في مطلع كان حكمها واحدًا وإن اختلف المطلع فلكل بلد حكمه الخاص" (١)
إلا أننا رأينا اختلاف الإمامية أيضا وإن كان ما ذكره هو المشهور لديهم.
وقال حجة الإسلام الغزالى في كتابه إحياء علوم الدين (٢) :
"وإذا رئي الهلال ببلدة، ولم يرى بأخرى، وكان بينهما أقل من مرحلتين، وجب الصوم على الكل، وإن كان أكثر، كان لكل بلدة حكمها ولا يتعدى الوجوب ".
أدلة القائلين بكفاية الرؤية في بلد ما:
وقبل كل شئ ذكروا سورة القدر الدالة على أن ليلة القدر ليلة واحدة شخصية لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم من آفاقهم ضرورة أن القرآن نزل في ليلة واحدة وهذه الليلة هى ليلة القدر وهي خير من ألف شهر وفيها يفرق كل أمر حكيم وهذا يعم بقاع الأرض.
وبعد هذا تذكر الروايات ومنها:
١-قوله ﷺ : ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) فإنه خطاب عام لجميع الأمة فمن رآه منهم في أي مكان كان ذلك رؤية لهم جميعًا.
٢- صحيحة هشام بن الحكم عن الصادق ﵇ أنه قال: " فيمن صام تسعة وعشرين، قال: أن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يومًا".
٣- صحيحة أبي بصير عن الصادق ﵇ أنه سئل عن اليوم الذى يقضى من شهر رمضان فقال: "لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر" وقال: " لا تصم ذلك اليوم الذى يقضى إلا أن يقضى أهل الأمصار، فإن فعلوا فصمه".
٤- صحيحة اسحق بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (الصادق) ﵇ عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: "لا تصم إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه".
٥- صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال سألت أبا عبد الله (الصادق) ﵇ عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان، فقال: "لا تصم إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه".
٦- واستشهدوا بروايات أخرى من قبيل ما جاء في التهذيب عن الباقر ﵇ "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحى الناس، والصوم يوم يصوم الناس".
وما عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر محمد بن على ﵇ يقول: " صم حين يصوم الناس وأفطر حين يفطر الناس فإن الله جعل الأهلة مواقيت".
كما ذكروا مستشهدين ما جاء في الدعاء المروى في قنوت صلاة العيد " أسألك بهذا اليوم الذى جعلته للمسلمين عيدًا".
وما جاء في الدعاء عن المعصومين "وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرأى واحدًا".
وختمت استدلالاتهم بالاستشهاد بسكوت الروايات بأجمعها من اعتبار اتحاد الأفق في هذه المسألة فلم يرد ذكرها حتى في رواية ضعيفة.
стр. 778
أدلة النافين لهذه الكفاية:
والذى يبدو من أقوالهم هو التركيز منذ البدء على عنصر الانصراف العرفى لنصوص (الرؤية في البلد الآخر) بشكل يصرف الإطلاق إلى البلد القريب المتحد في الأفق والمتقارب من حيث خطوط الطول والعرض، وحينئذ فإن القاعدة تقضى بوحدة الحكم في خصوص البلدان المتقاربة فقط ويتأكد هذا الإنصراف العرفى إذا لاحظنا:
(أ) استبعاد أن يكون النظر في عبارة (بلد آخر) إلى البلاد الواقعة في أقصى الأرض مثلًا.
(ب) تأكد العرف من اختلاف المطالع القمرية قياسًا على المطالع الشمسية المختلفة رغم بطلان هذا القياس واقعًا إلا أنه على أي حال يصرف الظهور إلى الشكل الذى يلزم معه التصريح بعدم الفرق بين القريب والبعيد لو كان هو المراد ومع عدمه يعنى ذلك إقرار الفهم العرفي المنصرف إلى القريب.
أما الاستدلال بسورة القدر فلعله يجاب عنه بأن الليلة في علم الله تعالى وحده واحدة وهذا يختلف في مسألة الحكم الظاهرى لهذا البلد عن ذاك.
وكذلك لعله يجب الاستدلال بقوله ﷺ ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) بأن الحكم وإن كان عامًا إلا أنه ينحل بمقدار تعدد الأفراد والبلدان خصوصًا مع ملاحظة الإنصراف الآنف.
وهذا ما يجاب به على الاستشهادات بالاضافة لما فيه من ضعف في السند.
أما ما قيل من سكوت الروايات عن اعتبار وحدة الأفق فإنه بنفسه يقال بطرح مسألة سكوتها عن بيان عدم الفرق بين البعيد والقريب رغم ما هو المتعارف من وجود هذا الفرق لو كانت تقصده.
стр. 779
وعلى أي حال:
فإن المسألة تعود للإستظهار وحينئذ فلا يمكن إقامة البرهان القاطع بعد أن لم يكن هناك تصريح نصي به.
وعلى هذا الأساس، نقول أن مسألة توحيد الشهور القمرية أمرلا ينسجم مع هذا الخلاف – مادام قائمًا – ولا يمكن أن تشكل نظامًا عامًا سواء قلنا بانفتاح باب الاجتهاد أو انغلاقه فإننا باستعراض الآراء نجد أن المذاهب مختلفة فيها وكذلك آراء المجتهدين القائلين بانفتاح باب الاجتهاد.
ومن الطبيعى والحال هذه أنه لا يمكن إجبار فرد أو دولة على اتباع نظام قد لا تؤمن به شرعًا فكيف يمكن إصدار مثل هذا القرار؟
ورغم ما سبق فإننا نجد أن الجهود المبذولة قد تكون نافعة في تقريب وجهات النظر، وتشخيص الشهادات الصحيحة من الباطلة – أحيانًا – بل وهى تنفع في توحيد شطر كبير من الذين يؤمنون بمسلك وحدة الآفاق.. إلا أننا مع هذا نحذر من الاستغلال السياسى اللئيم لهذه المسألة الشريفة.
وأخيرًا نقول: إننا إذا تمسكنا بشريعتنا وبحقانية ما تقول بكل دقة، فزنا ولا يهمنا ما يقوله العالم لنا، ولذلك فإننا نسجل اعتراضنا على الاستناد إلى ما يسمى بـ (الرأى العام العالمى) في كلمات بعض العلماء. والمهم لدينا أن نحقق ما تريده الشريعة، وقد علمنا أن المسألة خلافية لا إجماع فيها.
وفى الختام فمع تقديرنا للجهود المبذولة في هذا السبيل نود أن يخرج هذا القرار عن الصفة الإلزامية إلى الصفة الترجيحية مع الدعوة إلى التقارب والتأكد من الأمر.
ونرجو في الختام التوفيق لكل المخلصين العاملين.. والسلام عليكم.
стр. 780
توحيد بدايات الشهور العربية
فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا..
حضرات الأساتذة المحترمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
بداية الشهر القمري عني بها فقهاء المسلمين، وفى كل مذهب نجد آثار هذه العناية بما خلفوه من خصب الاجتهاد الذى تفرع عنه أحكام عديدة في كثير من القضايا المرتبطة بذلك.
ولكن قضية الأهلة قد فرضت نفسها على ساحة الفكر الإسلامي في عصرنا هذا فرضًا تجاوز ما عرف من قبل، يبدو ذلك في عديد المؤتمرات واللقاءات التي خصصت لبحث هذا الموضوع في شرق العالم الإسلامي وغربه. كما يعود ذلك إلى بروز معطيات جديدة ما كانت موجودة من قبل.
أولًا: سرعة وسائل الاتصال الإعلامي فما يثبت الشهر في بلد من بلدان العالم الإسلامي حتى يبلغ الخبر أطراف الأرض في نفس اللحظة التي يبلغ فيها أبناء البلد المثبت.
ثانيًا: أن سرعة الاتصال هذه فرضت تصورًا جديدًا في القاعدة الشعبية الإسلامية هي ضرورة الاتحاد بين المؤمنين في الأعياد.
ثالثًا: أن غزو الفضاء قد فتح آفاقًا واسعة في مجال المعرفة الإنسانية تجاوزت الحساب النظري المجرد إلى تطبيقه على واقع الكون في أبعاد الفضاء.
رابعًا: اختلاف الأمة الإسلامية في وسائل إثبات الشهور القمرية أفضى إلى اختلاف في تعيين مبدئها ونهايتها. إذ أخذت أمم بالرؤية والآخذة بالرؤية اختلف فيما بينها في الشروط التي تثبت بها الرؤية فبعضها يكتفي بعدلين والبعض يشترط الاستفاضة.
стр. 781
وأخذت أمم أخرى بالحساب. وسنحاول في هذه الكلمة تتبع القضية من أصولها ثم في مذاهب المجتهدين ثم نختم بالرأى الذى نطرحه للنقاش.
القرآن الكريم:
١- تحدث القرآن عن الأهلة قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ففي هذه الآية صرف للسائلين عن طلب بلوغ الحقائق العلمية التي تتوقف استبانتها على مقدمات معرفية في سلسلة مترابطة ومتساوية، صرفهم عن طلب بلوغها بالتلقين، إذ أن ذلك ليس سبيل المعرفة، وتوجيههم إلى ما ينبغى لهم طلبه وهو ما يمكن أن يستفيدوه من الظاهرة الكونية وليس ذلك منعًا لهم من بلوغ ما أرادوا علمه فالجواب يتضمن تأجيل الجواب لأن السائل لم يتهيأ بعد لإدراك ما يريد إدراكه ومع هذا فقد بين ارتباط التوقيت والمناسك بالأهلة.
٢- تحدث القرآن عن انتظام سير القمر، كبقية الكواكب قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ . فكان انتظام هذا السير سبيلًا لتحديد السنوات وحساب الزمن.
٣- تحديد توزيع السنة على الأشهر: قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ .
٤- ربط بعض العبادات بوقت معين من حساب الشهور ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وربط أحكامًا أخرى بمطلق العد من الأشهر كقوله تعالى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ .
إن تتبعنا للآيات الكريمة الواردة في هذا المقام نتبعه بالملاحظات الآتية:
١- أن حركة الأفلاك حركة دقيقة ثابتة لم تختلف عبر العصور فهي تسير على نسق منتظم من يوم خلق السماوات والأرض.
٢- أن الزمن مرتبط بهذه الحركة وأنه اثنا عشر شهرًا في السنة ولا يجوز الزيادة عليها.
٣- أنه لا توجد آية صريحة تبين طريقة التعرف على بداية الشهور.
٤- أن آية الصوم التي ورد فيها لفظ شهد، حمله بعضهم على الحضور كقولهم شهد بدرًا وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ موجهين ذلك بما جاء في مقابل الآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ليكون وازنه، وحمله بعضهم على معنى (علم) أخذا من قوله تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ، أي علم حلول الشهر وليست شهد بمعنى رأى لأن فعلها شاهد لا شهد.
стр. 782
٥- أنى أرجح أن يكون معنى شهد علم لأن ما وقع به توجيه حملها على الحضور من التوازن هو مفقود في الحقيقة إذ الطرف الثاني لم يقصر على السفر. فلو كان نص الآية (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان على سفر فعدة من أيام أخر) لكان التوازن واضحًا، أما الشطر الثاني فهو قد جمع بين المرض وقد قدم السفر فالتوازن مختل، ولكن يصبح صدر الآية دالًا على أن من علم الشهر وهو حاضر صحيح وجب عليه الصوم، ومن كان مريضًا أو على سفر عند علمه فعدة.
٦- أن وظيفة السنة أن تبين طريقة المعرفة..
السنة النبوية: ورويت أحاديث كثيرة تعالج موضوع ثبوت الشهر، فروي عن عبد الله بن عمر، وهو أكثر من روي عنه وروي عن أبي هريرة وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ وعن أم سلمة أم المؤمنين ﵂ وعن جابر، وعن ابن عباس وعن سعد بن أبي وقاص وعلي بن علي المنذري الحنفي، وهذا ما جمعته وقد يكون لغيرهم أحاديث مروية في كتب الحديث، كلها تدور حول ربط الصوم برؤية الهلال أو لا، حتى أن الحديث الذى أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر لم تقبله عائشة وعلقت أنه وقع في وهم أو خطأ. قال: قال رسول الله ﷺ ((الشهر تسع وعشرون وصفق بيديه مرتين وقبض إبهامه، فذكروا ذلك لعائشة فقالت عائشة: غفر الله لأبي عبد الرحمن أنه وهل إنما هجر رسول الله ﷺ نساءه شهرًا فنزل لتسع وعشرين فقالوا يا رسول الله إنك نزلت لتسع وعشرين فقال: أن الشهر يكون تسعا وعشرين.)) آهـ.
стр. 783
فكون الشهر تسعًا وعشرين ليس قاعدة وإنما هو مرتبط بالرؤية ومجمل الحديث عندي أن اليمين تحمل على الأرفق وأقل المحامل إذا احتملت أكثر من مستوى. وهذا الحديث رواه مسلم عن جابر كما قالت عائشة فالأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ وردت باللفظ: ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) ووردت بالإشارة ((الشهر هكذا وهكذا وعقد أصبعه في الثالثة)) وإذا لم ير الهلال فالمروي عن رسول الله ﷺ قد اختلف لفظه فروي ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) . وروي ((فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يومًا)) وفي رواية ((فإن عفي عليكم فاكملوا العدد)) وفي رواية ((فإن عمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين)) وفي رواية ((فإن اغمي عليكم فعدوا ثلاثين)) وفي رواية ((فإن غبي عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين)) .
كما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا)) .
الروايات كلها متقاربة وحداتها الأصلية.
١- إن رؤية الهلال عند غروب شمس يوم التاسع والعشرين توجب تمام الشهر وبداية الشهر الجديد إذ أن اليوم يبدأ من غروب الشمس.
٢- أنه إذا لم ير الهلال ليلة الثلاثين وَرَدَ الأمر باتمام العدد مرة وباتمام ثلاثين يومًا في بعض الأحاديث وبقوله ((فاقدروا له)) .
٣- أنه ربط في بعض الروايات بين هذا الضبط وطريقة إثبات الشهر وبين المستوى العلمي الذي كان عليه أهل الجزيرة العربية في قوله ﷺ ((نحن أمة أمية)) وفي رواية البخاري ((إنا أمة أمية)) وما حمله عليه بعضهم من أنه يعني نفسه موجهين ذلك بقوله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ أن هذا المحمل بعيد إذ ما عرف عن النبي ﷺ أن يقول عن نفسه نحن. ولأنه ما كان يبين حكمًا خاصًا به وإنما كان يبين حكمًا يعم صحابته رضوان الله عليهم إذ طريقة معرفة دخول الشهر حكم يشمل كل المسلمين.
стр. 784
أقوال الفقهاء في طريقة ثبوت الشهر
مذهب الحنفية:
عبارة صاحب الكنز: " ويثبت رمضان برؤية هلاله أو بعد شعبان ثلاثين يومًا ومن رأى هلال رمضان أو الفطر ورد قوله صام فإن أفطر قضى وقيل بعلة خبر عدل ولو قنا أوانثى لرمضان وحرين أو حر وحرتين للفطر، وإلا فجمع عظيم والأضحى كالفطر ولا عبرة باختلاف المطالع."
الملاحظات:
١- أن مذهب أبي حنيفة التفرقة بين هلال الصوم وهلال الفطر وحالة السماء من صحو أو غيم فالحالات أربع.
الحالة الأولى: أن يكون بالسماء غيم أو مانع وهو المعبر عنه بالعلة ليلة الثلاثين من شعبان فواحد ثقة عدل كاف ولو كان عبدًا أو امرأة والعدل هو مستور الحال أي الذي لم يثبت فسقه حسبما افتى به البزازى وهو خلاف ظاهر الرواية. ابن عابدين ج ٢ ص ٩٠ والبحر الرائق ج ٢ ص ٢٨٦.
وعلل ذلك الكاساني بجواز انشقاق قطعة من الغيم ص ٩٨٥.
الحالة الثانية: أن يكون بالسماء غيم أو مانع ليلة الثلاثين من رمضان فيشترط في ذلك نصوب الشهادة على الأموال، رجلان توفرت فيهما صفة العدالة أو رجل وامرأتان فالاتفاق على عدم قبول المستور في هلال الفطر.
أن تكون السماء مصحية: في الصوم والفطر فيشترط لقبول الرؤية ثبوتها عن جمع كثير يحصل به العلم أو الظن الغالب وروي عن أبي حنيفة الاكتفاء بشهادة عدلين وروى الحسن عن أبي حنيفة الاكتفاء بالواحد. الكاساني ج ٢ ص ٩٨٥.
الجمع الكثير لم يقدر الحد الأدنى للجمع الكثير في ظاهر الرواية وقدره أبو يوسف بخمسين رجلًا قياسًا على القسامة وعن خلف بن أيوب خمسمائة ببلخ قليل وقيل ينبغى أن يكون من كل مسجد جماعة واحد أو اثنان. الكاساني ج٢ ص٩٨٦.
٢- أن هلال ذى الحجة قد اختلف فيه فرواية أنه كهلال الفطر وهو المذهب وروي أنه كهلال الصوم وصححه صاحب التحفة البحر ج ٢ ص ٢٩٠.
وأما بقية الأشهر فقد ذكر الاسبيجابي في شرح مختصر الطحاوى الكبير: "وأما في هلال الفطر والأضحى وغيرهما من الأهلة فإنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين عدول أحرار غير محدودين كما في سائر الأحكام وناقشه ابن عابدين في المفهم البحر ج ٢ ص ٢٩٠.
стр. 785
٣- إذا ثبت في بلد فهل يتعدى الحكم سائر الأقطار؟
إذا ثبتت الرؤية في بلد فإنه يجب الصوم على كل بلد يثبت عندهم بطريق صحيح رؤية البلد الآخر ويصوم أهل المشرق برؤية أهل المغرب وهذا ظاهر الرواية وهو ظاهر المذهب وعليه الفتوى لكن في البحر والأشبه اعتبار اختلاف المطالع فلا يلزمهم برؤية غيرهم كما في التبين ويقول الكاساني في بدائع الصنائع " أما إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم البلد الآخر" وقاسه أبو عبد الله الضرير على فطر القائم على المنارة وفطر أهل البلد.
٤- اكمال الشهر ثلاثين يومًا: إذا ثبت دخوله بعدلين رئي الهلال ولم ير في صحو أو غيم.
وإن ثبت دخول الشهر برؤية واحد فإن كان بغيم تم الشهر وإن كان صحوًا فخلاف ويرى محمد تمام الشهر بذلك لأنه حكم بالفطر تبعًا وضمنًا لا استقلالًا ورجح في غاية البيان ما ذهب إليه محمد بن الحسن الشيباني.
٥- أعتماد الحساب: يقول صاحب الدر المختار ولا عبرة بقول الموقتين ولو عدولًا على المذهب قال في الوهبانية وقول أولى التوقيت ليس بموجب وقيل نعم والبعض أن كان يكنز آهـ علق عليه ابن عابدين يوهم أنه قيل بأنه موجب للعمل وليس كذلك بل الخلاف في جواز الاعتماد عليهم.
وقد حكي في القنية الأقوال الثلاثة فنقل أولًا عن القاضي عبد الجبار صاحب جمع العلوم بأنه لا بأس بالاعتماد على قولهم ونقل عن ابن مقاتل أنه كان يسألهم ويعتمد على قولهم إذا اتفق عليه جماعة منهم ثم نقل عن شرح السرخس أنه بعيد وعن شمس الإئمة الحلواني: أن الشرط في وجوب الصوم والافطار الرؤية ولا يؤخذ فيه بقولهم ثم نقل عن مجد الإئمة الترجماني أنه اتفق أصحاب أبي حنيفة إلا النادر والشافعي على أنه لا اعتماد على قولهم.
стр. 786
وفي جعل الحساب ميزانًا لصحة الشهادة وهو ما ذهب إليه السبكي نقل ابن عابدين عن الشهاب الرملي أن المعول عليه الشهادة لا الحساب.
بناء على ما تقدم فالخلاف في اعتماد الحساب في ثبوت دخول الشهر وفي رد الشهادة أن جاءت على خلافه الخلاف ثابت والراجح عدم الأخذ بالحساب واعتمادهم على قوله ﷺ ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) .
مذهب المالكية:
وذهب المالكية إلى أن الشهر:
١- يثبت بالرؤية
والرؤية رؤية عدلين ممن يقبل قولهما في الشهادة قال في المدونة: " ولا يصام رمضان ولا يفطر فيه ولا يقام الموسم إلا بشهادة رجلين حرين مسلمين عدلين." وذهب ابن مسلمة إلى قبول رجل وامرأتين، وأشهب إلى قبول رجل وامرأة.
ولا يفرقون بين هلال رمضان وهلال شوال وغيره من الأهلة.
ونقل ابن عبد الحكم أنه رأى أهل مكة لا يقبلون في شهر ذى الحجة إلا خمسين رجلًا ولا يفرقون بين الصحو والغيم.
وذهب سحنون إلى أن الرؤية أن كانت في صحو والمدينة كبيرة ولم يشهد بذلك إلا عدلان فذلك ريبة في شهادتهما توجب ردها قال: "وأى ريبة أكبر من هذا." ولم يحدد العدد الذي يراه حدًا أدنى لقبول الشهادة.
وكما يثبت برؤية عدلين فكذلك يثبت بالرؤية المستفيضة والرؤية المستفيضة تتقوى بكثرة الرائين فلا يشترط عدالة المخبرين. وتحقيق الاستفاضة أن يكون الخبر يبلغ عند السامع درجة الظن القوي بصدقه أو اليقين.
أما بخبر الواحد فلا تثبت الرؤية لا في صحو ولا في غيم ويصوم الرائى وكذا أهله ولا يفطرون برؤية هلال شوال ويقف يوم عرفة حسب رؤيته. البيان والتحصيل ج ٢ ص ٣٥١.
стр. 787
ملاحظة: إذا ثبت الشهر بشهادة شاهدين ثم كانت السماء صحوًا ليلة الحادي والثلاثين ولم ير الهلا كذب الشاهدان قال مالك "هما شاهدا سوء ولو انفردا بالشهادة على الرؤية ليلة الحادي والثلاثين لم تقبل شهادتهما للتهمة" وحرر ابن عبد السلام ما يترتب على هذا أنه إذا لم ير هلال ذى القعدة وجب قضاء يوم وإذا كانت الشهادة على هلال ذى الحجة ولم ير الهلال المحرم ليلة الحادي والثلاثين فسد الحج. مواهب الجليل ج٢ ص٣٨٣.
٢- ثانيًا: ببلوغ الشهر ثلاثين يومًا حسب الضوابط السابقة.
٣- ثالثًا: الحساب قال ابن الحاجب " ولا يلتفت إلى حساب المنجمين وإن ركن إليه بعض البغداديين" ورووه عن مالك قال ابن برزيزة وهي رواية شاذة في المذهب وقد ذكر ابن العربي في العارضة قال: "كنت رأيت للقاضي أبي الوليد الباهلي رحمة الله أن بعض الشافعية يقول أن يرجع في استهلال الهلال إلى حساب المنجمين وانكرت ذلك عليه لأن فخر الإسلام أبا بكر الشاشى وأبا منصور محمد بن محمد الصباغ حدثاني بمدينة السلام عن الشيخ الإمام أبي نصر الصباغ بباب الرحمن منها قال ولا يؤخذ في استهلال الهلال بقول المنجمين خلافًا لبعض الشافعيين وكذلك أخبرني أبو الحسن بن الطبوري عن القاضي أبي الطيب الطبري عن إمام الشافعية أبي حامد الاسفراييني إمام الشافعية في وقته مثله ثم نقل عن أبي العباس بن شريح أن قوله ﷺ ((فاقدروا له)) أي منازل القمر لمن خصه الله بهذا العلم وقوله ((فاكملوا العدة ثلاثين)) . خطاب العامة. قال ابن العربي: "وهذه هفوة لا مرد لها وعثرة لا لعًا منها وواصل هجومه إلى أن بلغ من التشنيع أن قال أن فهمه هذا فرق أمة محمد لأمتين أحدهما عددية والثانية عامة الناس عارضة الأحوذى ج٣ ص٢٠٨. ثم نقل عن ابن نافع عن مالك أن الإمام إذا كان يصوم بالحساب أو يفطر أنه لا يقتدي به. ج٣ ص٢١١.
وقعد القرافي لعدم الأخذ بالحساب قاعدة ذكرها في الفرق الثاني والمائة بين اعتماد الحساب في أوقات الصلوات وعدم اعتماده في ثبوت الشهر بأن الله ربط الصوم والفطر بالرؤية لا بالخروج من شعاع الشمس خروجًا يمكن من مشاهدته بينما أوقات الصلوات ربطها بزوال الشمس وبلوغ الظل وغروب الشمس ومغيب الشفق ج٢ ص١٢٩.
رابعًا: تعميم الرؤية على جميع الأقطار: نقل ابن عرفة عن أبي عمر بن عبد البر الاجماع على عدم لحوق حكم رؤية ما بعد الأندلس من خراسان.
وأما ما لم يبعد جدًا فيتعدى حكم ثبوت الشهر إلى غير بلد الرؤية. مواهب الجليل ج٢ ص٣٨٤ البناني ج٢ ص١٩٢.
стр. 788
مذهب الشافعية:
وذهب الشافعية إلى أن الشهر يثبت دخوله:
١- بالرؤية، ويشترط في الرؤية أن تكون بعد الغروب وأن تكون بمجرد النظر لا بواسطة مرآة كالمرآة المقربة والبلور الذي يقرب البعيد ويكبر الصغير.
ويكتفى فيها بشهادة عدل واحد على الرؤية إذا قبله القاضي واثبت بذلك دخول الشهر ويشترط فيه العدالة ويخفف في ضوابط العدالة فيقبل حتى مستور الحال وهو الذي يلابس ما يخرم المروءة ولا يقبل شهادة امرأة ولا عبد وقيل لا بد من عدلين ومنهم من فرق بين الصوم وغيره فيقبل في الصوم الواحد وفي غيره اثنان فإن لم يقبل القاضي الشهادة وجب على الرائي الصوم.
وإذا لم ير الهلال في تمام الثلاثين افطروا.
٢- بالخبر المتواتر ولو كان من كفار. التحفة ج٣ ص٣٧٢.
٣- تمام الشهر ثلاثين ومن أتم الشهر على روايته المرفوضة فقد تم الشهر بالنسبة له.
٤- بقول منجم وحاسب: لا يقبل قول منجم وحاسب ولا يجوز لأحد تقليدهما وإنما يعملان به لأنفسهما واختلف في إجزائه وصححه الشرواني نقلًا عن الأمهات.
وذكر ابن قاسم العبادي أن قياس قولهم أن الظن يوجب العمل أنه يجب عليه الصوم وعلى من أخبره وغلب على ظنه صدقه.
تعدى الرؤية إلى غير محل الرؤية
إذا ثبت في بلد لزم البلد القريب. القرب: = ضبطه بعضهم بمسافة القصر لأن الشارع ربط بها جملة من أحكام العبادات واعتبار المطالع محوج إلى تحكيم النجوم.
وضبطه بعضهم باختلاف المطالع لأن الهلال لا تعلق له بمسافة القصر ولأن المناظر تختلف باختلاف المطالع والعروض فكان اعتبارهما أولى.
وقدر التاج التبريزى اختلافها بأربعة وعشرين فرسخًا.
وحصل في المجموع أن الأقوال ستة ١- أهل الأرض٢- أهل الإقليم ٣- بلد الرؤية وماوافقها في المطالع وهو أصحها ٤- كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض ٥- من دون مسافة القصر ٦- بلد الرؤية فقط.
وذهب الحنابلة: إلى أن الشهر يثبت دخوله أن كان هلال رمضان:
١- برؤية عدل ذكرًا كان أو انثى حرًا أو عبدًا ولا يشترط فيه أيقول: أشهد، ولو انفرد الرائى وسط جمع كثير فإن ذلك لا يكون ريبة.
٢- بتمام شعبان ثلاثين يومًا والسماء صحو.
٣- إذا كان ليلة الثلاثين غيم يمنع الرؤية فنقل الخرقي أنه يجب الصوم أن كانت السماء ليلة الثلاثين مغيمة ونقل عن أحمد أيضا أن الناس تبع للإمام فإن صام صاموا وإن أفطر أفطروا، وروى عنه رواية ثالثة لا يجب صومه ولا يجزئه عن رمضان. ج٣ ص٨٩.
стр. 789
تعدى الرؤية:
إذا ثبتت الرؤية في بلد تعدت إلى سائر البلدان ولا عبرة باختلاف المطالع. ج٣ ص٨٨.
برؤية عدلين في بقية الشهور، إذا صام الناس بشهادة اثنين فلم يروا الهلال بعد ثلاثين يومًا أفطروا في الصحو والغيم وإذا استندوا في صومهم إلى شهادة واحد وكانت ليلة الحادي والثلاثين صحوًا لم يفطروا.
لقد حاولت أن ألخص المذاهب الفقهية لأن ذلك يمثل في نظري قاعدة أساسية للبحث الذي هو توحيد الأشهر الإسلامية أو القمرية.
إن المذاهب الإسلامية قد اختلفت في أمر ثبوت دخول الشهر ونهايته اختلافًا بينًا مما يدل على أن الحديث المستند إليه ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) حديث مجمل والاجمال جاء من نواح عديدة:
١- أن فاعل المصدر محذوف فقدروه واحدًا مستور الحال وواحدًا عدلًا واثنين وجماعة كثيرة من المسلمين وأدخلوا فيه التواتر عن غير المسلمين.
٢- هل أن رؤيته الأولى ((صوموا لرؤيته)) هي كرؤيته الثانية ((وافطروا لرؤيته)) ؟ فمن قائل بالاتحاد ومن قائل بالاختلاف.
٣- هل الخطاب للمسلمين كافة إذا ثبت الصوم في ناحية وجب على الباقين العمل بما ثبت أولًا؟
٤- هل الصوم والفطر بعد الثبوت هو وضع نهائى أو أن الصوم والفطر يستأنى به؟
٥- هل تغلب الرؤية أو نلغى الرؤية ونأخذ بالأحوط كما هو الحال ليلة الغيم التاسعة والعشرين من شعبان.
٦- وقت الرؤية هل يشترط أن يكون بعد غروب أو يثبت الشهر ولو كانت الرؤية قبل الغروب؟
٧- هل يفطر من رأى هلال شوال ولم تقبل شهادته أو لايفطر؟
إن الاجمال دفع المجتهدين إلى البحث عن البيان فبين كل واحد الحديث حسبما بلغه اجتهاده وهذا يفضي قطعًا إلى اختلاف الأمر لا بين الأمة الإسلامية بل بين العائلة الواحدة حسب ارتباط المقلد بالمجتهد.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه حتى في المذهب الواحد لم يصل الاحتياط في فهم الحديث وتطبيقه إلى منهج مأمون فقد استبان كذب الشهود أو خطؤهم. وقد يكون الأمر مما يمكن تداركه كرمضان إذ غاية ما يترتب عليه أن يصوم الناس واحدًا وثلاثين يومًا أو أن يقضوا يومًا أما في ذى الحجة وبعد أن يقف الناس يوم عرفة ثم يتبين كذب الشهود في نهاية الشهر فإن حج الأمة الإسلامية كلها يكون باطلًا.
ومن ناحية ثالثة في البلدان التي قلما يصحو فيها الجو إذا اعتمدنا الرؤية وحدها فهل نأخذ بقاعدة أنه لا يتوالى إلى أكثر من أربعة أشهر على التمام فيكون الخامس ناقصًا وعلى هذا فقد ألغينا الحديث صوموا لرؤيته أو نستمر على التمام حتى إذا ظهر الهلال ليلة خمس وعشرين قضي الصائمون خمسة أيام وافطروا.
стр. 790
بعض الوقائع:
يقول ابن نجيم: "وقع في زماننا سنة خمس وخمسين وتسعمائة أن أهل مصر افترقوا فرقتين فمنهم من صام ومنهم من لم يصم وهكذا وقع لهم في الفطر بسبب أن جمعًا قليلًا شهدوا عند قاضي القضاة الحنفي ولم يكن بالسماء علة فلم يقبلهم فصاموا وتبعهم جمع كثير على الصوم وامروا الناس بالفطر وهكذا في هلال الفطر حتى أن بعض المشايخ الشافعية صلى العيد بجماعة دون غالب أهل البلدة وانكر عليه ذلك لمخالفة الإمام " البحر الرائق ج٢ ص٢٨٩.
ذكر ابن عابدين: "وقعت هذه الحادثة في دمشق سنة ١٢٣٩ ثبت رمضان بدمشق ليلة الجمعة بعد شعبان ثلاثين وكان في السماء علة في تلك الليلة ثم استفاض الخبر عند أهل بيروت وأهل حمص أنهم صاموا الخميس لكن استفاض الخبر عن عامة البلاد سوى هذين البلدين أنهم صاموا الجمعة مثل دمشق فهل تعتبر الاستفاضة الأولى في مخالفتها للثانية أم لا؟ بناء على أن الظاهر يقتضي غلط أهل تلك البلدتين نظير ما مر فيما لو كانت السماء مصحية ورأى الهلال واحد لا يعتبر لأن التفرد بين الجم الغفير ظاهر في الغلط مع أنه ليس بين تلك البلاد بعد كثير بحيث تختلف به المطالع لكن ظاهر الاطلاق يقتضي لزوم عامة البلاد ما ثبت عند بلدة أخرى فكل من استفاض عندهم خبر تلك البلدة يلزمهم اتباع أهلها.. إلخ " (منحة الخالق على البحر الرائق ص٢٩٠.)
قال ابن ناجي في شرح المدونة: "جلس شيخنا أبو مهدي لرؤية هلال شوال بجامع الزيتونة ليلتين ولم ير وانحرف على قاضي القيروان في تسرعه لقبول الشهادة ولو كانت تثبت ما وقع في مسألة. وقال مالك في شهودها ما قال ولم يقع في عصرنا قط ولا بلغنا أنها وقعت في غيره." مواهب الجليل ج٢ ص٣٨٣.
стр. 791
قال الحطاب: " وقد اخبرني والدي ﵀ أنه وقع لهم في سنة من السنين أن جماعة شهدوا بمكة بهلال ذي الحجة ليلة الخميس حرصًا على أن تكون الوقفة يوم الجمعة ثم عدّ الناس ثلاثين يومًا من رؤيتهم ولم ير أحد الهلال ولكن الله لطف بالناس ولم يفسد حجهم بسبب أنهم وقفوا بعرفة يومين فوقفوا يوم الجمعة ثم دفع كثير منهم حتى خرجوا من بين العلمين ثم رجعوا وباتوا بها ووقفوا بها في يوم السبت ويقع بمكة في مثل هذا الحال أعني إذا وقع الشك في وقفة الجمعة خباط كثير غالبًا" ج٣ ص٣٨٣.
ويقول القاضي أبو بكر بن العربي: "كنت بالمهدية وكان الوالي نجوميًا فاقتضى حسابه عنده أن الليلة بالهلال وأراد العمل به فلم يكن حتى عضد نفسه بكتاب جاء من البادية أن الهلال استهل البارحة وأخذ المقيمين بها فاتفقوا على انه لا يعمل عليه إلا واحد كان ممن يداخل دولته وينظر في شئ من الحساب فأفتاه بالعمل بذلك الكتاب وعظم ذلك على الناس ولكنهم سلموا الحكم لحكم الله وكان شيخنا أبو القاسم بن أبي حبيب يلعن المفتى بذلك" عارضة الأحوذى ج٣ ص٢١١.
نقل الشيخ عبد الباقي الزرقاني عن الشيخ أحمد الزرقاني "إذا لم ير الهلال بالصحو ليلة الحادي والثلاثين يكذبان ولو حكم بشهادتها حاكم وهو ظاهر حيث كان الحاكم به مالكيًا وأما لو حكم به من لا يرى تكذيبهما كالشافعي فإنه يجب الفطر لأن مقتضى حكمه أن لا يراعي إلا العدد خاصة دون رؤية الهلال قاله بعض شيوخنا واعترض عليه بقول خليل فأجاب بما قدمناه فاعترض بأن الشهود قد ظهر فسقهم فينقض الحكم المترتب على شهادتهم فأجاب بأنه لم يظهر فسقهم عند الحاكم بهم بل عند غيره والفسق المضر هو المتفق على كونه فسقًا وقد وقع هذا بالبلاد المصرية سنة ثمان وستين وتسعمائة وافطر شيخنا المتقدم وتبعه غالب الجماعة وامتنع بعض الجماعة من الفطر ذلك اليوم" عبد الباقي ج٢ ص١٩٢.
стр. 792
أنه لا يمكن توحيد العالم الإسلامي في أعياده وصومه وفطره مطمئنين إلا إذا أخذنا بالحساب إلا أن الحساب الذي قال به مطرف بن الشخير وابن سريح وبعض البغداديين وابن قتيبة والسسبكي في هذا الاتجاه رفضه الفقهاء بقوة وعنف ورأوا فيه مصادمة لنص ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) هذا النص الذي عمل القرافي على جعله قاعدة يختلف بها أمر الصوم عن الصلاة وسكوت ابن الشاط قوى ثقة من جاء بعده على صحة قاعدة القرافي مع أن من المذاهب الرافضة للحساب من ألغى العمل بنص الحديث كأحمد ليلة الغيم ومع أن قصر الرؤية البصرية لم يستطع القرافي أن يؤكده ومع أن مفهوم الرؤية البصرية وحدودها لم يكشف عنه.
كما رأوا فيه مصادمة لقوله ﷺ ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وخنس إبهامه في الثالثة وأرسل بعد ذلك في الثالثة)) .
نعم ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ وأن التعبير بالأميين على صحابته ﷺ هو تعبير عن غالب أحوال أشخاصهم من الأمية فهل تبقى الأمية ملصقة بالمسلمين إلى يوم يبعثون؟ الواقع يشهد أن هذه الأمة خرجت من الجهل إلى العلم بفضل توجيه هذا الدين وأن الإسلام دخلت فيه أمم ليست أمية.
فالرسول ﷺ في حديثه هذا إنما هو يكشف عن وضع خاص، هو وضع الأمة الإسلامية وقت البعثة وأن هذا الوصف قد ارتفع قطعًا بعد ذلك يوم أصبح العالم الإسلامي قائد الحضارة البشرية.
كما اعترضوا بأن الأخذ بالحساب لا يتمكن منه كل الناس وهذا أمر لا تختلف فيه الرؤية عن الحساب فكما أن الهلال في أول ليلة هو دقيق لا يتمكن من رؤيته إلا من كان حاد البصر بموقعه لا يتيه بصره في السماء فكذلك الحساب لا يقوم به إلا العالم ولا فرق بين النقص الخلقي والعلمي وقد رأينا أن معظم فقهاء الإسلام يرون في شهادة عدلين برؤية الهلال ما يكفي لثبوت دخول الشهر وشمول هذا الحكم لما لم يبعد جدًا على معنى أن الذين يلزمون بالصوم هم عشرات الملايين من المؤمنات والمؤمنين وأن طريقة الثبوت لم تبلغ إلا من عدد محدود فأي فرق بين هذا وذاك.
стр. 793
على أن الحكم من الصوم والفطر والوقوف بعرفة وما يتقدمه وما يتبعه والنذر وغير ذلك لم يتعلق أي واحد منها بالرؤية وإنما ارتبط الحكم بظرفه الزماني الذي لابد من وجوده لتحقق الامتثال من المكلف للطلب المتعلق بذمته. وهو دخول الشهر. الذي أمارته الحقيقية وضع الهلال في الأفق وضعًا يمكن أن يشاهد وهذا الوضع لم يكن من سبيل من التيقن منه عند البعثة وفي البيئة العربية التي نزل فيها القرآن لم يكن من سبيل إلى ذلك إلى الرؤية وما سوى الرؤية من ذلكم العهد وما تلاه من العهود إلى النصف الأول من القرن العشرين لم يكن بالغًا من الدقة مبلغًا يطمأن إليه أما بعد أن استطاع العقل البشري أن يتخلص بمعداته من جاذبية الأرض وأن يتجاوزها إلى مسابح الكواكب وأعيانها وبما تقوم به الحاسبات الإلكترونية فإن مكان القمر في كل لحظته من بين المجموعة الشمسية أصبح يقينًا إلى درجة قدرت بجزء من ثلاثين ألفًا من الثانية.
إن وسيلة معرفة دخول الشهر هي كوسيلة بلوغ البيت الحرام لأداء فريضة الحج يقول الله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ فوسيلة بلوغ البيت الحرام حسب النص القرآني هي أحد أمرين أما المشى على الأقدام أو الركوب على الدواب المهيأة للبلاغ فهل يقبل من أي فقيه أن يقول أن القرآن حصر الأمر في هذين والحاج بالطائرة أو الباخرة أو الصاروخ يكون حجه لاغيًا لأن الله حدد الوسيلة ﴿رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ولو أراد مطلق الوصول لقال وأذن في الناس بالحج يأتوك من كل فج عميق.
стр. 794
أنه لابد من أن نعرف الأسباب التي جعلت معظم الفقهاء يقفون من الحساب مواقف مختلفة أن ذلك يعود في نظري إلى أمور.
أولًا: عدم تدقيق المراد من الحساب: قال الحطاب: "ظاهر كلام أصحابنا أن المراد بالمنجم بالحساب الذي يحسب قوس الهلال ونوره، ورأيت في كلام الشافعية أن المنجم الذي يرى أن أول الشهر طلوع النجم العلاني والحاسب الذي يحسب سير الشمس والقمر." ج٢ ٣٨٧. ونقل الأبي عن النووى أنه قال: "عدم الأخذ بحساب المنجمين لأنه حدس وتخمين، وإنما يعتبر منه ما تعرف به القبلة ووقت الصلاة." ج٣ ص٢٢٢.
فكلام الفقهاء قد اختلط فيه الحاسب المنجم وقد عطف أحدهما على الآخر في بعض التآليف وانفرد أحدهما عن الآخر في أخرى.
وضبط المراد أول خطوة من خطوات البحث فالمنجم الذي يربط بين طلوع نجم وظهور الهلال ويستدل بالنجم على وجود الهلال هو قد حول الاعتماد من الهلال إلى النجم ومن حق الفقهاء أن يرفضوا ذلك وإذا أخذنا بأن المنجم هو الذي يحسب قوس الهلال ونوره فإنه أيضا مما يتحتم رفضه وذلك لما رواه مسلم عن أبي البختري قال: "خرجنا للعمرة فنزلنا ببطن نخلة: قال تراءينا الهلال فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث وقال بعض القوم هو ابن ليلتين قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنا رأينا الهلال فقال: أي ليلة رأيتموه؟ فقلت: ليلة كذا وكذا فقال أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله أمده للرؤية فهو لليلة التي رأيتموه)) فهذا نص في عدم اعتبار حساب قوس الهلال ونوره.
وما ذكره النووى من عدم الأخذ بحساب المنجمين لأنه حدس وتخمين. هو حق فلا يؤخذ بقول من اعتمد التخمين والحدس، وألغى طرق المعرفة التي قبلها الشرع وهي الخبر الصادق والحس والدليل العقلي.
стр. 795
ثانيًا: قوله ﷺ ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) .
يقول الزرقاني في شرحه على الموطأ: "وقد أورثت هذه الزيادة المؤكدة عند المخالف شبهة بحسب تفسيره لقوله ((فاقدروا له)) فقال الإئمة الثلاثة والجمهور: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا. يقول: قدرت الشئ وأقدرته وقدرته بمعنى التقدير، أي انظروا في أول الشهر واحسبوا ثلاثين يومًا كما جاء مفسرًا في الحديث اللاحق ولذا أتى به الإمام للإشارة إلى أنه مفسر. ولذا لم يجتمعا في رواية بل تارة يذكر هذا وتارة يذكر هذا يعني روايته عن عبد الله بن عباس ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) " ج٢ ص٨٦.
فالحديث الثاني هو مفسر للحديث الأول لا تعارض بينهما. وذهب الطحاوي إلى أن الحديث الثاني ناسخ للحديث الأول أي أن بينهما خلافًا وأن العمل بالثاني وأن الأول قد بطل العمل به. قال الطحاوى: "معنى التقدير أن ينظر إذا غم الهلال ليلة الشك إلى سقوط القمر في الليلة الثانية فإن سقط لمنزلة واحدة وهي ستة أسباع الساعة علم أنه من تلك الليلة وإن غاب لمنزلتين علم أنه من الليلة الماضية فقضوا اليوم. فمعنى التقدير هو الانتظار اضبط سقوط الهلال في الليلة القادمة."
وقال ابن رشد في المقدمات: "إنه ينظر إلى هذا الذي غم الهلال عند آخره من الشهور فإن كان توالى منها شهران أو ثلاثة كاملة عمل على أن هذا الشهر ناقص فأصبح الناس صيامًا، وإن كانت توالت ناقصة عمل على أن هذا الشهر كامل فأصبح الناس مفطرين إذ لا تتوالى أربعة أشهر كاملة ولا ناقصة على ما علم مما أجرى به الله العادة ولا ثلاثة أيضا ناقصة ولا كاملة إلا في النادر. وإن لم يتوال قبل هذا الشهر الذي غم الهلال في آخره شهرًا، فأكثر كاملة ولا ناقصة احتمل أن يكون هذا الشهر ناقصًا وكاملًا احتمالًا واحدًا يوجب أن يكمل ثلاثين يومًا كما في الحديث الآخر فيكون على هذا الحديثان جميعًا مستعملين كل واحد منهما في موضع غير موضع صاحبه وهذا في الصوم وأما في الفطر إذا غم هلال شوال فلا يفطر بالتقدير الذي يغلب فيه على الظن أن رمضان ناقص" آهـ. مواهب الجليل ج٢ ص٣٨٩.
стр. 796
وهنا أريد لفت النظر إلى الملاحظات التالية:
١- هو أن هذا النص الذي نقله الحطاب عن ابن رشد في المقدمات لم أجده في المقدمات.
٢- أن هذا النص فيه جواذب لصاحبه تدعوه إلى اعتبار ما أجرى الله عليه العادة وسنته في الخلق وأنها سنن ثابتة مطمئن إليها مكتشفها.
٣- أن الإستثناء ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) هو في الحديث قد ورد بعد قوله ﷺ ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم..)) فالرسول ﷺ جمع نص حديثه الصوم والفطر فتفريق ابن رشد بين الصوم يؤخذ في الصوم بالتقدير ولا يؤخذ في الفطر بالتقدير تفريق لا ينسجم مع نص الحديث.
ثالثًا: المستوى العلمي الذي بلغته البشرية قبل النصف الثاني من القرن العشرين، نعم أن علماء الفلك بذلوا جهودًا جبارة خلال القرون الماضية لمعرفة سير الكواكب ولكنهم لم يبلغوا الدقة والضبط إلا بعد صعود الإنسان إلى القمر فإن توجيه الإنسان الأول إلى القمر لم يكن مجازفة وإنما سبقه يقين بموقع القمر وقد كشفت التجربة عن صحة حساب الفلكيين ولو كان حسابهم مبنيًا على التقريب لضاع المسبار في فضاء الله ولا أمل في رجوعه.
стр. 797
الخلاصة:
من هذا الذي قدمناه يتبين لنا أن طريق ثبوت الشهر:
أولًا: الرؤية البصرية للهلال بعد غروب الشمس: وهذه الرؤية لا تفيد اليقين وذلك لأمور:
١- احتمال الكذب وإن ما ظهر من العدالة والصدق هو رداء زائف وإن المخبر لا يتورع عن الكذب.
٢- احتمال خداع النظر نتيجة حديث النفس السابق والاقتناع بامكان الرؤية وهذا يقع فعلًا كثيرًا ما يتصور أمام ناظر العين ما لا وجود له إلا في عقل الرائى.
٣- احتمال خداع النظر من حالة العين فمن الأمراض التي تصيب العين أن تحدث شرارات يدركها النظر بعد حدوثها من الداخل ولا وجود لها في الخارج.
وأن الوقائع التي ذكرتها فيما سبق هي كاشفة عما يدخل الرؤية من احتمال الخطأ أو التخطئة.
وليس معنى هذا أن الرؤية لا يجب أن تعتمد بحال فهذا لا يقوله مؤمن ولكن الرؤية البصرية وسيلة اثبات لها حظها من الصحة وليست يقينية ونحن مطالبون بالعمل بالظن كلما تعذر اليقين فإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.
ثانيا: الحساب: والحساب اليوم هو غير التنجيم وهو يقيني لا مجال للخطأ فيه إلا أن الحساب يجب أن يضبط بما جاء في الحديث الشريف وهو الرؤية فلا يثبت دخول الشهر بانفلات القمر بعد الاقتران وإنما يثبت دخول الشهر إذا بلغ الهلال بعد خروجه درجة تمكن رؤيته فيها وهي ثمان درجات حسبما يؤكد علماء الفلك والبصر.
ثالثًا: تبين بالتجربة الطويلة أن اعتماد الرؤية تسبب عنه اختلاف الأمة الإسلامية في مواعيد أعيادها ثم تعدى الخلاف إلى أهل البلد الواحد ثم استفحل الأمر أكثر فبلغ الشقاق أعضاء الأسرة الواحدة.
إن ما كان يسع أهل العصور السابقة من الاختلاف بينهم في هذا الأمر هو لا يقبل منا اليوم ذلك أن وسائل الاتصال زادت سرعتها فوحدت العالم كله في العلم بالأخبار.
إن اعتماد الرؤية كانت آثاره غير معقولة فسوريا ابتدأت الصيام هذه السنة يوم الأحد وهي تعتمد الرؤية والسعودية يوم الإثنين وهي تعتمد الرؤية والمغرب يوم الأربعاء وهي تعتمد الرؤية ومعلوم يقينيًا أنه لا يسبق أهل المشرق أهل المغرب والعكس هو الصحيح.
فتأخر المغرب إلى يوم الأربعاء وسبق سوريا بيوم الأحد ظاهرة غير مقبولة لها اثرها في نفس الشباب وتفضي حتمًا إلى أنواع الرفض أو السخرية والاستهزاء.
стр. 798
لذا فإني أقترح على أعضاء المجلس الموقر لمؤتمر الفقه الإسلامي أن يقرروا قرارًا واضحًا بينًا أن الحساب وسيلة يقينية لثبوت دخول الشهور القمرية ونهايتها وأن العبرة بوضع القمر وضعًا تمكن رؤيته. وإن كل دعوى رؤية تخالف الحساب هي دعوى مرفوضة يكذب صاحبها شأن الشهادة بما يخالف الواقع وأن القصد هو العمل على توحيد المسلمين في أعيادهم وفي صومهم ونسكهم.
والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 799
رسالة بلغة المطالع في بيان الحساب والمطالع
فضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خطبة الكتاب
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونتوب إليه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد؛
فهذه رسالة وجيزة في قضيتين اثنتين؛ قضية المطالع، وقضية الأخذ بقول أهل الحساب في إثبات الشهور القمرية، وقد أقمتها على فصلين وخاتمة, جمعت فيها من النقول النفيسة والأقوال الراجحة الصحيحة ما تلذ له النفوس وتطرب له القلوب، فكان هذا الجمع مقدمة للمقارنة والموازنة من جهة ولذكر ترجيح بعض الفقهاء المعاصرين من جهة أخرى، ثم ثنيت بذكر ما ذهبت إليه في هاتين المسألتين راجيًا المولي ﵎ أن يجعل لها القبول لدى العلماء والباحثين وعباده الصالحين.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
خادم العلم الشريف بدمشق الشام
دمشق يوم عرفة ٩ ذو الحجة سنة ١٤٠٥ هـ د. محمد عبد اللطيف الفرفور
стр. 800
محط الرسالة
تشتمل هذه الرسالة على فصلين وخاتمة، ودونك التفصيل:
الفصل الأول: النقول من المذاهب الفقهية الكبرى في قضيتي المطلع والحساب، وفيه مباحث:
١- المبحث الأول؛ تحقيق قضية المطالع فلكيًا وشرعيًا، وأقوال المذاهب الأربعة في هذه المسألة مع أدلتهم (المطالع) .
٢- المبحث الثانى؛ الموازنة والمقارنة وترجيح بعض الفقهاء المعاصرين في قضية المطالع.
٣-المبحث الثالث؛ مشروعية الأخذ بالتوقيت والحساب في إثبات الأهلة.
الفصل الثانى: ما ذهب إليه المؤلف بدليله في كل من المطالع والحساب وفيه مبحثان:
المبحث الأول؛ ما ذهب إليه المؤلف في قضية المطالع.
المبحث الثانى؛ ما ذهب إليه المؤلف في قضية الحساب.
خاتمة الرسالة.
стр. 801
الفصل الأول
النقول من المذاهب الفقهية الكبرى
في قضيتي المطالع والتوقيت بالحساب
١- تحقيق قضية المطالع فلكيًا وشرعيًا وأقوال المذاهب الأربعة في هذه المسألة مع أدلتهم.
٢- الموازنة والمقارنة والترجيح.
٣- القول بالتوقيت والحساب وعدمه.
المبحث الأول
تحقيق قضية اختلاف المطالع وأقوال المذاهب
الأربعة في هذه المسألة مع أدلتهم
(أ) كلام الشيخ محمد بخيت المطيعي؛
اختلاف المطالع لا خلاف فيه لأحد من العلماء لأنه من الأمور الثابتة بالمشاهدة، وقد وافق الشرع العقل على ذلك أيضًا، كما أنهما متفقان على الدوام ألا ترى أن الشارع بنى على اختلاف المطالع كثيرًا من الأحكام فبنى عليه اختلاف أوقات الصلاة ووقت الحج فإن العبرة بمطلع أهل مكة فيه. وبنى عليه أيضا معرفة من تقدم أو تأخر موته في المواريث وغير ذلك كثير وكل ذلك متفق عليه. وإنما اختلفوا بعد ذلك في اعتبار وعدم اعتباره بالنظر لرؤية هلال رمضان وشوال ووجوب الصوم والفطر ...
الأقوال:
١- فقالت المالكية: متى ثبتت رؤية الهلال بجماعة مستفيضة عم الثبوت جميع البلاد قريبًا وبعيدًا ولا يراعى في ذلك مسافة قصر ولا اتفاق المطالع ولا عدم اتفاقها، فيجب الصوم على كل من بلغه ثبوته بنقل عدلين وبالأولى يجب الصوم على من بلغه بنقل عدلين حكم الحاكم بثبوت الهلال بشهادة عدلين أو جماعة مستفيضة خلافًا لعبد الملك فإنه يقتصر الوجوب على من في ولاية الحاكم.
وقال ابن عبد البر: أن النقل سواء كان عن حكم أو عن رؤية العدلين أو الجماعة المستفيضة إنما يعم البلاد القريبة لا البعيدة جدًا وارتضاه ابن عرفة، ويمكن أن يكون مراد من قال ولو بعيدًا البعد لا جدا فيكون موافقًا لقول ابن عبد البر كذا يؤخذ من شرح خليل وحواشيه فقد اختلف المالكية في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره.
٢- وقالت الحنفية: كما في الكنز وشرحه للزيلعي ولا عبرة باختلاف المطالع، وقيل يعتبر ومعناه أنه إذا رأى الهلال أهل بلدة ولم يره أهل بلدة أخرى يجب أن يصوموا برؤية أولئك كيفما كان على قول من قال: لا عبرة باختلاف المطالع، وعلى قول من قال باعتباره ينظر فإن كان بينهما تقارب بحيث لا تختلف المطالع يجب وإن كان بحيث تختلف لا يجب.
وأكثر المشائخ على أنه لا يعتبر والأشبه أن يعتبر لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم وانفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار كما أن دخول الوقت وخروجه يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم منه أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم.
стр. 802
والدليل على اعتبار المطالع ما روي عن كُريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام فقال: "قدمت الشام وقضيت حاجتها واستهل علىّ شهر رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيت الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال لكنا رآيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت: أولا تكتفى برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ." قال في المنتقى رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. آهـ
٣- وقالت الحنابلة: لا عبرة باختلاف المطالع.
٤- وقالت الشافعية: كما في النهاية وغيرها: وإذا رؤى ببلد لزم حكمه البلد القريب دون البعيد في الأصح، والبعيد مسافة القصر، وقيل باختلاف المطالع قلت: هذا أصح، والقول الثاني أنه يلزم البعيد أيضا واستدلوا على القول الأصح من اعتبار اختلافهما بمثل ما تقدم عن الزيلعي، وقالوا: لا ينظر إلى أن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين مع عدم اعتبار قولهم لأنه لا يلزم من عدم اعتبار قولهم في الأصول والأمور العامة عدم اعتباره في الفروع والأمور الخاصة.
وقال القرافي في فروقه: "إن الحق اعتبار اختلاف المطالع وشنع على من قال بعدم اعتباره." وأنت إذا رجعت إلى الواقع ونفس الأمر تجد أن اختلاف المطالع معلوم بالضرورة واختلاف الأوقات باختلافها مشاهد معاين فإن سكان البلاد التي يستمر فيها ظهور الشمس شهرين أو ثلاثة يشاهدون ذلك وكذلك كل من ذهب إلى بلادهم يشاهد ذلك وكذلك صار من المعلوم بالضرورة أن الشمس تظهر ستة أشهر وتختفي ستة أشهر لدى سكان جهة القطب فهل يمكن إذا رأى أهل مصر هلال رمضان وقت الغروب عندهم أن نلكف هؤلاء بالصوم برؤية أهل مصر كما أنه صار من الضرورى التخالف في الأوقات بيننا وبين أهل أمريكا فهل يمكن أن نكلفهم بالصوم برؤية أهل مصر للهلال بعد الغروب مع أن هذا الوقت عندهم ربما كان وقت طلوع الفجر أو وقت شروق الشمس وبالجملة فالقول بعدم اعتبار اختلاف المطالع مخالف للمعقول والمنقول.
أما مخالفته للمعقول فلما علمته من مخالفته لما هو ثابت بالضرورة من اختلاف الأوقات وأن النهار عند قوم قد يكون ليلًا عند آخرين.
стр. 803
وأما مخالفته للمنقول فلأنه مخالف لما تقدم عن كريب وذلك لأن المتبادر من قول كريب لابن عباس: نعم رأيته ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. وقول ابن عباس: لكنا رأيناه.. إلى آخره. وقول كريب بعد ذلك أولا تكتفي برؤية معاوية؟ وقول ابن عباس في جوابه لا، أي لا نكتفي برؤية معاوية. أن قوله: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ يرجع إلى عدم الاكتفاء برؤية معاوية ورؤية كريب والناس وصومهم وصوم معاوية، وهذا ظاهر في أن كل قوم مكلفون برؤيتهم. ولاشك أن مورد هذا النص في الشام والحجاز وقد وجد بينهما مسافة القصر واختلاف الإقليم واختلاف المطالع واحتمال عدم الرؤية فاستند كل طائفة إلى واحد منها وأيد به قوله كذا قال الإمام الأسنوي. لكن احتمال عدم الرؤية بعد أن قال ابن عباس لكريب: أنت رأيته؟ فقال: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، ومعاوية كان الخليفة بعيد جدًا لا يلتفت إليه. فلم يبق إلا احتمال مسافة القصر واختلاف الإقليم واختلاف المطالع. فإذا رجعنا إلى الواقع نجد أنه لا دخل في اختلاف الناس في رؤية الهلال بعد الغروب لمسافة القصر ولا لاختلاف الإقليم وأن المدار في ذلك على اختلاف المطالع فإنه ليس المراد باختلاف الناس في الرؤية أن هذا يرى وهذا لا يرى بل المراد أن رؤية هذا الهلال بعد الغروب لا تعتبر رؤية للآخر لأنه غروب ولا هلال في بلدة وهذا إنما يكون باختلاف المطالع فليكن عليه المعول.
قال الخضري الكبير الدمياطي في شرح اللمعة آخر الفصل العاشر في الكلام على رؤية الهلال: "وعلم أن اختلاف الرؤية في البلاد لا يكون إلا باختلاف المطالع البلدية، واختلاف المطالع البلدية لا يكون إلا باختلاف العرض ثم قال: وأما اختلاف الطول فلا يظهر به كبير فرق." آهـ.
وعرض كل بلدة هو بعدها عن خط الاستواء كما نصّوا في علم الميقات. وأما قول السبكي في العلم المنشور بعد ذكر تلك الاحتمالات الثلاثة فلا إشكال على شئ من الأقوال المتقدمة إلا على قول من يقول إذا رؤى في بلد يلزم سائر البلاد فيمكن أن يجاب عنه بأنه قد يكون في المدينة صحو ليلة الثلاثين. وقد اختلف الفقهاء فيما إذا ثبت بشاهدين وصمنا ثلاثين ولم نر الهلال هل نفطر أو نصوم واحدًا وثلاثين لأن عدم رؤيته مع الصحو يقين وقول الشاهد ظن فلا يترك اليقين بالظن فلعل ابن عباس كان يرى هذا المذهب وهذا هو الوجه الثانى مما يحتمله كلام ابن عباس ويحتمل أن يكون ابن عباس أقام كريبا مقام شاهد واحد على هلال شوال وهلال شوال لا يثبت إلا بشاهدين عند جمهور العلماء فذلك رده لعدم شاهد آخر معه وهذا هو الوجه الثالث مما يحتمله كلام ابن عباس وقوله: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، يحتمل أنه إشارة إلى قوله ﷺ : ((إذا رأيتموه فصوموا)) الحديث.
ويحتمل أن يكون عنده حديث آخر ونص خاص في مثل هذه الواقعة والحاصل أنه لا معارضة فيه لما تقدم آهـ.
стр. 804
ففيه أن ابن عباس قال: "فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه" فهذا صريح في أن مذهب ابن عباس أن الفطر معلق بالرؤية أو إكمال العدد ثلاثين فقط وأن المشار إليه بقوله: هكذا، هو عدم الإكتفاء برؤية معاوية سواء كان ذلك لحديث: ((إذا رأيتموه فصوموا)) أو لغيره وليس ذلك لرد ابن عباس شهادة كريب لأنه شاهد واحد فإن كان كريبا قال لابن عباس: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقد شهد ونقل شهادة الناس وحكم معاوية بالصوم وأما ما تمسك به القائلون بعدم اعتبار اختلاف المطالع من تعلق الخطاب عامًا بمطلق الرؤية في حديث: ((صوموا لرؤيته)) . فمسلم لكنهم لا ينكرون أن الخطاب إنما تعلق عاما بالرؤية بعد الغروب لا مطلقًا فلا يعم إلا بكل من تحقق لديهم الرؤية بعد الغروب أما من لم توجد عندهم الرؤية بعد الغروب بل وقت الغروب عند من رأوه هو وقت طلوع الشمس عند الآخرين فكيف نوجب عليهم الصوم ولم يوجد عندهم سبب الوجوب وهو رؤية الهلال بعد الغروب فعلم أن الحديث عام في كل قوم تحقق بالنسبة إليهم رؤية الهلال بعد الغروب فلا يدل على عدم اعتبار اختلاف المطالع ولذلك قال الزيلعي: والأشبه أنه يعتبر. واقتصر عليه في البدائع، فإنه بعد أن ذكر أن الهلال إذا رآه أهل بلد يلزم أهل البلدة الأخرى قال: هذا إذا كانت المسافة بين البلدتين قرييبة لا تختلف فيها المطالع فأما إذا كانت بعيدة لا يلزم أهل أحد البلدين حكم الآخر لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة مختلفة فيعتبر في كل أهل بلد مطلع بلدهم دون البلد الآخر وإن كان قوله عند المسافة الفاحشة ليس بقيد بل المدار في الحكم على اختلاف المطالع وهو باختلاف عرض البلدين بلا مدخل لبعد المسافة وقربها ولذلك اتفقوا على اعتبار اختلاف المطالع في وجوب الحج فاعتبروا مطلع مكة، وفى الأضحية أوجبوا على كل قوم الأضحية في يوم النحر وهو العاشر من شهر ذى الحجة على حسب ما يرى هلاله عندهم فلا معنى للاختلاف بعد ذلك في الصوم دون سائر أوقات العبادات وبالجملة فالواجب التوفيق بما وفقت به المالكية فيحمل قول من قال بعدم اعتبار اختلاف المطالع على ما إذا كان اختلافها لا يؤدى إلى تفاوت في رؤية الهلال بعد الغروب وقول من قال باعتباره على ما إذا كان اختلافها يؤدي إلى ذلك فإن اختلاف مطالع البلاد كما علمت مبني على اختلاف عروضها وأن عرض كل بلد هو بعدها عن خط الاستواء وهذا الاختلاف قد يكون يسيرًا جدًا لا يترتب عليه اختلاف في رؤية الهلال بين البلدين بعد الغروب وإنما يتفاوت مكث الهلال بعده في أفقهما وقد يكون فاحشًا يترتب عليه ذلك.
стр. 805
وهذا هو الذى يتعين المصير إليه حملًا لكلامهم على السداد لأن المشرع لا يأتي بالمستحيلات. والله الموفق لما فيه الصواب (١) .
قلت: وجاء في الرسالة العلم المشهور في إثبات الشهور للإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي ابن السبكي (٢) . ما خلاصته:
"وقد يكون محل خلاف إذا رؤي في بلد دون بلد وبينهما إما مسافة القصر أو اختلاف المطالع فقد اختلف العلماء في ذلك" وبعد أن عدّ الأقوال قال " وإلزام البلاد إذا رؤي في بلد ضعيف جدًا " ثم قال " وأجمع العلماء في أوقات الصلوات على أن المعتبر عند كل قوم فجرهم وزوالهم وغروبهم ولا يلزمهم حكم غيرهم فكذلك الهلال بالقياس عليه وبأن ما يخاطب قومًا إلا بما يعرفونه مما هو عندهم" ثم قال "واعتبار كل بلد لا يتصّور خفاؤه عنهم جيدٌ" آهـ.
(ب) كلام العلامة ابن عابدين في ردّ المحتار؛ " (قوله واختلاف المطالع) جمع مطلع بكسر اللام موضع الطلوع بحر عن ضياء الحلوم (قوله ورؤيته نهارًا الخ) مرفوع عطفًا على اختلاف ومعنى عدم اعتبارها أنه لا يثبت بها حكم من وجوب صوم أو فطر فلذا قال في الخانية فلا يصام له ولا يفطر وأعاده وأنه علم مما قبله ليفيد أن قوله لليلة الآتية لم يثبت بهذه الرؤية بل ثبت ضرورة إكمال العدة كما قررناه، فافهم.
стр. 806
(قوله على ظاهر المذهب) اعلم أن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه بمعنى أنه قد يكون بين البلدتين بعد بحيث يطلع الهلال ليلة كذا في احدى البلدتين دون الأخرى وكذا مطالع الشمس لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم كما في الزيلعي. وقدر البعد الذي تختلف فيه المطالع مسيرة شهر فأكثر على ما في القهستاني عن الجواهر اعتبارًا بقصة سليمان ﵇ فإنه قد انتقل كل غدو ورواح من إقليم إلى إقليم وبينهما شهر آهـ.
ولا يخفى ما في هذا الاستدلال وفي شرح المنهاج للرملي وقد نبه التاج التبريزي على أن اختلاف المطالع لا يمكن في أقل من أربعة وعشرين فرسخًا وأفتى به الوالد والأوجه أنها تحديدية كما أفتى به أيضا آهـ فليحفظ.
وإنما الخلاف في اعتبار اختلاف المطالع بمعنى أنه هل يجب عل كل قوم اعتبار مطلعهم ولا يلزم أحدًا العمل بمطلع غيره أم لا يعتبر اختلافها بل يجب العمل بالأسبق رؤية حتى لو رؤي في المشرق ليلة الجمعة وفي المغرب ليلة السبت وجب على أهل المغرب العمل بما رآه أهل المشرق فقيل بالأول واعتمده الزيلعي وصاحب الفيض وهو الصحيح عند الشافعية لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم كما في أوقات الصلاة وأيده في الدرر بما مر من عدم وجوب العشاء والوتر على فاقد وقتهما وظاهر الثاني وهو المعتمد عندنا وعند المالكية والحنابلة لتعلق الخطاب عامًا بمطلق الرؤية في حديث ((صوموا لرؤيته)) بخلاف أوقات الصلوات. وتمام تقريره في رسالتنا المذكورة.
تنبيه: يفهم من كلامهم في كتاب الحج أن اختلاف المطالع فيه معتبر فلا يلزمهم شئ لو ظهر أنه رؤي في بلدة أخرى قبلهم بيوم وهل يقال كذلك في حق الأضحية لغير الحجاج لم أره والظاهر نعم لأن اختلاف المطالع إنما يعتبر في الصوم لتعلقه بمطلق الرؤية. وهذا بخلاف الأضحية فالظاهر أنها كأوقات الصلوات يلزم كل قوم بما عندهم فتجزئ الأضحية في اليوم الثالث عشر وإن كان على رؤيا غيرهم هو الرابع عشر والله أعلم.
(قوله فيلزم) فاعله ضمير يعود إلى ثبوت الهلال أي هلال الصوم أو الفطر وأهل المشرق مفعوله؛ أو يلزم بضم الياء من الالزام مبني للمجهول وأهل المشرق نائب الفاعل وبرؤية متعلق بيلزم.
(قوله بطريق موجب) كأن يتحمل اثنان الشهادة أو يشهدا على حكم القاضي أو يستفيض الخبر بخلاف ما إذا اخبرا أن أهل بلدة كذا رأوه لأنه حكاية ح.
(قوله كما مر) أي عند قوله أشهد أنه شهد ح" (١) .
стр. 807
في بيان حكم اختلاف المطالع
(ج) كلام العلامة ابن عابدين في مجموع رسائله:
"اعلم أن مطالع الهلال تختلف باختلاف الأقطار والبلدان فقد يُرى الهلال في بلد دون آخر كما أن مطالع الشمس تختلف فإن الشمس قد تطلع في بلد ويكون الليل باقيًا في بلدٍ آخر وذلك مبرهن عليه في كتب الهيئة وهو واقع مشاهد.
(وفي) فتاوى المحقق ابن حجر صرح السبكي والأسنوي بأن المطالع إذا اختلفت فقد يلزم من رؤية الهلال في بلد رؤيته في الآخر من غير عكس إذ الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل دخوله في الغربية فيلزم عند اختلافها من رؤيته في الشرقي رؤيته في الغربي من غير عكس وأما عند اتحادها فيلزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر.
ومن ثم أفتى جمع بأنه لو مات أخوان في يوم واحد وقت زواله وأحدهما في المشرق والآخر في المغرب ورث المغربي المشرقي لتقدم موته. وإذا ثبت هذا في الأوقات لزم مثله في الأهلة، وأيضًا فالهلال قد يكون في المشرق قريب الشمس فيستره شعاعها فإذا تأخر غروبها في المغرب بعد عنها فيرى. انتهى.
(لكن) اعترض قوله أن الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل دخلوله في البلاد الغربية بأنه ليس على إطلاقه لا من محل القبلية إذا اتحد عرض البلدين جهة وقدرًا أي جهة الجنوب والشمال وقدرًا بأن يكون قدر البعدين عن خط الاستواء سواء. انتهى.
стр. 808
تنبيه: قال في شرح المنهاج للرملي وقد نبه التاج التبريزي على أن اختلاف المطالع لا يمكن في أربعة وعشرين فرسخًا وأفتى به الوالد ﵀ والأوجه أنها تحديدية كما أفتى به أيضا. انتهى.
(قلت) وذكر القهستانى عن الجواهر تحديده بمسيرة شهر فصاعدًا اعتبارًا بقصة سليمان ﵇ قال فإنه انتقل كل غدو ورواح من إقليم إلى إقليم وبين كل منهما مسيرة شهر. انتهى.
وفي دلالة القصة على ذلك نظرٌ فالأول أولى لأن الظاهر من قوله لا يمكن إلخ أنه قدره بالقواعد الفلكية ولا مانع من اعتبارها هنا كاعتبارها في وقت الصلاة كما سيأتي.
(فتلخص) تحقق اختلاف المطالع وهذا مما لا نزاع فيه وإنما النزاع في أنه هل يعتبر أم لا؟
(قال) الإمام فخر الدين الزيلعي في شرحه على الكنز إذا رأى الهلال أهل بلدة ولم يره أهل بدة أخرى يجب أن يصوموا برؤية أولئك كيفما كان على قوله من قال لا عبرة باختلاف المطالع وعلى قول من اعتبره ينظر أن كان بينهما تفاوت بحيث لا تختلف المطالع يجب وإن كان بحيث يختلف فأكثر المشايخ على أنه لا يعتبر حتى إذا صام أهل بلدة ثلاثين يومًا وأهل بلدة أخرى تسعة وعشرين يومًا يجب عليهم قضاء يوم والأشبه أن يعتبر لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم وانفصال الهلال عن شعاع الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس كلما تحركت درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم.
وروي أن أبا موسى الضرير الفقيه صاحب المختصر قدم الأسكندرية فسئل عمن صعد على منارة الأسكندرية فيرى الشمس بزمان طويل بعد ما غربت عندهم في البلد أيحل له أن يفطر فقال: لا، ويحل لأهل البلد إذْ كلٌ مخاطب بما عنده.
(والدليل) على اعتبار المطالع ما روي عن كُريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام قال: "قدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل شهر رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيت الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ." رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. انتهى.
(وما) أختاره من اختلاف المطالع هو المعتمد عند الشافعية على ما صححه الإمام النووي في المنهاج عملًا بالحديث المذكور (قال) الرملي في شرحه عليه: ولا نظر إلى أن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين مع اعتباره في التوابع والأمور الخاصة. انتهى.
(قلت) على أن عدم اعتباره فيما مر إنما هو لمخالفته نص الحديث المعلق وجوب الصوم والفطر على الرؤية دون الحساب ولا مخالفة هنا فيه لنص بل هو موافق النص المذكور عن ابن عباس وللنص المعلق فيه الوجوب على الرؤية بناءً على اعتبار الوجوب في حق كل قوم برؤيتهم كما في اعتباره في أوقات الصلاة فهذا مؤيد لما اختاره الزيلعي من اعتبار اختلاف المطالع.
стр. 809
(لكن) المعتمد الراجح عندنا أنه لا اعتبار به هو ظاهر الرواية وعليه المتون كالكنز وغيره.
(وهو) الصحيح عند الحنابلة كما في الإنصاف. (وكذا) هو مذهب سائر المالكية ففي المختصر وشرحه للشيخ عبد الباقي وعم الخطاب بالصوم سائر البلاد إن نقل ثبوته عن أهل بلد بهما أي بالعدلين والرواية المستفيضة عنهما أي عن الحكم برؤية العدلين أو عن رؤية مستفيضة. انتهى.
(قال) العلامة المحقق الشيخ كمال الدين بن الهمام في فتح القدير وإذا ثبت في مصر لزم سائر الناس فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب في ظاهر المذهب. وقيل يختلف باختلاف المطالع لأن السبب الشهر وانعقاده في حق قوم للرؤية لا يستلزم انعقاده في حق آخرين مع اختلاف المطالع وصار كما لو زالت أو غربت الشمس على قوم دون آخرين وجب على الأولين الظهر والمغرب دون أولئك. ووجه الأول عموم الخطاب في قوله ﷺ ((صوموا)) معلقًا بمطلق الرؤية في قوله ((لرؤيته)) وبرؤية قوم يصدق اسم الرؤية فيثبت ما تعلق به من عموم الحكم فيعم الوجوب بخلاف الزوال والغروب فإنه لم يثبت تعلق عموم الوجوب بمطلق مسماه في خطاب من الشارع والله تعالى أعلم. انتهى.
(قلت) ولو تعلق عموم الخطاب بمطلق مسمى الأوقات لزم الحرج العظيم بتكررها كل يوم بخلاف الهلال فإنه في السنة مرة (ثم أجاب المحقق ابن الهمام عن الحديث المار بقوله وقد يقال إن الإشارة في قوله هكذا إلى نحو ما جرى بينه وبين رسول أم الفضل وحيث لا دليل فيه لأن مثل ما وقع من كلامه لو وقع لنا لم نحكم به لأنه يشهد على شهادة غيره ولا على حكم الحاكم (فإن) قيل إخباره عن صوم معاوية يتضمنه لأنه الإمام (يجاب) لأنه لم يأت بلفظة الشهادة ولو سلم فهو واحد لا يثبت بشهادته وجوب القضاء على القاضي والله تعالى أعلم والأخذ بظاهر المذهب أحوط. انتهى.
стр. 810
(قال) في الفتاوى التتارخانية وعليه فتوى الفقيه أبي الليث وبه كان يفتي الإمام الحلواني وكله يقول لو رآه أهل المغرب يجب الصوم على أهل المشرق. انتهى.
(وفي) الخلاصة وهو ظاهر المذهب وعليه الفتوى (قال) في فتح القدير ثم إنما يلزم متأخري الرؤية إذا ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب حتى لو شهد جماعة أن أهل بلد كذا رأوا هلال رمضان قبلكم بيوم فصاموا وهذا اليوم ثلاثون بحسابهم ولم ير هؤلاء الهلال لا يباح فطر غد ولا تترك التراويح هذه الليلة لأن هذه الجماعة لم يشهدوا بالرؤية ولا على شهادة غيرهم وإنما حكوا رؤية غيرهم.
ولو شهدوا أن قاضى بلدة كذا شهد عنده اثنان برؤية الهلال في ليلة كذا وقضى بشهادتهما جاز لهذا القاضى أن يحكم بشهادتهما لأن قضاء القاضي حجة وقد شهدوا به. انتهى.
قلت: لكن قال في الذخيرة البرهانية ما نصه قال شمس الإئمة الحلواني رحمة الله تعالى الصحيح من مذهب أصحابنا رحمهم الله تعالى أن الخبر إذا استفاض وتحقق فيما بين أهل البلدة الأخرى يلزمهم حكم هذه البلدة. انتهى.
ونقل مثله الشيخ حسن الشرنبلالي في حاشية الدرر عن المفتي وعزاه في الدّر المختار إلى المجتبى وغيره مع أن هذه الاستفاضة ليس فيها حكم ولا شهادة لكن لما كانت الاستفاضة بمنزلة الخبر المتواتر وقد ثبت بها أن أهل تلك البلدة صاموا يوم كذا لزم العمل بها لأن المراد بها بلدة فيها حاكم شرعي كما هو العادة في البلاد الإسلامية فلا بد أن يكون صومهم مبنيًا على حكم حاكمهم الشرعي فكانت تلك الاستفاضة بمعنى نقل الحكم المذكور وهي أقوى من الشهادة بأن أهل تلك البلدة رأوا الهلال يوم كذا وصاموا يوم كذا فإنها مجرد شهادة لا تفيد اليقين فلذا لم تقبل إلا إذا شهدت على الحكم أو على شهادة غيرهم لتكون شهادة معتبرة وإلا فهي مجرد إخبار. أما الاستفاضة فإنها تفيد اليقين كما قلنا ولذا قالوا إذا استفاض وتحقق الخ. فلا ينافي ما تقدم عن فتح القدير ولو سلم وجود المنافاة فالعمل على ما صرحوا بتصحيحه والإمام الحلواني من أجل مشايخ المذهب وقد صرح بأنه الصحيح من مذهب أصحابنا. وكتبت فيما علقته على البحر أن المراد بالاستفاضة تواتر الخبر من الواردين من تلك البلدة إلى البلدة الأخرى لا مجرد الاستفاضة لأنها قد تكون مبنية على إخبار رجل واحد فيشيع الخبر عنه ولا شك أن هذا لا يكفي بدليل قولهم إذا استفاض الخبر وتحقق فإن التحقيق لا يكون إلا بما ذكرنا والله تعالى أعلم.