Полный текст (22 276 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.
стр. 8051
المذهب الثالث – التفصيل بين المنع والجواز:
ذهب الشافعية كما حرره السبكي: إذا جرى تعجيل الدين مقابل إسقاط جزء منه بالشرط بطل، وإن لم يشترط بل عجل بغير شرط وأبرأ الآخر وطابت بذلك نفس كل منهما فهو جائز وهذا مذهبنا، والشرط المبطل هو المقارن فلو تقدم لم يبطل وهو مقتضى تصريح جميع الأصحاب.
والدليل كما يقول السبكي: أن فقهاء الشافعية حملوا اختلاف الآثار الواردة في ذلك حظرًا وجوازًا، فذهبوا إلى التفصيل المذكور.
وهذا الرأي يبدو لي هو الأقرب للقبول، لأن الشرط يجعل المعاملة محفوفة بشائبة الربا فلا سبيل إلى الجواز مطلقًا، فبقي الجواز مع عدم الشرط لأن النفوس قد تطيب بالتبرع والأعمال بالنيات فلماذا نمنع معروفًا يبدو للدائن فعله؟
والله أعلم.
محمد رضا عبد الجبار العاني
стр. 8052
مراجع البحث
١- القرآن الكريم.
٢- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير.
٣- المغني والشرح الكبير لابن قدامة المقدسي.
٤- كشاف القناع للبهوتي.
٥- القوانين الفقهية لابن جزي.
٦- شرح الخرشي وحاشية العدوي عليه.
٧- فتح القدير / شرح الهداية.
٨- فتاوى السبكي.
٩- الروضة الندية شرح الدرر البهية.
١٠- مغني المحتاج للخطيب الشربيني.
١١- الغاية القصوى في دراية الفتوى للبيضاوي.
١٢- فتح العزيز للرافعي بهامش المجموع.
١٣- الموطأ للإمام مالك.
١٤- سبل السلام للصنعاني.
١٥- فقه الإمام الأوزاعي للدكتور عبد الله الجبوري.
١٦- فقه سعيد بن المسيب للدكتور هاشم جميل عبد الله.
١٧- شرح مجلة الأحكام العدلية للمرحوم منير القاضي.
١٨- المعاملات الشرعية المالية للمرحوم أحمد إبراهيم بك.
١٩- الموسوعة الفقهية الكويتية.
٢٠- مختار الصحاح للرازي.
стр. 8053
بيع التقسيط: تحليل فقهي واقتصادي
إعداد
سعادة الدكتور رفيق يونس المصري
الباحث بمركز الاقتصاد الإسلامي –جامعة الملك عبد العزيز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
فإن عهدي ببيع التقسيط (= بيع النسيئة) قديم نسبيًّا، إذ يعود إلى اثني عشر عامًا خلت، عرضت له أول مرة في كتابي " مصرف التنمية الإسلامي "، في طبعته الأولى ١٣٩٧ هـ، ثم حاولت تنقيحه قليلًا في الطبعتين: الثانية عام ١٤٠١هـ، والثالثة عام ١٤٠٧هـ.
ثم طفت قريبًا من الموضوع، في مقال لي بمجلة حضارة الإسلام السورية، عام ١٣٩٨هـ.
ثم عدت إليه عام ١٤٠٥هـ، في مجلة المال والاقتصاد الصادرة عن بنك فيصل الإسلامي السوداني بالخرطوم.
ثم عام ١٤٠٥هـ ثانية في كتابي " الربا والحسم الزمني ".
ثم عام ١٤٠٦هـ، في مجلة الأمة القطرية.
ثم عام ١٤٠٩هـ، في مجلة الوعي الإسلامي الكويتية.
فمنذ عام ١٣٩٧هـ وأنا أعود إلى بحثه، بين الحين والآخر، بالتنقيح والزيادة.
وأرجو أن لا يعدم القارئ فوائد إضافية لدى قراءة هذا البحث الجديد.
وإذا عرضت للقارئ الكريم أسئلة أو تساؤلات في موضع، فأرجو أن يصبر قليلًا حتى يجد جوابها في مواضع أخرى من هذا البحث، إن شاء الله.
стр. 8054
الفصل الأول
تعريف بيع التقسيط وأهمية بحثه
١-١ بيع التقسيط بيع مؤجل:
البيع في الفقه الإسلامي قد يكون معجل البَدَلَيْن (يدًا بيد) ، أو مؤجل البدلين (وهو من الكالئ بالكالئ) ، أو أحد بدليه معجلًا والآخر مؤجلًا، فإن عُجِّل الثمن وأُجِّل المبيع فهو بيع السَلَم (السلف) ، وإن عجل المبيع وأجل الثمن فهو بيع النسيئة.
وعلى هذا فإن البيوع المؤجلة تشتمل لفظًا على ما تأجل أحد بدليه أو كلاهما، وقد أجازت الشريعة تأجيل أحد البدلين إجازة صريحة، عندما أجازت الأحاديث النبوية الشريفة بيع السلم وبيع النسيئة.
وبيع التقسيط عبارة حادثة لمعاملة قديمة، فهو ليس إلا لونا من ألوان بيع النسيئة، إنه بيع يعجل فيه المبيع، ويتأجل الثمن، كله أو بعضه، على أقساط (= نجوم) معلومة، لآجال معلومة، وهذه الأقساط قد تكون منتظمة المدة، في كل سنة مثلًا قسط، أو غير ذلك، كما قد تكون متساوية المبلغ أو متزايدة أو متناقصة، وهذا معروف لدى المطلعين على طرق سداد الديون (= استهلاكها، إطفائها) .
والأقساط جمع قسط، والقسط في اللغة هو الحصة أو النصيب يقال: تقسطنا المال بيننا، أي أخذ كل منا نصيبه منه، والقسط أيضا: العدل يقال: أقسط الرجل فهو مقسط، أي عادل، ولعل بين المعنيين صلة، إذ النصيب يفترض فيه أن يكون عادلًا بوجه من الوجوه وإذا قال الفقهاء: إن للزمن قسطًا من الثمن، فإنما يعنون أن للزمن حصة عادلة من الثمن، ولكن الناس قد يجورون، فإذا جاروا فهو القسوط، ومنه القاسط: العادل عن العدل (الجائر) ، والمقسط: العادل (= مزيل الجور) الذي يزن بالقسطاس (= لغة في القسط، بمعنى الميزان) المستقيم.
هذا ولا يقصد ببيع التقسيط أن التقسيط هو المبيع، بل إن التقسيط هو طريقة البيع، أو بعبارة أدق: طريقة سداد ثمن البيع.
стр. 8055
١-٢ أهمية بحث بيع التقسيط:
قد يتساءل البعض: ما فائدة النظر المجدد في بيع التقسيط، وقد عرفنا أنه ليس إلا ضربًا من ضروب بيع النسيئة، وهذا البيع جائز بنص الحديث النبوي؟
الواقع أن لهذا النظر المجدد: أهمية نظرية، وأخرى عملية.
١- الأهمية النظرية: تتمثل في أن بيع التقسيط ينطوي على تأجيل، كما ينطوي على زيادة في الثمن لأجل هذا التأجيل، وثمة بيوع نصت الأحاديث النبوية على حرمة الأجل فيها، كبيع الذهب بالذهب، أو الذهب بالفضة، أو القمح بالشعير، وثمة بيوع نصت الأحاديث النبوية على حرمة الزيادة (= الفضل) فيها للأجل، كبيع الذهب بالذهب، أو القمح بالقمح، فلابد إذن من بيان الفروق الدقيقة التي تفصل بين بيع يجوز فيه الأجل والزيادة للأجل، وبيع لا يجوز فيه أجل ولا زيادة.
وبعبارة أخرى فإن في بيع التقسيط نساء وفضلًا، وهذا قد يلتبس بربا النساء وربا الفضل المحرمين في بعض البيوع، وبعبارة ثالثة فإن نظرية الربا في الإسلام لا يتكامل فهمها إلا بفهم هذه البيوع المؤجلة وتفسيرها، إلى جانب فهم ربا القروض وربا البيوع.
هذا فضلًا عن فائدة نظرية أخرى، تضاف إلى ما تقدم، وهي الرغبة في التأكد من بيع التقسيط: هل يكون حكمه هو نفس حكم بيع النسيئة؟
٢- الأهمية العملية: تتمثل في أن بيع التقسيط قد انتشر انتشارًا كبيرًا في معاملات الأفراد والأمم، بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما في مجال السلع المعمرة اللازمة للأسر والمنشآت، كالآلات والأدوات والتجهيزات والسيارات. . . فتشتري هذه المنشآت من مورديها بالتقسيط، وتبيع إلى زبائنها بالتقسيط، وربما لجأت إلى المصارف لتمويل هذه العمليات (بيوع التقسيط) .
стр. 8056
وقد ساعد على انتشار هذه البيوع أن البائع الذي يبيع بالتقسيط يمكنه أن يأخذ من المشتري ورقة تجارية (سندًا إذنيًا لأمر البائع، أو سفتجة، أي كمبيالة، مسحوبة على المشتري) أو عدة أوراق تجارية بعدد الأقساط المؤجلة، ثم يخصمها لدى المصرف، ليحصل على قيمتها الحالية، وهذا الخصم المصرفي عندنا من ربا النسيئة المحرم، وعليه فإن المؤسسات الائتمانية الحديثة قد كانت عاملًا مساعدًا على انتشار بيع التقسيط، من طريق قيامها بعمليات الخصم وعمليات أخرى كبطاقات الائتمان.
كذلك فإن المصارف الإسلامية الحديثة قد زاولت بيوع التقسيط، وساعدت على انتشاره، فهي تشتري السلعة بثمن معجل، وتعيد بيعها إلى العميل بثمن مقسط، وذلك من خلال ما سمي " ببيع المرابحة للآمر (أو للواعد) بالشراء "، فهو مرابحة من حيث إن المصرف يبيع السلعة لعميله بثمن الكلفة مضافًا إليه ربح معلوم للمصرف، وهذا هو معنى بيع المرابحة في الفقه الإسلامي باعتباره أحد أنواع بيوع الأمانة (المرابحة، التولية، الوضعية) ، وهو بيع تقسيط من حيث إن المصرف يقسط ثمن البيع على أقساط، وفيه أيضا زيادة على المرابحة والتقسيط، من حيث إن المصرف عند مباشرة العملية لا تكون السلعة لديه، بل يعد العميل بشرائها وإعادة بيعها إليه، والتوسع في الكلام عن بيع المرابحة المطبق في المصارف الإسلامية إنما يخرج عن نطاق هذا البحث، ويدخل في نطاق بحوث أخرى لي منشورة (انظر على سبيل المثال: ورقتي المقدمة للدورة الخامسة لمجلس المجمع الفقهي – جدة) .
١-٣ أهمية بيع التقسيط في شركة الوجوه:
شركة الوجوه، في الفقه الإسلامي، هي شركة بين اثنين أو أكثر يشترون بالنسيئة أو بالتقسيط، ويبيعون بالنقد، وربما بالنسيئة والتقسيط أيضا، أي أن الشركة لا رأس مال لها، بل تعمل بأموال الغير (= الدائنين) ، ويقتسم الشركاء الأرباح بحسب ملكية (وضمان) كل منهم في المال المشترى، وقد فصلنا الكلام في شركة الوجوه في موضع آخر.
ويهمنا هنا أن شركة الوجوه الجائزة عند الحنفية والحنابلة، إنما تعتمد على بيع النسيئة أو التقسيط ولا سيما من حيث علاقة الشركة بمورديها، أي البائعين إليها.
١-٤ هل عالج الفقهاء القدامى بيع التقسيط؟
تكلم الفقهاء عن بيع مؤجل الثمن، كما تكلموا عن تقسيط الثمن (المغني مع الشرح الكبير لابن قدامة ١٤/٢٩١) ، ولكنهم لم يفردوا له كتابًا أو بابًا مستقلًا.
ووجدت في كتاب الأم ٣/٨٦ و ٨٨ و ٨٩ للإمام الشافعي كلامًا صريحًا عن تقسيط المبيع في البيع المؤجل المبيع (بيع السلم = بيع السلف) ، وقد أجازه بشرط معرفة حصة كل قسط من الثمن (المسلف) ، أي معرفة القيمة الحالية لكل قسط وهذا كما لو سلف مبلغًا محددًا في كمية محددة من الحنطة وكمية محددة من التمر، فلابد في كل حالة من معاجلة الأمر على أنها بيوع معلومة بأثمان معلومة، فاختلاف الأجل كاختلاف الصنف المبيع، فالأقساط حتى لو تساوت من حيث قيمتها الاسمية، فإنها تختلف في القيمة الحالية، فإن مائة صاع من القمح تقبض بعد شهر ليست مساوية لمائة صاع من القمح تقبض بعد شهرين.
وبالطبع فإن ما شرطه الشافعي في بيع السلم المقسط غير محتاج إليه في بيع النسيئة المقسط، ذلك لأن المبيع في بيع النسيئة يقبضه المشتري دفعة واحدة، أما في بيع السلم فيقبضه على دفعات متعددة، وقد اشترط الشافعي معرفة حصة كل دفعة من الثمن، خشية عدم قدرة البائع على تسليم دفعة أو أكثر من الدفعات، فيمكن عندئذ فسخها بحصتها من الثمن، دون أن تتأثر بذلك بقية الدفعات التي سلمت في الماضي أو ستسلم في المستقبل.
стр. 8057
الفصل الثاني
حكم بيع التقسيط وحكمته
٢-١ بيع النسيئة جائز بالنص:
روى الشيخان وغيرهما أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعامًا (وفي رواية: شعيرًا) إلى أجل (وفي رواية: بنسيئة) ، ورهنه درعًا له من حديد البخاري ٣/١٠١ و١٨٦ ومسلم ٤/١٢٣ واللفظ له.
وهذا البيع جائز، سواء كان مع اليهود أو مع المسلمين أو سواهم، فهو نظير بيع السلم (= بيع السلف) .
قال رسول الله ﷺ : ((من سلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم)) ، رواه البخاري ٣/١١١ واللفظ له، ومسلم ٤/١٢٤ وغيرهما.
وجواز بيع النسيئة (وهو بيع مؤجل الثمن) يعني جواز بيع التقسيط، لأن هذا البيع ليس إلا بيعًا مؤجل الثمن، غاية ما فيه أن ثمنه مقسط أقساطًا، لكل قسط منها أجل معلوم، ولا فرق في الحكم الشرعي بين ثمن مؤجل لأجل واحد وثمن مؤجل لآجال متعددة.
على أنه تجدر الإشارة إلى أن بيع النسيئة، وإن كانت هناك نصوص أجازته، إلا أنه ليست هناك نصوص أجازت فيه الزيادة لأجل التأجيل أو التقسيط، بل هذا يحتاج إلى استنتاج وإظهار، وهو ما سنقوم به في هذا البحث.
٢-٢ حكمة بيع التقسيط
في بيع التقسيط فائدة لكل من البائع والشاري:
١- فالبائع يزيد في مبيعاته، ويعدد من أساليبه التسويقية، فيبيع نقدًا وتقسيطًا، ويستفيد في حال التقسيط من زيادة الثمن لأجل التقسيط.
٢- والمشتري يستطيع الحصول على السلعة، والاستمتاع باستهلاكها أو استعمالها، قبل أن يمكنه دخله أو ثروته من ذلك، وهو بدل من أن يدخر ثم يشتري بالنقد، فإنه يشتري بالتقسيط، فيتعجل السلعة ويسدد ثمنها نجوما (= أقساطًا) .
٢-٣ مخاطر التوسع في الاستدانة:
البيع بالتقسيط هو بيع بالدين، ولا ينبغي التوسع في الاستدانة، لأن الاستدانة، في حالة الشراء بالتقسيط، فيها زيادة في مقابل الأجل، أضف إلى ذلك أن حجم الدين يجب ألا يتجاوز قدرة المدين على السداد، والدين إذا كان " عامًا " (أي إذا كانت الحكومة هي المدينة) ، ولا سيما الطويل الأجل منه، يحمل الأجيال القادمة عبء الجيل الحالي، إذا كان ممولًا بأموال الزكاة أو غيرها من الموارد العامة، ففي مثل هذه الحالات يكون الدين همًّا بالليل ومذلةً بالنهار، كما ورد في بعض الآثار (كنز العمال ٦/٢٣١ و٢٣٢، أو همًّا في أوله وحربا (= إفلاسًا) في آخره (الموطأ ٢/٧٧٠) .
وإذا كان الدائن غير مسلم، مثل حالة البلدان الأجنبية الدائنة، ففي الدين من مخاطر سيطرة البلدان الدائنة، وتبعية البلدان المدينة، ما لم يعد يخفى على أحد في عصرنا هذا، ومحاولة استعباد المدين محاولات قديمة، فقد كان رسول الله ﷺ إذا أتاه امرؤ مسلمًا، فرآه عاريًا، يأمر بلالًا رضي الله تعالى عنه بالاقتراض قال بلال: يأمرني فأنطلق فأستقرض، فاشتري له البردة، فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال، إن عندي سعة، فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت، فلما أن كان ذات يوم، توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما رآني قال: يا حبشي، قلت: يا لباه (= لبيك) ، فتجهمني، وقال لي قولًا غليظًا، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب. قال: إنما بينك وبينه أربع، فآخذك بالذي عليك، فأردّك ترعى الغنم، كما كنت قبل ذلك! إلى أن قال رسول الله ﷺ : ((أبشر فقد جاءك الله تعالى بقضائك. . .)) الحديث رواه أبو داود في باب الإمام يقبل هدايا المشركين (عون المعبود ٨/٣٠٦) .
стр. 8058
٢-٤ هل بيع التقسيط مستحب أم مباح؟
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((ثلاثة فيهن البركة: البيع إلى أجل. . .)) ، رواه ابن ماجه في السنن (في التجارات، باب الشركة ٢/٧٦٨) والسيوطي في الجامع الصغير ١/٥٣٣.
لا شك أن البيع إلى أجل يكون مستحبًا، عندما يقصد به الإرفاق بالمشتري، فلا يزاد عليه في الثمن لأجل الأجل، إذا كان محتاجًا فقيرًا، أو يؤتمن على السداد، بدون أن يضيق عليه بطلب رهن أو كفالة مثلًا.
أما إذا كان البيع إلى أجل لا يقصد به الإرفاق، بل مجرد المعاوضة الكاملة، حيث يزاد في الثمن لأجل الأجل، أو تطلب كفالة أو رهن، أو يؤتمن فيه المليء فقط، فهذا البيع يكون مجرد مباح، والله أعلم.
٢-٥ هل بيع التقسيط عقد تبرع أم عقد معاوضة؟
العقود الثلاثة:
١- تبرع محض (= كامل) كالهبة والعارية والضمان.
٢- معاوضة محضة (= كاملة) كالبيع والإجارة والشركة.
٣- تبرع ومعاوضة معًا، كالقرض فهو معاوضة من حيث إنه يرد مثله، وتبرع من حيث إن فيه معنى الصدقة، فهو عقد معاوضة ناقصة يثاب فيه المقرض.
وبيع الأجل أو التقسيط إذا لم تكن فيه زيادة للأجل، كان كالقرض عقد معاوضة ناقصة، ويثاب فيه البائع على إحسانه.
وإذا كانت فيه زيادة للأجل، ولا إرفاق فيه، فهو عقد معاوضة كاملة.
стр. 8059
الفصل الثالث
آداب بيع التقسيط
٣-١ من لا يبيع إلا بالتقسيط:
إن بعض العلماء لدى بحثهم في بيع العينة وصوره، ذكروا أن للعينة صورًا منها أن يكون عند الرجل المتاع، فلا يبيعه إلا نسيئة، ونص الإمام أحمد على كراهة ذلك، فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس.
وقال أيضا: أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة، فلا يبيع بنقد.
قال ابن عقيل: إنما كره ذلك لمضارعته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبا.
وعلله ابن تيمية بأنه يدخل في بيع المضطر، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة، كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار (تهذيب السنن لابن القيم بهامش عون المعبود ٩/٣٤٧، والمغني مع الشرح الكبير لابن القدامة ٤/٤٥) .
وتعليقًا على هذا أقول: إنه كان قصد التاجر من البيع بالنسيئة هو بيع العينة أو بيوع الآجال (أي الحيل الربوية) فلا أشك في أن هذا مكروه، بل حرام، ديانة وقضاء.
لكن إن كان التاجر يبيع بالأجل، دون أن يتخذ هذا ذريعة إلى بيوع الآجال (= العينة) ، أو إلى خصم الأوراق التجارية في المصارف وما شابهه، فهذا مباح حتى ولو لم يبع إلا بالأجل والتقسيط، وحتى لو قصد الزيادة لأجل الأجل، أي خلافًا لابن عقيل، وسواء كان الشاري غنيًا أو فقيرًا لكن لو خفف البائع عن الفقير في الثمن، فهذا مستحب يثاب عليه.
وربما يحسن حمل كلام العلماء على هذا المعنى الذي ذكرناه، لا سيما وأنه ذكر بمناسبة الكلام عن صور بيع العينة ولا يحسن تسمية بيع الأجل بيع العينة، لأن بيع الأجل جائز وبيع العينة حرام.
стр. 8060
٣-٢ من آداب الشراء بالتقسيط:
يجب على شخص، سواء كان طبيعيًّا أو معنويًّا، فردًا أو حكومة، وأن لا يشتري بالتقسيط إلا إذا كان عازمًا على السداد، وقادرًا عليه، بحيث يغلب على ظنه أن يتمكن من سداد كل قسط في ميعاده، من فائض دخله أو ثروته في ميعاد السداد فحكم الدين هنا كحكم القرض، وقد ذكر الفقهاء أن الإمام (= الدولة) عندما يقترض، فلابد أن يتوقع قدرته على الوفاء.
قال الجويني: " الذي يوضح المقصد أنه لو استقرض، لكان يؤدي ما اقترضه من مال فاضل مستغنى عنه في بيت المال " (الغياثي ص ٢٧٦، وانظر أيضا ص ٢٧٩) .
وقال الغزالي: " ولسنا ننكر جواز الاستقراض (. . .) إذا دعت المصلحة إليه، ولكن إذا كان الإمام لا يرتجي انصباب مال إلى بيت المال يزيد على مؤن العسكر (. . .) ، فعلى ماذا الاتكال في الاستقراض، مع خلو اليد في الحال، وانقطاع الأمل في المال؟ نعم لو كان له مال غائب، أو جهة معلومة تجري مجرى الكائن الموثوق به (. . .) " (شفاء الغليل ٢٤١- ٢٤٢) .
وقال الشاطبي: " والاستقراض في الأزمات إنما يكون حيث يرجى لبيت المال دخل ينتظر أو يرتجى " (الاعتصام ٢/١٢٢) . وقال ابن أبي موسى: " لا أحب أن يتحمل بأمانته ما ليس عنده، يعني ما لا يقدر على وفائه " (المغني مع الشرح الكبير لابن قدامة ٤/٣٥٣) .
والعادة أن البائع لا يبيع بالتقسيط إلا بعد التحقق من قدرة الشاري على الوفاء بأقساط الدين في مواعيدها وربما أيد (= وثق) هذا الدين برهن، أو بكفالة.
стр. 8061
٣-٣ هل يجوز أن يشتري بالتقسيط مع قدرته على دفع الثمن في الحال؟
لا يجوز للمسلم أن يقترض مع عدم حاجته للقرض (كنز العمال ٦/٢٣٠) ، لأن القرض عقد إرفاق (= إحسان) ، لا يجوز أن يطلبه إلا من كان أهلًا لهذا الإرفاق، إذ فيه منة على المقترض.
أما الشراء بالتقسيط فيمكن أن يلجأ إليه حتى من كان قادرًا على سداد الثمن في الحال ذلك بأن المشتري قد يرغب في استخدام فائض ماله في وجوه استثمارية مختلفة وعقد الشراء الثمن في الحال ذلك بأن المشتري قد يرغب في استخدام فائض ماله في وجوه استثمارية مختلفة وعقد الشراء بالتقسيط ليس كعقد القرض، فهو عقد معاوضة كاملة ويعتاض فيه البائع وعن التأجيل، فليس فيه إذن إرفاق ولا منة.
٣-٤ هل يجوز أن يمنع بائع التقسيط المشتري من التصرف بالمبيع إلى حين استيفائه الثمن (الشرط المانع من التصرف) ؟
يرجع فيه إلى مبحث بيع التقسيط والبيع الإيجاري (٥-٢) .
٣-٥ هل يجوز أن يحتفظ بائع التقسيط بملكية المبيع إلى حين استيفائه تمام الثمن (شرط الاحتفاظ بالملكية) ؟
يرجع فيه أيضا إلى مبحث بيع التقسيط والبيع الإيجاري (٥-٢) .
٣-٦ كتابة الدين (= الأقساط) :
على المستدين أن يكتب وثيقة للدائن بأنه استدان منه كذا بتاريخ كذا، حتى يوم كذا فإن لم يفعل المستدين هذا طلبه الدائن.
وقد نظم الإمام الشافعي هذا المعنى، فقال:
أَنِلْنِي بِالَّذِي اسْتَقْرَضْتَ خَطًّا
وَأَشْهِِدْهُ مَعْشَرًا قَدْ عَايَنُوهُ
فَإِنَّ اللَّهَ خَلَّاقُ الْبَرَايَا
عَنَتْ لِجَلَالِ هَيْبَتِهِ الْوُجُوهُ
يَقُولُ: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ
إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
يشير به إلى الآية ٢٨٢ من سورة البقرة، على سبيل التضمين في اصطلاح القدامى، والاقتباس في اصطلاح المتأخرين (البرهان للزركشي ١/٤٨٣) .
هذا وإن الكتابة، والشهادة، والضمان، كله مما يفيد التوثيق.
стр. 8062
الفصل الرابع
الرقابة الاقتصادية والائتمانية على بيع التقسيط
٤-١ بيع التقسيط هو أحد ضروب الائتمان المباشر:
الائتمان في عصرنا نوعان: ائتمان غير مباشر، وائتمان مباشر الائتمان غير المباشر تمارسه المصارف، فهي وسيط (بالمعنى الاقتصادي لا الحقوقي، إذ إن علاقتها بكل فريق من الفريقين علاقة مستقلة) بين المقرضين والمقترضين، إذ تقترض من "المودعين "، لتقرض المنتجين وسواهم، كما تخصم الأوراق التجارية التي تتولد من بيوع مؤجلة بين البائعين والشارين، أي تخصم دين البائع على الشاري، وتقرض البائع القيمة الحالية لهذا الدين.
أما الائتمان المباشر فهو الائتمان الذي ليس فيه وسيط مالي، كالمصرف، بل يجري بين طرفين، كالبائع الذي يبيع المشتري بالتقسيط، فبيع التقسيط هو إذن من الائتمان المباشر، إذ يأتمن فيه البائع المشتري على سداد الأقساط.
٤-٢ رقابة المصارف المركزية على بيع التقسيط:
من الوظائف المنوطة بالمصارف المركزية الحديثة وظيفة الرقابة على الائتمان، أي إدارته وتوجيهه ومحاولة التحكم به، وقد ذكرناه أن الائتمان يشمل بيع التقسيط.
ويمارس المصرف المركزي دوره في بيع التقسيط بثلاث وسائل (= أسلحة) :
١- وضع حد أدنى للدفعة المعجلة (quotite) .
٢- وضع حد أقصى لمدة التقسيط.
٣- التأثير في معدل زيادة الثمن لقاء الزمن.
ويتحدد الحد الأدنى للدفعة المعجلة، والحد الأقصى لمدة التقسيط، واتجاه التأثير في معدل زيادة الثمن، وفق مقتضيات السياسة الائتمانية فإذا أراد المصرف المركزي لعمليات البيع بالتقسيط أن تنبسط (= تتسع) ، فإنه يخفض الحد الأدنى للدفعة المعجلة، ويرفع الحد الأقصى لمدة التقسيط، ويؤثر على المعدل في اتجاه الانخفاض وعلى العكس من ذلك، إذا أراد لتلك العمليات أن تنقبض (= تضيق) ، فإنه يرفع الحد الأدنى، ويخفض الحد الأقصى، ويؤثر على المعدل في اتجاه الارتفاع.
وفي بعض البلدان، كفرنسا مثلًا، يخضع هذا المعدل لرقابة القانون، فإذا تجاوز المعدل القانوني للفائدة، اعتبر ربا محرمًا يعاقب عليه القانون، غير أن القانون قد سمح في حالة الائتمان التقسيطي الصغير، بتحصيل مصاريف سماها مصاريف ملف وإدارة لأن كلفة الائتمان الصغير تتجاوز السقوف القانونية للفائدة.
стр. 8063
٤-٣ المنشآت الائتمانية في نطاق بيع التقسيط:
بيع التقسيط يتحلل في حقيقته إلى وظيفتين اقتصاديتين: بيع معجل + قرض وقد يضطلع البائع نفسه بهاتين الوظيفتين، وقد ينشىء منشآت تابعة له، لكي تقدم القرض منفصلًا عن البيع، وقد يلجأً لهذا الغرض إلى المصارف، أو إلى منشآت مصرفية مختصة.
وعلى هذه الشاكلة، تطور الائتمان الذي يقدمه الموردون، منذ القديم، للصناع والتجار والمستهلكين، وفعلًا هناك في بعض البلدان، ومنها البلدان العربية والإسلامية، بائعون لا يبيعون بالتقسيط، بل على من أراد شراء سيارة، مثلًا، بالتقسيط، أن يتوجه إلى هذه المنشآت الائتمانية المختصة، فتشتري له السيارة من معرض بيع السيارات، أو من الوكالة، بالنقد، أي تدفع ثمنها نقدًا، وتسجل عليه ثمنها المؤجل، أو المقسط.
هذا ونتعجل الإشارة في هذا الموضوع، إلى أن الحكم الشرعي على بيع التقسيط بين بائع وشار، مختلف عنه بين بائع وشار ووسيط مالي، فالأول جائز شرعًا، والآخر غير جائز، لأن الوسيط يدفع مثلًا ٦٠ ألف ريال (الثمن المعجل للسيارة) ، ويسترد من المشتري ٧٠ ألف ريال (الثمن المقسط للسيارة) ، وهذا ربا نسيئة محرم، وسنزيده بيانًا في مباحث لاحقة من هذه الورقة.
стр. 8064
الفصل الخامس
تمييز بيع التقسيط عن بعض البيوع الأخرى المقاربة
(صور جديدة يمكن أن يلتبس بها بيع التقسيط أو تلتبس به)
٥-١ بيع الأجل وبيوع الآجال:
بيوع الآجال هي أن يبيع الرجل سلعته بثمن مؤجل، ثم يشتريها بثمن أعلى إلى أجل أبعد، أو بثمن أقل إلى أجل أدنى، أو نقدًا ففي بيوع الآجل بيعتان كل منهما بثمن، فإن كانت البيعة الثانية مشروطة في الأولى فلا أحد من الفقهاء يجيزها وكذلك إن كانت نية المتبايعين التحايل على الربا، حيث إن البائع يثبت له في ذمة المشتري الثمن الموجل (الدين) ، ثم إذا ما استرد سلعته بثمن نقدي أقل، تكون السلعة قد عادت إليه، ويكون قد دفع إلى من كان مشتريًا في البيعة الأولى، وبائعًا في البيعة الثانية مبلغًا يعادل الثمن النقدي، ومحصلة هذا أن البائع أولًا (المشتري ثانيًا) قد أقرض المشتري أولًا (البائع ثانيًا) قرضًا بزيادة مقدارها الفرق بين الثمنين، فهو إذن قرض ربوي بالحيلة، ويسمى في الشرع " عينة ".
عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة (...) سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) ، رواه أبو داود ٣/٢٧٤، وصححه الشيخ أحمد شاكر (مسند الإمام أحمد، ط أحمد شاكر ٧/٢٧) ، وقال ابن تيمية: إسناده جيد (الفتاوى ٢٩/٢٦- ٣٠) .
فالعينة هنا بيع مقصوده السلف الربوي، أي هو من قبيل استحلال الربا بصورة البيع.
أما إذا وقعت البيعة الثانية من دون اشتراط في البيعة الأولى، فهذا جائز عند الشافعية والظاهرية، ممنوع عند جمهور الفقهاء، واحتج الشافعية بأن حمل الناس على التهم لا يجوز، وهم يرون أن مجرد إعادة بيع السلعة إلى بائعها قبل دفع الثمن ليس دليلا كافيًا على وجود النية الربوية عند المتبايعين.
стр. 8065
ولهذه البيوع صور عديدة جدًّا، لا سيما عند المالكية الذين ذكر بعضهم أنها بلغت ألف مسألة (الفروق للقرافي ٢/٣٢، وتهذيب الفروق بهامشه ٢/٤٢) .
انظر في بيوع الآجال أو بيع العينة: مقدمات ابن رشد، كتاب بيوع الآجال، ص٥٢٤، والمدونة ٤/١١٨، وبداية المجتهد ٢/١٠٦، وقوانين ابن جزي ٢٨٤، والموافقات للشاطبي ٤/١٩٨ و ١٩٩ و ٣/٣٠٤ – ٣٠٥ و ٣٢٨ و ٢٢٠- ٢٢١ ـ والاعتصام ٢/٣١، وبلغة السالك للصاوي ٢/٤١ والأم للشافعي ٣/٦٨ و ٧٨ (باب بيع الاجال) و ٣/٣٣ و ٣٤، وروضة الطالبين للنووي ٣/٤١٦ وحاشية ابن عابدين ٤/٢٧٩ و ٢٤٤ والمحلى لابن حزم ٩/٤٧ وفتاوى ابن تيمية ٢٩/٢٦- ٣٠، وتهذيب السنن ٥/١٠٨، وأعلام الموقعين لابن القيم ٣/١٦٦، والمغني لابن قدامة ٤/١٩٥، وسبل السلام ٣/٤٢، ونيل الأوطار ٥/٢٣٤.
والمهم هنا أن نفرق بين بيع الأجل وبيوع الآجال، فبيع الأجل جائز بزيادة في الثمن للأجل عند جمهور الفقهاء، وبيوع الآجال غير جائزة عند جمهور الفقهاء، لا لأن الزيادة في الثمن للأجل لا تجوز، بل لأن هذه الزيادة لا يجوز اتخاذها ذريعة إلى بيع لا تراد بها السلع، ولا يراد بها حقيقة البيع، إنما يراد بها السلف الربوي، إذ تتقابل هذه البيوع وتتعاكس مختلفة في الأثمان والآجال، حتى تفرغ من محتواها، أي من مقصودها وربما سميت بيوع عينة، لأنها بيوع يراد بها العينة، أي السلف الربوي.
٥-٢ بيع الأجل والتورق:
التورق هو أن يشتري السلعة بثمن مؤجل، أو مقسط، ويبيعها لآخر بثمن معجل، ليحصل على الورق (= الدراهم، النقود) ، ليسد بها حاجته، والتورق هو ضرب من العينة (= بيوع الآجل) ، لكن أفردناه لأن بعض المعاصرين يرون جوازه بلا تفصيل ويعلمونه لتلاميذ المدارس في الكتب المدرسية.
ونحن نرى جوازه إن كان الغرض عند الشراء هو الانتفاع بالسلعة، أو الاتجار بها (فتاوى ابن تيمية ٢٩/٣٠و ٤٤٢ و ٤٤٦ و ٤٩٦) .
وكذلك نرى أنه لا إثم على البائع، ولا على المشتري الثاني، إذا كانا غير عالمين بحاجة المتورق إلى المال.
أما المتورق فيحسن أن يلجأ أولا إلى طلب القرض، فإن لم يقرضه أحد تورق (لجأ إلى التورق) ، لكن المتورق قد يلجأ إلى التورق مباشرة إذا كان يخشى المنة، ويغلب ويغلب على ظنه أن أحدًا لن يقرضه بلا فائدة، فهنا قد يجوز التورق والله أعلم.
أما إذا كانت عملية التورق تتم بتواطؤ الأطراف الثلاثة، في صورة نظام كما هو واقع في عصرنا هذا، بحيث يشتري بثمن مؤجل ليبيع بثمن نقدي إلى منشأة تابعة للبائع الأول، فهذا لا يجيزه فقيه إلا من أهل الحيل، سئل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز عن التورق، فقال: هو آخية (أو أخيه) الربا (فتاوى ابن تيمية ٢٩/٤٣١، وأعلام الموقعين لابن القيم ٣/١٨٢) ، أي أصله أو الحبل أو السبب الموصل إليه والآخية (بتخفيف الياء أو بتشديدها) : عروة تثبت في أرض أو حائط، وتربط فيه الدابة والأخية (بوزن قضية) : الوسيلة، الصلة القوية (النهاية لابن الأثير، والمعجم الوسيط) .
стр. 8066
٥-٣ بيع التقسيط والبيع الإيجاري (= الإيجار المنتهي بالتمليك) :
قد يتفق اثنان على أن يؤجر أحدهما للآخر سلعة من السلع القابلة للإجارة: أرض، مبنى، سيارة، باخرة، طائرة، آلة ... الخ، بحيث يسدد المستأجر أقساطًا إيجارية في مواعيد دورية منتظمة: كل شهر أو كل سنة أو غير ذلك، وبحيث إذا سدد من الأقساط المحددة عشرة أقساط مثلًا، تم نقل ملكية السعلة إلى المستأجر مع سداده القسط الأخير، وخلال مدة الإجارة قد توضع لوحة ظاهرة على الشيء المأجور، تبين أن هذا الشيء ملك لفلان المالك المؤجر.
وهذا ما يسمى " البيع الإيجاري " location – vente بالفرنسية، Hire purchase بالإنكليزية فهو إيجار ينتهي بالبيع (بالتمليك) ، ويلجأ إليه صاحب السلعة، بدل بيع التقسيط، رغبة منه في الاحتفاظ بملكية السلعة، خلال مدة تسديد الأقساط، فلا تنتقل ملكيتها إلى الطرف الآخر إلا بعد سداد الثمن المقسط كاملًا، فلو أفلس هذا لم تدخل السلعة في التفليسة، لكن ربما ادعى وكيل التفليسة أن البيع هو بيع تقسيط تحت ستار بيع إيجاري، ولو عقدت هذه المعاملة بيعًا بالتقسيط لانتقلت ملكية المبيع إلى المشتري بمجرد إبرام عقد البيع، فإذا أفلس كانت أملاكه، ومنها هذا المبيع، موضع قسمة بين الدائنين (= الغرماء) .
وهناك صورة قريبة من البيع الإيجاري، في القانون الوضعي، وهي أن يعقد الطرفان عقد إجارة، مع وعد بالبيع، في نهاية الإجارة، وقد يكون هذا الوعد ملزمًا للطرفين أو غير ملزم، أو ملزمًا للبائع دون المشتري، فإن كان الوعد غير ملزم لأي منهما، فلا بأس بالمعاملة شرعًا، إذ في نهاية الإجارة، يعقدان البيع، ويتراضيان على الثمن أما إن كان الوعد ملزمًا، فلا نرى جوازه، لأن الوعد الملزم في حكم العقد لابد فيه من أن يكون الثمن معلومًا، وكيف يتم التراضي على ثمن، سلعة لا يعرف حالها إلا في نهاية الإجارة؟ وربما يتم نقل ملكية السلعة بدون ثمن أي هبة، وظاهر أنها حيلة (فاجتماع الهبة مع البيع كاجتماع السلف مع البيع، كلاهما ممنوع في الشرع) ، وإلا فليس من المعقول أن يهبه هبة حقيقية، فليس ثمة من الهبة إلا صورتها، ومما يزيد الحيلة وضوحًا أن المؤجر يملك السلعة المأجورة، ولكنه يتنصل بكل طريق من تحمل مخاطر الملك وصيانته، فهو إذن ملك صوري، ليس الغرض منه إلا الضمان، أي ضمان بقاء السلعة في ملكه حتى سداد ثمنها كاملا ومما يزيد الحيلة وضوحا أيضا أن الأقساط المسددة تكون أقساطًا بيعية (أي أقساط سداد الثمن) ، لا أقساطًا إيجارية (أقساط سداد الأجرة) ، فالأولى أعلى من الثانية.
стр. 8067
والخلاصة فإن البيع الإيجاري، أو الإيجار مع الوعد الملزم بالبيع، حيلة حديثة على بيع التقسيط (والبيع من العقود الناقلة للملكية) ، يشبهها في الحكم بيع التقسيط مع عدم نقل ملكية المبيع إلا بعد سداد الأقساط جميعًا، وهذا ما يعرف في مباحث القانون الوضعي بشرط الاحتفاظ بالملكية، وقد أجازه القانون الروماني وبعض القوانين الحديثة العربية والأجنبية (د. إبراهيم دسوقي أبو الليل ص ٩٠ و ١٤٨ و ١٨٩ و ٢٧٠) .
والبيع الإيجاري من البيوع التي أقرتها بعض القوانين الوضعية كما ذكرنا، وليس له ذكر عند الفقهاء المسلمين السابقين، ويحاول بعض العلماء المعاصرين استباحته بحجج وحيل غير مقبولة فقهيًا وأصوليًا.
وقد رأى بعض الفقهاء المعاصرين أن البيع الإيجاري يستغني عنه شرعًا ببيع التقسيط، مع تقديم كفالة أو ضمان (رهن) ، ويمكن أن يكون رهنًا للمبيع نفسه، إذا كان الرهن غير مقبوض (رهن رسمي غير حيازي) في يد البائع المرتهن، وهذا ممكن اليوم في نطاق السلع التي ترهن بإشارة رهن في السجل الرسمي، كما هو واقع بالنسبة للمباني والسيارات وغيرها (أبو الليل ص ١٨٩) .
والحقيقة أن بيع التقسيط، مع رهن المبيع، لا يغني الباعة عن البيع الإيجاري، أي أن الأول ليس بديلًا كاملًا، له نفس الكفاءة بالنسبة للبائع، لأن أفضلية البائع المرتهن تتقدم عليها في المرتبة أفضلية أرباب حقوق الامتياز العامة، كالخزانة العامة التي تحظى بأفضلية مطلقة (أبو الليل ص ١٨٧ و ١٨٠) ، ولأن الرهن يتطلب إجراءات قانونية متعددة، كالتسجيل والتجديد وبيع المرهون.
ولئن جاز رهن المبيع نفسه، فقد يجوز أيضًا أن يتشرط بائع التقسيط على المشتري عدم التصرف بالمبيع إلى حين استيفاء الثمن، ويسجل هذا الشرط مع تسجيل عقد البيع، وهو ما يعرف في مباحث القانون الوضعي بالشرط المانع من التصرف (أبو الليل ص ١٠و ٢٠و ٢٢ و ٢٥٩) فرهن المبيع نفسه ليس الغرض منه إلا منع المشتري من التصرف به إلى حين سداد الأقساط وفك الرهن.
стр. 8068
٥-٤ بيع التقسيط والتمويل الإيجاري:
التمويل الإيجاري (بالإنكليزية Leasing , وبالفرنسية Credit-bail)
صيغة تمويلية حديثة، ظهرت أو مرة في الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٥٣م، وفي فرنسا عام ١٩٦٢م، واعترف بها القانون الفرنسي المؤرخ في ٢ تموز (يوليو) ١٩٦٦ م.
والتمويل الإيجاري هو كالبيع الإيجاري، إلا أن السلعة التي يراد تأجيرها لم تدخل بعد في ملك المؤجر، فهو يؤجرها قبل أن يشتريها، فهو إيجار قبل القبض (قارن في الشريعة: البيع قبل القبض) ، بل قبل الشراء.
والصورة القانونية لهذا التمويل الإيجاري هي أن يقدم أحد الطرفين وعدًا بالإجارة، ثم تعقد الإجارة بعد شراء السلعة التي يراد تأجيرها، ومع عقد الإجارة يكون هناك وعد ببيع السلعة إلى المستأجر في نهاية الإجارة، فإذن هناك وعدان، وقد يكون كل منهما ملزمًا أو غير ملزمًا، فإن كان الوعد في كل مرة غير ملزم، فلا بأس شرعًا، وإن كان الوعد ملزمًا فلا أرى الجواز، لأن الوعد الملزم، كما ذكرنا، في حكم العقد.
وعلى هذا فحكم التمويل الإيجاري عندي كحكم البيع الإيجاري، ويزيد عليه بأن، السلعة تؤجر قبل أن تشترى، وتباع بثمن محدد، أو بثمن السوق في نهاية الإجارة، وهذا كله لا يسلم جوازه، ولم يفلح مُفْتٍ في إثبات جوازه.
وللتمويل الإيجاري في البلدان الصناعية شركات متخصصة تقدم تسهيلاتها للمنشآت الصناعية بصورة خاصة، وتؤثر هذه الشركات هذه الصيغة على القرض (الربوي) الصريح، لأن المال الممول (السلعة المؤجرة) تكن في ملكها، ولا تندمج ضمن موجودات المنشأة الصناعية، ومع أن الشركة الممولة تعتبر مالكة للمأجور، إلا أنها تلقي على عاتق المستأجر كافة الأخطار التي يجب أن يتحملها المالك أصلًا، بما في ذلك أخطار العيوب التي قد توجد في السلعة المؤجرة، لدى تسلمها من الشركة الصانعة، وأخطار التأخر في تسلمها من هذه الشركة الصانعة، ذلك لأن القصد هو التمويل، وما الغرض من التأجير إلا المزيد من الضمانات للشركة الممولة.
٥-٥ بيع التقسيط وبيع المرابحة للآمر بالشراء:
بيع المرابحة للآمر بالشراء، المطبق اليوم في المصارف الإسلامية، صورته أن يتواعد العميل مع المصرف، بأن يشتري هذا الأخير سلعة موصوفة (يصفها العميل) بثمن معجل، ثم يبيعها إليه بثمن مؤجل أعلى، وهذه المواعدة ملزمة في بعض المصارف للطرفين: المصرف والعميل، وفي بعض المصارف الأخرى ملزمة للمصرف دون العميل وعندي أنها غير جائزة إلا بالخيار للطرفين، وقد فصلت هذا في بحوث مستقلة، منها بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بجدة.
فبيع المرابحة، بمعناه المطبق في المصارف الإسلامية، يشتمل إذن على بيع معجل بين المصرف وبائع السلعة، وبيع مؤجل بين المصرف ومشتري السلعة، وجواز البيع المؤجل، بزيادة في الثمن لقاء الأجل، لا يرقى إليه شبهة، ولكنه لا يعني بالضرورة جواز بيع المرابحة هذا، ما لم تكن المواعدة فيه غير ملزمة لأي من الطرفين، كما بيَّنَّا.
* * *
стр. 8069
الفصل السادس
الأجل في بيع التقسيط
٦-١ الاشتباه بالربا في بيع التقسيط:
في بيع التقسيط نساء وفضل، وكل منهما يعتبر ربا في بعض البيوع التي أتت على ذكرها بعض الأحاديث النبوية الشريفة.
فالذهب بالذهب (وكذلك القمح بالقمح) لا يجوز فيه النساء، فذهب معجل بذهب مؤجل مساو له فيه ربا، يسمى " ربا النساء ".
والذهب بالفضة (وكذلك القمح بالشعير) لا يجوز فيه النساء، وإن جاز فيه الفضل، فذهب معجل بفضة معجلة أكثر منه يجوز لاختلاف الصنفين، ولكن لا يجوز فيه النساء، إذ النساء فيه مظنة الزيادة في الفضل لأجل النساء، أو فيه بعبارة أخرى شبهة القرض الربوي، إذ يدفع المقرض دنانير ذهبية، ويسترد بعد أجل محدد دراهم فضية فيها زيادة تغطي فرق الصنفين (الذهب والفضة) ، وزيادة أخرى تغطي فرق الأجل (الفرق بين قيمة الآجل وقمة العاجل) .
وعليه فإن القمح بالذهب، في بيع التقسيط، فيه نساء وفضل، إذ يباع القمح بثمن مقسط يزيد على الثمن الحال، فلابد من إثبات جواز الفضل لأجل التقسيط، أما النساء في بيع التقسيط فهناك أحاديث صريحة بجوازه، ولكنها تحتاج إلى شرح، فلماذا جاز النساء في بيوع، ومنع في بيوع؟ هذا ما سنفعله في مواضع لاحقة من هذا البحث.
٦-٢ عنصر الأجل (= الزمن النساء) في بيع التقسيط:
في الشريعة الإسلامية، كما ذكرنا، بيوع لا يجوز فيها الأجل، مثل الذهب بالذهب، أو الذهب بالفضة (الصرف) ، أو القمح بالقمح، أو القمح بالشعير. . . الخ فهذه البيوع، لو جاز فيها الأجل، لزيد فيها في البدل المؤجل فصارت قرضا ربويًا، فذهب معجل بذهب مؤجل أكثر منه هو في حقيقته قرض ربوي ولذلك منع الشارع الحكيم هذه المعاملة، سواء سميت قرضًا أو بيعًا، وكذلك ذهب معجل بفضة مؤجلة، لابد أن يزاد فيها في الفضة لأجل التأجيل، فصارت كالقرض الربوي، يعقد بالذهب (بالدنانير) ويرد بالفضة (بالدراهم) .
стр. 8070
وعلى هذا فإن الأجل قد منع شرعًا في بعض البيوع، منعا لربا القرض، أو سدًّا لذريعته، وفيما عدا ذلك من البيوع، فإن الأجل جائز، ومنه جاز بيع النسيئة (قمح معجل بذهب مؤجل) وبيع السلم (ذهب معجل بقمح مؤجل) ، وجوازهما ثابت في السنة.
فالأصل أن الأجل جائز في البيوع، عدا بيوعًا مخصوصة فإذا كان البيع نقدًا بسلعة، أو سلعة بنقد، أو خدمة بنقد، أو نقدًا بخدمة، وسواء كانت تلك السلعة قيمية (أي تقبل الإجارة كالآلة أو السيارة) أو مثلية (أي تقبل القرض كالنقد والقمح) ، فلا يختلف أحد من الفقهاء على جواز الأجل في هذا البيع، ما دام البدل المؤجل يقبل أن يكون دينًا في الذمة، أي مالًا مثليًا موصوفًا (كالنقد أو القمح) كما ذكر الفقهاء في شروط بيع السلم.
هذا وإن الأجل في بيع التقسيط قد يكون قصيرًا (أقل من سنة) ، أو متوسطًا (من سنة إلى خمس سنوات) ، أو طويلًا (أكثر من خمس سنوات) ، وذلك بحسب المدة التي تتوزع فيها الأقساط.
٦-٣ التأجيل (أو التقسيط) رخصة:
بيع السلم، عند جمهور الفقهاء، رخصة مستثناة من بيع ما ليس عنده، وهو البيع المنهي عنه في السنة النبوية الشريفة، فإذن قد يجوز منصوصان، وأحدهما أصل (قاعدة) والآخر رخصة (استثناء) ولهذا لا أوافق ابن تيمية (مع تقديري العام لرسالته في القياس) وابن القيم على قولهما: " ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس " (رسالة القياس في فتاوى ابن تيمية ٢٠/٥٥٦، وأعلام الموقعين لابن القيم ١/٣٣٥، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢/١٤٧ و ١٥٢ و ١٦١ و ١٧٤) .
كذلك التأجيل أو التقسيط رخصة، لأن في التأجيل غررًا، لكن يبدو أن هذا الغرر من الغرر اليسير المعفو عنه (= المغتفر) ، لا سيما وأن جواز التأجيل في البيع ثابت في النص.
فقد ذكر الإمام الشافعي أن السلم الحالّ أقل غررًا من السلم المؤجل، وقال: " الأعجل أخرج من معنى الغرر " (الأم ٣/٨٣ و ٨٥ و ٣٢) وهذا فقه عميق دقيق، ففي السلم المؤجل خطر انقطاع المُسْلَم فيه في الأجل، وخطر حوالة الأسواق (= تغيرات الأثمان) ، فالبدل المؤجل يقدر مقداره في ضوء ظروف واقعة ومتوقعة قد تتغير، فلا يتحقق التساوي بين البدل المعجل والبدل المؤجل، كما كان مقدرًا له، وهذا بخلاف ما لو كان البدلان معجلين في وقت واحد.
стр. 8071
قال الجوينى: " من دقيق ما يجري في هذا الفن، وهو العلق النفيس (أي الشيء الغالي المحبوب) في هذا القبيل أن الشافعي ألحق إثبات الخيار والأجل في بابا الرخص، من جهة أن قياس التقابل في المعاوضات أن يخرج العوض عن ملك أحد المتعاقدين حسب (لعله خطأ صوابه: وقت) دخول مقابله في ملكه فإذا حل أحد العوضين، وتأجل الثاني كان ذلك خارجًا عن هذا القانون (. . .) والتأجيل أثبت فسخة لمن لا يملك الثمن في الحال، رجاء أن يتحمله (= يحتال له ويطلبه) إلى منقرض الآجال " (البرهان ٢/٩٣٤ – ٩٣٥) .
ومعرفة هذا مفيد في الاجتهاد، وبه يتأكد أن الغرر غرران: غرار كبير حرام، وغرر يسير مغفور.
٦-٤ سبب منع التأجيل (= النسا) في الأموال الربوية:
إن مبادلة كالذهب بالذهب. . . قد منع فيها النساء، لأن الفضل غير جائز فيها لأجل النساء، ولو جاز فيها النساء لاستتبع ذلك جواز الفضل، لكي تتحقق المعاوضة العادلة، ولو جاز هذا القرض الربوي، وهو ممنوع بنص القرآن والحديث، فذهب معجل بذهب مؤجل أكثر منه لا يجوز، سواء سمي هذا بيعًا أو قرضًا ربويًا لا فرق فالقرض الربوي ضرب من التجارة أو من المبايعة، ولكنها غير جائزة.
لكن علينا أن نلاحظ أن الذهب بالذهب. . . يجوز فيه النساء، إذا كان قرضًا، وعندئذ لا يجوز الفضل، لكي لا ينقلب القرض الحسن قرضًا ربويًا.
وأساس القرض مختلف عن أساس البيع، فالقرض أساسه الإحسان، والبيع أساسه العدل نعم في القرض الشرعي ربا نساء، ولكنه لصالح المقترض، فالقرض عقد إحسان أو إرفاق.
ولا نقول إن القرض جاز على خلاف القياس، بل نقول إن القرض أصل، والبيع أصل آخر مختلف عنه، وليس أحدهما أصلًا (قاعدة) والآخر رخصة (استثناء) ونوافق في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته النفسية عن القياس (انظر الفتاوى ٢٠/٥١٤) .
٦-٥ التقسيط في بيع السلع القيمية والمثلية:
السلع القيمية هي السلع القابلة للإجارة كالدابة والسيارة والآلة، والسلع المثلية هي السلع القابلة للقرض كالنقود والقمح، والشعير والتمر والملح (مستحضرين في الذهن حديث الأصناف الستة المتعلقة بالربا) .
قد يخطر في البال التفريق بين السلع القيمية والسلع المثلية في بيع التقسيط، فيقال بجواز زيادة الثمن المؤجل في السلع القيمية، دون المثلية، لأن القيمية قابلة للإجارة (=الكراء) ، باعتبار الأجر جائزًا، خلافًا للربا، أي يجوز أجر الآلة والعقار والدابة، ولا يجوز أجر النقود والأطعمة، لأن هذه الأموال لا تؤجر.
على أنه، وإن كان جواز زيادة الثمن المؤجل أوضح في السلع القيمية منه في المثلية، إلا أنها جائزة فيهما، بلا تفريق بينهما في الحكم، وقد أثبتنا جوازه في السلع المثلية في موضع آخر من هذه الدراسة (المبحث ٧-٣) ، فصار جوازه في السلع القيمية أوضح، فلا فرق في الحكم بينهما إذن، أي أن هذا الفرق بين القيمي والمثلي غير مؤثر في حكم زيادة الثمن للأجل.
стр. 8072
الفصل السابع
الزيادة في الثمن لأجل التقسيط
٧-١ الثمن في بيع التقسيط أعلى (منه في البيع الحال) :
الثمن في بيع التقسيط يزيد على الثمن في البيع الحالّ، وليس لدينا نص شرعي صريح بجواز هذه الزيادة.
والفقهاء مختلفون في أمر هذه الزيادة، ولكن جمهورهم على جوازها، وهم قد صرحوا بأن للزمن حصة (أو قسطًا) من الثمن، وذلك بمناسبة كلامهم عن زكاة الديون المؤجلة، أو بيع المرابحة، أو بيع السلم، أو بيعتين في بيعة، أو صفقتين في صفقة، أو بيوع الآجال (= بيع العينة) ويمكن القول بأن مظان كلام العلماء عن هذه الزيادة مظان حديثية (بيعتان في بيعة، صفقتان في صفقة، بيع وسلف، بيع وشرط، شرطان في بيع) ، ومظان فقهية (البيوع الفاسدة، أو المنهي عنها) .
انظر في الفقه الحنفي:
- المبسوط للسرخسي ١٢/١١١، ١٣/٧٨، و ٢٢/٤٥.
- بدائع الصنائع للكاساني ٥/ ٢٢٤، و ٥/٢٢٤.
- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي ٤/٧٨.
- حاشية ابن عابدين ٤ /١٥٨، و٢٥٥ و ٢٩١، و ٥/١٣٣، و١٤١.
وفى الفقه الشافعي:
- الأم للإمام الشافعي ٣/٦٢ و ٨٨.
- المجموع للنووي ٦/٢٢ و ١٣/٦.
- مغني المحتاج للشربيني ٢/٧٨ و ٧٩.
- تحفة المحتاج للهيتمي ٤/٤٣٢.
- حاشية الجمل على شرح المنهج ٣/٧٧ و ١٨٣.
وفي الفقه المالكي:
- المدونة ٤/٢٢٩.
- بلغة السالك للصاوي ٢ /٧٩.
- الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٣/١٦٣ و ١٦٥.
- الموافقات للشاطبي ٤/٤١ و ٤٢.
- حاشية الزرقاني على خليل ٥/ ١٧٦.
- الخرشي على خليل ٦/٤٤.
- القوانين الفقهية لابن جزي ص ٢٩٠.
- بداية المجتهد ٢ /١٠٨.
-
стр. 8073
وفي الفقه الحنبلي:
- المغنى لابن قدامة ٤/١٣٩.
- فتاوى ابن تيمية ٢٩ /٤١٣ و ٤٤٩ و ٥٢٥.
وفي الفقه الزيدي:
- نيل الأوطار للشوكاني ٥/١٧١.
- الروض النضير للسياغي ٣/٥٢٦ – ٥٢٧.
وفي الفقه الأباضي:
- شرح كتاب النيل لاطفيش ٩/٣١٩ و ٣٢٠.
وفي فقه المعتزلة:
- المغني للقاضي عبد الجبار ١٣ /٥٣٥ – ٥٣٧.
٧-٢ نماذج من عبارات الفقهاء في جواز زيادة الثمن في بيع النسيئة:
١- من الفقه الحنفي:
- " المؤجل أنقص في المالية من الحالّ " المبسوط ١٣ /٧٨ و ١٢٥.
" التفاوت بين النقدين والنسبة (خطأ مطبعي صوابه: بين النقد والنسيئة) في المالية " المبسوط ١٢ /١١١.
" صاحب الشرع (. . .) اعتبر التفاوت بين النقد والنسيئة " المبسوط ١٢/١٨٦.
- " الثمن قد يزاد لمكان الأجل " بدائع الصنائع.
" لا مساواة بين النقد والنسيئة " لأن العين (= الحاضر) خير من الدين، والمعجل أكثر قيمة من المؤجل " بدائع الصنائع ٥/١٨٧.
- " يزاد على الثمن لأجل الأجل " تبيين الحقائق ٤ /٧٨.
- " عن الثمن المؤجل أنقص في المالية من الحالّ، ولهذا حرم الشرع النساء في الأموال الربوية " تبين الحقائق ٤/٧٨.
- " من تتميم التماثل (بيد البدلين) المساواة في التقابض، فإن للحال مزية على المؤخر" شرح فتح القدر ٧ /٧.
- " يزاد في الثمن لأجله " حاشية ابن عابدين ٥ /١٤٢.
-
стр. 8074
٢- من الفقه الشافعي:
- " الطعام الذي إلى الأجل القريب أكثر قيمة من الطعام الذي إلى الأجل البعيد " الأم ٣/٦٢.
" مائة صاع أقرب أجلًا من مائة صاع أبعد أجلًا منها أكثر في القيمة " الأم ٣ /٨٨.
- " الخمسة نقدًا تساوي ستة نسيئة " الوجيز للغزالي ١/٨٥، وانظر المجموع للنووي ٦ /٢٢.
- " الأجل يأخذ جزءًا من الثمن " المجموع للنووي ١٣ /٦.
- " الأجل يقابله قسط من الثمن " مغني المحتاج ٢/ ٧٨.
- " الأجل يأخذ قسطا من الثمن " حاشية الجمل على شرح المنهج ٣/٧٧و١٨٣
٣- من الفقه المالكي:
- " النساء في أحد العوضين يقتضي الزيادة " الموافقات ٤/ ٤١.
" الأجل في أحد العوضين لا يكون عادة إلا عند مقارنة الزيادة به في القيمة، إذ لا يسلم الحاضر في الغائب (= المؤجل) إلا ابتغاء ما هو أعلى من الحاضر في القيمة، وهو الزيادة " الموافقات ٤ /٤٢.
- " جعل للزمان مقدارًا من الثمن " بداية المجتهد ٢ /١٠٨.
- " لأن له، أي للأجل، حصة من الثمن " بلغة السالك ٢ /٧٩.
- " لأن له، أي للأجل، حصة من الثمن " ويختلف قربًا أو بعدًا " حاشية الزرقاني على خليل ٥ /١٧٦.
- " لأن له (للأجل) حصة من الثمن " الدسوقي على الشرح الكبير ٣ /١٦٥.
٤- من الفقه الحنبلي:
- " الأجل يأخذ قسطًا من الثمن " فتاوى ابن تيمية ٢٩ /٤٩٩.
- " إذا تساوى النقد والنسيئة، فالنقد خير " الجواب الكافي لابن القيم ص ٣٨.
٥- من الفقه الزيدي:
- " يجوز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء " نيل الأوطار ٥/١٧٢ بتصرف قليل.
- " بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء جائز " الروض النضير ٣/٥٢٦.
٦- من الفقه الأباضي:
- " يلزم للأجل قسطًا من الثمن، فيزيد الثمن بالأجل وطوله، وينقص بعدم الأجل وبقصره " شرح كتاب النيل لأطفيش ٩/٣١٩ و ٣٢٠.
٧- من فقه المعتزلة:
- " يلزم بتأخيره زيادة عوض " المغني للقاضي عبد الجبار ١٣ /٥٣٥.
- " لا يجوز مع كمال العقل أن يؤخر حقه إلا لزيادة مع سلامة الحال، فيجب في تأخير العوض لزوم هذه الزيادة " نفسه ١٣/٥٣٥.
" إذا أخره سنة وجب به من الزيادة مقدار ما بين الانتفاع به نقدًا وإلى سنة " نفسه ١٣/٥٣٦.
" قد عملنا أن من له الحق على غيره تلحقه مضرة بتأخيره كما لو لحقه ذلك بإتلاف ثوبه " نفسه ١٣/ ٥٣٦، وانظر ١٣/٣٣٢ و ١١/٧٨.
٧-٣ الاستدلال على جواز الزيادة في الثمن لأجل التقسيط:
القرض (إن أجل) لا تجوز فيه عند أحد من الفقهاء الزيادة لأجل الأجل، أما البيع المؤجل فتجوز فيه الزيادة للأجل عند جمهور الفقهاء، وقد نقلنا عن عباراتهم ما يشفي غليل الباحث.
ولكننا مع ذلك لا نرى أن في عباراتهم إثباتًا كافيًا على جواز الزيادة المذكورة لاسيما وأن بعض القدامى والمعاصرين ينازعون في هذا الجواز، كما أن المسألة لا تخلو من التباس، فالزيادة لأجل الزمن هي ربا، فكيف جازت في البيع دون القرض؟
نريد هنا أن نثبت جوازها في البيع دون القرض، مبينين بعض الفروق بين البيع والقرض، مما جعل حكمهما مختلفا في هذه الزيادة.
стр. 8075
١- الأدلة النقلية:
١- قال تعالى على لسان عرب الجاهلية: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] ، أي فحرموا البيع مثل الربا، أو فأحلوا الربا مثل البيع.
ومن أدق ما نقل في احتجاجهم أنه إذا اشترى المشتري بـ ١٠ إلى شهر، ثم أجله البائع إلى شهر آخر بزيادة واحد فهذا كما لو باعه إلى شهرين بـ ١١ (أحكام القرآن لابن العربي ١ /٢٤٢، والاعتصام للشاطبي ٢/٤٧) .
فعاجلهم تعالى بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ، أي البيع بـ ١١ إلى شهرين جائز، والبيع بـ ١٠ إلى شهر جائز، ولكن تأجيله بعد ذلك بزيادة واحد إلى شهر آخر ربا غير جائز.
فالزيادة الأولى في البيع جائزة، سواء كانت ربحًا في بيع معجل، أو ربحًا إضافيًّا للتأجيل في بيع مؤجل (تنوير المقباس لابن عباس ص ٣٢ من الطبعة المستقلة، أو ١/١٤٣ من الطبعة التي على هامش الدر المنثور للسيوطي، وقارن تفسير المنار ٣/١١٣ و ٤/١٢٣، وفتواى محمد رشيد رضا ٢/٦٠٨، والربا لمحمد رشيد رضا ص ٧٦) .
المهم هنا أن عرب الجاهلية أرادوا الاحتجاج بجواز الزيادة في الثمن المؤجل لاستباحة الزيادة في القرض المؤجل.
٢- عن عالية بنت أنفع أنها سمعت عائشة، أو سمعت امرأة أبي السفر تروي عن عائشة أن امرأة سألتها عن بيع باعته من زيد بن أرقم بكذا وكذا إلى العطاء، ثم اشترته منه بأقل من ذلك نقدًا، فقالت عائشة بئس ما اشتريت وبئس ما ابتعت، أخبري زيد بن أرقم أن الله قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، إلا أن يتوب (انظر الأم للشافعي ٣/٦٨، والمحلى لابن حزم ٩/٦٠، وبداية المجتهد ٢/١٠٧) .
فهذا الخبر يدل على أن الثمن النقدي أقل من الثمن المؤجل، كما يدل على أن المعاملة غير جائزة، كما أفادت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها ولكن ما هو غير جائز، في هذا الخبر، ليس هو زيادة المؤجل على المعجل، إنما هو بيع الشيء، بثمن مؤجل، ثم شراؤه بثمن معجل أقل، فهذه حيلة ربوية، تسمى بيع العينة (= بيع الآجل) ، إذ يبدو أن الغرض هو القرض بربا يساوي الفرق بين الثمنين فزيادة الثمن المؤجل على المعجل جائزة، ولكن لا يجوز اتخاذها وسيلة للقرض الربوي، أي الوصول إلى القرض في صورة بيع، يجري مرتين، بصورة متعاكسة، بحيث يؤول في الحقيقة إلى قرض بالربا.
إن بيوع العينة (= بيوع الآجال) هذه مستندة إلى الحلال وصولًا إلى الحرام فالحلال هو جواز الزيادة في الثمن المؤجل، والحرام هو التحايل بهذه الواسطة للتوصل إلى مأرب ربوي غير مشروع.
стр. 8076
٣- عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير، جاءه ناس منهم، فقالوا: يا نبي الله، إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحلّ فقال رسول الله ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) . رواه الطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك ٢/٥٢ وقال: صحيح الإسناد وانظر سنن الدارقطني ٣/٢٤٦، ومجمع الزوائد للهيثمي ٤/١٣٠، والمطالب العالية لابن حجر ١/٤١١، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٣/١٢.
يبدو أن ديون بني النضير على الغير كانت ديونًا مؤجلة، قد زيد فيها للتأجيل، فعليهم إما أن ينتظروا الأجل فيحصلوا على ديونهم كاملة، أي بـ " قيمتها الاسمية " أو أن يتعجلوا هذه الديون ويحصلوا على " قيمتها الحالية "، بعد وضع جزء منها بمقدار الحطيطة المساوية لما كان قد زيد في الدين لأجل تأجيله.
وضَعْ (= حط) وتَعَجَّلْ هو نظير زِدْ وَتَأَجَّلْ، فكلاهما نقصان أو زيادة في مقابل الزمن ولا أرى أن ابن القيم قد افلح في التفرقة بينهما (إغاثة اللهفان ٣/١٢) .
والوضع للتعجيل كالرفع للتأجيل، كلاهما موضع خلاف بين الفقهاء لكن في حين أن الثاني قد أجازه جمهور الفقهاء، يبدو أن الأول قد منعه جمهور الفقهاء، ولم يجزه إلا بعض الفقهاء، منهم ابن عباس وزيد بن ثابت من الصحابة، وزفر من فقهاء الأمصار، وإبراهيم النخعي، وطاوس، والزهري، وأبو ثور وعن الإمام أحمد فيه روايتان، اختار رواية الجواز شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وفيه قول عن الشافعي (انظر مصنف ابن أبي شيبة ٧/٢٨ – ٢٩، وأحكام القرآن للجصاصى ١/٤٦٧، والمبسوط للسرخسي ١٣/١٢٦، وبداية المجتهد ٢/١٠٨، والاختيارات الفقهية لابن تيمية ص ١٣٤، وإغاثة اللهفان لابن القيم ٢/١١، وأعلام الموقعين له أيضا ٣/٣٧١، وقارن " بحوث في الربا " لأبو زهرة ٥٩- ٦٠) .
وأجازه ابن عابدين في العقود الدرية ١/٢٧٨، وفي الحاشية ٥/١٦٠ و ٧ /٧٥٧ حيث قال:
" قوله: قضى المديون الدين المؤجل قبل الحلول، أو مات فحل بموته، فأخذ من تركته، لا يأخذ من المرابحة (أي زيادة الربح في مقابل الأجل) التي جرت بينهما إلا بقدر ما مضى من الأيام، وهو جواب المتأخرين، أفاد أن الدين إذا كان مؤجلًا، فقضاه المديون قبل حلول الأجل، يجبر الدائن على القبول كما في الخانية قوله: لا يأخذ من المرابحة. . . إلخ صورته: اشترى شيئا بعشرة نقدًا، وباعه لآخر بعشرين إلى أجل، هو عشرة أشهر، فإذا قضاه بعد تمام خمسة، أو مات بعدها، يأخذ خمسة ويترك خمسة ".
أقول: والظاهر أن مثله ما لو أقرضه وباعه سلعة بثمن معلوم، وأجل ذلك، فيحسب له من ثمن السلعة بقدر ما مضى فقط، تأمل.
стр. 8077
قوله: وعلله بالرفق للجانبين، " علله الحانوتي بالتباعد عن شبهة الربا، لأنها في باب الربا ملحقة بالحقيقة، ووجه أن الربح في مقابلة الأجل، لأن الأجل وإن لم يكن مالًا ولا يقابله شيء من الثمن، لكن اعتبروه مالًا في المرابحة، إذا ذكر الأجل بمقابلة زيادة الثمن، فلو أخذ كل الثمن قبل الحلول كان أخذه بلا عوض، والله أعلم ". ١هـ. (انظر أيضا الدرر المباحة للشيباني النحلاوي ص ٥٣) .
وقد رغم ابن القيم، في أعلام الموقعين ٣/٣٧١ وإغاثة اللهفان ٢ /١١، أن الحطيطة عكس الربا (انظر أيضا الإمام زيد لأبي زهرة ص ٢٩٥) ، لا يعني بهذا أن الحطيطة للتعجيل هي عكس الربا للتأجيل، فلو كان هذا ما أراده لكان صوابًا، بل يعني أن الحطيطة عكس الربا في الحكم الشرعي، وهذا غير صحيح، فالحطيطة نقصان للتعجيل، والربا زيادة للتأجيل، فكلاهما إذا تغير مناسب في المبلغ لأجل الزمن، فحقيقتهما الربوية واحدة (المنتقى للباحي ٥/٦٥، وغيره) ولعل الذي دفعه إلى ما قال هو أن الربا، بنظره، كله حرام، وهو يرى أن ضع وتعجل ليس من الربا الحرام، وإني لا أخالفه في حكمه على ضع وتعجل، إنما أخالفه في تعليله، ويمكن أن يقال إن حكمه لا يعتد ما دام تعليله غير مقبول لكن يمكن أن يقال بالمقابل أيضا إن ابن القيم يدرك بالحدس أن ضع وتعجل جائز، ولا بد من تخليصه من الربا الحرام، وسنرى أنه لا حاجة إلى حجته، فإن الربا ربوان: حلال وحرام، كما سنرى.
وما ذكره ابن القيم لعله مقتبس من ابن عباس الذي قال: " إنما الربا أخر لي وأنا أزيدك، وليس عجل لي وأنا أضع عنك " (كنز العمال ٢ /٢٣٥ وانظر مصنف ابن أبي شيبه ٧ /٢٨) ومخالفتي لابن عباس هي نفس مخالفتي لابن القيم، وربما أمكن حمل كلام ابن عباس على الربا " الحرام ".
والخلاصة أنني أميل إلى جواز الربا للتأجيل، والحطيطة للتعجيل، بدون فرق بينهما في الحكم، ما دام هذا وذاك بين متبايعين، فإذا دخل بينهما ثالث (وسيط، كالمصرف) ، ليسدد الثمن النقدي للبائع، ويحتسب الثمن المؤجل في ذمة المشتري (وهو ما يسميه البعض اليوم: مرابحة للآمر بالشراء) لم يجز، لأن هذا الشخص الثالث (المصرف) قد دفع نقدًا ليسترد نقدًا أكثر منه، وهو ربا نسيئة محرم، هذا إذا كانت المرابحة ملزمة، أما إذا لم تكن ملزمة فلا بأس.
وكذلك لو دخل هذا الشخص الثالث، ليسدد عن المشتري الثمن الحالّ (= القيمة الحالية للثمن المؤجل) ، ويطالب هذا المشتري بالثمن المؤجل في تاريخ الاستحقاق (وهو ما يسمى اليوم: الخصم المصرفي، خصم الأوراق التجارية) لم يجز، لأن هذا الشخص الثالث (المصرف) قد دفع مبلغًا من النقود ليسترد مبلغًا أكبر منه، وهو ربا نسيئة محرم.
стр. 8078
٢- الأدلة العقلية (الاستنباطية) :
يظن البعض أن الزيادة في الثمن الآجل هي من قبيل الربا " المحرم "، وما دام الأمر كذلك، فإننى سأستخلص لهم من حديث الربا نفسه ما لعله يقنعهم بأن هذه الزيادة، وإن كانت ربا، إلا أنها ليست محرمة، فهذا الدليل الذي سنسوقه لهم إذن ليس دليلًا عقليًا محضًا، إنما هو دليل عقلي معتمد على أساس نقلي ثابت صحيح.
قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد)) ، رواه مسلم في صحيحه (صحيح مسلم بشرح النووي ٤/٩٨) .
من هذا الحديث نستخلص الأحكام التالية:
١- الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، أو البر بالبر. . . الخ، يجب فيه التساوي في النوع (مثلًا بمثل) والقدر (سواء بسواء) والزمن (يدًا بيد) .
ويلاحظ أن من أن من مكملات التساوي في النوع والقدر التساوي في الزمن أيضا، قال في شرح فتح القدير ٧/٧: " من تتميم التماثل المساواة في التقابض، فإن للحال مزية على المؤخر ".
فلو تساوى العوضان في الجنس والنوع والقدر، ولم يتساويا كذلك في الزمن، بل أحدهما كان معجلًا والآخر مؤجلًا، أو أحدهما مؤجلًا إلى أجل قريب والآخر إلى أجل بعيد، لاختل أمر التساوي في هذه المعاوضة، ولكان هناك ربا يسميه الفقهاء " ربا نَساء "، بمعنى أن صاحب البدل المعجل فد أربى على صاحب البدل المؤجل، وهذا دليل شرعي على أن المعجل خير من المؤجل، إذا تساويا في كل الأمور، خلال الزمن.
٢- الذهب بالفضة، أو القمح بالشعير. . . الخ، يجب فيه التساوي في الزمن (يدًا بيد) ، ولكن يجوز فيه عدم التساوي في الوزن أو في الكيل وإنما جاز فيه التفاضل لاختلاف الصنفين (= الجنسين) ولم يجز فيه النساء لشبهة القرض الربوي، إذ يمكن أن يفرض أحدهم دنانير ذهبية، ويسترد دراهم فضية، ويكون له فضل في المقدار مراعاة لاختلاف الصنفين، وفضل آخر مراعاة لاختلاف الزمنين، وهذا في الحقيقة يشبه قرضًا ربويًا عقد بنقد وسدد بنقد آخر.
ومن الأحاديث التي تجيز بيع النسيئة وبيع السلم، نستخلص أيضا أن:
٣- الذهب بالقمح، أو الفضة بالشعير. . . الخ، يجوز فيه الفضل والنساء.
стр. 8079
وهكذا يلاحظ أن ربا الفضل وربا النساء كان محرمين في المبادلة الأولى (الذهب بالذهب. . .) ، وأن ربا النساء كان محرمًا في المبادلة الثانية (الذهب بالفضية. . .) أما في المبادلة الثالثة (الذهب بالقمح) فلم يعد شيء من هذا محرمًا، لا ربا فضل ولا ربا نساء، فيجوز في هذا النوع من المبادلات الفضل لاختلاف الصنفين، والفضل لاختلاف الزمنين، أي لأجل النساء، ولو لم يجز الفضل للنساء لحرم النساء ألا تذكر قول الزيلعي في تبيين الحقائق ٤/٧٨: " إن الثمن المؤجل أنقص في المالية من الحال، ولهذا حرم الشرع النساء في الأموال الربوية "، أي في مبادلة كالذهب بالذهب، أو القمح بالقمح، ذلك بأن النساء كما رأينا يخل بتساوي البدلين، والفضل في البدل المؤجل يعيد التساوي إلى البدلين.
وعليه، فإن القمح إذا بيع بالذهب نسيئة أو تقسيطًا، أمكن زيادة الثمن المؤجل أو المقسط على الثمن المعجل، من اجل تحقيق التساوي (العدل) في المعاوضة.
ومن هذا العرض، يمكن أن يلاحظ القارئ أن الربا ليس كله حرامًا، وسنفرد لهذا مبحثًا لمزيد من الإثبات.
٧-٤ استدلالات خاطئة على جواز الزيادة في الثمن لأجل التقسيط:
كما أن بعض العلماء استدل باستدلالات خاطئة لإثبات جواز الحطيطة للتعجيل، فإن بعضًا آخر قد استدل باستدلالات خاطئة لإثبات جواز الزيادة للتأجيل، وقد تعرضنا، في موضع آخر من هذه الدراسة، لتفنيد الاستدلالات الأولى، وسنتعرض هنا لتفنيد الاستدلالات الأخرى.
١- إن المشتري الذي يتسلم المبيع، قبل دفع ثمنه كاملًا، إنما يتسلم عينا مغلة ينتفع بها، وتصلح أن تكون موضع اتجار، وهذا بخلاف النقود، فإن من يتسلمها إنما يتسلم عينًا لا تختلف فيها الأثمان باختلاف الأزمان، لأنها هي مقياس القيم والأثمان، ولا تغل بنفسها، بل تغل بالاتجار (الإمام زيد لأبي زهرة ص ٢٩٤) .
يعتمد صاحب هذه الحجة على ما هو معروف من التفرقة بين النقود التي تقدم قرضًا، والنقود التي تقدم قراضًا (= مضاربة) ، فلا تجوز شرعًا الفائدة على النقود المقرضة، لأنها لا تغل بنفسها، ويجوز شرعًا أن تشترك النقود بحصة من الربح الصافي، كما يحصل في القراض، ذلك بأن النقود في القراض تغل بمساعدة العمل، عمل المضارب، وهي معرضة لخطر الخسارة.
стр. 8080
وهذه الحجة، وإن بدت أنها صالحة في مجال المقارنة بين القرض والقراض، إلا أنها ليست صالحة في مجال المقارنة بين القرض والبيع بالأجل (أو بيع التقسيط) ذلك لأن المبيع في بيوع التقسيط قد يكون سلعة قيمية مغلة، كالآلة والدابة والعقار، وقد يكون سلعة مثلية ليس لها غلة، كالقمح والشعير والتمر والملح، وسواء كان المبيع سلعة قيمية أو مثلية، فإن الزيادة في الثمن المؤجل جائزة كما بينا (في المبحثين ٦ –٥و٧ –٣) ، وبهذا يتكشف ضعف هذه الحجة.
ويمكن أن نذكر دليلًا آخر على تهافت هذه الحجة، بالاستناد إلى بيع السلم، فبيع السلم هو ضرب من البيع المؤجل، حيث يعجل الثمن، ويؤجل المبيع أو يقسط، وفي هذا البيع، يتسلم البائع نقودًا، لا تغل على رأي هؤلاء العلماء، فيجب إذن أن لا يختلف الثمن في بيع السلم عن الثمن في البيع الحالّ، والحال أنه يختلف، فيكون في بيع السلم أقل منه في البيع الحالّ، لأنه يعجل ولا يؤجل، وعلى هذا يظهر بوضوح أن للزمن قيمة، في الشرع، سواء كان ذلك في النقود أو في السلع المثلية أو في السلع القيمية، وبهذا يتهاوى بناء الحجة المذكورة.
وثمة دليل ثالث على تهافت هذه الحجة، وهو أن النقود في الشرع قد تكون أحيانًا موضع اتجار، وذلك في الصرف، عندما يختلف النقدان، فالذهب بالفضة (أو الدنانير بالدراهم، أو الريال بالليرة) يمكن أن يؤدي إلى التفاضل، أي إلى الربح، وهو ربح العاملين بالصرافة (الصرافين) .
فنحن إذن في غنى عن مثل هذه الحجج، وقد أغنانا الله عنها بحجج قوية واضحة، ذكرناها في مواضع أخرى من هذه الدراسة.
٢- الزيادة في الثمن المؤجل جائزة، لكن لا باعتبارها زيادة في مقابل الزمن (عوض عن الأجل) ، بدليل أن بعض الباعة قد يبيع بثمن آجل يقل عن الثمن العاجل، لحاجته إلى ترويج السلع وتصريفها، ولتوقعه الرخص في المستقبل (الإمام زيد لأبي زهرة ص ٢٩٥) .
وهذه الحجة ضعيفة جدًّا، وصاحبها لا يعرف معنى التحليل العلمي الرشيد (ولا كيف تبنى الفروض والنظريات والقوانين العلمية) سواء كان هذا التحليل في ميدان الفقه أو في أي ميدان آخر من ميادين المعرفة والعلم، ونحن لا ننكر أن الزيادة في الثمن المؤجل قد تكون لاعتبارات أخرى غير الزمن، وسنفرد لهذا مبحثًا خاصًّا في هذه الدراسة، ولكن لا يمكن أن تكون هذه الاعتبارات – أي واحد من هذه الاعتبارات – التي ذكرها صاحب هذه الحجة، لا اعتبار إمكان أن يكون الثمن المؤجل أقل من المعجل، ولا اعتبار توقع الرخص في المستقبل.
стр. 8081
فإذا فرضنا أن البائع يبيع سلعة بثمن معجل واحد، وثمن مؤجل واحد (لسنة مثلًا) ، لكل المشترين، أي كان هناك ثمن سوق للمبيعات العاجلة، وثمن سوق للمبيعات الآجلة، فلا يمكن أن نتصور أن يكون ثمن المبيعات الآجل أقل من ثمن المبيعات العاجل، ما لم يكن البائع جاهلًا غير رشيد.
وإذا فرضنا أن هذا البائع نفسه، الذي يبيع بثمن السوق، ثمن سوق للعاجل، وثمن سوق للآجل، قد توقع هبوط أسعار سلعه في المستقبل، فإن هذا التوقع قد يؤثر على ثمن السوق في اتجاه الانخفاض، لاسيما إذا كانت الكميات المعروضة من السلعة كبيرة، لكن هذا الانخفاض سيصيب كلًّا من الثمن العاجل والثمن الآجل، وسيبقى الثمن العاجل أقل من الثمن الآجل.
ولئن سمعنا مثل هذه الحجج ممن يعرف الفقه دون الاقتصاد، فمن العجيب أن نسمعها أيضا، على سبيل الترداد، ممن يعرف الاقتصاد، ومن الأعجب أن نسمعها ممن يعرف الاقتصاد والفقه معًا.
ثم إن هذه الحجة تلغي جواز الزيادة في الثمن باعتبار الزمن، مع أن هذا هو موضع النقاش والبحث.
كما إنني أشك في أن يكون صاحب هذه الحجة فقيهًا مشاركًا، ذلك بأن الفقهاء يقولون أن للزمن حصة (أو قسطًا) من الثمن، ألا ترى هذه الكلمة " الزمن"؟ كما أن الفقيه الشوكاني صنف رسالة في الموضوع سمّاها " شفاء الغلل في حكم زيادة الثمن لمجرد الأجل"؟
ترى أيهما أفقه وأيهما يعني ما يقول؟ الفقيه الشوكاني أم صاحب هذه الحجة؟
٣- نعم بيع التقسيط تجوز فيه زيادة الثمن لأجل الأجل، لأنه عقد قائم بذاته، وإنما يأتي التشويش من مقارنته بعقود أخرى كالقرض، فلماذا نقارنه بالقرض؟ لماذا لا ننظر إلى كل عقد على حدة؟ فالقرض جائز، والزيادة فيه للأجل غير جائزة، وبيع الأجل جائز، والزيادة فيه للأجل جائزة، لم لا؟ (الإمام زيد لأبي زهرة ص ٢٩٥) .
هذه الحجة لا يصلح أن يطلق عليها حجة، فهي تهرب من الحِجَاج وأصول المناظرة والاستدلال والحوار العلمي، ولا يمكن لباحث أن يستغني عن المقارنة بين العقود، والمقارنة بين الموجودات، وبين الظواهر، فهي السبيل إلى معرفة أوجه الخلاف والائتلاف، وهي السبيل إلى التأمل والاجتهاد والقياس والابتكار، وهي السبيل إلى مضاعفة معارفنا العلمية وتنميتها تنمية أسية (في صورة متوالية هندسية) إن الوصف في العلم هو الطريق الممهد للتعليل (التفسير، الشرح) فمن يقنع اليوم من العلماء بالقول بأن وظيفة العلم هي مجرد الوصف؟ إن كثيرًا من العلماء لم يعودوا يون الوصف علما، وما ذلك إلا براز أهمية التعليل، والتنبؤ، والتحكم بالمستقبل، في مسيرة العلم الحديث.
نعم قد يرتضي تلك الحجة من يرى أن الأمور كلها تعبدية، توقيفية، لا مجال للعقل البشري فيها هذا مع أن كل ما حولنا من ظواهر وإنما يشير إلى أن وراء هذه المظاهر كلها، حتى التعبدية منها، نظامًا وانسجامًا وكمالًا وجمالًا ومنطقًا واحدًا، هو الذي يحرك عقول العلماء، ويجعلهم يرون في كل شيء آية، تزيد العلماء خشية لله الواحد الأحد.
стр. 8082
٧-٥ مسوغات الزيادة في الثمن الآجل أو المقسط:
١- الزمن: ذكرنا في هذه الورقة أن الزيادة في الثمن الآجل أو المقسط قد تكون لموضع الأجل ألا تذكر قول الفقهاء: إن الزمن حصة من الثمن؟ وهذا أهم ما عُنينا بإثباته في هذه الدراسة.
٢- المخاطرة: لكن قد يزاد في الثمن الآجل أو المقسط لأسباب أخرى مثل المخاطرة، وأعني بها مخاطرة التخلف أو التأخر عن السداد، أو مخاطرة توى (= هلاك) الدين، فقد يصير الدين تاويًا، بعبارة الفقهاء، أي معدومًا، بعبارة المعاصرين، وهناك مخاطرة أخرى، وهي مخاطرة تقلبات الأسعار، وهي مخاطرة ارتفاع الأسعار بالنسبة للبائع، وهبوط الأسعار بالنسبة للمشتري.
٣- الخدمة: كما قد يزاد في الثمن المؤجل أو المقسط لأجل الخدمة (خدمة الدين) فالدين يحتاج إلى إثبات في دفاتر التاجر الدائن، ومحاسبة، ومتابعة، ومطالبة، وتذكير، واحتمال متابعة الكفيل، أو التنفيذ على الرهن (= الضمان) . . . الخ.
وعلى هذا فإن الثمن المؤجل أو المقسط يمكن أن ينطوي على زيادة لأجل الزمن، والمخاطرة، والخدمة، في صورة علاوة أو عمولة أو استرداد مصاريف (انظر تعليقي على كتاب " نحو نظام نقدي عادل " للدكتور محمد عمر شابرا ص ٣٥٤) .
ولكن إذا استحق الدين، أو ثبت في الذمة، فلا يجوز أن يزاد فيه بعد ذلك لأي من هذه الأسباب الثلاثة.
٧-٦ جواز الزيادة في بيع السلم أيضا:
بيع السلم هو نظير بيع النسيئة ففي بيع السلم: الثمن معجل والمبيع مؤجل، وفي بيع النسيئة: المبيع معجل والثمن مؤجل.
ومن الجائز في بيع السلم أن يكون الثمن فيه أقل من ثمن البيع الحالّ، أي يخفض فيه الثمن لتعجيله، أو يزاد في المبيع لتأجيله.
وقد صرح الفقهاء، لدى كلامهم عن حكمة بيع السلم، أو عن الأدلة العقلية لجوازه، بأن البائع في بيع السلم يرتفق بتعجيل الثمن (لحاجته إلى المال) ، والمشتري يرتفق برخص الثمن.
انظر المبسوط للسرخسي ١٢/ ١٢٦ و ١٣٠، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٩١- ٩٢، والاختيار للموصلي ٢ /٤٧، والفتاوى لابن تيمية ٢٠/٥٢٩، وأعلام الموقعين لابن القيم ١ /٤٠٠، وزاد المعاد له أيضًا ٥ /٨١٤ – ٨١٥و ٨٢٣، والمغني لابن قدامة ٤/٣١٢، والأم للشافعي ٣ /٦٢ و ٨٦، وكفاية الأخيار للحصني ١/٤٨٨، وبداية المجتهد لابن رشد ٢/١٥٣، والمغني للقاضي عبد الجبار ١٣/٥٣٥ – ٥٣٧.
стр. 8083
٧-٧ الزيادة للأجل جائزة في البيع والإجارة:
الإجارة ضرب من البيع، لأنها بيع المنفعة، بخلاف البيع، فإنه بيع الرقبة، التي تشمل المنفعة والتصرف.
وكما أن الثمن فيه لمكان التأجيل، فكذلك الكراء يجوز أن يزاد فيه المكان التأجيل فهذه الشقة السكنية أجرها السنوي ٢٠ ألف ريال معجلة، أو ٢٢ ألف ريال مؤجلة لسنة مثلًا، فللزمن حصة من الكراء، كما أن الزمن حصة من الثمن.
٧-٨ صور غير جائزة في بيع التقسيط:
١- إذا قال البائع: هذه السلعة بـ ١٠٠٠ نقدًا، و١٠١٠ لشهر، و ١٠٢٠ لشهرين. . . فهذا جائز إذا انعقد البيع على صورة محددة من هذه الصور، كأن يقول المشتري: اشتريت بـ ١٠٢٠ لشهرين.
لكن لو قال البائع: هذه السلعة بـ ١٠٠٠ نقدًا، و١٠١٠ لشهر، و ١٠٢٠ لشهرين. . . فإذا سددت الثمن الآن فعليك ١٠٠٠، وإذا سددت بعد شهر فعليك ١٠١٠، وإذا سددت بعد شهرين فعليك ١٠٢٠، هذا غير جائز، فحقيقته: تقضي أم تربي؟ أو أنظرني أزدك.
٢- إذا بيعت سلعة بـ ١٠١٠ لشهر، فلا يجوز قبل الأجل، أو بعده، أن تفسخ بـ ١٠٢٠ لشهرين، لأن حقيقة هذا هو نفس ما ذكرناه آنفا.
ومثل هذا دقيق، ولا عجب فيه، لأنه واقع على الحد، وهو الحد ما بين البيع الحلال والربا الحرام.
стр. 8084
الفصل الثامن
رد على الشبهات (الآراء المخالفة)
سنثبت الشبهة (الرأي المخالف) أولا، ثم نجيب عنها:
١-الزيادة في الثمن المؤجل ربا، لأنها زيادة في نظير الأجل، وكل زيادة في نظير الأجل تعد ربا (الإمام زيد لأبي زهرة ص ٢٩٣) .
إنى أعترف بأن هذه الزيادة ربا، ولكنها ليست ربا محرمًا، وقد أثبتنا ذلك في هذه الدراسة، بالاعتماد على حديث الربا نفسه، حديث الأصناف الستة.
٢- الزيادة في الثمن المؤجل يحتمل أن تكون من المباح، كما يحتمل أن تكون من المحظور، وعند الاحتمال يقدم الحظر على الإباحة.
هذا صحيح إذا لم يكن الترجيح بين الإباحة والحظر، وقد أمكننا بحمد الله الترجيح بينهما بأدلة تبدو لنا كافية جدًّا، ونحن مطمئنون إليها، وواثقون منها إلى درجة تزيد على الظن الراجح، وتقارب اليقين.
٣- احتج بعض المعاصرين لحرمة الزيادة في الثمن المؤجل بحديث رواه أو داود في السنن، كتاب البيوع: " من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا " (القول الفصل في بيع الأجل لعبد الرحمن عبد الخالق ص ٤٣) .
على فرض صحة هذا الحديث، فإن المعنى محمول على بيوع الآجال (بيوع العينة) ، لا على بيوع الأجل، وذلك منعًا للتضارب بين السنن والآثار (ابن القيم في تهذيب السنن ٥/١٤٨، وعون المعبود ٩/٣٤٣ – ٣٤٤) .
وبيوع الآجال، كما ذكرنا، حيل ربوية تعتمد على جواز الفرق بين الثمن المعجل والمؤجل، ظاهرها البيع، وباطنها القرض الربوي، والسلعة تدخل ثم تخرج، وليست مرادة.
والدليل على أن المقصود بالحديث هو بيوع الآجال، هو أن البائع إذا قال: إن كان لسنة فبكذا (١١٠ مثلًا) ، وإن كان نقدًا فبكذا (١٠٠ مثلًا) (مصنف ابن أبي شيبة ٦ /١١٩- ١٢١) ، فهذا ليس من باب بيعتين في بيعة، إنما هو إيجاب ثمنين من أجل أن تنعقد بعد ذلك بيعة واحدة على أحد الثمنين: المؤجل أو المعجل (جامع الترمذي ٣/٥٢٤، ومصنف عبد الرزاق ٨/١٣٨، والمهذب للشيرازي ١/٣٥٥، وبداية المجتهد ٢/١١٥) .
стр. 8085
يدل على هذا المعنى أيضًا ما أثبتناه في موضع سابق من هذه الورقة، من جواز زيادة الثمن المؤجل على المعجل.
ويدل عليه أيضًا باتفاق جمهور الفقهاء على هذا الجواز، وقد نقلنا عددًا من عباراتهم ومن الخطأ أن يستنبط أحد المعنى المراد بالاعتماد على نص واحد، فإن جمع النصوص المتزاحمة والمتقاربة كتكرار التجارب والاختبارات في العلوم التجريبية، هو الذي يحق اطمئنان المجتهد أو الباحث، ويرفع درجة ثقته في نتائجه العلمية.
٤- يرى البعض أن الزيادة في الثمن المؤجل مطابقة تمامًا للزيادة في القرض المؤجل، فإما أن كلتيهما حرام أو كلتيهما حلال وعلى هذا المعنى حمل بعض المفسرين قوله تعالى على لسان عرب الجاهلية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] .
وما رآه هؤلاء ليس صحيحًا تمامًا، وإن كان يدق على كثير من العقول، ذلك بأن الربا في القرض مؤكد، في حين أنه في البيع احتمالي غير مؤكد، نعم قد يبيع البائع سلعة بثمن معجل قدره ١٠٠ ومؤجل لسنة قدره ١١٠، مع أنه قد يكون في كلا الثمنين خسارة له، أي أن كلًّا من الثمنين أقل من الكلفة.
٥- الزيادة في الثمن المؤجل تعتبر كحسم المصارف للسفاتج (= الكمبيالات) والسندات، أي كلاهما ربا نيسئة محرم (القول الفصل لعبد الخالق ص ٣٤، و٣٥، و ٥١) .
هذا غير مسَلَّم، لأن الزيادة الأولى زيادة في بيع، والثانية زيادة في قرض، الأولى تعتبر للنشاط التجاري البيعي المشروع، والثانية تعتبر منفصلة عن النشاط البيعي، وداخلة في النشاط الائتماني الربوي المستقل، ومعلوم في القواعد الفقهية الكلية أن الشيء قد يجوز تبعًا ولا يجوز منفردًا (المبسوط للسرخسي ١١/١٧٩، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٣٥، ومجلة الأحكام العدلية المادة ٥٤، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ /١٧٢) .
٦- الأنشطة الربوية المحرمة هي من لوازم بيع الأجل (القول الفصل لعبد الخالق ص ٥١) .
هذا غير صحيح، لأنه من باب المغالاة في سد الذرائع، ولو كان صحيحًا لأمكن القول أيضا بأن صناعة الخمر هي من لوازم زراعة العنب، وكأن لا منفعة من العنب إلا الخمر.
وقد فرق الفقهاء تفريقًا حكيمًا ودقيقًا بين بيع الأجل فأجازوه، وبيع الآجال فحرموه، وتحايل البعض ببيع الأجل وصولًا لبيع الآجال لم يدفع الفقهاء إلى تحريم البيعين، فإنهم لو فعلوا ذلك لحرمت أنشطة تجارية كثيرة مفيدة، ولكان مثلهم مثل من حرّم على نفسه ركوب الطائرة خشية حادث لا يزيد احتمال وقوعه على مرة واحدة من كل ألف مرة!
стр. 8086
الفصل التاسع
التأخر في سداد الأقساط أو التخلف عنه
٩-١ تأخر المشتري في سداد الأقساط:
قال رسول ﷺ : ((مطل الغني ظلم)) رواه البخاري ٣/١٥٥، ومسلم ٤/٧٢. . وغيرهما.
وقال أيضا: ((لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته)) ، قال سفيان: عرضه يقول: مطلتني، وعقوبته: الحبس، رواه البخاري ٣ /١٥٥، وأحمد في المسند ٤/٢٢٢، وابن ماجه في السنن ٢/٨١١، والحاكم في المستدرك ٤/١٠٢ وصححه.
لعل مسألة تأخر المشتري في السداد من أهم مسائل بيع التقسيط التي تستحق العرض على المجمع الفقهي، ليتخذ قراره فيها، ذلك لأن بيع التقسيط قد جاز فيه الأجل عند جميع الفقهاء، وجاز فيه زيادة الثمن عند جمهور الفقهاء، ولعل الجديد هنا هو التعليل والتفسير والإثبات، لمزيد من الاطمئنان.
أمّا التأخر في سداد الأقساط فلا نعلم عند الفقهاء السابقين أحدًا منهم أجاز فيه تغريم المتأخر بغرامة، أو معاقبته بعقوبة مالية، غير أن بعض العلماء المعاصرين قد ذهب إلى التفرقة بين المدين العاجز عن الدفع، والمدين الغني المماطل، واتفقوا على عدم جواز تغريم الأول، فهذا ربا نسيئة محرم بلا شك، واتفقوا على مبدأ التعويض المالي عن المماطلة، أو على مبدأ التغريم، واختلفوا قليلًا في طريقة تقديره (هل يقدر وفق ربح الدائن، أم وفق ربح المثل؟) ، كما اختلفوا: هل يجوز أن يكون هذا التعويض موضع اتفاق مسبق بين الدائن، والمدين، أم يجب أن يرجع فيه إلى القضاء عند وقوع المماطلة؟ (مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، المجلد ٢، العدد ٢، شتاء ١٤٠٥ هـ، ص ٨٩ و ١٥٤، والمجلد ٣، العدد ١، صيف ١٤٠٥ هـ، ص ١٠١ و ١١١) .
المنقول عن الفقهاء القدامى، كما قلنا، هو عدم جواز ذلك كله، قال الجصاص في أحكام القرآن ١ /٤٧٤: " المراد بالعقوبة هنا (أي في الحديث الشريف أعلاه) : الحبس، لأن أحدًا لا يوجب غيره " وقال أيضا: " لا تفاقهم على أنه لم يرد غيره ".
стр. 8087
٩-٢ المماطلة في سداد الأقساط: هل يجوز التفرقة في الحكم على المدين بين مدين اشترى سلعة مثلية ومدين اشترى سلعة قيمية؟
إذا كان المدين مقترضًا لنقود، أو مشتريًا لمال مثلي كالقمح والشعير والتمر والملح، فلا يمكن القول أبدًا بجواز مطالبته بالتعويض المالي عن المماطلة، لأن هذا التعويض يضاهي ربا النسيئة المحرم، الذي يأخذ صورة فوائد التأخير المعروفة في القوانين الوضعية الحديثة.
لكن قد يكون المدين مشتريًا لمال قيمي، كالدابة والسيارة والآلة، فإذا ماطل في السداد، برغم غناه، فهل يجوز القول هنا بمطالبته بتعويض مالي يقدر بمقدار أجرة المبيع عن مدة التأخر؟
ظاهر الأمر أن هذا، كغيره، لا يجوز، لأن المشتري قد انتقلت إليه ملكية السلعة، وصار مدينًا بمبلغ محدد من النقود، وهي مال مثلي، بمجرد شرائه السلعة، وذلك بغض النظر عن نوع هذه السلعة، أي لم يعد ثمة تأثير لكونها مثلية أو قيمية.
ومع ذلك فإني أترك مناقشتها للسادة أعضاء المجمع الموقرين، لاتخاذ قرار صريح فيها، والله الموفق.
٩-٣ إذا أفلس المشتري بالتقسيط:
كان الرومان إذا عجز المدين عن سداد الدين يسترقونه، وقد منع الإسلام هذا (انظر فتاوى ابن تيمية ٢٩ /٢٢٣) .
وإذا أفلس المدين، وبيعت أمواله لسداد ديونه، فلا يجوز التعدي على حوائجه الأصلية، إذ يترك له ما يسد مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه. . . إلى آخر ما هو مفصل في الفقه الإسلامي في مباحث الإفلاس.
وإذا أفلس المشتري، جاز للبائع أن يسترد المبيع، إذا كان لا يزال باقيًا عند المشتري بحاله، ولم يكن قد استوفى من ثمنه فإذا استوفى من ثمنه شيئًا، أو لم يبق المبيع بحاله، لم تكن للبائع أحقية على غيره من الغرماء.
قال رسول الله ﷺ : ((أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل، وقد أفلس، ولم يكن قبض من ثمنها شيئا، فهي له، وإن كان قبض من ثمنها شيئا فهو أسوة للغرماء)) رواه ابن ماجه ٢/٧٩٠ واللفظ له، وأحمد في المسند ٢ /٥٢٥، ومالك في الموطأ ٢ /٦٧٨، وأبو داود في السنن ٣ /٢٨٧ وانظر أيضا صحيح مسلم ٤ /٦٧، وسنن الترمذي ٣/٥٥٣، وسنن النسائي ٧/٣١١، وسنن أبي داود ٣ /٢٨٦، ومسند أحمد ٢/٢٢٨ و ٢٤٧ و ٢٤٩ و ٢٥٨ و ٣٤٧ و ٤١٠ و ٥/١٠.
стр. 8088
الفصل العاشر
أربعة مبادئ مهمة كشف عنها بحث بيع التقسيط
إن بحث بيع التقسيط، مقارنًا بالقرض، قد كشف عن مبادئ مهمة، من الناحيتين النظرية والعملية، ولا سيما في هذا العصر، وهذه المبادئ مترادفة، أو متقاربة بحيث يؤدى بعضها إلى بعض:
١٠-١ مبدأ المعجل خير من المؤجل:
وقد عرفنا هذا من خلال حديث الأصناف الستة، أو من خلال مفهوم ربا النساء قال السرخسي في المبسوط ١٢/١١١: " والفضل ربا: يحتمل الفضل في القدر، ويحتمل الفضل في الحال، بأن يكون أحدهما نقدًا، والآخر نسيئة، وكل واحد منهما مراد باللفظ ".
فالفضل، أي الربا، يكون في القدر، أي في زيادة أحد البدلين على الآخر زيادة كمية (أو نوعية، لأن مآلهما كمي أيضا) ، كما يكون في الحلول، أي في زيادة أحد البدلين على الآخر زيادة زمنية (المعجل أربى من المؤجل) .
كما عرفنا هذا المبدأ من خلال ثواب القرض، أو من خلال جواز الزيادة في البيوع لأجل الأجل، وقد تأيد هذا المبدأ بنقول كثيرة من كلام الفقهاء، كما ذكرنا في هذا الموضع وسواه، بل وله ما يؤيده من القرآن، كما سنذكر.
١٠-٢ مبدأ التفضيل الزمني:
فطر الناس على تفضيل الزمن الحاضر على المستقبل يقول الفاطر الخالق : ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٢١) ﴾ [سورة القيامة: الآيتان ٢٠-٢١] .
ولتحويل الناس عن تفضيل العاجلة إلى تفضيل الآخرة، زاد الله سبحانه، الحكيم العليم، في الآخرة، فجعلها خيرًا في النوع، وأدوم في الزمن قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) ﴾ [سورة الأعلى: الآيتان ١٦- ١٧] وهذا ما يعرف اليوم، في علم الإحصاء وغيره، بـ " التثقيل " (= الترجيح) ، أي زيادة الثقل (= الوزن) .
стр. 8089
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) ﴾ [سورة الدَّهر (= الإنسان) : الآية ٢٧] ، أي ثقل الله جزاء الآخرة، ثوابها وعقابها، فكان في ثواب المؤمنين زيادة عذاب للكافرين، وكان في عذاب الكافرين زيادة نعيم للمؤمنين فمن آمن بالآخرة تحول تفضيله في هذا الباب من العاجل إلى الآجل، ومن أنكر الآخرة بقي تفضيله للعاجل على الآجل، هذا هو الابتلاء فهؤلاء يقولون: (الدنيا نقد والآخرة نسيئة، والنقد أحسن من النسيئة) (كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم ص ٣٨) ، أو يقولون: (ذرة – ولعلها: درة – منقودة ولا درة موعودة) (الجواب الكافي لابن القيم ص ٣٨) ، أو: (عصفور باليد ولا عشرة على الشجرة) أو: (خير البر عاجله) .
وهكذا إذا كان هناك بدلان متساويان في كل شيء إلا في الزمن، أحدهما معجل والآخر مؤجل، آثر الناس بدل المعجل على المؤجل، أي: (إذا تساوى النقد والنسيئة، فالنقد خير) (الجواب الكافي ص ٣٨) ذلك بأن البدل المعجل يسمح باستهلاك معجل، أو استثمار معجل، أو سداد دين حالّ، أو التوقي من مخاطرة عدم سداد البدل المؤجل، أو من مخاطرة تقلبات الأسعار وقيمة النقود.
فإذا ما أريد قلب هذا التفضيل إلى تفضل معاكس: تفضيل البدل الآجل على العاجل، أو المساواة بينهما على الأقل، زيد في البدل المؤجل مقدار مناسب، لتحقيق هذا القلب.
١٠-٣ مبدأ قيمة الزمن:
وهذا تعبير آخر عن المبدأ السابق، فلولا أن للزمن قيمة مالية في الشرع، لما كان للقرض ثواب عند الله، ولما جازت الزيادة في البيوع بسبب الأجل، والبدل المؤجل في البيع سواء كان ثمنا (كما في بيع النسيئة أو التقسيط) ، أو مبيعًا (كما في بيع السلم) لا يجوز لصاحب الحق المطالبة بتسليمه قبل الأجل، لأن البدل المؤجل ترتبط قيمته بأجله، فقيمته هي كذا في أجل معين، وتنقص هذه القيمة إذا تقدم الأجل، وتزيد إذا تأخر (قارن الأم للشافعي ٣/٨٨) وهذا بخلاف القرض، يجب على المقترض وفاؤه إذا أيسر (= اغتنى) ، ولو كان مؤجلًا إلى أجل معين، لأن القرض فيه إحسان، أما البيع فإنه معاوضة، أي أن البيع زيد فيه للأجل، خلافًا للقرض فالعوض عن الأجل يقتضي الدفع في الأجل، لكن لا يقتضي العوض بالضرورة، كما في القرض لو أجل (قارن المغني لابن قدامة ٤/٣٥٧، والأم للشافعي ٣/٧٨، والمهذب للشيرازي ١/٤٠٠، والموافقات للشاطبي ٤/٤١) .
وبما أن للزمن قيمة، فإن مطل الغني ظلم، لأن المماطلة تعني رغبة المماطل في دفع نفس القيمة، ولكن بتاريخ لاحق.
إن مبدأ قيمة الزمن مهم اليوم في علوم الاقتصاد والإدارة والتخطيط ودراسات الجدوى وتقويم المشروعات وغالبًا ما يشار إليه بـ (القيمة الزمنية للنقود) (Time value of money)
والنقود في هذه العبارة ليس ذكرها إلا على سبيل التمثيل لسائر الأموال، ولا سيما المثلية منها.
стр. 8090
١٠-٤ مبدأ الربا ربوان:
نقل العلماء عن بعض السلف قولهم: الربا ربوان: ربا حلال وربا حرام: وذلك بمناسبة تفسيرهم آية الروم ٣٩، وكلامهم عن هبة الثواب، أي الهدية يهدي فيها المهدي يلتمس أكثر منها ٠ تفسير الطبري ٢١/ ٤٧، والقرطبي ١٤/٣٦، والدر المنثور للسيوطي ٥ /١٥٦، وتفسير الماودري ١/٢٨٩ و ٣/٢٦٨، وفتح القدير للشوكاني ٤/٢٢٧، وتفسير الألوسي ٣ /٥٠) .
وعلى هذا فإنهم أدخلوا هدية الثواب تحت الربا الحلال ولكن هذا القول المأثور عن بعض السلف يصلح عندنا لتضمينه معاني أخرى.
فالربا، في تعريفه المختار عندنا، هو الزيادة (كمًّا أو نوعًا) في مقابل الزمن فإن كانت الزيادة مشروطة فالربا حرام، وإن كانت غير مشروطة فهي حلال.
وإن كانت مشروطة لصالح المقرض فهي حرام، وإن كانت مشروطة لصالح المقترض فهي حلال (شرط وفاء القرض بالنقصان، انظر المغني لابن قدامة ٤/٣٦٣) .
هذا في ربا النسيئة، أما في ربا الفضل، فنقول بأن ربا الفضل حرام في الذهب بالذهب (إذ يجب أن تتم المبادلة وزنًا بوزن كما في الحديث النبوي، انظر صحيح مسلم، كتاب المُساقاة، باب الربا ٤/٩٥) ، أو في القمح بالقمح (إذ يجب أن تتم المبادلة كيلا بكيل كما في الحديث النبوي، انظر مسند أحمد ٢/٢٣٢ " كيلا بكيل ووزنًا بوزن، والمحلى لابن حزم ٨/٤٨٠) .
وربا الفضل حلال في الذهب بالفضة، لقول رسول الله ﷺ : ((إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) رواه مسلم في صحيحه ٤/٩٨، أو قوله: " لا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا " رواه أبو داود في كتاب البيوع، باب الصرف ٣/٢٤٨.
وكذلك ربا الفضل حلال في الذهب بالقمح، وذلك لأجل اختلاف الصنفين (كما في الحالة السابقة) ، ولأجل التأجيل إذا أجل أحد البدلين، إذا التأجيل في أحدهما جائز (بخلاص الحالة السابقة) .
وكذلك في ربا النساء فربا النساء غير جائز في الذهب بالذهب، ولا في الذهب بالفضة، لقوله ﷺ : ((يدًا بيد)) ، وهذا معناه أن: (النساء ربا) .
ولكن ربا النساء جائز في الذهب بالقمح، إذا جاز التأجيل الذي دلت على جوازه أحاديث البيوع المؤجلة (النسيئة والسلم) .
следующие страницы →