(قوله على ظاهر المذهب) اعلم أن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه بمعنى أنه قد يكون بين البلدتين بعد بحيث يطلع الهلال ليلة كذا في احدى البلدتين دون الأخرى وكذا مطالع الشمس لأن انفصال الهلال عن شعاع الشمس يختلف باختلاف الأقطار حتى إذا زالت الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس بل كلما تحركت الشمس درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم كما في الزيلعي. وقدر البعد الذي تختلف فيه المطالع مسيرة شهر فأكثر على ما في القهستاني عن الجواهر اعتبارًا بقصة سليمان ﵇ فإنه قد انتقل كل غدو ورواح من إقليم إلى إقليم وبينهما شهر آهـ.
ولا يخفى ما في هذا الاستدلال وفي شرح المنهاج للرملي وقد نبه التاج التبريزي على أن اختلاف المطالع لا يمكن في أقل من أربعة وعشرين فرسخًا وأفتى به الوالد والأوجه أنها تحديدية كما أفتى به أيضا آهـ فليحفظ.
وإنما الخلاف في اعتبار اختلاف المطالع بمعنى أنه هل يجب عل كل قوم اعتبار مطلعهم ولا يلزم أحدًا العمل بمطلع غيره أم لا يعتبر اختلافها بل يجب العمل بالأسبق رؤية حتى لو رؤي في المشرق ليلة الجمعة وفي المغرب ليلة السبت وجب على أهل المغرب العمل بما رآه أهل المشرق فقيل بالأول واعتمده الزيلعي وصاحب الفيض وهو الصحيح عند الشافعية لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم كما في أوقات الصلاة وأيده في الدرر بما مر من عدم وجوب العشاء والوتر على فاقد وقتهما وظاهر الثاني وهو المعتمد عندنا وعند المالكية والحنابلة لتعلق الخطاب عامًا بمطلق الرؤية في حديث ((صوموا لرؤيته)) بخلاف أوقات الصلوات. وتمام تقريره في رسالتنا المذكورة.
تنبيه: يفهم من كلامهم في كتاب الحج أن اختلاف المطالع فيه معتبر فلا يلزمهم شئ لو ظهر أنه رؤي في بلدة أخرى قبلهم بيوم وهل يقال كذلك في حق الأضحية لغير الحجاج لم أره والظاهر نعم لأن اختلاف المطالع إنما يعتبر في الصوم لتعلقه بمطلق الرؤية. وهذا بخلاف الأضحية فالظاهر أنها كأوقات الصلوات يلزم كل قوم بما عندهم فتجزئ الأضحية في اليوم الثالث عشر وإن كان على رؤيا غيرهم هو الرابع عشر والله أعلم.
(قوله فيلزم) فاعله ضمير يعود إلى ثبوت الهلال أي هلال الصوم أو الفطر وأهل المشرق مفعوله؛ أو يلزم بضم الياء من الالزام مبني للمجهول وأهل المشرق نائب الفاعل وبرؤية متعلق بيلزم.
(قوله بطريق موجب) كأن يتحمل اثنان الشهادة أو يشهدا على حكم القاضي أو يستفيض الخبر بخلاف ما إذا اخبرا أن أهل بلدة كذا رأوه لأنه حكاية ح.
(قوله كما مر) أي عند قوله أشهد أنه شهد ح" (١) .
стр. 807
في بيان حكم اختلاف المطالع
(ج) كلام العلامة ابن عابدين في مجموع رسائله:
"اعلم أن مطالع الهلال تختلف باختلاف الأقطار والبلدان فقد يُرى الهلال في بلد دون آخر كما أن مطالع الشمس تختلف فإن الشمس قد تطلع في بلد ويكون الليل باقيًا في بلدٍ آخر وذلك مبرهن عليه في كتب الهيئة وهو واقع مشاهد.
(وفي) فتاوى المحقق ابن حجر صرح السبكي والأسنوي بأن المطالع إذا اختلفت فقد يلزم من رؤية الهلال في بلد رؤيته في الآخر من غير عكس إذ الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل دخوله في الغربية فيلزم عند اختلافها من رؤيته في الشرقي رؤيته في الغربي من غير عكس وأما عند اتحادها فيلزم من رؤيته في أحدهما رؤيته في الآخر.
ومن ثم أفتى جمع بأنه لو مات أخوان في يوم واحد وقت زواله وأحدهما في المشرق والآخر في المغرب ورث المغربي المشرقي لتقدم موته. وإذا ثبت هذا في الأوقات لزم مثله في الأهلة، وأيضًا فالهلال قد يكون في المشرق قريب الشمس فيستره شعاعها فإذا تأخر غروبها في المغرب بعد عنها فيرى. انتهى.
(لكن) اعترض قوله أن الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل دخلوله في البلاد الغربية بأنه ليس على إطلاقه لا من محل القبلية إذا اتحد عرض البلدين جهة وقدرًا أي جهة الجنوب والشمال وقدرًا بأن يكون قدر البعدين عن خط الاستواء سواء. انتهى.
стр. 808
تنبيه: قال في شرح المنهاج للرملي وقد نبه التاج التبريزي على أن اختلاف المطالع لا يمكن في أربعة وعشرين فرسخًا وأفتى به الوالد ﵀ والأوجه أنها تحديدية كما أفتى به أيضا. انتهى.
(قلت) وذكر القهستانى عن الجواهر تحديده بمسيرة شهر فصاعدًا اعتبارًا بقصة سليمان ﵇ قال فإنه انتقل كل غدو ورواح من إقليم إلى إقليم وبين كل منهما مسيرة شهر. انتهى.
وفي دلالة القصة على ذلك نظرٌ فالأول أولى لأن الظاهر من قوله لا يمكن إلخ أنه قدره بالقواعد الفلكية ولا مانع من اعتبارها هنا كاعتبارها في وقت الصلاة كما سيأتي.
(فتلخص) تحقق اختلاف المطالع وهذا مما لا نزاع فيه وإنما النزاع في أنه هل يعتبر أم لا؟
(قال) الإمام فخر الدين الزيلعي في شرحه على الكنز إذا رأى الهلال أهل بلدة ولم يره أهل بدة أخرى يجب أن يصوموا برؤية أولئك كيفما كان على قوله من قال لا عبرة باختلاف المطالع وعلى قول من اعتبره ينظر أن كان بينهما تفاوت بحيث لا تختلف المطالع يجب وإن كان بحيث يختلف فأكثر المشايخ على أنه لا يعتبر حتى إذا صام أهل بلدة ثلاثين يومًا وأهل بلدة أخرى تسعة وعشرين يومًا يجب عليهم قضاء يوم والأشبه أن يعتبر لأن كل قوم مخاطبون بما عندهم وانفصال الهلال عن شعاع الشمس في المشرق لا يلزم أن تزول في المغرب وكذا طلوع الفجر وغروب الشمس كلما تحركت درجة فتلك طلوع فجر لقوم وطلوع شمس لآخرين وغروب لبعض ونصف ليل لغيرهم.
وروي أن أبا موسى الضرير الفقيه صاحب المختصر قدم الأسكندرية فسئل عمن صعد على منارة الأسكندرية فيرى الشمس بزمان طويل بعد ما غربت عندهم في البلد أيحل له أن يفطر فقال: لا، ويحل لأهل البلد إذْ كلٌ مخاطب بما عنده.
(والدليل) على اعتبار المطالع ما روي عن كُريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام قال: "قدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل شهر رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيت الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ." رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة. انتهى.
(وما) أختاره من اختلاف المطالع هو المعتمد عند الشافعية على ما صححه الإمام النووي في المنهاج عملًا بالحديث المذكور (قال) الرملي في شرحه عليه: ولا نظر إلى أن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين مع اعتباره في التوابع والأمور الخاصة. انتهى.
(قلت) على أن عدم اعتباره فيما مر إنما هو لمخالفته نص الحديث المعلق وجوب الصوم والفطر على الرؤية دون الحساب ولا مخالفة هنا فيه لنص بل هو موافق النص المذكور عن ابن عباس وللنص المعلق فيه الوجوب على الرؤية بناءً على اعتبار الوجوب في حق كل قوم برؤيتهم كما في اعتباره في أوقات الصلاة فهذا مؤيد لما اختاره الزيلعي من اعتبار اختلاف المطالع.
стр. 809
(لكن) المعتمد الراجح عندنا أنه لا اعتبار به هو ظاهر الرواية وعليه المتون كالكنز وغيره.
(وهو) الصحيح عند الحنابلة كما في الإنصاف. (وكذا) هو مذهب سائر المالكية ففي المختصر وشرحه للشيخ عبد الباقي وعم الخطاب بالصوم سائر البلاد إن نقل ثبوته عن أهل بلد بهما أي بالعدلين والرواية المستفيضة عنهما أي عن الحكم برؤية العدلين أو عن رؤية مستفيضة. انتهى.
(قال) العلامة المحقق الشيخ كمال الدين بن الهمام في فتح القدير وإذا ثبت في مصر لزم سائر الناس فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب في ظاهر المذهب. وقيل يختلف باختلاف المطالع لأن السبب الشهر وانعقاده في حق قوم للرؤية لا يستلزم انعقاده في حق آخرين مع اختلاف المطالع وصار كما لو زالت أو غربت الشمس على قوم دون آخرين وجب على الأولين الظهر والمغرب دون أولئك. ووجه الأول عموم الخطاب في قوله ﷺ ((صوموا)) معلقًا بمطلق الرؤية في قوله ((لرؤيته)) وبرؤية قوم يصدق اسم الرؤية فيثبت ما تعلق به من عموم الحكم فيعم الوجوب بخلاف الزوال والغروب فإنه لم يثبت تعلق عموم الوجوب بمطلق مسماه في خطاب من الشارع والله تعالى أعلم. انتهى.
(قلت) ولو تعلق عموم الخطاب بمطلق مسمى الأوقات لزم الحرج العظيم بتكررها كل يوم بخلاف الهلال فإنه في السنة مرة (ثم أجاب المحقق ابن الهمام عن الحديث المار بقوله وقد يقال إن الإشارة في قوله هكذا إلى نحو ما جرى بينه وبين رسول أم الفضل وحيث لا دليل فيه لأن مثل ما وقع من كلامه لو وقع لنا لم نحكم به لأنه يشهد على شهادة غيره ولا على حكم الحاكم (فإن) قيل إخباره عن صوم معاوية يتضمنه لأنه الإمام (يجاب) لأنه لم يأت بلفظة الشهادة ولو سلم فهو واحد لا يثبت بشهادته وجوب القضاء على القاضي والله تعالى أعلم والأخذ بظاهر المذهب أحوط. انتهى.
стр. 810
(قال) في الفتاوى التتارخانية وعليه فتوى الفقيه أبي الليث وبه كان يفتي الإمام الحلواني وكله يقول لو رآه أهل المغرب يجب الصوم على أهل المشرق. انتهى.
(وفي) الخلاصة وهو ظاهر المذهب وعليه الفتوى (قال) في فتح القدير ثم إنما يلزم متأخري الرؤية إذا ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب حتى لو شهد جماعة أن أهل بلد كذا رأوا هلال رمضان قبلكم بيوم فصاموا وهذا اليوم ثلاثون بحسابهم ولم ير هؤلاء الهلال لا يباح فطر غد ولا تترك التراويح هذه الليلة لأن هذه الجماعة لم يشهدوا بالرؤية ولا على شهادة غيرهم وإنما حكوا رؤية غيرهم.
ولو شهدوا أن قاضى بلدة كذا شهد عنده اثنان برؤية الهلال في ليلة كذا وقضى بشهادتهما جاز لهذا القاضى أن يحكم بشهادتهما لأن قضاء القاضي حجة وقد شهدوا به. انتهى.
قلت: لكن قال في الذخيرة البرهانية ما نصه قال شمس الإئمة الحلواني رحمة الله تعالى الصحيح من مذهب أصحابنا رحمهم الله تعالى أن الخبر إذا استفاض وتحقق فيما بين أهل البلدة الأخرى يلزمهم حكم هذه البلدة. انتهى.
ونقل مثله الشيخ حسن الشرنبلالي في حاشية الدرر عن المفتي وعزاه في الدّر المختار إلى المجتبى وغيره مع أن هذه الاستفاضة ليس فيها حكم ولا شهادة لكن لما كانت الاستفاضة بمنزلة الخبر المتواتر وقد ثبت بها أن أهل تلك البلدة صاموا يوم كذا لزم العمل بها لأن المراد بها بلدة فيها حاكم شرعي كما هو العادة في البلاد الإسلامية فلا بد أن يكون صومهم مبنيًا على حكم حاكمهم الشرعي فكانت تلك الاستفاضة بمعنى نقل الحكم المذكور وهي أقوى من الشهادة بأن أهل تلك البلدة رأوا الهلال يوم كذا وصاموا يوم كذا فإنها مجرد شهادة لا تفيد اليقين فلذا لم تقبل إلا إذا شهدت على الحكم أو على شهادة غيرهم لتكون شهادة معتبرة وإلا فهي مجرد إخبار. أما الاستفاضة فإنها تفيد اليقين كما قلنا ولذا قالوا إذا استفاض وتحقق الخ. فلا ينافي ما تقدم عن فتح القدير ولو سلم وجود المنافاة فالعمل على ما صرحوا بتصحيحه والإمام الحلواني من أجل مشايخ المذهب وقد صرح بأنه الصحيح من مذهب أصحابنا. وكتبت فيما علقته على البحر أن المراد بالاستفاضة تواتر الخبر من الواردين من تلك البلدة إلى البلدة الأخرى لا مجرد الاستفاضة لأنها قد تكون مبنية على إخبار رجل واحد فيشيع الخبر عنه ولا شك أن هذا لا يكفي بدليل قولهم إذا استفاض الخبر وتحقق فإن التحقيق لا يكون إلا بما ذكرنا والله تعالى أعلم.
стр. 811
وقد تلخص مما حررناه، وتحصل مما قررناه، من المسائل المتفرقة والمجتمعة، في هذه الفصول الأربعة، أن المعول عليه، والواجب الرجوع إليه، في مذاهب الإئمة الأربعة المجتهدين، كما هو المحرر في كتب اتباعهم المعتمدين، أن ثبات هلال رمضان، لا يكون إلا بالرؤية ليلًا أو بإكمال عدة شعبان، وأنه لا تعتبر رؤيته في النهار، حتى ولو قبل الزوال عن المختار، وأنه لا يعتمد على ما يخبر به أهل الميقات والحساب والتنجيم، لمخالفته شريعة نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم، وأنه لا عبرة باختلاف المطالع في الأقطار إلا عند الشافعى ذي العمل الزخار، ما لم يحكم به حاكم يراه، فيلزم الجميع العمل بما أمضاه، كما ذكر ابن حجر وارتضاه، وقال لأنه صار من رمضان عندنا بموجب ذلك الحكم ومقتضاه" (١) .
(د) كلام الباحث السيد يوسف مروّة في كتابه (العلوم الطبيعية في القرآن) :
وجه المؤلف رسالة حول رصد الأهلة إلى كل من أصحاب السماحة: الشيخ حسن خالد مفتى الجمهورية اللبنانية (بيروت) ، والمجتهد السيد موسى الصدر في صور (لبنان) وآية الله السيد محسن الطباطبائى الحكيم المجتهد الأكبر في (النجف الأشرف) والشيخ حسن مأمون شيخ الجامعة الأزهرية في (القاهرة) جاء فيها ما يلى: "والملاحظ يا صاحب السماحة أن المسلمين، وعلى رأسهم رجال الدين في هذا العصر، يقدمون على استخدام جميع وسائل ومخترعات ومكتشفات العلم الحديث بدون أي خشية أو تحفظ من أن هذه الوسائل والمخترعات قد تكون خاطئة في المهام الحياتية التي تستخدم لأجلها، فنحن نستخدم السيارة والهاتف والبرق والمذياع والتلفزيون (٢) الخ.. كوسائل صالحة وصادقة في النقل والمواصلات والاتصالات، ونستعمل العدسات المحدبة والمقعرة في توضيح الرؤيا، ولكن ما بال رجال الدين لا يقبلون على استخدام المرقب الفلكى (التلسكوب) في إثبات هلالي رمضان وشوال المباركين؟
стр. 812
إن الجمعية اللبنانية للأبحاث العلمية تقترح على دار الإفتاء، في كل بلد إسلامي، شراء تلسكوب فلكي من الحجم المتوسط، حيث ينصب في دار الإفتاء وبواسطته يمكن لسماحتكم ولجميع رجال الدين أن يستخدموه في هذه المناسبات الدينية وسواها، التي يكثر فيها الخلاف بين المسلمين حول إثبات الأهلة، فالبعض يرى الهلال والبعض الآخر لا يراه، وجماعة تفطر وأخرى تبقى صائمة، ولكل جماعة مقاييسها في هذا الموضوع.
فهذا لا يجوز بعد اليوم في ديار المسلمين، ولا ننسى بأن علماء المسلمين هم أول من استخدم المرقب (الاسطرلاب) أيام ازدهار الدول الإسلامية، ولم ير هؤلاء العلماء الأوائل أي ضرر في استخدام وسيلة علمية للرؤيا إذا كانت السماء ملبدة بالغيوم، إذ من المعروف أن شهر الصيام المبارك يصادف أثناء فصل الشتاء في بعض السنوات ولا يمكن للعين المجردة أن ترصد الهلال، فما المانع إذا من استخدام المرقب كوسيلة للرصد والرؤيا؟
إن علم الفلك يؤكد وجود فوارق مختلفة بين بلد وآخر، حسب الموقع الجغرافي لكل بلد بالنسبة لخطوط الطول الجغرافية، وبما أن العالم الإسلامي شاسع واسع يمتد من أندونيسيا شرق جنوب آسيا إلى المغرب شمال غرب إفريقيا أي على ١٦٠ خطًا من خطوط الطول الأرضية، إذ أن حدود جزر أندونيسيا هي خط الطول ١٤٢ درجة شرقًا وحدود البلاد الإسلامية الإفريقية ١٨ درجة غربًا لذلك لابد من تقسيم العالم الإسلامي إلى ثلاث مجموعات جغرافية:
الأولى تقع بين خطى الطول ٣٠ درجة شرقًا و٢٠ درجة غربًا وتضم: ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا ومالى والنيجر والتشاد ونيجيريا والكامرون والداهومى وغانا وغينيا وشاطئ العاج والسنغال وليبيريا وسيراليون وجميع البلدان الواقعة بين هذين الخطين.
стр. 813
والثانية، تقع بين خطى الطول ٣٠ درجة شرقًا و٨٠ درجة شرقًا وتضم: مصر والسودان والصومال وتنزانيا والسعودية واليمن والأردن ولبنان وسوريا والعراق والكويت وبلدان الخليج وإيران وتركيا وأفغانستان الغربية وقسم من الهند.
والثالثة تقع بين خطى طول ٨٠ درجة شرقًا و١٤ درجة شرقًا وتضم: باكستان الشرقية وبورما وتايلاند والصين وماليزيا وأندونيسيا.
ولا يمكن حسب مقتضيات علم الفلك والفيزياء الفلكية أن يولد هلال رمضان المبارك أو سواه من الأهلة في جميع هذه البلدان في أن واحد ولذلك فالقاعدة الشرعية يجب أن تكون كما يلى: (إذا ولد الهلال في بلد، لا يعني ذلك بالحتم والضرورة ولادته في جميع البلدان) وليس كما هو متبع اليوم لدى الكثير من رجال الفقه الذين يتمشون على القاعدة القائلة:
(إذا ولد الهلال في بلد فهو مولود في جميع البلدان)
لذلك أقترح على سماحتكم أن تبدأوا أولًا باتباع الطريقة العلمية العملية العقلية وتوحدوا الوسائل في بلدكم ومن ثم تنطلقوا لتنظيم العالم الإسلامي بأسره على نفس الأسس العلمية.
والجمعية اللبنانية للأبحاث العلمية على استعداد لإعطاء دروس نظرية وعملية للسادة رجال الدين في كيفية استخدام المرقب الفلكي وطرق الحساب والمقاييس المتبعة في علم الفلك التجريبي، حسب ما ورد في القرآن الكريم من دعوة للتفكر في أجرام الكون ونجومه وكواكبه.
بكل إخلاص واحترام وتقدير. (١)
يوسف مروّة
مؤسس الجمعية اللبنانية للأبحاث العلمية
стр. 814
في اختلاف المطالع
جاء في كتاب (الفقه الإسلامي وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي من الفقهاء المعاصرين ما نصه:
"اختلف الفقهاء على رأيين في وجوب الصوم وعدم وجوبه على جميع المسلمين في المشارق والمغارب في وقت واحد، بحسب القول باتفاق مطالع القمر أو اختلاف المطالع ففي رأى الجمهور: يوحّد الصوم بين المسلمين، ولا عبرة باختلاف المطالع، وفي رأي الشافعية يختلف بدء الصوم والعيد بحسب اختلاف مطالع القمر بين مسافات بعيدة، ولا عبرة في الأصح بما قاله بعض الشافعية: من ملاحظة الفرق بين البلد القريب والبعيد بحسب مسافة القصر (٨٩كم) .
هذا مع العلم بأن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه، فهو أمر واقع بين البلاد البعيدة كاختلاف مطالع الشمس، ولا خلاف في أن للإمام الأمر بالصوم بما ثبت لديه؛ لأن الحاكم يرفع الخلاف وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية جدًا كالأندلس والحجاز وأندونيسيا والمغرب العربي.
وأذكر أولًا عبارات الفقهاء في هذا الموضوع المهم.
قال الحنفية: اختلاف المطالع، ورؤية الهلال نهارًا قبل الزوال وبعده غير معتبر، على ظاهر المذهب، وعليه أكثر المشايخ وعليه الفتوى، فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب، إذا ثبت عندهم رؤية أولئك، بطريق موجب، كأن يتحمل اثنان الشهادة أو يشهدا على حكم القاضي، أو يستفيض الخبر، بخلاف ما إذا أخبر أن أهل بلدة كذا رأوه، لأنه حكاية.
стр. 815
وقال المالكية: إذا رئي الهلال، عم الصوم سائر البلاد، قريبًا أو بعيدًا، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع، ولا عدمها، فيجب الصوم على كل منقول إليه، أن نقل ثبوته بشهادة عدلين أو بجماعة مستفيضة، أي منتشرة.
وقال الحنابلة: إذا ثبتت رؤية الهلال بمكان، قريبًا كان أوبعيدًا لزم الناس كلهم الصوم، وحكم من لم يره حكم من رآه.
وأما الشافعية فقالوا: إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد، بحسب اختلاف المطالع في الأصح، واختلاف المطالع لا يكون في أقل من أربعة وعشرين فرسخًا.
وإذا لم نوجب على البلد الآخر وهو البعيد، فسافر إليه من بلد الرؤية من صام به، فالأصح أن يوافقهم وجوبًا في الصوم آخرًا، وإن كان قد أتم ثلاثين، لأنه بالانتقال إلى بلدهم، صار واحدًا منهم، فيلزمه حكمهم، وروى أن ابن عباس أمر كريبا بذلك كما سيأتي.
ومن سافر من البلد الآخر الذى لم ير فيه الهلال إلى بلد الرؤية عيد معهم وجوبًا، لأنه صار واحدًا منهم، سواء أصام ثمانية وعشرين يومًا، أم تسعة وعشرين بأن كان رمضان تامًا عندهم وقضى يومًا أن صام ثمانية وعشرين؛ لأن الشهر لا يكون كذلك.
ومن أصبح معيّدًا، فسارت سفينته أو طائرته إلى بلد بعيدة أهلها صيام، فالأصح أنه يمسك بقية اليوم وجوبًا لأنه صار واحدًا منهم.
стр. 816
الأدلة
أدلة الشافعية: استدلوا على اعتبار اختلاف المطالع بالسنة والقياس والمعقول:
١- السنة: استدلوا بحديثين أولهما حديث كريب، وثانيهما حديث ابن عمر:
(أ) حديث كريب: أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام فقال: "فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علىّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألنى عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيت الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية فقال لكنا رآيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ .
(ب) حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له)) وهو يدل على أن وجوب الصوم منوط بالرؤية ولكن ليس المراد رؤية كل واحد، بل رؤية البعض.
٢- القياس: قاسوا اختلاف مطالع القمر على اختلاف مطالع الشمس المنوط به اختلاف مواقيت الصلاة.
٣- المعقول: أناط الشرع إيجاب الصوم بولادة شهر رمضان وبدء الشهر يختلف باختلاف البلاد وتباعدها، مما يقتضي اختلاف حكم بدء الصوم تبعًا لاختلاف البلدان.
أدلة الجمهور: استدلوا بالسنة والقياس:
أما السنة: فهو حديث أبي هريرة وغيره: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) فهو يدل على إيجاب الصوم على كل المسلمين معلق بمطلق الرؤية والمطلق يجرى على إطلاقه، فتكفي رؤية الجماعة أو الفرد المقبول الشهادة.
стр. 817
وأما القياس: فإنهم قاسوا البلدان البعيدة على المدن القريبة من بلد الرؤية، إذ لا فرق، والتفرقة تحكم، لا تعتمد على دليل، هذا ... وقد ذكر ابن حجر في الفتح ستة أقوال في الموضوع.
وقال الصنعاني: والقرب لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التى على سمتها أي على خط من خطوط الطول: وهى ما بين الشمال إلى الجنوب إذ بذلك تتحد المطالع، وتختلف المطالع بعد التساوي في طول البلدين أو باختلاف درجات خطوط العرض.
وقال الشوكاني: أن الحجة إنما هى في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذى فهم عنه الناس، والمشار إليه بقوله: "هكذا أمرنا رسول الله ﷺ " وقوله "فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين" والأمر الوارد في حديث ابن عمر، لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد، أظهر من الاستدلال به على اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمين، فيلزم غيرهم ما لزمهم. (١)
стр. 818
المبحث الثانى
الموازنة والمقارنة وترجيح بعض الفقهاء المعاصرين
جاء في كلام الدكتور الزحيلي:
" والذى ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية وجماعة من الزيدية واختاره المهدي منهم، وحكاه القرطبي عن شيوخه: أنه إذا رآه أهل بلد، لزم أهل البلاد كلها.
وهذا الرأي (رأي الجمهور) هو الراجح لدي توحيدًا للعبادة بين المسلمين، ومنعًا من الاختلاف غير المقبول في عصرنا، ولأن إيجاب الصوم معلق بالرؤية، دون تفرقة بين الأقطار. والعلوم الفلكية تؤيد توحيد أول الشهر الشرعي بين الحكومات الإسلامية، لأن أقصى مدة بين مطلع القمر في أقصى بلد إسلامي وبين مطلعه في أقصى بلد إسلامي آخر هي نحو ٩ ساعات فتكون بلاد الإسلام كلها مشتركة في أجزاء من الليل تمكنها من الصيام عند ثبوت الرؤية والتبليغ بها برقيًا أو هاتفيًا.
والاحتياط هو الاكتفاء بتوحيد الأعياد في حدود البلاد العربية بدءًا من عمان في الشرق إلى المغرب الأقصى " (١) .
стр. 819
المبحث الثالث
مشروعية الأخذ بالتوقيت والحساب في إثبات الأهلة وعدمه
كلام العلامة ابن عابدين في حاشية رد المحتار على الدر:
" (ولا عبرة بقول الموقتين) أي في وجوب الصوم على الناس بل في المعراج، لا يعتبر قولهم بالاجماع. ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه. وفي النهر: فلا يلزم بقول الموقتين أنه أي الهلال يكون في السماء ليلة كذا وإن كانوا عدولًا في الصحيح كما في الايضاح وللإمام السبكي الشافعي تأليف مال فيه إلى اعتماد قولهم لأن الحساب قطعي آهـ.
ومثله في شرح الوهبانية: قلت: ما قاله السبكي رده متأخر وأهل مذهبه ومنهم ابن حجر والرملي في شرح المنهاج وفي فتاوى الشهاب الرملي الكبير الشافعي سئل عن قول السبكي: لوشهدت بينة برؤية الهلال ليلة الثلاثين من الشهر وقال الحساب بعدم إمكان الرؤية تلك الليلة عمل بقول أهل الحساب لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية.
وأطال في ذلك فهل يعمل بما قاله أم لا؟ وفيما إذا رؤي الهلال نهارًا قبل طلوع الشمس يوم التاسع والعشرين من الشهر وشهدت بينة برؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان فهل تقبل الشهادة أم لا؟ لأن الهلال إذا كان الشهر كاملًا يغيب ليلتين أو ناقصًا يغيب ليلة أو غاب الهلال الليلة الثالثة قبل دخول وقت العشاء لأنه ﷺ كان يصلى العشاء لسقوط القمر الثالثة هل يعمل بالشهادة أم لا؟ فأجاب بأن المعمول به في المسائل الثلاث ما شهدت به البينة لأن الشهادة نزلها الشارع منزلة اليقين وما قاله السبكي مردود رده عليه جماعة من المتأخرين وليس في العمل بالبينة مخالفة لصلاته ﷺ ووجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية بقوله ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. الشهرهكذاوهكذا)) . وقال ابن دقيق العيد:
الحساب لا يجوز الاعتماد عليه في الصلاة. انتهى.
стр. 820
والاحتمالات التي ذكرها السبكي بقوله ولأن الشاهد قد يشتبه عليه إلخ لا أثر لها شرعًا لإمكان وجودها في غيرها من الشهادات. آهـ.
(قوله وقيل نعم الخ) يوهم أنه قيل بأنه موجب للعمل وليس كذلك بل الخلاف في جواز الاعتماد عليهم وقد حكى في القنية الأقوال الثلاثة أولًا عن القاضي عبد الجبار وصاحب جمع العلوم أنه لا بأس بالاعتماد على قولهم.
ونقل عن ابن مقاتل أنه كان يسألهم ويعتمد على قولهم إذا اتفق عليه جماعة منهم ثم نقل عن شرح السرخسي أنه بعيد.
وعن شمس الإئمة الحلواني أن الشرط في وجوب الصوم والإفطار الرؤية ولا يؤخذ فيه بقولهم.
ثم نقل عن مجد الإئمة الترجماني أنه اتفق أصحاب أبي حنيفة إلا النادر والشافعي أنه لا اعتماد على قولهم" (١) .
стр. 821
في بيان حكم قول علماء النجوم والحساب
وجاء في كلام ابن عابدين في مجموع رسائله ما نصه:
" فنقول: قد صرح علماؤنا وغيرهم بوجوب التماس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإن رأوه صاموا وإلا أكملوا العدة فاعتبروا الرؤية أو إكمال العدة اتباعًا للأحاديث الآمرة بذلك دون الحساب والتنجيم.
وقد اتفقت عبارات المتون وغيرها من كتب علمائنا الحنفية على قولهم يثبت رمضان برؤية هلاله وبعد شعبان ثلاثين.
ومن المعلوم أن مفاهيم الكتب معتبرة فيفهم منها أنه لا يثبت بغير هذين ولهذا بعد ما عبر في الكنز بما مر قال صاحب النهر في شرحه ما نصه:
وحاصل كلامه أي كلام الكنز أن صوم رمضان لا يلزم إلا بأحد هذين فلا يلزم بقول الموقتين أنه يكون في السماء ليلة كذا وإن كانوا عدولًا في الصحيح كما في الإيضاح قال مجد الإئمة وعليه اتفق أصحاب أبي حنيفة إلا النادر والشافعي. وفسر في شرح المنظومة الموقت بالمنجم وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني والحاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره في معنى النجم هنا.
стр. 822
وللإمام السبكى الشافعى تأليف مال فيه إلى اعتماد قولهم لأن الحساب قطعي.
انتهى كلام النهر.
وسيذكر أن المتأخرين من الشافعية ردوا كلام السبكي.
وفي الأشباه والنظائر قال بعض أصحابنا: لا بأس بالاعتماد على قول المنجمين.
وعن محمد بن مقاتل أنه كان يسألهم ويعتمد قولهم بعد أن يتفق على ذلك جماعة منهم ورده الإمام السرخسي بالحديث ((من أتى كاهنًا أو منجمًا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) . انتهى
قال العلامة نوح في حاشية الدرر والغرر والحديث أخرجه أصحاب السنن والحاكم وصححه بلفظ ((من أتى كاهنًا أو منجمًا فصدقه بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد)) وأخرجه أبو ليلى بسند جيد ((من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا)) . والكاهن من يخبر بالشئ قبل وقوعه كما في الجامع وفي المحكم هو القاضي بالغيب. وفي مختصر النهاية للسيوطي هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار.
وفي القاموس العرّاف كشدّاد الكاهن. وقال الخطابي هو الذي يتعاطى مكان المسروق والضالة ونحوهما. وفي المغرب هو المنجم. انتهى.
والمنجم هو الذي يخبر عن المستقبل بطلوع النجم وغروبه. وفي شرح العقائد النسفية إذا ادعى العلم بالحوادث الآتية فهو مثل الكاهن انتهى ما ذكره العلامة نوح وقد أطال في ذلك إطالة حسنة.
стр. 823
لكن اعترض بعض محشى الأشباه الاستدلال هنا بالحديث المذكور بأنه لا يبعد أن يقال أن المراد منه النهى عن تصديق الكاهن ونحوه فيما يخبر به عن الحوادث والكوائن التى زعموا أن الاجتماعات والاتصالات العلوية تدل عليها وهو المسمى علم الأحكام وحكمها لا يصح وإن ادعوا الجزم بها كفروا أما مجرد الحساب مثل ظهور الهلال في اليوم الفلاني ووقوع الخسف في ليلة كذا فلا تدخل في النهي بدليل أنه يجوز أن يتعلم به ما يعلم مواقيت الصلاة والقبلة. انتهى.
فالأولي الاستدلال بالأحاديث الدالة على اعتبار الرؤية لا العلم فإنه ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته)) وقال ((فإن غم عليكم فاكملوا العدة)) ولم يقل فأسألوا أهل الحساب بل قال ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) (وما ذكره) محشي الأشباه قد رايت نحوه منقولًا في أواخر فتاوى الكازروني قال: وفي الجامع الكبير في معالم التفسير في قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ قال الفقيه ﵁ أن ما يخبر به المنجم لا يكون غيبًا فلا يناقض قوله تعالى ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهو على وجهين أن كان المنجم يقول أن هذه الكوائن مخلوقات الله مسخرات بأمره وهي دليل على بعض الأشياء فإنه لا يكون كفرًا وإن جعلها مختارات فاعلات بنفسها لا يكون غيبًا لأن ما يعرف بالحساب لا يكون غيبًا كما أن صبرة من المكيلات أو الموزونات أو المعدودات لو عرف مقدارها بالكيل والوزن والعدد لم يكن ذلك علمًا بالغيب. فكذلك ما يعرف بالرمل ولأنه قول بالظن وغالب الظن ليس علمًا بالغيب لأن المحققين من المنجمين مجمعون على أنه علم بغلبة الظن لأن هذه الأجرام العلوية يحتاج الحاسب إلى مساحتها ومعرفة سيرها ومطرح شعاعها وإنما يعرف ذلك بطريق التقريب لا على الحقيقة فمنهم مخطئ ومصيب.
وأما الحديث فإن ثبت فهو محمول على كهّان العرب والعرافين فإنهم كانوا مشركين يزعمون أن التأثير للفلك الأعظم وأنه الفاعل نفسه ومن قال مثل قولهم وصدقهم فيه فهو كافر وأما إذا صدق بالحساب والكواكب مع اعتقاده بأنها أمارات وأسباب فلا. هذا هو أصل المذهب فاحفظه. انتهى ملخصًا.
(رجعنا) إلى أصل المسألة فنقول الحاصل أن للمتأخرين ثلاثة أقوال نقلها الإمام الزاهدي في القنية (الأولى ما قاله القاضي عبد الجبار وصاحب جمع العلوم أنه لا بأس بالاعتماد على قول المنجمين (الثاني) ما نقله عن ابن مقاتل أنه كان يسألهم ويعتمد على قولهم إذا اتفق عليه جماعة منهم (الثالث) ما نقله عن شرح الإمام السرخسي أن الرجوع إلى قولهم عند الاشتباه بعيد لحديث ((من أتى كاهنًا)) ثم نقل أيضا عن شمس الإئمة الحلواني أن الشرط عندنا في وجوب الصوم والإفطار رؤية الهلال ولا يؤخذ فيه بقول المنجمين. ثم نقل عن مجد الإئمة الترجماني أنه اتفق أصحاب أبي حنيفة إلا النادر والشافعي أن لا اعتماد على قول المنجمين في هذا.انتهى.
стр. 824
(وقد) ذكر الأقوال الثلاثة ابن وهبان في منظومته جازمًا بالراجح منها قال (وقول أولي التوقيت ليس بموجب. وقيل نعم والبعض أن كان يكثر) . (وفي) الدر المختار ولا عبرة بقول الموقتين ولو عدولًا على المذهب انتهى. (وفي) البحر في غاية البيان من قال يرجع فيه إلى قولهم فقد خالف الشرع انتهى. (وفي) معراج الدراية ولا يعتبر قول المنجمين بالإجماع ومن رجع إلى قولهم فقدخالف الشرع وما حكي عن أنهم قالوا يجوز أن يجتهد في ذلك ويعمل بقول المنجمين غير صحيح لحديث ((من أتى كاهنًا)) والمروي عنه ﷺ ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) أي بإكمال العدة كما جاء في الحديث كذا في المبسوط. ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه وللشافعي ﵀ وجهان انتهى (وقد) نقل في التتارخانية ما مر من الأقوال. ثم نقل عن تهذيب الشافعية أنه لا يجوز تقليد المنجم في حسابه لا في الصوم ولا في الإفطار وأن في جواز العمل بحساب نفسه وجهين. ومقتضى سكوته عليه أنه ارتضاه ولا مانع من جواز عمله به لنفسه إذا جزم به لما صرحوا به من جواز التسحر والإفطار بالتحري في ظاهر الرواية. وكذا لو أخبره عدل أن الشمس غربت ومال قلبه إلى صدقه له أن يعتمد على قوله ويفطر في ظاهر الرواية كما في التتارخانية أيضًا. وكذا الأسير في دار الحرب يتحرى في دخول الشهر ويصوم وعليه فيمكن التوفيق بين الأقوال الماضية بحمل القول بالعمل به على الجواز لنفسه أو لمن صدقه والقول بعدمه على الوجوب فلا يلزم الأخذ بقوله ولا يثبت به الهلال اتفاقًا. هذا ما ظهر لي والله تعالى أعلم.
стр. 825
(وأما عند المالكية) ففي مختصر الشيخ خليل أنه لا يثبت بقول المنجم قال شارحه الشيخ عبد الباقي لا في حق نفسه ولا في حق غيره ولو كأهله ومن الاعتناء لهم بأمره والمنجم الحاسب الذ لا يحسب قوس الهلال ونوره وفي كلام أنه الذي يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلانى والحاسب هو الذى يحسب سير الشمس والقمر. وعلى كل لا يصوم أحد بقوله ولا يعتمد هو نفسه على ذلك وحرم تصديق منجم ويقتل أن اعتقد تأثير النجوم وأنها الفاعلة. انتهى
(وأما الشافعية) ففي الأنوار (للاردبيلي) ولا يجب معرفة منازل القمر لا على العارف بها ولا غيره. انتهى.
(وفي ينابيع الأحكام ولا عبرة بقول المنجم مطلقًا فلا يصوم وإن علم بالحساب أنه أهل على الأظهر إذْ تحكيمه قبيح شرعًا.) انتهى.
وفي شرح المنهاج لابن حجر: لا قول منجم أولا يجب الصوم بقول المنجم وهو من يعتمد النجم وحاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره ولا يجوز لأحد تقليدهما. نعم لهما العمل لعلمهما ولكن لا يجزيهما عن رمضان كما صححه في المجموع وإن أطال جمع في رده. انتهى.
(وفي) شرحه للرملي: وفهم من كلامه أي كلام المنهاج عدم وجوبه بقبول المنجم بل لا يجوز. نعم له أن يعمل بحسابه ويجزيه عن فرضه على المعتمد وإن وقع في المجموع عدم إجزائه عنه وقياس قولهم أن الظن يوجب العمل أن يجب عليه الصوم وعلى من أخبره وغلب على ظنه صدقه والحاسب في معنى المنجم الذي يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلانى. انتهى ملخصًا.
وفي حاشية الشبراملسي على الرملي عند قوله نعم له أن يعمل بحسابه به قال ابن قاسم على ابن حجر (سئل) الشهاب الرملي عن المرجح من جواز عمل الحاسب بحسابه في الصوم هل محله إذا قطع بوجوده ورؤيته أم بوجوده وإن لم تجز رؤيته فإن أئمتهم قد ذكروا للهلال ثلاث حالات: حالة يقطع فيها بوجوده وامتناع رؤيته. وحالة يقطع فيها بوجوده ورؤيته. وحالة يقطع فيها بوجوده ويجوزون رؤيته (فأجاب) بأن عمل الحاسب شمل للمسائل الثلاث. انتهى.
стр. 826
(وفي) شرح الرملي أيضا وشمل كلام المعد ثبوته "١- بالشهادة ما لو دل الحساب على عدم إمكان الرؤية وانضم إلى ذلك أن القمر غاب ليلة الثالث على مقتضى تلك الرؤية قبل دخول وقت العشاء لأن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية وهو كذلك كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى خلافًا للسبكى ومن سبقه. انتهى.
(قلت) وعبارة والده في فتاواه (سئل) عن قول السبكى لو شهدت بينة برؤية الهلال ليلة الثلاثين من الشهر وقال الحساب بعدم إمكان الرؤية تلك الليلة عمل بقول الحساب لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية وأطال الكلام في ذلك فهل يعمل بما قاله أم لا؟ وفيما إذا رؤي الهلال نهارًا قبل طلوع الشمس يوم التاسع والعشرين من الشهر وشهدت بينة برؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبأن هل تقبل الشهادة أم لا لأن الهلال إذا كان الشهر كاملًا يغيب ليلتين أو ناقصا يغيب ليلة. أو غاب الهلال الليلة الثالثة قبل دخول وقت العشاء لأنه ﷺ كان يصلي العشاء لسقوط القمر الثالثة هل يعمل بالشهادة أم لا؟ (فأجاب) بأن المعمول به في المسائل الثلاثة ما شهدت به البينة لأن الشهادة نزلها الشارع منزلة اليقين.
وما قاله السبكى مردود رده عليه جماعة من المتأخرين وليس في العمل بالبينة مخالفة لصلاته ﷺ .
стр. 827
ووجه ما قلنا، أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية بقوله ((نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا)) وقال ابن دقيق العيد الحساب لا يجوز اعتماد عليه في الصيام. انتهى.
والاحتمالات التي ذكرها السبكي بقوله ولأن الشاهد قد يشتبه عليه إلخ لا أثر لها شرعًا لإمكان وجودها في غيرها من الشهادات انتهى كلام الرملي الكبير.
(وفصل) المحقق ابن حجر بأن الذى يتجه فيما لو دل الحساب على كذب الشاهد بالرؤية أن الحساب أن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر ردت الشهادة وإلا فلا.
وقال: وهذا أولى من إطلاق السبكي إلغاء الشهادة المذكورة وإطلاق غيره قبولها. انتهى ملخصًا.
(لكن) اعترضه محشية العلامة ابن القاسم بأنه إخبار عدد التواتر إنما يفيد القطع إذا كان الإخبار عن محسوس فيتوقف على حسية تلك المقدمات والكلام فيه. انتهى. يعني أن كون تلك المقدمات حسية غير مسلم بل هى عقلية أي غير مدركة بإحدى الحواس والعقلى لا يثبت بالتواتر لأنه مما يخطئ فيه الجمع الكثير كخطأ الفلاسفة في قِدم العالم وإلا لزم ثبوت قدمه لاتفاق معظمهم عليه وإن كانوا كفارًا إذ ليس من شرط التواتر إسلام المخبرين كما في شرح التحرير لابن أمير حاج. والله تعالى أعلم.
(وأما عند الحنابلة) ففي الغاية وشرحها من باب صلاة الكسوف: ولا عبرة بقول المنجمين في كسوف ولا غيره مما يخبرون به ولا يجوز عمل به لأنه من الرجم بالغيب فلا يجوز تصديقهم في شئ من المغيبات. انتهى
(فحيث) علم أنه لا اعتماد على ما يقوله علماء النجوم والحساب في إثبات الشهر لعدم اعتباره في الشرع المعلق فيه وجوب الصوم أو الفطر على الرؤية لا على القواعد الفلكية ظهر وتبين خطأ من عارض رؤية الشهر في عامنا هذا الثابتة بالبينة التي اعتبرها الشارع ﷺ وبنى الأحكام عليها بمجرد الإخبار عن جماعة أنهم رأوا الهلال نهارًا واعتمد على ذلك حتى صام يوم عيده بلا مسوغ شرعى بل بمحض الاحتمال العقلي المخالف لنصوص الشرع التي اعتبرها الإئمة المجتهدون وأتباعهم المعتمدون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (١) .
стр. 828
الفصل الثاني
ما ذهب إليه المؤلف بدليله:
١- ما ذهب إليه المؤلف في المطالع
٢- وما ذهب إليه في مسألة الحساب
المبحث الأول
ما ذهب إليه المؤلف في المطالع
بعد هذه الجولة في رياض الفقه وحدائقه الغناء، والاطلاع على ما كتب الفقهاء المسلمون في هذه القضية أقول - وبالله التوفيق -: " الذي ثبت لدى علماء الطبيعة اليوم في هذا القرن - القرن العشرين الميلادي، الخامس عشر الهجري - وإني أكتب في يوم الأحد الواقع في ١ المحرم سنة ١٤٠٦ هـ - الموافق (١٥ أيلول ١٩٨٥ م) الذي ثبت بعد اكتشاف مجاهيل الأرض وقاراتها، لا سيما أمريكا، منذ قرابة أربعمائة سنة ونيف أن كلا من القولين (القول باتحاد المطلع لدى أهل المشرق والمغرب، والقول باختلاف المطالع بين كل بلد وبلد ومصر ومصر) كليهما مجانف عن الصحة، بعيد عن الحقيقة العلمية.
ذلك؛ لأن الأرض كما ثبت أهليليجية التكوين (بيضوية) (١) ولها وجهان؛ وجه منير باتجاه الشمس، ووجه معتم باتجاه العكس. فساعة يكون النهار في أوله في الوجه المنير يكون الليل في أوله في الوجه المعتم، ومن هنا يختلف توقيت الزمان، وتوقيت الساعات وما إلى ذلك ...
فتأسيسا على ذلك لا بد من معيار علمي مجرد، نمسك به في حل هذه المشكلة، ألا وهو خطوط الطول.
فلنقسم الأرض حسب هذا المعيار (خطوط الطول) إلى ثلاثة أقطار كبرى رئيسية، والفواصل بينها طبيعية كالبحار:
١- القارة الأمريكية كلها قطر، بما فيها الولايات المتحدة، وكندا والبرازيل وأمريكا الجنوبية والجزر التابعة لها إلى قناة بنما.
٢- من المغرب الأقصى وما يسامته شمالا من بريطانيا وفرنسا وإسبانيا إلى الخليج العربي شرقا وما يسامته شمالا من العراق وتركيا وجبال الأورال. كل ذلك قطر وفيما بين ذلك مثل الجزيرة العربية وبلاد الشام وتركيا وأروبا الشرقية والغربية والمغرب الأوسط والأدنى ومصر والسودان والحبشة وما إلى ذلك.
٣- ومن شرق الخليج العربي إلى اليابان قطر، بما فيه من إيران وبلاد الهند والباكستان والأفغان والجمهوريات السوفياتية الإسلامية وبلاد الصين وبلاد اليابان (جزر اليابان) .
فكل قطر من هذه الأقطار الثلاثة وحدة مكانية مستقلة عما عداه من القطرين الآخرين، إذا رؤي الهلال فيه لا يلزم القطر الثاني والثالث، بل يلزم ذلك القطر بكل ما فيه من أمصار ودول وبلاد. والله أعلم.
стр. 829
المبحث الثاني
خلاصة ما ذهب إليه المؤلف في شأن الحساب لإثبات الأهلة
ذهب الفقهاء الأقدمون ﵃ والمعاصرون - وفقنا الله وإياهم في هذه المسألة - إلى مذهبين: مذهب أخذ بالحساب مطلقا، ومذهب رفض الأخذ بالحساب مطلقا في شأن إثبات الأهلة.
والذي أراه أن كلا من هذين المذهبين - مع توقيري وتقديري لأصحابهما - إفراط وتفريط، والصواب هو الوسط بين هذا وذاك، لكن لا ضير على من اجتهد فلم يحالفه الصواب فأخطأ فله أجر واحد، وأسأله تعالى أن أكون من أصحاب الأجرين.
الصواب الذي يبدو لي، وهو ما ينبغي أن يصار إليه هو: أن الأصل في إثبات الأهلة الرؤية البصرية أو التلسكوبية من على ظهر الأرض لا في السماء ولا على شاهق جبل، لقوله ﵊: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) .
فإذا حصل المقصود بهذا الأصل فيها ونعمت كأن جزمنا بالرؤية لوقوعها بأحد الأمرين المذكورين؛ العين المجردة والتلسكوب من على ظهر الأرض وسهلها، وكانت السماء مصحية.
وإذا كانت السماء مصحية ولم ير الهلال في القطر كله كما قدمت في مبحث المطالع، لم نعمد إلى الحساب لوضوح الأمر ولا نقلد قطرا مجاورا كما مر.
وأما إذا كانت السماء غير مصحية واحتمل الأمران ولادة الهلال وعدمها ولم تحدث رؤية معتبرة، فعندها نستطيع الأخذ بقول الفلكيين وأصحاب الأرصاد الجوية ذوي الحسابات الدقيقة لأنهم على علم شبه قطعي بذلك وغلطهم نادر، والعلم يتفق مع الدين ولا يتنافى معه بحال لا سيما إذا كان الشهر الذي انمحق هلاله تسعا وعشرين، واحتمل أن يكون ما بعده الثلاثين أو الواحد من الشهر الجديد.
أي مزيد الانمحاق أو الولادة الجديدة، وأعتقد أن هذا الأخذ بقول أهل الأرصاد الجوية وأصحاب الفلك في هذه المسألة رؤية قلبية تدخل تحت الرؤية الشرعية، لأن الرؤية القلبية مجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة كما قرر الأصوليون (١) ، ونحن لا نصير إلى هذه الرؤية القلبية إلا عند تعذر الرؤية البصرية واحتمال الولادة وعدمها شرعا، والله تعالى أعلم.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..
стр. 830
خاتمة الرسالة
في هذه الرسالة يرى القارئ المنصف أن كل ما قيل في هاتين القضيتين: (المطالع والحساب) في إثبات الأهلة والشهور القمرية قديما وحديثا لم يوفق كله للصواب، فكان فيه ما يؤخذ وما يترك، وكان بمثابة دراسة نقلت للقارئ الكريم خلاصتها.
واستطعت بتوفيق الله تعالى أن أتحاشى الإفراط والتفريط وهو ما وقع فيه أكثر الفقهاء القدامى والباحثين المعاصرين في هاتين القضيتين المهمتين وأن أستخلص من ذلك كله عسلا لذة للشاربين.
وأرى أن يكون بحثي هذا مفتاحا للدراسات المستقبلية إن شاء الله تعالى في مجمعنا الفقهي العظيم وفي غيره فمن تلاقح الأفكار تتولد الحقيقة العلمية.
وإني إذ أتقدم ببحثي هذا بكل اعتزاز إلى مجمع الفقه الإسلامي العتيد ذي الصفة الرسمية العالمية (التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي) بجدة، لأبادر فأشكر للسادة القائمين عليه برئاسته الرشيدة وأمانته المخلصة ما هم أهل له، كفاء ما يقومون به هم وإخوانهم من خدمة للفقه الإسلامي العظيم أسأل الله تعالى أن يكافأهم عليها.
وما أحسن ما قال الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي ﵁: "علمنا هذا رأي وهو أحسن ماقدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه كان أحق".
والحمد لله أولا وآخراً..
مسرد
أبرز المصادر والمراجع
١- تفسير أحكام القرآن الإمام القرطبي ط دار الكتب المصرية
٢- أحكام القرآن الإمام الجصاص الرازي الحنفي ط القاهرة ٣ مجلدات
٣- مدارك التنزيل ومحاسن التأويل الإمام النسفي (حافظ الدين أبو البركات)
٤- تفسير آيات الأحكام الشيخ محمد علي السايس
٥- مفاتيح الغيب الإمام الفخر الرازي
٦- شرح صحيح البخاري الإمام العيني ط القاهرة
٧- حاشية رد المحتار على الدر في فقه الحنفية العلامة ابن عابدين (محمد أمين) ط أميرية بولاق سنة ١٢٧٢مع فهرس الخضر وموسوعة الكويت
٨- مجموع رسائل ابن عابدين / جزءان العلامة ابن عابدين (محمد أمين) ط محمد هاشم الكتبي / استانبول در سعادت سنة ١٣٢٩
٩- رسالة (إرشاد الملة إلى إثبات الأهلة) العلامة محمد بخيت المطيعي مفتي الديارالمصرية
(من مجموع رسائل) مط كردستان بمصر ١٣٢٩
١٠- العلم المنشور في إثبات الشهور العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي
(من مجموع رسائل) السبكي مع تعليقات للشيخ محمد جمال الدين القاسمي مط كردستان بمصر سنة ١٣٢٩
١١- العلوم الطبيعية في القرآن الأستاذ يوسف مروة / منشورات مروة العلمية
١٢- الفقه الإسلامي وأدلته الدكتور وهبه الزحيلي / دار الفكر بدمشق
١٣- الوجيز في أصول استنباط الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
الأحكام في الشريعة الإسلامية
١٤- ابن عابدين وأثره في الفقه الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
(دراسة مقارنة) (رسالة دكتوراه)
١٥- مقال تفسير قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الأهلة﴾ في مجلة (نهج الإسلام)
الزاهرة بدمشق
стр. 831
بدايات الشهور العربية الإسلامية
لفضيلة الشيخ هارون خليف جيلي
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعملوا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق، يفصل الآيات لقوم يعلمون. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..
فإن دراسة بدايات الشهور العربية - أي القمرية الإسلامية - دراسة فقهية ليست بالعمل الهين، بل البحث فيها وفيما تثبت به وكيف يمكن توحيدها بداية ونهاية أمر يحتاج إلى عالم متخصص في علمي الأصول: أصول الفقه والحديث، وعلمي الهيئة والميقات، متوفرة لديه أمهات الكتب: الحديث والفقه من جميع المذاهب، فأنى لي هذا، وأنا لست من ذلك في شيء يذكر.
ولكني لما رأيت هذا الموضوع - موضوع " توحيد بداية الشهور العربية " أول موضوع مدرج في جدول مواضيع الفقه المطلوبة بحثا ودراستها في هذا العام - كما اقترحته شعبة التخطيط، أعجبني ذلك العنوان الفريد، وجذبني إلى النظر والبحث من مظانه سيمة التفرق والانقسام بين الأمة المسلمة في شتى الميادين، وحتى في مواسم الأعياد ومواقيت العبادة وحثني إلى انتقائه الحب فيما يقرب ويوحد مواقيت مشاعر الموحدين، فاخترت هذا الموضوع للبحث والكتابة، قدر ما سنحت لي الفرصة ووسعت هذه العجالة، وسميتها (توحيد بدايات الشهور الإسلامية) .
وأجتهد قدر وسعي أن تكون رسالة وجيزة ليس فيها إلا آيات القرآن الكريم، وأحاول أن ألا أذكر فيها من الآيات والأحاديث والآثار والأقوال إلا ما له علاقة متينة بموضوع الرسالة، وأن لا أشرح كلمات ما سأكتبه من آية وحديث إلا ما يتصل به غرض من أغراض الرسالة أو خفي معناه، لضيق الوقت.
وسأقسم كلامي عن هذه الرسالة إلى:
١- الشهور العربية جاهلية وإسلاما
٢- الأمور المرتبطة بالأشهر القمرية
٣- أدلة بداياتها وأقوال الفقهاء فيها
٤- حكم اختلاف المطالع وأقوال الفقهاء
٥- خاتمة في خلاصة.
هذا وأسأل الله الكريم أن يوفقني فيما أكتب إلى ما فيه الحق والخير والسداد، إنه ولي التوفيق
стр. 832
(١) الشهور العربية جاهلية وإسلاما:
تمهيد:
إن الإنسان فكر قديما في تقسيم السنة إلى فصول طبيعية.. وسلكوا في تحديد تلك إلى طريقين: استخدام مراحل الشمس، واستخدام منازل القمر
من هؤلاء المفكرين الأمم البائدة التي عاشت في الشرق الأوسط، كالمصريين القدماء والبابليين والسومريين..
فقد استخدم المصريون تقويما شمسيا ابتدعوه سنة (٤٢٣٦) قبل الميلاد اعتبروا السنة في تقويمهم هذا (٣٦٥) يوما، وقسموها إلى (١٢) شهرا، طول كل شهر (٣٠) يوما وأضافوا إليها (٥) خمسة أيام آخر كل سنة، استحدث السومريون تقويما قمريا، استحدثوه منذ سنة (٣٥٠٠) قيل الميلاد، جعلوا أيام السنة (٣٥٤) يوما.
واستحدث العرب الجاهليون شهورا قمرية سموها بأسماء لا وجود لها في نظر الشريعة، مثل الأسماء التالية:
" المؤتمر - ناحر - خوان - بصان - ختم - زياد - الأصم - عادل - ناتق - وعل - هواغ - برك".
ثم أحدثوا شهورا أخرى - شمسية - برجية - سموها كالآتي:
" ربعي - دفئى - ناتق - ناحر- آحر - بخباخ - حرقى - وسمى - برك - شيبان - ملعان - رنة "
وهذه الشهور البرجية والتي قبلها شهور عربية قلما تسمعها الآن؛ لأنها شهور جاهلية قديمة، لم يأتها الإسلام وهي حية فلا يتعلق بها شيء من العمل الإسلامي.
أما الشهور العربية الإسلامية التي يذكرها الله تعالى في كتابه وربط بها كثيرا من أعمال الإسلام، هي التي استخدم بها عرب الجزيرة في الجاهلية الأولى وهم سموها بأسمائها المعرفة لدى جميع المسلمين، وهي الشهور العربية الإسلامية القمرية الاثنا عشر، التي ذكرها الله بقوله الحكيم: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ صدق الله العظيم.
стр. 833
هذه الأشهر قد سمتها العرب بأسمائها الحالية بمناسبات كانت وقت التسمية، وبعض المناسبات منها باقية كما في الآية وهي - أي أسماء الشهور العربية القمرية الاثنا عشر المذكورة في الآية السابقة هذه:
١ " محرم ": سمي بذلك الاسم؛ لأنه من الأشهر الحرم.
٢ " صفر ": سمي به لأن ديار العرب كانت تخلو من أهلها وقت التسمية، بعد خروجهم إلى الحرب بعد المحرم.
٣- ٤ " ربيع الأول " و " ربيع الثاني" سميا به لأنهما وقعا في الربيع وقت التسمية.
٥-٦ " جمادى الأولى" و" جمادى الآخرة " سميا به لوقوعهما وقت التسمية حين يجمد الماء.
٧ " رجب " سمي به لأنهم كانوا يعظمونه بترك القتال فيه.
٨ " شعبان " سمي به تشعب القبائل فيه للغارات بعد قعودهم عنها في رجب.
٩ " رمضان " من الرمضاء سمي به لأن التسمية وقعت عند اشتداد الحر.
١٠ " شوال " سمي به لأن الإبل كانت ترفع فيه أذنابها وقت التسمية طلبا للقاح.
١١ " ذو القعدة " سموه بهذا الاسم لقعودهم فيه عن القتال.
١٢ " ذو الحجة " سمي به لأنهم كانوا يقيمون فيه الحج.
وإن هذه الأشهر الاثني عشر تستغرق من الزمن حوالي: (٣٥٤) يوما، أو (٣٥٥) يوما؛ لأن الشهر قد يكون (٣٠) يوما، وقد يكون (٢٩) يوما، وقد قيل أن طول الشهر القمري بالدقة يستغرق (٢٩) يوما و (١٢) ساعة، و (٤٤) دقيقة، و (٣) ثوان، والله أعلم.
стр. 834
وهو ما كتبه الدكتور إحسان هندي في مجلة الفيصل، عدد (٤٤) صفر (١٤٠١هـ) : " أن تلك الشهور الاثني عشر هي التي خلدها الله في كتابه في الآية السابقة، فأصبحت إسلامية بأوصافها التي سميت".
وقد بين النبي ﷺ أسماء الأشهر الحرم التي أجملتها الآية الكريمة، فعن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ خطب في حجته فقال: ((ألا أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذوالحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)) . رواه أحمد، وأخرجه البخاري في التفسير.
فحقا إنها هي الشهور الإسلامية القمرية، وهي التي يدور عليها فلك الأحكام الشرعية، وقد حفظها الله تعالى في كتابه المكنون في اللوح المحفوظ، فلا تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص.
وإن بداية الشهر ونهايته يكونان بتقدير من الله الذي جعل الشمس ضياء، والقمر نورا، وقدره منازل - أنزل القمر منازل متعددة، ولله الحكمة البالغة في خلقه، جعل القمر متنقلا طول الشهر من منزل لآخر، ليعلمنا عدد شهور السنة وأيامها، وما خلق الله ذلك القمر المنير المتنقل في منازله إلا بالحق، ولكن لا يفهم تلك الحقيقة إلا العالمون.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ صدق الله العظيم.
الله خلق الشمس وجعلها ضياء وهاجا لترسل أشعتها إلى الكون الفسيح فتبدد الجليد والثلوج وخلق القمر وجعله نورا يهتدى به في ظلمات البر والبحر، وقدر له منازل ينزل كل يوم منها منزلا، فيتغير نوره حيث يبدو أول الشهر ضئيلا ثم يكبر شيئا فشيئا حتى يصير بدرا منيرا ثم ينقبض رويدا رويدا إلى أن يعود إلى ما كان عليه فيصبح كعرجون النحل معوجا ضعيفا، فسبحان من خلق ذلك وقدره تقديرا، وقال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ صدق الله العظيم.
هذه وقد قدر الله ذلك وأتقنه ليعلمنا كيف نحسب الزمن، فنؤدي كل وقت ما أناط من عمل.
стр. 835
٢- الأعمال المرتبطة بالأشهر القمرية:
قد علمنا فيما سبق أن الشهور القمرية هي التي تدور عليها أحكام الشريعة الإسلامية الزمنية، لا الشمسية؛ وذلك لظهور علامتها، وسهولة معرفتها لجميع الطبقات؛ من بدوي ومدني.
ولفظ الشهر والسنة إذا إطق في عرف الشريعة الإسلامية فإنه يقع على القمرية، فالتأجيل في الشهور والسنين هلالية عند الإطلاق؛ لذا ربط الله بها أعمالا كثيرة، كحرمة القتال في الأشهر الحرم، قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾
ومنها: كفارة الظهار، إذا كانت صوما، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾
ومنها: عدة الوفاة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾
ومنها: عدة الآئسة المطلقة، قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾
ومنها: أداء الحج، فإنه لا يصح إلا في أشهر ثلاثة قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾
وهي: شوال، ذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة فالجمع للتغليب، وقد بينته السنة النبوية الشريفة.
ومنها: الصيام المفروض علينا في رمضان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ إلى آخر الآيات ... وغير ذلك من الأعمال المرتبطة بالشهور أو بالسنين، كالأجل للديون، وغيرها من المعاملات.
فكل هذه الأعمال وغيرها من الأعمال المربوطة بالشهور والسنين تحتاج إلى ظروفها الخاصة وتعداد أشهرها القمرية. وقد قيل: " أن حول الزكاة الحولية من هذه الأعمال التي تتعلق بالسنة القمرية فلو عاش غني مسلم في غناه (٣٣) عاما شمسيا وأخرج زكاة تجارته سنويا بالعام الشمسي فإنه بقي في ماله زكاة عام آخر؛ لأن كل (٣٣) عاما شمسيا يكون (٣٤) عاما قمريا.
وهذا مما يفرض على المسلمين أن يعتنوا بالمحافظة على الشهور القمرية بصفة عامة، وبالمحافظة على الأشهر التي تعلقت بعينها أحكام محدودة بصفة خاصة - كالأشهر الحرم وأشهر الحج ورمضان والتي قبلها - وهي: سبعة أشهر متوالية: رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة، محرم؛ لأن ثبوت رمضان في حالة الغيم ونحوه يكون بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما - كما سيأتي - وأن ذلك التعداد لا يمكن إلا بثبوت بداية أشهر الحج، ونهايتها بداية الأشهر الحرم وهلم جرا ... إلى نهاية شهر محرم؛ لأن به بداية الأشهر التي يباح فيها بدء قتال الأعداء، ولا تنس التشويش والشكوك التي أثار المشركون غبارها حول قتل الحضرمي.
стр. 836
٣- بداية الشهر وأقوال الفقهاء فيها وأدلة كل:
بداية شهر رمضان: إما برؤية الهلال، وإما بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، وليس هناك خلاف معتبر في اعتبار هاتين عند الفقهاء، ولكنهم اختلفوا في نصاب الشهادة المقبولة في الرؤية إلى قولين:
(أ) فقال فريق منهم بقبول شهادة العدل الواحد، ومن هذا الفريق: الشافعي وأحمد بن حنبل، وبه قال المؤيد بالله.
ودليلهم على ذلك القول الأحاديث الصحيحة مثل حديث ابن عمر:
١- فعن ابن عمر ﵁ قال: " تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه". رواه أبو داود، والحاكم، وابن حبان، وصححاه.
وقالوا: " أن هذا الحديث ينص بقبول شهادة رجل عدل واحد، وهو عبد الله بن عمر ﵄ والنبي ﷺ هو الذي قبل تلك الشهادة، والأمة تابعة له في هذا..وهو نص صريح كما قالوا.
٢- وعن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: " جاء إعرابي إلى النبي ﷺ فقال: ((إني رأيت الهلال - يعني رمضان - فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. فقال: أتشهد أن محمدا ورسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا)) . (رواه الخمسة إلا أحمد) .
وقالوا: إن هذا ينص بوضوح بأن النبي ﷺ قبل شهادة الرجل واحد من الأعراب لا يعرف من أعماله الإسلامية شيئا إلا الشهادتين فعدالته مستورة لذا قالت الشافعية: أن العدالة المستورة مقبولة في شهادة رؤية الهلال، وهو نص صريح كما قالوا.
стр. 837
٣- وروى الدارقطني " أن رجلا شهد عند علي بن أبي طالب ﵁ برؤية هلال رمضان، فصام، وأمر الناس أن يصوموا".
وهذا الحديث يبين أن عليا - وهو الخليفة الرابع - قبل شهادة رجل واحد لا يدري عدالته من شيء. وهو نص صريح على قبول شهادة الواحد.
(ب) وقال الفريق الآخر: أن الشهادة المقبولة في رؤية هلال رمضان شهادة شاهدي عدل فأكثر ومن هذا الفريق: الإمام مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والأحناف، والهادوية. واستدلوا على مذهبهم بحديثين هما:
عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه، فقال: " ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وأنسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا لرؤيته وأفطروا)) . رواه أحمد والنسائي ولم يقل (مسلمان) .
٢- وعن أمير مكة - الحرث بن حاطب - أنه قال: " عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهد عدل نسكنا بشهادتهما ". رواه أبو داود، والدارقطني.
ومحل شاهد قول الفريق هو لفظة ((أنسكوا لها)) أي للرؤية في الحديث الأول، ولفظة " أن ننسك للرؤية " في الحديث الثاني، ومعناهما: الاهتمام للرؤية اهتماما أكثر من الاهتمام لإكمال العدة.
وهناك شاهد أقرب إلى المراد، وهو قوله في الأول: ((فإن شهد شاهدان فصوموا)) . وقوله: " فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما".
فمن هنا أخذوا أن شهادة الاثنين لا بد منها لإثبات رمضان بالرؤية وليس لهم دليل في هذا إلا في مفهومه التقديري.
هذه أدلة الفريقين في قبول شهادة رؤية الهلال كما ترى فإذا قارنا فيما بينهما مقارنة بسيطة يتبين لنا الأقوى منهما.
لقد استدل الفريق الأول بالأحاديث الثالثة السابقة وهي ظاهرة الدلالة؛ لأن الحديث الأول يدل دلالة واضحة أن النبي ﷺ قبل شهادة عدل واحد، وهو ابن عمر ﵁.
وأن الحديث الثاني يدل مثل دلالة الأول على أنه ﷺ قبل شهادة أعرابي مجهول العدالة لا يدري من أخلاقه شيئا إلا أنه شهد عند النبي الشهادتين.
стр. 838
وأن الحديث الثالث يدل ما دل الحديثان السابقان من شهادة الرجل الواحد والقبول بها.
ولهذا الفريق أحاديث أخرى، نذكر منها حديثين هما:
١- حديث لابن عمر وابن عباس معا من طريق طاووس قال " شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس ﵄ فجاء رجل إلى واليها، وشهد عنده على هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه، وقالا " أن رسول الله ﷺ أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين". رواه الدارقطني والطبراني في الأوسط، وقال الدارقطني: " تفرد به حفص بن عمر الإيلي وهو ضعيف باتفاق، وإنما أوردنا هذا الحديث لأن فيه شبه حظ لكل من الفريقين.
٢- وروى الشافعي في كتاب " الأم ": أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، عن أمه فاطمة بنت حسين: (أن رجلا شهد عند علي ﵁ على رؤية هلال رمضان فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا..) .
وأما ثبوت الهلال: بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، فليس فيه خلاف معتبر، ودليل ثبوته بالإكمال هو حديث أبي هريرة الصحيح وما شاكلته من كل حديث جمع بين رؤية الهلال وإكمال العدة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما)) . رواه البخاري ومسلم.
وذلك لأن هذا الحديث وأمثاله كما دل بأوله أن الرؤية أثبتت الشهر فإن إكمال عدة شعبان يثبت الشهر أيضا. فلذلك وغيره يدل دلالة واضحة على ثبوت رمضان برؤية الهلال في حالة الصحو، وفي حالة الغيم بإكمال شعبان ثلاثين يوما.
стр. 839
وفي ثبوت شهر شوال:
اعلم أن ثبوت شوال كثبوت رمضان إما برؤية الهلال وإما بإكمال عدة رمضان ثلاثين يوما.
فأما ثبوته بإكمال رمضان: فإنه ليس فيه خلاف، إلا ما قالت الحنابلة: من استثناء ما إذا كان ثبوت رمضان بشهادة عدل واحد، فإنهم قالوا: إذا لم ير هلال شوال ليلة الحادي والثلاثين من بداية الصوم، فإنه تنقض الشهادة الأولى، ويصام تلك الليلة وتنقض الشهادة الأولى.
وأما ثبوته برؤية الهلال: فإنهم اختلفوا فيه كاختلافهم في رمضان إلى قولين:
فقال فريق من الفقهاء: لا تثبت شهادة هلال شوال إلا بشاهدي عدل أو أكثر ومنهم الحنفية، والمالكية والحنابلة ومن وافقهم من العترة كما في كتاب " البحر".
ودليلهم عل هذا القول الحديثان الآتيان:
١- عن ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: ((اختلف الناس في آحر يوم من رمضان، فقدم أعرابيان، فشهدا عند النبي ﷺ بالله لأهل الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله ﷺ النس أن يفطروا)) رواه أحمد، وأبو داود وزاد ((وأن يغدوا إلى مصلاهم)) وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح وجهالة الصحابي غير قادحة قاله الشوكاني في نيل الأوطار.
٢- وعن عبيد الله أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له: ((أن ركبا جاءوا إلى النبي ﷺ فشهدوا أنعم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم)) . رواه أبو داود وغيره.
стр. 840
فأول هذين الحديثين يدل دلالة واضحة أن الصحابيين الجليلين أمرا الوالي أن يجيز شهادة رجل واحد مستور العدالة مسندين أمرهم هذا إلى ما سمعا من رسول الله ﷺ ، ولكن هذا الحديث في سنده راو ضعيف الرواية بالاتفاق قلا يقيد لهم ولا لغيرهم شيئا لضعفه، والحديث الثاني يدل ما دلت عليه الأحاديث السابقة.
وهنك أثر آخر هو من أدلة الفريق فنذكره نافلة وهو ما رواه أحمد في سنده حديثا يزيد بن هارون: أنبأنا ورقاء عن عبد الأعلى الثعلبي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: " كنت مع البراء بن عازب وعمر بن الخطاب ﵄ في البقيع ننظر إلى الهلال فأقبل راكب فتلقاه عمر، فقال: من أين جئت؟ قال: من المغرب. قال: أهللت؟ قال: نعم. قال عمر: الله أكبر، إنما يكفي المسلمين الرجل الواحد". قيل: أن عبد الأعلى هذا متكلم فيه.
فإن صح هذا الأثر من عمر فإنه يدل ما دلت عليه أحاديث الفريق.
وقالوا عن الحديثين اللذين استدل بهما الفريق الآحر ما يلي: أن التصريح بالاثنين في كلا الحديثين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد المفهوم، وأحاديثنا تدل على قبول الواحد بالمنطوق، وإن دلالة المنطوق أقوى وأرجح من دلالة المفهوم.
وأما احتمال شهادة ثان وثالث مع شهادة الواحد الذي استدللناه فتعسف وتجويز، ولو صح اعتبار مثله لكان مفضيا إلى طرح أكثر الشريعة.
أما الفريق الثاني القائل: شهادة العدل الواحد عير مقبولة) فقالوا: أن دليلنا على ذلك الحديثان السابقان ومحل الشاهد في الحديثين كما قلنا سابقا كلمتي: ((أنسكوا لها)) أي: الرؤية، " أن ننسك للرؤية " وقوله: " فإن شهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما " فكأنهم فهموا منه (فإن لم نره - ونحن الأمراء - ولم بشهد عندنا شاهدا عدل لا ننسك بشهادة واحد ولا نصوم بها) لكنه مفهوم لا يوافقه الظاهر.
стр. 841
وأجابوا عن أدلة الفريق الأول أنه يحتمل أن يشهد عند النبي ﷺ غير ابن عمر في الحديث لأنه قال أولا: تراءى الناس الهلال " فلا نستبعد أن أحدا - من الذين رأوا الهلال - ذهب إلى النبي ﷺ قبل ابن عمر.
وما جاز احتماله في حديث ابن عمر جاز في غيره، انتهى.
ومن هذه المقارنة البسيطة نعلم أن الدليل الأقوى والأظهر مع الذين يقولون بقبول شهادة العدل الواحد في هلال رمضان.
ومحل الشاهد للقوم في هذين الحديثين، في الأول: أن النبي ﷺ قبل شهادة أعرابيين عند اختلاف الناس في ثبوت الهلال وفي الثاني: أنه ﷺ قبل شهادة ركب شهدوا برؤية الهلال، وأنت ترى أنه ليس في الحديثين ما يمنع شهادة العدل الواحد، لأننا لا نفهم ما يدل أن النبي ﷺ منع بشهادة رجل واحد ... وهناك حديث آخر استدلوا به لقولهم، وهو أوضح دليلا من السابقين أن صح وهو الذي مر بنا وأشرنا أن فيه حظا لكلا الفريقين وهو هذا
٣- عن طاووس قال: " شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس ﵄ فجاء رجل إلى واليها، وشهد عنده على هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه، وقالا " أن رسول الله ﷺ أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين". رواه الدارقطني والطبراني في الأوسط، وقال الدارقطني: " تفرد به حفص بن عمر الإيلي وهو ضعيف بالاتفاق.
وأنت ترى أن هذا الحديث ضعيف.
стр. 842
وقال الفريق الآخر من الفقهاء: " أنه لا فرق بين هلال رمضان وشوال، فرؤية هلال شوال كرؤية هلال رمضان من حديث ثبوته وهم: الشافعية، ومن وافقهم في هذا القول، ومنهم أبو ثور وأبو بكر بن المنذر وأهل الظاهر كما قاله ابن رشد هم يقولون بقبول شهادة العدل الواحد.
ودليلهم على هذا القول الأحاديث التي مرت بنا في ثبوت رمضان، مثل حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين.
١- فعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته..)) . البخاري ومسلم.
٢- وكحديث ابن عمر ﵁ السابق قال: " سمعت رسول الله - صلى الله عليه سلم - يقول ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)) . البخاري.
فإن كلتا الرؤيتين في هذين الحديثين متساويتان، فرؤية الإفطار طبعا هي رؤية هلال شوال ... والرؤية تصدق برؤية عدل واحد من المسلمين / كما لا يخفى، وهو كما قالوا.
وكذلك القياس على أدلة ثبوت رمضان التي تبين قبول شهادة الواحد مثل حديث الأعرابي، لعدم الفرق بين الهلالين.
وأجابوا عن الحديثين اللذين استند إليهما الفريق الأول من الفقهاء أن الحديثين لم يشترطا لثبوت الشهر بشهادة رجلين وغاية ما فيهما أن النبي ﷺ قبل شهادة رجلين وقتا، وقبل شهادة ركب مرة أخرى، ولم نفهم واحدا منهما أنه شرط القبول الاثنين.
وقد احتج أبو بكر بن المنذر بانعقاد الإجماع على وجوب الفطر والإمساك عن الأكل بقول واحد، فوجب أن بكون كذلك في دخول الشهر وخروجه إذ كلاهما علامة نفصل زمان الفطر من زمان الصوم. انتهى. وهو صادق في قوله واحتجاجه.
شهادة الإفطار من الأدلة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه خبر العدل الواحد قياسا على الاكتفاء به في الصوم. وقال أيضا: التعبد بقول خبر الواحد لا بدل على قبوله في كل موضوع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبد فيه بخير واحد كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ما ذهب إليه أبو ثور. انتهى.
стр. 843
٤- حكم اختلاف المطالع والبلدان المتباعدة:
(أ) ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع في مسألة ثبوت الهلال. فقالوا: إذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على جميع البلدان؛ لقوله ﷺ ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) .
لأن الخطاب فيه عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم - في أي مكان كان - رؤية مسائية فرؤيته رؤية لهم جميعا.
وقد قال عمر ﵁ قولته السابقة كما في مسند الإمام أحمد: " الله أكبر إنما يكفي المسلمين الرجل الواحد ". وذلك بعدما شهد عنده راكب واحد برؤية هلال رمضان.
(ب) وذهب عكرمة، والقاسم بن محمد، وسالم، وإسحاق، وقول للأحناف، وقول مختار للشافعية: أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، واستدلوا على ذلك بحديث كريب، ونصه: عن كريب، أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام فقال: " قدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل رمضان وأنا بالشام في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ﵄ ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ يعني هلال رمضان، فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقال: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه يوم السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . " رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
وقد استدل بهذا الحديث كل من قال: لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد آخر، ولكنهم اختلفوا في ذلك على مذاهب كما ذكرها صاحب الفتح:
١- قال قوم منهم: يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم ولا تلزمهم رؤية غيرهم، حكاه ابن المنذر عن كل من: عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه. وحكاه المناوي وجها للشافعي، ولعل أن هذا القول حديثا آخر.
стр. 844
عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((لكل قوم هلالهم)) .رواه مسلم نقلناه من (شرح كتاب النيل وشفاء العليل) للشيخ محمد بن يوسف فإن صح هذا الحديث فليس أدل لمرادهم من حديث كريب.
٢- وقال قوم منهم: لا ليلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد لأن حكمه نافذ في الجميع. قاله ابن الماجشون.
٣- وقال فريق منهم: أن تقاربت البلاد كان الحكم واحد وإن تباعدت فوجهان:
الوجه الأول: لا يجب، قاله بعض الشافعية.
الوجه الثاني: يجب عليهم، اختار هذا الوجه أبو طيب، وطائفة، وحكاه البغوي عن الشافعي.
وفي ضبط البعد أوجه:
١- أولها: مسافة القصر، وبه قطع البغوي، صححه الرافعي من الشافعية واستدلوا له القياس؛ حيث قالوا: " أن الشرع علق بمسافة القصر كثيرا من الأحكام".
٢- ثانيها: اختلاف المطالع، وبه قطع العراقيون، والصيدلاني، وصححه النووي في الروضة وشرح المهذب والمنهاج.
وردوا على من استدل لمسافة القصر قولهم: " أن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر".
٣- ثالثها: اختلاف الأقاليم، وبه حكاه الحافظ في الفتح.
٤- رابعها: يلزم أهل كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض كأهل البلدان الغربية عن بلد الرؤية وبه حكى السرخسي.
٥- خامسها: لا يلزم أهل بلد غير بلد الرؤية إلا إذا ثبتت الرؤية عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم وبه قال ابن الماجشون
٦- سادسها: لا يلزم إذا اختلفت الجهات، ارتفاعا وانحدارا، أو كل بلد في إقليم وبه حكاه المهدي في "البحر" عن الإمام يحيى والهادوية.
وحجة أصحاب هذه الأقوال الستة حديث كريب السابق ووجه استدلالهم به كالتالي: " أن ابن عباس ﵁ لم يعلم برؤية أهل الشام، وأنه قال في آخر حديث: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ قالوا: فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله ﷺ أنه لا يلزم أهل بلد برؤية أهل بلد آخر. انتهى.
стр. 845
وأنت ترى كثرة اختلافهم في تحديد المسافة، والأولى أن لا يختلف المسلمون مثل هذا الاختلاف في مثل مسألة كهذه، وأرى أن القول القريب إلى الحق وإلى الوحدة واجتماع كلمة المسلمين عقلا ونقلا هو قول الجمهور المار بنا آنفا.
فلا بد أن نلاحظ ونناقش استدلال الفرق بحديث كريب
ملاحظة بسيطة حول الاستدلال بحديث كريب السابق:
اعلم يا أخي القارئ أن الحجة في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس.
والمشار إليه بقوله " هكذا أمرنا رسول الله " في آخر الحديث هو قوله " فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه".
ففي أي وقت سمع ذلك من رسول الله ﷺ ؟ وفي أي حديث صرح به ابن عباس هذا المرفوع؟ وأين الأمر الكائن من رسول الله ﷺ بما أشار ابن عباس؟ هذه التساؤلات تحتاج إلى أجوبة.
وقد قال الشوكاني: " أن الأمر الكائن من رسول الله ﷺ هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) .
وهذا - كما نرى - لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب عام لكل من يصلح له من المسلمين.
فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم، أهل البلدان الأخرى أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم؛ لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم.
ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر، لكان عدم اللزوم مقيدا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع - وليس بين الشام والحجاز ذلك البعد وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد، وليس بحجة.