الفصل التاسع
التأخر في سداد الأقساط أو التخلف عنه
٩-١ تأخر المشتري في سداد الأقساط:
قال رسول ﷺ : ((مطل الغني ظلم)) رواه البخاري ٣/١٥٥، ومسلم ٤/٧٢. . وغيرهما.
وقال أيضا: ((لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته)) ، قال سفيان: عرضه يقول: مطلتني، وعقوبته: الحبس، رواه البخاري ٣ /١٥٥، وأحمد في المسند ٤/٢٢٢، وابن ماجه في السنن ٢/٨١١، والحاكم في المستدرك ٤/١٠٢ وصححه.
لعل مسألة تأخر المشتري في السداد من أهم مسائل بيع التقسيط التي تستحق العرض على المجمع الفقهي، ليتخذ قراره فيها، ذلك لأن بيع التقسيط قد جاز فيه الأجل عند جميع الفقهاء، وجاز فيه زيادة الثمن عند جمهور الفقهاء، ولعل الجديد هنا هو التعليل والتفسير والإثبات، لمزيد من الاطمئنان.
أمّا التأخر في سداد الأقساط فلا نعلم عند الفقهاء السابقين أحدًا منهم أجاز فيه تغريم المتأخر بغرامة، أو معاقبته بعقوبة مالية، غير أن بعض العلماء المعاصرين قد ذهب إلى التفرقة بين المدين العاجز عن الدفع، والمدين الغني المماطل، واتفقوا على عدم جواز تغريم الأول، فهذا ربا نسيئة محرم بلا شك، واتفقوا على مبدأ التعويض المالي عن المماطلة، أو على مبدأ التغريم، واختلفوا قليلًا في طريقة تقديره (هل يقدر وفق ربح الدائن، أم وفق ربح المثل؟) ، كما اختلفوا: هل يجوز أن يكون هذا التعويض موضع اتفاق مسبق بين الدائن، والمدين، أم يجب أن يرجع فيه إلى القضاء عند وقوع المماطلة؟ (مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، المجلد ٢، العدد ٢، شتاء ١٤٠٥ هـ، ص ٨٩ و ١٥٤، والمجلد ٣، العدد ١، صيف ١٤٠٥ هـ، ص ١٠١ و ١١١) .
المنقول عن الفقهاء القدامى، كما قلنا، هو عدم جواز ذلك كله، قال الجصاص في أحكام القرآن ١ /٤٧٤: " المراد بالعقوبة هنا (أي في الحديث الشريف أعلاه) : الحبس، لأن أحدًا لا يوجب غيره " وقال أيضا: " لا تفاقهم على أنه لم يرد غيره ".
стр. 8087
٩-٢ المماطلة في سداد الأقساط: هل يجوز التفرقة في الحكم على المدين بين مدين اشترى سلعة مثلية ومدين اشترى سلعة قيمية؟
إذا كان المدين مقترضًا لنقود، أو مشتريًا لمال مثلي كالقمح والشعير والتمر والملح، فلا يمكن القول أبدًا بجواز مطالبته بالتعويض المالي عن المماطلة، لأن هذا التعويض يضاهي ربا النسيئة المحرم، الذي يأخذ صورة فوائد التأخير المعروفة في القوانين الوضعية الحديثة.
لكن قد يكون المدين مشتريًا لمال قيمي، كالدابة والسيارة والآلة، فإذا ماطل في السداد، برغم غناه، فهل يجوز القول هنا بمطالبته بتعويض مالي يقدر بمقدار أجرة المبيع عن مدة التأخر؟
ظاهر الأمر أن هذا، كغيره، لا يجوز، لأن المشتري قد انتقلت إليه ملكية السلعة، وصار مدينًا بمبلغ محدد من النقود، وهي مال مثلي، بمجرد شرائه السلعة، وذلك بغض النظر عن نوع هذه السلعة، أي لم يعد ثمة تأثير لكونها مثلية أو قيمية.
ومع ذلك فإني أترك مناقشتها للسادة أعضاء المجمع الموقرين، لاتخاذ قرار صريح فيها، والله الموفق.
٩-٣ إذا أفلس المشتري بالتقسيط:
كان الرومان إذا عجز المدين عن سداد الدين يسترقونه، وقد منع الإسلام هذا (انظر فتاوى ابن تيمية ٢٩ /٢٢٣) .
وإذا أفلس المدين، وبيعت أمواله لسداد ديونه، فلا يجوز التعدي على حوائجه الأصلية، إذ يترك له ما يسد مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه. . . إلى آخر ما هو مفصل في الفقه الإسلامي في مباحث الإفلاس.
وإذا أفلس المشتري، جاز للبائع أن يسترد المبيع، إذا كان لا يزال باقيًا عند المشتري بحاله، ولم يكن قد استوفى من ثمنه فإذا استوفى من ثمنه شيئًا، أو لم يبق المبيع بحاله، لم تكن للبائع أحقية على غيره من الغرماء.
قال رسول الله ﷺ : ((أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها عند رجل، وقد أفلس، ولم يكن قبض من ثمنها شيئا، فهي له، وإن كان قبض من ثمنها شيئا فهو أسوة للغرماء)) رواه ابن ماجه ٢/٧٩٠ واللفظ له، وأحمد في المسند ٢ /٥٢٥، ومالك في الموطأ ٢ /٦٧٨، وأبو داود في السنن ٣ /٢٨٧ وانظر أيضا صحيح مسلم ٤ /٦٧، وسنن الترمذي ٣/٥٥٣، وسنن النسائي ٧/٣١١، وسنن أبي داود ٣ /٢٨٦، ومسند أحمد ٢/٢٢٨ و ٢٤٧ و ٢٤٩ و ٢٥٨ و ٣٤٧ و ٤١٠ و ٥/١٠.
стр. 8088
الفصل العاشر
أربعة مبادئ مهمة كشف عنها بحث بيع التقسيط
إن بحث بيع التقسيط، مقارنًا بالقرض، قد كشف عن مبادئ مهمة، من الناحيتين النظرية والعملية، ولا سيما في هذا العصر، وهذه المبادئ مترادفة، أو متقاربة بحيث يؤدى بعضها إلى بعض:
١٠-١ مبدأ المعجل خير من المؤجل:
وقد عرفنا هذا من خلال حديث الأصناف الستة، أو من خلال مفهوم ربا النساء قال السرخسي في المبسوط ١٢/١١١: " والفضل ربا: يحتمل الفضل في القدر، ويحتمل الفضل في الحال، بأن يكون أحدهما نقدًا، والآخر نسيئة، وكل واحد منهما مراد باللفظ ".
فالفضل، أي الربا، يكون في القدر، أي في زيادة أحد البدلين على الآخر زيادة كمية (أو نوعية، لأن مآلهما كمي أيضا) ، كما يكون في الحلول، أي في زيادة أحد البدلين على الآخر زيادة زمنية (المعجل أربى من المؤجل) .
كما عرفنا هذا المبدأ من خلال ثواب القرض، أو من خلال جواز الزيادة في البيوع لأجل الأجل، وقد تأيد هذا المبدأ بنقول كثيرة من كلام الفقهاء، كما ذكرنا في هذا الموضع وسواه، بل وله ما يؤيده من القرآن، كما سنذكر.
١٠-٢ مبدأ التفضيل الزمني:
فطر الناس على تفضيل الزمن الحاضر على المستقبل يقول الفاطر الخالق : ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٢١) ﴾ [سورة القيامة: الآيتان ٢٠-٢١] .
ولتحويل الناس عن تفضيل العاجلة إلى تفضيل الآخرة، زاد الله سبحانه، الحكيم العليم، في الآخرة، فجعلها خيرًا في النوع، وأدوم في الزمن قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) ﴾ [سورة الأعلى: الآيتان ١٦- ١٧] وهذا ما يعرف اليوم، في علم الإحصاء وغيره، بـ " التثقيل " (= الترجيح) ، أي زيادة الثقل (= الوزن) .
стр. 8089
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) ﴾ [سورة الدَّهر (= الإنسان) : الآية ٢٧] ، أي ثقل الله جزاء الآخرة، ثوابها وعقابها، فكان في ثواب المؤمنين زيادة عذاب للكافرين، وكان في عذاب الكافرين زيادة نعيم للمؤمنين فمن آمن بالآخرة تحول تفضيله في هذا الباب من العاجل إلى الآجل، ومن أنكر الآخرة بقي تفضيله للعاجل على الآجل، هذا هو الابتلاء فهؤلاء يقولون: (الدنيا نقد والآخرة نسيئة، والنقد أحسن من النسيئة) (كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم ص ٣٨) ، أو يقولون: (ذرة – ولعلها: درة – منقودة ولا درة موعودة) (الجواب الكافي لابن القيم ص ٣٨) ، أو: (عصفور باليد ولا عشرة على الشجرة) أو: (خير البر عاجله) .
وهكذا إذا كان هناك بدلان متساويان في كل شيء إلا في الزمن، أحدهما معجل والآخر مؤجل، آثر الناس بدل المعجل على المؤجل، أي: (إذا تساوى النقد والنسيئة، فالنقد خير) (الجواب الكافي ص ٣٨) ذلك بأن البدل المعجل يسمح باستهلاك معجل، أو استثمار معجل، أو سداد دين حالّ، أو التوقي من مخاطرة عدم سداد البدل المؤجل، أو من مخاطرة تقلبات الأسعار وقيمة النقود.
فإذا ما أريد قلب هذا التفضيل إلى تفضل معاكس: تفضيل البدل الآجل على العاجل، أو المساواة بينهما على الأقل، زيد في البدل المؤجل مقدار مناسب، لتحقيق هذا القلب.
١٠-٣ مبدأ قيمة الزمن:
وهذا تعبير آخر عن المبدأ السابق، فلولا أن للزمن قيمة مالية في الشرع، لما كان للقرض ثواب عند الله، ولما جازت الزيادة في البيوع بسبب الأجل، والبدل المؤجل في البيع سواء كان ثمنا (كما في بيع النسيئة أو التقسيط) ، أو مبيعًا (كما في بيع السلم) لا يجوز لصاحب الحق المطالبة بتسليمه قبل الأجل، لأن البدل المؤجل ترتبط قيمته بأجله، فقيمته هي كذا في أجل معين، وتنقص هذه القيمة إذا تقدم الأجل، وتزيد إذا تأخر (قارن الأم للشافعي ٣/٨٨) وهذا بخلاف القرض، يجب على المقترض وفاؤه إذا أيسر (= اغتنى) ، ولو كان مؤجلًا إلى أجل معين، لأن القرض فيه إحسان، أما البيع فإنه معاوضة، أي أن البيع زيد فيه للأجل، خلافًا للقرض فالعوض عن الأجل يقتضي الدفع في الأجل، لكن لا يقتضي العوض بالضرورة، كما في القرض لو أجل (قارن المغني لابن قدامة ٤/٣٥٧، والأم للشافعي ٣/٧٨، والمهذب للشيرازي ١/٤٠٠، والموافقات للشاطبي ٤/٤١) .
وبما أن للزمن قيمة، فإن مطل الغني ظلم، لأن المماطلة تعني رغبة المماطل في دفع نفس القيمة، ولكن بتاريخ لاحق.
إن مبدأ قيمة الزمن مهم اليوم في علوم الاقتصاد والإدارة والتخطيط ودراسات الجدوى وتقويم المشروعات وغالبًا ما يشار إليه بـ (القيمة الزمنية للنقود) (Time value of money)
والنقود في هذه العبارة ليس ذكرها إلا على سبيل التمثيل لسائر الأموال، ولا سيما المثلية منها.
стр. 8090
١٠-٤ مبدأ الربا ربوان:
نقل العلماء عن بعض السلف قولهم: الربا ربوان: ربا حلال وربا حرام: وذلك بمناسبة تفسيرهم آية الروم ٣٩، وكلامهم عن هبة الثواب، أي الهدية يهدي فيها المهدي يلتمس أكثر منها ٠ تفسير الطبري ٢١/ ٤٧، والقرطبي ١٤/٣٦، والدر المنثور للسيوطي ٥ /١٥٦، وتفسير الماودري ١/٢٨٩ و ٣/٢٦٨، وفتح القدير للشوكاني ٤/٢٢٧، وتفسير الألوسي ٣ /٥٠) .
وعلى هذا فإنهم أدخلوا هدية الثواب تحت الربا الحلال ولكن هذا القول المأثور عن بعض السلف يصلح عندنا لتضمينه معاني أخرى.
فالربا، في تعريفه المختار عندنا، هو الزيادة (كمًّا أو نوعًا) في مقابل الزمن فإن كانت الزيادة مشروطة فالربا حرام، وإن كانت غير مشروطة فهي حلال.
وإن كانت مشروطة لصالح المقرض فهي حرام، وإن كانت مشروطة لصالح المقترض فهي حلال (شرط وفاء القرض بالنقصان، انظر المغني لابن قدامة ٤/٣٦٣) .
هذا في ربا النسيئة، أما في ربا الفضل، فنقول بأن ربا الفضل حرام في الذهب بالذهب (إذ يجب أن تتم المبادلة وزنًا بوزن كما في الحديث النبوي، انظر صحيح مسلم، كتاب المُساقاة، باب الربا ٤/٩٥) ، أو في القمح بالقمح (إذ يجب أن تتم المبادلة كيلا بكيل كما في الحديث النبوي، انظر مسند أحمد ٢/٢٣٢ " كيلا بكيل ووزنًا بوزن، والمحلى لابن حزم ٨/٤٨٠) .
وربا الفضل حلال في الذهب بالفضة، لقول رسول الله ﷺ : ((إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)) رواه مسلم في صحيحه ٤/٩٨، أو قوله: " لا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا " رواه أبو داود في كتاب البيوع، باب الصرف ٣/٢٤٨.
وكذلك ربا الفضل حلال في الذهب بالقمح، وذلك لأجل اختلاف الصنفين (كما في الحالة السابقة) ، ولأجل التأجيل إذا أجل أحد البدلين، إذا التأجيل في أحدهما جائز (بخلاص الحالة السابقة) .
وكذلك في ربا النساء فربا النساء غير جائز في الذهب بالذهب، ولا في الذهب بالفضة، لقوله ﷺ : ((يدًا بيد)) ، وهذا معناه أن: (النساء ربا) .
ولكن ربا النساء جائز في الذهب بالقمح، إذا جاز التأجيل الذي دلت على جوازه أحاديث البيوع المؤجلة (النسيئة والسلم) .
стр. 8091
ومعلوم عند الفقهاء أن الربا ليس حرامًا في كل مال ومبادلة، وهم متفقون جميعًا على أن الربا محرم في بعض الأموال دون بعض وإن اختلفوا في العلة، فالظاهرية يقصرون التحريم على الأصناف الستة، والحنفية يرون التحريم فقط في الموزونات والمكيلات، والشافعية في الأثمان والأطعمة، والمالكية في الأثمان والأقوات المدخرة.
ولذلك نجد عددًا منهم، كالشافعية والظاهرية والحنابلة في رواية والقاضي وأصحابه وابن قدامة، أجازوا الحيوان بالحيوان متفاضلًا ونَساء (عون المعبود ٩ /٢٠٩) وممن أجازه علي ورافع بن خديج وابن عمر وسعيد بن المسيب وابن سيرين (في رواية) والزهري وإسحاق (شرح السنة للبغوي ٨ /٧٤، ومصنف عبد الرزاق ٨/٢٠) ، ونسبه النووي في المجموع ٩/٤٠٢ إلى جماهير العلماء.
والعرايا هي من الربا الجائز، وهي رخصة من المزابنة، والمزابنة ربا حرام والعرايا جمع عرية، وهي بيع التمر بالتمر جزافًا بكيل (لا كيلًا بكيل كما هو الأصل) ، أي بدون التحقق من التساوي، مع أن الأصل في الربا أن الجهل بالمماثلة كالعلم بالمفاضلة.
وقد صرح بعض العلماء بأن تحريم كل ربا إنما يؤدي إلى تحريم التجارات والأرباح، والتضييق على الأنشطة التجارية (المجموع للنووي ٩/٣٩٩ و ٤٠٠ – ٤٠٢) .
فالربا، كالاحتكار، لا يحرم في كل شيء وإننا نميل إلى التصريح بهذا، لأننا نكره الحيل والمواربة في الفقه والعلم، ونرتضي مذهب ابن تيمية وابن القيم في إبطال الحيل عمومًا (انظر إقامة الدليل على إبطال التحليل في الفتاوى الكبرى لابن تيمية، طبعة دار المعرفة ٣/٩٧ – ٤٠٥، وأعلام الموقعين لابن القيم ٣/١٣١ – ٤١٥ و ٤/٣- ١١٧) .
стр. 8092
١٠-٥ حاجتنا العلمية والعملية إلى مفهوم " الربا الحلال ":
لقد أوضحنا في مبحث " الربا ربوان " كيف أن الربا لا يحرم كله، سواء كان ربا نسيئة، أو نساء، أو فضل، وإن الربا جائز في غير الأموال الربوية، كالحيوان بالحيوان عند جمهور العلماء، كما قال النووي.
ونسوق ههنا عبارات بعض العلماء:
قال ابن عباس: هما ربوان، أحدهما حلال، والآخر حرام (تفسير الماوردي ٣/٢٦٨) .
" تحريم بعض البيع، وإحلال بعض الربا " (تفسير الماوردي ١/٢٨٩) .
" تحريم بعض البيوع، وإحلال بعض الربا " (تفسير الألوسي ٣/٥٠) .
" الظاهر عموم البيع والربا (. . .) إلا ما خصه الدليل من تحريم بعض البيوع، وإحلال بعض الربا " (تفسير الألوسي ٣/٥٠) .
" وهي من الربا الجائز " (حاشية الشرقاوي ٢/٣٨، والمنتقى للباجي ٥/٩٩) .
وهنا قد يسأل سائل: كيف تقول أنت وهؤلاء العلماء بأن الربا جائز، والله تعالى يقول: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] ؟ نجيب بأن الثابت عند المفسرين وعلماء الفقه والأصول أن ليس كل بيع حلالًا، ولا كل ربا حرامًا فقد حرمت السنة النبوية بعض البيوع، كبيع الذهب بالذهب مع الفضل، أو مع النساء، وبيع الذهب بالفضة مع النساء، وبيع الغرر، وبيع العينة، وبيع الطعام قبل قبضه، وبيع الحاضر للبادي. . . الخ (قارن الرسالة للشافعي ص ٢٣٢، وتفسير الرازي ٧/٩٣) .
هذه هي عبارات العلماء في الربا الجائز وقد آن الأوان لنتساءل عن حاجتنا إليه.
مر معنا أن الحاجة متعينة إليه علميًّا، لتفسير جواز الزيادة في البدل المؤجل في البيع المؤجل، كالزيادة في الثمن في بيع الأجل أو بيع التقسيط.
وكذلك فإن حاجتنا متعينة إليه علميًّا وعمليًّا، في مجال دراسات الجدوى الاقتصادية وتقويم المشروعات، لأجل المفاضلة بين هذه المشروعات، حيث هناك أهمية كبيرة لإدخال البعد الزمني في معايير الجدوى والتقويم، ومراعاة أثر الزمن (= الوقت) على قيمة النقود والأموال، كما هو معروف عند أهل الاختصاص.
فالمشروعات أو الاستثمارات مختلفة التكاليف والمردودات والأزمان والمخاطر، فأرباح المشروعات تقدر على أزمان متلاحقة، أي ليست متساوية في الزمن، والربح في تاريخ وقوعه ربح، ولكن تقويمه في تاريخ لاحق هو، في العلم، ربا، وتقويمه في تاريخ سابق هو، في العلم، حطيطة (= وضيعة) ، والحاجة داعية إلى معرفة مجموع تدفقات (=تيارات) الأرباح في زمن واحد (التدفقات النقدية المخصومة، أو الميزانية الاقتصادية المخصومة) ، فلابد من تقويمها في زمن واحد، وعندئذ نحتاج إلى مفهوم الربا الحلال وغني عن البيان أن سعر الخصم يزيد بزيادة المخاطرة، وينقص بنقصانها.
стр. 8093
فإذا كان هناك مشروع يدر دفعة من الربح بعد ٥ سنوات مقدارها ١٠٠٠، ودفعة بعد ٦ سنوات مقدارها ١٠٠٠، ودفعة بعد ٧ سنوات مقدارها ١٠٠٠، فلا يمكن القول علميًّا بأن مجموع دفعات الأرباح هو: ١٠٠٠ + ١٠٠٠ + ١٠٠٠ = ٣٠٠٠ ذلك بأن كل دفعة مختلفة في الزمن (= التاريخ) ، وقد قرر علماؤنا المسلمون أن الدفعة المعجلة أكبر من المؤجلة، إذا تساوتا في القيمة الاسمية.
ولو كان لجمع دفعات مختلفة في الآجال معنى، لكان في جمع وحدات البرتقال ووحدات الباذنجان ووحدات البطيخ معنى.
إننا عندما نجمع الكسور، نحتاج إلى توحيد مخارجها (= مقاماتها) ، فكذلك عند جمع مبالغ مؤرخة (= مختلفة التواريخ، أو الآجال) نحتاج إلى أساس لتوحيد قيمتها في زمن واحد، هو زمن اتخاذ القرار الإداري أو الاقتصادي، هذا الأساس هو ما نحتاج فيه إلى مفهوم الربا الحلال، مع ملاحظة أن الربا هو حلال في البيوع المؤجلة، وتقويم المشروعات، ولكنه حرام بالطبع في القروض وما قاربها.
والخلاصة فإن مفهوم الربا الحلال يشكل أداة مهمة من الأدوات التي يعتمد عليها اليوم في تقويم المشروعات من أجل المفاضلة بينها واختيار المشروع الأكفأ (= الأجدى) ، فلابد من عدم التردد في إظهار هذه الأداة، وهي متوافقة تمامًا مع روح الشرع ومقاصده ونصوصه، كما أثبتنا، والباحثون العلميون لا يهتمون بما قد يقع من تحريف المبطلين، أو تزييف الجاهلين، ولكنهم يحرصون بالتأكيد على أن يوضع كل شيء في موضعه، بدون تعَدٍّ ولا تجاوز ولا تقصير.
١٠-٦ أهمية هذه المبادئ في إعادة صياغة المناهج والكتب الدراسية:
اطلعت على بعض المؤلفات في الاقتصاد، أوالاقتصاد الهندسي، أو الإدارة المالية، أو الرياضيات المالية والتجارية، في محاولة من مؤلفيها لإدخال بعض المضامين الإسلامية، على تفاوت بينهم في درجة الفاعلية والجدية فبعض هذه الإدخالات تزييني سطحي غير مؤثر في روح الكتاب ولا في سائر أجزائه، أي لا ينبني عليه أي تغيير حقيقي.
ولما كانت هذه المضامين ناقصة، أو مغلوطة، أو غير فاعلة، لذلك فإني أوصي القائمين على أمر مناهج الدراسة الجامعية والثانوية التجارية، لا سيما في المملكة العربية السعودية، كما أوصي المؤلفين، بإعادة النظر في مدخلاتهم الإسلامية، في ضوء النتائج التي توصلنا إليها في هذه الدراسة والدراسات السابقة، فيما يتعلق بنظرية الربا في الإسلام، وتوابعها المهمة في القروض والبيوع وتقويم المشروعات مع ما لهذا من تأثير علمي وعملي، في النظريات وفي التمرينات والمسائل والمناقشات، والله الموفق.
стр. 8094
الخاتمة
١- بيع التقسيط نوع من البيع المؤجل، يقسط فيه الثمن أقساطًا متعددة، كل قسط له أجل معلوم، وقد كثر انتشاره في عصرنا هذا.
٢- لم يفرد الفقهاء القدامى كتابًا أو بابا لبيع التقسيط، لكنهم تكلموا عنه في ثنايا مباحثهم الفقهية.
٣- بيع التقسيط فيه فائدة لكل من البائع والمشتري، فالبائع يزداد في الثمن، والمشترى يحصل على المبيع قبل تمكنه من دفع الثمن كاملًا، فهو بيع ائتماني (= تمويلي) ، والائتمان فيه هو من نوع الائتمان المباشر (لا وسيط فيه) .
٤- يجب ألا يتجاوز المشتري قدرته على السداد في الآجال المضروبة للأقساط المختلفة، كي لا يعجز عن السداد، مع ما يؤدي إليه هذا من أوضاع غير مرغوب فيها، ولا سيما إذا كان الدائن غير مسلم.
٥- يجب ألا يشتري بالتقسيط إلا من كان عازمًا على السداد، بالإضافة إلى كونه قادرًا عليه، وعلى البائع أن يتأكد من هذا، ما لم يقصد الإرفاق والمسامحة.
٦- يقوم المصرف المركزي بالرقابة الائتمانية على بيع التقسيط، وتشمل هذه الرقابة الدفعة المعجلة، ومدة التقسيط، ومعدل زيادة الثمن لأجل التقسيط.
٧- ساعد على انتشار بيع التقسيط قيام منشآت ائتمانية وسيطة تدفع القيمة نقدًا إلى البائع، وتقسطها على المشتري.
٨- يجب التفريق بين بيوع التقسيط (= بيوع الأجل) وبيوع الآجال (= بيوع العينة) ، فالأولى جائزة والأخرى ممنوعة، لأنها حيل ربوية محرمة، فلا يجوز اتخاذ الأولى ذريعة إلى الأخرى.
٩- لا يجوز اتخاذ بيع التقسيط ذريعة إلى التورق، ولا سيما إذا اتخذ هذا التورق شكل نظام معروف، بحيث يشتري المشتري بثمن مقسط، ليبيع، بثمن نقدي، ما اشتراه، إلى إحدى المنشآت التابعة للبائع.
стр. 8095
١٠- قد يتم التحايل على بيع التقسيط ببعض الحيل، مثل البيع الإيجاري (= الإيجار المنتهي بالتمليك) الذي يتحيل به البائع بغرض عدم نقل الملكية إلى المشتري إلا بعد سداد الأقساط كلها، أو مثل بيع التقسيط مع شرط الاحتفاظ بالملكية.
وربما يحظر في البال أن بيع التقسيط يغني عن البيع الإيجاري (وعن بيع التقسيط مع شرط الاحتفاظ بالملكية) حيث يمكن رهن المبيع نفسه رهنًا غير حيازي.
لكن هذا البديل بالنسبة للباعة لا يشكل بديلًا كاملًا، فالبيع الإيجاري، وشرط الاحتفاظ بالملكية، يقدمان لهم ميزات لا تتوافر في الرهن المذكور.
١١- إذا جاز رهن المبيع نفسه، فمن الجائز كذلك أن يشترط البائع على المشتري في بيع التقسيط، عدم التصرف بالمبيع إلا بعد استيفاء الأقساط كلها.
١٢- ومن الحيل القريبة من البيع الإيجاري، ما يعرف اليوم بـ " التمويل الإيجاري "، وهو غير جائز أيضًا، لما ذكرناه في البيع الإيجاري، ولسبب آخر هو أن السلعة يؤجرها المؤجر قبل أن تدخل في ملكه (= إيجار قبل الشراء) .
وإذا أجريت هذه العمليات على أساس المواعدة، وكانت المواعدة ملزمة، فالحكم لا يتغير، لأن الوعد بالبيع، إذا كان هذا الوعد ملزمًا، فهو بيع.
وكذلك الحكم على بيع المرابحة للأمر بالشراء، إذا كانت المواعدة فيه ملزمة.
١٣- تأجيل الثمن جائز إذا كان المبيع ليس ثمنًا، فتبادل ثمن بثمن صرف لا يجوز فيه الأجل.
١٤- بيع التقسيط مباح إذا عقد بزيادة في الثمن (= معاوضة كاملة) ، ومستحب إذا عقد إرفاقًا بالمدين بدون زيادة عليه في الثمن للأجل (= معاوضة ناقصة) ، أو بدون طلب رهن أو كفالة.
١٥- إذا لم يبع إلا بالتقسيط فهذا جائز، ما دام البائع لا يتخذ هذا ذريعة إلى بيوع العينة، أي بيوع الأجال (= الحيل الربوية) .
١٦- بيع التقسيط قد يشتبه بالربا المحرم، لما فيه من نساء (= أجل) وفضل (= زيادة) ، وقد أزلنا هذا الاشتباه بأدلة متعددة تُراجع في مواضعها.
١٧- بيع التقسيط أثبتنا جوازه في السلع المثلية، فصار جوازه في السلع القيمية أولى.
١٨- الزيادة في بيع التقسيط لأجل النساء عند جمهور الفقهاء، وقد نقلنا عددًا من عباراتهم، مع بيان مصادرها من كتب الفقه على المذاهب المختلفة.
١٩- إننا نميل، مع بعض العلماء، إلى جواز الحطيطة للتعجيل، ميلنا، مع جمهور العلماء، إلى جواز الزيادة للتأجيل، ما دام هذا بين البائع والشاري، بدون وسيط بينهما، كالمصرف في خصم الأوراق التجارية، أو في المرابحة ذات المواعدة الملزمة.
٢٠- دافعنا عن جواز الحطيطة للتعجيل بأدلة مختلفة عن أدلة ابن القيم، لما رأيناه من ضعف أدلته.
стр. 8096
٢١- وكذلك عرضنا لبعض الاستدلالات التي رأيناها خاطئة في إثبات جواز الزيادة في الثمن المقسط.
٢٢- الزيادة في الثمن لأجل الزمن، كما ذكرنا، جائزة ولكن الزمن ليس إلا أحد مسوغات هذه الزيادة، فهناك مسوغان آخران: المخاطرة، والخدمة.
٢٣- الزيادة لأجل الزمن تلحق البدل المؤجل في البيع: الثمن إذا كان البيع بيع نسيئة، والمبيع إذا كان البيع بيع سلم، وبيع السلم هو نظير بيع النسيئة.
٢٤- ثمة صورة غير جائزة في بيع التقسيط، ذكرنا بعضها.
٢٥- لم نكتف بإثبات جواز الزيادة في بيع التقسيط بالأدلة، بل قمنا أيضا بالرد على الآراء المخالفة، لأجل المزيد من الاطمئنان.
٢٦- عرضنا لمسألة تأخر المشتري في سداد الأقساط، أولًا إذا كان هذا التأخر عن عجز، وثانيًا عن مماطلة ونقلنا آراء بعض العلماء المعاصرين في الحكم على المدين المماطل، دون أن نرتضي حكمهم.
٢٧- بصدد الكلام عن المماطلة، تساءلنا عما إذا كان من الجائز التفرقة في الحكم بين مدين اشترى سلعة مثلية ومدين اشترى سلعة قيمية.
٢٨- إذا أفلس المشتري بالتقسيط، فقد منع الإسلام استرقاقه بالدين، كما منع التضييق على حوائجه الأصلية (= حاجاته الأساسية) ، وأجاز للبائع استرداد المبيع، إذا كان هذا المبيع لا يزال بحاله عند المشتري، ولم يستوف البائع من ثمنه شيئا.
٢٩- كشف لنا بحث بيع التقسيط عن أربعة مبادئ مهمة في العلوم الحديثة:
(١) مبدأ المعجل خير من المؤجل.
(٢) مبدأ التفضيل الزمني.
(٣) مبدأ القيمة المالية للزمن (= القيمة الزمنية للنقو) .
(٤) مبدأ الربا ربوان: حرام وحلال.
وبيّنّا أدلة الربا الحلال وأهمية هذا المفهوم في كل من البيوع المؤجلة وتقويم المشروعات.
٣٠- وأخيرا اتخذنا توصية بضرورة إعادة النظر في المناهج والكتب الدراسية المتعلقة بالموضوع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور رفيق يونس المصري
стр. 8097
كتابات المؤلف السابقة في الموضوع
١- مصرف التنمية الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٣٩٧هـ، ط٣، ١٤٠٧ هـ.
٢- القرض حالّ أم مؤجل؟ الأجل والفائدة، مجلة حضارة الإسلام، دمشق، العدد ٦، شعبان ١٣٩٨ هـ.
٣- الحسم الزمني في الإسلام، مجلة المال والاقتصاد، بنك فيصل الإسلامي السوداني، الخرطوم، العدد ٢، ١٤٠٥هـ.
٤- الربا والحسم الزمني في الاقتصاد الإسلامي، دار حافظ، جدة، ط١، ١٤٠٦هـ.
٥- القول الفصل في بيع الأجل، مجلة الأمة، الدوحة، العدد ٦٦، جمادى الآخرة ١٤٠٦هـ.
٦- البيع الآجل في الفقه الإسلامي، أدلته وأدلة الزيادة فيه للتأجيل والحطيطة للتعجيل، مجلة الوعي الإسلامي، الكويت، العدد ٢٩٤، جمادى الآخرة ١٤٠٩ هـ.
стр. 8098
المراجع
١- أحكام القرآن لابن العربي (-٥٤٣هـ) ، بتحقيق محمد علي البجاوي، دار الفكر، بيروت، د. ت.
٢- أحكام القرآن للجصاص (-٣٧٠ هـ) ، دار الفكر، بيروت، د. ت.
٣- الاختيار لتعليل المختار للموصلي (-٦٨٣هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
٤- الاختيارات الفقهية لابن تيمية (-٧٢٨هـ) ، جمع البعلي الدمشقي، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، د. ت.
٥- الأشباه والنظائر لابن نجيم (-٩٧٠هـ) ، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٠هـ =١٩٨٠ م.
٦- الاعتصام للشاطبي (-٧٩٠هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
٧- أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم (-٧٥١هـ) ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، ط٢، ١٣٩٧هـ = ١٩٧٧م.
٨- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم (-٧٥١هـ) ، بتحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٥٧هـ = ١٩٣٩ م.
٩- الإمام زيد لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، د. ت.
١٠- الأم للإمام الشافعي (-٢٠٤هـ) ، طبعة الشعب، القاهرة، د. ت.
١١- بحوث في الربا لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، د. ت.
١٢- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (-٥٨٧هـ) ، شركة المطبوعات العلمية، القاهرة، د. ت.
١٣- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد (-٥٩٥هـ) ، دار الفكر، بيروت، د. ت.
١٤- البرهان في أصول الفقه للجويني (-٤٧٨هـ) ، بتحقيق عبد العظيم الديب، دار الأنصار، القاهرة، ط٢، ١٤٠٠هـ.
١٥- بلغة السالك لأقرب المسالك للصاوي (١٢٤١هـ) ، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٧٢هـ =١٩٥٢ م.
стр. 8099
١٦- البيع بالتقسيط والبيوع الائتمانية الأخرى لإبراهيم دسوقي أبو الليل، جامعة الكويت، ط١، ١٤٠٤هـ=١٩٨٤م.
١٧- تبين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي (-٧٤٣هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ط٢، د. ت.
١٨- تحفة المحتاج بشرح المنهاج للهيتمي (-٩٧٤هـ) ، طبعة مصطفى محمد، ١٣٠٤هـ.
١٩- تفسير الألوسي (-١٢٧٠هـ) : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
٢٠- تفسير الرازي (-٦٠٦هـ) : التفسير الكبير، دار الكتب العلمية، طهران، ط٢، د. ت.
٢١- تفسير السيوطي (-٩١١هـ) : الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار المعرفة، بيروت د. ت.
٢٢- تفسير الشوكاني (-١٢٥٠هـ) : فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١هـ= ١٩٨١م.
٢٣- تفسير الطبري (٣١٠هـ) : جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ط٣، ١٣٨٨هـ=١٩٦٨م.
٢٤- تفسير القرطبي (-٦٧١هـ) : الجامع لأحكام القرآن، دار القلم، بيروت، ١٣٨٦هـ = ١٩٦٦ م.
٢٥- تفسير المارودي (-٤٥٠هـ) : النكت والعيون، بتحقيق خضر محمد خضر، ومراجعة عبد الستار أبو غدة، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، ط١، ١٤٠٢ هـ=١٩٨٢ م.
٢٦- تفسير المنار لمحمد رشيد رضا (-١٣٥٤هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت.
٢٧- تهذيب السنن لابن القيم (-٧٥١هـ) ، بهامش عون المعبود.
٢٨- الجامع الصغير للسيوطي (-٩١١هـ) ، دار الفكر، بيروت، ط١، ١٤٠١هـ=١٩٨١م.
٢٩- حاشية ابن عابدين (-١٢٥٢هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ط، د. ت.
٣٠- حاشية الجمل (-١٢٠٤هـ) على شرح المنهج للأنصاري (-٩٥٢هـ) ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
٣١- حاشية الخرشي (١١٠١هـ) على خليل (-٧٧٦هـ) ، بيروت، دار صادر، د. ت.
стр. 8100
٣٢- حاشية الدسوقي (- ١٢٣٠هـ) ، على الشرح الكبير للدردير (- ١٢٠١هـ) ، دار الفكر، بيروت، د. ت.
٣٣- الدرر المباحة في الحظر والإباحة للشيباني النحلاوي.
٣٤- الربا والمعاملات في الإسلام لمحمد رشيد رضا (- ١٣٥٤هـ) ، تقديم محمد بهجة البيطار، مكتبة القاهرة، ١٣٧٩هـ = ١٩٦٠ هـ.
٣٥- الروض النضير للسياغي (- ١٢٢١هـ) ، مكتبة المؤيد، الطائف، ط ٢، ١٣٨٨هـ = ١٩٦٨ م.
٣٦- روضة الطالبين للنووي (- ٦٧٦هـ) ، المكتب الإسلامي، دمشق، ١٣٨٨هـ.
٣٧- زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (- ٧٥١هـ) ، بتحقيق شعيب الأرناؤوط، بيروت، ط ٣، ١٤٠٢هـ = ١٩٨٢م.
٣٨- سبل السلام شرح بلوغ المرام للصنعاني (- ١١٨٢هـ) ، دار الحديث، القاهرة، د. ت.
٣٩- سنن أبي داود (- ٢٧٥هـ) ، بعناية محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنة النوبية، القاهرة، د. ت.
٤٠- سنن الترمذي (- ٢٧٩هـ) : الجامع الصحيح، بتحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ط ٢ ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م.
٤١- سنن الدارقطني (- ٣٨٥ هـ) ، نشر عبد الله هاشم يماني المدني، المدينة المنورة، د. ت.
٤٢- سنن النسائي (- ٣٠٣هـ) ، بعناية عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط ٢ مصورة، ١٤٠٦هـ = ١٩٨٦م.
٤٣- شرح الزرقاني (- ١٠٩٩هـ) على مختصر خليل (- ٧٧٦هـ) ، دار الفكر ن بيروت ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م.
٤٤- شرح السنة للبغوي (- ٥١٦هـ) ، بتحقيق زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، المكتب الإسلامي، بيروت، ط١، ١٣٩٠ = ١٩٧١ م.
٤٥- شرح فتح القدير لابن الهمام (- ٦٨١هـ) ، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، د. ت.
٤٦- شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل للغزالي (- ٥٠٥ هـ) ، بتحقيق محمد الكبيسي، مطبعة الإرشاد، بغداد، د. ت.
٤٧- صحيح البخاري (- ٢٥٦هـ) ، دار الحديث، القاهرة، د. ت.
٤٨- صحيح مسلم (- ٢٦١هـ) بشرح النووي (- ٦٧٦هـ) ، طبعة الشعب، القاهرة، د. ت.
стр. 8101
٤٩- العقود الدرية لابن عابدين (- ١٢٥٢هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ط ٢، د. ت.
٥٠-عون المعبود شرح سنن أبي داود (- ٢٧٥هـ) للعظيم آبادي مع شرح ابن القيم (- ٧٥١هـ) ، دار الفكر، ط ٣، ١٣٩٩هـ = ١٩٧٩م.
٥١-غياث الأمم في التياث الظلم (الغياثي) للجويني (- ٤٧٨هـ) ، بتحقيق عبد العظم الديب، بدون ناشر ن ط ٢، ١٤٠١ هـ.
٥٢-فتاوى ابن تيمية (- ٧٢٨ هـ) ، طبعة السعودية، ط ١، ١٣٩٨هـ.
٥٣- فتاوى الشيخ محمد رشيد رضا (- ١٣٥٤ هـ) ، جمع صلاح الدين المنجد ويوسف ق. خوري، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط ١، ١٣٩٠هـ - ١٩٧٠ م.
٥٤-الفروق للقرافي (- ٦٨٤هـ) ، عالم الكتب، بيروت، د. ت.
٥٥- قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام (- ٦٦٠هـ) ، بتحقيق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، ط٢، ١٤٠٠ هـ = ١٩٨٠ م.
٥٦- قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية لابن جزي (- ٧٤١هـ) ، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٧٩م.
٥٧- القول الفصل في بيع الأجل لعبد الرحمن عبد الخالق، مكتبة ابن تيمية، الكويت، ط١، ١٤٠٦هـ = ١٩٨٥م.
٥٨- كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم (- ٧٥١هـ) ، دار الندوة الجديدة، بيروت، ط٣، ١٤٠٠ هـ.
٥٩- كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار للحصني (من علماء القرن التاسع الهجري) ، بعناية عبد الله إبراهيم الأنصاري، الدوحة، د. ت.
٦٠- كنز العمال للهندي (- ٩٧٥هـ) ، مؤسسة الرسالة ن بيروت، ط٥، ١٤٠٥هـ = ١٩٨٥م.
٦١-المبسوط للسرخسي - ٤٩٠هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ط٣، ١٣٩٨ هـ = ١٩٧٨م.
٦٢- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (- ٨٠٧هـ) ، مكتبة القدسي، القاهرة، د. ت.
٦٣- المجموع للنووي (- ٦٧٦هـ) ، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، د. ت.
٦٤- المحلى لابن حزم (- ٤٥٦هـ) ، بتحقيق أحمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، د. ت.
٦٥- المدونة الكبرى للإمام مالك (- ١٧٩هـ) ، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م.
٦٦- المستدرك على الصحيحين في الحديث للحاكم (- ٤٠٥هـ ٩، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م.
стр. 8102
٦٧- مسند الإمام أحمد (- ٢٤١هـ) ، دار الفكر، بيروت، ط ٢، ١٣٩٨ هـ = ١٩٧٨م.
٦٨- مسند الإمام أحمد (- ٢٤١ هـ) ، بعناية أحمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، ١٣٧٣هـ = ١٩٥٤ م.
٦٩-مصنف ابن أبي شيبة (- ٢٣٥ هـ) ، بتحقيق عبد الخالق الأفغاني، الدار السلفية، بومباي، ط ٢، ١٣٩٩هـ = ١٩٧٩م.
٧٠- مصنف عبد الرزاق (- ٢١١هـ) ، بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط٢، ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣ م.
٧١- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر العسقلاني (- ٨٥٢ هـ) ، بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، بدون ناشر د. ت.
٧٢-المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار المعتزلي (- ٤١٥هـ) ، ج١٣، بتحقيق أبو العلا عفيفي، ومراجعة إبراهيم مدكور، وإشراف طه حسين، وزارة الأوقاف والإرشاد القومي، القاهرة، ١٣٨٢ هـ = ١٩٦٢ م.
٧٣- مغني المحتاج للخطيب الشربيني (من علماء القرن العاشر الهجري) ، مكتبة البابي، الحلبي، القاهرة، ١٣٧٧ هـ = ١٩٥٨ م.
٧٤-المغني مع الشرح الكبير لابن قدامة (-٦٢٠هـ) ، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٩٢هـ = ١٩٧٢م.
٧٥- مقدمات ابن رشد (- ٥٢٠هـ) ، دار صادر، بيروت، د. ت.
٧٦-المنتقى شرح الموطأ للباجي ٠- ٤٩٤ هـ) ، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٣٢هـ.
٧٧-الموافقات للشاطبي (- ٧٩٠ هـ) ، بتعليق عبد الله دراز، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، د. ت.
٧٨- موطأ الإمام مالك (- ١٧٩هـ) ، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، د. ت.
٧٩- نحو نظام نقدي عادل: دراسة للنقود والمصارف والسياسة النقدية في ضوء الإسلام لمحمد عمر شابرا، ترجمة سيد محمد سكر، ومراجعة رفيق المصري، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، هرندن، فرجينيا، ط ١ ـ ١٤٠٨ هـ = ١٩٨٧ م.
٨٠-نيل الأوطار للشوكاني ٠- ١٢٥٠هـ) ، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة د. ت.
٨١- الوجيز للغزالي ٠- ٥٠٥هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٩هـ = ١٩٧٩م.
стр. 8103
حكم زيادة السعر
في البيع بالنسيئة شرعًا
إعداد
فضيلة الدكتور نظام الدين عبد الحميد
الأستاذ المساعد بكلية الشريعة بجامعة بغداد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم:
من المعاملات الجارية في الأسواق أن يبيع شخص سلعة من السلع نقدًا بالسعر السائد في السوق، ويبيعها بسعر أعلى من هذا السعر مقابل تأجيل استيفاء الثمن، وذلك كأن يبيع شخص حاجة بمائة دينار نقدًا، ويبيعها بمائة وعشرين دينارًا نسيئة لمدة أربعة أشهر – مثلًا – أو بعدد من الأقساط، أي أنه يستوفي عشرين دينارًا أزيد من السعر السائد وقت البيع بسبب الأجل، فهذا الزائد من المبلغ الذي يتقاضاه بسبب تأخير الاستيفاء أو هو حلال أم حرام فيه شبهة الربا؟
أرى هذا الموضوع جديرًا بالبحث، لذا بدا لي أن أتناوله بالدراسة وأستعرض آراء الفقهاء حوله، وألُمَّ بأدلتهم في فصل، ثم أعقبه بفصل أبدي فيه ما يعن لي من اتجاه وترجيح.
والله أسأل التوفيق إلى ما فيه الصواب.
стр. 8104
الفصل الأول
آراء الفقهاء
للفقهاء حول هذا الموضوع اتجاهان، اتجاه يرى جواز زيادة السعر في البيع بالنسيئة عن سعر البيع بالنقد، واتجاه يرى حرمة أخذ الزيادة، الاتجاه الأول هو اتجاه جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، والاتجاه الثاني هو اتجاه بعض فقهاء السلف الآتي ذكرهم.
والجمهور الذين يرون جواز أخذ الزيادة بسبب تأخير استيفاء الثمن استدلوا بأدلة من الكتاب والسنة والعقل، ففي مجال الاستدلال بالكتاب استشهدوا بقوله تعالى:
١- ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] وقالوا: إنه ذكر البيع مطلقا غير مقيد، وهو بهذا الإطلاق يشمل البيع نقدًا والبيع نسيئة، فالبائع له أن يبيع بالنقد بسعر وبالنسيئة بسعر آخر أعلى، وهو في كلتا الحالتين بائع البيع الذي أحله الله، فالمحرم هو الربا، والبيع نسيئة بسعر أعلى من سعر البيع بالنقد ليس بربا (١) .
٢- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩] ، وقالوا: الآية تدل على أن الربح الحاصل من التجارة عن التراضي بين المتبايعين ربح حلال، والربح الزائد الناجم عن البيع بالنسيئة الذي يرضى به الطرفان ربح ناتج من التجارة عن تراضٍ.
فالحرام هو أكل أموال الناس بالحيلة والغش والتدليس والغصب وما إلى هذه الأمور من المحرمات، وزيادة السعر في البيع بالنسيئة لا تنضوي تحت وجه من هذه الأوجه المحرمة.
وفي مجال الاستدلال بالسنّة قالوا:
ورد عن داود بن صالح المدني عن أبيه قال سمعت أبا سعيد الخدري يقول، قال رسول الله ﷺ : ((إنما البيع عن تراض)) (٢) ، فالحديث يدل على أن البيع والشراء منوطان برضا المتبايعين، فإذا تم الرضا بينهما وتم الإيجاب والقبول يكون البيع صحيحًا ويترتب عليه آثاره، فالبائع والمشتري في البيع بالنسيئة إذا اتفقا على سعر معين ومدة معينة لإيفاء الثمن يكون العقد صحيحًا وإن كان بسعر أعلى من سعر البيع بالنقد.
стр. 8105
هذا وقد ورد فيما يتعلق بالموضوع ثلاثة أحاديث هي مدار النقاش، واختلف العلماء في المراد بها، فلابد من استعراضها قبل بيان الأدلة العقلية، وقبل الخلوص إلى الفصل الثاني المعد للمناقشة والترجيح، وهذه الأحاديث هي:
(أ) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الرسول ﷺ ((نهى عن بيعتين في بيعة)) (١) .
(ب) عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: ((نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة)) (٢) .
(ج) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا)) (٣) .
فالحديث الأول ورد بشأنه عدة معان منها:
الأول: ورد عن الإمام الشافعي تفسيران: أحدهما: هو اشتراط بيع في بيع كأن يقول شخص لآخر بعتك هذا الفرس بألف دينار على أن تبيعني دارك بألفين، وثانيهما: هو كأن يقول بعتك هذا الشيء بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة (٤) .
الثاني: قال ابن القيم في تهذيب السنن: هو أن يقول شخص لغيره بعتك هذه السلعة إلى سنة بمائة دينار على أن اشتريها منك بعد ذلك بثمانين دينارًا حالَّةً، وقال هذا هو معنى الحديث الوارد في البيعتين في بيعة، وهو الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقول النبي ﷺ ((فله أوكسهما أو الربا)) فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيربي أو الثمن الأول فيكون أوكسهما، وهو قصد بيع دراهم عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها ولا يستحق إلا رأس ماله (٥) .
стр. 8106
الثالث: قال الخطابي هو أن يشتري شخص من آخر صاع حنطة بدينار سلمًا إلى شهر وعندما يحل الأجل يطالب البائع المشتري بالحنطة، فيقول له المشتري بعني الصاع الذي لك علي بصاعين إلى شهرين، فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فيردان إلى أوكسهما وهو الأول (١) .
الرابع: فسره سماك راوي حديث ابن مسعود بأن يبيع رجل سلعة من السلع نقدًا بكذا ونسيئة بأكثر من سعر النقد، وهذا التفسير هو ما جنح إليه بعض السلف، وإن بين المتبايعان أحد الثمنين قبل الافتراق، كأن يقول شخص لآخر بعتك هذا الشيء نقدًا بعشرين دينارًا ونسيئة لمدة أربعة أشهر بخمسة وعشرين دينارًا، فيقول المشتري قبلته نسيئة بخمسة وعشرين دينارًا.
وهؤلاء قالوا بحرمة الزيادة في البيع بالنسيئة عن سعر يومها، منهم زين العابدين علي بن الحسين والناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى (٢) ، وقال الصنعاني: علة النهي لزوم الربا عند من يمنع بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء (٣) ، وقال الشيخ أمجد الزهاوي، ﵀: هو رأي بعض أهل الحديث، حيث يرون الزيادة اعتياضًا عن الأجل (٤) .
الخامس: فسر أكثر العلماء الحديث بالتفسير السابق ولكن بافتراق المتبايعين على الإبهام بين السعرين، كأن يقول البائع بعتك هذه الحاجة نقدًا بألف دينار ونسيئة بألف ومائتي دينار لمدة سنة ويفترقان دون تحديد أحد البيعين وأحد السعرين، فهذا البيع فاسد عند جمهور الفقهاء لجهالة الثمن لا لحرمة البيع نسيئة بأعلى من سعر يومه، فقد نقل ابن الرفعة عن القاضي أن المسالة مفروضة على أن المشتري قبل على الإبهام، أما لو قال قبلت بألف نقدًا أو قال قبلت بألف ومائتين نسيئة صح البيع (٥) .
وفيما يلي أقوال لقسم من فقهاء المذاهب الذين نحوا هذا المنحى في توجيه الحديث ورأوا أنه على تقدير افتراق المتبايعين على الإبهام، لا في عدم جواز زيادة السعر في البيع بالنسيئة عن سعر البيع بالنقد.
стр. 8107
قال محمود بن أحمد العيني شارح الهداية في الفقه الحنفي، قال الترمذي من بعض أهل العلم، أن يقول الرجل أبيعك هذا الثوب نقدًا بعشرة ونسيئة وبعشرين ولا يفترقان على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على واحد منهما (١) .
قال الكاساني – وهو بصدد بيان البيوع الفاسدة – وكذا إذا قال: بعتك هذا الشيء بألف درهم إلى سنة أو بألف وخمسمائة درهم إلى سنتين لأن الثمن مجهول (٢)
قال السرخسي، وإذا عقد العقد على أنه آجل كذا بكذا وبالنقد كذا بكذا فهو فاسد لم يعاطه على ثمن معلوم، وإن تراضيا بينهما وافترقا على ثمن معلوم فهو جائز (٣) .
وقال الشيخ محمد عرفة المالكي: وكبيعتين في بيعة، أي أن يبيع السلعة بتًّا بعشرة نقدًا أو أكثر لأجَل، ويأخذ المشتري السلعة على السكوت ولم يعين أحد الأمرين ثم يختار أحدهما فهو ممنوع للجهل بالثمن حالَ البيع، فإن وقع البيع لا على الإلزام وإنما على الخيار فلا منع (٤) .
وقال الشيخ عبد الرحمن الجزيري وهو يعبر عن رأي المالكية، ومنها – أي من البيوع الفاسدة – أن يبيع السلعة بيعًا باتًّا بعشرة نقدًا وبخمسة عشر لأجَل فيرضى المشتري ويأخذ السلعة في سكوت ثم يختار فإن البيع يقع فاسدًا ويسمى ذلك البيع (بيعتين في بيعة) . . وإنما منع للجهل بالثمن حالَ البيع (٥) .
ومن مقررات الشافعية: قال الخطيب الشربيني: والثامن منها النهي عن بيعتين في بيعة، بأن يقول بعتك هذا بألف نقدًا أو ألفين إلى سنة فخذ بأيهما شئت أو شئت (أنا) وهو باطل للجهالة (٦) .
وقال أبو إسحاق الشيرازي: ولا يجوز بيعتان في بيعة لما روى أبو هريرة قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة)) ، فيحتمل أن يكون المراد به أن يقول بعتك هذا بألف نقدًا أو بألفين نسيئة فلا يجوز للخبر ولأنه لم ينعقد على ثمن معلوم. وقال المرداوي من الحنابلة: وإن قال بعتك بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة لم يصح ما لم يتفرقا على أحدهما، وهو المذهب (٧) .
стр. 8108
وقال ابن قدامة: وقد روي في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر، وهو أن يقول بعتك هذا بعشرة نقدًا وبخمسة عشر نسيئة، هكذا فسره مالك والثوري وإسحاق وهو باطل عند الجمهور، لأنه لم يجزم له ببيع واحد فأشبه ما لو قال: بعتك هذا وهذا ن ولأن الثمن مجهول (١) .
وقال صاحب التاج الشيخ منصور علي ناصف إن الحديث فيه للعلماء خلاف كثير. . ومنه أن يقول أبيعك هذا الثوب بعشرة نقدًا وبعشرين نسيئة ويفترقان بغير اختيار لإحدى البيعتين، وهذا باطل للجهل بما وقع عليه العقد، فإن اختار المشتري أحدهما صح على رأي الجمهور القائل بجواز البيع بأكثر من ثمن اليوم نظرًا للتأخير (٢) .
أما ابن حزم الظاهري فيفسر الحديث بعده معانٍ منها البيع نسيئة بسعر أعلى من سعر النقد، ويرى حرمته إذا يقول ما نصه: لا يحل بيعان في بيعة مثل أبيعك سلعتي بدينارين على أن تعطيني بالدينارين كذا وكذا درهمًا. . ومثل أبيعك سلعتي هذه بدينارين نقدًا أو بثلاثة نسيئة. . . فهذا كله حرام مفسوخ أبدًا محكوم فيه بحكم الغصب، برهان ذلك ما رويناه من طريق ابن أصبغ. . . عن ابن عمر، قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة)) .
أما الحديث الثاني الذي رواه ابن مسعود، وهو ((نهى النبي ﷺ عن الصفقتين في صفقة واحدة)) فقد فسره سماك – راوي الحديث – بما فسر به حديث النهي عن بيعتين في بيعة الذي مر معنا، أي أن يبيع رجل البيع فيقول هو بنسأ بكذا وهو بنقد بكذا وكذا، كما جاء في التفسير الملحق بنص الحديث الذي رواه الإمام أحمد كما تقدم (٣) .
وفسره أبو عبيد القاسم بن سلام – أحد رواة الحديث – بأن يقول الرجل أبيعك نقدًا بكذا ونسيئة بكذا ويفترقان عليه – أي دون أن يفترقا على تحديد أي من السعرين (٤) – وبهذا التفسير فسره شريك – أحد رواة الحديث أيضا – كما روى عنه أسود بن عامر (٥) ، وهذا التفسير - هو تفسير أكثر العلماء لحديث النهي عن البيعتين في بيعة كما مر معنا.
стр. 8109
وفسره صاحب الهداية – من الحنفية – بما يكون فيه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين، كأن يبيع شخص دارًا ويشترط أن يسكنها شهرًا أو أن يقرضه المشتري مقدارًا من المال لورود نهي خاص عن بعضها، وهو نهيه ﷺ عن بيع وسلف – أي قرض- ولأنه لو كانت الخدمة والسكنى يقابلهما شيء من الثمن – بأن يعتبر لمسمى ثمنًا بإزاء المبيع وبإزاء أجرة الخدمة والسكنى – يكون إجارة في بيع وإن كان لا يقابلهما يكون إعارة في بيع – ثم قال – وقد نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة (١) .
وذهب ابن الهمام إلى أن معنى هذا الحديث أعم من معنى حديث النهي عن بيعتين في بيعة، هو يشمل كل عقدين جمع بينهما في عقد واحد، أما حديث البيعتين فهو في خصوص من الصفقات وهو البيع (٢) .
أما الحديث الثالث الذي رواه أبو داود المروي عن أبي هريرة، وهو قوله ﷺ : ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)) ، قال الخطابي في معناه: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بظاهر الحديث، أو صحح البيع بأوكس الثمنين إلا شيئا يحكى عن الأوزاعي وهو مذهب فاسد لما يتضمنه هذا العقد من التغرير والجهل، وقال: الرواية على الوجه الذي ذكره أبو داود يشبه أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه، كأن يسلف شخص غيره دينارًا في قفيز بر إلى شهر، فإذا طالبه الأول بالبر عند حلول الأجل قال له الثاني: بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهرين، فهذا بيع ثانٍ وقد دخل في البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيرد إلى أوكسهما أي أنقصهما وهو الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني قبل أن يتبايعا البيع الأول كانا مربيَّيْن.
وقد نقل هذا التفسير الإمام ابن الأثير في النهاية وابن رسلان في شرح السنن (٣) .
أما ابن القيم فقد فسر الحديث والحديث السابق بما فسر به الحديث الأول الذي تم إيضاحه في الفقرة الثانية عند عرضنا آراء العلماء في معنى الحديث.
وقال: الحديث منزل على العينة بعينها، وقال: قال شيخنا: - يعني ابن تيمية – لأنه بيعان في بيع واحد فأوكسهما الثمن الحالّ، وإن أخذ بالأكثر وهو المؤجل أخذ الربا (٤) .
стр. 8110
وأورد الشوكاني قول الخطابي الذي تقدم وعلق عليه وقال: ولا يخفى أن ما قاله – أي الأوزاعي – هو ظاهر الحديث لأن الحكم له بأوكس يستلزم صحة البيع به (١) ، ثم قال إن الحديث مستمسك القائلين بحرمة بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء، ولكن في روايته مقال إذ في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد، إذا المشهور فيه هو الرواية الأخرى الخالية عن عبارة، فله أوكسهما أو الربا كما ذكر المنذري، وهو بهذه الرواية لا ممسك فيه على المدعى.
ثم قال: ولو سلمنا أن الرواية السابقة – رواية محمد بن عمرو بن علقمة – صالحة للاحتجاج لكان احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع فادحًا في الاستدلال بها على المتنازع فيه، لأن ابن رسلان فسره على الوجه الذي مر معنا، ومع ذلك فإن غاية ما فيها من الدلالة هو المنع من البيع إذا وقع البيع على صورة أن يقول البائع: هذه السلعة نقدًا بكذا ونسيئة بكذا، لا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط وكان أكثر من سعر يومه، مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة أيضا ولا يدل الحديث على ذلك (٢) .
стр. 8111
أما في مجال الاستدلال بالعقل فقيل:
١- إباحة بيع السلع نسيئة بسعر أعلى من سعر النقد تستدعيها الحاجة والمصلحة، ويقتضيها سير المعاملات في الأسواق، لأن البائع إن لم يملك البيع نسيئة بسعر أعلى من سعر النقد لا يبيع سلعة لمن يحتاجها نسيئة بسعر النقد، وهذا من شأنه حصول الركود في حركة البيع والشراء في الأسواق، وتعذر حصول صاحب الحاجة الذي لا يملك النقد دائما على حاجته، ويقع بذلك في حرج وضيق.
٢- البائع إذ باع السلعة بالنقد فإن المبلغ الذي يقبضه يكون في حركة في الأسواق بالبيع والشراء، ويربح منه في كل صفقة مقدارًا معينًا من المال، أما إذا باعها بالنسيئة لمدة فإن مبلغ السلعة ينحبس خلال تلك المدة ولا يستفيد منه شيئا، ويحرم مما قد يأتيه من الربح فيما لو باع السلعة نقدًا وتاجر به، لذا فإن من حقه أن يحسب للأجل حسابه، فيزيد في السعر عند البيع بالنسيئة المقدار الذي يتفق عليه مع المشتري بعد ملاحظة مدة التأخير في استيفاء حقه.
٣- يجوز للبائع أن يبيع سلعة بأكثر من سعر اليوم بالنقد، فلم لا يجوز أن يبيعها بأكثر من سعر اليوم نسيئة؟ فإن جاز هذا الأمر في حال البيع نقدًا جاز في حال البيع نسيئة بطريق الأولى.
٤- السلعة لها منافع، وأسعارها تختلف باختلاف الأزمان والأوقات، فهي في زمن بسعر وفي زمن آخر بسعر، لذا من حق البائع أن يحتاط لنفسه ويبيع السلعة بالنسيئة بسعر أعلى من سعر النقد، إذ قد يرتفع سعرها في قابل الأيام، وحينما يحل موعد تسديد المبلغ الناشئ بذمة المشتري.
стр. 8112
الفصل الثاني
المناقشة والترجيح
بعد أن استعرضنا رأي الجمهور في جواز زيادة السعر في البيع بالنسيئة عن سعر البيع بالنقد، وأشرنا إلى رأي بعض علماء السلف الذين لهم رأي معاكس لرأي الجمهور حيث ذهبوا إلى عدم الجواز، أقول: يبدو لي رجاحة قول القائلين بعدم الجواز، وما يحملني على الحيدان عن رأي الجمهور أمور منها ما يتعلق بأدلة الجمهور ومنها ما هو أدلة مستفادة من السنة، ومنها ما هو أدلة عقلية وإليك ما أروم قوله من أدلة ونقاش.
١- إن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ لا ينهض دليلًا لجواز زيادة السعر عن سعر اليوم في البيع بالنسيئة، لأن الآية جاءت لتقرير حلية البيع وعدم حرمته، وإباحة التجارة والكسب الحلال، والبيع هذا يلزم أن يكون خاليًا عن الاستغلال والجشع والطمع.
فالشخص الذي يشتري حاجة بالنسيئة بسعر أكثر من سعر النقد لو كان متمكنًا من شرائها بالنقد لما التمس باب النسيئة، ولوفر لنفسه ما يدفعه من الزيادة إلى البائع بسبب الأجل وتأخير دفع الثمن، أي أنه لو لم يكن مضطرًّا إلى شرائها بالنسيئة لما لجأ إلى هذا الوجه في الشراء وإنما اشتراها بالنقد.
والبائع عندما يبيع السلعة إلى طالبها بالنسيئة يدرك كل الإدراك حاجة الطالب إلى السلعة وعدم تمكنه من شرائها بالنقد وما لديه من دافع الاضطرار، فيعرض عليه الزيادة التي يرومها، وتزداد هذه الزيادة كلما بعد موعد الاستيفاء، أو زاد عدد الأقساط، لذا يحرم عليه هذه الزيادة التي تمليها حاجة واضطرار المشتري، إذ ورد عن علي ﵁ أنه قال: سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤثر بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ويبايع المضطرون، وقد ((نهى النبي ﷺ عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرك)) . (١) .
стр. 8113
ولفظ البيع هنا مثل لفظ الشراء من ألفاظ الأضداد، ويأتي أحدهما بمعنى الآخر (١) وبيع المضطر قد يكون في حال شرائه السلعة من غيره، وقد يكون في حال بيعه السلعة إلى غيره، فإذا احتاج إلى سلعة ولم يكن لديه من النقد ما يدفع به حاجته يدفعه الاضطرار إلى شرائه بالنسيئة بزيادة عن سعر النقد مقابل الأجل، وإذا احتاج إلى مبلغ من المال لتسديد دين وجب دفعه، أو لمعالجة مرض أصابه أو أصاب أحد أفراد أسرته، ولم يجد من يستدينه فإنه يلجأ بدافع الاضطرار إلى عرض سلعة يملكها للبيع، فيستغل شخص اضطراره فيشتريها منه بثمن أقل من قيمتها.
فبائع السلعة هنالك ومشتري السلعة هنا يشملان بالنهي الوارد في الحديث
أي على البائع أن لا يستغل حاجة المشتري فيأخذ أكثر عن سعر السوق بسبب الأجل , وعلى المشتري هنا أيضًا أن لا يستغل اضطرار البائع فيبخس بضاعته وينقص من قيمتها
والنهي هنا للحرمة لا للكراهة كما هو الأصل فيه، إذ لا ينصرف إلى الكراهة إلا بصارف، وليس هنا أي صارف.
ولا عبرة هنا برضا المشتري عندما يقبل الشراء نسيئة بسعر أكثر من سعر النقد، كما لا عبرة برضا البائع الذي يبيع سلعته بأقل من قيمتها بدافع الضرورة، لأنه في كلتا الحالتين رضا يفسده ما يتقلب فيه كل من المشتري والبائع من الحاجة والاضطرار المفسدين لإرادته إن لم يكونا سالبين لها.
ولا عبرة أيضا بالخلاف في حرمة بيع المضطر وما يترتب عليه من الزيادة في السعر أو النقص منه بدليلين، الأول وجود صريح النهي عنه – وهو كما قلنا للحرمة لا للكراهة لعدم وجود صارف عنه – والثاني هو اقترانه بالنهي عن بيع الغرر المتفق على حرمته، وبالنهي عن بيع الثمرة قبل أن تدرك، الذي قال بحرمته الفقهاء.
ومما يذكر أيضا أن ابن القيم قال: للعينة (٢) صورة رابعة، وهي أخت صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة.
وقال: وعلله شيخنا ابن تيمية ﵁ بأنه يدخل في باب بيع المضطر، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة (٣) .
стр. 8114
وعليه إذا قلنا إن البيع بالنسيئة بزيادة السعر صورة من صور بيع العينة كان بيعًا مشوبًا بالربا يلزم على المسلم تجنبه، وإن قلنا إنه من بيع المضطر يلزم عدم الاقتراب منه وإلا كان واكسًا مخالطا رزقه بالحرام.
٢- الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ لجواز البيع بالنسيئة بسعر أكثر من سعر النقد هو أيضا غير وارد، إذا يقال هنا ما قلناه في الفقرة السابقة من الكلام، لا بل يمكن أن تنهض الآية حجة للقول بعدم الجواز، واعتبار الزيادة التي يتقاضاها البائع من المشتري داخلًا ضمن عموم النهي عن أكل الأموال بالباطل الوارد في الآية، لأن البيع إذا عد بيع عينة أو بيع اضطرار يكون بيعًا منهيًّا عنه، ويكون أخذ الزيادة بسبب الأجل أكلًا لأموال الناس بالباطل لا أكلًا من التجارة عن تراض.
فالتجارة عن تراض هي التقلب في الأسواق وشراء الحاجيات والبضائع وبيعها بالسعر السائد في الأسواق من غير احتيال أو غش أو تدليس أو خداع أو استغلال لحاجة البائع أو المشتري فالبيع بأكثر من سعر السوق إن كان دافعه اضطرار المشتري وحاجته لا يكون بيعًا عن تراض بالمعنى الحقيقي، وإنما هو بيع من البائع وشراء من المشتري يشوبهما الإكراه بسبب الاضطرار، لذا فإن البيع هنا يفقد المعنى الحقيقي للبيع عن تراض.
٣- أما الحديث: " إنما البيع عن تراض " فيلزم أن نفهمه على أساس ما تقدم من التوجيه والإيضاح، وهذا الأساس هو الوجه الداعي لتحريم الاحتكار، وهو العلة لما ورد من التوعد بشأن المحتكرين، فالمحتكر الذي ينفرد بخزن البضاعة ويضع يده عليها ولا يبيعها إلا عندما يضطر أهل الحاجة لشرائها بالسعر الذي يفرضه يستغل حاجة أصحاب الحاجة، فرضا أصحاب الحاجة بشراء البضاعة منه بالسعر الذي يفرضه لا يحل له ما يقبضه زائدًا عن سعر البضاعة الحقيقي، إذ لا عبرة برضائهم لأن اضطرارهم الناجم عن موقف المحتكر يكرههم على الشراء بالسعر المفروض.
стр. 8115
٤- وجدنا أن أكثر الفقهاء قالوا إن نهيه ﷺ عن بيعتين في بيعة هو بخصوص بيع البضاعة بقيمتين، إن كان نقدًا بسعر وإن كان نسيئة بسعر أعلى، ويأخذ المشتري البضاعة قبل الاتفاق على أحد السعرين، ويرون أن الحرمة الناشئة عن النهي ليس بسبب زيادة السعر في البيع بالنسيئة عن سعر البيع بالنقد، وإنما بسبب جهالة السعر.
وتوجيه الحديث على هذا النحو – كما يبدو لي – تحكم في معناه بما لا يدل عليه ظاهره، وتأويل بما لا يتحمله، فما الداعي إذن للانصراف عن المعنى الظاهر له؟ فظاهر الحديث، إذا قلنا إنه بخصوص البيع نقدًا بسعر ونسيئة بسعر – كما هو تفسير أكثر الفقهاء – يدل على النهي عن البيع بالنسيئة بسعر أعلى من سعر اليوم، ويدل على هذا المعنى دلالة ظاهرة حديث أبي هريرة المار معنا الذي نصه: " من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا: فهو يفيد أن البائع إذا باع حاجة نقدًا بسعر ونسيئة بسعر فله أوكس الثمنين من سعر البيع وسعر النسيئة، أي أقل الثمنين منهما، فإن أخذ أعلى السعرين يكون قد أربى وتحرم عليه الزيادة.
وما ذكره الشوكاني – كما مر معنا – بأن الحديث في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة قد تكلم فيه غير واحد (١) لا يوهن الحديث، فالذهبي قال محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني شيخ مشهور حسن الحديث مكثر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قد أخرج له الشيخان متابعة. . . وقال أبو حاتم الرازي، صالح الحديث، وقال النسائي لا بأس به (٢) .
فالحديث إذن صالح للاستدلال به، وهو مفسر وموضح للحديث السابق، ويفيد – كما قلنا – أن البائع إن حدد للمشتري في البيع بالنقد سعرًا وللنسيئة سعرًا فليس له إلا أقل السعرين وإلا يكون قد أربى.
ويعضد هذا الحديث ويقويه ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث ابن مسعود موقوفًا بلفظ: " الصفقة في الصفقتين ربا " (٣) كما روي عنه أنه ﷺ قال: ((لا تحل صفقتان في صفقة)) (٤) .
стр. 8116
لذلك نجد الشوكاني نفسه يقول: وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ تِلْكَ الرواية التي تفرد بها ذلك الراوي صالحة للاحتجاج. . . على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة، وهي أن يقول نقدًا بكذا ونسيئة بكذا، لا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط وكان أكثر من سعر يومه، مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة أيضا (١) .
ونجد السماك راوي حديث ((نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة)) ، يفسر الحديث ويقول، هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسأ بكذا وهو بنقد بكذا، وهو أحد تفسيري الشافعي فقال: بأن يقول بعتك بألف نقدًا أو ألفين إلى سنة فخذ بأيهما شئت وشئت أنا ويقول الشوكاني هنا: أما التفسير الذي ذكره أحمد عن سماك وذكره الشافعي ففيه مستمسك لمن قال يحرم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء (٢) .
وما نقله ابن الرفعة عن القاضي – وقد مر معنا – أن المسألة مفروضة على أنه قبل على الإبهام، أما لو قال قبلت بألف نقدًا أو ألفين بالنسيئة صح ذلك، فهو غير وارد كما يبدو لي لعدم وجود دليل على فرض المسألة على هذا الوجه في الحديث لا صراحة ولا دلالة، إذن فما الداعي إلى الإعراض عن ظاهر معنى الحديثين، واللجوء إلى التأويل بما هو بعيد عن الظاهر؟
وهذه الظاهر هو الذي حمل الإمام الأوزاعي ليصحح البيع بأوكس الثمنين في حال أخذ المشتري السلعة دون تحديد أحد الثمنين، ثمن السلعة نقدًا وثمنها نسيئة وهو ما قال به عطاء أيضا، لأن الحديث الثاني صريح في أن البائع له أوكس الثمنين (٣) .
وقول الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بظاهر الحديث إلا ما حكي عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد، هو محل نظر لأن بعض فقهاء السلف قالوا بظاهر الحديث وحرموا البيع نسيئة بالزيادة عن سعر اليوم – كما مر معنا -.
ثم لماذا يكون القول بظاهر الحديث قولًا فاسدًا، والأصل في معاني العبارات ظاهرها، ولا مساغ للانصراف عنه بالتأويل لإسباغ معنى آخر عليها إلا لداع، ولا داعي هنا؟
стр. 8117
لذا وجدنا الشوكاني يقول: وما قاله – أي الأوزاعي – هو ظاهر الحديث لأن الحكم له بأوكس يستلزم صحة البيع به كما مر معنا.
ومما يذكر هنا هو أن الأوزاعي عندما يخالف الجمهور في هذه الصورة، فهو يوافقهم في صورة اتجاههم بجواز زيادة السعر في البيع بالنسيئة على السعر في البيع بالنقد إن افترق المتبايعان على أحد السعرين، كأن يقول البائع: بعتك الشيء نقدًا بعشرة دراهم ونسيئة لمدة كذا بخمسة عشر درهمًا، فيقول المشتري: قبلته نسيئة بخمسة عشر درهما (١) .
وما أقوله هنا، هو أنه كان الجدير بالأوزاعي أن يقرر في هذه الحالة أيضًا أن البائع ليس له إلا أوكس الثمنين، لأن هذا هو ظاهر الحديث الذي صرفه في الصورة الأولى عن رأي الجمهور، إذ ليس فيه التفريق بين صورتي البيع – الافتراق دون تحديد أحد الثمنين والافتراق على تحدي أحدهما – فالبيع بيعان في الحالتين، وصريح النص يقرر أن البائع ليس له إلا أوكس الثمنين أو الربا، ولا اعتبار برضا المشتري بزيادة الثمن في البيع بالنسيئة، لأنه رضا يشوبه الإكراه المعنوي الناجم عما يتقلب فيه من حاجة واضطرار.
وبعد ملاحظة ما تقدم يمكن القول إن البائع إذا باع بنقد بكذا أو بنسيئة بأكثر منه مقابل الأجل لا يحل له أخذ الزيادة وإن تم الاتفاق على سعر النسيئة قبل الافتراق.
وكذلك الأمر إذا باع البائع الحاجة وقال ابتداءً إنها نسيئة بكذا، وكان السعر أكثر من سعر اليوم، وإن لم يذكر أنها بالنقد بكذا، لأن العبرة هنا بالنية والقصد لا بالعبارات والألفاظ فصورتا البيع من حيث المال شيء واحد وتؤديان إلى نتيجة واحدة، وهي زيادة السعر مقابل الأجل، فالبائع عندما يقول السلعة نسيئة بكذا دون أن يقول إنها بالنقد بكذا، يقدر في كلامه القول إنها بالنقد بكذا ما دام السعر أعلى من سعر النقد بسبب الأجل، لذا يكون الحديث منطبقًا عليه ويسري عليه حكمه.
٦- أما الاستدلال للجواز بأن البائع بالنسيئة ينحبس ثمن بضاعته لدى المشتري لحين أدائه فيحرم بذلك من الاستفادة منه خلال مدة الأجل ولا يربح منه شيئا بعكس ما لو كان البيع بالنقد، فإن فائدته من المبلغ تتجدد وتزداد كلما اشترى به شيئا وباعه، لذا كان من حقه أن يزيد من قيمة البضاعة إن باعه نسيئة مقابل ما يفوته من الربح لو كان المبلغ تحت يده ويداوله بالبيع والشراء.
стр. 8118
وهذه الحجة تبدو مقبولة في الظاهر ولكنها مرفوضة في الحقيقة لأنها لو كانت مقبولة للزم أن يجوز أخذ الزيادة عن مبلغ القرض عندما يقرض شخص غيره مبلغًا من المال لمدة معينة، لأن مبلغ القرض ينحبس أيضًا عند المقترض إلى حين الوفاء، ولا يستفيد المقرض منه شيئا، وأنه لولا هذه القرض لكان المبلغ في تداول بالتجارة ويدر ربحا، ولكن نجد أن الشارع ألغى هذه الفائدة وحرمها.
إذ ورد عن أنس عن النبي ﷺ قال: ((إذا أقرض – أي أحدكم – فلا يأخذ هدية)) (١) .
وورد أيضا عن أبي بردة بن أبي موسى قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك بأرض فيها الربا فاشٍ، فإذا كان لك على رجل حق فأدَّى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا (٢) .
٧- الاحتجاج بالمصلحة والحاجة لإباحة ما نحن فيه من موضوع احتجاج ساقط عن الاعتبار، فالقائلون بإباحة الربا في المعاملات التجارية تمسكوا أيضا بذيل هذه الحجة الذي انقطع بهم إلى سحيق الهاوية.
فالمصلحة هنا من المصالح الملغية لا من المصالح المعتبرة كما هو الأمر في موضوع الربا، لأنها هنا وهنالك تؤدي إلى الاستغلال والجشع وتفاقم دوافع الطمع في النفوس، هذه الأمور المنهي عنها شرعًا بنصوص عدة.
لا بل يمكن القول إن المصلحة في خلاف هذا، أي إنها داعية للقول بعدم جواز البيع نسيئة بسعر أعلى من سعر البيع بالنقد منعًا لاستغلال حاجة أصحاب الحاجة والإثراء على حسابهم، وليس في هذا إضرار بسير حركة البيع والشراء في الأسواق، كما ليس فيه تعطيل لحاجيات أصحاب الحاجة الذين لا يملكون شراء حاجياتهم نقدًا، لأن التاجر إن وجد انغلاق باب البيع نسيئة بسعر أعلى من سعر النقد يدفعه واقع تجارته وما يرجوه من الربح أن يبيع سلعة نسيئة ونقدًا بسعر واحد، وأن يبيع بالنسيئة كما يبيع بالنقد، لأن البيع بالنسيئة فيه ربح مثلما هو الحال في البيع بالنقد، وكل ما يحصل هو تأخير استيفاء الثمن بعض الوقت في البيع بالنسيئة، ولو امتنع عن البيع بالنسيئة لفوت على نفسه من الربح مبلغًا لو نظر بعيدًا لوجده شيئًا كثيرًا على مدار الأيام.
стр. 8119
فالتاجر الذكي هو الذي ينظر بعيدًا ولا يفوت على نفسه مثل هذا الربح، وكل ما يعمله هو أنه يحتاط فلا يبيع نسيئة إلا لمن يثق به، ويطمئن إلى صدقه في تعامله.
لذا نجد قسمًا كبيرًا من الباعة الذين ينظرون هذه النظرة البعيدة لا يتوانون عن البيع نسيئة بسعر النقد، ولا يعتمدون في توثيق ما يترتب على زبائنهم من الديون إلا على سجل بسيط يكتبون فيه اسم المدين ومقدار الدين المترتب عليه.
وثمة شيء آخر لابد من بيانه هو أن ديننا يأمرنا ببناء المجتمع على أساس من الحب والتآخي ومراعاة مصلحة الغير والأخذ بيد الضعيف وذوي الحاجة ومعاونتهم لا بناءً على الجشع والطمع وحب الذات، فأي مسلم هو هذا الذي يستغل حاجة صاحب الحاجة فيبيعه الشيء بأكثر من سعر السوق بسبب الأجل، فيزيد بذلك من حاجته ويرهق كاهله بعبء على عبء وثقل على ثقل؟ فأين التراحم الذي يأمرنا به ديننا؟ وأين يكون مكان هذا البائع من قوله ﷺ ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) . (١)
٨- أما القول بجواز زيادة السعر في البيع بالنسيئة قياسًا على جواز البيع بالنقد بأكثر من سعر اليوم فهو احتجاج واه، وذلك لأن المشتري بالنقد إما أن يعرف قيمة البضاعة في السوق أو لا يعرف، فإن كان يعرف ومع ذلك فإنه يشتريها من البائع بأكثر من سعر السوق مع وجود المجال لديه ليشتريها من غيره بسعر السوق، فهنا يعد البيع صحيحًا ويكون المشتري في حكم المتبرع بالزيادة التي يدفعها، أما إذا كان يجهل سعر السوق فالبيع يعتريه الغبن، والغبن لون من ألوان الغش، وهو حرام يجب على المسلم تجنبه.
стр. 8120
قال ابن العربي والقرطبي وآخرون، إن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [سورة التغابن: الآية ٩] ، يدل على عدم جواز الغبن في المعاملات. . . إذا هو من باب الخداع المحرم شرعًا في كل ملة (١) .
والفقهاء قسموا الغبن إلى قسمين قسم منه يسير يتسامح فيه عند جمهورهم، وذهب بعضهم إلى عدم التسامح فيه مهما كان يسيرًا، فالمرداوي من الحنابلة يقول: وظاهر كلام الخرقي أن الخيار يثبت بمجرد الغبن وإن قل (٢) ، وابن حزم الظاهري قليل الغبن ويسيره لديه سواء، إذ يرى عدم حِلّ بيع شيء بأكثر مما يساوي ولا شراءه بأقل مما يساوي (٣) .
أما الغبن الفاحش، فذهب قسم من الحنفية وقسم من المالكية والحنابلة في اتجاه وبعض فقهاء الزيدية والشيعة الإمامية والظاهرية إلى رد العقود به إن كان المغبون جاهلًا بالغبن سواء رافق العقد تغرير أم لا (٤)
وحدد قسم من الحنفية الغبن الفاحش بنصف العشر في العروض (٥) أي بزيادة خمسة بالمائة من سعر السوق، وحدده قسم منهم بما لا يدخل تحت تقويم المقومين، وذلك كأن يبيع البائع حاجة بمائة دينار، فيقومها بعض المقومين بتسعين دينارًا وبعضهم بأربعة وتسعين دينارًا وبعضهم بسبعة وتسعين دينارًا (٦) ، وحدد بعض المالكية والزيدية الغبن الفاحش بثلث العشر (٧) .
стр. 8121
٩- أما القول، إن أسعار السلع تختلف من وقت لآخر، والبائع نسيئة بسعر أعلى من سعر اليوم من حقه أن يحتاط لنفسه، إذ قد يرتفع سعر البضاعة المباعة نسيئة وقت حلول الوفاء بثمنها، فيبدو لي أيضًا أنه ليس فيه ممسك للقول بإباحة زيادة السعر في البيع بالنسيئة عن سعر البيع بالنقد.
نعم قد يرتفع سعر البضاعة المباعة نسيئة وقت حلول وقت دفع الثمن ارتفاعًا يزيد على السعر الذي تم به البيع، ولكن كما يمكن تصور هذا يمكن أيضا تصور عكسه، إذ قد يطرأ الهبوط على الأسعار، وينخفض سعر البضاعة بكثير عن سعر اليوم الذي تم فيه البيع، فكما يتصور ارتفاع الأسعار يمكن تصور انخفاضها أيضا، فلماذا يكون لدى البائع مجال الجشع الحامل له على تصور مصلحته وضمان ربحه الزائد فقط دون مصلحة المشتري؟ أيجوز له أن يصرفه الطمع عن ملاحظة ضيق ذات يد المشتري الذي يلجئه إلى الشراء بالنسيئة بسعر أعلى من سعر النقد، ويدفعه ليحمل نفسه عبئا ماليًّا أكثر مما عليه من عبء؟
١٠- البيع بالنسيئة له شبه قوي بالقرض، فالقرض هو تمليك الشيء على أن يرد بدله (١) فما يتم إقراضه يصبح دينًا في ذمة المقترض يلزم رد مثله أو بدله عندما يحل وقت لزوم الرد والبيع بالنسيئة هو تمليك البضاعة على أن يرد بدلها عند حلول الأجل المتفق عليه، أي أن البدل، وهو المبلغ المتفق عليه يصبح دينًا في ذمة المشتري وعليه أداؤه حين حلول الوقت المتفق على الأداء فيه.
ففي القرض لا يكون المقترض ملزمًا إلا بدفع مثل القرض دون الزيادة عليه، لأن الزيادة عليه تكون ربا يحرم أخذها، إذ أخرج البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفًا ما نصه: " كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا " ورواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفًا عليهم، ورواه الحرق بن أبي سلمة من حديث علي ﵁ بلفظ ((إن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة)) . (٢) والحديث هذا وإن كان في سنده مقال فإن لم يصح لفظه فهو صحيح المعنى يعضده الحديث السابق، والحديثان اللذان مرَّا معنا في الفقرة السادسة.
стр. 8122
والبائع سلعة بالنسيئة ما قيمته مائة دينار بالنقد بمبلغ مقداره مائة وعشرون دينارًا أي بزيادة عشرين دينارًا عن القيمة الحقيقية للسلعة بسبب الأجل هو في حكم من أقرض مائة دينار بمائة وعشرين دينارًا بسبب الأجل.
وبتعبير آخر إن البائع بالنسيئة يملك المشتري البضاعة التي قيمتها مائة دينار بالنقد بمبلغ مائة وعشرين دينارًا بسبب الأجل، والنتيجة هي أنه ينشأ في ذمة المشتري قرض عبارة عن أصل القيمة الذي هو مائة دينار – الذي أصبح دينًا – مع نفع زيادة ناجم عن هذا القرض، الذي مبلغه عشرون دينارًا، فإنه لولا ترتب هذا الدين عن البضاعة التي قيمتها في الأصل مائة دينار لما انتفع البائع بعشرين دينارًا زيادة على أصل المائة كما هو الحال في القرض الذي يجر نفعًا.
وهذا مما يجب على المسلم تجنبه لأن فيه شبهة قوية من الربا، إذ للربا صور متعددة لا ينحصر فيما نص عليه صراحة، إذ يلحق به ما فيه شبهة منه وامتداد إليه بوجه من الوجوه ودلالة عليه.
فقد ورد عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) (١) .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم)) (٢) .
وروي عنه أيضا أنه قال: قال النبي ﷺ : ((الربا سبعون بابًا، والشرك مثل ذلك)) (٣) .
стр. 8123
١١- إن جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يرون عدم جواز تعجيل الدين المؤجل مقابل التنازل عن بعضه (١) وذلك كأن يكون لرجل على غيره دين فيقول المدين له ضع عني بعضه حتى أعجل لك بقيته، وهو ما يعبر عنه بقاعدة (ضع وتعجل) (٢) .
وقد روي أن رجلًا سأل ابن عمر فنهاه عنه، ولما سأله ثانية قال: إن هذا يريد أن أطعمه الربا (٣) ، وروي عن زيد بن ثابت النهي عنه، قال الجصاص وهو قول عامة الفقهاء (٤) .
والجمهور استدلوا على عدم الجواز بشيئين، أولهما أن ابن عمر سماه ربا، ومثل هذا لا يقال بالرأي، إذ لا أنه كان لديه دليل من الشرع على عدم الجواز، وثانيهما أن الزيادة المشروطة في قرض الجاهلية المحرمة كانت بدل الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه (٥) أي يمتنع عن الأجل عوض وهنا عندما يتم الحط عن قسم من الدين مقابل الأجل الذي يتم تعجيله يتحقق معنى الربا المنصوص على تحريمه.
يقول المرغيناني وابن الهمام، التعجيل في مقابلة ما يتم حطه اعتياض عن الأجل وهو حرام (٦) .
هذا ولا خلاف بين الفقهاء في عكس هذه الصورة، وهو عدم جواز الزيادة على الدين الحالّ مقابل تأجيله، وذلك كأن يحل موعد تسديد دين لشخص على آخر فيقول المدين أجلني مدة أربعة أشهر – مثلًا – أزيدك عشرة دنانير على المائة – قاعدة زد وتأجل – لأن العشرة هنا مقابل الأجل.
فإذا كان للأجل هذا الاعتبار، للتحريم فيما عرضناه من الصورتين فلم لا يكون له الاعتبار في المنع عند بيع شخص سلعة قيمتها ثمانون دينارًا نقدًا بثمن مقداره مائة دينار نسيئة لمدة خمسة أشهر – مثلًا – أليس الأجل هو السبب في هذه الزيادة؟ لا شك أن الجواب يكون بالإيجاب بدليل أن البائع يبيع السلعة نفسها إلى من يشتريها منه نقدًا بثمانين دينارًا لخلو بيعه من هذا الأجل.
стр. 8124
١٢- ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى حرمة بيع العينة (١) وذهب الشافعية إلى كراهته (٢) .
وورد بشأن العينة معان أشهرها أن يبيع الرجل سلعة نسيئة بسعر زائد ثم يشتريها من المشتري بسعر أقل (٣) قال ابن عابدين، اختلف المشايخ في تفسير العينة التي ورد النهي عنها، قال بعضهم: هي أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر ويستقرضه عشرة دراهم – مثلًا – ولا يرغب هذا الآخر في الإقراض طمعًا في فضل لا يناله بالقرض، فيقول له أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهمًا، وقيمته في السوق عشرة، فيرضى طالب القرض ويأخذ الثوب ويبيعه بعشرة، فيحصل لرب الثوب درهمان زيادة على قيمة الثوب.
وقال بعضهم هو أن يدخل طالب القرض وصاحبه رجلًا ثالثًا بينهما، فيبيع الرجل الثوب إلى طالب القرض نسيئة باثني عشر درهمًا، وطالب القرض يأخذ الثوب ويبيعه إلى الرجل الثالث بعشرة دراهم، وهذا الأخير – الثالث – يبيعه إلى الأول بالمبلغ الذي اشتراه به، وهو عشرة دراهم، وهنا أيضا يترتب بذمه طالب القرض اثنا عشر درهمًا مقابل قيمة الثوب الذي هو عشرة دراهم، أي درهمان زيادة بسبب الأجل قال محمد بن حسن الشيباني: هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال ذميم اخترعه أكلة الربا (٤) .
وهنا يظهر لنا ممسك آخر للقول بعدم جواز زيادة السعر في البيع بالنسيئة على القيمة الحقيقية للشيء، فالذي حرم المعاملة في الأمثلة السابقة التي هي صور من بيع العينة يرجع في الحقيقة إلى هذه الزيادة، زيادة السعر عن القيمة للشيء بسبب الأجل، بدليل أن البائع إذا باع حاجة بمبلغ إلى شخص ثم اشتراه منه بالمبلغ نفسه دون نقص كان البيع بيعًا طبيعيًّا خاليًا عن شائبة الربا.
فالزيادة في السعر في بيع حاجة بسبب النسيئة تؤول في النهاية إلى قرض قيمة تلك الحاجة بتلك الزيادة بسبب الأجل، وهو يكون في حكم النفع الذي يسببه القرض، والذي هو ممنوع شرعًا كما مر معنا.
стр. 8125
١٣- البيع بالنسيئة له مردود عكسي لما هو المفروض بين المسلمين من المحبة والألفة والتعاون، إذ يؤدي في كثير من الحالات إلى الكراهة والتنافر والتباغض بينهم المحرمة بنصوص كثيرة من الكتاب والسنة.
إننا نجد في بعض الأحيان شخصًا يحتاج إلى مبلغ من المال لايفاء دين حالّ واجب الدفع، أو معالجة نفسه من داء مؤذٍ أو معالجة أحد أفراد أسرته ولا يجد من يستدينه لحين اليسار، فيضطر إلى شراء سلعة بالنسيئة ليبيعها ويستعين بثمنها فيما هو فيه من حاجة، فيعرض أمره على بائع يعرف اضطراره فيبيعه السلعة بسعر مرتفع ارتفاعًا طرديًّا مع مدة الأجل.
فهنا ماذا يكون انطباع المشتري عن البائع؟ وعلى أية نفسية تنطوي عليها جوانحه، ألا يمتد إلى مسالك قلبه دواعي الكره والبغض نحو هذا البائع الذي استغل حاجته فباعه السلعة بأكثر من سعر السوق مقابل الأجل، بدل مساعدته ومد يد العون إليه وإقراضه ما يحتاجه من المال، أو بيعه السلعة بسعر السوق إن لم تطاوعه نفسه في الإقراض؟
إنه قد تدعوه هذه الكراهة إلى إيذائه بالمماطلة في تسديد الدين عند حلول الأجل لما وجد منه من الأنانية والطمع والجشع وتناسي معاني الأخوة التي تفرض التراحم والتواد والتعاون بينه وبين بني دينه.
هذه من ناحية، ومن ناحية أخرى إن هذا البيع يشجع بعض من ليس لديهم من الوازع الديني، ما يمنعهم من الطمع في أموال الناس وأكلها بالباطل فيلتمسون هذه الوسيلة في الشراء فيشترون الحاجيات بالنسيئة وهم يصممون ابتداء على عدم الوفاء بما يترتب في ذمتهم من المبالغ لصحابها، فيؤدي الأمر بالنتيجة إلى المنازعة والخصام والعداوة وعرض الأمر من الخصام على المحاكم، وإلى ما يستتبعه هذا العرض من المتاعب الخاصة بالإجراءات القضائية من إشغال القضاة والترافع الذي قد يحتاج إلى عدة من الجلسات.
وتدعوني المناسبة أن اذكر أنني أعرض شخصًا كان لديه محل لبيع السيارات، ساقه الطمع للبيع بالنسيئة بسعر يطرد ارتفاعه مع طول مدة الأجل في كل بيع، فتوجه إليه أصحاب النفوس المستحلة للحرام، والذين يبطنون غير ما يظهرون فاشتروا منه ما لديه من السيارات التي بلغت قيمتها عشرات الآلاف من الدنانير خلال فترة وجيزة، وكلما حل موعد دفع الأقساط ماطل المشترون وسوفوا وادعوا الخسارة، ولم ينل منهم البائع إلا إعراض الوجه والابتعاد عنه، وأصبح بعد أن كان يملك هذه العشرات من آلاف الدنانير صفر اليدين لا يدري كيف يؤمن عيش عائلته اليومي؟
أعتقد أن ما ذكرته في هذه الفقرة من حصول المتاعب والكراهة والخصام والمنازعة بين المتبايعين يمكن أن يكون ممسكًا آخر للقول بحرمة البيع بالنسيئة بسعر أعلى من سعر البيع بالنقد، إذ أننا كثيرًا ما نجد الفقهاء يقولون بتحريم أمر من الأمور لا لذاته، وإنما لما يترتب عليه من النتائج السيئة من المخاصمة والمنازعة، ويرون عدم جوازه سدًّا للذريعة، لأن فتحها يؤدي إلى الإخلال بنظام المجتمع في جانب من جوانبه، وحياة الأفراد في وجه من وجوهها.
الدكتور نظام الدين عبد الحميد