← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

منزلة العرف بين الأدلة: لقد استخرج أصحاب مالك الأصول والقواعد التي بنى عليها مذهبه من فروعه الفقهية التي قررها ودونوا هذه الأصول، فقالوا: كان مالك يأخذ بظاهر القرآن وبظاهر السنة وبمفهوم المخالفة وبفحوى الخطاب وبمراعاة الخلاف وليست هذه أقوالًا له مأثورة عنه وإنما هي مستخرجة من الفروع فهي إذن مجهود العلماء الذين اتبعوا مذهبه فعملهم كعمل علماء الحديث بصحيح البخاري، إذ لم يبين الشروط التي اشترطها وإنما ذلك عمل من أتى بعده من المحدثين، وليس هذا إن هذه القواعد والأصول قد خفيت عنه أو لم يوجد في كلامه ما يفيدها، فقد يصرح بأخذه بعمل أهل المدينة وبين البواعث التي أدت به إلى الأخذ به، كما صرح بذلك في الموطأ وقد صرح أيضا بما لا مجال للشك فيه بأنه أخذ بالقياس حتى قال ابن العربي في القبس إن مالكا قصد في الموطأ تبين أصول الفقه وفروعه (ص ٧) وبين أيضا أن مالكا بنى موطأه على تمهيد الأصول للفروع ونبه فيه إلى معظم أصول الفقه التي ترجع إليها مسائله وفروعه، فالإمام لو لم يصرح بهذه القواعد بصريح العبادة، فقد كانت هذه بمثابة الأسس التي قامت عليها أقوال من أتى بعده وعليها استندوا في التخريج والاستنباط وقد اختلف المالكية في عد هذه الأصول التي بني عليها الفقه المالكي بعدها الشيخ محمد صالح الهسكوري صاحب التقييد على الرسالة أنها ستة عشر أصلًا وهي: نص الكتاب، وظاهره وهو العموم ودليله وهو مفهوم المخالفة، ومفهوم الموافقة، وتنبيه، وهو التنبيه على العلة، ومن السنة مثل ذلك، فهذه عشرة ثم الإجماع وعمل أهل المدينة وقول الصحابي والاستحسان وسد الذرائع، واختلف قوله في مراعاة الخلاف فمرة اعتبره ومرة ألغاه. قال أبو يحيى الغرناطي شارح التحفة وابن ناظمها في شأن مراعاة الخلاف ما نصه: مراعاة الخلاف لا يطردونه في جميع المواضع ثم مراعاة الخلاف إما أن تكون صحيحة وإما أن تكون غير صحيحة، فإن كانت صحيحة جارية على أصول الشريعة وجب اعتبارها على الإطلاق، وأما اعتبارها في بعض المسائل دون بعض، فذلك يفتقر إلى ضابط يعرف به الموضوع الذي يجب أو يجوز أن يراعى فيه الخلاف من الذي لا يراعى فيه، وقد أنهاها القرافي في تنقيح الفصول في الفصل الأول من الباب العشرين إلى تسعة عشر، قال: وذلك بالاستقراء وهي الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإجماع أهل المدينة والقياس، وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والاستصحاب والبراءة الأصلية والعوائد والاستقراء وسد الذرائع والاستدلال والاستحسان والأخذ بالأخف والعصمة وإجماع أهل الكوفة وإجماع العترة وإجماع الخلفاء الأربعة (١)

стр. 7457

واستقراء القرافي ناقص، بدليل أن بعض علماء الأصول زاد على التسعة عشر التي ذكرها إجماع المصرين البصرة والكوفة وإجماع الحرمين والعرف والتعامل والعمل بالظاهر والأظهر والأخذ بالاحتياط والقرعة ومذهب كبار التابعين والعمل بالأصل ومعقول النص وشهادة القلب وتحكيم الحال وعموم البلوى والعمل بالشبهين ورؤيا النبي ﷺ والأخذ بأيسر ما قيل والأخذ بأكثر ما قيل وإجماع الصحابة وحدهم وقول الخلفاء الأربعة إذا اتفقوا وقول الصحابي إذا خالف القياس والرجوع إلى المنفعة والمضرة ذهابًا إلى أن الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع، والقول بالنصوص والإجماع في العبادات والمقدرات وباعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام عند الطوفي وإجماع الأمم السالفة عند الإسفراييني والاقتران أي بين جملتين، فإنه يقتضي التسوية في الحكم بينهما عند المزني وأبي يوسف والاستدلال على انتفاء الشيء بانتفاء دليله عند الإسفراييني ومفهوم اللقب عند جماعة وحكم العقل عند المعتزلة والهاتف أي الصوت المعلوم صدقه والأوهام أي الإلقاء في القلب وشرع من قبلنا وإن كان مرجع الجميع إلى الأصلين الكتاب والسنة كما نقله الزركشي عن بعضهم. وقد رد الشاطبي في موافقاته الأدلة الشرعية إلى ضربين ما يرجع إلى النقل المحض وما يرجع إلى الرأي المحض، وهذه القسمة هي بالنسبة إلى أصول الأدلة وإلا فكل واحد من الضربين مفتقر إلى الآخر لأن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر، كما أن الرأي لا يعتبر شرعًا إلا إذا استند إلى النقل، فأما الضرب الأول فالكتاب والسنة، وأما الثاني فالقياس والاستدلال ويلحق بكل منهما وجوه إما باتفاق وإما باختلاف، فيلحق بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل به، ومذهب الصحابي وشرع من قبلنا لأن ذلك كله وما في معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان والمصالح المرسلة إن قلنا: إنها راجعة إلى أمر نظري وقد ترجع إلى الضرب الأول إن شهدنا أنها راجعة إلى العمومات المعنوية (١)

стр. 7458

ولقد صرح أبو بكر بن العربي في العارضة بأن العرف أحد القواعد العشر التي تركبت عليها أحكام المعاملات في المذهب المالكي وما ذهب إليه الشاطبي من التقسيم له وجه صحيح حيث عمل أهل المدينة وقول الصحابي وقد اعتمدها مالك، فذلك باعتبار أنهما من شعب السنة كما أن كلمة الرأي تشمل بعمومها المصالح المرسلة وسد الذريعة والعادات والاستحسان والاستصحاب لأن هذه من مشملات الرأي، وقد ذكر تاج الدين السبكي أن أصول مذهب مالك تزيد على الخمسمائة وهو في الواقع يشير إلى القواعد التي استخرجت من الفروع الفقهية في المذهب المالكي ولقد أنهاها القرافي في فروقه إلى خمسمائة وثمان وأربعين قاعدة وجمعها المقرئ في ترتيب الفروق في تسع وثلاثين ومائتين قاعدة وأنهاها في قواعده إلى مائتين وألف قاعدة، ولكن هذه القواعد في الحقيقة تفرعت عن تلك الأصول التي سبق ذكرها، ثم إن الإمام مالك ﵀ لم ينص على هذه القواعد وإنما استنبطها أصحابه من فروعه الفقهية، وقد لاحظ الشيخ أبو زهرة في كتابه مالك أن مذهب الإمام أكثر المذاهب أصولًا حتى إن علماء الأصول من المالكية حاولوا الدفاع عن هذه الكثرة، قال أبو زهرة: وإن نوع الأصول التي يرد بها المذهب المالكي على غيره ومسلكه في الأصول التي اتفق فيها مع غيره يجعلانه أكثر مرونة وأقرب حيوية وأدنى إلى مصالح الناس وما يحسون وما يشعرون وبعبارة جامعة أقرب إلى الفطرة الإنسانية التي يشترك فيها الناس ولا يختلفون إلا قليلًا بحكم الإقليم والمنزع والعادات الموروثة (١)

стр. 7459

أما توثيق هذه الأدلة في المذهب المالكي من حيث الاعتبار والحجية، فقد أوضحه القاضي أبو الفضل عياض في كتابه المدارك فذكر ترتيبه على ما يوجبه العقل ويشهد له الشرع تقديم كتاب الله تعالى على ترتيب وضوح أدلته من نصوصه، ثم ظواهره ثم مفهوماته، ثم كذلك بسنة رسول الله ﷺ على ترتيب متواترها ومشهورها وآحادها ثم ترتيب نصوصها وظواهرها ومفهومها على ما تقدم في الكتاب، ثم الإجماع عند عدم الكتاب ومتواتر السنة وبعد ذلك عند عدم الأصول والقياس عليهما والاستنباط منهما إذ كتاب الله مقطوع به وكذلك ما تواتر من سنة نبيه ﷺ ، وكذلك النص المقطوع به بموجب تقديم ذلك كله، ثم الظواهر، ثم المفهوم منها لدخول الاحتمال في معناها، ثم أخبار الآحاد يجب العمل بها والرجوع إليها عند عدم الكتاب والتواتر، وهي مقدمة على القياس لإجماع الصحابة على الفصلين وتركهم نظر أنفسهم متى بلغهم خبر ثقة عن النبي ﷺ وامتثالهم مقتضاه دون خلاف منهم في ذلك، ثم القياس أخيرًا إذ إنما يلجأ إليه عند عدم هذه الأصول في النازلة فيستنبط من دليلها ويعتبر الأشباه منها على ما مضى عليه عمل الصحابة ومن بعدهم من السلف المرضيين وعلم من مذهبهم أجمعين وأنت إذا نظرت لأول وهلة منازع هؤلاء الأئمة وتقرير مآخذهم في الفقه والاجتهاد في الشرع وجدت مالكًا ﵀ ناهجًا في هذه الأصول مناهجها مرتبًا لها مراتبها ومدارجها، مقدما كتاب الله ومرتبًا له على الآثار، ثم مقدمًا لما على القياس والاعتبار تاركًا منها لما لم يتحمله عنده الثقات العارفون بما تحموله أو ما وجد الجمهور والجم الغفير من أهل المدينة قد علموا بغيره وخالفوه ولا يلتفت إلى من تأول عليه بظنه في هذا الوجه سوء التأويل وقوله ما لا يقوله، بل ربما يصرح أنه من الأباطيل، ثم كان من وضوعه عن المشكلات وتحريه عن الكلام في المعوضات ما سلك به سبيل السلف الصالحين، وكان يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سن الماضين. ثم سلك الشافعي سبيله وبسط مآخذه في الفقه وأصوله لكن خالفه في أشياء أداه إليها اجتهاده وثاقب فطنته ولم يخلصه من دركها عدم استقلاله بعلم الحديث والأثر وتزحزحه عن الانتهاء في معرفته، ثم ما جرى بينه وبين بعض المالكية بمصر وحمل عليه حتى تميز عنهم بعد أن كان معدودًا منهم وواحدًا من جملتهم، فبان بأصحابه وتلاميذه وصرح من حينئذٍ بالخلاف والرد على أكبر أساتذته.

стр. 7460

وأما أبو حنيفة، فإنه قال بتقديم القياس والاعتبار على السنن والآثار بترك نصوص الأصول وتمسك بالمعقول وآثر الرأي والقياس والاستحسان، ثم قدم الاستحسان على القياس بأبعد ما شاء وحد بعضهم استحسانه أنه الميل إلى القول بغير حجة، وهذا هو الهوى المذموم والشهوة والحديث والبدعة حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع في الدين ولهذا خالفه صاحباه محمد وأبو يوسف في نحو ثلث مذهبه إذ وجدوا السنن تخالفهم فيما تركه لما ذكرناه من قصد لتغليبه القياس وتقديمه أو لم تبلغه ولم يعرفه إذ لم يكن من مثقفي علومه وبه شنع المشنعون عليه وتهافت الجراء على ذم البرآء بالطعن إليه، ثم ما تمسك به من السنن فغير مجمع عليه وأحاديث ضعيفة متروكة، وبسبب هذا تحزبت طائفة أهل الحديث على أهل الرأى وأساءوا فيهم القول والرأي. وأما أحمد وداود فإنهما سلكا اتباع الآثار ونكبا عن طريق الاعتبار لكن داود خالف ذلك فترك القياس جملة واحدة هو وأصحابه من القول بالظاهر ما خالف فيه أئمة الأمة فخانه التمسك بربع أدلة الشريعة. وجعل أحمد الخبر الضعيف خيرًا من القياس وبديهية العقل تنكر هذا فلا خير في بناء على غير أساس وهذا اعتبار في التفضيل نبيل يدل المنصف على السالك منهم نهج السبيل هذا مأخذ الجميع في فقههم ونظرهم على ما في فهمهم (١) . وكان مالك ﵀ يرجح الاتباع ويكره الابتداع والخروج عن سنن الماضيين، هذه نتفة عما يتعلق بالأصول، أما ما يتعلق بالقواعد فقد قسمها المالكية إلى قسمين ما هي أصول لأمهات مسائل الخلاف وما هي أصول للمسائل، والقسم الأول هو مراد الإمام المقري في قواعده فقد ذكر أنه قصد إلى تمهيد ألف ومائتي قاعدة في الأصول القريبة لأمهات مسائل الخلاف وأضاف أنه يعني بالقاعدة كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة وأعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة فهو لا يعني في قواعده القواعد الأصولية العامة ككون الكتاب والسنة والإجماع والقياس حجة أو كحجية المفهوم أو العموم وخبر الواحد أو ككون الأمر عند الإطلاق للوجوب والنهي للتحريم ولا قصد القواعد الفقهية الخاصة ككل ما لا يتغير لونه أو طعمه أو رائحته فهو طهور وكل حيتان البحر مباح في الأكل أو كل عبادة لا تصح إلا بنية، وإنما أراد ما توسط بين هذين مما هو أصل لأمهات المسائل فهو أخص من أصول العامة وأعم من الأحكام الجزئية الخاصة هذا هو غالب ما اشتمل عليه وإن كان قد تعرض لبعض قواعد أصولية وقواعد فقهية تكميلا للفائدة وما من مذهب من المذاهب إلا وله تأليف، وهذه القواعد كالأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي والأشباه والنظائر للسيوطي والقواعد لابن رجب الحنبلي، وكل مذهب من المذاهب له قواعد اختارها، واعتمد عليها في استنباط الأحكام، وقد حصر أبو عبد الله بن عمر الدبوسي السمرقندي الحنفي مذهب الحنفية في أربعة عشر قاعدة وأنهاها ابن نجيم إلى تسعة عشر قاعدة في الأشباه وجعل القاضي الحسين مبنى الفقه الشافعي على أربعة قواعد كما في فتح الباري (٢) ، وأنهاها ابن رجب الحنبلي في قواعده إلى مائة وستين قاعدة وأردفها بفصل اشتمل على عشرين قاعدة ألحقها بالقواعد فيها اختلاف في المذهب الحنبلي ينبني على الاختلاف فيها فوائد متعددة (٣) .

стр. 7461

وأصحاب هذه المذاهب وإن ألفوا وقعدوا القواعد لكن مذهب الإمام مالك أغزر من بقية المذاهب في تقعيد القواعد والأصول كما أشرنا إليه وإذا كان بعض أهل العلم قد حصر قواعد المذهب في ست عشرة قاعدة أو سبع عشرة، كما نقل ذلك الفقيه ابن راشد عن شيخه أبي محمد صالح أن مالكًا بني مذهبه على ستة عشر والسابع عشر اختلفوا فيه وهو مراعاة الخلاف (١) ، لكن المحققين من علماء المالكية قالوا إن ذلك لا يمكن ضبطه وحصره، ولقد ذكر الشيخ أبو زهرة في كتابة مالك، قال: وقد اختبره (أى مذهبه) العلماء في عصور مختلفة فاتسع لمشاكلهم واختبره علماء القانون في عصرنا الحاضر فكان مسعفًا لهم في كل ما يحتاجون إليه من علاج لكثرة مجتهديه وكثرة أصوله ونوع الأصول التي أكثر منها وأنه أكثر المذاهب أصولًا (٢) هذه هي أصول المالكية والأدلة التي جعلوها مصادر لبناء الأحكام ولسائل أن يسأل عن منزلة العرف من بين الأدلة. منزلة العرف بين الأدلة: إن فقهاء الشريعة على اختلاف مذاهبهم متفقون على اعتبار العرف بصفة عامة دليلًا من الأدلة التي انبنت عليه كثير من الأحكام الفقهية إذا أعوزهم النص من الكتاب والسنة. وبنوا على ذلك مجموعة من القواعد: (١) كقاعدة الثابت بالعرف كالثابت بالنص (٢) وقاعدة العادة محكمة (٣) وقاعدة العادة كالشرع (٤) وقاعدة الممتنع عادة كالممتنع حقيقة (٥) وقاعدة الحقيقة تترك بدلالة العرف والعادة (٦) والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (٧) وقاعدة استعمال الناس حجة يجب العمل بها (٨) وقاعدة العبرة للغالب الشائع لا للنادر (٩) وقاعدة العرف بين التجار كالمشروط بينهم (١٠) وقاعدة إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت (١١) وقاعدة الثابت بالعرف ثابت بالدليل الشرعي (١٢) وقاعدة لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان. والمقصود بتغير الزمان تغير العادات والأحوال من زمن إلى زمان أو من مكان إلى مكان واستناد التغيير للزمان وللمكان مجاز لأن الزمن لا يتغير، وإنما الناس هم الذين يطرأ عليهم التغيير في أفكارهم وصفاتهم وعاداتهم وسلوكهم، مما يؤدى إلى وجود عرف عام أو خاص ويترتب عليه تبدل الأحكام المبنية على الأعراف والعادات من كل الأحكام الاجتهادية المستنبطة بالقياس أو المصلحة أو الاستحسان أو غيرها من الأدلة الفرعية، أما الأحكام الأساسية التي مصدرها النصوص من الأوامر والنواهي فلا تتبدل ولا تتغير فوجوب الصلاة والزكاة والجهاد وأداء الأمانة والصدق والإخلاص والقول والعمل وإباحة البيع والشراء والميراث وأنصبائه ونحوها كحرمة الزنا وشرب الخمر وأكل الميتة وشهادة الزور والفرار من المعركة فهذه كلها أحكام مستقرة لا يؤثر فيها تغيير الزمان ولا المكان ولا الأشخاص، أما ما كان منشأ بنائه على العادات أو على صحة أو فساد الأخلاق، فهذا هو الذي يختلف فيه أنظار الأئمة والمجتهدين من زمن إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن شخص إلى شخص، وقد قال مالك: تحدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا ذلك الأمر (٣) .

стр. 7462

وعن عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور، فالأحكام المعللة بعلة ظنية والأحكام الاجتهادية المأخوذة من الأدلة الظنية والمبنية على مصالح العباد في المعاش والمعاد والتي بنيت على العرف، فإنها تتغير بتغير العلة والمصلحة والعرف وذلك هو العدل والرحمة والمصلحة وكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى النكاية وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة في شيء، لأن الشريعة كما يقول ابن القيم: عدل الله بين عباده ورحمته بخلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ وهي نوره الذي أبصر به المبصرون (١) . وإن كثيرًا من أعمال الناس وألفاظهم ومعاملاتهم وشؤون حياتهم تقوم على ما اعتادوه وتعارفوه، ذلك أن القواعد الشرعية المعتمدة على النصوص لا تستوعب جميع التفصيلات ولا المسائل المتجددة، وهي وإن كانت تتخذ أساسًا في نصها أو روحها للاجتهاد وبيان الأحكام، فإن العرف يساعد كثيرا في هذا الاجتهاد ويعين المجتهد على تفهم الواقع وتطبيق الحكم الشرعي عليها سواء أكان ذلك في معاني الكلمات وعبارات الناس أو في معاملاتهم وعقودهم حتى أصبح العرف الصحيح ذريعة إلى تبدل الأحكام وتغيرها باختلاف أعراف الناس في بيئتهم المختلفة وأماكنهم المتغايرة وهذا هو سبب تغير اجتهادات الإمام الشافعي في كثير من المسائل بين حكمه عليها حين كان في بلاد العراق وحكمه عليها حين انتقل إلى مصر حيث رأى تغير أعراف الناس وعاداتهم يعدل في اجتهاداته حتى صارت تعرف بالمذهب الجديد واجتهاداته بالعراق بالمذهب القديم وجميع الأئمة اعتبروا العرف الصحيح في الأحكام الشرعية ومالك كما قدمنا وأتباعه أقاموا للعرف وزنًا كبيرا وأخذوا به في كل ما لا نص فيه قطعي وتركوا القياس إذا خالف العرف، وقد قال القرطبي في باب الاستحسان: إن من ضروب الاستحسان ترك القياس لأجل العرف وجعلوه يخصص العام ويقيد المطلق، وقد صرح الزيلعي: أن العرف من أقوى الحجج في مشروعية المضاربة (٢)

стр. 7463

كما ذكر الشافعية في كثير من الأحكام تعليل مشروعيتها بجريان العادة والعرف بين الناس، مثل اعتبار الحب في غالب قوت البلد ودخول الحمام من غير تعيين مدة المكث ومقدار الأجرة بجريان العرف والتسامح في مثل هذا (١) . وقد نقل الشيخ أو زهرة نصوصًا كثيرة من المذهب المالكي موضحا أنها كانت شهادة باعتبار العرف أصلًا من أصول الاستنباط وأنه كثيرًا ما يتفق مع المصلحة وإن المصلحة أصل بلا نزاع في مذهب مالك على أن العرف يقتضي تأليف النفوس لما يكون من أحكام تكون على مقتضاه ومخالفته تؤدي إلى الحرج والمشقة وهما مرفوعان في الشريعة كقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . والله من رحمته بعباده إنما يشرع ما يستسيغه الناس ويألفونه لا ما يكرهونه ويبغضونه إذ الشريعة ليست بنكاية كما قدمنا. ولأن العرف إذا لم يكن على رذيلة وهو العرف المحترم الصحيح يكون احترامه مقويًّا للوحدة دافعًا لاجتماع كلمة الأمة رابطًا بين الناس وإن مخالفته هدم لهذه المآثر وبناء على ما نقلنا ندرك أن مرتبة العرف تأتي مباشرة بعد مرتبة الكتاب والسنة حيث إنه يرجع إلى المصلحة وحيث هو راجع إلى المصلحة كان في مرتبتها إذ ليس بعد كتاب الله وسنة رسوله إلا المصلحة، ولا شك أن الإجماع لم يراع فيه المجتهدون إلا المصلحة ومهما تحققت المصلحة سار الناس إليها ومهما استعصى الأمر على المجتهد وعدم النص من الكتاب والسنة ولاح له عرف صحيح إلا خذ به واعتمد عليه، لأن العمل به كفيل بتحقيق المصلحة، بوساطته يدرك المنفعة أو المفسدة فيقرر ما تقتضيه من مصلحة ويرفض ما فيه مفسدة، ولقد اعتبره العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور مصدرًا فطريًّا حيث يقول: ونحن إذا وجدنا النظر في المقصد العام من التشريع نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة والحذر من خرفها واختلالها ولعل ما أفضى إلى خرق عظيم فيها يعد في الشرع محظورًا ممنوعًا وما أفضى إلى حفظ كيانها يعد واجبًا وما كان دون ذلك في الأمرين فهو منهي أو مطلوب في الجملة وما لا يمسها مباح، ثم إذا تعارضت مقتضيات الفطرة، ولم يمكن الجمع بينهما في العمل يصار إلى ترجيح أولاها وأبقاها على استقامة الفطرة، فلذلك كان قتل النفس أعظم بالإنسان بعد الشرك، وكان الترهيب منهيًّا عنه، وكان خصاء البشر من أعظم الجنايات، ولم يجز الانتفاع بالإنسان انتفاعًا يفيت عينه أو يعطلها كالتمثيل بالعبد بخلاف الانتفاع بالحيوان، وكان إتلاف الحيوان بغير أكله ممنوعًا ومن هنا تعلم أن القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة لأن شرط العادة التي يقضي بها أن لا تنافي الأحكام الشرعية فهي تدخل تحت حكم الإباحة وقد علمت أنها من الفطرة إما لأنها لا تنافيها وحينئذٍ فالحصول عليها مرغوب لفطرة الناس، وإما لأن الفطرة تناسبها وهو ظاهر (٢) .

стр. 7464

وقد ظهر بما نقلنا أن العرف أصل ومصدر في الشريعة أصل لأن منه يأخذ الفقيه الحكم ويبنيه عليه فيكون أصلًا بهذا الاعتبار، وهو مصدر لأنه منه يأخذ الفقيه الحكم ويبينه عليه فيكون أصلا بهذا الاعتبار وهو مصدر لأنه منه يأخذ وهو بالنسبة للأصولي دليل لنه يرشده إلى الحكام نعم هو دليل ظني لا يرقى إلى الأدلة القطعية المأخوذة من الكتاب والسنة إذا كانت قضية الثبوت قطعية الدلالة فهو أقل منهما رتبة بهذا الاعتبار، هذه منزلة العرف بين الأدلة. وكما أنبنى على العرف مجموعة من القواعد الفقهية، انبنى عليه أيضًا قواعد أصولية كالاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة، فإن بعض أنواع الاستحسان، كاستحسان الضرورة مبني على العرف، إذ القياس مثلًا يقتضي منع بين المعدوم وينبني عليه منع بين السلم والاستصناع ونحوها ولكنها جازت استحسانًا وهو مبني على العرف (١) ، ولذلك قالت الحنفية في تعريف الاستحسان: دليل ينقدح في عقل المجتهد يقتضي ترجيح قياس خفي على قياس جلي أي مقتضى الإباحة في مقابلة ما يقتضيه القياس من المنع والحظر ولذلك اعتبره الحنفية دليلا شرعيًّا، وقالوا: نأخذ بالاستحسان ما استقام، يعنون أن الاستحسان قياسي خفيت علته بالنسبة إلى قياس ظاهر متبادر (٢) والعلة كثيرًا ما تكون تعامل الناس وعرفهم في هذا التعامل وحاجتهم إليه، ومثل الحنفية المالكية في الاستحسان، إذ هو إيثار مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخيص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته وقد عرفه الشاطبي في موافقاته، فقال: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي يقتضي النفع، قال ابن العربي في ترك الدليل العام: أسباب ترك الدليل أربعة: يترك الدليل للمصلحة، ويترك للتيسير ورفع الحرج، ويترك للإجماع، ويترك للعرف (٣) . وهذا الأخير هو الاستحسان المبني على العرف ومن هنا جاء مثلًا تضمين الصناع في الأعيان بصنعتهم مع أن الأصل أن لا ضمان على مؤتمن ومن هنا أيضًا جاء عدم اعتبار الربا في القليل اليسير التافه كما هو كمبين في كتب الفقه ومما يؤثر عن الإمام مالك عن هذا الاستحسان أنه تسعة أعشار العلم (٤) .

стр. 7465

وقد قال بمثل هذا الاستحسان كثير من العلماء حتى من ورد عنهم القول بإنكار الاستحسان، ولقد ذكر الشوكاني عن بعض الأصوليين أنه العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس، فقالوا: إن كانت العادة هي الثابتة في عصر النبوة، فقد ثبت بالسنة وإن كانت هي الثابتة في عصر الصحابة من غير إنكار فقد ثبت بالإجماع (١) ، وعلى هذا فهو حكم، قال على العادة والعرف. كذلك الاستصحاب يعتمد في بعض أحكامه على العرف ومعناه استدامة ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًّا أي: بقاء ما كان نفيًا وإثباتًا حتى يقوم الدليل على تغيير حالته (٢) وهو اعتقاد كون الشيء في الماضي أو الحاضر يوجب ظن ثبوته في الحال أو الاستقبال كما هو عند القرافي (٣) باعتبار ما كان عليه الأمر أو الحكم فيما مضى مستمرا إلى حال المتكلم يستمر العمل ما لم يصادم نصًا أو يقم دليل على عم اعتباره، والاستصحاب حجة عند المالكية والحنابلة وأكثر الشافعية والظاهرية عند عدم الدليل، وقال به أيضًا الحنفية إذا كان للدفع لا للرفع ويعبرون عنه باستصحاب الحال سواء كان عرفًا أو وصفًا مثبتًا للحكم مثل استصحاب اليقين في الطهارة (٤) . ومن هنا بنوا قاعدة أن اليقين لا يزول بالشك وما ثبت باليقين لا يزول إلا باليقين والأصل بقاء ما كان على ما كان مما تفرع عن ذلك من الفروع الفقهية في الطهارات والعبادات والطلاق إلى غيرها من المسائل (٥) . وكذلك المصالح المرسلة وهي التي لم يشهد لها من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نص معين وترجع إلى حفظ مقصود الشارع مما علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع والمصلحة هي ما به قوام الحياة من المنافع ودفع المضار، وهي تؤخذ بالقياس عند الشافعي وبالقياس والاستحسان عند أبي حنيفة، أما مالك ﵀ فيرى أن المصلحة أصل بذاتها وأن أحكام الشرع ما جاءت إلا لتحقيق مصلحة أو درء مفسدة، ولكنها قد تعرف بالنص الخاص، وقد تطلب من النص العام أي أن مرجعها إلى مجموعة من النصوص كما هو في قوله ﵊: ((لا ضرر ولا ضرار)) وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ومما تفرع عنها ضرب المتهم ليقر بالمسروق وزواج امرأة المفقود بعد أربعين سنة من انقطاع خبره لترجيح مصلحة الزوجة واعتداد المرأة المطلقة التي يمتد طهرها بثلاثة أشهر فوق مدة الحمل لئلا تتضرر بطول العدة (٦) ومعلوم أن من أعظم ما يعين جهة النفع والضر العرف، فإن كانت جهة الضرر غالبة كانت مفسدة بالمعنى العرفي وإن كانت جهة النفع غالبة كانت مصلحة بالمعنى العرفي (٧) ، والمصلحة المرسلة التي تبنى على اختلاف أوضاع الناس وأعرافهم وتقاليدهم وعاداتهم هي المصلحة المرسلة المبنية على العرف.

стр. 7466

علاقة العرف وارتباطه بالقرائن: القرائن جمع قرينة والمراد بها عند الفقهاء الإمارة الظاهرة تقارن الشيء الخفي، فتدل عليه، مأخوذة من المقارنة بمعنى الموافقة والمصاحبة وهي تتفاوت قوة وضعفًا، فقد ترتقي في القوة إلى درجة اليقين، وقد تضعف حتى تنزل دلالتها إلى درجة مجرد الاحتمال، ولقد عقد ابن فرحون في التبصرة بابًا في قضاء ما يظهر من قرائن الأحوال والأمارات، واستدل على اعتبارها من الكتاب والسنة وعمل السلف (١) فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ دل على السيما، المراد بها حال يظهر على الشخص كمثل، إذا رأيناه ميتًا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء وكذا قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ . وقال عبد المنعم بن الفرس: روي أن إخوة يوسف ﵊ لما أتوا بقميص يوسف إلى أبيهم يعقوب تأمله فلم يرَ فيه خرقًا ولا أثر ناب، فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئب حليمًا يأكل يوسف ولا يخرق قميصه قال القرطبي في تفسيره، قال علماؤنا لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة صدقهم، قرن الله بهذه العلامة علامة تعارضها وهي سلامة القميص من التمزيق إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لا بس القميص ويسلم القميص، وأجمعوا على أن يعقوب ﵊ استدل على كذبهم بصحة القميص، فاستدل الفقهاء بهذه الآية على أعمال الأمارات في مسائل كثيرة من الفقه، وقال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [سورة يوسف: الآيات ٢٦ – ٢٩] . قال ابن الفرس هذه الآية يحتج بها من العلماء من يرى الحكم بالأمارات والعلامات فيما لا تحصره البينات (٢) .

стр. 7467

هذا من القرآن وأما من السنة النبوية فمنها أنه ﷺ حكم بموجب اللوث في القسامة وجوز للمعدين أن يحلفوا خمسين يمينًا ويستحقوا دم القتيل في حديث حويصة ومحيصة، واللوث دليل على القتل، فإن قيل: أين اللوث أجيب؟ بأن الحديث فيه ذكر العداوة بينهم، وأنه قتل في بلدهم وليس فيها غير اليهود، قال المازري رحمه الله تعالى: وعندي أن الأظهر في الجواب أن القرائن تقوم مقام الشاهد، فقد يكون قد قام من القرائن ما دل على أن اليهود قتلوه ولكن جهلوا عين القاتل، ومثل هذا لا يبعد إثباته لوثًا، فلذلك جرى حكم القسامة فيه والله أعلم، ومنها ما ورد في الحديث الصحيح في قضية الأسرى من قريظة لما حكم فيهم سعد أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية، فكان بعضهم يدعي عدم البلوغ، فكان الصحابة يكشفون عن مؤتزريهم فيعلمون بذلك البالغ من غيره وهذا من الحكم بالأمارات ومنها أنه ﷺ أمر الملتقط أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وجهل وصفة لعفاصها ووكائها قائما مقام البينة ومنها حكم رسول الله ﷺ وخلفائه من بعده بالفاقة وجعلها دليلًا على ثبوت النسب وليس فيها إلا مجرد الأمارات والعلامات، ومنها أن ابني عفراء تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر، فقال لهما رسول الله ﷺ ((هل مسحتما سيفيكما؟)) ، قالا: لا، فقال ﷺ ((أرياني سيفكيما)) فلما نظر فيهم قال لأحدهما: ((هذا قتله وقضى له بسلبه)) ، ومنها أنه ﷺ أمر الزبير بعقوبة الذي اتهمه بإخفاء كنز ابن أبي الحقيق، فلما ادعى أن النفقه والحروب أذهبته قال ﷺ : ((العهد قريب والمال كثير)) ومنها أنه ﷺ فعل بالعرفيين ما فعل بناء على شاهد الحال ولم يطلب بينة بما فعلوا ولا وقف الأمر على إقرارهم (١) . . وأما من فعل السلف فمنها حكم عمر بن الخطاب ﵁ والصحابه معه متوافرون برجم المرأة إذا ظهر بها حمل ولا زوج لها، وقال بذلك مالك وأحمد بن حنبل اعتمادًا على القرينة الظاهرة، ومنها ما رواه ابن ماجة وغيره عن جابر بن عبد الله، قال: أردت السفر إلى خيبر، فقال لي رسول الله ﷺ ((إذا جئت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته)) (هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين) ، فأقام العلامة مقام الشهادة. ومنها قوله ﷺ : ((الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها)) فجعل صماتها قرينة على الرضا وتجوز الشهادة عليها بأنها رضيت، وهذا من أقوى الأدلة على حكم القرائن، ومنها حكم عمر بن الخطاب وابن مسعود وعثمان ﵃ ولا يعلم لهم مخالف بوجوب الحد على من وجد فيه رائحة الخمر أو قاءها اعتمادًا على القرينة الظاهرة وهو مذهب مالك ﵁ (٢) .

стр. 7468

والقرائن تنقسم إلى قسمين قرينة عقلية وقرينة عرفية، فالقرينة العقلية هي التي تكون النسبة بينها وبين مدلولها ثابتة يستنتجها العقل دائمًا كوجود المسروق بيد المتهم بالسرقة أو ببينة والعرفية هي التي تكون النسبة بينها وبين مدلولها قائمة على عرف وعادة تتبعها دلالتها وجودًا وعدمًا وتتبدل بتبدلها كشراء المسلم شاة قبيل عيد الأضحى، فإنها قرينة عرفية على قصد الأضحية وكشراء الصائغ حليًّا، فإنه قرينة على أنه اشتراه للتجارة ولولا عادة التضحية عند الأول والتجارة عند الثاني لما كان ذلك قرينة (١) . وتنقسم القرائن باعتبار آخر إلى قرائن شرعية أو قانونية والى قرائن قضائية، فالقرائن الشرعية هي التي يعتمدها الشارع أسبابًا في بعض الأحكام، أما القرائن القضائية فهي التي يتخذها القاضي دليلا في تخصيص الوقائع وإثباتها ويعود إليه تقدير دلالتها، والنوع الأول أي القرائن الشرعية أو القانونية هي في الأغلب من نوع القرائن العقلية، لأن الشارع يبني عليها حكمًا ثابتًا فيجب أن يقام على نسبة ثابتة بين الدلالة ومدلولها، كما في حكم التقادم وطلاق الفرار، أما القرائن القضائية فقد تكون عقلية وقد تكون عرفية لأن القضاء يستأنس بجميع الأدلة ولو وقتية (٢) . وفقهاء الإسلام اعتبروا القرائن والعلامات من الأدلة المثبتة التي يعتمد عليها في القضاء ولكنهم اختلفوا هل القرينة وحدها كافية تشهد لمدعيها وتحط عنه اليمين أو لا بد له من أداء اليمين، وهذا بناء على أن العرف هل يقوم مقام شاهد واحد أو شاهدين، وقد نقلنا الخلاف في ذلك نقلناه عن الطريقة المرضية في الإجراءات الشرعية للشيخ الوالد ﵀ حين كلامه على بيان المدعي من المدعى عليه، وقد قال المازري في الجواهر: الأظهر أن القرينة تقوم مقام الشاهد، والحق أن هذه القرائن إما أن تكون قطعية وإما أن تكون ظنية، فإن كانت قطعية كانت كافية قائمة مقام البينة، كما إذا رأينا رجلًا مذبوحًا في منزل والدم يسيل منه وليس في الدار أحد ورأينا رجلًا قد خرج من الدار مضطربًا في حالة منكرة، علمنا أنه الذي قتله، وكان لوثًا يوجب القسامة، والقود للقرينة الظاهرة، وهي المسألة الأربعين من المسائل التي ذكرها ابن فرحون في بيان عمل فقهاء الطوائف الأربعة بالحكم بالقرائن والأمارات ومثل لذلك بخمسين مسألة (٣) .

стр. 7469

أما الحالة الثانية، فإن الفقهاء يعتمدونها دليلا أوليًّا يترجح بها قول المدعي مع يمينه إلى أن يثبت خلافها، وقد اتفق مالك وأبو حنيفة على اعتبار القرائن وخالف الشافعي في ذلك ظنًا منه أن في هذا مناقضة ومخالفة للحديث المشهور ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) (١) ولقد أوضح محمد علي حسين أن لا مخالفة بين العمل بالقرائن وبين ما جاء في حديث ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) ذلك أن القاعدة أن المدعي من خلا قوله عن أصل أو عرف وأن المدعى عليه من عضده أصل أو عرف، فالمدعي الدين على غيره على خلاف الأصل، إذ الأصل براءة الذمة فالمطلوب من المنكر هو على وفق الأصل. والمدعى رد الوديعة وقد قبضها ببينه هو المدعي، لأن قوله على خلاف الظاهر والعرف بسبب أن الغالب أن من قبض ببينه أن لا يرد إلا بينه، والمدعي عدم القبض هو على وفق الظاهر والعرف يشهد له وهذه القاعدة تقتضي أن المرأة إذا ادعت قناعًا وشبهه مما هو يختص بالنساء كان قولها على وفق الظاهر، وقول الزوج على خلافه فكان مدعيًا وهي مدعيًا عليها، وقد نقلنا عن الطريقة المرضية للشيخ الوالد أن معرفة المدعي من المدعى عليه هو مناط التوتر ومحور النظر ومحل الاهتمام إذ بتمييز أحدهما عن الآخر يتنكب عن الخطأ في تكليف أحدهما بغير ما عينه الشرع له، وعليه فمخالفة الشافعي في الاعتماد على القرائن ودعوى أنها تعاكس ما ورد في الحديث من أن ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) لا يقوم حجة، بل وهي المعينة لمعرفة المدعي من المدعى عليه، كما ذكره الوالد ﵀ في الطريقة المرضية وعلى أساس الاعتماد على القرائن العرفية، قرر الفقهاء حلولًا كثيرة في شتى الحوادث في اختلاف الزوجين في حال العصمة وبعد الفراق أو الموت وإجراء الحكم حسب القرائن والعادات وما يقتضيه العرف من اختصاص ذلك بالرجال أو النساء، أما ما كان مشتركًا يصلح لهما معًا كالدار يسكناها والماشية يتصرفان فيها، فيترجح قول الزوج لأنه صاحب اليد وهي قرينة على اعتبار الملك، فقال مالك: إذا اختلفا وهما زوجان أو عند الطلاق قضي للمرأة بما هو شأن النساء وللرجل بما هو شأن الرجل وما يصلح لهما قضي به للرجل لأن البيت بيته في العادة، فهو تحت يده فقدم لأجل اليد كما في التبصرة وكذا لو اختلف المتبايعان في قبض السلعة أو الثمن فالأصل بقاء الثمن بيد المبتاع وبقاء المبيع بيد البائع ولا ينتقل ذلك إلا ببينة أو عرف كالسلع التي جرت العادة أن المشتري يدفع ثمنها قبل أن يبين بها كاللحم والخضر ونحوها فيحكم في ذلك بالعرف والعادة ولو اختلف عطار ودباغ في العطر والجلد أو اختلف فقيه وحداد في نحو الجبة والكير كانت لهما عليه يد حكمية، أو تنازع رجل وامرأة رمحًا يتجاذبانه فالقول في هذا كله قول من شهد له العرف والعادة وقرائن الأحوال فالجبة للفقيه والكير للحداد والرمح للرجل وكل هذا مع اليمين (٢) .

стр. 7470

وقد عقد ابن فرحون في تبصرته بابًا وهو السابع والخمسون في القضاء بالعرف والعادة، ونقل عن ابن يونس قال: إذا فرعنا على مذهب مالك فمن قضي له بشيء حلف عليه، قال الإمام سحنون: ما عرف بأحدهما لا يحلف عليه، قال ابن القاسم: فما ولي الرجل بشرائه من متاع النساء وشهدت به البينة أخذه بعد يمينه أنه ما اشتراه إلا له وكذلك المرأة ومن الشيوخ من نفى الخلاف عن ذلك، وقال: إذا ادعت المرأة شيئًا من متاع النساء وكذبها الرجل أو ادعى الرجل شيئا من متاع الرجال وكذبته المرأة فلا خلاف في تعلق اليمين في ذلك، وإنما الخلاف في وجوب اليمين إذا تنازع ورثة الزوجين أو تنازع ورثة أحدهما مع الآخر دون تحقيق الدعوى فيجري الخلاف على الخلاف في أيمان التهم وهذه طريقة ابن رشد والطريقة الأولى أسعد بنقل المتقدمين والذي قاله هذا الشيخ هو الذي تشهد له أصول المذهب، وقد ذكر في هذا الباب سبعة عشر فرعًا وتنبيهات ثلاث وقاعدة ومسائل تسع وكلها تحوم حول موضوع سلطان العرف والعادة حول القضاء والفتيا كما ذكر (١) . وقد ذكر في الباب الخامس والعشرين بالقضاء بقول المدعي لرجحانه بالعوائد وقرائن الأحوال أو لاتصافه بالأمانة أو غير ذلك من وجوه الترجيح، وقد ذكر نبذة من مسائل هذا الباب فذكر منها قبول قول المرأة في الإصابة إذا خلا بها خلوة اهتداء ويحكم عليه بالصداق وإن كان منكرًا للوطء لأن الخلوة بها أول مرة يشهد العرف والعادة أن الرجل لا يفارق المرأة حتى يصل إليها وهل يلزمها يمين أم لا قولان، وفي خلوة الزيارة قولان، قيل: القول لها وهو الأشبه عند أبي زيد، وقيل: قول الزائر منهما وهو المشهور، وقيل: القول قول الثيب وينظر النساء للبكر. المسألة الثانية: إذا أقر الوصي أنه قبض من الغرماء ما عليهم وضاع صدق وإن لم تقم بينة على الدفع لكونه قائما مقام الأب في الشفعة والأمانة. المسالة الثالثة: إذا أقر الأب أنه قبض النقد من صداق ابنته من الزوج وادعى تلفه فالأب مصدق عند ابن القاسم وإن كان قبضه بغير معاينة البينة ويبرأ الزوج ويدخل بزوجته ويلزم الأب اليمين لحق الزوج في تجهيز زوجته به.

стр. 7471

المسألة الرابعة: إذا ادعى المعترض أنه وطئ زوجته، فالقول قوله مع يمينه، وقيل: بغير يمين، قاله مالك في الواضحة، وقيل: بنظر النساء البكر والأول هو المشهور. المسألة الخامسة: يقبل قول الوصي فيما اتفق على اليتيم إذا أشبه قوله الصدق وقيل يقبل قوله فيما اتفق في عمارة ريعه وختانه إذا أشبه الصدق. المسألة السادسة: يقبل قول الزوج أنه أنفق على زوجته إذا كان مقيمًا معها وادعت أنه لم ينفق عليها لشهادة العرف له. المسألة الثامنة: يقبل قول المرأة أنها انقضت عدتها ولا يمين عليها إذا كان الزمن ممكنا وإن كان على خلاف عادتها. المسألة التاسعة: إذا ادعت المرأة أن عدتها انقضت بسقط قبل قولها وإن كان ذلك بعد الطلاق بيوم ولا يمين عليها ولا يلتفت إلى تكذيب الجيران لها. المسألة العاشرة: يقبل قول الأمة أن هذا الولد الذي معها ولدها فلا تجوز التفرقة بينهما في البيع ولا يعمل بقولها في الميراث فلو عتقا لم يتوارثا بدعواهما. المسألة الحادية عشر: إذا خيف عرق المركب وطرح منه ما يرجى به سلامته فالقول قول المطروح متاعه فيما يشبهه وقال ابن القاسم هو مصدق مع يمينه في ثمن متاعه المطروح ما لم يأتِ بما يستنكرون: لا يمين عليه إلا أن يتهم فيحلف. المسألة الثانية عشر: إذا ادعى المساقي أنه دفع لرب الحائط الجزء الذي ساقاه عليه وقال رب الحائط بعد فراغ المساقاة ولم يدفع العامل شيئًا فقال مالك: إن كان قد جدا الثمرة فلا شيء له وعلى العامل اليمين كان بقرب الجذاذ أو بعده. وكذا لو جذ بعضها رطبًا والباقي تمرًا فقال قبل جذاذ الثمرة لم يدفع لي شيئًا من الرطب ولا من ثمنه، فالعامل مصدق مع يمينه قال ابن يونس: لأن حقه في عين الثمرة لا في ذمة العامل لجريان العادة بدفع ذلك بغير إشهاد. المسألة الثالثة عشر: من حاز شيئًا مدة لكون الحيازة فيها معتبرة والمدعي حاضرًا ساكت وليس له عذر في سكوته، ثم يقوم على الحائز ويدعي عليه فادعى الحائز الشراء كان القول قوله مع يمينه. المسألة الرابعة عشر: وإذا ادعى المودع رد الوديعة فالقول قوله مع يمينه وهو مدع، وإنما ترجح قوله لأنه استأمنه والأمين مصدق.

стр. 7472

المسألة الخامسة عشر: وكذلك لو ادعى البائع أنه باع بالدراهم وقال المشتري، بل بالسلعة فالقول قول البائع لقوة قرينة صدقه لأن الدراهم هي الأثمان وبها يقع البيع. المسألة السادسة عشر: إذا باع السمسار سلعة فوجد المشتري بها عيبًا فسأل السمسار عن رب السلعة، فقال: لا أعرفه خلف أنه ما يعرفه. المسألة السابعة عشر: إذا وضعت الجارية المستبرأة عند المشتري واستأمنه عليها البائع فقال بعد شهرين أو ثلاثة: لم تحض أو ماتت، صدق في ذلك وكان القول قوله. المسألة الثامنة عشر: من دفع إلى رجل يخيطه له بلا أجرة والرجل ليس من الصناع الذين نصبوا أنفسهم للناس بالأجر فادعى ضياع الثوب من عنده، فلا ضمان عليه وعليه اليمين أنه ضاع من غير تفريط. المسألة التاسعة عشر: إذا ادعى المضروب ذهاب سمعه أو جميع بصره فالقول قوله بعد الاختبار بما يكن ويصدق مع يمينه، لأنه لا يمكن التوصل إلى صدقه إلا من قوله. المسألة العشرون: من ادعى أنه أمن رجلًا من أهل الحرب فإنه يقبل قوله وإن لم يكن له بينة على تأمينه، هذا قول ابن القاسم، وقال سحنون: لا يقبل إلا بينة. المسألة الواحدة والعشرون: إذا ادعت المرأة الغريبة الطارئة من بلد بعيد أنه لا زوج لها فالقول قولها ويزوجها الحاكم إذا لم يطمع على الوقوف على حقيقة دعواها. المسألة الثانية والعشرون: إذا ادعى المأمور أنه تصرف كما أمره الموكل فقال الموكل: لم تتصرف بعد، فالقول قول المأمور لأنه أمين. المسألة الثالثة والعشرون: لو قال المأمور بعت السلعة بعين وقال الآمر أمرتك أن تبيعها بعرض، فالمأمور مصدق لأن من باع بعين فالأصل يعضده لأنها القيم التي يتبايع الناس بها غالبًا. المسألة الرابعة والعشرون: وكذلك لو أمره الموكل ببيع سلعة أو شرائها وادعى المأمور أنه دفع ذلك إلى الأمر، فالقول قول المأمور وكذلك القول قول الوكيل في ضياع الثمن. المسألة الخامسة والعشرون: إذا استأجر المستأجر، وادعى رد ما استأجره من العروض فهو مصدق لأن يده أمينة قبض ذلك ببينة أو بغير بينة رواه أصبع، عن ابن القاسم. المسألة السادسة والعشرون: إذا ادعى الغاصب أنه غصب الثوب خلقًا وقال ربه: بل غصبه جديدًا فالقول قول الغاصب مع يمينه وإذا حلف أدى قيمته خلقًا.

стр. 7473

الفصل الثاني: في تصديق المدعى عليه والروع إلى قوله، وذكر عدة مسائل، منها: إذا اختلف المبتاع والشفيع في مرور السنة وانقضائها بعد البيع ولا بينة فالشفيع مصدق مع يمينة، وهو مدعى عليه لأن الشفعة قد وجبت له، والمشتري مدعى لتاريخ يسقط ما ثبت له منها فلا يقبل قول البائع في ذلك. المسألة الثانية: وكذا من اشترى أرضا فقبضها ثم قام عليه رجل يطلبها بالشفعة، فزعم المشترى أنه اشترى شيئا مقسومًا، وقال الشفيع: إنها لم تقسم، فالقول قوله لأنه مدعى عليه. المسألة الثالثة: إذا وهب هبة مطلقة وادعى أنها للثواب، وقال الموهوب: لغير الثواب، حكم بالعرف مع اليمين فإن أشكل فالقول قول الواهب مع يمينه. المسألة الرابعة: لو باع الوكيل السلعة وقال: بذلك أمرتني، وقال ربها: إنما أمرتك برهنها، فالقول قول رب السلعة فاتت أو لم تفت. المسألة الخامسة: لو اشترى المأمور السلعة بعشرين فقال الآمر: ما أمرتك إلا بعشرة فالقول قوله مع يمينه ويغرم الوكيل العشرة لرب السلعة هذا هو المشهور. المسألة السادسة: إذا اختلف الزوجان في عدد الصداق بعد البناء، فالقول قول الزوج مع يمينه، قال ابن القاسم: لأنها مكنته من نفسها فصارت مدعية عليه وهو مقر لها بدين، فالقول قوله مع يمينه، وإن نكَّل فالقول قولها مع يمينها هذا هو المشهور. المسألة السابعة: إذا ادعت المرأة أن لزوجها جنونًا، وأنكره فالقول قوله وعليها البينة. المسألة الثامنة: إذا ادعى المشتري الإقالة فأقر له البائع بذلك ورغم أنه أقاله على أن يرد عليه أقل من الثمن الذي دفع إليه فلا يقبل قوله إلا ببينة، وعلى المشتري اليمين أنه ما قاله إلا بمثل الثمن. المسألة التاسعة: لو قال من بيده الدار أعرتني هذه الدار، وقال ربها: بل بعتكما، فالقول قول مدعي العارية مع يمينه. المسألة العاشرة: إذا تداعى رجلان في عقد البيع هل كان ولم يكن فالقول قول المدعى عليه البيع أو الشراء ولا يمين على المدعى عليه إن كانت السلعة بيد صحابها. المسألة الحادية عشر: إذا أشهد البائع بقبض الثمن، ثم قال: إنها فعلت ذلك ثقة للمبتاع لم يقبل منه المشتري مدعى عليه، فإن طلب يمين المبتاع على دفع الثمن لم يكن له ذلك، وقد ذكر ابن فرحون أنه استقصى مسائل هذا الباب وأفردها في تأليف اسماه ببروق الأنوار الموضحة لأنواع طرق الدعوى (١) .

стр. 7474

وبما نقلنا نرى كيف أن الفقهاء اعتبروا سائر القرائن العرفية وجعلوها من المرجحات الأولية التي يعتمدها القضاء مع اليمين في بعضها ومع عدمها في بعضها حسب القوة الشبهة وضعفها بين المتخاصمين وبحسب اعتبار العرف هل يقوم مقام الشاهد أو مقام الشاهدين ولقد قال الإمام ابن العربي: على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فيما ترجح منها قضى بجانب الترجيح وهو قوة التهمة ولا خلاف في الحكم بها. شرط من يتولى القضاء بين الناس: لقد نص الفقهاء على أن من شرط القاضي بل هو الشرط الأساسي العلم فلا يجوز تولية الجاهل بالأحكام الشرعية لأن القاضي بالشرع للأحكام بمقضتى الشرع موافقته ومن شأن من يكون كذلك أن يكون عالمًا لا جاهلًا حتى يدرك أسرار القضاء ولذلك اشترطوا فيه أن يكون جامعًا بين الفقه والحديث بل ذهب ابن الحاجب إلى اشتراط أن يكون مجتهدًا بحيث لا تجوز ولا تصح ولاية المقلد ولا تنفذ أحكامه (١) مع وجود المجتهد قال ابن الحاجب: فإن لم يوجد مجتهد فمقلد، وإذا كان بعض الفقهاء أجازوا ولاية المقلد فقد اشترطوا أن يختار من أعلم المقلدين، قال ابن عبد السلام: وينبغي أن يختار أعلم المقلدين وقد اعتبر القاضي ابن العربي، والقاضي عياض والإمام المازري العلم من الشروط الواجبة (٢) . ونقل ابن عبد البر أن الأئمة اشترطوا أن يكون القاضي عالمًا بالسنة والآثار وأحكام القرآن ووجوه الفقه واختلاف العلماء (٣) وقد رد ابن رحال على ابن رشد فيما ذهب إليه من أن شرط العلم مستحب لا واجب بأن هذا قول شاذ بعيد عن الصواب إذ القاضي هو أحوج الناس إلى العلم (٤) ولقد اشترط العلماء للأخذ بالعرف أن يكون عرفًا صحيحًا لا فاسدًا فإذا كان القاضي غير عالم بالأحكام الشرعية فكيف يستطيع أن يميز بين الصحيح والفاسد، ولذا كان العرف من حيث صلاحه للعمل به أو طرحه وفساده من مهمة الفقيه العالم بالأحكام المتمرس عليها، أما من جهلها فلا اعتداد بأحكامه ولا عبرة بعرفه لأن اتباع العادات والأعراف من غير دليل شرعي هو فساد في الدين وابتعاد عن شريعة رب العالمين إذ كثير من الأعراف ما كان مبنيا على الهوى، وإذا لم يكن القاضي من العلماء الأعلام القادرين على تمحيص الأعراف المقبولة من الأعراف المردودة كان غير صالح للقضاء على أن العرف يلجأ إليه عند عدم النص الصريح أو الضمني في القضية.

стр. 7475

أما مع وجود النص فلا عبرة بالعرف كما قدمنها وإلا لزم نسخ الشريعة بالعادة، ولا قائل بذلك فالمرجع حينئذٍ إنما هو لقواعد الشرع، وقد أوجب الفقهاء على متولي الإفتاء والقضاء في المسائل الجاري بها العرف أن ينظر فيها، فإن كانت مما تكلم فيها الفقهاء قبله بما يخالف العرف الجاري فيها في زمانه نظر في مستند الفقهاء في كلامهم، فإن كان مستندهم دليلًا من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس حكم فيها وأفتى بما قرره الفقهاء قبله وألغى العرف؛ لأنه لا يعتد به عند مصادرة الدليل الشرعي، وإن كان معتمدهم في ذلك ما جرى به العرف عندهم قد تغيرت الأحوال وتبدلت العادات حكم بما عليه عرف ذلك البلد كما قدمنا ولا يعتبر ذلك من تبديل الأحكام ونسخها وإنما هو من ترتيب الحكم على العلة وجودًا وعدمًا والأعراف المعتبر هي التي توزن بميزان الشرع فما وافق فهو معتبر يؤخذ به كلما تحققت به المصلحة، أما ما كان مخالفًا للشرع فلا يعتبر ولا يؤخذ به بحال، هذا هو الرأي الذي تطمئن له النفوس وتقبله الشريعة. أما ما ذهب إليه بعض علماء المغرب من الأخذ بما جرت عليه أعراف الناس بإطلاق كأعراف القبائل البربرية المغربية في عقود الأنكحة والمغالات في الأيمان وتشريك أقارب المتهم في تأدية القسم وأخذ الولي صداق البنت لنفسه ونحو ذلك، وقد اختلفت أنظار علماء المغرب في الأخذ بهذه الأعراف وافترقوا فرقًا ثلاثة، فمنهم: من حمل على هذه الأعراف واعتبرها مروقًا وخروجًا عن الدين يجب محاربتها والقضاء عليها ومنهم: من سايرها ورأى فيها تحقيق مصلحة القوم التي لا تتحق إلا بالأخذ بها فيحبذها وآثر العمل بها ودافع عنها، والفريق الثالث: وقف موقفًا وسطًا فأخذ بما يواق الشرع ولا ينقاصه، ورد وأنكر وحارب ما كان مخالفًا للشرع ومبادئه ومقاصده، وقد ذكر الدكتور عمر الجيدي في كتابه العرف والعمل في المذهب المالكي فبين أن المؤيدين لهذه الأعراف والأحكام والتنظيمات بالنسبة لأعراف سوس منهم الشيخ الحسن بن عثمان الجزولي، وابن غازي، وعمروبن أحمد بن زكرياء العقيلي، وقد أصدر هذا الأخير منشورًا يعد نموذجًا للأعراف التي في سوس ومثله الشيخ أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن عمرو بن طلحة التمنارتي، وعبد الله بن مبارك اللقاوي، ونقل عن أبي الحسن علي بن أحمد العمري في كتاب فتاوى الحاكم أن أول من أحدث الخلاف هذان العالمان السابقان وهما اللذان أمرا يكتبها في ألواح القبائل من هلالة وهشتوكة، وتابعهما أهل عصرهما وتلقوا ذلك بالقبول، وكذلك الفقيه عبد الله بن الحاج شعيب الهلالي له بحث في مسائل هذه الأنواع، ومثله الشيخ محمد البوعقيلي الهلالي، وهو الواضع للوح حصن زاوية سيدي يعقوب، وإن له كتابًا في الأعراف وكذلك أبو عيسى السكتاني الرجراجي صاحب النوازل، ومحمد بن سليمان الجزولي السملالي، ثم بيَّن أن مما أيدها من المحدثين المختار السنوسي الذي ذكر أن أهل سوسن أسسوا قواعد وحتموا اعتبارها وقوانين أيدوا بها أعمالها وإقرارها ورتبوا جنايات الأموال ومنها مثلًا، من تعرض لأحد ذهب لأسواقهم، أو مواسمهم أو حصونهم، أو تعرض لفقيه أو عالم أو طالب علم، ولو بسبب أو شتم، أو تعرض ليهودي في ملاحة أو في طريقه أو سرق، أو جنى جروحًا، أو سفك دمًا أو غير ذلك، وشددوا في ذلك وعينوا النفائس (أي أعضاء الجمعية في كل قبيلة) ، تجتمع في مدرستها عند وقوع تلك النوائب، وعلى هذا النمط بنيت أحوال السوس الأقصى كله من أوله إلى آخر، ثم نقل عن الأستاذ العثماني في كتابه ألواح جزولة قوله نظرة خاطفة على النظام القضائي العرفي في بعض القبائل البربرية توحي لنا، وكأننا أمام نظام قار لا يختلف في كثير من الأشياء عما ورد في الشرع يسايرها ولا ينقاضها بل يسير في اتجاهها ومقاصدها مع مراعاة ضروريات الحياة وتطورها، والسياسة الشرعية مبنية على المصالح المرسلة في المسائل التي تنبع فيها أعراف البلاد وعاداتهم وتقاليدهم.

стр. 7476

الفريق الثاني: العملاء المعارضون من نفس القبائل التي كان يطبق فيها هذا العرف وهذا الفريق يندِّد بأصحابها والقائمين عليها، ومن هؤلاء عبد الله الهشتوكي، فهو يصفها بالضلال المبين وعبد الرحمن التمنارتي، فقد قال في شأنها إنها من باب التحكم إلى الطاغوت الذي أمرنا الله أن نكفر به، والشيخ محمد بن ناصر الدرعي الذي لما سئل عنها أجاب في حق أصحابها بأنهم عصاة ومنهم الشيخ عبد الرحمن الجزولي فقد علق على قولة عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، قال: هذا يستدل به أشياخ السوء من القبائل فيما أحدثوا أن من سل سيفه فضرب به لزمه كذا، ومن وضع يده على سيفه ولم يسله يلزمه كذا ومن لطم يلزمه كذا ومن شتم يلزمه كذا وعدد مجموعة، ثم قال: وكل ذلك بدعة أماتوا بها السنة ثم نقل أن الموقف هو الذي وقفه محمد بن عمر حيث ذهب إلى أن الضوابط التي اتفقت عليها الشيوخ والضمان ضلال مبين معللا بأن أحكام الشرع هي التي أثبتها النبي ﷺ وإن ترك الأحكام الشرعية واستنباط ضوابط وقوانين جديدة كفر صراح، وهذا هو نفس الرأي الذي ذهب إليه قاضي سوس عيسى بن عبد الرحمن، الذي قال في شأن الألواح: أنها ألواح شيطانية، وإنهم بذلك ينبذون الكتاب والسنة، ويحكمون بغير ما أنزل الله متحاكمين إلى الطاغوت. الفريق الثالث: من توسط من العلماء في هذه الأعراف فقبلوا منها ما كان موافقًا للشرع ومقاصده ورفضوا ما كان مخالفًا معاكسًا، ونقل أن ممن أخذ هذا الموقف الشيخ عبد الواحد بن أحمد مفتي مراكش في زمنه ومحمد بن عمر والشيخ أحمد بابا التنكتي الذي أجاب عن سؤال يتعلق بهذه الأعراف خلاصته أن أهل الجبال والبادية يجتمعون عن آخرهم ويكونون منهم أهل الحل والعقد يسمونهم (انفلاس) ويتفقون على أن كل من قطع طريقًا ببلدهم يستردون منه ما سلب ويغرمونه إياها ويعاقبونه على فعلته بعقوبة مالية ويهدمون منزله ويذبحون بقره ويأكلونها ردعًا له، فإن لم يكن بيده شيء أخذوا قيمة ذلك من أقاربه وتأديتها ويعتبرون أن ذلك هو الإنصاف وأنهم لو تركوه لانعدم انتظام أمورهم وانعدام استقرارهم، وقد أجاب بما خلاصته أن الموضع الذي لا سلطان فيه أن اجتمعت جماعة المسلمين فيه على إقامة أحكام الله على وجه ما شرعه الله فإن حكمهم يقوم مقام حكم القاضي والسلطان، حيث لا سلطان ولاقاضي وأما فعلهم الضوابط والأحكام على مقتضى المصالح، فإن كانت جارية على وجه الشرع فليس بجعل بل إنفاد لأحكام الشرع، وإن كانت على خلافه فأمر حرام لا يجوز قطعًا، وأما استردادهم من قاطع الطريق ما أخذ من الموال فإن كانوا ليردوها إلى أصحابها فأمر حسن وإن كان ليأكلها فقبيح، وأما عقوبتهم للجاني بهدم داره وإتلاف ماله فالواجب على الجاني إن قطع الطريق أن يحارب فحكمه إنفاذ حكم المحارب فيه ولا تهدم داره ولا تتلف أمواله لأنها عقوبة بالمال وهي غير جائزة في المذهب والله يقول: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١)

стр. 7477

فقد اتفق العلماء على أن من قتل وأخذ المال وجب إقامة الحد عليه ولا يسقط العقاب بعفو ولي المقتول والمأخوذ منه المال خلافًا للقتل العادي (١) ثم اختلفوا في عقوبة قطع الطريق هل هذه العقوبات على التخيير أم هي مرتبة على قدر جناية المحارب فالحنفية والشافعية والحنابلة أن الحد على الترتيب وعلى قدر الجناية فإن أخاف الطريق دون أخذ للمال ولا قتل، فالحكم النفي والتعزيز، وإن أخذ المال فقط فقطع اليد والرجل من خلاف، وإن قتل ولم يأخذ المال فالقتل، وإن قتل وأخذ المال فالقتل والصلب، أما مالك فيرى أن الإمام مخير بين هذه العقوبات حسب ما يقتضيه الردع والمصلحة وسبب الخلاف يرجع إلى (أو) هل هي للتخيير أو هي للترتيب، وكل الوجوه فليس هناك من قال بهدم منزله وسلب أمواله وأكل بقره ونحو ذلك مما جرى به العرف في بعض القبائل المغربية، قال مؤلف الكتاب: ومازال سكان المغرب في الجنوب يستعملون النصاف يطبقونه على كل من ارتكب مخالفة أو خالف عهدًا وخاصة في مناطق بني ملال وغيرها من القبائل المجاورة قال الشيخ أحمد بابا: أما ما يتعلق بالإنصاف فهو ظلم وحرام وليس من أحكام الشرع بل هو ظلم وعدوان وطغيان ونعي على الذين يزعمون أن ذلك لرعي المصلحة مصرحًا بأن ذلك كذب وبهتان وإثم وخسران، وأن من اعتقد حلية ذلك ربما أفضى به إلى المروق من الدين ووصف تحليفهم المتهم خمسين يمينًا بأنه من تغيير الشرع، إذ ليس في الشرع تحليف بغير يمين واحدة إلا القسامة بخمسين وفي اللعان بأربعة مع التخميس باللعنة والغضب ورفض أن يكون في تركهم ذلك سبب للفوضى وعدم الأمن والاستقرار ووصفه بأنه كلام الجهال والغارقين في اتباع الهوى، وأوضح أن انتظام الكلمة واستقامة الأحوال إنما يكون باتباع الشرع في الأقوال والأفعال، ثم بين الدكتور عمر بن عبد الكريم الجبيدي أن الحق هذه الأعراف إن كانت من المسائل الضرورية لفقد تقرر لدى الفقهاء أن للضرورة أحكامًا فاتفاقهم على جماعة تعمل بضوابط تحقق المصلحة للناس تمنعهم من المحاربين والمتلصصين واسترداد ما أخذوه، فهذا لا يخالف الدين في شيء، وأما ما كان غير ذلك كمؤاخذة غير الجاني وتحليفه خمسين يمينًا يؤديها هو وأقاربه فهذا من قبيل المروق من الدين (٢) ، قلت وهو حق لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة فاطر: الآية ١٨] ، ولأن كل نفس بما كسبت رهينة ثم ما تقتضيه الضرورة يشهد له في الشرع الرخص الواقعة في الشريعة فإن حقيقتها ترجع إلى اعتبار المآل في جلب المصالح ودرء المفاسد على الخصوص وهذا من باب الاستحسان الذي قال فيه الإمام هو تسعة أعشار العلم والذي قد نشأ من أصل عظيم متين العرى وهو النظر في مآلات الأفعال الذي هو مجال للمجتهد صعب المورد وإن كان عذب المذاق محمود الغب يدل عليه أن التكاليف الشرعية شرعت لمصالح العباد، وهي إما أخروية فترجع إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم، وإما دنيوية، والأعمال عند التأمل مقدمات لنتائج المصالح لأنها أسباب لمسببات مقصودة للشارع والمسببات هي مآلات الأسباب فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب وهو لنظر في مآلات الأفعال الذي افتر عنه قاعدة الاستحسان وسد الذرائع وغيرها ومعلوم أن مقاصد الشريعة في الخلق التي يرجع تكاليفها إلى حفظها التي هي الضرورية والحاجية والتحسينية ومعناها الأخذ بمحاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسة التي تأنفها الأحكام الراجحة والتي يجمعها قسم مكارم الأخلاق ولاعتناء الشارع بهذه الثلاث جعل لها متممات ومكملات هي مثار التشديدات والترخيصات وما ذلك إلا لترد الأمة المصالح وتتجافى حمى المفاسد، وهذا هو السر الذي يرنو إليه التشريع فإن القصد منه إقامة مصالح الدين والدنيا على وجه لا يختل لها به نظام ولذا كان وضع الشريعة على ذلك الوجه أبديًّا وكليًّا وعامًّا وزادت عناية الله بهذه الشريعة الغراء فعصمها عن التغيير والتبديل كما أنبأ بذلك تصريحًا وتلويحًا فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩] ، وقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ﴾ .

стр. 7478

والأعراف بربرية كانت أو غيرها فالميزان في الأخذ بها أو ردها إنما هو ميزان الشرع فما وافق منها اعتبرناه وما خالف رددناه والمصلحة لا تتحقق بالأحكام الجائرة المخالفة لمقاصد الشريعة وأي مصلحة في حرمان المرأة من ميراثها وأي مصلحة في تنزيل العقاب بغير من جنى، وأي مصلحة في إفساد المال؟ ولذا فكل ما يمس كلية من كليات الشريعة التي هي الدين والنفس والعقل والعرض والمال فهو مردود لأنه محض فجور وفسوق ولا ينتج عنه إلا الخراب والدمار. العلاقة بين العرف والعادة: إذا كان مرجع العرف إلى فعل من الأفعال التي تميل إليه النفس ويتكرر فعله حتى يصبح عادة فإذا انتشرت هذه العادة أو العادات بين الناس وقلد بعضهم بعضا فيها أصبح ذلك الفعل عرفًا وبهذا ندرك أن العادة غير العرف وقد ذهب بعضهم إلى أنهما سواء ولقد فرق بعضهم بينهما. فقال: العادة ما كرر الإنسان فعله، فيما يختص بنفسه والعرف ما كرر الناس فعله وألفوه على ممر الأجيال، ولهذا نجد بعض علماء الأصول يعرف العادة بأنها الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية أي من قبيل الطبع والمعاودة في التعاطي حتى قيل: العادة طبيعة ثانية بينما المتكرر من علاقة عقلية يصبح من قبيل التلازم وكتكرار حدوث الأثر كلما حدث المؤثر هكذا في التقرير والتحبير (١) .

стр. 7479

وفي رسالة نشر العرف لابن عابدين أن العادة مأخوذة من المعاودة فهي بتكرارها ومعاودتها مرة أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول متلفات بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية، فالعادة والعرف بمعنى واحد من حيث المصداق وإنما اختلفا من حيث المفهوم (١) ، وقد ينشأ العرف عن غير العادة وهناك من العلماء من يرى أن العادة أعم من العرف على اعتبار أنها جنس أعم يندرج تحتها أنواع منها العرف وذلك لأن العادة تشمل العادة الناشئة عن عامل طبيعي وعن العادات الفردية وعن العادات التي تعود عليها الجمهور والتي يعبر عنها بالعرف ولذلك قال بين العرف والعادة العموم والخصوص فكل عرف عادة وليست كل عادة عرفًا وإلى هذا المعنى ذهب الشاطبي في موافقاته فقال: العوائد أيضًا ضربان بالنسبة إلى وقوعها في الوجود، أحدهما: العوائد العامة التي لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال كالأكل والشرب والرفح والحزم واليقظة والميل إلى الملائم والنفور عن المنافر، والثاني العوائد التي تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والأحوال كهيآت اللباس والمسكن واللين في الشدة والشدة فيه والبطء والسرعة في الأمور والأناة والاستعجال وما كان نحو ذلك فأما الأول: فيقضي به على أهل الأعصار الخالية والقرون الماضية للقطع بأن مجاري سنة الله في خلقه على هذا السبيل لا تختلف عمومًا كما تقدم فيكون ما جرى منها في الزمان الحاضر عمومًا به على الزمان الماضي والمستقبل مطلقًا كانت العادة وجودية أو شرعية وأما الثاني: فلا يصح أن يقضي به على ما تقدم ألبتة حتى يقوم دليل على الموافقة من خارج، فإذ ذاك يكون قضاء ما مضى بذلك الدليل لا بمجرى العادة وكذلك في المستقبل ويستوي في ذلك أيضًا الوجودية والشرعية، وإنما قلنا ذلك لأن الضرب الأول راجع إلى عادة كلية أبدية وضعت عليها الدنيا وإنما قامت مصالحها في الخلق حسبما بين ذلك الاستقراء وعلى وفاق ذلك جاءت الشريعة أيضا فذلك الحكم الكلي باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي العادة التي تقدم الدليل على أنها معلومة، وأما الضرب الثاني فراجع إلى عادة جزئية داخلة تحت العادة الكلية وهي التي يتعلق بها الظن لا العلم (٢) . وذهب جماعة من العلماء إلى أنهما قسم واحد كالغزالي والجرجاني من المتقدمين وعبد الوهاب ومحمد المختار القاضي وعلي حيدر والشيخ محمد الخضر حسين من الإيثنونيين المتأخرين إذ يقول عبد الوهاب خلاف: العرف ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك ويسمى العادة (٣) ويقول الدكتور القاضي: العرف والعادة مترادفان (٤) . ويقول علي حيدر شارح مجلة الأحكام: العرف بمعنى العادة (٥) ونحن نميل إلى التفرقة بين العادة والعرف من حيث أن العادة تطلق على ما اعتاده الفرد أو بعض العباد في شؤون خاصة فإذا ما اعتاد فرد أن يستيقظ في وقت معين وأن يتناول فطور الصباح ويشرب القهوة أو يتناول فطور منتصف النهار أو يخرج للنادي، مرة فمرة فإن ذلك يصبح له عادة والجماعة التي تحتفل بعيد معين أو تقيم احتفالًا بمناسبة جز الغنم فإنها تعتبر عادة نعم، قد تتحول هذه العادة إلى عرف بالتكرار في بلد من البلدان فتصبح عرفا خاصا وقد يعم البلاد أو مجموعة أقطار فيصبح عرفا عاما ولكن لا تتحول العادة إذا بقيت عند فرد إلى عرف عام ما لم تنتقل إلى الجماعة والعادة ليس لها قوة الإلزام لأنه لا يتوفر لها التقدير المعنوي بخلاف العرف (٦) .

стр. 7480

آراء الفقهاء وحكمهم في العرف: أجمع الفقهاء على الأخذ بالعرف الذي أشار إليه النص أو بنى عليه كالذي ورد في حديث الرسول ﷺ حين سألته امرأة أبي سفيان عن تقتير أبي سفيان فقال لها: ((خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف)) ، قال الحافظ ابن حجر: أن الشافعية إنما منعوا العمل بالعرف إذا عارضه نص شرعي أو لم يرشد إليه نص شرعي فكأنهم اشترطوا في الأخذ به أن يرشد إليه نص شرعى أو لا يعارضه، أما الفقه المالكي والحنفي فيأخذ بالعرف بل يعتبر أصلًا من الأصول الفقهية، كما قدمنا وذلك فيما لا نص قطعي فيه وكذلك الحنابلة تأخذ به إذا لم يتعارض مع نص من نصوص الشريعة فالأئمة الأربعة قائلة بهذا النوع من العرف (١) أما الشيعة فترى الأخذ بالعرف لكنهم لا يعتبرونه أصلًا بذاته في مقابل الأًول يقول السيد محمد تقي الدين الحكيم: أما ما يتصل بالمجال الأول (يعني ما يستكشف منه حكم شرعي فيما لا نص فيه كالاستصناع وعقد الفضولي) ، فواضح رجوعه إلى السنة بإقرار لأن المدار في حجتيه هو إقرار الشارع له لبداهة أن العرف لا يكسبها قطها يجعل الحكم على وفقه فلا بد من رجوعه إلى حجة قطعية وليست هي إلا إقرار الشارع أو إمضاءه له والإمضاء إنما قال على أحكام عرفية خاصة لا على أصل العرف، فالشارع أمضى الاستصناع أو عقد الفضولي مثلا وهما حكمان عرفيان، ولم يمضِ جميع ما لدى العرف من أحكام، بل لم يمضِ أصل العرف كما يتوهم ليكون أصلًا في مقابل السنة لعدم الدليل على هذه التوسعة (٢) . النوع الثاني: يرى المالكية والحنفية الأخذ بالعرف الذي لم يثبت نهي عنه ولا إرشاد إليه ولا إيماء بالعمل به بنص ويعتبرون العرف أصلا مستقلًا يخصص العام ويقيد المطلق ويقدم على القياس (٣) النوع الثالث: رد العرف الفاسد وهو ما نص الشارع على إبطاله وتحرميه (٤) وقد نقل الشيخ محمد الخضر حسين أن الشيخ الصالح سيدي إبراهيم الرياحي ذكر في بعض فتاويه أن العرف المعتبر هو ما يخصص العام ويقيد المطلق وأما عرف يبطل الواجب ويبيح الحرام فلا يقول به أحد من أهل الإسلام (٥) ولقد اهتم المالكية والأحناف اهتمامًا كبيرًا بالعرف إذ هو يتفق كثيرًا مع المصلحة، والمصلحة أصل من الأصول عند المالكية؛ ولأن العرف يأتلف مع النفوس، فإذا كانت الأحكام على مقتضاه تلقاه الناس بالقبول وكانت مخالفته تؤدي إلى الحرج والمشقة والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٦) . والتشريع يوافق الفطرة ولا يخالفها فإذا كان العرف صحيحًا كان متفقًا مع الفطرة والله تعالى يقول: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٧) .

стр. 7481

والفطرة هي النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق والتي تخص نوع الإنسان هي ما خلقه الله عليه جسدًا وعقلًا فمشي الإنسان برجليه فطرة جسدية ومحاولته أن يتناول الأشياء برجليه خلاف الفطرة الجسدية واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية ومحاولة استنتاج أمر من غير سببه خلاف الفطرة الفعلية وهو المسمى علم الاستدلال بفساد الوضع وجزمنا بأن ما نبصره من الأشياء هو حقائق ثابته في الوجود ونفس الأمر فطرة عقلية وإنكار السوفسطائية ثبوت المحسوسات في نفس الأمر خلاف الفطرة العقلية (١) . وقد بين أبو علي ابن سينا حقيقة الفطرة في كتاب النجاة فقال: ومعنى الفطرة أن يتوهم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل لكنه لم يسمع رأيًّا ولم يعتقد مذهبًا ولم يعاشر أمة ولم يعرف سياسية، ولكنه شاهد المحسوسات وأخذ منها الحالات ثم يعرض على مذهبه شيئًا ويتشكك فيه فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به وإن لم يمكنه الشك فهو ما توجبه الفطرة ووصف الإسلام بأنه فطرة الله معناه أن أصل الاعتقاد فيه جارٍ على مقتضى الفطرة الفعلية وأما تشريعاته وتفاريعه فهي إما أمور فطرية أيضًا أي جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به وإما أن يكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته وقوانين المعاملات فيه راجعة إلى ما تشهد به الفطرة لأن طلب المصالح من الفطرة والوجدان في الإنسان القلبي لا يدخل تحت الفطرة منه إلا الحقائق والاعتبارات ولا يدخل فيه الأوهام والتخيلات لأنها ليست مما فطر العقل عليها. ولكن مما عرض للفطرة عروضًا كثيرًا حتى لازمت أصحاب الفطرة في غالب الأحوال فاشتبهت الفطريات وإنما كان عروضها للفطرة بسوء استعمال العقل وبسوء فهم الأسباب، ولذلك تجد العقلاء متفقين في الحقائق والاعتبارات ولا نجدهم متفقين في الوهميات والتخيلات، بل تجد سلطان هذين الأخيرين أشد مقدار شدة ضعف العقول، وتجد أهل العقول الراجحة في سلامة منهما، ويتفرع من هذا أن الشريعة الإسلامية داعية أهلها إلى تقويم الفطرة والحفاظ على أعمالها وإحياء ما اندرس منها أو اختلط بها، فالزواج والإرضاع من الفطرة وشواهده ظاهرة في الخلقة والتعاوض وآداب المعاشرة من الفطرة لأنهما اقتضاهما التعاون على البقاء وحفظ الأنفس والأنساب من الفطرة والحضارة الحقة من الفطرة لأنها من آثار حركة العقل الذي هو من الفطرة وأنواع المعارف الصالحة من الفطرة لأنها نشأت من تلاقح العقول وتفاوضها والمخترعات من الفطرة لأنها متولدة عن التفكير وفي الفطرة حسب ظهور ما تولد من الخلقة، وإذا أجلنا النظر والمقصد العام من التشريع نجده لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة والحذر من خرقها واختلالها ولعل ما أفضى إلى فرق عظيم فيما يعد في الشرع محذورًا وممنوعًا وما أفضى إلى حفظ كيانها يعد واجبا وما كان دون ذلك من الأمرين فهو منهي أو مطلوب في الجملة (٢) وما لا يمسها مباح ثم إذا تعارضت مقتضيات الفكرة ولم يمكن الجمع بينها في العمل يصار إلى ترجيح أولاها وإيفائها على استقامة الفطرة، فلذلك كان قتل النفس أعظم الذنوب بعد الشرك وكان الترهيب منهيًّا عنه وكان خصاء البشر من أعظم الجنايات ولم يجز الانتفاع بالإنسان انتفاعًا يفيت عينه أو يعطلها كالتمثيل بالعبد بخلاف الانتفاع بالحيوان وكان إتلاف الحيوان بغير أكله ممنوعًا، ومن هنا نعلم أن القضاء بالعوائد يرجع إلى معنى الفطرة لأن شرط العادة التي يقضي بها أن لا تنافي الأحكام الشرعية فهي تدخل تحت حكم الإباحة وقد علمنا أنها من الفطرة إما لأنها لا تنافيها وحينئذٍ فالحصول عليها مرغوب لفطرة الناس وإما لأن الفطرة تناسبها وهو ظاهر (٣) .

стр. 7482

العمل والأسباب الداعية للأخذ به: من المعلوم أن المدينة المنورة قد احتضنت نبي الرحمة وهادي الأمة محمد ﷺ ، فيها ظهرت الشريعة المحمدية وتكونت الدولة الإسلامية، وبها اجتمع الأنصار والمهاجرون الذين تلقوا هذه الشريعة وثبتوها ونقولها إلى التابعين وهم بدورهم نقولها إلى تابعي التابعين الذين كان من بينهم إمام دار الهجرة مالك بن أنس إمام الفقه والحديث والذي اشتهر بوقوفه موقفًا وسطًا بين النقل والرأي، فكان لا يهمل الرأي ولكنه يأخذ به فيما لم يرد فيه نص ثابت من حديث أو أثر وكان يتتبع آثار الرسول وآثار صحابته والتابعين وقد اعتبر عمل أهل المدينة وجعله أصلًا في بناء الفروع عليه وذلك للأسباب الآتية: ١- قرب أهل المدينة من واقع الوحي ومحافظتهم على ما سمعوه وما علموه وشاهدوه. ٢- اعتقاده أن ما كان عليه أهل المدينة قد أقرهم رسول الله ﷺ عليه. ٣- أن الرسول لبث ثلاث عشرة سنة في المدينة يوحى إليه ويبني قواعد الأمة ويدير شؤونها دينًا ودنيا، عبادة ومعاملة فاعتبر مالك دينه كما اعتبر عمله. ٤- متابعة الصحابة لما جاء هم به رسول الله ﷺ في سكوته وعمله. ٥- اعتباره المدينة مركزًا لاجتماع كبار الصحابة وما اجتمع لهم من علم وعمل وسلوك بنبيهم ﷺ . ٦- الطريقة التي سلكها أبو بكر زمن خلافته من جمعه للصحابة فيما يعرض من المسائل وأخذه بفتاويهم واعتماده عليهم في العلم والعمل. ٧- سلوك عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان نفس مسلك أبي بكر واقتداؤهما بالخليفة الأول. ٨- انتهاج التابعين نفس المنهج والسير على منوال الصحابة ناظرين إلى الدين بمنظار سبقهم.

стр. 7483

فالنص محفوظ في صدورهم والعمل شائع بين ظهرانيهم يشترك في ذلك صغيرهم وكبيرهم ويتناقله الأبناء عن الآباء كل هذه الأمور جعلت مالكًا يلاحظها ويعتد بها ويتخذها مطية للتشريع إذا لم يجد نصًّا يسير عليه أو وحده ولكنه لم يطمئن إليه حيث يرى أن تقديم الجم الغفير أولى أن يتبع وأن يقدم على خبر الآحاد إذ لا تصل روايته في القوة إلى ما أطبق عليه المجتمع المدنى بأسره فكان إذا اختلفت الآراء أو اختلفت الآثار وتعارضت النصوص اعتمد على ما كان عليه أهل المدينة. وقد استدل مالك على تقديمه عمل أهل المدينة بآثار رسول الله ﷺ وبما سار عليه الصحابة والتابعون من بعده كما فصل ذلك القاضي عياض (١) وكما استدل أصحابه على عمل أهل المدينة بأدلة من السنة والأثر والعقل فمن السنة شهادة الرسول ﷺ للمدينة وأهلها وما ورد فيها من الفضائل ودعاؤه لها ومن ذلك ما رواه ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((لا يصبر أحد على لأواء المدينة وشهدتها إلا كنت له شفيعًا - أو شهيدًا - يوم القيامة)) (٢) وما رواه جابر بن عبد الله وأبو هريرة: ((إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها)) وروى بروايات مختلفة اللفظ متفقة المعنى وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال)) . وقد نقل القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك مجموعة من الأحاديث تثبت فضل المدينة وأهلها عن مجموعة من الصحابة كزيد بن ثابت وسفيان بن زهير وأبي هريرة ومحمد بن مسلمة وأبي سعيد المقبري وعائشة أم المؤمنين عن النبي ﷺ : ((لينحازن الإسلام إلى المدينة كما يجوز السيل الدمن)) وعن أبي هريرة عنه ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يأزر الإيمان إلى المدينة كما تأزر الحية إلى حجرها)) ، وقد فسر قاضي المدينة أبو مصعب الزهري هذا الحديث فقال: والله ما يأزر إلا إلى أهلها الذين يقومون به ويشرعون شرائعه ويعرفون تأويله ويقومون بأحكامه وما ذلك من رسول الله ﷺ للأرض والدور وما ذلك إلا مدحًا لأهلها وتنبيهًا إلى أن ذلك باقٍ فيهم زائل عن غيرهم حين يرفع العلم فيتخذ الناس رؤساء جهالا فيسألون فيقولون بغير علم فيضلون ويضلون وفسر الإمام مالك قوله ﷺ بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ بعودته إلى المدينة كما بدأ منها وقد أطال القاضي عياض في كتابه المدارك بما لا مزيد عليه.

стр. 7484

أما دليل المالكية من الأثر فقد روى مالك عن أنس أن المدينة محفوفة بالشهداء وعلى أنقابها ملائكة يحرسونها لا يدخلها الدجال ولا الطاعون وهي دار الهجرة والسنة وبها خيار الناس بعد رسول الله ﷺ ، إن الله اختارها له وجعل بها قبره، وبها روضة من رياض الجنة، قال القاضي عياض: وهذا الكلام لا يقوله مالك من نفسه إذ لا يدرك بالقياس، وقد سأل جعفر بن محمد مالكًا عن اختياره السكنى بالمدينة وتركه الريف والخصب فقال: وكيف لا أختاره وما بالمدينة طريق إلا سلك عليه رسول الله ﷺ وجبريل ﵇ ينزل عليه من رب العالمين في أقل من ساعة وسأل أبو مصعب الزهري مالكًا عن لين قلوب أهل المدينة وقساوة قلوب أهل مكة، فقال لأن أهل مكة أخرجوا نبيهم وأهل المدينة آووه، وعن زيد بن ثابت إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة وكان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه ويكتب إلى أهل المدينة يسألهم عما مضى لعله يعلم بما عندهم، وعن أبي بكر بن عمر وابن حزم: إذا وجدت أهل هذا البلد (يعني المدينة) أجمعوا على شيء فلا تشُكَنَّ أنه الحق وعن الشافعي إذا وجدت معتمدًا من أهل المدينة على شيء فليس فيها حيلة من صحتها، ومنها ما في رسالة مالك إلى الليث بن سعد فمما جاء فيها: إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام إذ رسول الله ﷺ بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل ويأمرهم فيطيعونه ويبين لهم فيتبعونه حتى توفاه الله واختار له ما عنده صلوات الله عليه ورحمته وبركاته، ثم قام من بعده من اتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده فما نزل بهم مما علموا أنفذوه وما لم يكن عندهم علم فيه سألوا عنه ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون ذلك السبيل ويتبعون تلك السنن فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرًا معمولًا به لم أرَ لأحد خلافه الذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها (١) أما دليل المالكية من العقل فقد استدلوا، بأن العادة قاضية بعد اجتماع مثل هذه الكثرة من الموجودين في مهبط الوحي الواقفين على وجوه الأدلة والترجيح إلا عن راجح، وأن المدينة دار الهجرة وموضع قبره ومهبط وحيه ومستقر الإسلام ومجتمع الصحابة فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول أهلها، وأن أهل المدينة شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل وكانوا أعرف بأحوال النبي من غيرهم فيبعد أن يخرج الحق عنهم، وأن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم فكان عملهم حجة على غيرهم، وقد رأى كثير من أهل العلم أن ما ورد من الأحاديث والآثار الواردة في فضل أهل المدينة لا تقوم دليلًا ولا تنهض حجة على قيام العمل والاستدلال به في الأحكام كما أنها لا تصح سندًا ودليلًا يرجع إليه واعتبروا عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار سواء سواء، وقد ردُّوا على كل دليل من الأدلة المتقدمة بخصوصه، وكل هذا مذكور في كتب الأصول التي ذكرت الأدلة وردودها.

стр. 7485

أما بالنسبة للأدلة المأثورة فقد ردوها بأن اشتمال المدينة على صفات موجب للفضل لا يدل على انتفاء الفضيلة من غيرها ولا على صحة الاحتجاج بإجماع أهلها، لأن المعتبر في التشريع إنما هو العلم بالأحكام المستفادة من الاجتهاد وليس لفضل البقعة وطهارتها مدخل في ذلك، ونحن إذا نظرنا إلى الردود التي ذكروها نجدها تنصب على الإجماع وليس عمل أهل المدينة إجماعًا واعتماد مالك ﵀ العمل نفسه لا الإجماع الذي هو المصدر الثالث في مصادر التشريع إذ هو بعد الكتاب والسنة، فقد روى عنه ابن أخته إسماعيل بن أويس، قال: ما رأيت الأمر عندنا فهو ما عمل به الناس عندنا وجرت به الأحكام وعرفه الجاهل والعالم وكذلك ما قلت فيه ببلدنا وما قال فيه بعض أهل العلم فهو شيء استحسنته ونظرت على مذهب من لاقيته حتى وقع ذلك موقع الحق أو قريبا منه حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم وإن لم أسمع ذلك بعينه، فنسبت الرأي إلى بعد الاجتهاد مع السنة، وما مضى عليه أهل العلم المقتدى بهم والأمر المعمول به عندنا من لدن رسول الله ﷺ والأئمة الراشدين مع من لاقيته، فبذلك رأيهم ما خرجت إلى غيره (١) ويظهر ما نقلنا أن مالكًا لم يقصد من عمل أهل المدينة الإجماع، وعمل أهل المدينة يؤيده اتباع السلف لأفعال رسول الله ﷺ وسلوكه فبالمدينة كانت آخر حياته وآخر أعماله ودعوى أن أصحاب رسول الله انتشروا في الأقطار وأن المدينة لم تجمع جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها فهذا مردود بما صرح به الإمام إذ قال مستفسرًا نصر رسول الله ﷺ عن غزوة كذا في نحو كذا وكذا ألفا من الصحابة مات بالمدينة منهم نحو عشرة آلاف وباقيهم تفرقوا في البلدان فأيهم أحرى أن يتبع ويؤخذ بقوله؟ من مات عندهم النبي ﷺ وأصحابه الذي ذكرت أو من مات عندهم واحد أو اثنان من أصحاب النبي ﷺ (٢) . على أن عمل أهل المدينة قد قال به من سبق مالكًا فهذا عمر بن الخطاب يقول أحرج بالله على رجل روى حديثًا العمل على خلافه. وعن مالك: قد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدثون بالأحاديث وتبلغهم من غيرهم فيقولون: ما نجهل هذا ولكن مضى العمل على غيره. وكان أبو بكر بن حزم إذا قضى قضاء قد جاء فيها الحديث مخالفًا للقضاء يعانيه أخوه عبد الله ويقول: ألم يأتِ في هذا الحديث كذا فيقول بلى فيقول له أخوه فمالك لا تقضي به فيقول: فأين الناس منه؟ يعني بذلك ما أجمع عليه من العمل بالمدينة يريد أن العمل به أقوى من الحديث.

стр. 7486

ولقد قسم المالكية عمل أهل المدينة إلى قسمين ما كان طريقه النقل والحكاية وهو ما نقله الكافة عن الكافة عمل به عملًا لا يخفي متواترًا من زمان رسول الله ﷺ ومتصلا به وهو إما نقل شرع من جهة النبي ﷺ من قول أو فعل كالصاع والمد وكونه ﷺ كان يأخذ منهم مال الزكاة وكالأذان والإقامة والأوقاف والأحباس ونحوها فهذا النقل لهذه الأشياء مما علم ضرورة من أحواله وسيرته أو كان من إقراره لأصحابه لما يشاهده منهم ولم يثبت إنكاره، أو كتركه أخذ الزكاة من الخضراوات مع اطلاعه عليها ووجودها عندهم بكثرة، فهذا النوع حجة يلزم المصير إليه ويترك ما خالفه من خبر الواحد والقياس لأن هذا النقل محقق موجب للعلم القطعي فلا يترك بالنصوص الظنية وهذا ما رجع إليه أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة بعد مناظرته لمالك وربما هذا الذي قال فيه ابن العربي مهما اختلف الناس في إجماع أهل المدينة من طريق النظر فليس يقدر أحد على اعتراض ما يجتمعون على نقله من طريق الأثر (١) وهذا النوع هو الذي قال فيه القاضي عياض إن هذا النوع لم يخالفه من أهل المدينة إلا من لم يبلغه النقل (٢) وحكى عنه القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي أن ليس فيه خلاف بين المالكية والذي وافق عليه كثير من أصحاب الشافعي وقد رد القاضي عياض على المخالفين لهذا النوع بأنه من قبيل الفساد وأنه لا يمكن مقارنته بعمل غيرهم إذ هذا النقل من العمل لا يوجد إلا عند أهل المدينة (٣) . القسم الثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال وهذا النوع قد اختلف فيه أهل المذهب فجمهورهم ذهب إلى أنه ليس بحجة ولا يرجح على غيره، بل فيهم من بنى أن مالكًا قال به ولا هو من مذهبه، وذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة ولكن فيه قوة الترجيح يرجح على اجتهاد غيرهم، وذهب آخرون إلى أن هذا النوع هو حجة أيضًا وحكوه عن مالك وأخذ به كثير من المغاربة والمشارقة ورأوه مقدمًا على خبر الواحد والقياس، والأول أرجح عند محققي المالكية، أما القاضي عياض فقد قسم عمل أهل المدينة مع خبر الآحاد فقال: إن كان مطابقا لها فهذا آكد في صحتها إن كان من طريق النقل أو ترجحها إن كان من طريق الاجتهاد. ولا خلاف في هذا فأما إذا كان مطابقًا لخبر ومعارضا لخبر آخر كان عمل أهل المدينة مرجحًا لخبرهم وهو أقوى ما يترجح به الأخبار إذا تعارضت وهذا هو مذهب أبي إسحاق الإسفرائيني ومن تابعة من المحققين من الأصوليين والفقهاء من المالكية وغيرهم صرح بذلك الغزالي (٤)

стр. 7487

وإن كان مخالفا للأخبار جملة فإن كان إجماعهم عن طريق النقل ترك له الخبر بغير خلاف عند المالكية وعند المحققين من غيرهم، قال عياض: وما كان يتصور فيه خلاف، وعلى تقدير وجوده لا يلتفت إليه إذ لا يترك القطع واليقين لغلبة الظنون – أما إن كان إجماعهم عن اجتهاد قدم الخبر عليه عند الجمهور، وفيه خلاف بين المالكية – أما إذا لم يكن هناك عمل يخالفه النص أو يوافقه فحينئذٍ يجب الرجوع إلى خبر الواحد وقبوله سواء أكان هذا الخبر قد نقله المالكية أو غيرهم إذا صح ولم يعارض، فإن عورض بخبر آخر نقله غير أهل المدينة كان ما نقله أهل المدينة مرجحًا عند كثير من المحققين للمزية مشاهدتهم قرائن الأحوال وتصدرهم لنقل آثار رسول الله ﷺ لا سيما وهم الكثرة والجم الغفير عن الجم الغفير. هذا تفصيل ما جاء القاضي عياض ونفى أن يكون مالك قال غيره ورد على ما وزعمه الغزالي من أن مالكًا قال: لا يعتبر إلا إجماع أهل المدينة دون غيرهم، كما رد على من زعم أن مالك يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة وهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وأبو بكر ابن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد بن ثابت وسليمان بن يسار، كما رد على من ذهب إلى أن المالكية لا يقبلون من الأخبار إلا ما صاحبه عمل أهل المدينة ووصف ذلك بالجهل والكذب وأنهم لم يفرقوا بين رد الخبر الذي في مقابل عملهم وبين ما لا يقبل منه إلا ما وافقه عملهم والذي ادعى ذلك هو ابن حزم، حيث قال: ذهب أصحاب مالك إلى أنه لا يجوز العمل بالخبر حتى يصحبه العمل وموضوع عمل أهل المدينة قد استعرضه الدكتور أحمد محمد نور سيف في كتابه عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليين فبين أنواع العمل ومراتب هذه الأنواع ومصادر هذا العمل وحجية كل مصدر منها ونقل مراتب العمل عند أبي الفضل عياض وعند ابن تيمية وحجية كل مرتبة وعند ابن القيم وحجية كل مرتبة وأجرى مقارنة بين مناهج هؤلاء في مصدر العمل ومراتبه وحجيته ثم لخص مراتب العمل إلى أولًا: العمل النقلي وهو الشرع المبتدأ من جهة النبي ﷺ حجة عند مالك وعند الجمهور ويستقل بمعارضة السنن، ثانيًا: العمل الاستدلالي وهو قسمان، العمل القديم بالمدينة وهو نوعان، عمل من جهة الاستدلال لم يعتضد بشيء ولكنه لا يعارض السنة وهو حجة عند مالك وعند الجمهور كما حكى ذلك ابن تيميمة عن الشافعي وأحمد ورد فإن الترجيح لا يكون إلا في المرويات لا في الاجتهاد بلا ترجيح، الثانى: عمل من جهة الاستدلال لكنه اعتضد بسنن سواء عارض سننًا أخرى أم لم يعارض وهذا حجة عند مالك وعند الجمهور كما حكى ذلك ابن تيمية.

стр. 7488

القسم الثانى: العمل المتأخر بالمدينة وهنا يتجه الخلاف أولا إلى التسليم به كمصدر من مصادر العمل ولم يذكره عياض في مصادر العمل، بل ظهر كلامه بنفيه أما ابن تيمية وابن القيم فيريان أن هناك عملا متأخرا وأنه ليس بحجة، وخلاصة القول أن عمل أهل المدينة طوال القرن الأول إلى عهد مالك بن أنس كان العمل مستمرًا في التابعين الآخذين عن الصحابة، فإن أبا الدرداء يجعل قوة العمل في الثلث الأول من القرن الأول، ثم ينهج نفس المنهج عمر بن عبد العزيز في آخر القرن في إبان ازدهار حلقة مالك وهذا معنى القضاء المستمر والعمل المطبق بقوة الدولة في القرن الأول والثاني ثم نجد مالكًا يتابع النظر نفسه طوال القرن الثاني، ثم إنه ليبتدع هذا المنهج ابتداعًا، بل سلك في ذلك مسلكًا قد سبقه إليه غيره من الصحابة والتابعين وأهل العلم وإنما اشتهر به مالك، لأنه ابتلي بكثرة الإفتاء وقد وجد في بعض ما أفتى به ما يخالف الخبر الذي رواه هو فنسب ذلك إليه وإن كان متبعًا ولم يكن مبتدعًا، ولقد أيد الأخذ بالعمل جمهرة من العلماء قديما وحديثًا، ورأوا أن مالكًا فتح بهذا المصدر بابًا جديدًا من أبواب الاستدلال واستنباط الأحكام فقد ذكر ابن تيمية أن سائر الأمصار كانوا مناقدين لعلم أهل المدينة لا يعدون أنفسهم أكفاءهم في العلم كأهل الشام ومصر وأن تعظيمهم لعمل أهل المدينة واتباعهم لمذاهبهم القديمة ظاهر بين ولهذا ظهر مذهب أهل المدينة في هذه الأمصار، فإن أهل مصر صاروا نصرة لقول أهل المدينة يوضح ذلك أن العلم إما رواية وإما رأي وأن أهل المدينة أصح أهل المدن رواية ورأيًا وأما حديثهم فأصح الأحاديث وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة إذ كانوا يتوفرون على أسانيد متصلة وضبط الألفاظ، وأما الفقه والرأي فقد علم أن أهل المدينة لم يكن فيهم من ابتدع بدعة في أصول الدين مثل ما كان عليه الشأن في غيرها من الأمصار لقد كان المنصور والمهدي والرشيد من خلفاء دولة العباسيين يرجحون علماء الحجاز على علماء أهل العراق، كذلك بنو أمية يرجحون علماء أهل الحجاز على أهل الشام وما ذلك إلا لأن مالكًا كما يقول ابن تيمية: أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيا فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه وكان له من المكانة عند أهل الإسلام ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام، ولذلك قال الشافعي: ما تحت أديم السماء كتاب أكثر صوابًا بعد كتاب الله من موطأ مالك وقال أحمد بن حنبل: إن عمل أهل المدينة الذي يجري مجرى النقل حجة باتفاق المسلمين كما قال مالك لأبي يوسف لما سأله عن الصاع والمد وأمر أهل المدينة بإحضار صيعانهم وذكروا له أن إسنادهم على أسلافهم أترى هؤلاء يا أبا يوسف يكذبون؟ قال: والله لا يكذبون، قال مالك فإني حررت هذه الصيعان فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل العراق فقال أبو يوسف رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت وهذه هي المرتبة الأولى، والمرتبة الثانية العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان، فهذا حجة عند مالك.

стр. 7489

والمنصوص عن الشافعي، وعند أحمد ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها والمرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين وجعل أيهما أرجح وأحدهما يعمل به أهل المدينة ففيه نزاع مذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعملها ولأصحاب أحمد وجهان، فالقاضي أبو يعلى وابن عقيل لا يرجح، والثاني قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به وهذا هو المنصوص عليه من كلامه ومن كلامه إذا رأى أهل المدينة حديثًا وعملوا به فهو الغاية وكان يفتى على مذهب أهل المدينة ويقدمه على مذهب أهل العراق تقريرًا كثيرًا، وكان يدل المستفتي على مذهب أهل الحديث ومذهب أهل المدينة، قال ابن تيمية: فهذه مذاهب جمهور الآئمة توافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة. أما المرتبة الرابعة: وهو العمل المتأخر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعها أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي أحمد وأبي حنيفة وغيرهم وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك الفاضل عبد الوهاب في كتابه أصول الفقه وغيره، قال ابن تيمية: ولم أرَ في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، وهو في الموطأ إنما يذكر الأصل المجتمع عليه عندهم فهو يحكي مذهبهم وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يثير إلى الإجماع القديم وتارة لا يذكر، قال ابن تيمية: وإذا تبين أن إجماع أهل المدينة تتفاوت فيه مذاهب جمهور الأئمة علم بذلك أن قولهم أصح أقوال أهل الأمصار رواية ورأيا وأنه تارة يكون حجة قاطعة، وتارة يكون حجة قوية، وتارة مرجحًا للدليل، إذ ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين، وقد أطنب ابن تيمية في بيان ذلك أي أطنان (١) ولما نقلنا نرى البخاري يستفتح الباب بحديث مالك وهو أظهر عند الخاصة والعامة من رجحان مذهب أهل المدينة على سائر الأمصار، أما ابن القيم فيذهب إلى أن عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار وإن من كانت السنة معهم فهم أهل العمل المتبع، وإن الحجة في اتباع السنة وإنه لا تترك سنة لعمل على خلافها وإن السنة هي المعيار على العمل ولا عكس وإن العصمة لا تثبت لمصر من الأمصار وأن لا تأثير للجهات والجدران والمساكن وإنما التأثير لأهلها وسكانها وإن الصحابة شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وظفروا من العلم بما لا يظفر به غيرهم ممن بعدهم فهم المقدمون على من سواهم كما أنهم مقدمون في الفضل والدين وعملهم هو العمل الذي لا يخالف، وقد انتقل أكثرهم عن المدينة وتفرقوا في الأمصار، بل أكثر علمائهم صار إلى الكوفة والبصرة والشام مثل علي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وعبادة وأبي الدرداء وعمرو بن العاص ومعاوية ويقول: فكيف يكون قول هؤلاء معتبرًا ما داموا في المدينة، فإذا لم يخرجوا وخالفوا غيرهم لم يكن عمل من خالفوه معتبرًا وإذا خرجوا وفارقوا جدران المدينة كان عمل من بقي فيها هو المعتبر، ثم يقسم عمل أهل المدينة إلى أقسام ثلاث: (١) - أن لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم (٢) - خالف فيه أهل المدينة وغيرهم وإن لم يعلم اختلافهم فيه، (٣) - قسم فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم، ثم جعل الأول حجة يجب اتباعه والثاني والثالث لا دليل عليه (٢) ثمَّ بعد ذلك يقع فيما وقع فيه الغزالي إذ هو لا يلتزم هذا التقسيم في الطرق الحكيمة ويرى أن ما عليه أهل المدينة هو أصح وأصوب وأن قولهم هو الحق الذي يدين الله به ولا يعتقد سواه (٣) وأنه من أشد المذاهب وأصحها. (٤) ولقد تعرضت كتب الأصول إلى مسألة عمل أهل المدينة وحجيته ومذاهب العلماء في ذلك، فالشافعي في كتابه الأم انتقده شديد الانتقاد ورأى أن الإجماع المعتبر إنما هو إجماع الأمة لا إجماع أهل بلد هو المدينة أو غيرها ومجمل رأيه ينصب على كون المالكية رووا الحديث ولم يعملوا به ويرى أن ذلك من باب التناقض وإلا فكيف يروون الحديث ولا يعملون به، وقد صح عندهم فيقول: قد خالفتم في القراءة في الصلاة كل ما رويتم عن النبي ﷺ ثم أبي بكر، ثم عمر، ثم ابن عمر، ثم عثمان ولم ترووا شيئًا يخالف ما خالفتم عن أحد من الناس علمته فأين العمل؟! خالفتم من جهتين: جهة التثقيل وجهة التخفيف، وقد خالفتم بعد النبي ﷺ جميع ما رويتم عن الأئمة بالمدينة بلا رواية رويتموها عن أحد منهم، هذا مما يبين ضعف مذهبكم إذ رويتم هذا ثم خالفتموه، ولم يكن عندكم فيه حجة، فقد خالفتم الأئمة والعمل وإنه لا خلاف أشد خلافًا لأهل المدينة منكم، ثم خلافكم ما رويتم عن رسول الله ﷺ الذي فرض طاعته وما رويتم من الأئمة الذين لا يجدون مثلهم فلو قال لكم قائل: أنتم أشد معاندة لأهل المدينة، وجد السبيل إلى أن يقول ذلك لكم على لسانكم لا تقدرون على دفعه عنكم ثم الحجة عليكم في خلافكم أعظم منها على غيركم لأنكم ادعيتم القيام بعملكم واتباعكم دون غيركم، ثم خالفتموهم بأكثر مما خالفه به من لم يدع من اتباعهم ما ادعيتم فلئن كان هذا خفي عليكم في أنفسكم إن فيكم لغفلة ما يجوز لكم معها أن تفتوا خلقًا والله المستعان وأراكم قد تكلفتم الفتيا وتطاولتم على غيركم ممن هو أقصد وأحسن مذهبًا منكم (٥)

стр. 7490

وخلاصة القول أن الشافعي يرد عمل أهل المدينة لأمرين اثنين أولهما أن الأمر المجتمع عليه عنده ليس هو إجماع أهل المدينة، بل هو إجماع علماء الأمة في كل قطر وكل بلد، ثانيهما أن المسائل التي ادعى فيها الإجماع كان من أهل المدينة من هو مخالف فيها فضلًا عن مخالفة عامة البلدان الأخرى ولم يفرق الشافعي ﵀ بين ما أجمع عليه أهل المدينة فيما كان منشؤه النقل والحكاية وما كان منشؤه الاجتهاد والرأي، ولذلك قال بعدم حجيته مطلقًا وهو بذلك خالف شيخه مالكا وشدد التكبير على أصحابه، ثم هو بعد هذا الموقف يقرر أن علماء المدينة إذا اجتمعوا على أمر كان ذلك الأمر موضع اتفاق العلماء في كل البلدان وهو من جهة أخرى ينظر إلى آراء أهل المدينة نظرة تقدير وإكبار وكان يوصي بالأخذ بأقوالهم، فقد جاء في مناقبه. روى البيهقي بإسناده عن يونس بن عبد الأعلى، قال: ناظرت الشافعي ﵁ في شيء، فقال: والله ما أقول لك إلا نصحًا إذا وجدت أهل المدينة على شيء فلا يدخل في قلبك شك أنه الحق وكل ما جاءك ولم تجد له بالمدينة أصلًا وإن ضعف فلا تعبأ به ولا تلتفت إليه، فنحن نرى أن الشافعي يرى أن الأخذ برأي أهل المدينة هو الحق وأن كل قول ولو كان قويًّا ولم يكن له أصل بالمدينة لا يعبأ به، بل إنه يرى أنه إذا اجتمع أهل المدينة على أمر فلا بد أن يكون موضع اجتماع العلماء وكل بلد ومن أقواله: إن عمل أهل المدينة أحب إلى من القياس نقله عن القاضي عياض (١) ولما في كلام الشافعي من التضارب بالقول بعمل أهل المدينة أو برفضه، قال ابن العربي: وددنا أن الشافعي لم يتكلم في هذه المسألة، فكل مسألة له فيها أشكال (٢) ولما في كلام الشافعي من التضارب بالقول بعمل أهل المدينة أو برفضه، قال ابن العربي: وددنا أن الشافعي لم يتكلم في هذه المسألة، فكل مسألة له فيها أشكال (٣) ، ومن كبار الحنفية الإمام السرخسي فقد ذكر في أصوله أنه يرفض الأخذ بما جرى به عمل أهل المدينة بعد وفاة الرسول ﷺ وصرح بأن هذا العمل إن كان من أهلها في عهد رسول الله ﷺ فهذا لا ينازع فيه أحد وإن كان المراد أهلها بإطلاق فيكل عصر، فهذا باطل لا يقول به أحد، بل إنه ليس في بقعة من البقاع اليوم في دار الإسلام قوم هم أقل علمًا وأظهر جهلًا وأبعد عن أسباب الخير من الذين هم بالمدينة، فكيف يستجاز القول بأنه لا إجماع في أحكام الدين إلا إجماعهم (٤) . كذلك تعرض الغزالي في المستصفى لمسألة عمل أهل المدينة وانتقده، فقال: مسألة، قال مالك: الحجة في إجماع أهل المدينة فقط، وقال قوم: المعتبر إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين الكوفة والبصرة وما أراد المحصلون بهذا إلا أن هذه البقع قد جمعت في زمن الصحابة أهل الحل والعقد.

стр. 7491

ثم انتقد مذهب مالك، فقال: فإن أراد مالك أن المدينة هي الجامعة لهم فمسلم له ذلك لو جمعت وعند ذلك لا يكون للمكان فيه تأثير وليس ذلك بمسلم، بل لم تجمع المدينة جميع العلماء لا قبل الهجرة ولا بعدها، بل مازالوا متفرقين في الأسفار والغزوات والأمصار فلا وجه لكلام مالك إلا أن يقول عمل أهل المدينة حجة لأنهم الأكثرون، والعبرة بقول الأكثرين ,وقد أفسدناه أو يقول اتفاقهم في قول أو عمل أنهم استندوا إلى سماع قاطع، فإن الوحي الناسخ نزل فيهم فلا تشد عنهم مدارك الشريعة وهذا تحكم إذ لا يستحيل أن يسمع غيرهم حديثا عن رسول الله ﷺ في سفر أو في المدينة لكن يخرج منها قبل نقله، فالحجة في الإجماع ولا إجماع وقد تكلف لمالك تأويلات ومعاذير واستقصيناها في كتاب تهذيب الأصول (١) وربما احتجوا بثناء رسول الله ﷺ على أهلها وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكانهم المدينة ولا يدل على تخصيص الإجماع بهم، ثم إن الغزالى في نفس الكتاب يقول: أن الخير إاذا كان على وفق عمل أهل المدينة فهو أقوى لأن ما رواه مالك حجة وإجماعًا أن لم يصح حجة فيصلح للترجيح لأن المدينة دار الهجرة ومهبط الوحي الناسخ فيبعد أن ينطوي عليهم، ثم إن ما قاله الإمام الغزالي في المستصفى يختلف عما قاله في المنخول، فقد ذكر في المنخول أن الإجماع الذي قصده مالك هو عمل الفقهاء السبعة، قال: صار مالك ﵁ إلى أن الإجماع يحصل بقول الفقهاء السبعة وهم فقهاء المدينة ولا تبالي بخلاف غيرهم وقدم مذهبهم على النص (٢) . وكلام الغزالي ككلام الإمام الشافعي مضطرب فبعد أن أثبت أن لا وجه لكلام الإمام مالك عاد فأثبت أن الخبر إذا كان على وفق عمل أهل المدينة فهو أقوى. أما سيف الدين الآمدي فقد ذكر في الأحكام أن الأكثرين اتفقوا على أن إجماع أهل المدينة وحده لا يكون حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم خلافًا لمالك، فقال: هو حجة، ومن أصحابه من قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيره ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى ولا تمتنع مخالفته، ومنهم من قال: أراد به أصحاب رسول الله ﷺ والمختار مذهب الأكثرين ذلك أن الأدلة على كون الإجماع حجة متناولا لأهل المدينة والخارج من أهلها وبدونه لا يكونون كل الأمة ولا كل المؤمنين فلا يكون إجماعهم حجة (٣) . ولقد كان أشد الناس انتقادًا لعمل أهل المدينة ابن حزم، حيث ذكر أن عمل أهل المدينة قبل مولد الإمام مالك بثلاث وعشرين سنة لم يجز إلا بالظلم والجور والفسق ولا وليهم إلا الفساق من عمال بني مروان، ثم عمال بني العباس، وقد ذكر ابن حزم تعدي العمال بالمدينة وفشو الشكوى في أيام الصحابة رضوان الله عليهم وأن لهذه الأسباب وغيرها يبطل قول من يدعي حجة بعمل أهل المدينة (٤) ، وهو يرى أن اعتبار أهل المدينة حجة على غاية الفساد وإن من احتج به، وقال به اعتمد على أحاديث منها ما هي مكذوبة ومنها ما هو حسن وإن كل ما احتجوا به فيه نظر ولا حجة فيه وجعل مكة أفضل البلاد ولم يكن ذلك موجبا لاتباع أهلها ولا أن إجماعهم إجماع دون غيرهم ولا أنه حجة على غيرهم (٥) .

стр. 7492

ولقد تحامل ابن حزم على من يرى أن أهل المدينة كانوا أعلم بأحكام رسول الله صلى الله عيه وسلم من سواهم واتهمهم بالكذب والباطل. وإن الحق أن أصحاب رسول الله ﷺ هم العالمون بأحكامه لا فرق بين من كان في المدينة أو في غيرها، واعتبر أن ادعاء أن أهل المدينة هم الذين شهدوا آخر حكمه ﵇ وعلموا ما نسخ منها مما لم ينسخ اعتبر ذلك بأنه تمويه فاحش وكذلك ظاهر وأن الكل في ذلك سواء لا فرق بين المقيم بها والخارج منها، ثم يتعجب من التمويه بعمل أهل المدينة، ثم لا يحصلون إلا على رأي مالك وحده ولا يأخذونه بسواه، ثم يدعي أنهم أترك الناس لأقوال أهل المدينة عمل وابن عمر وعائشة وعثمان وسعيد بن المسيب وغيرهم، وأنهم تركوا عمل أهل المدينة في كثير من المسائل، ثم بعد ذلك تخلص إلى أن هذا لا يجوز تقليدًا لخطأ مالك في ذلك ويقول: لا سبيل إلى أن يوجد عمل أهل المدينة إذ لم يدع إجماع أهل المدينة إلا في نيف وأربعين مسألة، وفيها مع ذلك الخلاف، ولقد تتبع الأحاديث التي رواها المالكية ولم يعملوا بها وقدموا العمل عليها مع أنه رواها الإمام مالك في الموطأ فمن ذلك أنهم رووا أن آخر عمله ﷺ كان الإفطار في رمضان في السفر والنهي عن صيامه، فقالوا: الصوم أفضل وكان آخر عمله ﷺ أم بالناس جالسًا وهم أصحاء وراءه إما جلوس عند الظاهرية أو قيام عند غيرهم مع أنهم قالوا ببطلان الصلاة في ذلك، وكذلك ما ورى من أنه ﵇ إذا اغتسل من الجنابة أفاض الماء على جسده، فقالوا بإبطال ذلك حتى يتدلك ورووا أنه كان ﷺ يرفع يديه في الصلاة إذا ركع وإذا وقع فقالوا: ليس عليه العمل كما رووا أنه ﷺ كان إذا أمَّ الناس فأتم أم القرآن، قال: ((آمين)) ، فقالوا: ليس عليه العمل إلى غير ذلك من الروايات التي رووها عن رسول الله ﷺ ولم يعملوا بها وبهذا يبطل على رأيه من اتباع عمل أهل المدينة، ويثبت بذلك أنهم أترك الناس لعمل نبي الله ﷺ ، ثم لآخر عمله ولعمل الأئمة بعده وزاد فعدد على المالكية مخالفتهم لأبي بكر وعمر وعثمان وذكر أنهم رووا في الموطأ عن أبي بكر ﵁ عشر قضايا خالفوه في ثمانية منها (١) ، رووا عن أبي بكر أن رسول الله ﷺ صلى بالبقرة في ركعتين ووراءه الأنصار والمهاجرون من أهل المدينة، فقالوا: ليس عليه العمل فخالفوا بذلك عمل الخليفة الأول، ورووا عن عمر أنه قرأ في صلاة الصبح بسورة الحج وسورة يوسف ووراءه من أهل المدينة المهاجرون والأنصار، فقالوا: ليس عليه العمل.

стр. 7493

كما رووا عنه أنه سجد في الحج سجدتين وقالوا: ليس عليه العمل ورووا عنه أنه لا حركة في سوقنا، فقالوا: لا بالحركة في السوق ورووا عن عثمان أنه كان يصلي الجمعة، ثم ينصرف وما للجدران ظل، فقالوا: ليس عليه العمل كما رووا عنه أنه كان يغطي وجهه وهو محرم، فقالوا: ليس عليه العمل ولا يغطي المحرم وجهه وهكذا يروى مخالفتهم لعائشة وابن عمر وسائر الصحابة بالمدينة دون استثناء كما خالفوا سائر فقهاء المدينة كسعيد بن المسيب وسلمان بن يسار وبمثل هذه المخالفات يسقط ابن حزم احتجاج المالكية بعمل أهل المدينة ويقول: فليس هناك عمل إلا النصوص ولا حجة في عمل أحد دون رسول الله ﷺ (١) وابن حزم فيما ذهب إليه قد تبنى ما قاله الإمام الشافعي في الأم سواء أكان فيما احتج به أو الأسلوب الذي اتخذه في إسقاط حجج من قال بعمل أهل المدينة. وخلاصة القول أن أسباب رد العمل لأهل المدينة يرجع إلى أمرين اثنين، أولاهما: ما حدث في المدينة بعد رسول الله ﷺ وهو كافٍ في نظرهم في رد عمل أهل المدينة وعدم الأخذ به كدليل من الأدلة الشرعية. الأمر الثاني: لأسباب الرد الأحاديث التي رواها مالك في الموطأ وهو لا يروي إلا الصحيح وهو إمام الحديث، ثم بعد ذلك لا يعمل بها فبالنسبة للأمر الأول يذكرون أن الأقوال تغيرت عما كان عليه زمن الصحابة والخلفاء الراشدين، وقد حدث من الفساد حتى في عصرهم ما أدخل كثيرًا من التبديل والتغيير حتى قال أبو الدرداء ﵁ لو خرج رسول الله ﷺ عليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة، قال الإمام الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم (٢) . وروي عن أم الدرداء، قالت: دخل أبو الدرداء وهو غضبان، فقلت: ما أغضبك، قال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعًا (٣) وفي أشرف الطالب في أسنى المطالب لأحمد بن قنفذ قال أنس: يعني الصحابي الجليل خادم رسول الله ﷺ لو أن رجلًا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا، قال: ووضع يده على هذه ثم قال: إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله على ذلك لمن عاش في هذا النكر ولم يدرك ذلك السلف الصالح فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعة ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله من ذلك وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح يسأل عن سبيلهم ويقتفي آثارهم ويتبين سبيلهم ليعوض أجرًا عظيمًا.

стр. 7494

وهذه النقول وإن أثبتت التغير الذي حصل بالمدينة عن زمن رسول الله ﷺ والصحابة بعده وما حدث من فساد وما دخلها من تغيير وتبديل، فإنها ليست فيها حجة على إبطال عمل أهل المدينة بطلاق لأن الاختلاف فيما يرجع إلى الأحكام الشرعية لم يقع كثيرًا إلا في المسائل الاجتهادية كاختلاف اجتهاد بعض الخلفاء، واختلاف الخلفاء الراشدين هو من قبيل السنة لقوله ﵊: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي عضوا عيها بالنواجذ)) ثم إن مالكًا ﵀ لا يعتمد العمل إذا كان مخالفًا للمروي الثابت عن رسول الله ﷺ لأنه يقول كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلام صاحب هذا القبر، وهو أيضًا القائل: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا ما في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة من ذلك فاتركوه (١) إلا أن الإمام ﵁ يرى أن عمل أهل المدينة في مسألة اختلف فيها أو تضاربت الأدلة في شأنها يرجح الخلاف ويوجب اختيار القول بعملهم على غيره من المذاهب، على أن الإمام كان إمامًا في الحديث يعرف دواعى التجريح والترجيح وما كان من البدع المستحدثة مما هو من السنة المتبعة، وقد شهد في علمه وصلاحه ومعرفته بالسنة الجم الغفير مما لا يبقى معه شك أن يقول بعمل ويحتج به وهو بدعة من البدع معاكس لما جاءت به السنة وهو من أشد الناس عملا بالسنة ورفضًا للبدعة، أما ما ورد من الأحاديث المروية في الموطأ وغيره، ولم يأخذ بها مالك فلم يكن ذلك عن هوى وإنما كان عن معرفة وعلم ولا يكون إلا عن مستند صحيح ظهر له فهو الخبير بالصحيح من الحديث والسقيم، وهو حجة في هذا الباب وعالم أهل الحجاز ولم يبلغ أحد في زمانه مرتبته في العلم بالحديث والسنة والرجال، فكان من أشد الناس انتقادا لهم فلا يبلغ من الأحاديث إلا ما كان صحيحًا ولا ينقل إلا عن ثقة وفي المدارك للقاضي عياض من الأدلة على ذلك ما يشفي الغليل وكان من قول مالك ﵀ ما رواه الناس مثل ما روينا فنحن وهم سواء ما خالفناهم فيه فنحن أعلم به منهم (٢) . قال ابن عبد البر ليس لأحد من علماء الأمة يثبت حديثا عن النبي ﷺ ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه يباشر مثله أو إجماع أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده ولو فعل ذلك لسقطت عدالته فضلا عن أن يتخذ إمامًا ولزمه إثم الفسق، قال هذا في الرد على الليث بن سعد فيما ادعاه من أن مالكًا خالف السنة في سبعين مسألة قال فيها برأيه (٣) ، فنحن نرى الحافظ ابن عبد البر يستبعد صدور المخالفة من مالك للحديث الذي يرويه ثم يعمل بخلافه دون أن يكون له سند يعتمد عليه ويعول عليه من نسخ أو ترجيح.

стр. 7495

على أن الإمام مالك لم يقل أصلًا بأن عمل أهل المدينة هو إجماع بمعنى الإجماع الذي هو المصدر الثالث من مصادر التشريع إذ تعابيره في الموطأ لا تخرج عن قوله: (هذا الأمر الذي أدركت عليه الناس وأهل العلم ببلدنا، أو الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، أو الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، أو ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس أو السنة عندنا، أو وليس على هذا العمل عندنا، أو الأمر الذي سمعت من أهل العلم، أو السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أو السنة التي عندنا والتي لا شك فيها، أو قوله وليس العمل على هذا) هذه هي الصيغ التي استعملها مالك في موطئه قاصدًا بها عمل أهل المدينة، وكل هذه الصيغ العشر لا تفيد معنى الإجماع الذي هو المصدر الثالث بعد الكتاب والسنة، ولقد تكررت هذه الصيغ في الموطأ مائتين وثلاثة وثلاثين مرة ولا يفهم من جميعها إلا العمل، أي عمل الناس الذي كان أهل المدينة سائرين عليه في عصره وقبل عصره فهو حينئذٍ بهذه العبارات يصف عمل بلده وما اعتاده قومه وتعارف لديهم وساروا عليه ومالك ﵀ يعلم علم اليقين أنه ليس كل من كان من أهل المدينة هو من العلماء المجتهدين من أهل الحل والعقد ولو كان المراد الإجماع، لما عد المالكية الإجماع مصدرا ثالثًا، ثم جعلوا عمل أهل المدينة مصدرًا قائمًا بنفسه إلى جانب الإجماع، وإلا لكان ذلك من ذكر الشيء الواحد مرتين نص على ذلك القرافي في تنقيحه والمقري في قواعده القاعدة ١١٧ والقاعدة ٤٥٩ والقاعدة ٦٣٥، وكذلك الونشريسي في المعيار (١) ، فما ذكره مالك في عمل أهل المدينة هو بمثابة العرف الذي يوجد في أي مكان، ولذلك قال ابن خلدون: ولو ذكرت المسألة (يعني عمل أهل المدينة في باب فعل النبي ﷺ وتقريره أو مع الأدلة المختلف فيها مثل قول الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب) لكان أليق (٢) ويرد ابن خلدون على الذين فهموا أن مراده في ذلك الإجماع، فيقول: وظن كثير أن ذلك من مسائل الإجماع فأنكره، لأن دليل الإجماع لا يخص أهل المدينة من سواهم، بل هو شامل للأمة، والفرق بين الإجماع وبين عمل أهل المدينة أن الإجماع هو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد على أمر من الأمور بحيث لا يجوز مخالفته بحال من الأحوال بقطع النظر عن أن يكون عن دليل فعلي أو عقلي، أما إجماع أهل المدينة فهو اتفاقهم في فعل أو ترك مستندين فيه إلى مشاهدة من قبلهم فمالك يقول بهذا الاتفاق وما عليه أهل المدينة في عهده إذا تحقق في مسألة اختلف فيها أو تضاربت الأدلة في شأنها، فهذا العمل الذي عليه أهل المدينة يرفع الخلاف ويرجح ما هم عليه من غيرهم من المذاهب على أن مالكًا هو أكثر الناس تحرجا من البدع والشبهات وتمسكًا بما عليه الصحابة والتابعون، وإنما يرجح عمل أهل المدينة على غيرهم لأن أهلها أقرب إلى صفاء التشريع ونقاوته، وهم أبعد الناس عن أن يكونوا على ضلالة من أمرهم وهم أقرب عهد بالرسول وأصحابه وأتباعهم، وهذا شبيه بما كان عليه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة حين كان يقدم العرف على الحديث ويقول: إن الحديث ليس إلا تأكيدًا أو إقرارًا للعرف الذي كان فيعهد رسول الله ﷺ وإنه لو وجد ﵊ هذا العرف قد تغير تغيرًا موافقًا لأصل الدين لأقره، ومثل هذا فعل الشافعي، فقد أخذ بكثير من عمل أهل مكة وكذلك ينقل عن أبي حنيفة في حكمه بعمل أهل العراق، نقل ذلك الشيخ الحجوي في كتابه الفكر السامي (٣) وإذا كان هؤلاء الأئمة اعتبروا عرف هذه البلدان فعمل أهل المدينة أولى بالاعتبار، ثم إن العمل الذي كان بالمدينة شائعا على عهد مالك ﵁ منه ما كان معمولا به على الدوام وهو الذي قال فيه ابن رشد في مقدماته وما استمر عليه العمل بالمدينة واتصل به فهو عنده أي مالك مقدم على أخبار الآحاد العدول، لأن المدينة دار النبي ﷺ وبها توفي ﷺ وأصحابه المتوافرون فيستحيل أن يتصل العمل منهم في شيء على خلاف ما روي عن النبي ﷺ إلا وقد علموا النسخ فيه (٤) .
следующие страницы →