وأجابوا عن أدلة الفريق الأول أنه يحتمل أن يشهد عند النبي ﷺ غير ابن عمر في الحديث لأنه قال أولا: تراءى الناس الهلال " فلا نستبعد أن أحدا - من الذين رأوا الهلال - ذهب إلى النبي ﷺ قبل ابن عمر.
وما جاز احتماله في حديث ابن عمر جاز في غيره، انتهى.
ومن هذه المقارنة البسيطة نعلم أن الدليل الأقوى والأظهر مع الذين يقولون بقبول شهادة العدل الواحد في هلال رمضان.
ومحل الشاهد للقوم في هذين الحديثين، في الأول: أن النبي ﷺ قبل شهادة أعرابيين عند اختلاف الناس في ثبوت الهلال وفي الثاني: أنه ﷺ قبل شهادة ركب شهدوا برؤية الهلال، وأنت ترى أنه ليس في الحديثين ما يمنع شهادة العدل الواحد، لأننا لا نفهم ما يدل أن النبي ﷺ منع بشهادة رجل واحد ... وهناك حديث آخر استدلوا به لقولهم، وهو أوضح دليلا من السابقين أن صح وهو الذي مر بنا وأشرنا أن فيه حظا لكلا الفريقين وهو هذا
٣- عن طاووس قال: " شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس ﵄ فجاء رجل إلى واليها، وشهد عنده على هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه، وقالا " أن رسول الله ﷺ أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين". رواه الدارقطني والطبراني في الأوسط، وقال الدارقطني: " تفرد به حفص بن عمر الإيلي وهو ضعيف بالاتفاق.
وأنت ترى أن هذا الحديث ضعيف.
стр. 842
وقال الفريق الآخر من الفقهاء: " أنه لا فرق بين هلال رمضان وشوال، فرؤية هلال شوال كرؤية هلال رمضان من حديث ثبوته وهم: الشافعية، ومن وافقهم في هذا القول، ومنهم أبو ثور وأبو بكر بن المنذر وأهل الظاهر كما قاله ابن رشد هم يقولون بقبول شهادة العدل الواحد.
ودليلهم على هذا القول الأحاديث التي مرت بنا في ثبوت رمضان، مثل حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين.
١- فعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته..)) . البخاري ومسلم.
٢- وكحديث ابن عمر ﵁ السابق قال: " سمعت رسول الله - صلى الله عليه سلم - يقول ((إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)) . البخاري.
فإن كلتا الرؤيتين في هذين الحديثين متساويتان، فرؤية الإفطار طبعا هي رؤية هلال شوال ... والرؤية تصدق برؤية عدل واحد من المسلمين / كما لا يخفى، وهو كما قالوا.
وكذلك القياس على أدلة ثبوت رمضان التي تبين قبول شهادة الواحد مثل حديث الأعرابي، لعدم الفرق بين الهلالين.
وأجابوا عن الحديثين اللذين استند إليهما الفريق الأول من الفقهاء أن الحديثين لم يشترطا لثبوت الشهر بشهادة رجلين وغاية ما فيهما أن النبي ﷺ قبل شهادة رجلين وقتا، وقبل شهادة ركب مرة أخرى، ولم نفهم واحدا منهما أنه شرط القبول الاثنين.
وقد احتج أبو بكر بن المنذر بانعقاد الإجماع على وجوب الفطر والإمساك عن الأكل بقول واحد، فوجب أن بكون كذلك في دخول الشهر وخروجه إذ كلاهما علامة نفصل زمان الفطر من زمان الصوم. انتهى. وهو صادق في قوله واحتجاجه.
شهادة الإفطار من الأدلة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه خبر العدل الواحد قياسا على الاكتفاء به في الصوم. وقال أيضا: التعبد بقول خبر الواحد لا بدل على قبوله في كل موضوع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبد فيه بخير واحد كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ما ذهب إليه أبو ثور. انتهى.
стр. 843
٤- حكم اختلاف المطالع والبلدان المتباعدة:
(أ) ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع في مسألة ثبوت الهلال. فقالوا: إذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على جميع البلدان؛ لقوله ﷺ ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) .
لأن الخطاب فيه عام لجميع الأمة، فمن رآه منهم - في أي مكان كان - رؤية مسائية فرؤيته رؤية لهم جميعا.
وقد قال عمر ﵁ قولته السابقة كما في مسند الإمام أحمد: " الله أكبر إنما يكفي المسلمين الرجل الواحد ". وذلك بعدما شهد عنده راكب واحد برؤية هلال رمضان.
(ب) وذهب عكرمة، والقاسم بن محمد، وسالم، وإسحاق، وقول للأحناف، وقول مختار للشافعية: أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم، واستدلوا على ذلك بحديث كريب، ونصه: عن كريب، أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام فقال: " قدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل رمضان وأنا بالشام في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس ﵄ ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ يعني هلال رمضان، فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقال: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه يوم السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . " رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.
وقد استدل بهذا الحديث كل من قال: لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد آخر، ولكنهم اختلفوا في ذلك على مذاهب كما ذكرها صاحب الفتح:
١- قال قوم منهم: يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم ولا تلزمهم رؤية غيرهم، حكاه ابن المنذر عن كل من: عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه. وحكاه المناوي وجها للشافعي، ولعل أن هذا القول حديثا آخر.
стр. 844
عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((لكل قوم هلالهم)) .رواه مسلم نقلناه من (شرح كتاب النيل وشفاء العليل) للشيخ محمد بن يوسف فإن صح هذا الحديث فليس أدل لمرادهم من حديث كريب.
٢- وقال قوم منهم: لا ليلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد لأن حكمه نافذ في الجميع. قاله ابن الماجشون.
٣- وقال فريق منهم: أن تقاربت البلاد كان الحكم واحد وإن تباعدت فوجهان:
الوجه الأول: لا يجب، قاله بعض الشافعية.
الوجه الثاني: يجب عليهم، اختار هذا الوجه أبو طيب، وطائفة، وحكاه البغوي عن الشافعي.
وفي ضبط البعد أوجه:
١- أولها: مسافة القصر، وبه قطع البغوي، صححه الرافعي من الشافعية واستدلوا له القياس؛ حيث قالوا: " أن الشرع علق بمسافة القصر كثيرا من الأحكام".
٢- ثانيها: اختلاف المطالع، وبه قطع العراقيون، والصيدلاني، وصححه النووي في الروضة وشرح المهذب والمنهاج.
وردوا على من استدل لمسافة القصر قولهم: " أن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر".
٣- ثالثها: اختلاف الأقاليم، وبه حكاه الحافظ في الفتح.
٤- رابعها: يلزم أهل كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض كأهل البلدان الغربية عن بلد الرؤية وبه حكى السرخسي.
٥- خامسها: لا يلزم أهل بلد غير بلد الرؤية إلا إذا ثبتت الرؤية عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم وبه قال ابن الماجشون
٦- سادسها: لا يلزم إذا اختلفت الجهات، ارتفاعا وانحدارا، أو كل بلد في إقليم وبه حكاه المهدي في "البحر" عن الإمام يحيى والهادوية.
وحجة أصحاب هذه الأقوال الستة حديث كريب السابق ووجه استدلالهم به كالتالي: " أن ابن عباس ﵁ لم يعلم برؤية أهل الشام، وأنه قال في آخر حديث: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ قالوا: فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله ﷺ أنه لا يلزم أهل بلد برؤية أهل بلد آخر. انتهى.
стр. 845
وأنت ترى كثرة اختلافهم في تحديد المسافة، والأولى أن لا يختلف المسلمون مثل هذا الاختلاف في مثل مسألة كهذه، وأرى أن القول القريب إلى الحق وإلى الوحدة واجتماع كلمة المسلمين عقلا ونقلا هو قول الجمهور المار بنا آنفا.
فلا بد أن نلاحظ ونناقش استدلال الفرق بحديث كريب
ملاحظة بسيطة حول الاستدلال بحديث كريب السابق:
اعلم يا أخي القارئ أن الحجة في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس.
والمشار إليه بقوله " هكذا أمرنا رسول الله " في آخر الحديث هو قوله " فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه".
ففي أي وقت سمع ذلك من رسول الله ﷺ ؟ وفي أي حديث صرح به ابن عباس هذا المرفوع؟ وأين الأمر الكائن من رسول الله ﷺ بما أشار ابن عباس؟ هذه التساؤلات تحتاج إلى أجوبة.
وقد قال الشوكاني: " أن الأمر الكائن من رسول الله ﷺ هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) .
وهذا - كما نرى - لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب عام لكل من يصلح له من المسلمين.
فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم، أهل البلدان الأخرى أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم؛ لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم.
ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر، لكان عدم اللزوم مقيدا بدليل العقل، وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع - وليس بين الشام والحجاز ذلك البعد وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد، وليس بحجة.
стр. 846
ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل فلا يشك عالم أن الأدلة العقلية والنقلية قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها، وسواء كان بين البلدين أو القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أو لا فلا يقبل التخصيص إلا بدليل.
ولو سلمنا صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص - على سبيل الفرض والتقدير- لكان الأولى أن يقتصر على محل النص، أن كان النص معلوما، أو على المفهوم منه أن لم يكن معروفا لوروده على خلاف القياس.
وابن عباس لم يأت بلفظ النبي ﷺ ولا بمعنى لفظه - في هذا الخبر - حتى ننظر في عمومه وخصوصه، وإنما جاء بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة، هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام أن سلمنا أن ذلك هو المراد ولا نفهم منه غير ذلك حتى نجعله مخصصا لذلك المفهوم. انتهى.
أما الاستدلال بالحديث الثاني ((إن لكل قوم هلالهم)) :
فقد عبر ((القوم)) لا البلاد ولا المسافة مما نحن بصدده، وإن سلمناه على ظاهره، فإن كريبا الذي سأله ابن عباس رؤية الهلال هناك وأجابه بقوله: " نعم رأيته" هو من قومه من أهل المدينة فلماذا لم يقبله إن أسند هذا الحديث لعدم قبوله؟
فمن هذا نعلم أن ابن عباس لم يسند هذا الحديث لعلمه، ولا حديث الشيخين، بل اجتهد، والمجتهد يصيب ويخطئ ومن هذا كله يتأكد لنا صدق القول الآتي: " أن بداية الشهر- رمضان - وشعبان - وشوال- وغيرها يثبت برؤية عدل موثوق به في حالة صفاء السماء، وبإكمال عدة الشهر ثلاثين، وأن ثبوت الشهر بهذا في بلد إسلامي يعم جميع البلدان إذا بلغ.
стр. 847
٥- الخاتمة
أخي القارئ، أن قرأت ما في هذه الرسالة من مواضع دراسة الشهور العربية القمرية الإسلامية وفهمت ما فيها من أعمال مرتبطة بها، وما احتوته من أقوال الفقهاء وأدلتهم في ثبوت بداية الشهر، وحكم اختلاف المطالع وأوقفت على مقارنتي المتواضعة بين أقوالهم وأدلتهم، والتمست استخلاص القول المؤيد بالأدلة القوية فلا تنس أن تقرأ هذه الخاتمة لأنها خلاصة ما مر بنا في الأبواب السابقة.
فيها خلاصة القول السديد فيما مر بنا من بداية الشهر وحكم المطالع.
اعلم يا أخي المسلم القارئ أنه قد مر بنا في هذه الرسالة المتواضعة أمور لا بد لنا أن نستخلصها ونكتبها منفردة في هذا المكان.
فقد علمنا أن الشهور العربية الإسلامية في عرف الشريعة هي الشهور القمرية الاثنا عشر المعروفة، وأنها هي التي يقع عليها كل حكم استند إلى زمن وعبر به اسم الشهر ما عدا مواسم الزراعة والحرارة البرودة.
وأن من تلك الشهور ما تعلقت بها أحكام وأعمال إسلامية خاصة كحرمة القتال في أشهر منها، وكأداء الحج في أشهر، وكالصيام المفروض أصالة.
وأنها هي المقصود من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ فهي أشهر قديمة المقدار، وخالدة الحرمة والتوقيت، فمنها أشهر حرم، لا تؤخر لحرمتها إلى غيرها ولا تنسوا لأن الله هو الذي يقول: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
وإن تلك الأشهر هي المقصودة بقوله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ وقوله جل وعلا ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقوله سبحانه ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾
وأنها هي المراد في قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ لأن الأهلة جمع هلال والهلال هو القمر ما لم يكتمل نوره ولكن العرب تعبر الهلال عن الشهر كما تعبر الشهر عن الهلال.
стр. 848
والشهر القمري هو المراد بقوله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
وأن حرمة الأشهر الحرم تتعلق بأشهر قمرية.
وأن أشهر العدة – للمطلقة والمتوفى عنها – إذا أطلق فهي أشهر قمرية، وأن صيام رمضان معروف بتعلقه بالشهر القمري لا غير، وكذلك أداء أعمال الحج لا تنعقد في غير أشهره القمرية؛ فلهذا يجب علينا أن نعتني ببداية الأشهر القمرية.
وإليك القول المختار للأخذ به من بين الأقوال التي مرت بنا في كل من بداية الشهر وحكم اختلاف المطالع: القول القوي من حيث الدليل المختار من المبدأ الموحد، هو أن بداية الشهر تثبت برؤية شاهد عدل واحد، وأنه لا فرق في ذلك بين رمضان وغيره، وأنه إذا لم تكن السماء صافية فإنه يثبت بإكمال الشهر الذي سبق منه، ولا فرق في هذا الحكم بين الشهور.
وأن القول القوي عقلا ونقلا في مسألة اختلاف المطالع أن لا عبرة باختلاف المطالع، ولا بعد المسافة بين بلد الرؤية وغيره من البلدان الإسلامية فاتحاد الشهور العربية القمرية أمر لا مانع له في نظر الشريعة الإسلامية. فإذا رأى رجل عدل واحد رؤية ليلة تكون رؤيته رؤية جميع المسلمين؛ لأن المؤمنين أمة واحدة، فحكم ثبوت الهلال يعم بجميع أفرادها، فلا تفرق بينهم الحدود المصطنعة ولا البحار والصحاري في هذا الحكم.
стр. 849
وتلك الضرورة هي التي تسببت - قديما وحديثا – إلى انقسام العالم الإسلامي في بداية شهر الصوم ونهايته.
وكانت تلك الضرورة – أي عدم سماع خبر الرؤية – محتمة في الزمن القديم بحيث لا تمكن إزالتها ولا معالجتها وذلك لبعد المسافة وانعدام المواصلات اللازمة، أما في هذا العصر فإن إزالة تلك الضرورة ممكنة لتوافر طرق المواصلات السلكية واللاسلكية المرئية وغير المرئية ولكن العالم الإسلامي يحتاج لتوحيد بدايات الشهور القمرية عمليا، إلى اختيار مركز فضائي وإعلامي واستعلامي في أن واحد، بحيث يستقطب ذلك المركز الأخبار - أعني أخبار رؤية الهلال - من أقطار العالم الإسلامي شرقيه وغربيه فيحكم الثبوت بالخبر الذي يرى أنه عدل ثم يبث هذا الحكم إلى جميع الأقطار الإسلامية في أسرع وقت ممكن ... فيا حبذا لو اختير لهذا الأمر " أم القرى " مركزا؛ لأنها قبلة الأمة، مولد الرسالة المحمدية وفيها أول بيت وضع للناس وهي التي أذن الله أن يؤتى إليها كل الثمرات، وأن يأتي الناس رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق.
وإلى هنا أوقفت كلمتي المتواضعة، راجيا من الله القوي العزيز الكريم أن يتقبل مني هذا العمل في البدء والختام وأن يلهم غيري من الأكفاء إلى تكميله وتهذيبه حتى يكون هذا الجهد بداية ما يحمد عقباه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هذا وقد بدأت كتابة تلك الرسالة " توحيد الشهور القمرية " في يوم الخميس ٢٠ من شهر ذي القعدة سنة ١٤٠٥ هـ وفرغت من كتابتها يوم السبت ٨ من شهر ذي الحجة المحرم سنة ١٤٠٥ هـ من الهجرة النبوية العطرة بحمد الله وتوفيقه.
стр. 850
مراجع البحث
١- القرآن الكريم.
٢- مختصر تفسير ابن كثير للصابوني، المجلد الأول، صفحة (١٦٩)
٣- في ظلال القرآن للسيد قطب، الجزء الثالث صفحة (٢٤٥)
٤- صفوة التفاسير للصابوني، المجلد الأول، صفحة (٥٣٤)
٥- تفسير آيات الأحكام للصابوني، الجزء الأول، صفحة (٢١٠ - ٢١١)
٦- مختصر تفسير ابن كثير للصابوني، المجلد الثاني، صفحة (١٤٠ - ١٤٢)
٧- تفسير القرآن العظيم لابن كثير، المجلد الأول، صفحة (٢٢٥)
٨- جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري، اجزء الثاني صفحة (١٠٨) الطبعة الأولى (١٣٢٣ هـ)
٩- فقه السنة للسيد سابق المجلد الأول، صفحة (٤٣٥ - ٤٣٧)
١٠- نيل الأوطار للشوكاني الجزء الرابع صفحة (٢٥٨ - ٢٦٩)
١١- نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية للحافظ الزيلعي، الجزء الثاني صفحة (٤٣٧ - ٤٤٥)
١٢- شرح صحيح مسلم للنووي، الجزء السابع صفحة (١٩٧)
١٣- صحيح ابن خزيمة الجزء الثالث صفحة (٢٠١ - ٢٠٣) و (٢٠٥ - ٢٠٦)
١٤ - سبل السلام للأمير الصنعاني الجزء الثاني صفحة (١٥١ - ١٥٣)
١٥- مغني المحتاج للخطيب الشربيني الجزء الأول صفحة (٤٢٠ - ٤٢٢)
١٦- شرح كتاب النيل وشفاء العليل لمحمد بن يوسف أطفيش، الجزء الثالث صفحة (٣١٧ - ٣١٩)
١٧ - المذاهب الأربعة للجزائري الجزء الأول صفحة (٥٤٨ - ٥٥٤)
١٨ - روح الدين الإسلامي لعفيف الدين الطبارة صفحة (٢٥٧)
١٩ - الموسوعة الفقهية، وزارة العدل الكويت، الجزء الثاني صفحة (٣٤)
٢٠ - مجلة الفيصل عدد (٤٤) صفر ١٤٠١ هـ صفحة ()
٢١ - في صحبة النبي ﷺ لمحمد صالح البنداق صفحة (٢٣٣)
стр. 851
حول اعتماد الحساب الفلكي
لتحديد بداية الشهور القمرية
هل يجوز شرعا أو لا يجوز؟
مصطفى أحمد الزرقاء
لا أجد في اختلاف آراء علماء الشريعة المعاصرين اختلافا يدعو إلى الاستغراب، بل إلى الدهشة أكثر من اختلافهم في جواز الاعتماد شرعا على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية، في عصر ارتاد علماؤه آفاق الفضاء الكوني، وأصبح من أصغر إنجازاتهم النزول على القمر ثم وضع أقمار صناعية في مدارات فلكية محددة حول الأرض لأغراض شتى علمية وعسكرية تجسسية، ثم القيام برحلات فضائية متنوعة الأهداف والخروج من مراكبها للسياحة في الفضاء خارج الغلاف الجوي الذي يغلف الأرض، وخارج نطاق الجاذبية الأرضية، وسحب بعض الأقمار الصناعية الدوارة لإصلاح ما يطرأ عليها من اختلال وهي في الفضاء ولتصحيح مدارها إذا انحرفت عنه.
وإذا كان الرصد الفلكي وحساباته في الزمن الماضي لم يكن له من الدقة والصدق ما يكفي للثقة به والتعويل عليه، فهل يصح أن ينسحب ذلك الحكم عليه إلى يومنا هذا؟ ولعل قائلا يقول: أن عدم قبول الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية ليبنى عليه ما يتعلق بها من عبارات في الإسلام ليس سببه الشك في صحة الحساب الفلكي ودقته، وإنما سببه أن الشريعة الإسلامية، بلسان رسولها ﷺ قد ربطت ميلاد الأهلة وحلول الشهور القمرية بالرؤية البصرية وذلك بقوله ﷺ في حديثه الثابت المشهور عن ابن عمر ﵄ ((صوموا لرؤيته - أي الهلال - وأفطروا لرؤيته، فإذا غم عليكم فاقدروا له))
وفي رواية ثابتة أيضا: ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) .
وقد أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: ((فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين)) ، وهي تفسير معنى التقدير الوارد في الرواية الأولى.
стр. 852
وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة ﵁: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما)) . فجميع الروايات الواردة عن النبي ﷺ في هذا الشأن قد ربط فيها الصوم والإفطار برؤية الهلال الجديد والقدر أو التقدير الوارد عندما تمتنع الرؤية البصرية لعارض يحجبها من غيم أو ضباب أو مانع آخر معناه إكمال الشهر القائم - شعبان أو رمضان - ثلاثين يوما، فلا يحكم بأنه تسع وعشرون إلا بالرؤية وهذا من شئون العبادات التي تبنى فيها الأحكام على النص تعبدا دون نظر إلى العلل، ولا إعمال للأقيسة.
هذه حجة من لا يقبلون الاعتماد على الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور القمرية لأجل العبادات المرتبطة شرعا بها ولو بلغ الحساب الفلكي من الصحة والدقة مبلغ اليقين بتقدم علمه ووسائله.
ونقول نحن بدورنا: أن كل ذلك مسلم به لدينا، وهو معروف في قواعد الشريعة وأصول فقهها بشأن العبادات ولا مجال للجدل فيه، ولكنه مفروض في النصوص التي تلقى إلينا مطلقة غير معللة فأما إذا ورد النص نفسه معللا بعلة جاءت معه من مصدره فإن الأمر حينئذ يختلف، ويكون للعلة تأثيرها في فهم النص وارتباط الحكم بها وجودا وعدما في التطبيق ولو كان الموضوع من صميم العبادات.
إن هذا الحديث النبوي الشريف الآنف الذكر ليس هو النص الوحيد في الموضوع، بل هناك روايات أخرى ثابتة عن الرسول ﷺ توضح علة أمره باعتماد رؤية الهلال البصرية للعلم بانقضاء الشهر القائم، وحلول الشهر الجديد الذي نيطت به التكاليف والأحكام، من صيام وغيره.
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمة ﵂ في كتاب الصيام من صحيحه (باب: الصوم لرؤية الهلال) أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوما)) .
وأخرج أيضا بعده عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا يعني تمام الثلاثين)) اهـ.
ومفاد هذا الحديث أنه ﵊ أشار (أولا) بكلتا يديه وبأصابعه العشر ثلاث مرات، وطوى في الثالثة إبهامه على راحته لتبقى الأصابع فيها تسعا وعشرين وتارة ثلاثين.
стр. 853
هكذا نقل النسائي تفسير هذا الحديث عن شعبة عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر (رواه النسائي بشرح السيوطي وحاشية السندي ج ٤ ص / ١٣٨ و ١٤٠) .
وكذلك ليس هذا هو كل شيء من الروايات الواردة في هذا الموضوع فالرواية التي أكملت الصورة وأوضحت العلة، فارتبطت أجزاء ما ورد عن الرسول ﷺ في هذا الشأن بعضها ببعض هي ما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنسائي (واللفظ للبخاري) أن رسول الله ﷺ قال: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، والشهر هكذا وهكذا)) يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين وكلهم أوردوا ذلك في كتاب الصوم وقد أخرجه أحمد عن ابن عمر فهذا الحديث النبوي هو عماد الخيمة وبيت القصيد في موضوعنا هذا فقد علل رسول الله ﷺ أمره باعتماد رؤية الهلال رؤية بصرية لبدء الصوم والإفطار بأنهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، فما من سبيل لديها لمعرفة حلول الشهر ونهايته إلا رؤية الهلال الجديد ما دام الشهر القمري يكون تارة تسعة وعشرين وتارة ثلاثين وهذا ما فهمه شراح الحديث من هذا النص.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج ٤/١٢٧) : ((لا نكتب ولا نحسب)) (وبالنون فيهما) والمراد أهل الإسلام الذين بحضرته عند تلك المقالة، وهو محمول على أكثرهم..لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضا إلا النزر اليسير فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير..) (١)
والعيني في عمدة القاري قد علل تعليق الشارع الصوم بالرؤية بعلة رفع الحرج في معاناة حساب التسيير كما نقلناه عن ابن حجر ونقل العيني عن ابن بطال في هذا المقام قوله: " لم نكلف في تعريف مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم.
стр. 854
وذكر القسطلاني في إرشاد الساري شرح البخاري (ج ٣ ص ٣٥٩) مثل ما قال ابن بطال.
وقال السندي في حاشيته على سنن النسائي يشرح كلمة (أمية) الواردة في الحديث بقوله: " أمية في عدم معرفة الكتابة والحساب، فلذلك ما كلفنا الله تعالى بحساب أهل النجوم، ولا بالشهور الشمسية الخفية، بل كلفنا بالشهور القمرية الجلية ... ".
(سنن النسائي بشرح السيوطي ج ٤/١٤٠) .
وواضح من هذا أن الأمر باعتماد رؤية الهلال ليس لأن رؤيته هي في ذاتها عبادة، أو أن فيها معنى التعبد، بل لأنها هي الوسيلة الممكنة الميسورة إذ ذاك لمعرفة بدء الشهر القمري ونهايته لمن يكونون كذلك أي أميين لا علم لهم بالكتابة والحساب الفلكي.
ولازم هذا المفاد من مفهوم النص الشرعي نفسه أن الرسول ﷺ وقومه العرب إذ ذاك لو كانوا من أهل العلم بالكتاب والحساب بحيث يستطيعون أن يرصدوا الأجرام الفلكية ويضبطوا بالكتاب والحساب دوراتها المنتظمة التي نظمتها قدرة الله العليم القدير بصورة لا تختل ولا تتخلف ولا تختلف حتى يعرفوا مسبقا بالحساب الفلكي. وكذا لو كل من يصل لديهم هذا العلم من الدقة والانضباط إلى الدرجة التي يوثق بها ويطمأن معها إلى صحته.
وهذا حينئذ - ولا شك - أوثق وأضبط في إثبات رؤية الهلال من الاعتماد على شاهدين ليسا معصومين من الوهم وخداع البصر ولا من الكذب لغرض أو مصلحة شخصية مستورة مهما تحرينا للتحقق من عدالتهما الظاهرة التي توحي بصدقهما، وكذلك هو - أي طريق الحساب الفلكي - هو أوثق وأضبط من الاعتماد على شاهد واحد حينما يكون الجو غير صاح والرؤية عسيرة كما عليه بعض المذاهب في هذه الحال.
стр. 855
وواضح أيضا لكل ذي علم وفهم أن أمر الرسول ﷺ بإتمام عدة الشهر القائم ثلاثين حين يغم علينا الهلال بسبب حاجب ما للرؤية من غيم أو ضباب، ليس معناه أن الشهر القائم يكون في الواقع ثلاثين يوما، بل قد يكون الهلال الجديد متولدا وقابلا للرؤية لو كان الجو صحوا، وبالتالي أن اليوم التالي الذي اعتبرناه يوم الثلاثين الأخير من الشهر هو في الواقع أول يوم من الشهر الجديد الذي علينا أن نصومه أو نفطر فيه ولكن لأننا لا نستطيع معرفة ذلك من طريق الرؤية البصرية التي حجبتها حالة الجو ولا نملك وسيلة سواها، فإننا نكون معذورين شرعا إذا أتممنا شعبان ثلاثين وكان هو في الواقع تسعة وعشرين، فلم نصم أول يوم من رمضان إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها بنص القرآن العظيم.
هذا تحليل الموضوع وفهمه عقلا وفقها، وليس معنى إتمام الثلاثين حين انحجاب الرؤية أننا بهذا الإتمام نصل إلى معرفة الأمر وحقيقته في نهاية الشهر السابق وبداية واللاحق وأن نهاية السابق هي يوم الثلاثين.
وما دام من البديهيات أن رؤية الهلال الجديد ليست في ذاتها عبادة في الإسلام وإنما هي وسيلة لمعرفة الوقت وكانت هي الوسيلة الممكنة في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، وكانت أميتها هي العلة في الأمر بالاعتماد على العين الباصرة وذلك بنص الحديث النبوي مصدر الحكم، فما الذي يمنع شرعا أن نعتمد الحساب الفلكي اليقيني الذي يعرفنا مسبقا بموعد حلول الشهر الجديد فنعلم به، ولا يحجب علمنا غيم ولا ضباب؟
стр. 856
رفض العلماء المتقدمين لاعتماد الحساب وسببه
إن الفقهاء الأقدمين وشراح الحديث يرفضون التعويل على الحساب دون الرؤية لمعرفة بدايات الشهور القمرية ونهاياتها للصيام والإفطار ويقررون أن الشرع لم يكلفنا في مواقيت الصوم والعبادة بمعرفة حساب ولا كتابة، وإنما ربط التكليف في كل ذلك بعلامات واضحة يستوي في معرفتها الكاتبون والحاسبون وغيرهم كما نقلناه سابقا عن العيني والقسطلاني وابن بطال والسندي وسواهم.
ولكن يحسن أن ننقل تعليلاتهم لهذا الرفض ليتبين سببه ومبناه مما يظهر ارتباطه بما كانت عليه الحال في الماضي ولا ينطبق على ما أصبح عليه أمر علم الفلك وحسابه في عصرنا هذا.
وصرح العلامة ابن حجر في فتح الباري بأن تعليق حكم الصوم وغيره بالرؤية دون الحساب يستمر ولو حدث فيما بعد من يعرف بالحساب، وقال: " أن الحكمة في ذلك أن يستوي الناس فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم " (الفتح ج ٤ ص ١٢٧) .
ثم نقل ابن حجر أيضا عن ابن بزيزة أن اعتبار الحساب هو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم، لأنه حدس وتخمين، وليس فيه قطع ولا ظن غالب ".
ويظهر من كلام ابن حجر وابن بزيزة أن العلة في عدم اعتماد الحساب هي أن هذا العلم في ذاك الزمن مجرد حدس وتخمين لا قطع فيه وأن نتائجه مختلفة، ولذلك بين أهله فيؤدي ذلك إلى الاختلاف والنزاع بين المكلفين.
стр. 857
ونقل الزرقاني في شرحه على الموطأ (ج ٢ ص/ ١٥٤) عن النووي قوله: " أن عدم البناء على حساب المنجمين لأنه حدس وتخمين، وإنما يعتبر منه ما يعرف به القبلة والوقت".
وذكر ابن بطال ما يؤيد ذلك، فقال: " وهذا الحديث - أي حديث - ((لا نكتب ولا نحسب)) - ناسخ لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول على رؤية الأهلة، وإنما لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون عيانا أو كالعيان، وأما ما غمض حتى لا يدرك إلا بالظنون، وبكشف الهيئات الغائبة عن الأبصار فقد نهينا عنه وعن تكلفه " (ر: العيني ج ١٠ / ٢٨٧) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض احتجاجه لعدم جواز اعتماد الحساب: " أن الله سبحانه لم يجعل لمطلع الهلال حسابا مستقيما ... ولم يضبطوا سيره إلا بالتعديل الذي يتفق الحساب على أنه غير مطرد وإنما هو تقريب " (الفتاوى ج ٢٥/ ١٨٣)
وقال في مكان آخر: " وهذا من الأسباب الموجبة لئلا يعمل بالكتاب والحساب في الأهلة " (المرجع نفسه ص / ١٨١)
وقد أكد هذا المعنى في مواطن عديدة من الفصل الطويل الذي عقده في هذا الموضوع.
هذا ويبدو من كلام شيخ الإسلام ﵀ أنه يعتبر اعتماد الحساب لمعرفة أوئل الشهور القمرية من قبيل عمل العرافين وعمل المنجمين الذين يربطون الحوادث في الأرض وطوالع الحظوظ بحركات النجوم واقترانها فقد قال في أواخر الفصل الطويل الذي عقده في هذا الموضوع: " فالقول بالأحكام النجوبية باطل عقلا ومحرم شرعا، وذلك أن حركة الفلك وإن كان لها أثر ليست مستقلة بل تأثير الأرواح وغيرها من الملائكة أشد من تأثيره وكذلك تأثير الأجسام الطبيعية التي في الأرض.."
ثم قال: " والعراف يعم المنجم وغيره إما لفظا وإما معنى وقال ﷺ : ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر)) . رواه أبو داود وابن ماجه فقد تبين تحريم الأخذ بأحكام النجوم، وقد بينا من جهة العقل أن ذلك أيضا متعذر في الغالب ... وحذاق المنجمين يوافقون على ذلك، فنبين لهم أن قولهم في رؤية الهلال وفي الأحكام (١) من باب واحد يعلم بأدلة العقول امتناع ضبط ذلك ويعلم بأدلة الشريعة تحريم ذلك ... " (الفتاوى ج ٢٥/ ١٩٨ - ٢٠١) .
стр. 858
وقد اشتد شيخ الإسلام ﵀ على من يقول باعتماد الحساب في الأهلة، وشنع عليه، وقال: " فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم، بل يكون اتبع غير سبيل المؤمنين (الفتاوى ٢٥ / ١٦٥- ١٧٤) .
الرأي الذي أراه هذا الموضوع:
يتضح من مجموع ما تقدم بيانه ما يلي:
١- أن النظر إلى جميع الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في هذا الموضوع وربط بعضها ببعض وكلها واردة في الصوم والإفطار يبرز العلة السببية في أمر الرسول ﷺ بأن يعتمد المسلمون في بداية الشهر ونهايته رؤية الهلال بالبصر لبداية شهر الصوم ونهايته ويبين أن العلة هي كونهم أمة أمية لا تكتب ولا تحسب أي ليس لديهم علم وحساب يعرفون متى يبدأ الشهر ومتى ينتهي، ما دام الشهر القمري يكون تارة تسعة وعشرين يوما وتارة ثلاثين.
وهذا يدل بمفهومه أنه لو توافر العلم بالنظام الفلكي المحكم الذي أقامه الله تعالى بصورة لا تختلف ولا تتخلف، وأصبح هذا العلم يوصلنا إلى معرفة يقينية.
بمواعيد ميلاد الهلال في كل شهر وفي أي وقت تمكن رؤيته بالعين الباصرة السليمة إذا انتفت العوارض الجوية التي قد تحجب الرؤية، فحينئذ لا يوجد مانع شرعي من اعتماد هذا الحساب والخروج بالمسلمين من مشكلة إثبات الهلال، ومن الفوضى التي أصبحت مخجلة بل مذهلة، حيث يبلغ فرق الإثبات للصوم والإفطار بين مختلف الأقطار الإسلامية ثلاثة أيام، كما حصل في هذا العام، وفي معظم الأعوام الماضية.
стр. 859
٢- أن الفقهاء الأوائل الذين نصوا على عدم جواز اعتماد الحساب في تحديد بداية الشهر القمري للصوم والإفطار بديلا من الرؤية البصرية، وسموه حساب التسيير قالوا إنه قائم على قانون التعديل وهو ظني مبني على الحدس والتخمين (كما نقلناه عن العلامة ابن حجر وابن بطال وابن بزيزة والنووي والسندي والعيني والقسطلاني) قد بنوا على حالة هذا الحساب الذي كان في زمنهم، حيث لم يكن في وقتهم علم الفلك (الذي كان يسمى علم الهيئة وعلم النجوم أو علم التسيير أو التنجيم) قائما على رصد دقيق بوسائل محكمة، إذ لم يكن آنذاك المراصد المجهزة بالمكبرات من العدسات الزجاجية التي تقرب الأبعاد الشاسعة التي يصعب على العقل تصورها والتي تتبع حركات الكواكب والنجوم وتسجلها بأجزاء من الثانية الواحدة وتقارن بين دورتها بهذه الدقة ولذا سموه بالتسيير الذي يقوم على قانون التعديل حيث يأخذ المنجم الذي يحسب سير الكواكب عددا من المواقيت السابقة ويقوم بتعديلها بأخذ الوسطى منها ويبني عليه حسابه (وهذا معنى قانون التعديل كما يشعر به كلامهم نفسه) من هنا كان حسابهم حدسيا وتخمينيا كما وصفه أولئك الفقهاء الذين نفوا جواز الاعتماد عليه. وإن كان بعضهم كالإمام النووي صرح بجواز اعتماد حسابهم لتحديد جهة القبلة ومواقيت الصلاة دون الصوم (مع أن الصلاة في حكم الإسلام أعظم خطورة من الصوم بإجماع الفقهاء وأشد وجوبا وتأكيدا) كما نقلنا آنفا كلام ابن بطال بأن " لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون عيانا أو كالعيان ... ".
٣- أن الفقهاء الأوائل واجهوا أيضا مشكلة خطيرة في عصرهم وهي الارتباط الوثيق حينئذ بين العرافة والتنجيم والكهانة والسحر من جهة وبين حساب النجوم. (بمعنى علم الفلك) من جهة أخرى.
стр. 860
فيبدو أن كثيرا من حساب النجوم كانوا أيضا يشتغلون بتلك الأمور الباطلة التي نهت عنها الشريعة أشد النهى، فكان للقول باعتماد الحساب في الأهلة مفسدتان:
(الأولى) أنه ظني من باب الحدس والتخمين لا يعقل أن تترك به الرؤية بالعين الباصرة - رغم ما قد يعتريها من عوارض واشتباهات.
(والثانية) وهي الأشد خطورة والأدهى هي انسياق الناس إلى التعويل على أولئك المنجمين والعرافين الذين يحترفون الضحك على عقول الناس بأكاذيبهم وترهاتهم وشعوذتهم.
وهذه المفسدة الثانية هي التفسير لهذا النكير الشديد الذي أطلقه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على من يلجئون إلى الحساب حساب النجوم في أهلال الأهلة بدلا من الرؤية واعتبارهم من قبيل العرافين والذين يربطون أحداث الأرض وطوالع الناس وحظوظهم بحركات النجوم وسموا من أجل ذلك بالمنجمين وأتى بشاهد على ذلك الحديث النبوي الآنف الذكر وهو قوله ﵊: ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر)) .
فلا يعقل أن ينهى الرسول ﷺ عن علم يبين نظام الكون وقدرة الله تعالى وحكمته وعلمه المحيط في إقامة الكون على نظام دقيق لا يختل ويدخل في قوله تعالى في قرآنه العظيم ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فليس لهذا الحديث النبوي محمل إلا على تلك الشعوذات والأمور الباطلة التي خلط أولئك المنجمون بينها وبين الحساب الفلكي رغم أنه لم يكن قد نضج وبلغ في ذلك والوقت مرتبة العلم والثقة
٤- أما اليوم في عصرنا هذا الذي انفصل فيه منذ زمن طويل علم الفلك بمعناه الصحيح، عن التنجيم بمعناه العرفي من الشعوذة والكهانة واستطلاع الحظوظ من زعم حركات النجوم وأصبح علم الفلك قائما على أسس من الرصد بالمراصد الحديثة والحسابات الدقيقة المتيقنة التي تحدد حركات الكواكب بأجزاء من الثانية وأقيمت بناء عيه في الفضاء حول الأرض محطات ثابتة تستقبل مركبات تدور حول الأرض إلخ فهل يمكن أن يشك بعد ذلك بصحته ويقين حساباته، وأن يقاس على ما كان عليه من البساطة والظنية؟
стр. 861
ملاحظة مهمة:
نقلنا سابقا أن العلامة ابن حجر ﵀ في فتح الباري عندما بين أن حساب التسيير أي علم النجوم وسيرها لا يعول عليه في الحكم ببدايات الشهور القمرية لأنه ظني قائم على الحدس والتخمين قال بعد ذلك:علق الشارع الحكم بالصوم وغيره بالرؤية" لرفع الحرج عنهم واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك ... بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا" اهـ.
فنقول: أن رأينا اليوم بجواز اعتماد الحساب الفلكي ليس معناه (تعليق الحكم في الصيام وغيره بهذا الحساب أصلا) بل إننا نقول بأن حكم الشريعة باعتماد الرؤية البصرية باق إلى يوم الدين على أنه هو الأصل ذلك لأن الشرع الإسلامي الأخير الخالد لا يمكن أن يربط حكما شرعيا بأمور تتوقف على علم قد يوجد وقد لا يوجد وقد تفقد قواعده وعلماؤه بعد الوجود فمن يتصور هذا التصور يكون من أجهل الجاهلين بخطة الإسلام ونهجه في بناء الأحكام.
وإنما مرادنا بإمكان اعتماد الحساب الفلكي اليوم هو أنه جائز لا مانع منه شرعا - بعد أن وصل علم الفلك إلى ما وصل إليه من الدقة المدهشة واليقينية - طريقا مقبولا لا يحقق ما تحققه الرؤية، بصورة أيسر وأبعد عن الخطأ مع بقاء الرؤية هي الأصل بمعنى أنه إذا فقد هذا العلم بسبب عام أو في بعض البلاد بقيت الرؤية مستندا في الحكم. فكثيرا ما يمكن في الشرع اللجوء إلى بديل عن أصل مع بقاء ذلك الأصل ومن أمثلة ذلك أن الأصل أن يكون الإنسان ملتزما بنتائج ما بصدر عنه من تصرفات باشرها بنفسه فيما يتعلق بحقوقه والتزماته ولكن تقبل الوكالة بديلا من تصرفه بنفسه للحاجة مع بقاء الأصل وهكذا في كثير من الأحكام الشرعية.
فتصور أن قبول الحساب الفلكي في موضوعنا يستلزم أن يكون ذلك هو الأصل في حكم الصوم والإفطار دون الرؤية خلافا للحديث النبوي هو تصور غير وارد.
стр. 862
وثائق مقدمة المجمع
اجتماع أهل الإسلام على عيد واحد كل عام
وبيان أمر الهلال وما يترتب عليه من الأحكام
فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود
الحمد لله رب العالمين وبه نستعين، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن همزات الشياطين.
أما بعد: فإن الله سبحانه بعث نبيه محمدا ﷺ إلى كافة الناس عربهم وعجمهم بدين كامل وشرع شامل صالح لكل زمان ومكان قد نظم أمور الناس أحسن نظام في عباداتهم وأعيادهم ومعاملاتهم وسائر أمور الحلال والحرام، وساوى في التكليف بهذا الدين بين سائر الناس الخاص منهم والعام، فلم يجعل عبادة أحد منهم مقيدة ولا مرتبطة بأمر الآخر ولا إرادته.
ومن حكمته وشمول رحمته، أن جعل العبادات في الإسلام متعلقة بالظهور والمشاهدة والأمر الجلي الواضح الذي لا خفاء فيه، فوقت صلاة الفجر يعرف بطلوع الفجر وانتشاره، ووقت الظهر يعرف بزوال الشمس، ووقت العصر حين يصير ظل كل شيء مثه بعد فيء الزوال، ووقت المغرب بغروب الشمس، ووقت العشاء بذهاب الشفق الأحمر.
ويعرف وقت صيام رمضان برؤية الهلال باديا للناظرين، فإن لم ير مع الغيم فبإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما وكذلك شهر الحج.
يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ، وسبب هذا السؤال على ما رواه أبو نعيم، أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم، قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقا كالخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حالة واحدة فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ، فنقلهم سبحانه عن السؤال عن الذات إلى الإخبار بالصفات، كأن الله قال: إنه لا فائدة ولا مصلحة لكم في البحث عن جرم الهلال، وإنما عليكم أن تنظروا إلى الحكم والمصالح المترتبة على الهلال، حيث جعله الله ميقاتا لصيام الناس وحجهم وعدة نسائهم وإيلائهم وحلول ديونهم وبه تعرف أشهر (١) الحج والأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها، سواء كان التحريم باقيا أو منسوخا.
стр. 863
فالتوقيت بالأهلة هي المواقيت المشهورة لجميع الناس منذ خلق الله الدنيا يقول الله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ .
لأن التوقيت بالأهلة يسهل على جميع الناس معرفتها، العالم بالحساب والجاهل به والبدوي والحضري والكاتب والأمي، لكون الهلال أمرا مشهورا مشهودا به مرئيا بالأبصار وأجلى الحقائق ما شوهد بالعيان، إذ ليس المخبر كالمعاين، ولهذا سمي "هلالا" لاستهلال الأصوات برؤيته، كما سمي شهرا لشهرته إذ الرؤية للهلال، واشتهاره بمثابة الفجر وانتشاره، وقصد الشارع الحكيم من هذا كله هو شهرة العلم بدخوله وخروجه، إذ هو بمثابة الصوى والمنارالذي يعرف به، حيث قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) . وقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه)) لقصد التعبد بالوظائف الواجبة فيه حتى لا يزاد فيها ولا ينقص منها، بخلاف الشهور الشمسية، فإنه لا يعرفها إلا الحاسب أو الكاتب ويجهلها أكثر الأميين من الحضر وكل البوادي ولا يترتب عليها شيء من التعبدات أبدا.
لهذا لا يجوز الاعتماد في الصوم والفطر على الحساب، كحساب الجداول وغيرها، لكون الحساب مبينا على الظن والتخمين لا على العلم واليقين، فهم في إجراء عملية الحساب يجعلون شهرا كاملا وشهرا ناقصا إلى نهاية السنة، ومن المعلوم أن تمام الشهر ثلاثين قد يتوالى في شهرين وثلاثة والنقص في الشهر وكونه تسعا وعشرين قد يتوالى في شهرين وثلاثة فينتقض بذلك نظام حسابهم، كما نرى وقوع الخطأ في التقاويم، حيث يقول بعضهم: أن اول الشهر يوم كذا، وبعضهم يقول يوم كذا (١) .
стр. 864
إن أعظم مقاصد القرآن الكريم والشرع الحكيم في التوقيت بالأهلة هو اتفاق الأمة في عباداتهم من صيامهم وحجهم وأعيادهم ما أمكن الاتفاق، إذ هذا من السهل الميسر، متى سلكوا مسالكه وأخذوا بعزائمه.
فلو جرى المسلمون على نصوص الكتاب والسنة في إثبات الأهلة بطريق اليقين من الرؤية بأن يراه عدد من العدول المعروفين بالأمانة والصدق فيصومون برؤيتم ويفطرون برؤيتهم على يقين من امر دينهم لكان أفضل في حقهم من هذا الاختلاف الواقع بينهم في صومهم وأعيادهم لأنهم في هذا الزمان اخذوا يتساهلون في تصحيح الشهادة وتمحيص العدالة على خاصة الأهلة، وصار كل شاهد بالهلال فمقبول الشهادة بدون أن يعرفوا ثقته وعدالته ونجم عن هذا التساهل أن صاروا يشهدون به في وقت مستحلية رؤيته فيه ويشهدون به الليلة ثم لا يراه الناس الليلة الثانية من كل ما يحقق بطلان شهادتهم، فدخل على الناس بسبب هذا التساهل شيء من الخطأ في هذه العبادة فصاروا يصومون شيئا من شعبان ويفطرون شيئا من رمضان.
وبسببه وقع الاختلاف بين أهل الإسلام في صومهم وعيدهم، لأنه متى كان بعض أهل الإسلام يعتمدون في صومهم وعيدهم على الرؤية المحققة التي يشهد بها عدد من العدول الذين لا يمكن تواطؤهم على الكذب فيصومون برؤيتهم ويفطرون برؤيتهم، وهؤلاء هم أسعد الناس بالصواب في هذه القضية.
стр. 865
وبعضهم يعتمدون في صومهم وفطرهم على أي خبر يأتيهم من أي بلد عن طريق الإذاعة فيقبلونه على علاته ويعملون به في صومهم وفطرهم، فإن هذا بلا شك من لوازمه الافتراق وعدم الاتفاق، كما يشهد به الواقع المحسوس.
فلو عملوا عملهم في التوثيق في الشهادة فلم يدخلوا في صوم رمضان ولم يخرجوا منه إلا باليقين الثابت من الرؤية الصادقة التي يشهد بها عدد من الثقات العدول، كما نص على ذلك جمهور فقهاء المسلمين، لحصل حينئذ الاتفاق، وزال عن الناس هذا الافتراق، إذ الرؤية المحققة الصحيحة تجمع أهل الإسلام من شتي البلدان فيراه أهل الشام ومصر والعراق والمغرب كما يراه أهل نجد والحجاز واليمن وكما يراه أهل فارس وباكستان والهند.
وما ذكره الفقهاء من اختلاف المطالع بين هذه البلدان، فإنما قالوه بمحض الاجتهاد يؤجرون عليه، لكنه بمقتضى المشاهدة والتجربة يترجح عدم صحته وأن التفاوت في مطلعه بين هذه البلدان منتف، فيراه أهل الشام والعراق ومصر كما يراه أهل نجد والحجاز واليمن، لا يتغير عن مطلعه ولا يختلف عن حالته لان الله نصب الهلال ميقاتا لجميع الناس عربهم وعجمهم، يعرفون به، وقت صومهم وحجهم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ، وما كان كذلك، فإنه لا يتغير بحال ولو جربوا لعرفوا صحة ذلك.
والحكمة في ذلك ظاهرة، وهى أن تكون طريقة إثبات العبادة واحدة وما ثبت من الأحكام على رؤية الهلال، فإنه لا يتغير بحال ولا يختلف في محل دون محل، وإنما يقع الاختلاف بين الناس لاختلاف الرائي، وعدم توثقه في رؤيته لا المرئي فقول النبي ﷺ : ((صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون)) هو خطاب لجميع الناس في كل بلد، لكون الهلال إذا ظهر في بلد ورأوه رؤية صحيحة، فإنه غالبا يظهر كذلك في كل بلد، إذا لم يحل دون منظره غميم أو قتر.
وإذا لم يظهر الهلال وإنما قيل بانه رؤي في بلد كذا فإن هذا خبر يصدقه اليقين أو يكذبه، وما آفة الأخبار إلا رواتها، والله اعلم.
стр. 866
الحكم في إثبات رمضان دخولا وخروجا
من الفقهاء من قال: يجب صوم رمضان برؤية عدل ثقة وثبات الفطر بشهادة عدلين، كما هو الظاهر من مذهب الحنابلة، وعندهم انه متى ثبت الهلال في بلد لزم جميع الناس الصوم وهي من مفردات المذهب.
ومنهم من قال يجب الصوم بشهادة عدلين والفطر بشهادة عدلين ايضا، كما هو الظاهر من مذهب مالك والشافعي، واستدلوا لذلك بحديث ابن عمر، قال: ((تراءى الناس الهلال على عهد رسول الله، فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه)) . رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن حبان.
وعن ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال، فقال: ((أتشهد أن لا اله إلا الله)) قال: نعم، قال: ((أتشهد أن محمدا رسول الله؟)) قال: نعم، قال: ((فاذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا)) رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي وقفه.
أما الإمام أبو حنيفة، فإنه يشترط في حالة الصحو الاستفاضة بأن يراه عدد من العدول لا يمكن تواطؤهم على الكذب، ويقول: إنه لا يمكن أن ينظر جميع الناس إلى مطلع الهلال وابصارهم متساوية والموانع منتفية، ثم يراه واحد واثنان دون الباقين. أما في حالة الغيم فيقبل عنده شاهد واحد ... انتهى. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – وإنما فرق من فرق من الفقهاء بين هلال الصوم والفطر لقصد سد الذريعة بأن لا يدعي الفساق انهم رأو الهلال لتعجلوا بذلك الفطر وهم بعد لم يروه.
والكلام هنا يرجع إلى حقيقة الإثبات وعدمه، إذ ما كل ما قيل إنه رؤي في بلد كذا أن يكون صحيحا ثابتا ولا كون مدعى الرؤية عدلا صادقا.
فقد ذكر الفقهاء لصحة الشهادة على الهلال كونه يشهد به عدلان ثقتان، ثم هم يفسرون العلة المطلوبة لصحة الشهادة بأنها التزام فرائض الصلوات الخمس بسننها الراتبة واجتناب المحارم، بأن لا يأتي كبيرة ولا يدمن على صغيرة، والثانية استعمال المروءة وهي فعل ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه، فهذه الشروط أن لم تدرك كلها فلن تترك كلها..
стр. 867
وقد ثبت بالتجربة والاختبار كثرة كذب المدعين لرؤية الهلال في هذا الزمان، وكون الناس يرون الشهر قويا مضيئا صباحا من جهة الشرق، ثم يشهد به احدهم مساء من جهة الغرب وهو مستحيل قطعا، ويشهدون برؤيته الليلة ثم لا يراه الناس الليلة الثانية من كل ما يؤكد بطلان شهادتهم، فالاستمرار على هذا الخطأ المتكرر الناشئ عن الشهادة المزيفة لا يجيزه النص ولا القياس، ومتى رؤي الهلال رؤية صحيحة في بلد، فإنه يرى غالبا في اكثر البلدان، فتقارب بذلك الاتفاق بين جميع المسلمين في الصوم والعيد.
فلو أن فقهاءنا المتقدمين القائلين بثبات دخول الشهر بشهادة الواحد وخروجه باثتين، وكونه إذا ثبت في بلد لزم جميع الناس الصوم، فلو أنهم عاشوا إلى عصرنا اليوم وشاهدوا ما وقع الناس فيه من الأخطاء التي تنشأ عن شهادة الواحد والاثنين، لتبدل رأيهم في فنون التوثق والإثبات والاحتراس من الناس، لأن حالة الناس اليوم غير حالتهم في السنين السابقة، فيما يتعلق بشأن الأهلة وطريق إثباتها والشهادة فيها تعميم العمل بها.
стр. 868
فقد كانت البلدان المتجاورة في قديم الزمان بمثابة المتباعدة، بحيث تكون القرية عن القرية الأخرى قدر مائة كيلو أو أقل أو اكثر، فثبت رؤية الهلال في إحدى القريتين ولا تعلم الثانية بثباته فيها لصعوبة الاتصالات بينهما إلا عن طريق البعير والحمار، فيحكم قاضى تلك البلدة بصحة رؤية الهلال بشاهدين عدلين، ويأمر بالعمل بذلك من الصوم أو الفطر، فتصوم هذه القرية والبلدة الأخرى المجاورة لها مفطرون، حيث لم يروا الهلال ولم يبلغهم خبر رؤيته.
وكلا القريتين على حق لا الصائمون ولا المفطرون، لأن هذا هو غاية جهدهم واجتهادهم، سواء أصابوا أو أخطأوا، لأن كل مجتهد في مثل هذا هو غاية جهدهم واجتهادهم، سواء أصابوا أو أخطأوا، لأن كل مجتهد في مثل هذا يعتبر مصيبا في حصول الأجر وحط الوزر، إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
ما عدا قضاء ذلك اليوم الذي سبقت به إحدى القريتين، فإنه من اللازم بالاتفاق وفي الغالب انه متى ثبتت رؤيته في مثل هذه البلاد رؤية صحيحة، فإنه يرى غالبا في أكثر البلدان فينتشر أمره ويشتهر خبره، وهذا هو حقيقة الحكمة في خلقه، حيث جعله الله ميقاتا للناس والحج.
ولو قدر خطأ هذه الرؤية، فإنه هذا الخطأ لا يتعدى مكان البلد المشهود فيها وما حولها فلا يتعدى إلى البلدان الأخرى.
أما الآن وفي هذا الزمان، فإنه بمقتضى اختراع الآلات الناقلة للذوات والمقربة للأصوات من برقيات وإذاعات وتليفونات وتلفزيونات، فقد صارت الدنيا كلها كمدينة واحدة وكأن عواصمها على بعدها غرف متجاورة يتخاطبون بينهم شفاهيا من بعيد كتخاطبهم من قريب فيسرى خبر الرؤية في مشارق الأرض ومغاربها في ساعة واحدة، سواء كان الخبر صحيحا أو غير صحيح، فيعم الناس الخطأ كما يعمهم الصواب.
стр. 869
فمتي كان الأمر بهذه الصفة، فإن من الحزم وفعل أولى العزم أن يحسب لهذا الأمر الحساب ويستخدم له سائر الوسائل والأسباب من كل ما يقتضي التوثق والثبات بشهادة المعروفين بالعدالة والثقة والرؤية الثابتة المحققة في دخول الشهر وخروجه حتى يكون الناس آمنين على إكمال صومهم فرحين بعيد فطرهم فلأن نخطئ في التوثق والاستحياط أولى من أن نخطئ في التساهل والاستعجال، وهذا هو حقيقة ما ندعو إليه وننصح به، والله عند لسان كل قائل وقلبه.
وأما حديث ابن عمر في شهادته على الهلال، وكذا حديث الأعرابي الصحابي، فقد وقعت الشهادتان على دخول رمضان ولعلها في قضية واحدة في سنة واحدة أو في سنين متفرقة.
وعلى كلا الأمرين فليس في الحديثين ما يدل على انه لم ير الهلال أحد غيرهما، لا من أهل المدينة ولا من حولها من الأعراب، إذ عدم العلم بالشيء ليس علما بالعدم، ومن المحتمل أن يكون شاركهما غيرهما في رؤيته، وإن لم يذكر في الحديث اكتفاء بصدور الأمر من رسول الله في ثباته.
ثم إنه لا تقاس شهادة ابن عمر وهذا الاعرابي الصحابي على شهادة غيرهما من أهل هذا الزمان، ممن لا تعرف عدالتهم ولا تفثهم، إذ من المعلوم أن رسول الله ﷺ قد عرف تقوى هذين الشاهدين وثقتهما، فأمضى شهادتهما، إذ القصد الخبر اليقين بالرؤية، وقد وقف رسول الله على حقيقة ذلك (١) .
стр. 870
ثم أن ابن عباس راوى حديث الأعرابي لم يقبل قول كريب وحده في رؤية دخول رمضان وقد أخبره أن معاوية صام وصام الناس معه حتى قال: أما نحن فنصوم حتى نراه أو نكمل العدة ثلاثين يوما، كما أمر رسول الله بذلك.
ثم أن الإثبات يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، فقد جعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين عدلين لما يعلمه من صدقه وثقته وأمانته، ومن ذلك انه يشهد الرجل الثقة العدل على الشيء ويشهد بضده عشرة رجال ممن لا تعلم عدالتهم ولا ثقتهم فيمضى القاضى شهادة الواحد العدل ويرد شهادة العشرة لكون الكمية لا تغني عن الكيفية شيئا فإن قيل: فقد ثبت عن النبي ﷺ وجوب العمل في الصوم والفطر بشهادة الشاهدين، كما روى أبو داود في سننه عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، انه خطب الناس في اليوم الذي شك فيه، فقال: إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم كلهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)) ، فهذا حديث ثابت، يحمل على المراد منه والمقصود به، وأن النبي ﷺ أمرهم إذا شهد شاهدان أن يصوموا ويفطروا، لأنه لن يشهد شاهدان عدلان برؤيته الثابتة في بلد كالمدينة إلا وقد رآه الكثير من الناس في سائر الآفاق، لاعتبار أن كل بلد تراه كذلك أو أكثر البلدان، إذ القصد من الشهود على الرؤية هو إثبات اليقين والحقيقة وهي تحصل بشهادة العدلين، وقد أمضى النبي ﷺ شهادة ابن عمر وشهادة الأعرابي الصحابي، لما وقف على حقيقة صدقهما، غير انه لم يكن مراد النبي ﷺ انه متى شهد شاهدان مجهولان على رؤية الهلال وجميع الناس لم يروه انه يجب إمضاؤه وتكليف الناس بالعمل بشهادتهما على قرب الديار وبعدها، فهذا لم يكن مرادا منه أبدا، والشهادة أمانة.
стр. 871
وأول ما يفقد الناس من دينهم الأمانة وآخر ما يفقدون من دينهم الصلاة ومعلوم فقدان أكثر الناس في هذا الزمان لعمود دينهم وأمانة ربهم، فضلا عن فقدان أماناتهم واستخفافهم بشهاداتهم، وقد أخبر النبي ﷺ بهذا الأمر قبل وقوعه، كما في الصحيحين عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، لا أدري أذكر مرتين أو ثلاثا، ثم يجئ قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن)) .
ففي هذا الحديث الإشارة إلى استخفاف الناس في آخر الزمان بالشهادة، وأنهم يشهدون بما لم يشاهدون وبما لم يحيطوا بعمله.
وقد روي من حديث ابن عباس، أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ ليشهد عنده، فقال له: ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: مثلها فاشهد أو دع (١) .
فالعدالة التي يشترطها الفقهاء لصحة الشهادة على الهلال وغيره قد صارت مفقودة في هؤلاء الأفراد، الذين يشذ أحدهم بشهادته على الهلال من بين مجموع سائر الناس، بحيث يدعي أحدهم رؤيته الليلة ثم لا يراه جميع الناس الليلة الثانية، ويدعي رؤيته في وقت هي مستحيلة فيه بمتقضى الدليل العقلي على عدم إمكانها، كأن يراه الناس نيرا مضيئا صباحا فيما بين الفجر وطلوع الشمس ثم يدعي أحدهم رؤيته مساء من ذلك اليوم، وهذا لا يتفق ابدا والدعوى برؤية الهلال معه تعتبر كاذبة كما سيأتي بيانه.
стр. 872
ومما يؤكد هذه الغرابة وبطلان هذه الشهادة، كون البوادي الذين يسكنون في الصحراء البعيدة عن غبار المدن ودخانها وارتفاع بنيانها وقد منحوا من قوة الإبصار نتيجة صحة الأجسام، فكان أحدهم يرى ويعرف سمة الإبل قبل أن يرى اكثر الحضر أجسامها ويحرصون أشد الحرص على التطلع إلى الهلال وقت التحري له ولا يرونه، بينما يدعي أحد هؤلاء رؤيته وهي غير صحيحة في ظاهر الأمر.
فلا عبرة بمثل شهادة هؤلاء، مع قيام الدليل العقلي على بطلانها، لأن من شرط صحة الشهادة كونها تنفك عما يكذبها.
ثم أن رؤية الهلال يقع فيها الوهم والاشتباه دائما حتى من بعض العدول الثقات، بحيث يخيل للشخص انه رأى الهلال ولم يكن هلالا ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ .
من ذلك أن جماعة كانوا يتراءون هلال رمضان وفيهم أنس بن مالك، خادم رسول الله – ﵁ – وكان قد قارب مائة سنة، وفيهم إياس بن معاوية، المعروف بالفراسة، فبينما هم ينظرون إليه إذ قال انس بن مالك: أنا رأيت الهلال هو ذاك، وأخذ يشير بإصبعه إليه ولا يراه الناس، فقام إياس بن معاوية فمسح شعر عيني أنس، ثم قال: أنظر يا أبا حمزة، هل ترى شيئا؟ فنظر ثم قال: الآن لا أرى شيئا، فعرفوا انها شعرة اعترضت لعينه فحسبها هلالا (١) .
اجتمع عدد من الرؤساء العقلاء في مكان عال من الصحراء يتراءون الهلال قالوا: فنظرنا إلى قطعة سحاب من شكل الهلال وفي مطلع الهلال فجعلنا نكبر ويريه بعضنا بعضا، لا نشك إلا انه الهلال، فينما نحن كذلك نحقق فيه النظر، إذ رأيناه يتمزق وبعد قليل اضمحل وزال فعرفنا أنها قطعة سحاب، والله أن العجول من الناس ليشهدوا أنه رأى الهلال، ومثل هذا يقع كثيرا بين الناس، ولهذا امر الله بالتثبت في خبر الفاسق.
стр. 873
ثم أن الخبر برؤية الهلال هو بمثابة الخبر عن رسول الله، انه فعل وقال: إذ لكل خبر ديني مما يتعلق بالأحكام والحج والصيام وأمور الحلال والحرام.
ولما رأى العلماء كثرة الكذب على رسول الله، انه فعل وقال، اخترعوا فن الجرح والتعديل ليميزوا به بين الصادق الأمين والكاذب المهين، فكانوا يقولون: فلان كذاب وفلان مدلس وفلان كثير الوهم وفلان غير ثبت وفلان ينفرد بالمناكير وفلان يشذ بحديثه عن الثقات، ونحو ذلك من المميزات التي تقتضى التحذير عن الاغترار بخبرهم أو تصديقهم في شهادتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة لله ولدينه وعباده المؤمنين.
وكان أول من اعتني بالتحفظ على الشهادة والعقاب على ما دخل فيها من النقص والزيادة، هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – ﵁ – في قصة مشهورة حاصلها ما رواه البخاري في صحيحه، أن ابا موسى الأشعري استأذن على عمر بن الخطاب – ﵁ – ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع وكان عمر مشغولا، فلما أفاق من شغله قال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ يعني ابا موسى الأشعري، قالوا: بلى، قال: ائذنوا له، فطلبوه فلم يجدوه فأرسل في اثره من يرده إليه، ثم قال له: ما حملك على أن ترجع، قال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا استأذن أحدكم على أخيه ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع)) ، فقال عمر: إني لم أسمع ذلك أبدا، والله لتأتين بشاهد يشهد يشهد لك بذلك، أو لأوجعن ظهرك.فانطلق أبو موسى مذعورا حتى وقف على ملأ من الأنصار فقال: أنشدكم بالله، هل أحد منكم سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إذا استأذن أحدكم على أخيه ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع)) ، قالوا: اللهم نعم، فقال: ليشهد معي أحدكم عند عمر، فقالوا: يشهد معك أصغرنا، قم يا أبا سعيد الخدري فاشهد معه، فجاء أبو سعيد فشهد عند عمر فقال: صدقت، أشغلني عنها الصفق بالأسواق.
فهذا من فنون سياسته في رعيته وتثبته في الشهادة بما لا يثق بصحته حتى لا يدخل الخلل على الدين بالنقص والزيادة من طريق الشهادة المزورة، وإنما سميت الشهادة الكاذبة بشهادة الزور لازورارها عن طريق الحق والعدل.
وخطب النبي ﷺ فقال: ((عدلت شهادة الزور الإشراك بالله، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ )) رواه الإمام احمد من حديث خريم بن فاتك الأسدى.
стр. 874
من شرط صحة الشهادة كونها تنفك عما يكذبها
إن الله سبحانه، يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ ، كما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فأمر بإقامة الشهادة لله كما أمر بإقامة الصلاة لله، وإقامة الشهادة هي أن تأتي بها مقومة معدلة غير مائلة ولا مزيفة، بل تشهد على حقيقة ما رأيت وسمعت بثبت وإتقان من غير زيادة ولا نقصان، كما في الحديث على مثل الشمس فاشهد أو دع) .
والشهادة على الهلال هو مما يكثر الاشتباه فيها دائما، بحيث يخيل للشخص انه رأى شيئا ولم يكن شيئا، كما علم بالقطع كثرة وقوع ذلك.
فإذا انحصرت الشهادة على رؤية الهلال في واحد أو اثنين من بين مجموع الناس، فإنها شهادة ظنية ليست يقينية، تشبه الخبر الذي يحتمل الصدق والكذب فهي لا تفيد اليقين قطعا، سيما إذا كان هذا الشاهد أو الشاهدان ممن لا تعرف ثقتهما ولا عدالتهما إذ ليس الخبر كاليقين، ولم يقل احد من أئمة المذاهب الأربعة ولا فقهائهم إنه يجب تصديق خبر مدعي الرؤية وإن لم تعلم عدالته، سيما في هذا الزمان، الذي ضعفت فيه الأمانة وفاض فيه الغدر والخيانة وحاول الكثير من المنافقين بأن يتلاعبوا بالدين ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ والمناقون في هذا الزمان هم شر من المنافقين الذين نزل فيها القرآن ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ فكان أحدهم يشهد برؤية الهلال في وقت مستحيلة رؤيته فيه، وهذا مما يؤكد بطلان شهادتهم ووقع التساهل في الحكم بها، كما شهدوا في زمان فات برؤية هلال شوال وأمر الناس بالفطر فأفطروا، وعند خروجهم إلى مصلى العيد لصلاة العيد انخسفت الشمس والناس في مصلى العيد، ومن المعلوم أن الشمس لا يخسف بها في سنة الله إلا في اليوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين، أي ليالي الإسرار، كما أن القمر لا ينكسف إلا في ليالي الأبدار، أي ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، كما حقق ذلك أهل المعرفة بالحساب وعلماء الفك وحققه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة وأبطل ما يعارضه.
стр. 875
فالاستمرار على هذا الخطأ الناشئ عن الشهادات المزورة لا يجيزه النص ولا القياس، ولن نعذرعند الله وعند خلقه بالسكوت عنه.
ثم أن الناس في هذا الزمان أخذوا يتساهلون في تصحيح الشهادة وتمحيص العدالة، وصار كل واحد مقبول الشهادة على خاصة الهلال، وبناء على هذا التسامح أخذ بعض الناس يتسابقون إلى ادعاء رؤية الهلال بدون تثبثت ولا يقين فدخل الخطأ على الناس في هذه العبادة فصاروا يصومون شيئا من شعبان ويفطرون شيئا من رمضان، بناء على شهادة من لا يعرفون عدالته ولا ثقته.
من ذلك، أنه جاء الخبر من إحدى البلدان برؤية هلال شوال من هذه السنة ليلة الجمعة، وأن يوم الجمعة هو العيد فضجت الأصوات من الإذاعات يأمرون الناس بالفطر يوم الجمعة، لاعتبار انه العيد، فأفطر الناس وفي الليلة الثانية التي هي ليلة السبت، اجتهد الناس لرؤيته فلم يروه قطعا، وفي الليلة الثالثة التي هي ليلة الأحد رآه أفراد من الناس الحادة أبصارهم رأوه ضعيفا، وقد سبره عدد من العقلاء الرؤساء حتى غاب في خمس وعشرين دقيقة، وبعضهم قال: في ثلاثين دقيقة، وهي الليلة الثالثة على حسب هذه الشهادة، وكان الصحابة يصلون مع رسول الله ﷺ صلاة العشاء غيبوبة القمر ليلة الثالثة، كما في سنن أبي داود عن النعمان بن بشير، انه قال: "أنا أعلم الناس بوقت صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله ﷺ يصليها سقوط القمر لثالثه.
لهذا اضطرب الناس من هذه الشهادة، وعرفوا تمام المعرفة أن يوم الجمعة من رمضان وكذا يوم السبت على الراجح، وأخذوا يسألون عن قضاء هذا اليوم أو اليومين، هل يجب أو يستحب أو لا يجب ولا يستحب.
стр. 876
وهذه المسألة ترجع إلى قضية من أفطر في نهار رمضان، يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب، وقد وقعت هذه القضية على الصحابة – ﵃ – كما روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنى عبد الله بن شيبة، حدثنا أبو اسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة عن اسماء بنت أبي بكر قالت: "أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غميم ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: أفأمروا بالقضاء، قال: بد من قضاء، وقال معمر: سمعت هشاما قال: لا أدرى أقضوا أم لا". قال في فتح الباري: (اختلف عن عمر في ذلك فروى عنه ترك القضاء قائلا: لم نقض إنما لم نتجانف الإثم) وروى مالك عنه انه قال: الخطب يسير وقد اجتهدنا.
وروى عبد الرزاق، عنه انه قال: نقض يوما، وروى سعيد بن منصور عنه: وفيه من أفطر منكم فليصم يوما مكانه، قال: وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إسحاق وأحمد في رواية واختاره ابن خزيمة، انتهى.
وظاهر المذهب وجوب القضاء لكون الأصل بقاء النهار. وحكي في الافصاح اتفاق الأئمة على وجوب القضاء.
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – عدم القضاء لدخوله في عموم قوله: عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وكما لو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع فتبين انه طالع فلا قضاء عليه في ظاهر المذهب.
وقد نص الفقهاء على انه لو وقف الناس بعرفة اليوم الثامن خطأ، فإن حجهم صحيح لقول النبي ﷺ : ((الحج يوم يحج الناس وهذا يوم حج الناس)) ، على حسب اجتهادهم، كما لو اجتهد إنسان فصلى ثم تبين انه صلى إلى غير جهة القبلة، فإن صلاته صحيحة ولا يعيدها، لكون المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر الذي يسعهم العلم به، فإذا اجتهدوا فأخطأوا فلا حرج عليهم، أشبه بالقاضى إذا اجتهد وأخطأ فله أجر.
стр. 877
موانع الرؤية للهلال بمقتضى سنة الله الجارية في خلقه
إن الهلال من آيات الله في استهلاله وفي إبداره وفي استسراره، وقد جعل الله له علامات يعرف بها إمكان رؤيته وعلامات يعرف بها تعذر رؤيته، كما جعله تارة ثلاثين وتارة تسعا وعشرين، وقد قال بعض الصحابة: لما صمنا مع النبي ﷺ تسعا وعشرين أكثر ما صمنا ثلاثين، والرؤية الصادقة الصحيحة تصدق ذلك أو تكذبه، فهي أصح العلامات للعمل به، لحديث: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) ، وقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) .
ومتى رؤي الهلال ابتدأ حكم به لأول ليلة، سواء كان صغيرا أو كبيرا وسواء كانت منزلته مرتفعة أو منخفضة، لأن الجلي الحقائق ما شوهد بالعيان.
أما العلامات التي يعرف بها امتناع رؤيته وعدم صحة الشهادة به، فمن أهمها كونه يرى صباحا فيما بين الفجر وطلوع الشمس من جهة الشرق، ثم يدعي بعضهم رؤيته مساء من ذلك اليوم من جهة الغرب، فإن هذا من الممتنع المستحيل قطعا، بمقتضى الحس والتجربة، والعادة الجارية في سنة الله حتى ولو كان أقوى نظرا من زرقاء اليمامة، فلا تتفق رؤيته صباحا ثم رؤيته مساء من ذلك اليوم، فمن ادعاه فإنما خيل له ولم يره، فالشهادة بذلك تعتبر كاذبة، لأن من شرط صحة الشهادة كونها تنفك عما يكذبها.
стр. 878
وقد أجرى الله العادة في خلق القمر أنه يظهر لأبصار الناس في ثمانية وعشرين يوما من الشهر لحلوله في ثمانية وعشرين منزلا، ثم يختفي عن أبصار الناس يومين أن كان تاما ثلاثين أو يوما واحدا أن كان ناقصا، أي تسعة وعشرين.
فهذا الاختفاء والاستسرار في اليومين أو اليوم لا بد منه كما هو متفق عليه عند أهل العلم وأهل الحساب والجداول والمفسرين وعلماء اللغة وبعضهم قال بجواز اختفائه ثلاثة أيام.
ويمسى هذا الاختفاء للهلال: السرار والاستسرار واجتماع النيرين والمحاق وغير ذلك من التسمية الجارية على ألسنة العرب، فمتى رأوه صباحا طالعا نيرا، عرفوا تمام المعرفة انه لن يهل مساء من ذلك اليوم أبدا، بمقتضى العادة التي أجراها الله فيه.
وما يدعيه بعض أهل العلم من إخواننا في زماننا من القول بجوازه وعدم امتناعه كما سمعنا من بعضهم ويجادلون في إثباته فهو قول لم يستند إلى إثبات لا بطريقة المشاهدة ولا التجربة، ويترجح أن هذا القول إنما خرج منهم مخرج الظن والتخمين بدون علم ولا يقين وبدون مشاهدة ولا تجربة، وذلك لا يغني عن الحق شيئا.
وكأنهم في نظرهم ومناظرتهم بنوا أمرهم على الشهادة المزيفة برؤية الهلال حيث يراه الناس صباحا، ثم يشهد بعضهم برؤيته مسا، فبنوا أمرهم ورأيهم على هذه الشهادة الكاذبة وجعلوها لهم بمثابة القاعدة وهي بلا شك من باب قياس الفاسد على الفاسد، وسنورد من الأدلة ما يوضح امتناع ذلك وعدم إمكانه بمقتضى سنة الله في خلقه.
стр. 879
قال البغوي في تفسيره على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ من سورة يونس.
قال: أن منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا وأسماءها: السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرفة والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك الأعزل والغفر والزبانا والإكليل والقلب والشولة والنعايم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم والفرغ المؤخر والرشاء.
قال: فينزل القمر كل ليلة منزلا منها ويستتر ليلتين أن كان الشهر ثلاثين أو ليلة واحدة أن كان تسعا وعشرين.
وقال القرطبي في تفسيره على الآية وعلى قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ .
قال: أن الله سبحانه قدر للقمر منازل وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر منها كل ليلة بمنزلة ويومان للنقصان والمحاق، ثم ساق عدد النجوم الثمانية والعشرين ينزل في كل ليلة منها ثم يستتر.
وقال ابن كثير في سورة نوح:
قدر الله للقمر منازل وبروجا وفات نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستتر ليدل على مضى الشهر.
стр. 880
وقال الخطيب الشربيني، في تفسيره: أنوار التنزيل، قال: أن منازل القمر ثمانية وعشرون وأسماءها: السرطان والبطين.. الخ.
قال: وهذه المنازل مقسومة على البروج هي اثنا عشر برجا لكل برج منزلان وثلث، فينزل القمر منها كل ليلة منزلا ثم يستتر ليلتين أن كان ثلاثين أو ليلة واحدة إن كان تسعا وعشرين.
وقال في تفسير المنار على الآية المذكورة:
قال: أن الله قدر للقمر في سيره في فلكه منازل ينزل كل ليلة في منزل منها لا يخطئه ولا يتخطاه وهي ثمانية وعشرون معروفة تسميها العرب بأسماء النجوم المحاذية لها وهي ثمانية وعشرون: السرطان والبطين وذكر بقية النجوم، ثم قال: فهذه المنازل الثمانية والعشرون هي التي يرى فيها القمر بالأبصار، ثم يبقى ليلتان أن كان الشهر ثلاثين أو ليلة واحدة أن كان تسعا وعشرين يحتجب فيها عن الأبصار فلا يرى أبدا.
وقال شيخ الإسلام – ابن تيمية – ﵀:
قال: أن القمر يجرى في منازله الثمانية والعشرين كما قدره الله منازل، ثم يقرب من الشمس فيستتر ليلة أو ليلتين لمحاذاته لها، فإذا خرج من تحتها جعل الله فيه النور، ثم يزداد نوره كلما بعد عنها إلى أن يقابلها ليلة الإبدار، ثم ينقص كلما قرب منها إلى أن يجامعها، ولهذا يقولون الاجتماع، وأهل الحساب يسمونه اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار، كما يعرف بذلك وقت الكسوف والخسوف، فإن الشمس لا تكسف في سنة الله إلا عند الاستسرار إذا وقع القمر بينها وبين ابصار الناس على محاذاة مضبوطة، كما أن القمر لا يخسف إلا في ليالي الإبدار لتحول الأرض بينه وبين الشمس، فمعرفة الكسوف والخسوف تدرك بالحساب الصحيح.
قال: وأهل الحساب يرون بأنهم يعرفون طلوع الهلال بأنه عند غروب الشمس يكون قد فارقها بعشر درجات أو أقل أو اكثر أما كونه يرى أو لا يرى فهو امر حسي طبيعي يحققه وجوده ليس حسابيا، والأمر الشرعي في الصوم والفطر إنما يترتب على الرؤية المحققة لا على الحساب، انتهى (١) .
وقال الراغب الأصبهاني في غريب القرآن، قال: والسرار هو اليوم الذي يستسر فيه القمر آخر الشهر وقال في نهاية ابن الاثير، قال الأزهري: يقال سرار الشهر وسرره وهو آخر ليلة استسر فيها الهلال بنور الشمس، وقال في مختار الصحاح: استسر القمر أي خفي ليلة السرار وربما كان ليلة وربما كان ليلتين.
وقال في لسان العرب: استسر القمر إذا خفى ليلة السرار، وربما كان ليلة وربما كان ليلتين، قال الشاعر:
نحن صبحنا عامرا في دارها عشية الهلال أو سرارها
قال: وحكى عن الكسائي وغيره، انه قال: السرار آخر الشهر ليلة يستسر الهلال.
وقال أبو عبيدة: ربما استسر ليلة وربما استسر ليلتين.. انتهى. وبهذا يتبين أن استسرار القمر آخر الشهر ليلة أو ليلتين انه من الأمر الثابت شبه المجمع عليه عند المحققين من سائر العلماء، وقد أجرى الله العادة به واستقر في نفوس الناس معرفته فمتى رآه الناس صباحا عرفوا تمام المعرفة انه لن يهل مساء أبدا ولا تنخرم هذه العادة التي هي بمثابة القاعدة، بدعوى الرؤية الكاذبة، وما كل ما يقال انه رؤي في بلد كذا أن يكون صحيحا واقعا لوقوع الفرق شرعا وعرفا بين الخبر واليقين، والله أعلم.