← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

٢- ٣ دور العرف والعادة في مجال قانون المرافعات (في تقدير أدلة الطرفين: يلاحظ الباحث أن سهمًا هامًّا آخر من المكانة التي يحرزها العرف في أدب الفقه الإسلامي يتعلق بدور العادات أثناء تقدير وتقويم القاضي أدلة الطرفين المتنازعين والحقيقة أن كثيرًا من المواطن التي يصار فيها إلى استعمال اصطلاح " تحكيم العادة " لا تتعلق إلا بمضامين مفاهيم " تحكيم الحال أو ظاهر الحال " و " القرينة " ونحوهما. كما يمكن أن نذكر بأن الفقهاء كانوا قد اعتبروا أن زف المرأة قرينة على قبضها –على الأقل – بعض صداقها مستندين إلى العادة القائمة في ذلك، فإنه يمكن للباحث أن يجد في كثير من مسائل " القول لمن؟ " قد استند الفقهاء إلى العرف في الترجيح القضائي بين مزاعم المتداعين، فعلى سبيل المثال فإن الزوجين إذا اختلفا في بعض أمتعة البيت أنها ملك الرجل أو المرأة ولا بينة لأحدهما يترجح قول الرجل بيمينه فيما يستعمله الرجال عادة ويترجح كذلك قول المرأة فيما يستعمله النساء، وذلك بقرينة عادة الاستعمال وعرفه (١) .

стр. 7667

الباب الثاني نظرة تحليلية إلى محاولات تطوير نظرية للعرف في الفقه الإسلامي بصفة عامة: حاولنا في الباب الأول من هذا البحث تعيين مكانة مفهوم العرف والعادة في أدب الفقه الإسلامي وتبين لنا من خلال دراستنا أن الأصوليين لم يتناولوا العرف والعادة كدليل شرعي أثناء دراستهم للأدلة الشرعية (١) ، وبالتالي لم نعثر على محاولة لوضع نظرية للعرف بين الأعمال العلمية للفقهاء المسلمين حتى العصور الأخيرة بغض النظر عما ورد في بعض كتب القواعد من المعلومات حول العرف والعادة. ومع ذلك فإننا – إذا اعتبرنا مختلف أدوار العرف – نجده يحظى بأهمية كبيرة في كتب فروع الفقه وخاصة نلاحظ أن للعرف تأثيرًا هامًّا في حلول كثيرة مما توصل إليها الفقهاء ولو لم يعبروا نظريًّا عن هذه الأهمية فلذا شعر عدد من العلماء في الأدوار الأخيرة وخاصة في عصرنا الحاضر أمثال العلامة ابن عابدين، والشيخ أبي سنة، والشيخ مصطفى أحمد الزرقاء، والأستاذ عمر عبد الله، والدكتور عبد العزيز الخياط، والدكتور عبد الرحمن الصابوني (٢) والدكتور الجيدي، والدكتور محمد شنار، شعروا بحاجة إلى تطوير نظرية للعرف في الفقه الإسلامي ويلاحظ أن بعض هؤلاء المؤلفين ينطلقون من منطلق الدراسات الغربية ولو قسميًّا.

стр. 7668

بيد أن العرف، نظرًا لاحتلاله مكانًا خاصًّا بين المصادر الشكلية للحقوق في الفقه الغربي، لا يشعر المؤلفون بحاجة إلى مناقشات واسعة حول وصف المصدرية للعرف، بل يتطرقون إلى مسائل فلسفية مثل منشأ القواعد العرفية وقوتها الإلزامية ويبحثون في أركان العرف وشروط اعتباره انطلاقًا من كون العرف مصدرًا من مصادر الحقوق وبطبيعة الحال، فإن العرف الذي يتسم بسمة القاعدة القانونية يشكل المحور الأساسي في هذه النظرية وإلى جانب ذلك تم تناول الموضوعات الجانبية لتلك النظرية مما لم يرتقِ إلى هذه المرتبة من العادات الاتفاقية والعادات التي تلعب الدور المساعد لتفسير القانون أو أحال عليها القانون في بعض المسائل. أما في الفقه الإسلامي، فيبدو لنا أن عدم اعتبار العرف فيه مصدرًا مستقلًّا بصورة صريحة يشكل العامل الأساسي الذي يتعسر معه وضع نظرية خاصة به، فالمؤلفون الذين أشرنا إليهم آنفًا رغم علو قدرهم واستفادتنا منهم كثيرًا (ولا سيما الشيخين الجليلين أبي سنة والزرقاء) ، تناولوا العرف في أغلب الأحيان دون أن ينتبهوا إلى هذه النقطة وما للعرف من أدوار مختلفة، فلم يحالفهم الحظ في عرض فكرة واضحة عن مكانة العرف وأدواره المختلفة في الفقه الإسلامي. وبما أننا بينَّا مكانة مفهوم العرف والعادة في أدب الفقه الإسلامي ومختلف أدوار العرف في الباب الأول من هذا البحث سنكتفي بتحليل عناصر هذه النظرية وبتقييم عام للعرف في هذا الباب. ٢- العادة والعرف في اللغة والاصطلاح: ٢-١- العادة لغة واصطلاحًا: العادة في اللغة اسم من أصل العود ويفيد تكرير الفعل والانفعال والمعاودة عليه –دون بذل جهد خاص – حتى يصير تعاطيه سهلًا كالطبع، ولذلك قيل: " إن العادة طبيعة ثانية (١) . أما في الاصطلاح فقد عرفها ابن أمير الحاج بأنها " الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية " (٢) فهذا التعريف يعطي مفهومًا شاملًا واسع الحدود للعادة في الاصطلاح، لأن لفظ " الأمر " هنا يشمل كل حادث يتكرر ولبيان هذا الشمول يمكن الإشارة إلى الحالات التالية كما ورد في كتابي كل من الشيخ أبي سنة والشيخ الزرقاء (٣) .

стр. 7669

(أ) ما يعتاده الفرد من الناس في شؤونه الخاصة: كعادته في نومه وأكله وحديثه. (ب) ما يعتاده الجماعات والجماهير، مما ينشأ في الأصل عن اتجاه عقلي وتفكيره حسنًا كان أم قبيحًا. ويمكن قبول هذا النوع من العادة مرادفًا للعرف الذي سيأتي بيانه. (ج) كل حالة متكررة – بصفة عامة – سواء أكانت: أ- ناشئة عن سبب طبيعي، كإسراع بلوغ الأشخاص ونضج الثمار في الأقاليم الحارة وإبطائه في الباردة، وكثرة الأمطار في بعض الأقاليم صيفا، وفي بعضها شتاءً بحسب الموقع الجغرافي والعوامل الطبيعية. ب- أو ناشئة الأهواء والشهوات وفساد الأخلاق، كالتقاعس عن فعل الخيرات، وتفشي الكذب والفسق والظلم. ج- أو ناشئة عن حادث خاص، كالتغير في اللغة الناشئ من اختلاط الأقوام بعضهم مع البعض. كما يلاحظ فإن تعريف ابن أمير الحاج يهدف إلى أن يتناول في شموله جميع الحالات المتكررة سواء أكانت متعلقة بالإنسان أم لا، وسواء أكانت ناشئة عن اتجاه عقلي وتفكير أم لا ونشاهد أن الشاطبي أيضا يسلك نفس الطريقة في فهم اصطلاح العادة وأنه يقسم العادات إلى أقسام عدة باعتبارات مختلفة (١) أما السيد الشريف الجرجاني فهو يقصر معنى العادة على الحالات التي يشكل موضوعها سلوك الإنسان والتي تستند أصلًا إلى المحاكمة العقلية فيعرفها بقوله: " ما استمر الناس عليه على حكم المعقول – في مكان آخر العقول – وعادوا إليه مرة بعد أخرى (٢) إلا أن المفهوم الأول للعادة يعكس بصورة أنسب استعمالها) وكذلك استعمال العرف في كثير من الأحيان على أن يكون مرادفًا للعادة في كتب أصول الفقه (٣) ، وإن كان المفهوم الثاني للعادة يمتاز بخاصية تناوله لها كقاعدة من قواعد السلوك الاجتماعي.

стр. 7670

٢-٢- العرف لغة واصطلاحًا: يطلق العرف لغة على الشيء المعروف المألوف المستحسن، وهناك معانٍ كثيرة للعرف منها: ضد النكر (كل ما تعرفه النفس من الخير وتأنس به وتطمئن إليه) ، كل عالٍ مرتفع (ومن ثم أطلقوا على أوائل الرياح وأعاليها " أعرافًا ") ، الجود، شعر عنق الفرس، عرف الديك، موج البحر، اسم من الاعتراف (يقال: له علي ألف عرفًا أي اعترافًا) يفيد لفظ العرف التتابع أيضا، يقال مثلًا: طار القطا عرفًا أي طار بعضها خلف بعض (١) . أما في اصطلاح الفقهاء فالأمر الملاحظ في هذا الموضوع هو أنهم استعملوا العرف على مدى عصور طويلة دون تحديد مفهومه بتعريف اصطلاحي وأن أول تعريف للعرف، والعادة أمكن التوصل إليه في أدب الفقه الإسلامي هو ما جاء في كتاب المستصفى المتعلق بفروع الفقه للفقيه الحنفي أبي بركات حافظ الدين النسفي (م ٧١٠ /١٣١٠) ، وذلك على خلاف ما ذكره عدد كبير من الباحثين الأجلاء أمثال المرحوم الشيخ أبي زهرة، والأساتذة محمد سلام مدكور – ﵀ – ومصطفى أحمد الزرقاء، وعبد العزيز الخياط ووهبة الزحيلي – حفظهم الله – من أن هذا التعريف مقتبس من كتاب المستصفى، للغزالي كما أشرنا إلى ذلك في الباب الأول (٢) ، فالتعريف الذي أتى به النسفي للعرف ونقله عنه الكثيرون كما يلي: " ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول " (٣) ويعثر على نفس التعريف تقريبا عند الجرجاني إذ يقول: " العرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول " (٤) هناك ملاحظات حول هذا التعريف مثل كونه ناقصًا لأنه يرد العرف إلى قبول الطباع ويعتمد على شهادة العقول بينما لا يمكن أن يعد كل ما قبلته الطباع عرفًا كما يحتاج إلى جهة تمييز بين السليم منها وغير السليم (٥) ولهذا يجب أن يزاد في التعريف عنصر جوهري وهو عدم مخالفته للنص الشرعي (٦) .

стр. 7671

ولم يجد الأستاذ الزرقاء هذا التعريف وكذلك التعاريف الأخرى المأثورة واضحة ولا وافية (١) ، وقال إنه يحتاج إلى شرح طويل، ثم وضع تعريفا جديدًا مصرحًا بأنه مستوحى من التعريف والشرائط التي ذكرها الفقهاء والأصوليون وهو: " عادة جمهور قوم في قول أو فعل " وفي صدد التوضيحات التحليلية لهذا التعريف يبين أن العرف نوع من العادة وأن تحقق العرف يعتمد على نصاب عددي من الناس لا بد منه (محتزرًا عن العادة الفردية أو العادة المشتركة – وهي التي تساوي معتادوها وغيرهم عددًا -) وأن العرف ينقسم إلى لفظي وعملي وأن العادة لا تسمى عرفًا إلا في الأمور المنبعثة عن التفكير والاختبار لأن عادة الجماعة من الناس في قول أو فعل لا تكون إلا عن عقل واختيار وإلا كانت حادثًا طبيعيًّا مثل إسراع بلوغ الأشخاص في الأقاليم الحارة وبطئه في الأقاليم الباردة (٢) . إلا أننا نلاحظ أن تعريف النسفي أفضل من ناحية تحديد معنى العرف حيث يتضمن كلًّا من الركنين المادي والمعنوي – كما سنرى ذلك في أركان العرف -. ٢-٣- النسبة بين العادة والعرف: كما أشرنا آنفًا يرى الأستاذ الزرقاء أن العادة أعم من العرف لأنها تشمل العادة الناشئة عن عامل طبيعي، والعادة الفردية، وعادة الجمهور التي هي العرف؛ فتكون النسبة بين العادة والعرف – في نظره – هي العموم والخصوص (٣) ويوافق هذا الرأي آراء عدد كبير من الفقهاء أمثال القرافي (٦٦٤ / ١٢٨٤) (٤) ، وابن فرحون (٧٩٩ /١٣٩٧) (٥) ، والطرابلسي (٨٤١ /١٤٧٣) (٦) ، وابن أمير الحاج (٨٧٩ /١٤٧٤) (٧) في هذه المسألة. ومن جهة أخرى ذهب بعض العلماء أمثال فخر الإسلام البزدوي (٤٨٢ /١٠٨٩) ، وابن الهمام (٨٦١ /١٤٥٧) (٨) ، وكامل ميراث (٩) إلى أن النسبة بين العادة والعرف هي العموم والخصوص المطلق ولكن العرف هو الأعم على خلاف الرأي الأول. هناك رأي آخر يقول: إن العادة تختص بالأفعال والعرف بالأقوال (١٠) ، إلا أن كلًّا من لفظي العرف والعادة يستعمل أحدهما بدلًا من الآخر في غالب الأحيان أي أنهما بمعنى واحد دون تفرقة بينهما (١١) . مع أنه يمكن الذهاب إلى تفريق بين هذين اللفظين، انطلاقًا من معانيهما اللغوية مثل القول بأن العرف يسوده طابع العلم والمعرفة والفهم، وبأن العادة تسودها أوصاف العمل والحركة والحادثة (١٢) ، ومثل القول بأن العرف يعكس " الشعور المشترك للمجتمع "، فإن شيوع استعمال أحدهما مكان الآخر يستسيغ اعتبارهما مفهومين مترادفين (١٣) .

стр. 7672

وخلاصة القول، فإن لفظي العرف والعادة ثم استعمالها في أدب الفقه الإسلامي كمفهومين لم تعين بشكل واضح وجلي حدودهما في ميدان التشريع ومترادفين غالبًا كما أشرنا إلى ذلك في الباب الأول وسنعود إلى تحليل وتقويم الموضوع فيما بعد. هذا وقد ورد استعمال لفظي " السنة " و" الشرعة " في معنى العادة في صدر الإسلام (١) . أما فقهاء القانون بين " العرف " الذي يلعب دور مصدر من مصادر الحقوق مباشرة أي دور القاعدة القانونية وبين " العادة " التي لم تصل في إلزاميتها إلى درجة العرف (العادة الاتفاقية (usage conventionnel) بفروق، منها: (أ) أن العرف يلزم الطرفين ولو كانا يجهلانه بخلاف العادة فإنها لا تلزمها إلا إذا قصدا الإحالة عليها صراحة أو دلالة. (ب) من يريد التمسك بالعادة فعليه أن يثبتها، أما العرف فلا محل لإثباته لأن معرفة العرف كمعرفة القانون المفروض من مهمة الحاكم. (ج) للحكام أن يراعي العرف رأسًا، بخلاف العادة فإنه يجب على صاحب القضية أن يتمسك بها. (د) أن العرف يجب على الحاكم مراعاته حتما، وإلا تعرض حكمه لرقابة من طرف سلطة أعلى منه، بخلاف العادة التي لا تخرج عن أن تكون واقعة يكيف الحاكم معها، ولا تثير لديه أكبر اهتمام (٢) . إلا أننا لا نتناول العرف في بحثنا هذا كقاعدة قانونية فحسب، وإنما نتطرق إلى العرف والعادة من حيث مكانتها في أدب الفقه الإسلامي دون تفريق بينها باعتبار المضمون مبدئيًّا كما أشرنا إلى ذلك في الباب الأول أيضا (القسم الأخير من ١-٢) .

стр. 7673

٣- أنواع العرف والعادة: يمكن تقسيم العرف إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة هذه هي أهم تلك التقاسيم: ١- من حيث اعتباره الشرعي وعدم اعتباره: (أ) العرف الصحيح. (ب) العرف الفاسد. ٢- من حيث المحيط الذي فشا فيه: (أ) العرف العام. (ب) العرف الخاص. ٣- من حيث ماهيته: (أ) العرف اللفظي. (ب) العرف العملي. وقبل الشروع في بيان أنواع العرف يجدر بنا أن نشير إلى أن العرف يشمل المواقف السلبية، كما يشمل المواقف الإيجابية ويمكن أن نعطي مثالًا للمواقف السلبية عرف الناس في تسامحهم فيما يقع خارج البساتين مثلًا من ثمار الأغصان التي تتدلى خارج حدودها، فيجوز التقاطها دون إذن مالكها ولا يعتبر ذلك افتئاتًا على مبدأ حرمة الأموال (١) . ٣-١- أنواع العرف من حيث اعتباره الشرعي: ٣-١-١- العرف الصحيح: العرف الصحيح هو العرف الذي لا يكون فيه تعطيل لنص ثابت أو لأصل قطعي في الشريعة، فهذا النوع معتبر في نظر الشرع وله سلطان محترم. ٣-١-٢- العرف الفاسد: العرف الفاسد هو العرف الذي يكون فيه تعطيل لنص ثابت أو لأصل قطعي في الشريعة فإن كان العرف مناقضًا لما جاءت به الشريعة من أصول ومبادئ ولأحكامها الثابتة التي لا تتغير لم يكن عندئذٍ له اعتبار شرعي لأن نص الشارع مقدم على العرف (٢) . إلا أن أحوال تعارض العرف مع الأدلة الأخرى تختلف، ولا يترتب على العرف أحيانا التعطيل المذكور بل يكون العرف مما يمكن تنزيل النص الشرعي عليه أو التوفيق بينهما، فللتمييز بين حالة وحالة يجب النظر التفصيلي الذي تختلف فيه النتائج بحسب موقف العرف من الأدلة الأخرى وسنعود إلى هذا الموضوع تحت عنوان " شروط اعتبار العرف " وسنحيل القارئ على ما ورد من بيان وتفصيل لبعض المسائل في الباب الأول.

стр. 7674

٣-٢- أنواع العرف من حيث المحيط الذي فشا فيه: ٣-٢-١- العرف العام: هو ما تعارفه عامة أهل البلاد سواء كان قديمًا أو حديثًا أي سواء كان في عهد الرسالة وعهود الاجتهاد أو في عهود التقليد (١) ، وينتظم هذا النوع كثيرًا من الظواهر الاجتماعية الفاشية في جميع البلاد بين جميع الناس مما لها مساس بالأحكام الفقهية فعلى سبيل المثال يمكن ذكر عقد الاستصناع وبيع المعاطاة، وتأجيل جانب من مهور النساء. والدور المعترف به للعرف العام يتمثل في عبارة الفقهاء التالية: العرف العام يثبت به الحكم العام (٢) ٣-٢-٢- العرف الخاص: هو الذي لا يكون فاشيًّا في جميع البلاد بين جميع الناس بل يكون مخصوصًا بقطر أو مكان دون آخر، أو بفئة من الناس دون أخرى، فأشكال وبيئات هذا النوع كثيرة لا تحصى، لأنه التعامل الجاري بين أرباب حرفة معينة أو صنعة معينة على أن يكون مصطلحات هذه الفئة أو ذلك الفن داخلة فيه يعتبر كلها من قبيل العرف الخاص مثل عرف التجار فيما يعد عيبًا، وما لا يعد كذلك والألفاظ التي اصطلح عليها المحامون أو أصحاب حرفة الخياطة وتعارف أهل بلد معين بالنسبة لألفاظ الوقف والوصايا والأيمان. أما دور العرف الخاص فيتجلى في إفادة الحكم بين متعارفيه فقط لا بين عامة أهل البلاد فبعبارة الفقهاء: العرف الخاص يثبت به الحكم الخاص (٣) . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الألفاظ التي تم استعمالها من طرف الشارع في معانٍ خاصة نحو الصلاة والزكاة أيضًا من قبيل العرف الخاص مثل مصطلحات أهل حرفة معينة. وكلتا الفئتين تدخلان في نوع العرف اللفظي باعتبار الماهية كما سنرى قريبًا ولكن الفقهاء لا يزالون يعتادون إطلاق اسم " العرف الشرعي " على تلك الألفاظ بناء على شرفها وأهميتها (٤) ورغم ما قد يكون هناك من حسن التنويه به إلا أن هذا لا يكون مسوغًا لإضافة هذا القسم نوعًا مستقلًا (٥) . ٣-٣ أنواع العرف من حيث ماهيته: ٣-٣-١-العرف اللفظي أو القولي: هو ما تعارف عليه الناس في بعض ألفاظهم أو تراكيبهم في معنى معين غير المعنى الموضوع لها لغة بحيث يصبح ذاك المعنى هو المفهوم المتبادر منها إلى أذهانهم عند الإطلاق بلا قرينة ولا علاقة عقلية كتعارفهم إطلاق لفظ " الولد " على الذكر دون الأنثى وإطلاق لفظ "الدراهم " على النقود الرائجة في البلد مهما كان نوعها وقيمتها حتى الورق النقدي في يومنا مع أن الدراهم في الأصل نقد فضي مسكوك بوزن معين وقيمة محددة، وإطلاق لفظ " البيت" على الغرفة في بعض البلدان وعلى الدار بجملتها في البعض الآخر.

стр. 7675

والذي يجب التنبه إليه هنا هو أنه إذا احتاج فهم المعنى المقصود إلى قرينة أو علاقة عقلية لم يكن ذلك عرفًا بل هو من قبيل المجاز (١) وكثيرًا ما يكون أصل الألفاظ العرفية مجازات لغوية لا يفهم منها المراد إلا بقرينة ثم يتكرر استعمالها فتصير مجازات مشهورة، ثم يزداد شيوع الاستعمال حتى يفهم منها المراد من غير قرينة، وتهجر معانيها الأصلية حتى لا تفهم منها إلا بالقرينة، عندئذٍ ينعكس الأمر: فما كان مجازًا لغويًّا يصبح حقيقة عرفية وما كان حقيقة لغوية يصبح مجازًا عرفيًّا (٢) . ومع أن الأستاذ أبا سنة يرى إمكانية استخراج نوع آخر للعرف من عبارات الفقهاء ويقسم العرف إلى " مقرر للمعنى اللغوي "، و" قاض عليه:، فإنه يبدو لنا أن اعتباره في إطار العرف اللفظي يكون أنسب وأفضل لأن المقرر ما طابق معناه المعنى اللغوي، والقاضي ما غيره بتخصيص أو تقييد أو إبطال (٣) ، وهذا كما هو بين لا يتجاوز نطاق العرف اللفظي. وهذا النوع من العرف له أدوار مختلفة، منها " دوره في الاجتهاد البياني / التفسير اللفظي (تخصيص العام وتقييد المطلق) ودوره في تطبيق القانون / في حالات وجود سلطة التقدير للحاكم / وفي تفسير التصرفات القانونية، كما بيناها في الباب الأول (٢-١-١؛ ٢-٢-٢؛ ٢-٢-٣) (٤) ، والجدير بالإضافة هنا هو دور هذا النوع من العرف في تعيين الأحكام الشرعية التي تترتب على أقوال المكلفين، وبخاصة في مباحث اليمين، وألفاظ الطلاق، فهذا الدور تتجلى أهميته في أمور الفتوى خاصة. ٣-٣-٢- العرف العملي أو الفعلي: هو ما اعتاده الناس من أعمال ما يتعلق بشئون حياتهم وتبادل مصالحهم وتصرفاتهم فمن أمثلة العرف في الأفعال العادية مما لا يقوم على تبادل المصالح وإنشاء الحقوق: اعتياد الناس في بعض الأماكن أكل نوع خاص من اللحوم كالضأن والبقر، أو استعمال نوع من الملابس والأدوات ونحو ذلك ومن أمثلته في المعاملات المدنية أي في التصرفات التي يقصد منها إنشاء الحقوق بين الناس أو تصفيتها أو إسقاطها سواء أكانت تلك التصرفات عقودًا أم غيرها: اعتياد الناس في اكتفائهم أو عدم اكتفائهم برؤية البيت من الخارج (في موضوع خيار الرؤية) (٥) ، وتعاملهم في وقف الأشياء المنقولة (٦) ، وتعارفهم على أن وضع اليد الطويلة على عقار دون سند شرعي أو ولاية دليل الملك (مسألة الحيازة) (٧) واعتيادهم في بيع بعض الأشياء الثقيلة مثل الحطب والفحم أن تكون على البائع حمولتها إلى بيت المشتري (٨) .

стр. 7676

وكما يتبين من خلال الأمثلة لكل من الصورتين – (أ) الأفعال العادية؛ (ب) المعاملات المدنية – فإن الصورة الأولى لا تدخل في الحقيقة في إطار القواعد العرفية، بل يكون لها دور في التفسير، وذلك إما في تفسير النصوص وإما في تفسير التعبيرات عن الإرادة (ينظر لأمثلة تصوير هذا الدور، الباب الأول ٢-١-١ (أ) . (ب) ؛ ٢-٢-٣) أما الصورة الثانية فهي تلك التي تشكل العمود الفقري في نظرية العرف التي تهدف أول ما تهدف إلى تناول العرف كمصدر من مصادر الحقوق وسنقف عند أهمية هذا النوع (العرف العملي) على أن يكون محددًا بالصورة الثانية أثناء تقويمنا العام للعرف وسنحاول القيام بتحليل عدم احتلاله مكانًا خاصًّا بين مصادر التشريع الإسلامي. ٤- الأدلة التي يعتمد عليها لإثبات أن العرف والعادة أصل من أصول التشريع الإسلامي: بما أننا سنتعرض لموقف مذاهب الفقه الإسلامي إزاء العرف والعادة أثناء تقويمنا العام للعرف، نكتفي هنا بذكر الأدلة الخاصة التي اعتمد عليها بعض العلماء لإثبات حجية العرف، وكذلك الأدلة العامة التي يمكن التعويل عليها في هذا الصدد. ٤-١- الأدلة الخاصة: ٤-١-١ الكتاب: ورد في القرآن الكريم لفظ العرف مرتين: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) , ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ (٢) .

стр. 7677

ذكر فريق من الفقهاء الآية الأولى حين استنادهم إلى العرف والعادة في بعض المسائل الفرعية وعلى رأسهم القرافي وابن قيم الجوزية والطرابلسي (١) . ومع أن هناك أقوالًا كثيرة حول المراد بالعرف في الآية مثل: - أن المقصود منه شرائع الأنبياء السابقين ما لم يحدث إليه نسخًا. - أن المراد منه العوائد الجارية في الأمصار الجامعة ما لم يخالف قاطعًا محكمًا. - إن الآية نزلت في أخلاق الناس. - أنه يعبر عن الفضائل الإنسانية (٢) . فإن آراء أغلبية العلماء تنصب على أن الآية لا تدل على حجية العرف بالذات بل المقصود هنا هو المعروف، وأما المعروف فهو اسم جامع لكل ما هو من الدين سواء عرف حسنه بالعقل أو لم يعرف الأمن الشرع (٣) . ونرى لزامًا علينا أن نشير إلى أن الدكتور الجيدي لم يلتزم المبدأ الذي حث الباحثين على التزامه – وهو مبدأ الاهتمام البالغ في نسبة القول إلى صاحبه ولو أدى ذلك إلى الإفراط في جلب النصوص (٤) حيث قال: " وقد بنى (يعني القرافي) استدلاله هذا على أن المراد بالعرف في الآية عادات الناس وما جرى تعاملهم به، فحيث أمر الله نبيه ﷺ بالأمر، دل على اعتباره في الشرع، وإلا لما كان للأمر به فائدة " (٥) ، بيد أن هذا التعليق على الاستدلال القرافي يمكن اعتباره من قبيل حمل ما لم يقل به عليه، لأن القرافي لا يقول في هذا المضمار إلا الكلام التالي (بعد ذكر الآية) : " فكل ما شهد به العادة قضى به لظاهر هذه الآية إلا أن يكون هناك بينة " (٦) والنقطة الهامة هنا هي أن القرافي لا يستند إلى هذه الآية إلا في مقام الاستفادة من العادة كوسيلة لإثبات واقعة مادية لا في مقام الاعتماد عليه كمصدر للتشريع بينما الدكتور الجيدي يتمسك بهذا الدليل في الباب الذي عنونه " العرف كمصدر للتشريع " والحقيقة أن التعليق المذكور عبارة عما ورد في كتاب الأستاذ أبي سنة من بيان حول الاستدلال بالآية المذكورة حيث يقول – بعد ذكر عبارات كل من ابن عابدين والقرافي والطرابلسي -: " أقول " وهذا الاستدلال مبني على أن المراد ... " دون أن ينسب تفسيره الشخصي إلى أحد (٧) .

стр. 7678

ونجد في كتاب الأستاذ الزرقاء تقويمًا قيمًا في مسألة الاستدلال بهذه الآية على العرف حيث يقول: " ولا يخفى أن العرف في هذه الآية واقع على معناه اللغوي وهو الأمر المستحسن المألوف، لا على معناه الاصطلاحي الفقهي ولكن توجيه هذا الاستدلال هو أن العرف في الآية وإن لم يكن مرادًا به المعنى الاصطلاحي، قد يستأنس به في تأييد اعتبار العرف بمعناه الاصطلاحي، لأن عرف الناس في أعمالهم ومعاملاتهم هو ما استحسنوه وألفته عقولهم والغالب أن عرف القوم دليل على حاجتهم إلى الأمر المتعارف فاعتباره يكون من الأمور المستحسنة (١) . أما الآية الثانية التي تضم لفظ العرف فلا يعول عليها في صدر الاستدلال بحجية العرف (٢) وإن كان هناك من يسعى إلى البحث عن علاقة الآية بالعرف انطلاقًا من معنى المعروف (٣) . وإلى جانب هذا اللفظ ذكر في القرآن الكريم لفظ " المعروف " ثمان وثلاثين مرة (٤) ومع أن المعروف يفيد معنى " العرف، فإن استعماله في القرآن الكريم في أغلب الأحيان ورد في المعنى اللغوي وهو – كما سبق – اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس (٥) في معنى " النصفة " (٦) ، ففي هذه الحالة يكون للعرف دور مساعد لتعيين ما هو موافق للنصفة كما بينا ذلك في الباب الأول (٢-٢-٢، انظر أيضًا: الهامش رقم ٧٦) . ٤-١-٢ - السنة النبوية: استدل عدد من العلماء ممن يستند إلى العرف والعادة أثناء استخراج أو بيان بعض الأحكام الفرعية استدلوا بالحديث الآتي على حجية العرف: " ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن " فهذا الحديث الذي اعتمد عليه العلماء الأحناف وغيرهم لإثبات حجية العرف (٧) ، لم يسلم من المناقشة سواء من ناحية رفعه أو من ناحية دلالته على المطلوب.

стр. 7679

أما من حيث رفعه فقد " قال العلائي: لم أجده مرفوعًا في شيء من كتب الحديث أصلًا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا عليه أخرجه الإمام أحمد في مسنده " (١) وإلى نفس النتيجة توصل علماء آخرون أمثال السخاوي والزيلعي (٢) ، على أن السرخسي ذكر هذا الحديث أثناء تناوله لأدلة حجية الإجماع من السنة بشكل يعطي انطباعًا أنه يعتبره حديثًا مرفوعًا (٣) ، وحتى أن الشيخ المرحوم أبا زهرة صرح بأنه روي مرفوعًا (٤) . ويرى الأستاذ الزرقاء أن القاعدة التي تقضي بأن الخبر الموقوف إذا تضمن معنى تشريعيًّا يعتبر كالخبر المروي عن النبي ﷺ يرى أن هذه القاعدة تزيل نقطة الطعن لهذا الحديث من ناحية الرفع (٥) إلا أن الشيخ أبا سنة يقول ردًّا على مثل هذه الفكرة بالنسبة إلى هذا الحديث، " ولكنا نقول في الجواب عنه: إنه على فرض أنه في حكم المرفوع فإن دلالته على المطلوب لم تتم كما يأتي (٦) . ومن جهة أخرى، لا يعد الغزالي هذا الحديث صالحًا لإثبات أصل من الأصول نظرًا لكونه من أخبار الآحاد (٧) . وهنا نود الإشارة إلى دليل آخر من السنة يستدل به الدكتور عبد القادر شنار على حجية العرف في الفقه الإسلامي، كما ورد في كلامه: " أن الفقهاء المسلمين لا يزالون يعتبرون العرف سواء كان عرف العرب أو أعراف وعادات البلدان المفتوحة من لدن عهد الصحابة عملًا بالحديث النبوي الذي جاء فيه: يعمل في الإسلام بفضائل الجاهلية " ونعتقد أن المؤلف يناقض نفسه بنفسه لأنه يقول في الهامش: " لم يكن لنا العثور على هذا الحديث في المصادر التي في متناول يدنا مع أن الدكتور محمد حميد الله يذكره مرات عديدة " (٨) ولو كان الفقهاء يعتبرون هذا الحديث في مشروعية العرف لذكروه في المصادر وطالما لم يذكر فيها فلا يمكن إيضاح حجية العرف به عند الفقهاء وبالإضافة إلى ذلك إننا إذا نظرنا إلى مسند أحمد بن حنبل الذي يعتمد عليه الدكتور محمد حميد الله في نقله هذا الحديث نجد فيه – كما أشار إليه الدكتور شنار أيضًا – بعض الروايات المشتملة على عبارات التقدير والإقرار من النبي ﷺ وهو يخاطب سائب بن عبد الله شريكه في عهد الجاهلية وذلك يوم فتح مكة إذن، فلا ينبغي حمل بعض المزايا والمحاسن الخلقية التي أثنى عليها النبي ﷺ ، على العرف والعادة مباشرة ويؤكد ذلك ما ورد في الحديث: ((مرحبا يا أخي وشريكي كان لا يدارى ولا يمارى يا سائب قد كنت تعمل أعمالًا في الجاهلية لا تقبل منك وهي اليوم تقبل منك وكان ذا سلف وصلة)) (٩) .

стр. 7680

هناك حديث آخر اعتاد المؤلفون الإشارة لإثبات حجية العرف وهو قول الرسول ﷺ لهند زوجة أبي سفيان التي اشتكت إلى النبي ﷺ بخل زوجها وسألته عن حكم أخذها من مال زوجها خفية، حيث قال الرسول ﷺ : ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) (١) إلا أنه بدل أن يفسر لفظ " المعروف " هنا وفي الأماكن مثله بأنه العرف والعادة مباشرة، ينبغي المصير إلى فهمه بأنه بمعنى " في إطار الحدود المعقولة والمناسبة " ومن البديهي أن يكون للعرف والعادة دور مساعد في مثل هذه الحالات (٢) . والجدير بالذكر أن البخاري خصص بابًا في صحيحه للأمور المتعارفة بين الناس وعنونه " باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسنتهم على نيتهم ومذاهبهم المشهورة " (٣) ، ويقول العيني في تعليقه على هذا الباب: " حاصل الكلام أن البخاري قصد بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف العادة " (٤) . ٤-٢- الأدلة العامة: إذا محص الباحث النظر في مبادئ التشريع الإسلامي ومسيرة تطوره في وضع أحكامه يستطيع أن يقوم بتثبيت مقطعين رئيسيين في موضوع العرف: * المقطع الأول: مراعاة التشريع الإسلامي للعرف والعادة وذلك لأن دراسة استقرائية للمناهج التشريعية التي سلكها الإسلام وموقفه من العرف والعادة في التشريع تمكن الباحث من البت في أن الإسلام راعى أعراف وعادات البيئة التي ظهر فيها وحتى إنه لم يقف عند عدم مجابهة الوقائع الاجتماعية التي لا تتنافى مع مبادئه فحسب، بل أسبغ عليها أيضا الصفة الشرعية كما سبق الإشارة إليه في الباب الأول (انظر: ١-١) ، إلا أن هناك ظاهرة أخرى يمكن أن تؤدي بالباحث إلى تردد في قبول ذلك وهي أن التشريع الإسلامي ألغى كثيرًا من العادات أو عدلها بشكل يتناسب مع مبادئه وهذا الموقف السلبي مع أنه لا يظهر إلا في حالات خاصة من معارضة تلك العادات للمبادئ الإسلامية فثمة دليل أقوى للاقتناع بمراعاة الإسلام للعرف والعادة وهو صلاح الإسلام لكل زمان ومكان، وهذا ما تدل عليه النصوص القطعية منها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (٥) , ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٦) ومن خلال هذه الخاصية للإسلام نتوصل بالبداهة إلى نتيجة أن الإسلام دين الإنسانية جمعاء مهما اختلفت عاداتها عن بعضها البعض وما من شك في أن البشرية بأسرها لا يمكن توحيدها في نمط واحد من الحياة كما أن الإسلام لا يدعو إلى ذلك ولا يستهدفه فضلًا عن تباينه مع المبادئ الإسلامية السمحة وحيلولته دون التقدم والرقي وبعبارة أخرى، فإن وجود اختلاف في بعض العادات غير المنافية للأسس الإسلامية في الجغرافية الإسلامية نتيجة طبيعية لا يمكن الاحتراز عنها طالما الإسلام يخاطب الناس جميعًا في كل زمان (٧) .

стр. 7681

وهنا نود أن نقتبس باختصار من العلامة الطاهر بن عاشور بعض ما ذكره في هذا الباب بناء على أهميته في تسليط الأضواء على الحقائق الكامنة فيه: " فعموم الشريعة سائر البشر في سائر العصور مما أجمع عليه المسلمون، وقد أجمعوا على أنها مع عمومها صالحة للناس في كل زمان ومكان ولم يبينوا كيفية هذه الصلاحية وهي عندي تحتمل أن تتصور بكيفيتين. الكيفية الأولى: إن هذه الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج ولا مشقة ولا عسر. الكيفية الثانية: أن يكون مختلف أحوال العصور والأمم قابلًا للتشكيل على نحو أحكام الإسلام دون حرج ولا مشقة ولا عسر كما أمكن تغيير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود والصين والترك من غير أن يجدوا حرجًا ولا عسرًا في الإقلاع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة ومن دون أن يلجؤوا إلى الانسلاخ عما اعتادوه وتعارفوه من العوائد المقبولة. فلا يجدر بحال أن يكون معنى صلاحية التشريع للبشر أن الناس يحملون على اتباع أحوال أمة خاصة مثل أحوال العرب في زمان والتشريع ولا على اتباع تفريعات الأحكام وجزئيات الأقضية المراعى فيها صلاح خاص لمن كان التشريع بين ظهرانيهم سواء لاءم ذلك أحوال بقية الأمم والعصور أم لم يلائم فتكون صلاحيتها مشوبة بحرج ومخالفة ما لا يستطيع الناس الانقطاع عنه، ويعلل معنى الصلوحية بأن يعمل الناس بها في كل عصر فلا يهلكوا ولا يعنتوا، إذ لو كان هذا هو معنى صلوحية الشريعة لكل زمان ومكان لما كان هذا من مزايا شريعة الإسلام وخصائصها إذ لا نجد في شريعة من الشرائع المتبعة أحكامًا لو حمل الناس عليها لهلكوا أو صاروا فوضى إذن يكون في مستطاع أهل كل شريعة أن ينتحلوا شريعتهم وصف الدوام. فتعين أن يكون معنى صلوحية شريعة الإسلام لكل زمان أن تكون أحكامها كليات ومعاني مشتملة على حكم ومصالح صالحة لأن تتفرع منها أحكام مختلفة الصور متحدة المقاصد، ولذلك كانت أصول التشريع الإسلامي تتجنب التفريع والتحديد " (١) . " قد يستكن في معتقد كثير من العلماء قبل الفحص والتغوص في تصرفات التشريع أن الشريعة إنما جاءت لتغيير أحوال الناس، والتحقيق أن للتشريع مقامين:

стр. 7682

المقام الأول: تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فسادها. المقام الثاني: تقرير أحوال صالحة قد اتبعها الناس وهي الأحوال المعبر عنها بالمعروف في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والتقرير لا يحتاج إلى القول فقد علمت أن الاحتياج إلى القول فيه لا يكون إلا عن سبب دعا إلى القول من إبطال وهم أو جواب سؤال، أو تحريض على التناول، وفيما عدا تلك الأسباب ونحوه يعتبر سكوت الشارع تقريرًا لما عليه الناس، فلذلك كانت الإباحة أكثر أحكام الشريعة لأن أنواع متعلقاتها لا تنحصر وقد تواتر هذا المعنى تواترًا من أقوال النبي ﷺ وتصرفاته. ولا يستثنى من دلالة السكوت على التقرير إلا الأحوال التي دل العقل على إلحاقها بأصول لها حكم غير الإباحة وهي دلالة القياس بمراتبها. وليس مرادنا بالتغيير أحوال العرب خاصة ولا بالتقدير تقرير أحوالهم كذلك بل مرادنا تغيير أحوال البشر وتقرير أحوالهم سواء كانوا العرب أم غيرهم وذلك أن جماعات البشر كانوا غير خالين من أحوال صالحة هي بقايا الشرائع أو النصائح أو اتفاق العقول السليمة " (١) . * المقطع الثاني: عدم إمكانية القول بأن نصوص القرآن والسنة تعترف صراحة بكون العرف مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي مباشرة والمناقشات التي وردت في هذا المضمار حول الآيات والأحاديث التي يستدل بها على حجية العرف ينبغي مراجعتها للتثبت من ذلك حتى أن هذه المناقشات لم تحظَ باهتمام العلماء إلا في عصور متأخرة وكاد الأصوليون أن لا يولوا أي اهتمام لموضوع العرف بين الأدلة الشرعية (انظر: الباب الأول، ١-٢) . ورغم أن هذا المقطع يبدو للوهلة الولى منافيًّا للأول وليس الأمر كذلك بل هو مكمل له لأن الغاية المتوخاة من مراعاة العرف في التشريع الإسلامي ليست إضفاء قدسية للعرف واعتباره مصدرًا يسيطر على قيمة الذاتية وإنما هي قضاء حاجات الناس وتطبيق مبدأ "اليسر". فالإسلام الذي تميز بطابعه الانقلابي (٢) وأنه الدين الأخير للبشرية كان عليه أن يتخذ موقفًا سلبيًّا من الأعراف والعادات المتنافية مع ما أشرنا إليه سابقًا من روح تشريعية له ولو اعتبر التشريع الإسلامي العرف مصدرًا تشريعيًّا بصورة مباشرة لأدى ذلك إلى إفساح المجال للطعن فيه بتناقضه الذاتي فمثل هذا الاعتبار في عهد تبليغ النصوص لا يتفق مع الهدف المنشود لها، أما بالنسبة للعهود المتعاقبة فكان من البديهي أن يراعى العرف مثل مراعاته في عهد تبليغ النصوص وفق سير الأحداث ومجراها الطبيعي حيث إن المسلمين مطالبون بحل ما سيستجد لهم من وقائع ومسائل وفق النصوص الشرعية وروحها ومن الملاحظ أن هذه الخاصية للتشريع الإسلامي برزت بشكل واضح في اجتهادات الصحابة ﵃ ومن سلك طريقهم في فهم النصوص وتقييمها (٣) .

стр. 7683

والواقع أن العرف احتل مكانًا مرموقًا بين اجتهادات الصحابة وتطبيقات الخلفاء الراشدين والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها أن الخليفة عمر بن الخطاب أمر الموظفين المحليين في إيران بإبقاء القوانين السابقة فيما يخص الموارد الزراعية سارية المفعول دون تغيير يذكر (١) وكذلك أن الخليفة نفسه لجأ إلى مبدأ التعامل بالمثل فيما يتعلق بالمكوس الجمركية التي يتم تحصيلها من التجار الأجانب (٢) وجدير بنا أن نشير إلى أننا نجد تصريحًا خاصًّا بوجوب مراعاة العرف في عهد الصحابة ﵃، وذلك في القضية التالية المعروضة على القاضي شريح: " أن ناسًا من الغزالين اختصموا إلى شريح في شيء كان بينهم فقالوا: إن سنتنا بيننا كذا وكذا، فقال سنتكم بينكم " (٣) . ونعتقد أن عبارة الدكتور زيدان التالية تلقي الأضواء على مسألة دليل العرف حيث يقول: " وأساس اعتبار العرف دلالة القرآن والسنة أما دلالة القرآن فنجدها في قاعدة رفع الحرج عن الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج: الآية ٧٨] ولا شك أن في نزع الناس عما ألفوه بلا مبرر نوعًا من الحرج عليهم، وأما دلالة السنة فتظهر في إقرار الرسول ﷺ لأعراف الجاهلية الصحيحة " (٤) . أما مسألة تأثر الفقه الإسلامي بأحكام نظم الحقوق الأخرى وكذلك علاقة الأحكام التقريرية في الإسلام بشرائع من قبلنا فلا نتطرق إليها لبقائها خارج نطاق موضوعنا أساسًا (٥) . ومهما يكن من أمر، فإننا من خلال دراستنا للأدلة العامة نتوصل إلى نتيجة أن العرف يحتل مكانًا مرموقًا في الفقه الإسلامي وفق إرادة الشارع وإن كان الشارع لم يحل عليه بصراحة (٦) .

стр. 7684

٥- أركان العرف وشروط اعتباره: ليس من البعيد أن تتكون في مجتمع ما أعراف وعادات لا تتفق والنظام الحقوقي السائد في ذلك المجتمع فلهذا ينبغي – في نظرنا – التمييز بين شروط الوجود للعرف أو شروط تحققه وبين شروط اعتباره وإذا اعتبرنا تعريف كل من مفهومي" الركن " و" الشرط " يمكن أن نطلق على الفئة الأولى من الشروط " أركانًا " وعلى الفئة الثانية منها " شروط الصحة " وبما أن القانون يعتبر العرف بصراحة مصدرًا من المصادر الشكلية في الفقه الوضعي في أغلب الأحيان نجد القانونيين ممن يتعرض لموضوع العرف يقفون عند أركان (أو عناصر) العرف بالدرجة الأولى ولا يهتمون بشروط الاعتبار (الصحة) للعرف إلا في الدرجة الثانية أو في إطار دراسة الأركان بينما يلاحظ أن المؤلفين في مجال الفقه الإسلامي يتناولون الأركان وشروط الصحة كلها تحت عناوين مثل " شروط العمل بالعرف " أو "شروط اعتبار العرف " وغيرها والمنهج الصحيح – في رأينا – هو التمييز بين هاتين الفئتين من الشرط. ٥-١ أركان العرف: رأينا في ما سبق أن الفقهاء المسلمين لم يتناولوا العرف كقاعدة قانونية وكمصدر من المصادر الشكلية للحقوق وأن تصريحاتهم المتعلقة بالعرف والعادة تشملهما معًا سواء كانا لفظين أو عمليين بينما المؤلفون في مجال القانون يتعرضون للعرف من زاوية أنه مصدر من مصادر الحقوق ولهذا نجدهم يقيدون أنفسهم بنطاق السلوك فقط، ويدرسون عناصر العرف من هذا المنظار أما المؤلفون المعاصرون في مجال الفقه الإسلامي – حين تطرقهم إلى شرائط العرف – فيتقيدون بمسائل العرف العملي تارة، ويخوضون في مسائل العرف القولي أيضًا تارة أخرى ومع ذلك فالملاحظ أن العرف العملي هو السائد في بحوثهم لشرائط العرف. ونحن لا نرى بأسا في تناول أركان العرف وفقًا للتعريف التالي: " العرف هو اعتياد الناس على سلوك معين في ناحية من نواحي حياتهم الاجتماعية بحيث تنشأ منه قاعدة يسود الاعتقاد بأنها ملزمة " (١) واضعين نصب أعيننا أن تعريف النسفي للعرف أيضا يتركز على أساس " السلوك " (٢) .

стр. 7685

ويتضح من التعريف السابق أن العرف يقوم على ركنين: ركن مادي، وهو اعتياد الناس على سلوك معين. وركن معنوي، وهو اعتقاد الناس بأن القاعدة التي نشأت من هذا السلوك قاعدة ملزمة. ٥-١-١- الركن المادي: الاطراد أو الغلبة (١) : يجب أن يكون العمل بالعرف مستمرًا في جميع الحوادث أو في أكثرها إذا كانت العادة جارية في مكان ما بصفة مستمرة فهذه تسمى مطردة وإذا كانت لا تختلف إلا في حالات نادرة تسمى غالبة (٢) لأن ذلك هو أمارة فعلية المبني على الحاجة الماسة إليه، في حل مشكلات الناس وتحقيق مصالحهم، واستقامة أمرهم، الأمر الذي استدعى المجتهد إلى مراعاته (٣) . يقول الأستاذ الزرقاء أثناء ذكر شرائط اعتبار العرف: " فاشتراط الاطراد أو الغلبة في العرف معناه اشتراط الأغلبية العملية فيه لأجل اعتباره حاكمًا في الحوادث، أما الأغلبية العددية بمعنى أن يكون العرف جاريًّا بين جميع القوم أو أكثرهم فهي ليست من قبيل الشرائط، بل هو ركن في تكوين لا يتحقق معناه دونها، وهو النصاب العددي الذي تقدم بيانه لتحقق معنى العرف لأن العادة الفردية لا تصبح عرفًا إلا إذا اعتمدها أكثر القوم في بيئتها إذن العرف هو عادة الجمهور " (٤) . مع أن هذا التفريق يبدو وجيهًا للوهلة الأولى إلا أننا لا نوافقه عليه بالكلية، لأنه إذا تحققت الأغلبية العددية في جميع الحوادث أو أكثرها فتتحقق الأغلبية العملية أيضًا، أما إذا لم تتحقق إلا في حوادث نادرة فلا يمكن اعتبار قيام العرف وتوافر أركانه بمجرد وجود هذه الأغلبية العددية في حادثة أو حوادث معينة.

стр. 7686

والحقيقة أن لزوم اطراد العرف أو أغلبيته في أكثر الحوادث تكمن في كلمة " الاعتياد " (أو " العادة " " كما قال الأستاذ الزرقاء) الواردة في تعريف العرف والتي ينبني عليها وجوده ويؤكد ذلك ما قاله الأستاذ الزرقاء في مكان آخر: " يقول الفقهاء في بعض المواطن: إن العادة تتحقق بتكرر الفعل مرتين أو ثلاثًا، لأنها مأخوذة من العود أو المعاودة ولا يخفى أن مرادهم بذلك عادة الفرد أما عادة الجماعة التي هي بمعنى عرف للجمهور، فلا ينطبق عليها هذا الحد، لأن العادة لا تشيع وتنتشر بين الجماهير إلا بعد أن تتكرر بين الناس مرات لا تحصى) (١) أما إن كان الأستاذ الجليل يقصد بهذا التفريق اعتبار العرف ملزمًا بين جميع القوم أو أكثرهم، فإننا سنتناول هذه الناحية تحت عنوان: " الركن المعنوي للعرف "، وبناء على ذلك ينبغي اعتبار الاطراد أو الغلبة ركنًا من أركان العرف لا شرطًا من شرائطه. وليس بالإمكان تحديد الحيز الزمني لتكون هذا الركن، أي التطبيق المطرد أو الغالب للعرف ومع أن صاوا باشا يشترط استمرار العمل بالعرف طوال ثلاثة أجيال على الأقل (٢) . هناك آراء حول العدد الذي تحصل به العادة لا نرى مبررًا لذكرها، انظر: الجيدي، العرف والعمل: ص ٨٢. فإنه من البديهي أن هذا لا يتعين إلا حسب نوعية العرف وظروف تكونه، وبخاصة حسب درجة الانتشار لوسائل المواصلات في مكان العرف. ويطلق على هذا الركن في النظريات القانونية الحديثة العنصر الخارجي أو المادي أو الموضوعي (element objectif, element materiel) للعرف والجدير بالإشارة أن القانون التجاري الكويتي (المادة ١٥٩) أخذ المادتين ٤١ و٤٢ من مجلة الأحكام العدلية بنفس العبارات، وقال: " إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت والعبرة للغالب لا للنادر " (٣) .

стр. 7687

٥-١-٢- الركن المعنوي: الاستقرار في النفوس: لا نكاد نعثر دراسة لهذا العنصر الداخلي، أو النفسي أو الشعور القانوني (opinio necessitates، element psychologique) في الأبحاث العلمية الحديثة التي تهدف إلى تطوير نظرية للعرف في الفقه الإسلامي، بينما النظريات القانونية تولي له أقصى الأهمية والسر في ذلك – حسب ما يبدو لنا – أن القانونيين – كما سبق أن بينا – ينظرون إلى العرف من ناحية القيمة القانونية له أي من ناحية تكوينه قاعدة قانونية أو عدم تكوينه لها وبالإضافة إلى ذلك لا يرون بأسًا في أخذ القاعدة القانونية صفة الإلزامية من الإرادة البشرية، بل إن القواعد القانونية كلها – سواء كانت مكتوبة أو غير مكتوبة – تستقي في الفقه الوضعي وجودها واستمراريتها من العقل والإرادة البشرية (١) . ومع هذا كله لا نرى مانعًا من القول بضرورة تواجد هذا العنصر المعنوي للعرف في الفقه الإسلامي أيضا، حتى إننا نعتقد أن وجود واجب للاقتناع والقبول بأن العرف قد تكون، والحقيقة أن الوقوف عند أهمية الركن المعنوي للعرف في الفقه الإسلامي أمر لم نقترحه من عند أنفسنا وإنما هو موجود في عبارات الفقهاء وتفكيرهم وأدل شيء على ذلك هو تعريف النسفي الذي تلقاه العلماء بالقبول منذ القديم، إذا يقول: " ما استقر في النفوس ... " فهذا إن دل على شيء إنما يدل على العنصر المعنوي للعرف (٢) وحتى يمكن القول بأن صاحب التعريف استغنى عن ذكر العنصر المادي صراحة لأن العنصر المادي مندمج في العنصر المعنوي، إذ لا يمكن تكون العنصر المعنوي إلا بتكون العنصر المادي ولتبيين هذه الناحية نود اقتباس النص التالي: " ويتكون هذا الاعتقاد تدريجيًّا، حتى يأتي الوقت الذي يصبح فيه أمرًا محققًا، ولذلك فإنه في مرحلة هذا التكوين قد يختلف الشراح والمحاكم في أن عادة معينة قد أصبحت عرفًا، كما أن البعض قد يراها مجرد عادة لا ترقى إلى مرتبة العرف، ثم يعود بعد ذلك فيعتبرها عرفًا، فإذا جاء الوقت الذي يسود الاعتقاد فيه بأن هذه العادة أصبحت ملزمة، صارت عرفًا لا سبيل إلى الجدل فيه، فالذي يميز العرف عن العادة بالمعنى الذي قدمناه هو هذا الركن المعنوي فطالما لم يقم في ذهن الناس اعتقاد بأن عادة معينة أصبحت ملزمة، فإن هذه العادة لا تعتبر عرفًا، أي لا تكون قانونًا ملزمًا " (٣) .

стр. 7688

أما ما يتبادر إلى الأذهان من أن الركن المعنوي يعكس الإرادة البشرية في التشريع فذلك أمر لم يهمله النسفي في تعريفه السابق للعرف إلا أن الموضوع يحتاج إلى شيء من التفصيل وإلى الاطلاع على ما ورد من مناقشات حول هذه الناحية في النظريات الحديثة ونذكر خلاصة ذلك فيما يلي: " مقتضى النظرية التقليدية هو أن العنصر المادي لا يكفي وحده لإنشاء القاعدة العرفية وأنه يجب أن يضاف إلى العنصر المادي عنصر آخر نفسي هو ما يسمى الشعور القانوني (opinio necessitates) ، ويقصد الشراح بهذه العبارة أحد معنيين: (أ) فإما أن يكون المقصود بها هو أن الأفراد يعتقدون أن المبدأ الذي يسيرون على مقتضاه يطابق العدل والملاءمات الاجتماعية، ولذا يجب أن ينزل منزلة القانون. (ب) وإما أن يكون معناها هو اعتقادهم أن المبدأ الذي يأتمرون به هو قانون بالفعل أي قاعدة ملزمة ولذا وجبت إطاعتها ومعظم الشراح على هذا المعنى وعلى أساس هذا العنصر يتميز العرف من سائر أنواع السلوك الأخرى، الفردية والاجتماعية، التي مع استقرارها في الجماعة، لا تعد قواعد قانونية عرفية بسبب أنه ينقصها عنصر الإحساس بإلزاميتها من الناحية القانونية ومن هنا عد العنصر الداخلي هو العنصر المميز والجوهري في العرف باعتباره مصدرًا للقانون، حتى لقد اعتبر العنصر الخارجي – في نظرية قديمة كانت تجعل الشعور القانوني عند الجماعة هو أساس كل قانون - هو الوسيلة التي يظهر بها العنصر الداخلي (الشعور القانوني) ، أي إن الشعور القانوني في العرف كإرادة المشرع في التشريع، فكما أن إرادة المشرع لا تسري في حق المخاطبين بها إلا بالنشر، فكذلك الشعور القانوني لا يلزم الأفراد إلا إذا ظهر إلى الحيز الخارجي عن طريق ممارسة فعلية من جانب الأفراد " (١) . ونحن نرى – تاركين تفاصيل هذه المناقشات والاعتراضات الموجهة إلى العنصر المعنوي إلى جانب – أن العنصر المعنوي إذا تم تفسيره بالمعنى الثاني من المعنيين السابقين لا يتلاءم والتفكير الإسلامي؛ لأن الشارع في الإسلام هو الله تعالى، وتأخذ الأحكام قوتها الإلزامية من إرادته ، وبينما لا نعثر على إحالة صريحة على حجية العرف في عبارات الشارع التي تعكس إرادته، وإنما نجده يحيل المسلمين على فكرة العدل والمصالح إذن لا يصطدم العنصر المعنوي مع أسس التفكير الإسلامي إذا فسر بالمعنى الأول، وكما نرى في تعريف النسفي قيدًا لا يترك العنصر المعنوي للعرف على إطلاقه، حيث يقول " ... وتلقته الطباع السليمة بالقبول " وهذا – فيما يبدو لنا – تعبير عن اشتراط الشرط الأساسي للعرف أو لاعتباره وهو أن لا يكون مخالفًا للنص الشرعي ومبادئ التشريع الإسلامي مخالفة صريحة لأنه لا يمكن التصور أن الطباع السليمة في مجتمع يدين بالإسلام ويتمسك بمبادئه تتلقى العرف المخالف للنصوص صراحة بالقبول وإلا خرجت عن كونها سليمة (٢) أضف إلى ذلك أن كل عرف تم تكونه ليس معتبر في الفقه الإسلامي، بل هناك شروط لاعتباره.

стр. 7689

والحقيقة أن هذا التوضيح الأخير كان من الواجب أن يحتل مكانه تحت عنوان " شروط اعتبار العرف / عدم مخالفته للنص " حسب التخطيط العلمي، إلا أننا اضطررنا إلى الإتيان به لنبين مكانة العنصر المعنوي في تفكير وعبارات الفقهاء المسلمين وننبه إلى المعنى الذي يستندون إليه في هذا الموضوع. ٥-٢- شروط اعتبار العرف: هناك شروط يجب توفرها لاعتبار العرف في الشريعة الإسلامية إلى جانب ركنيه المادي والمعنوي، وهي ما يلي: ٥-٢-١- أن لا يكون العرف طارئًا: والمراد من هذا الشرط أن يكون العرف مقارنًا لزمن الشيء الذي يحمل على العرف وليس حادثًا وما من شك في أن لهذا الشرط أهميته ولا سيما في تفسير النصوص وتفسير التصرفات القانونية (انظر لأمثلة دور العرف في تفسير النصوص الباب الأول ٢-١-١، ودور العرف في تفسير التصرفات القانونية ٢-٢-٣) . ومقتضى هذا الشرط أن العرف اللفظي أو العملي الذي يعول عليه لفهم النص يجب أن يكون موجودًا في وقت نزوله ووروده دون الحادث بعده، وكذلك العرف الذي يراد تحكيمه في تعيين حكم التصرف القانوني يجب أن يكون موجودًا عند التصرف دون ما يحدث بعده (١) على أنه ليس كل عرف طارئ غير معتبر، فالقاعدة ليست على عمومها (٢) . فمثلًا يشير الزركشي إلى قضية البطالة في المدارس الموقوفة ويقول: " فقد اشتهر في هذه الأعصار ترك الدروس في الأشهر الثلاثة فكل مدرسة وقفت بعد ذلك ولم يتعرض واقفها لذلك ينزل لفظه على العادة وأما الموقوف قبل هذه العادة أو ما شك فيه هل هو قبلها فلا ينزل على العرف الطارئ " ويلاحظ أنه يربط القضية في آخر المطاف بكون العرف عامًّا أو خاصًّا (٣) .

стр. 7690

٥-٢-٢- أن لا يوجد تصريح بخلاف العرف: إذا أخذنا بعين الاعتبار أن تحكيم العرف في تفسير العقود في تفسير العقود وتنزيل الأمر المعروف منزلة المشروط (" المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا "، المجلة، المادة ٤٣، ٤٤) ، يعود إلى فكرة سكوت المتعاقدين عن الأمر المتعارف اعتمادًا على العرف الجاري، يتبين لنا بجلاء أن العرف في هذه الحالات من قبيل الدلالة فإذا صرح المتعاقدان بخلاف العرف بطلت هذه الدلالة لأن القاعدة المقررة تقول: " لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح " (المجلة، المادة ١٣) (١) . وهنا نود أن نسترعي الانتباه إلى أن القواعد مثل " التعيين بالعرف كالتعيين بالنص " مما اعتمد عليه بعض الباحثين بصدد إثبات سلطان العرف في الفقه الإسلامي تنص في حقيقة الأمر على أهمية الإرادة المصرح بها إلى جانب التنوية بدور العرف في تفسير العلاقات القانونية إذا لم يوجد تصريح في القضية المعروضة لأن " النص " هنا يستعمل في المعنى "التصريح "وليس في معنى " النص الشرعي " (٢) وذلك بخلاف " النص " الوارد في عبارات تتناول مسألة معارضة العرف مع النص (٣) . ٥-٢-٣- أن لا يكون العرف مخالفًا للنص ومبادئ الشريعة: إذا وضع الباحث نصب عينيه أن الشريعة الإسلامية تمتاز بخاصية كونها إلهية المنشأ لا يحتاج إلى توسيع النقاش فيما يخص حالة اصطدام العرف مع النصوص وروحها، وليس ذلك نابعًا عن احترام فكرة سلسلة المراتب للأدلة أي كون النص أقوى من العرف فحسب، بل ليتحاشى الفقيه من أن ينقض نفسه بنفسه أيضًا بينما نرى المؤلفين في الفقه الوضعي يتوسعون في مناقشة قضية اصطدام العرف مع القانون (٤) ، وإن كان القانون أقوى من العرف حسب ترتيب المصادر، وذلك لأن القانون عندهم يستقي قوته الإلزامية أيضا من الإرادة البشرية.

стр. 7691

وبدون إسهاب في القول نود أن ننبه إلى أهمية التفريق بين مخالفة العرف للنص من كل الوجوه وبين حالة اصطدام العرف مع النص في الظاهر، ففي الحالة الثانية يجب التثبت من الأمر في أن الاصطدام هل هو حقيقي أم ظاهري فقط؟ ويلاحظ أن الأستاذ الزرقاء يتناول الموضوع في إطار الخطة الآتية: ١- حالة اصطدام العرف بنص تشريعي خاص: حكمها: النص الخاص الآمر هو المعتبر المحترم ولو صادمه عرف عام الاستثناء من ذلك حالة واحدة: النص العرفي، أي ما إذا كان النص نفسه حين صدوره عن الشارع مبنيًّا على عرف قائم ومعلل به. ٢- حالة تعارض العرف مع نص تشريعي عام: (١) العرف المقارن لورود النص العام المعارض له: أ- العرف اللفظي: الاتفاق في تخصيص النص بالعرف. ب- العرف العملي: أأ – العرف المقارن العام: في الاجتهاد الحنفي يكون العرف مخصصًّا للنص. ب ب - العرف المقارن الخاص: الراجح من الآراء في الاجتهاد الحنفي لا يعترف للعرف بقوة تخصيص النص والاجتهاد المالكي في التحقيق يقبل تخصيص النص بالعرف. (٢) العرف الحادث بعد النص العام المعارض له: لا يجوز تخصيص النص بالعرف سواء كان لفظيّا أو عمليًّا. ملاحظة: العرف الذي تزول به علة النص المعارض يعتبر ولو كان حادثًا. ٣- حالة تعارض العرف والاجتهاد: حكمها: العرف يترك به الاجتهاد القياسي والاستصلاحي (١) . أما نحن فقد أوردنا أمثلة هذه الأحوال في الباب الأول من هذا البحث (انظر: ٢-١، ٢-٢-١) ولا داعي للتكرار والجدير بالذكر أن المناهج كلها التي يعول عليها للتمييز بين حالة وحالة أخرى أثناء تناول موضوع مخالفة العرف للنص تدور في الحقيقة حول محور واحد: وهو بذل الجهد بغية البحث عن إرادة الشارع في القضية التي فيها العرف والتحري عن موقف العرف من الغاية المتوخاة للشارع في تلك القضية.

стр. 7692

وهذا يؤدي بنا إلى القول بأهمية العنصر الغائي بين العناصر التي يعول عليها في عملية التفسير وأهمية التفسير الغائي (interpretation teleologique) (١) . ونرى لزامًا علينا أن نشير هنا إلى عدم مشاركتنا بالإطلاق للأستاذ الجليل الزرقاء في رأيه في موضوع حالة تعارض العرف مع الاجتهاد المستند إلى القياس النظري، إذا يقول: " الأحكام الاجتهادية التي يثبتها الفقهاء المجتهدون استنباطًا وتخريجًا عند عدم النص الشرعي عليها: إما أن تكون ثابتة بطريق القياس النظري على حكم أوجبه الشارع بالنص، لاتحاد العلة بين الحكم المقيس عليه والمقيس؛ وإما أن تكون ثابتة بطريق الاستحسان أو الاستصلاح عندما لا يوجد حكم مشابه منصوص يقاس عليه والاجتهادات الإسلامية تكاد تكون متفقة على أن الحكم القياسي يترك للعرف ولو كان عرفًا حادثًا، لأن المفروض عندئذ أن هذا العرف لا يعارضه نص خاص ولا عام معارضة مباشرة والعرف غالبًا دليل الحاجة، فهو أقوى من القياس، فيترجح عليه عند التعارض (نقلًا عن نشر العرف لابن عابدين) ، بل لقد ذكر العلامة المحقق ابن الهمام في شرح الهداية أن العرف بمنزلة الإجماع شرعًا عند عدم النص (نقلًا عن فتح القدير) ومن المعلوم أن ترجيح العرف على القياس يعتبر عند الحنفية والمالكية من قبيل الاستحسان الذي تترك فيه الدلائل القياسية لأدلة أخرى منها العرف " (٢) .

стр. 7693

لأننا ذكرنا ضرورة التمييز بين المعاني المختلفة لمفهوم " القياس " وبالأخص عند الأحناف من جهة، وتناول المؤلفين الأحناف في إطار مفهوم " العرف " التعامل الجاري منذ عهد النبي ﷺ من غير نكير والذي يرجع في حقيقته إلى مفهوم الإجماع أو السنة من جهة أخرى ولا نستطيع القول بأن العرف يترك به القياس حسب معناه المعروف في علم أصول الفقه إلا إذا أمكن التثبت من أن العرف يدل على انتفاء علة ذلك القياس، كما أشرنا إلى هذا سابقًا (انظر: ٢-١-٢ الباب الأول) . فجهة مشاركتنا لرأي الأستاذ الزرقاء أن الحكم القياسي يمكن تركه للعرف إذا تبين زوال علة الحكم، ففي هذه الحالة لا يعتبر أن العرف دليل يقدم على القياس (١) ، أما جهة مخالفتنا له فهي أن العبارات الواردة في كتب الأحناف مثل: " العرف يترك به القياس " أو " إن العرف بمنزلة الإجماع شرعًا عند عدم النص " لا ينبغي تفسيرها بصورة مطلقة بل يجب التنبه إلى معنى كل من مفهومي " القياس " و " العرف " في تلك الحالات. ولعل رأي الأستاذ هذا نابع عن عدم احتفاله بالتمييز بين المعاني المختلفة لمفهوم القياس، كما أنه تناول هذا المفهوم مقتصرًا على معناه المعروف في أصول الفقه أثناء توضيحه الاستحسان أيضًا (٢) . ٦- التقييم العام للعرف: ٦-١- مفهوم " المصدر " من ناحية منهجية الحقوق الإسلامية وتقييم العرف: ٦-١-١- مفهوم " الدليل " في أدب الفقه الإسلامي: إن أكثر الاصطلاحات استعمالًا للتعبير عن مفهوم المصدر في أدب الفقه الإسلامي هو اصطلاح " الدليل " ولذا يتم تناول مصادر التشريع الإسلامي إجمالًا تحت عنوان " الأدلة الشرعية " وقد أورد المؤلفون تعاريف مختلفة لتعيين مضمون هذا الاصطلاح، ولكن الشيء الذي يهمنا هنا هو ثبوت أن المعنى المقصود من اصطلاح الدليل في أصول الفقه أعم بكثير من معنى المصدر الحقوقي (٣) .

стр. 7694

أما الاصطلاحات الرئيسية الأخرى المستعملة للتعبير عن معنى المصدر الحقوقي فهي " الأصل " و" الحجة " و" المدرك " و " جهة العلم " (١) . وبما أن " الدليل " يستخدم في معنى أعم من معنى " المصدر الحقوقي " نصادف بعض المؤلفين ممن أوصلوا تعداد الأدلة الشرعية إلى أربعة عشر (٢) ، أو ثمانية عشر (٣) ، أو تسعة عشر (٤) ، أو واحد وعشرين (٥) ، وحتى ستة وثلاثين (٦) دليلًا، في الوقت الذي تذكر فيه كتب الأصول عددًا أقل بكثير من ذلك عند تناول نظرية المصادر ومع ذلك، لا يمكننا اعتبار كل واحد من الأدلة الشرعية المذكورة فيها " مصدرًا ". وفي الحقيقة أن الأدلة التي تشتمل على حلول جاهزة للمسائل الفقهية من القرآن والسنة والإجماع والعرف وقول الصحابي وشرع من قبلنا يمكن أن نصفها بأنها " مصادر " باعتبار ماهيتها، ولكن المفاهيم مثل القياس والاستحسان والاستصلاح فهي " مناهج " استنباط الحكم من المصادر، أما مثل سد الذرائع وعموم البلوى وبراءة الذمة فلا يتعدى حدود " المبادئ الحقوقية. ونشاهد أن الغزالي يعتبر الأدلة الثلاثة الأولى (الكتاب والسنة والإجماع) التي ذكرناها بين المصادر باعتبار ماهيتها مصادر التشريع الإسلامي من ناحية الحجية أيضًا (٧) ومع أنه يقول في كثير من الأماكن أن عدد المصادر أربعة – دون تمييز بين تعابير " الأصول " و " المدارك " و " أدلة الأحكام " (٨) ، إلا أنه يصرح عند تناوله مصادر الحكم في المعنى الحقيقي " المثمر " بأنها عبارة عن الأصول الثلاثة (٩) وأن تسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تحوز (١٠) .

стр. 7695

والجدير بالذكر أن الغزالي يلجأ إلى استخدام تعبير " أصول الأدلة " (١) بين حين وآخر فهذا تعبير جيد من ناحية تحديد الشمول لمفهوم الدليل وإخراجه عددًا كبيرًا من الأدلة المستخدمة في الفقه سواء كانت مناهج للاستنباط أو مبادئ حقوقية من مضمونه وكذلك تعبير أصول الأدلة يعبر عن المصادر التي تشكل أصول تلك الأدلة وقبل تناول أصول الأدلة على حدة يشير الغزالي إلى أن أصل الأحكام واحد وهو قول الله تعالى إذا اعتبرنا السبب الملزم للأحكام، وأما إذا اعتبرنا المظهر لهذه الأحكام فهو قول الرسول ﷺ (٢) . أما القياس فهو دليل يعترف الغزالي بحجيته ويدافع عنه دفاعًا حارًّا، ولكنه لا يذكره في نظرية المصادر، لأنه يراه منهجًا من مناهج استنباط الأحكام فيحله بين طرق استثمار الأحكام ومما يلفت النظر أن الغزالي قد انتبه إلى الفرق بين تفسير النصوص وبين القياس، وتناول القياس تحت عنوان مستقل غير العنوانين المتعلقين بتفسير النصوص. فهذا كله يتعلق بمفهوم المصادر الشكلية في الفقه الإسلامي بالنسبة إلى من يتمتع بأهلية الاجتهاد وبعبارة أخرى فإنه إذا سُئِلَ " في أي مصدر يبحث المجتهد عن حل للقضية المعروضة عليه؟ " فالجواب هو ما ذكرناه آنفا من القرآن والسنة والإجماع، أما بالنسبة لمن أتى بعد أدوار الاجتهاد سواء كان قاضيا أو مفتيًا فالمصادر الشكلية له هي من حيث المبدأ اجتهادات المذهب (doctrine) (٣) ، والقوانين التي أصدرتها الدولة في بعض المجالات. ٦-١-٢- تحليل لعدم تناول الأصوليين للعرف بين المصادر في مقابل الأهمية التي حظي بها العرف في فروع الفقه: ومن المعلوم أنه لم يصل إلينا من أئمة المذاهب – ما عدا الإمام الشافعي ﵀ (٤) بيان بتأليف خاص للأصول والمناهج التي سلكوها في استنباط الأحكام، وأنها دونت بعدهم بطريقة استقراء الأحكام الفرعية في مذاهبهم والاستناد إلى بعض الروايات عنهم حول هذه الأصول والمناهج.

стр. 7696

ولم ينقل إلينا من أئمة المذاهب ما يعبر نظريًّا عن موقفهم إزاء العرف سوى بعض العبارات المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة – ﵀ – مما تشير إلى مراعاته بتعامل أهل بلده في استنباط الأحكام وكذلك بعض التعليقات حول عبارات الإمام مالك – ﵀ – فيما يتعلق " بعمل أهل المدينة " (١) . ومع هذا يكاد يتفق المؤلفون على أن دراسة الأحكام التي توصل إليها أئمة المذاهب تبرهن على أنهم ليسوا بعيدين عن مراعاة العرف، بل وقفوا موقفا إيجابيًّا إزاءه ما لم يصطدم مع النصوص ومبادئ التشريع الإسلامي (٢) . إلا أن موقفهم هذا لم يتبلور في كتب الأصول، بل برز في كتب الفروع فقط، وذلك حمل الباحث على القول بأن هناك ثنائية في أدب الفقه الإسلامي من جهة تناول الفقهاء للعرف كما بينا في الباب الأول، وقد أشرنا هناك أن قصدنا منها ليس الثنائية الملحوظة من ناحية الفقه النظري والتطبيقات القانونية في تاريخ التشريع للمسلمين (٣) لا يمكن اعتبار عدم اهتمام الأصوليين بمفهوم العرف بالسلب أو الإيجاب أثناء دراستهم للأدلة الشرعية من قبيل الصدفة (٤) ، إذا وضعنا نصب أعيننا أنهم جعلوا بعض المفاهيم الأخرى موضوع تحاليل دقيقة ومناقشات واسعة مثل القياس والاستحسان ويجب الانتباه أيضًا في هذا المضمار أن الفقهاء – بغض النظر عن كتب القواعد للعلماء المتأخرين– حين استدلالهم على حجية العرف ببعض الأدلة مثل حديث: ((ما رآه المسلمون حسنًا ... )) ، لا يتناولون العرف كدليل أصولي أي مصدر من مصادر التشريع وإنما يستندون إلى تلك الأدلة بمناسبة توضيح بعض الأحكام الفرعية (والتنبيه إلى هذه الناحية بصفة خاصة لا يخلو من فائدة نظرًا لعدم إشارة الباحثين المعاصرين إليها أثناء ذكرهم أدلة حجية العرف) .

стр. 7697

أما بخصوص الكشف عن سرِّ الثنائية الملحوظة في موضوع العرف في أدب الفقه الإسلامي، فلتحليل مفهوم المصدر أهمية كبيرة في نظرنا والحقيقة أن الباحث لا يستنكر هذه الثنائية في موضوع العرف في أدب الفقه الإسلامي إذا أخذ بعين الاعتبار ما بيناه في المصادر الشكلية بالنسبة إلى كل من المجتهد وفقيه الأدوار التي تلت أدوار الاجتهاد، لأن كتب الفروع تنظر إلى العرف من زاوية الإفتاء أو القضاء بغض النظر عن صلاحية الاجتهاد لمن يتولى ذلك، وهذا ما يجعل أصحاب هذه الكتب يهتمون اهتمامًا بالغًا بالعرف الذي ينتظم عددًا كبيرًا من المسائل الفرعية وكما هو معلوم فإن علم الفروع له صلة وثيقة بواقع الحياة. وفي مقابل ذلك تهتم كتب الأصول بالمصادر من زاوية الاجتهاد، فمن الطبيعي أن لا يحتل العرف فيها مكانًا خاصًّا، وذلك لأن عدم تناول مفهوم المصدر مرادفًا لمفهوم " الدليل " (بمعناه الواسع) يدلنا – كما أشار إليه الغزالي ﵀ وغيره من العلماء – على أن المصادر من حيث ماهيتها من جهة والاعتراف بحجيتها من جهة أخرى في الفقه الإسلامي تقتصر على مصدرين وهما الكتاب والسنة (١) وليس هناك مصدر آخر له مثل هذه الخاصية سواهما، لأننا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كلًًّا من قول الصحابي وشرع من قبلنا يؤول إلى الكتاب والسنة، نجد أن الخاصية المشتركة بين ما سوى هذه الأدلة هي كونها متعلقة " بالكيفية " دون " الماهية " ما عدا العرف، أي أنها لا تجيب على سؤال " من أين يؤخذ الحل الفقهي "؟ بل على سؤال " كيف يتم استنباط الحل من المصادر الأصلية؟ " فهذا ما يتبين لنا بجلاء إذا قمنا بدراسة الحجج التي يعول عليها لإثبات حجية تلك الأدلة الشرعية مثل القياس والاستحسان، فالآيات والأحاديث التي يستدل بها على حجيتها لا تحيل المجتهد على مصادر جديدة في الحقيقة، بل تنطوي على فكرة أساسية تدعم الأصولي في اختياره المنهج الواجب اتباعه لاستنباط حلول مناسبة لقضايا جديدة من المصادر الأصلية فعلى سبيل المثال، أن آية ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: ٢] تنطوي على فكرة " تسوية الحالات المماثلة في النتائج "، والمجتهد الذي يأخذ بالقياس مستدلًّا بهذه الآية الكريمة على حجيته يبرهن بذلك على صحة منهجه في الاستنباط دون أن يثبت مصدرًا جديدًا.

стр. 7698

أما العرف فهو مصدر باعتبار ماهيته كما أسلفنا، ولكن اعتراف النصوص بحجيته قضية تحتاج إلى شيء من التفصيل: فالباحث يجد في القرآن والسنة أدلة عديدة تدل على مراعاة العرف واستنباط الأحكام دلالة تكون لدى المجتهد أساسًا فكريًّا وتنير السبيل أمامه (انظر: ٤، وخاصة ٤-٢ من الباب الثاني) وفي الوقت نفسه لا يمكن القول بأن النصوص تحيل المجتهد على العرف فيما لا نص فيه مباشرة، ومن ثم لا يمكن القول بكونه مصدرًا يعترف بحجيته في الشريعة الإسلامية وإذا أمعن الباحث النظر في القضية يجد في هذا الموقف أمرًا طبيعيًّا، لأن الاعتراف بمصدرية العرف لا يتفق وأسس التفكير الإسلامي وبنية فلسفة الحقوق الإسلامية وتسبب أيضًا بعض المشاكل من ناحية منهجية الحقوق (سنلقي فيما بعد نظرة عابرة على القضية من ناحية فلسفة الحقوق) . أما من ناحية منهجية الحقوق فما يجب الانتباه إليه هو أن العرف إذا تم الاعتراف بمصدريته في الشرع فليس للمجتهد إلا القيام بتثبيت وجوده وعدم مخالفته للنصوص صراحة، ثم يكون العرف ملزمًا من الجهة الشرعية، ويسد ذلك إلى حد كبير على المجتهد إمكانية الاجتهاد من أجل التوصل إلى الحال الأنسب وإلا وقف مع روح الشريعة الإسلامية في القضية المعروضة عليه والتفكير في المقاصد العامة والخاصة للنصوص مما يمكن إيجاد رابطة بينه وبين تلك القضية بينما إذا كان العرف يلعب دوره كحجر أساسي في مناهج الاستنباط مثل الاستحسان والاستصلاح أمكن للمجتهد أن يقدم على العرف ما يجب مراعاته بالدرجة الأولى لتحقيق مقاصد الشريعة من مبادئ وإن كان العرف الوارد في القضية المعينة لا يصطدم صراحة مع النصوص. وفي الحالة التالية تبرز بوضوح أكثر أهمية عدم الاعتراف بمصدرية العرف من ناحية منهجية القانون: في نظم الحقوق المكتوبة إذا كان العرف معترفًا به كمصدر مستقل بعد القانون، لا يمكن التحدث عن عملية ملء " فراغ قانوني " من طرف القاضي في حالة ما إذا وجد عرف القضية المعروضة ولم يوجد نص قانوني يتناول في حكمه تلك القضية، ولا يستطيع القاضي في هذه الحالة مراجعة القياس الذي هو منهج من مناهج ملء الفراغ القانوني، أما إذا لم يعتبر العرف مصدرًا مستقلًا في الحالة ذاتها يجب أن يتولى القاضي ملء هذا الفراغ ويتمتع بإمكانية مراجعة مناهج ملء الفراغ القانوني ومنها القياس فيتبين من خلال هذه المقارنة أن عدم اعتبار العرف مصدرًا مستقلًّا في الفقه الإسلامي مكن القياس من الحفاظ على قيمته المنهجية وقد أشرنا إلى أن القياس الوارد في " العرف يترك به القياس " ليس المقصود منه غالبًا معناه الأصولي (القياس القانوني gesetsesanalogie) ، وإنما القاعدة العامة (القياس الحقوقي rechtsanalogie) وكذلك المقصود من " العرف " فيه هو الإجماع السكوتي أو السنة التقريرية بالنسبة لبعض المسائل (١) .

стр. 7699

٦-٢- مفهوم " المصدر " من ناحية فلسفة الحقوق الإسلامية وتقييم العرف: المقصود من مفهوم المصدر من ناحية فلسفة الحقوق هو المصدر بمعنى منشأ الحقوق، ومما أجمع عليه الفقهاء المسلمون – وبينهم المعتزلة أيضًا – أن الحقوق الإسلامية بهذا المعنى إلهية تعتمد على الوحي، وأن سلطة إنشاء الحكم ليست لأحد إلا لله وأن العقل ليس له استقلال في هذا المعنى هذه الناحية هي المتفق عليها بين علماء المسلمين. إلا أنهم اختلفوا في مسألتين: الأولى: هل أحكام الله لا تعرف إلا بواسطة رسله، أو يمكن للعقل أن يستقل بإدراكها وعلى أي أساس يكون هذا؟ والثانية: وإذا أمكن للعقل أن يدرك حكم الله دون وساطة الرسول، فهل يكون هذا الإدراك مناط التكليف وما يترتب عليه من ثواب وعقاب في الآجل ومدح وذم في العاجل؟ والمناقشات حول هاتين المسألتين أدت إلى قيام نظرية عرفت بين العلماء المسلمين بنظرية " الحسن والقبح " (١) . ونحن نكتفي – دون أن نتطرق إلى تفاصيل هذه النظرية – بلغت النظر إلى أن الأحكام التي أمكن التوصل إليها بمجرد العقل لا تعتبر ملزمة عند العلماء المسلمين – إلا لقليل منهم – وإن كان الفقهاء الذين تبنوا رأي الماتريدية ومن وافقهم يتوسعون في الاجتهاد بالرأي أكثر الآخرين (٢) وهذا يعني أن اعتبار العرف مصدرًا مستقلًّا في الفقه الإسلامي لا يتفق والمبدأ الفلسفي للفقهاء (٣) .

стр. 7700

هذا وإن الدكتور محمد حميد الله يركز على ملاحظة هامة فيما يقوله في فلسفة الحقوق الإسلامية: " ومما لا شك فيه أن المؤمن يطيع ما أمره الله به ورسوله طوعًا، أما ما يتعلق بآراء الفقهاء الذين لم تثبت لهم العصمة مثل الرسول، فهناك اعتباران في نفاذها في المجتمع، فالاعتبار الأول هو أن الفقهاء مكلفون باستنباط الأحكام بطريق القياس على معطيات القرآن والسنة، فبهذه الطريقة يمتزج الحكم المستنبط بمصدره الأصلي الذي استنبط منه والثاني أنه قبل كل شيء يفرض أن لا يكون الفقيه راسخًا في العلم فقط، بل يجب أن يكون مع رسوخه في العلم ورعًا ومتحليًّا بأخلاق حسنة " (١) . وفي هذا المعنى يقول سافوري: " القانون في نظر المسلم جزء متمم لدينه ... وكذلك القانون في نظره أمر الله المعتمد على الوحي مثل القرآن " (٢) . ويجدر بنا الإشارة إلى ناحية أخرى تتعلق بالمبدأ الفلسفي وتعين الباحث في الكشف عن سر الثنائية الملحوظة في موضوع العرف في أدب الفقه الإسلامي وهي مسألة مضامين الفقه الإسلامي، والواقع أن الفقه الإسلامي لا ينظم علاقات الإنسان ببني الإنسان فحسب كما يفعله الفقه البشري، بل يتعدى ذلك إلى تنظيم علاقاته مع خالقه أيضًا حتى أن جميع الأحكام في الفقه الإسلامي المتعلقة بتصرفات الإنسان بما فيها علاقاته مع أبناء جنسه تصطبغ بصبغة إلهية الأمر الذي يحمل الفقيه على النظر في القضايا لا من زاوية النتائج الدنيوية لها فقط، بل زاوية نتائجها الأخروية أيضا وبالتالي فإن مسألة الجواز وعدم الجواز وما يتعلق بالعبادات وما للأحكام من جهتين ديانية وقضائية تشكل مجالًا فسيحًا في الدراسات الفقهية وتوسع نطاقها ونتيجة لذلك نجد كتب الفروع في الفقه الإسلامي تعتمد على العرف في مسائل كثيرة من فروع لا يتطرق إليها الفقه الوضعي في قليل أو كثير مثل ألفاظ اليمين والطلاق.

стр. 7701

٦-٣- نظام إعمال الأدلة الشرعية في الفقه الإسلامي ومكانة العرف فيه، وأخيرًا: نود أن نشير إلى بعض المقاطع التي لها أهمية من ناحية تقييم مكانه العرف في الفقه الإسلامي: أولا: كان العرف مصدر تنظيم لكل المجالات الاجتماعية عند العرب قبل الإسلام، أما بعدة فقد أهميته السابقة، لأن الإسلام جاء بالقرآن والسنة كمصادر أصلية للتشريع (١) وذلك ما يلاحظ في نظم الحقوق الحديثة أيضًا حيث إن العرف أصيب بالوهن بعد قيام حركات التدوين فيها حتى يمكن القول بأن العرف لم يعد يحتل مكانته السابقة في الفقه الإنكليزي اليوم. ثانيا: إن العقل بمعنى " النفي الأصلي "أو " العدم الأصلي " الذي يذكره الغزالي بين أدلة الأحكام والذي يقول فيه: " إن تسميته أصلا من أصول الأدلة تجوز " لا يمكن إنكار أهميته من ناحية نظام إعمال الأدلة، أي أن الاستصحاب في معناه الضيق يغني الفقيه من البحث عن الدليل في الجزئيات كلها وبعبارة أخرى فإنه لا يمكن التحدث عن وجود حكم يأتي بتكليف (الوجوب، الندب، الحرمة، الكراهة (أو مؤيده شرعية) مثل الفساد أو البطلان أو العقوبة أو الضمان) في الفقه الإسلامي إلا بالاستناد إلى النصوص الخاصة (أي بالاجتهاد البياني أو القياسي) أو إلى روح النصوص (أي بالاجتهاد الاستصلاحي) كما أسلفنا إذًا فالمجال واسع لمواكبة العرف لمتطلبات الحياة لأن الأصل هو الإباحة في الأشياء وبراءة الذمة، ما لم يعول في الحكم المخالف لذلك على النصوص إما مباشرة وإما برابطة خاصة – وهي العلة ومنهج ربطها يسمى قياسًا – أو عامة – وهي مبادئ الشريعة ومنهج ربطها يسمى استصلاحًا. ثالثًا: يتبين ما سبق أن العمل بالعرف في تشريع الإباحة لا يقتضي دليلًا خاصًا، لكونه من مقتضيات مبدأ النفي الأصلي، وإنما تمس الحاجة إلى دليل خاص في التشريع الإلزامي ولتوضيح ذلك نقتبس من العلامة الطاهر ابن عاشور ما يقول فيه: " ولهذه الحكمة الخصوصية جعل الله هذه الشريعة مبنية على اعتبار الحكم والعلل التي هي من مدركات العقول لا تختلف باختلاف الأمم والعوائد ". إذن فمراعاة عوائد الأمم المختلفة هو خلاف الأصل في التشريع الإلزامي وإنما يسعه تشريع الإباحة حتى يتمتع كل فريق من الناس ببقاء عوائدهم.

стр. 7702

لكن الإباحة لما كان أصلها الدلالة على أن المباح ليس فيه مصلحة لازمة ولا مفسدة لزم أن يراعى ذلك في العوائد فمتى اشتملت على مصلحة ضرورية أو حاجية للأمة كلها أو ظهرت فيها مفسدة معتبرة لأهلها لزم أن يصارَ بتلك العوائد إلى الانزواء تحت القواعد التشريعية العامة من وجوب أو تحريم ولهذا نرى التشريع لم يتعرض لتعيين الأزياء والمساكن والمراكب فلم يندب الناس إلى ركوب الإبل في الإسفار ولم يمنع أهل مصر والعراق من ركوب الحمير ولا أهل الهند والترك من الحمل على البقر، لذلك لم يحتج المسلمون إلى تطلب دليل على إباحة استعمال العجل والعربات والأرتال، وكذلك أصناف المطاعم التي لا تشتمل على شيء محرم الأكل بحيث لا يسأل عن ذلك إلا من جاهل بالتركيب أو جاهل بكيفية التشريع. فنحن نوقن أن عادات قوم لا يحمل عليها قوم آخرون في التشريع ولا أن يحمل عليها أصحابها كذلك، نعم يراعي التشريع حمل أصحابها عليها ما داموا لم يغيروها، لأن التزامهم إياها واطرادها فيهم يجعلها منزلة منزلة الشروط بينهم يحملون عليها في معاملتهم إذا سكتوا عما يضادها " (١) . ففي التشريع الإلزامي لا يعتبر العرف مصدرًا بصورة مباشرة وإنما يلعب دوره عن طريق منهج الاستصلاح وفي بعض الأحيان عن طريق منهج القياس كما بينا في الباب الأول، ولعل الأستاذ أبا سنة يقصد هذا المعنى، إذ يرى من الضروري رد العرف إلى واحد من الأصول الشرعية مثل المصلحة المرسلة، وأصل المنافع والمضار ودلالة الإجماع للتعويل عليه (٢) . رابعا: يشاهد أن العرف يلعب دوره أيضا عن طريق منهج الاستحسان الذي يتسم بطابع سلبي فتزول به شدة وقسوة القياس أي القاعدة العامة التي يرى المجتهد عدم انطباقها على بعض المسائل من خلال اختبار الصحة المنطقية أو الصحة الأخلاقية أو الصحة الاجتماعية والثقافية للحقوق. * * *

стр. 7703

الخاتمة من خلال دراستنا للعرف في الفقه الإسلامي نخلص إلى ما يلي: ١- لا يمكن إنكار ما للعرف من تأثير عميق على الفرد والمجتمع كما لا يمكن القول بأن التشريع الإسلامي أهمل هذا التأثير له ولم يحتفل به. ٢- ويمكن البت – بعد تمحيص النظر في النصوص – في أن العرف يجب مراعاته في استنباط الأحكام وتطبيقها ولكن لا يبدو أن هناك إمكانية القول بأن النصوص اعتبرت العرف مصدرًا مستقلا لأن إثبات أصل من الأصول (المصادر) يقتضي الدليل القطعي كما نبه إلى ذلك الغزالي بمناسبة تقويم حجية دليل آخر. أما الأدلة المذكورة بصدد إثبات حجية العرف فهي ظنية كما بينا ذلك في مكانه والجدير بالذكر هنا أننا إذا نظرنا إلى ما يستند إليه كثير من الباحثين بقولهم: " يستدل العالم الفلاني بالآية الفلانية أو الحديث الفلاني على حجية العرف " نلاحظ أن هذا العالم لا يتناول موضوع حجية العرف مستقلا، بل يتحدث عن حجيته بمناسبة حكم فرعي لتدعيم النتيجة التي توصل إليها والتي لها صلة بالعرف. إلا أنه إذا وضعنا نصب أعيننا أن الدليل الأقوى في نظر العلماء بين الأدلة التي يستدل بها على حجية الإجماع هو ما جاء في عدد كبير من الأحاديث المروية بطريق الآحاد من الدلالة على معنى مشترك مفاده عدم اتفاق الأمة الإسلامية على الضلالة وضرورة ملازمة الجماعة (أي هو المتواتر المعنوي) فالقيام بمثل هذا الاستدلال بشأن العرف لا غبار عليه ولكن النتيجة النهائية لهذا الاستدلال – بحسب ما يبدو لنا – لا تمكننا من قبول العرف مصدرًا مستقلا (١) .

стр. 7704

وإنما يمكن القول بأن النقطة المشتركة للأدلة الخاصة والعامة التي تناولناها من قبل هي " ضرورة مراعاة العرف " في الشريعة الإسلامية، أما اعتبار العرف مصدرًا مستقلًّا فلا يتفق والبنية المنهجية والفلسفية للفقه الإسلامي ولو عنيت مرتبته بين سلسلة المراتب للأدلة وحدد بقيد عدم مخالفته للنص. ٣- قمنا بتثبيت ظاهرة هامة بالنسبة لمكانة العرف في أدب الفقه الإسلامي، وهي أن كتب الأصول مع أنها تولي كبير أهمية لمناقشة الأدلة الشرعية سواء كانت معترفًا بحجيتها أو غير معترف بها لا تهتم بالعرف سلبًا ولا إيجابًا وفي مقابل ذلك يلاحظ أن العرف احتل في كتب فروع الفقه مكانًا ليس متوازيًا مع وضعه في كتب الأصول حتى أن بعض المؤلفين يجعل العرف سببًا للاستحسان في كتابه المتعلق بالفروع ويحترز عن ذلك في كتابه الخاص بعلم أصول الفقه وكذلك البعض منهم يذكر تعامل الناس بين أصول الشرع في كتابه المتعلق بالفروع بيد أنه لا يتحدث عنه في مكانه أي أثناء تناوله لأصول الشرع في كتابه المتعلق بأصول الفقه (وقد أتيحت لنا فرصة التنبيه إلى خطأ قد يشوش فكر الباحث في تقييم العرف، وهذا الخطأ الذي شاع في كتب عدد من العلماء الأجلاء نسبة تعريف للعرف إلى الغزالي مستندًا إلى كتابه المستصفى من علم الأصول) . وهنا ينبغي الأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر كل من كتب الأصول والفروع – بالإضافة إلى ما لفتنا النظر إليه من البنية المنهجية والفلسفية للفقه الإسلامي – لتثبيت عوامل هذه الظاهرة ونحن حاولنا جهدنا لتسليط الأضواء على هذه الناحية بلفت النظر إلى ضرورة تناول مفهوم " المصدر الشكلي " بالتفريق بين أدوار الاجتهاد وبين الأدوار التي تلت عهد تكون المذاهب. وإلى جانب ذلك ذكرنا أن العرف الذي ينوه بمكانته في فروع الفقه ليس في أغلب الأحيان في معنى العرف الذي يلعب دور القاعدة القانونية، بل هو العرف الذي يراعى في تفسير النصوص والعرف المتعلق في نهاية أمره بقواعد اللغة (ولا سيما العرف المفسر لعبارات اليمين) والعرف الذي يساعد الحاكم في تقدير أدلة الطرفين أثناء القضاء. ٤- وبطريقة الإشارة إلى نظام إعمال الأدلة الشرعية في الفقه الإسلامي أوضحنا أن مبدأ مراعاة العرف يلعب دوره غالبًا بشكل طبيعي ودون الحاجة إلى التعبير عنه نظريًّا، وأنه يجري مهمته عن طريق مناهج الاستحسان والاستصلاح خاصة في حالات تضمن الحكم تكليفا شرعيًّا أو مؤيدة شرعية أو التي تقتضي الاستثناء من القاعدة العامة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور إبراهيم كافي دونمز.

стр. 7705

العرف بين الفقه والتطبيق إعداد محمود شمام الرئيس الشرفي لمحكمة التعقيب الأستاذ المحاضر بالجامعة الزيتونية عضو المجلس الإسلامي الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . مقدمة يسعدني ويشرفني أن أشارك في هَذه الدورة المباركة، للمجمع الفقهي الإسلامي المنعقدة بهذا البلد الإِسلامي العربي الكريم المضياف. واخترت الحديث عن الموضوع اقترحه على المجمع، له أهمية قصوى في حياة الناس ومعاشهم، وله صلة وثيقة ومتينة بما يسن من تقنين يضبط تلكم الحياة ويحدد معالمها، ويحمي المعاملات بين الأفراد والمجموعات. فالعرف يفزع إليه القاضي كلما فقد النص أو احتاج إلى شرح غموض بنص بين يديه في موضوع معين إذ العادة محكمة لإثبات حكم شرعي وشرح مقاصد الأطراف وتفسير العقود والاتفاقات وإزاحة الغموض عنها وإنارة السبيل أمام القاضي والمتقاضي. والعادة تعتبر من الأدلة الشرعية، فقد وضعت قواعد شرعية تشير إلى استعمالها بصفة أدلة لإِثبات المسائل الفقهية ضرورة، أن العادة طبيعة ثانية وهي محكمة بين الناس أي أن العادة عامة كانت أو خاصة تجعل حكمًا لإِثبات حكم شرعي وإقرار على ما يحدث وينزل من قضايا، وهي حكم لإِزالة لبس وغموض غشي اتفاق بعض الأفراد. والعادة لها تأثير على النفس، إذ متى رسخت العادة وتكررت ألفتها النفوس وخضعت لتقاليدها وأحكامها وليس من الميسور نزع الناس عن عاداتهم وما ألفوه في حياتهم. فالعادة والعرف لهما أهمية كبرى في مد نطاق الأحكام الشرعية والتوسع فيها بجعلها تطابق الأزمنة المختلفة على حساب احتياجات العصر ومتطلباته ومخترعاته ومحدثاته، وما يجد كل يوم من جديد. ومن مبادئ الشريعة الإِسلامية السمحة ومن مقاصدها أن الأمر إذا ضاق اتسع لأن المشقة تجلب التيسير.
следующие страницы →