← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

* النقطة الثالثة: البحث عن خيار المجلس في هذه الحالة: هناك خلاف بين العلماء في هذا الخيار الذي يعطي كل بائع الحق في فسخ العقد ولو بعد إبرامه ما دام المجلس مستمرًا، فإذا افترقنا لزم البيع إذ أثبته الكثير من علماء السلف والشافعية والحنابلة وأنكره المالكية والحنفية. أما الإمامية فهم يجمعون على وجود هذا الخيار والنصوص المنقولة عن أئمة أهل البيت مستفيضة أو متواترة، كما قال المحقق النجفي (١) . ومنها رواية الصادق (ع) في صحيح ابن مسلم وصحيح زرارة (٢) عن رسول الله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار حتى يفترقا، وقوله ﵇ في صحيح الفضيل (٣) لما قال له ما الشرط في غير الحيوان:البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما. وفي صحيح الحلبي (٤) : ((أيما رجل اشترى بيعًا فهما بالخيار حتى يفترقا فإذا افترقا وجب البيع)) . وقد اتفق علماء السنة على الحديث التالي: روى ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا وكانا جميعًا أو يخيِّر أحدهما الآخر، فإن خيّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع)) (٥) . والظاهر أنه صريح في خيار المجلس ولا معنى لحمله على خيار القبول كما حمله الحنفية والمالكية على ذلك، فهو خلاف ظهور الحديث خصوصًا في عبارة (ما لم يتفرقا) الآتية بعد تبايع الرجلان أي بعد أن تم العقد وما زالا في المجلس فهما بالخيار.

стр. 8472

إلا أنه يجب الإذعان بأنه لم يثبت نص وفتوى في ما عدا البيع. ولكن ما المراد بمجلس الخيار؟ لا سبيل لنا لمعرفة المفهوم هنا إلا سبيل العرف بل لم يرد لفظ المجلس إلا بشكل عارض في بعض الروايات (١) . والظاهر منه جو اللقاء بين المتبايعين، وحينئذ فيمكن أن يدعي أحد أن بقاء الاتصال التلفوني على بعد يعني بقاء مجلس التعاقد والخيار، وانقطاعه حتى – ولو كان صدفة لا عن اختيار – يعني انفضاض مجلس العقد وذهاب الخيار إذ إن العرف لا يفترق لديه أن يتم اتصال تلفوني مباشر أو بدني في مجلس واحد، وعنوان (افترقا) لا يصدق على الاتصال التلفوني حتى ولو كانا في طائرة أو سيارة متحركة. وهل يمكننا تصور خيار المجلس في ما عدا الاتصال التلفوني؟ ذلك أمر مشكل حقًا ومن هنا فلا نستطيع تصور الخيار في غير ذلك أو شبهة كالاتصال من خلال المقابلة التلفزيونية المبثوثة عبر الأقمار الصناعية فهو كالتلفون بل أشد اتصالًا. أما الرسالة والفاكسميلي وأمثالها فيبعد تصور مجلس فيهما حتى يتصور فيهما الخيار. ومن هنا يعلم حكم النقطة الرابعة في مجال إمكان الرجوع بعد صدور الكتابة من قبل أي من الطرفين فإن الموجب بإيجابه أوجد العقد، إلا أنه لم يثبت إلا بعد صدور القبول، وحينئذ فله الرجوع قبل وصول الرسالة، أما إذا وصلت وصدر القبول فلا مجال لرجوع أي منهما عن العقد لعدم إمكان تصور خيار المجلس في هذه الحالة (حالة الكتابة) . هذا في البيع، أما في العقود الأخرى فإن الأمر يتبع كونها من العقود اللازمة أو الجائزة، ووجود خيارات أخرى غير خيار المجلس فإنه يختص بالبيع والله أعلم. الشيخ محمد علي التسخيري

стр. 8473

بحث سعادة الدّكتور عبْد الله محمّد عبْد الله مستشار محكمة الاستئناف العليا بالكويت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد خاتم النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الفقهاء العاملين والأئمة المجتهدين، وبعد: فيحسن قبل الخوض في موضوع البحث أن نخصه بمقدمة ومدخل للدراسة نوجز فيها بعض المبادئ: * أولًا: تحدث الفقهاء عن مجلس العقد، وخلاصته أن بعض العقود يشترط لوجوده شرعًا اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، بمعنى أن يكون المتعاقدان في مكان واحد كعقود المعاوضات بالإجماع، وكذا سائر التمليكات على اختلاف في بعضها بين الأئمة كالهبة، غير أن الوصية بالإجماع لا يشترط فيها اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، إذ الإيجاب فيها يكون حال حياة الموصي وأما القبول فلا يصح إلا بعد وفاته. * وبعض العقود لا يشترط فيها اتحاد المجس كالوكالة ونحوها. ومن ذلك كل العقود التي يكون فيها أحد الركنين يمينًا والثاني معاوضة كالخلع. فإن كان الإيجاب من الزوج صح قبول الزوجة في مجلس آخر، وذلك لأن الإيجاب هنا بمعنى اليمين أما إذا كان من الزوجة فلا بد أن يكون جواب الزوج في المجلس لأنه في هذه الحالة بمعنى المعاوضة. * ثانيًا: المجلس قد يكون مكانا مستقرًّا وقد يكون متحركًا كالدابة والسفينة. فلو تعاقدا البيع مثلًا وهما في بيت أو سفينة وهي تجري صحَّ العقد ولا ينقطع المجلس بجريان السفينة. ولو عقداه وهما يمشيان أو يسيران على دابتين أو دابة واحدة في محل واحد، فإن خرج الإيجاب والقبول منهما متصلين انعقد البيع ولو كان بينهما فصل وسكوت، وإن قلَّ، لا ينعقد لأن المجلس تبدل بالمشي والسير وإن قلّ. يجوز في الماشين أيضًا ما لم يتفرقا بذاتيهما.

стр. 8474

* ثالثًا: وإنما اشترط اتحاد المجلس في البيع ونحوه، لأن الإيجاب يحتاج إلى جواب يلاقيه فوجب أن يكون القبول عقب الإيجاب مباشرة حتى يتصور الانعقاد بينهما، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وقال الحنفية والمالكية: يجوز أن يتراخى القبول إلى آخر المجلس ولو طال الزمن بينهما ما دام المجلس على حاله لم يتخلل فيه القبول والإيجاب ما يدل على الإعراض من كل واحد من المتعاقدين. * رابعًا: وكما يكون كل من الإيجاب والقبول بالقول أو بالتعاطي على خلاف فيه بين الفقهاء كذلك يكونان أو أحدهما بالرسالة أو الكتابة وكل واحد من المتعاقدين في مكان غير المكان الذي فيه الآخر. وجدير بالذكر أن الرسالة في لسان الفقهاء يعبر بها عن الرسول بأن يرسل شخص إلى آخر رسولًا ويقول للرسول: إني بعت داري هذه من فلان الغائب بكذا فاذهب إليه وقل له: إن فلانًا أرسلني إليك وقال لي: قل له: إني بعت داري الفلانية من فلان بكذا، فذهب الرسول وبلَّغ الرسالة فقال المشتري في مجلسه ذلك: قبلت، انعقد البيع، لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل، ناقل كلامه إلى المرسل إليه، فكأنه حضر بنفسه وأوجب البيع وقبل الآخر في المجلس. وفي هذا قلت المادة (١٤٥٠) من مجلة الأحكام العدلية: (الرسالة هي تبليغ أحد كلام الآخر إلى غيره من دون أن يكون له دخل في التصرف، ويقال للمبلِّغ رسول، ولصاحب الكلام مرسل، وللآخر مرسل إليه (١) . * خامسًا: أما التعاقد عن طريق الكتابة وما في معناها مما استجد من أمور كالتلكس والبرق وكذلك عن طريق الهاتف أو اللاسلكي وما في معناهما مما ينقل الكلام بين غائبين ولكن مباشرة بحيث يسمع كل منهما الآخر وقت صدوره فهو محور الكلام وسنتكلم عليه من جوانبه المختلفة في بحثين: الأول: ونبحث فيه التعاقد عن طريق الكتابة وما في حكمها كالتلغراف أو التلكس وما يشبههما من وسائل الاتصال الأخرى، ونذكر مذاهب العلماء في التعاقد عن طريق الكتابة ثم نستظهر حكمه في القوانين الوضعية. والثاني: ونخصصه للتعاقد عن طريق الهاتف واللاسلكي متلمسين ما يقارب ذلك مما ورد التمثيل به في المؤلفات ثم منزع القوانين الوضعية فيه.

стр. 8475

المبحث الأول في التعاقد عن طريق الكتابة وما في حكمها كالتلغراف والتلكس وما أشبه ذلك من وسائل الاتصال الأخرى وفيه مطلبان: * الأول: في مذاهب العلماء في التعاقد عن طريق الكتابة ونحوها ثم حكم رجوع الموجب. * الثاني: في منزع القوانين الوضعية. المطلب الأول في مذاهب العلماء في التعاقد عن طريق الكتابة التعاقد عن طريق الكتابة والمراسلة تزداد شيوعًا يومًا بعد يوم، خاصة في المسائل التجارية. وقد تطورت طرق المراسلة تطور العلوم و (الثقافة والتكنولوجيا) ، وأخذت القوانين الوضعية تفسح لها مجالًا رحبًا بين نصوصه وتخصص لبحثه أبوابًا لأهميته، سواء لتحديد وقت نشوء العقد وترتب آثاره بارتباط الإيجاب والقبول أو تحديد مكان انعقاد العقد لمعرفة القانون الواجب التطبيق على التصرفات ذات العنصر الأجنبي هل هو قانون بلد الإيجاب أم قانون بلد القبول. أما بالنسبة للجانب الفقهي فإن المصادر الفقهية المختلفة تكاد تلتقي في الجملة على جواز التعاقد كتابة، وسأجمل الاتجاهات الفقهية فيه كما يلي: أولًا- مذهب الأحناف مثَّل الأحناف للتعاقد عن طريق الكتابة بأن يكتب الرجل إلى الرجل: أما بعد فقد بعت كذا منك بكذا، فبلغه الكتاب فقال في مجلسه اشتريت، انعقد البيع بينهما ويكون كأن الموجب حضر بنفسه وخاطب الآخر بإلايجاب وقبل منه الآخر في المجلس (١) . وقال ابن عابدين: قلت: ويكون بالكتابة من الجانبين فإذا كتب اشتريت كذا بكذا فكتب إليه البائع قد بعت فهذا بيع كما في التتار خانية. قوله: فيعتبر مجلس بلوغها أي بلوغ الرسالة أو الكتابة. قال في الهداية: الكتابة كالخطاب وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتابة وأداء الرسالة. ثم قال: وقال شمس الأئمة السرخسي في كتاب النكاح من مبسوطه: كما ينعقد النكاح بالكتابة ينعقد البيع وسائر التصرفات بالكتابة أيضًا.

стр. 8476

وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في مبسوطه الكتاب والخطاب سواء، إلا في فصل واحد وهو أنه لو كان حاضرًا فخاطبها بالنكاح فلم تجب في مجلس الخطاب ثم أجابت في مجلس آخر، فإن النكاح لا يصح، وفي الكتاب إذا بلغها وقرأت الكتاب ولم تزوج نفسها منه في المجلس الذي قرأت الكتاب فيه، ثم زوجت نفسها في مجلس آخر بين يدي الشهود وقد سمعوا كلامها وما في الكتاب يصح النكاح لأن الغائب إنما صار خاطبًا لها بالكتاب، والكتاب باقٍ في المجلس الثاني فصار بقاء الكتاب في مجلسه، وقد سمع الشهود ما فيه في المجلس الثاني بمنزلة ما لو تكرر الخطاب من الحاضر في مجلس آخر، فأما إذا كان حاضرًا فإنما صار خاطبًا لها بالكلام، وما وجد من الكلام لا يبقى إلى المجلس الثاني، وإنما سمع الشهود في المجلس الثاني أحد شطري العقد. ثم علَّق على هذا حاكيًا خلاف أئمة المذهب في البيع هل حكمه حكم النكاح في انعقاده في مجلس آخر، قال: وظاهره أن البيع كذلك وهو خلاف ظاهر الهداية، فتأمَّل (١) . حكم رجوع الموجب: قالوا: لو كتب شطر العقد ثم رجع صح رجوعه، لأن الكتاب لا يكون فوق الخطاب؛ ولو خاطب ثم رجع صح رجوعه فهاهنا أولى. وكذا لو أرسل رسولًا ثم رجع، لأن الخطاب بالرسالة لا يكون فوق المشافهة وذا محتمل للرجوع فهاهنا أولى. ولكن الرجوع مشروط بأن لا يصل كتابه إلى المكتوب إليه. ولا يشترط لصحة الرجوع علم الآخر مطلقًا. ولا يصح الرجوع بعد قبول المكتوب إليه لأن العقد قد تم وخرج الأمر من يد الكاتب وكذلك الحكم في الرسول. ومن هنا يعلم أن العقد يتم بقبول المكتوب إليه أو المرسل إليه (٢) . قال في البدائع: وكذا هذا في الإجازة والكتابة إن اتحاد المجلس شرط للانعقاد ولا يتوقف أحد الشطرين من أحد العاقدين على وجود الشطر الآخر إذا كان غائبًا، لأن كل واحد منهما عقد معاوضة إلا إذا كان عن الغائب قابل أو بالرسالة أو بالكتابة كما في البيع.

стр. 8477

وأما في النكاح فهل يتوقف بأن يقول رجل للشهود: اشهدوا أني قد تزوَّجتُ فلانة بكذا وبلغها فأجازت أو قالت امرأة: اشهدوا أني زوَّجت نفسي من فلان بكذا فبلغه، فأجاز عند أبي حنيفة ومحمد لا يتوقف أيضًا، إلا إذا كان عن الغائب قابل. وعند أبي يوسف يتوقف، وإن لم يقبل عنه أحد. وكذا الفضولي من الجانبين بأن قال: زوجت فلانة من فلان وهما غائبان، فبلغهما فأجازا، لم يجز عندهما. وعند أبي يوسف يجوز. والفضولي من الجانبين في باب البيع إذا بلغهما فأجازا لم يجز بالإجماع. وأما الشطر في باب الخلع فمن جانب الزوج يتوقف بالإجماع حتى لو قال: خالعت امرأتي الغائبة على كذا فبلغها الخبر فقبلت جاز. وأما من جانب المرأة فلا يتوقف بالإجماع حتى لو قالت: اختلعت من زوجي فلان الغائب على كذا فبلغه الخبر فأجاز لم يجز (١) . وكذلك لا يضر عدم علم الرسول رجوع المرسل بخلاف ما إذا وكل إنسانًا ثم عزله بغير علمه لا يصح عزله لأن الرسول يحكي كلام المرسل إليه فكان سفيرًا ومعبرًا محضًا فلم يشترط علم الرسول بذلك فأما الوكيل فإنما يتصرف عن تفويض الموكل إليه فشرط علمه بالعزل (٢) . ويوضح الشيخ أحمد إبراهيم هذا بقوله: وإذا رجع الموجب عن إيجابه قبل قبول الآخر، ففي عقود المعاوضات يبطل الإيجاب فلا يصح القبول بعد ذلك بالإجماع، وليس للطرف الآخر كالمشتري مثلًا أن يدعي أنه صار له حق تملك المبيع بسبب إيجاب البائع، وذلك لأن حقيقة الملك في العين لا تزال ثابتة للبائع، وهي أقوى من حق التملك، فلو لم يجز الرجوع لزم تعطيل حق الملك بحق التملك. ونظير هذا أن للأب حق التملك لمال ولده عند الحاجة، ومع هذا فللولد أن يتصرف في ماله كيف شاء مع أن حق تملك الأب إياه متعلق به (٣) .

стр. 8478

ثانيًا- مذهب المالكية نصوص الفقه المالكي تقرر أن البيع ينعقد بما يدل على الرضا من العاقدين من قول من الجانبين أو فعل منهما أو قول من أحدهما وفعل من الآخر أو إشارة منهما أو من جانب وقول أو فعل من الآخر. ومثلوا الفعل بالكتابة، قال العدوي: (قول أو فعل) ، أي غير إشارة كالكتابة (١) . وكما ينعقد العقد بين الحاضرين ينعقد بين الغائبين. جاء في الحطاب: قلت: كتب موثق بيع مسافر عبر عنه بعت موضع كذا من زوجتي فلانة بكذا إن قبلت وبينه وبينها مسافة شهرين، فقال ابن عبد السلام: مدة قضائه لا أجيز هذا البيع على هذه الصفة فبدلت الوثيقة بحذف إن قبلت فقبلها، قال: فلعله رأى الأول خيارًا والثاني وقفًا، ثم قال: وانظر ما معنى قوله وقفًا، ويمكن أن يقال إنما لم يجز الأول لأنه بيع خيار إلى أمد بعيد بخلاف الثاني فإنه إقرار بيع فتأمله، والله أعلم (٢) . ولا يترتب على العقد بين الغائبين إلا تراخي القبول عن الإيجاب. والمنقول عن أئمة المذهب المالكي جواز ذلك. نقل الحطاب عن ابن راشد القفصي أن ابن العربي أشار إلى الخلاف في ذلك وأن المختار جواز تأخيره ما تأخر. ونص كلام ابن راشد: فرع – إذا تراخى القبول عن الإيجاب فهل يفسد البيع أم لا؟ أشار ابن العربي في قبسه إلى الخلاف في ذلك، ثم قال: والمختار جواز تأخيره ما تأخر (٣) . أيضًا يؤخذ من كلام ابن راشد وهو يناصر رأي ابن العربي واستدلاله له ببيع المحجور عليه إذا باع من ماله أن لوصيه الإجازة وإن طال الأمد، ولم يحصل غير الإيجاب من المحجور مع قبول المبتاع المحجور كالعدم، وكذلك بيع الفضولي يقف القبول على رضا ربه على المشهور وإن طال (٤) .

стр. 8479

حكم رجوع الموجب: لم نجد نصًّا جليًّا على حكم رجوع الموجب في التعاقد بين الغائبين، أما بين الحاضرين فهناك كلام طويل ساقه الحطاب وغيره، وها نحن نذكره بطوله للوقوف من خلال عرض مسائله المختلفة على حكمه بين المتعاقدين الغائبين. * أولًا: في بيع المساومة، قال سحنون عن ابن نافع عن مالك في الرجل يسوم الدابة، فيقول له رجل تبيعني بكذا وكذا، فيقول لا أفعل إلا بكذا، فيقول له المشتري انقصني دينارًا، فيقول لا أنقص فيقول له المشتري قد أخذتها بما قلت إنه يلزم ذلك البيع البائع وليس له أن يرجع. ابن رشد: هذه مسألة صحيحة لا اختلاف فيها إذا تبين بتردد المماسكة أنه مجد في السوم غير لاعب (١) . المسألة الثانية في المساومة: أن من أوقف سلعته في السوق للسوم فقال له شخص: بكم تبيعها؟ فقال صاحب السلعة: بمائة مثلًا، فقال المشتري: أخذتها بها، فقال صاحب السلعة: ما أردت البيع وإنما أردت اختبار ثمنها أو كنت لاعبًا ونحو ذلك. فإنه يحلف أنه ما أراد إيجاب البيع، فإن حلف لم يلزمه البيع، وإن لم يحلف لزمه. وهذا قول مالك في كتاب الغرر. المدونة (٢) . ومن سماع أشهب من كتاب العيوب أن البيع يلزمه وليس له أن يأبى (٣) . وقال أبو بكر الأيدي: إن كان الذي سمّى قدر قيمة السلعة وكانت تباع بمثله لزمهما البيع فإن كان لا يشبه أن يكون ذلك ثمنها حلف أنه لاعب ولم يلزم. انتهى، فالأقوال ثلاثة (٤) . وقال ابن رشد: إن هذه الأقوال إنما هي في السلعة الموقوفة للسوم ولو لم تكن موقوفة للسوم فإنه يقبل قول ربها أنه كان لاعبًا ويحلف على ذلك ولا يلزم البيع إلا أن يتبين صدق قوله فتسقط عنه اليمين (٥) . معنى تسوَّق أوقفها للسوم في السوق، والظاهر أن المراد بالسوق سوق تلك السلعة، وأما سوق غيرها فحكمه حكم غير السوق (٦) . هذا الذي تقدم حكم بيع المساومة، وهو إيقاف الرجل سلعته ليساومه فيها من أرادها.

стр. 8480

* ثانيًا – في بيع المزايدة: قال ابن رشد: الحكم فيه أن كل من زاد في السلعة لزمته بما زاد فيها إن أراد صاحبها أن يمضيها له ما لم يسترد سلعته فيبيع بعدها أخرى أو يمسكها حتى ينقضي مجلس المناداة وهو مخير في أن يمضيها لمن يشاء ممن أعطى فيها وإن كان غيره قد زاد عليه (١) . ونقله ابن عرفة في الكلام على بيع الشخص على بيع أخيه من البيوع المنهي عنها، ثم نقل عن ابن حبيب ما يقتضي أن للبائع أن يلزم المشتري بعد الافتراق في بيع المزايدة بخلاف بيع المساومة فإنه لا يلزمه بعد الافتراق. وذكر عن المازري أنه رد التفرقة المذكورة بأن ذلك كعرف جرى بينهم. ونص ابن حبيب: إن فارق المشتري البائع في بيع المساومة دون إيجاب لم يلزمه بعد ذلك بخلاف بيع المزايدة يلزمه ما أعطى بعد الافتراق، لأن المشتري إنما فارقه في المزايدة على أنه استوجب البيع. المازري: لا وجه للتفرقة إلا للرجوع للعوائد (٢) . ولو شرط المشتري إنما يلتزم الشراء في الحال قبل المفارقة أو شرط البائع لزومه أو أنه بالخيار في أن يعرضها على غيره أمدًا معلومًا أو في حكم معلوم لزم الحكم بالشرط في بيع المساومة والمزايدة اتفاقًا وإنما افترقا للعادة حسبما علَّل به ابن حبيب بينهما. قال المازري: وإنما نبهت على هذا لأن بعض القضاة ألزم بعض أهل الأسواق في بيع المزايدة، بعد الافتراق، وكانت عادتهم الافتراق على غير إيجاب اغترارًا بظاهر قول ابن حبيب وحكاية غيره.... فنهيته عن هذا لأجل مقتضى عوائدهم. (٣) . قال ابن عرفة: قلت: والعادة عندنا اللزوم ما لم يطل زمن المبايعة حسبما تقرر قدر ذلك عندهم، والأمر واضح إن بَعُد. والسلعة ليست في يد المبتاع، فإن كانت بيده وموقوفة ففيه نظر، والأقرب اللزوم (٤) . وقال الزرقاني: شرحًا لمتن خليل (أو تسوق بها فقال: بكم، فقال: بمائة , فقال: أخذتها بها، فقال لم أرد البيع) قال: يحلف على ذلك وإلا لزمه البيع، وأنه إذا قامت قرينة على عدم إرادة البيع، فالقول للبائع بلا يمين أو على إرادته فيلزمه البيع كما إذا حصل تماكس وتردد بينهما أو سكت مدة ثم قال: لا أرضى فلا يلتفت لقوله.

стр. 8481

وإن لم تقم قرينة لواحد منهما فالقول للبائع بيمينه. وانظر هل من القرينة على عدم إرادة البيع ما إذا ذكر البائع ثمنًا قليلًا فيما تكثر قيمته كمائة وهي تساوي مائتين، فقال المشتري أخذتها بالمائة فلا يحلف البائع وهو الظاهر أم لا. وأشعر كلام المصنف أن البيع منحل من جانب البائع لا من جانب المشتري، وأن البيع فيها مساومة فإن أجابه في المجلس بما يقتضي الإمضاء والقبول من غير فاصل لزمه البيع اتفاقًا. وإن تراخى القبول عن الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزمه البيع قطعًا. وكذا لو حصل فاصل يقتضي الإعراض عما كانا فيه حتى لا يكون كلامه جوابًا للكلام السابق في العرف فلا ينعقد البيع. * ثالثًا – قال: وكذا يلزم في بيع المرابحة والمزايدة والاستئمان أي: كبعني كما تبيع الناس مع الفور في الثلاثة كالأول. فإن أعرض البادئ لم يلزم في الأربعة، فإن انقضى المجلس لم يلزم فيها بيع إلا بيع المزايدة، فللبائع أن يلزم السلعة لمن زاد حيث اشترط البائع ذلك أو جرى به عرف إمساكها حتى انقضى مجلس النداء أو ردها وباع بعدها أخرى. فإن لم يشترط ذلك ولا جرى به عرف لم يكن له ذلك (١) . قال المازري: وإنما نبهت على ذلك لأن بعض الفقهاء ألزم بعض أهل الأسواق في بيع المزايدة بعد الافتراق مع أن عاداتهم الافتراق على غير إيجاب اغترارا بظاهر ابن حبيب وحكاية غيره، فنهيته عن هذا لأجل مقتضى عوائدهم – ابن عرفة. والعادة عندنا، أي بتونس، وكذا عندنا بمصر عدم اللزوم وهو واضح إن بعد، ولم تكن السلعة بيد المبتاع، فإن كانت بيده فالأقرب اللزوم كبيع الخيار بعد زمنه يلزم فيه البيع من المبيع بيده.

стр. 8482

وعلى كلام المازري، لو لم تكن عادة فالأقرب أن للبائع إلزام من زاد بعد التفرق ما لم يستر السلعة، ويشتغل ببيع أخرى أو يمسكها حتى ينقضي مجلس النداء (١) . لكن ذكر الزرقاني أنه إن أتى أحدهما بصيغة ماضٍ، ورجع قبل رضا الآخر لم ينفعه رجوعه كما إذا أتيا بصيغة ماضٍ (٢) . ثم قال: ومحله أيضًا إن لم تقم قرينة على البيع أو عدمه وإلا عمل عليها من غير حلف. الخلاصة: الذي تفيده هذه النصوص، وخاصة النص الأخير للزرقاني، وما نصّ عليه ابن رشد: هو أنه إذا رجع أحد المتبايعين عما أوجبه لصاحبه قبل أن يجيبه الآخر لم يفده رجوعه إذا أجابه صاحبه بَعْدُ بالقبول (٣) أن ليس للموجب أن يرجع في إيجابه إذا كانت صيغة العقد تدل على القطع والثابت كأن كانت بصيغة الماضي، ويؤيد هذا أيضًا عبارة الزرقاني التالية: فإن أجابه في المجلس ... إلخ، هذا الكلام ليس مرتبًا على خصوص ما قبله، فلا يحسن تنزيله عليه، بل هو فرع مستقل كما في طيح وح، ونص ح التنبيه التاسع لم يذكر المصنف حكم تراخي القبول عن الإيجاب، وقد انجر الكلام إليه. ثم قال بعده: نقول: والذي يتحصل أنه إن أجابه في المجلس إلى آخر ما ذكره ز، والمعنى فإن أجاب الثاني من بائع أو مشترٍ الأول في جميع ما تقدم وغيره من بيع المساومة فلا يخلو إما أن يجيبه في المجلس أم لا. وقول ز فإن أعرض البادئ لم يلزمه في الأربعة ... إلخ. ظاهره مع التعبير بالماضي وهو غير صحيح لما قدمه ابن رشد قريبًا قبل هذا. فإذا تقرر هذا الحكم بين الحاضرين من المتعاقدين فينبغي أن يكون كذلك أيضًا فيما بين الغائبين.

стр. 8483

ثالثًا- مذهب الشافعية قال النووي في المجموع: المسألة الثالثة: إذا كتب إلى غائب بالبيع ونحوه، قال أصحابنا: وهو مرتب على الطلاق هل يقع بالكتب مع النية، وفيه خلاف: الأصح صحته ووقوعه (١) . ثم قال: أما النكاح ففي انعقاده بالمكاتبة خلاف مرتب على البيع ونحوه، ذكره إمام الحرمين والبغوي وآخرون، قالوا: إن قلنا لا يصح البيع فالنكاح أولى، وإلا فوجهان. والمذهب أنه لا يصح، لأن الشهادة شرط فيه ولا اطلاع للشهود على النية، ولو قالا بعد المكاتبة نوينا، كانت شهادة على إقرارهما لا على نفس العقد فلا يصح، ومن جوزه اعتمد الحاجة. قال أصحابنا: وحيث حكمنا بانعقاد النكاح بالمكاتبة، فليكتب زوَّجتك بنتي، ويحضر الكتاب عدلان ولا يشترط أن يحضرهما، ولا أن يقول لهما اشهدا بل لو حضرا بأنفسهما كفى، فإذا بلغ الكتاب الزوج فليقبل لفظًا ويكتب القبول، ويحضر القبول شاهدا الإيجاب، فإن شهده آخران فوجهان: أصحهما لا يصح لأنه لم يحضره شاهد له. والثاني: الصحة لأنه حضر الإيجاب والقبول شاهدان، ويحتمل تغايرهما كما احتمل الفصل بين الإيجاب والقبول، ثم إذا قبل لفظًا أو كتابة يشترط كونه على الفور، هذا هو المذهب، وفيه وجه ضعيف كما سبق في البيع، والله أعلم (٢) . شرط التعاقد بالكتابة: اشترطوا أن يقبل المكتوب إليه بمجرد اطلاعه على الكتاب في الرأي الأصح عندهم. وفي وجه ضعيف أنه لا يشترط القبول بل يكفي التواصل اللائق بين الكتابين (٣) .

стр. 8484

حكم الخيار في التعاقد بين الغائبين عن طريق الكتابة ورجوع الموجب عن إيجابه: قال الغزالي إذا صححنا البيع بالمكاتبة، فكتب إليه فقبل المكتوب إليه، ثبت له خيار المجلس ما دام في مجلس القبول، قال: ويتمادى خيار الكاتب إلى أن ينقطع خيار المكتوب إليه حتى لو علم أنه رجع عن الإيجاب قبل مفارقة المكتوب إليه مجلسه، صح رجوعه ولم ينعقد البيع (١) . وقال في حاشية الجمل: ولو كتب إلى غائب ببيع أو غيره صح ويشترط قبول المكتوب إليه عند وقوفه على الكتاب، ويمتد خيار مجلسه ما دام في مجلس القبول، ويمتد خيار الكاتب إلى انقطاع خيار المكتوب إليه (٢) . قال في الحاشية تعليقًا على قوله: (إلى انقطاع خيار المكتوب إليه) تقتضي هذه العبارة شيئين: الأول: أن الكاتب لو فارق مجلسه الذي كان فيه عند قبول المكتوب إليه أو ألزم البيع لم ينقطع خياره، وليس كذلك بل ينقطع. والثاني: أن المكتوب إليه لو ألزم العقد أو فارق مجلسه، والكاتب باقٍ على مجلسه الذي كان فيه عند قبول المكتوب إليه انقطع خيار الكاتب، والمعتمد فيهما عدم الانقطاع، بل لا ينقطع خيار كل منهما إلا بإلزامه العقد أو مفارقة مجلس نفسه، ومجلس الكاتب هو الذي كان فيه عند قبول المكتوب إليه، وأوله من حين القبول (٣) .

стр. 8485

رابعًا – مذهب الحنابلة قال الحنابلة بجواز البيع بالكتابة: قال في كشاف القناع: وإن كان المشتري غائبًا عن المجلس فكاتبه البائع أو راسله: إني بعتك داري بكذا أو إني بعت فلانًا – ونسبه بما يميزه – داري بكذا، فلما بلغه أي المشتري الخبر قبل البيع صح العقد، لأن التراخي مع غيبة المشتري لا يدل على إعراضه عن الإيجاب، بخلاف ما لو كان حاضرًا، ففرق المصنف في تراخي القبول عن الإيجاب بين ما إذا كان المشتري حاضرًا وما إذا كان غائبًا. قال: وهذا يوافق رواية أبي طالب في النكاح. قال في رجل يمشي إليه قوم فقالوا: زوج فلانًا، فقال: قد زوَّجته على ألف فرجعوا إلى الزوج فأخبروه، فقال: قد قبلت، هل يكون هذا نكاحًا؟ قال: نعم. قال الشيخ التقي: ويجوز أن يقال إن كان العقد الآخر حاضرًا اعتبر قوله. وإن كان غائبًا جاز تراخي القبول عن المجلس كما قلنا في ولاية القضاء (١) . وفي مجلة الأحكام الشرعية في (المادة ٢٢٨) : يصح الإيجاب والقبول كتابة كما لو كان المشتري غائبًا عن المجلس فكاتبه البائع أني بعتك داري بكذا أو نحو ذلك فلما بلغ المكتوب إليه الخبر قَبِلَ صح العقد.

стр. 8486

المطلب الثاني في بيان منزع القوانين الوضعية في التعاقد عن طريق الكتابة وما في حكمها كالتلغراف والتلكس وما أشبه ذلك التعاقد عن طريق الكتابة أخذت بها القوانين المعاصرة ويغلب التعبير على ألسنة وأقلام القانونيين لقب التعاقد بالمراسلة أو التعاقد بين الغائبين (١) . ويقصدون بالمراسلة ما هو أشمل من إيفاد رسول يبلغ الطرف الآخر بإيجاب الموجب لما هو عند الفقهاء، فعند هؤلاء سيان أن يكون العقد قد تم عن طريق إيفاد رسول يبلغ الرسالة من هذا لذاك أو عن طريق المكاتبة بواسطة البريد أو عن طريق البرق أو التلكس أو ما يشبههما من وسائل الاتصال الأخرى (٢) . وإذا استعرضنا نصوص بعض القوانين نجد أن التعبير بالكتابة عندهم يساوي التعبير بالقول وغيره كالإشارة ونحوها. نصت المادة (٩٠) من القانون المدني المصري على: (أن التعبير على الإرادة يكون باللفظ وبالكتابة وبالإشارة.... إلخ) (٣) . ونص القانون المدني الكويتي في المادة (٣٤) على أن: (التعبير يكون باللفظ أو بالكتابة) . وينص القانون المدني المغربي على: (أن التعبير الصريح عن الإرادة غير خاضع لأي شكل خاص فيمكن أن يكون كتابيًّا أو شفويًّا وحتى بالإشارة المتداولة عرفًا) (٤) . ويقول السنهوري في وسيطه تحت عنوان: المتعاقدان لا يجمعهما مجلس واحد فرضنا فيما قدمناه أن التعاقد يتم بين حاضرين، سواء تم التعاقد بينهما مباشرة أو تم بوساطة نائب عن أي منهما ولكن يحدث كثيرًا أن يتم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مجلس واحد ويتم ذلك بالمراسلة بأية طريقة من طرقها المختلفة: البريد أو البرق أو رسول خاص لا يكون نائبًا أو غير ذلك.

стр. 8487

وليس الذي يميز ما بين الغرضين في حقيقة الأمر هو أن يجمع المتعاقدين مجلس العقد أو ألا يجتمعا في مجلس واحد، بل إن المميز هو أن تفصل فترة من الزمن بين صدور القبول وعلم الموجب به، ففي التعاقد ما بين حاضرين تنمحي هذه الفترة من الزمن، ويعلم الموجب بالقبول في الوقت الذي يصدر فيه. أما في التعاقد بين غائبين فإن القبول يصدر ثم تمضي فترة من الزمن هي المدّة اللازمة لوصول القبول إلى علم الموجب ومن ثم يختلف وقت صدور القبول عن وقت العلم به (١) . ويثور عند بحث التعاقد بالمراسلة في القانون ثلاث مسائل، وهي: الأولى: مسألة زمان انعقاد العقد. الثانية: مسألة مكان انعقاد العقد. الثالثة: مسألة مدى التزام الموجب بالإبقاء على إيجابه بعد أن يبعث به إلى الموجب له. أما عن المسألتين الأولى والثانية فقد نصت المادة (٤٩) من القانون المدني الكويتي على أنه: (يعتبر التعاقد بالمراسلة أنه قد تم في الزمان والمكان اللذين يتصل فيهما القبول بعلم الموجب ما لم يتفق على غير ذلك أو يقضي القانون أو العرف بخلافه) .

стр. 8488

وقد بيَّنت المذكرة التفسيرية السند القانوني والأساسي الذي أخذت هذه المادة حكمها منه بقولها: (وتواجه المادة (٤٩) مسألة تحديد زمان ومكان انعقاد العقد عندما يتم إبرامه بالمراسلة) ، وهي مسألة تباين وجه الحكم فيها تباينًا كبيرًا، وفي تقنيات الدول المختلفة، فمن هذه التقنيات ما يعتد في ذلك بصدور القبول، ومنها ما يعتد بوصول القبول إلى الموجب، وقد اعتمد القانون المصري هذا الرأي الأخير في المادة (٩٧) وتبعه فيه أغلب القوانين العربية التي استوحته، كالقانون الليبي في المادة (٩٧) منه والقانون العراقي في المادة (٨٧) منه، وبيَّن لماذا أخذ المشرع بمبدأ العلم بالقبول، فذكر أنه يتمشى أكثر من غيره فقضى بأن التعاقد بالمراسلة يعتبر أنه قد تم في الزمان والمكان اللذين يتصل فيهما القبول بعلم الموجب ما لم يتفقا على غير ذلك أو يقضي القانون أو العرف بخلافه (١) . ونص المادة (٩٧) من القانون المصري (٢) : (يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني يقضي بغير ذلك. ١- ويفترض أن الموجب قد علم بالقبول في المكان وفي الزمان اللذين وصل إليه فيهما هذا القبول. وجاء في الأخذ بمذهب العلم بأنه أقرب المذاهب إلى رعاية مصلحة الموجب، ذلك أن الموجب هو الذي يبتدئ التعاقد فهو الذي يحدد مضمونه ويعين شروطه، فمن الطبيعي والحال هذه، أن يتولى تحديد زمان التعاقد ومكانه، ومن العدل إذا لم يفعل أن تكون الإرادة المفروضة مطابقة لمصلحته عند عدم الاتفاق على ما يخالف ذلك، فمذهب العلم هو الذي يستقيم دون غيره مع المبدأ القاضي بأن التعبير عن الإرادة لا ينتج أثره إلا إذا وصل إلى من وُجِّه إليه على نحو يتوفر معه إمكان العلم بمضمونه، ومؤدَّى ذلك أن القبول بوصفه تعبيرًا عن الإرادة لا يصح نهائيًّا إلا في الوقت الذي يستطيع فيه الموجب أن يعلم به، ولا يعتبر التعاقد تامًّا إلا في هذا الوقت) (٣) . وخرج عن تلك القاعدة في المادة (٩٨) : حيث وردت (٤) : (إذا كانت طبيعة المعاملة أو العرف التجاري أو غير ذلك من الظروف تدل على أن الموجب لم يكن ينتظر تصريحًا بالقبول، فإن العقد يعتبر قد تم إذا لم يرفض الإيجاب في وقت مناسب. ٢- ويعتبر السكوت عن الرد قبولًا إذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الإيجاب بهذا التعامل، أو إذا تمحض الإيجاب لمنفعة من وجه إليه) . وقد بيَّن السنهوري ما يترتب على تحديد زمان العقد ومكانه بقوله: (ومتى وضعنا المسألة على النحو الذي قدمناه تبين في الحال ماذا يترتب على هذا الوضع. فما دام أن هناك فترة من الزمن تفصل ما بين صدور القبول والعلم به وجب التساؤل متى يتم العقد؟ أو وقت صدور القبول أم وقت العلم به؟ فإذا تعين الوقت الذي يتم فيه العقد تعين أيضًا المكان الذي يتم فيه، يتم في المكان الذي يوجد فيه الموجب إذا قلنا أن العقد لا يتم إلا إذا علم الموجب بالقبول، ويتم في المكان الذي يوجد فيه من صدر منه القبول، إذا قلنا أن العقد يتم بمجرد صدور القبول، فزمان العقد هو الذي يحدد مكانه) (٥) ، إلا فيما يتعلق بالتعاقد بالهاتف على ما سيأتي في محله.

стр. 8489

والذي يدعو إلى بحث هذه الأمور في القانون هو أن لتحديد مكان العقد أهمية بالنسبة لمعرفة القانون الواجب التطبيق على التصرفات ذات العنصر الأجنبي هل هو قانون بلد الموجب أو قانون بلد القابل (١) . وفي هذا يقول السنهوري: تقضي قواعد القانون الدولي الخاص بأن القانون الذي يخضع له العقد هو القانون الذي أراده المتعاقدان وفقًا لنظرية سلطان الإرادة، ويكون هذا القانون عادة هو قانون الجهة التي تم فيها العقد، فإذا تم عقد بين شخصين وكان من صدر منه الإيجاب موجودًا في مصر وعلم بالقبول فيها ومن صدر منه القبول كان موجودًا في فرنسا وقت صدور القبول فإن العقد يخضع للقانون المصري إذا أخذنا بمذهب العلم. ويخضع للقانون الفرنسي إذا أخذنا بمذهب الإعلان، وإن الأخذ بأي المذهبين في تحديد المكان يحدد الزمان كذلك (٢) . أما بالنسبة للمسالة الثالثة وهي: مدى التزام الموجب بالإيفاء على إيجابه، فقد نصت المادة (٤٨) من القانون المدني الكويتي ويجري نصها: ١- (إذا حصل الإيجاب بالمراسلة بقي طوال الفترة التي يحددها الموجب لبقائه، فإن لم يحدد الموجب لذلك مدة التزام بالإيفاء على الإيجاب طوال الفترة التي تقتضيها ظروف الحال لوصوله للموجب له وإبداء رأيه فيه ووصول القبول إلى الموجب. ٢- ويسقط الإيجاب إذا لم يصل القبول إلى الموجب في الفترة المعقولة التي تقتضيها ظروف الحال، ولو صدر من الموجب له في وقته المناسب) .

стр. 8490

وتقول المذكرة الإيضاحية في هذا: وهذه وإن كان يمكن الوصول إلى بيان الحكم فيها عن طريق الاستنتاج من الفقرة الثانية من المادة (٤١) من المشروع، إلا أنه من المفيد أن يخصها التشريع بالذكر لإقامة معيار يحدد على أساسه فترة بقاء الإيجاب ملزمًا. عندما لا يحدد الموجب لإيجابه ميعادًا صريحًا، وقد أقام المشرع لذلك معيارًا مرنًا قوامه الفترة المعقولة التي تقتضيها ظروف الحال لوصول الإيجاب للموجب له. وإبداء هذا رأيَه فيه ثم وصول قبوله للموجب إذا قدر له أن يكون. وتعرض الفقرة الثانية من المادة (٤٨) للحالة التي يصدر فيها القبول في وقت مناسب، بمعنى أن يجيء في وقت تسمح فيه الظروف بحسب المألوف بوصوله إلى الموجب خلال الفترة المعقولة التي يبقى فيها إيجابه قائمًا ولكنه مع ذلك يتأخر في وصوله لسبب أو لآخر إلى ما بعد فوات تلك الفترة، وهي هنا ترخص للموجب أن يعتبر إيجابه مرفوضًا إذ إنه أولى بالقابل أن يتحمل تبعة ذلك التأخير دونه. والمادة (٤١) من القانون التي أحالت عليها المذكرة الإيضاحية يجري نصها: (١- للموجب خيار الرجوع في إيجابه طالما لم يقترن به القبول. ٢- ومع ذلك، إذا حدد الموجب ميعادًا للقبول، أو اقتضت هذا الميعاد ظروف الحال أو طبيعة المعاملة، بقي الإيجاب قائمًا طوال هذا الميعاد وسقط بفواته) . تقرر المذكرة الإيضاحية لهذه المادة سندها من الفقه الإسلامي والتقنيات الأخرى فتقول: وتعرض المادة (٤١) للأثر المترتب على الإيجاب وتتنازع هذا الحكم في القانون المقارن فكرتان: تقوم أولاهما على التزام الموجب بإيجابه، فتحرمه من الرجوع فيه ما لم يتضمن ما يَنُمُّ عن قصده في الاحتفاظ بحقه في ذلك.

стр. 8491

أما الفكرة الثانية فلا تضفي على الإيجاب في ذاته صفة الإلزام وتخول بالتالي لصاحبه أن يرجع فيه طالما لم يقترن به بعْدُ قبول، وهذه الفكرة هي التي تسود في الغالبية الكبرى من القوانين المعاصرة ومنها قانون التجارة الكويتي الحالي. وهي الفكرة التي تسود أيضًا في الفقه الإسلامي حيث يثبت للموجب ما يطلق عليه الفقهاء (خيار الرجوع) ، وقد أخذت بها المجلة في المواد من (١٨٢ – ١٨٥) . وذهب رأي في المذهب المالكي يقول بلزوم الإيجاب على صاحبه حتى إنه إذا رجع فيه وصدر مع ذلك القبول في مجلس العقد انعقد العقد (١) . وقد آثر المشرع أن يأخذ بمبدأ عدم لزوم الإيجاب على صاحبه لما فيه من التيسير عليه، بمنحه فرصة التحلل من العقد إذا أصبح عنه راغبًا (٢) . وتنص المادة (٩٣) من القانون المدني المصري على هذه الأحكام مع فارق بسيط في الصياغة حيث يجري نصها: (١- إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد. ٢- وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال أو من طبيعة المعاملة (٣) ، ويقابل هذه المادة (٨٤) في القانون المدني العراقي.

стр. 8492

المبحث الثاني في التعاقد عن طريق الهاتف واللاسلكي وما يشبههما من وسائل الاتصال الأخرى لا نخالف الحقيقة إن قلنا: إن الشيخ أحمد إبراهيم هو أول من تصدّى لبحث حكم التعاقد بالتليفون وبواسطة الراديو، وكان بحثه المنشور في مجلة القانون والاقتصاد المرجع الوحيد عند وضع القانون المدني المصري الجديد، كما يبين من الأعمال التحضيرية لهذا القانون. وقد جاء في المشرع التمهيدي للقانون المدني المصري مادة برقم (١٤٠) ونصها: (يعتبر التعاقد بالتليفون أو بأية طريقة مماثلة كأنه تم بين حاضرين فيما يتعلق بالزمان وبين غائبين فيما يتعلق بالمكان) . وجاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي: لا يثير التعاقد بالتليفون أو بأية وسيلة مماثلة صعوبة إلا فيما يتعلق بتعيين مكان انعقاد العقد فشأنه من هذه الناحية شأن التعاقد بين الغائبين الذين تفرقهم شُقَّةُ المكان ولذلك تسري عليه أحكام المادة السابقة الخاصة بتعيين مكان التعاقد بين الغائبين، ويعتبر التعاقد بالتليفون قد تم في مكان الموجب إذا فيه يحصل العلم بالقبول ما لم يُتَّفق على خلاف ذلك. أما فيما يتعلق بزمان انعقاد العقد فالتعاقد بالتليفون لا يفترق عن التعاقد بين الحاضرين، لأن الفارق الزمني بين إعلان القبول وبين علم الموجب به معدوم أو هو في حكم المعدوم، فليس للتفرقة بين وقت إعلان القبول ووقت العلم به أية أهمية علمية لأنهما شيء واحد، وتفريعًا على ذلك يعتبر التعاقد بالتليفون تامًّا في الوقت الذي يعلن فيه من وُجِّه إليه الإيجاب قبولَه، وهذا الوقت بذاته هو الذي يعلم فيه الموجب بالقبول. ويترتب على إعطاء التعاقد بالتليفون حكم التعاقد ما بين الحاضرين فيما يتعلق بزمان انعقاد العقد أن الإيجاب إذا وجه دون تحديد ميعاد لقبوله ولم يصدر القبول فور الوقت تحلل الموجب من إيجابه. وهذه هي القاعدة المقررة في الفقرة الأولى من المادة (١٣١) من المشروع بشأن الإيجاب الصادر من شخص إلى آخر بطريق التليفون أو بأي طريق مماثل (١) . ولكن هذه المادة حذفتها لجنة المراجعة لوضوح حكمها.

стр. 8493

فقد قال الشيخ ﵀ في بحثه بعنوان (العقود والشروط والخيارات) (١) : (وأما العقد بالتليفون فالذي يظهر أنه كالعقد مشافهة، مهما طالت الشُّقَّةُ بينهما، ويعتبر العاقدان كأنهما في مجلس واحد، إذ المعنى المفهوم من اتحاد المجلس أن يسمع أحدهما كلام الآخر ويتبينه وهذا حاصل في الكلام بالتليفون، كما هو مشاهد لنا، غاية الأمر أنه يحتمل الكذب وتصنع صوت الغير، لكن هذا قد يحصل في الرسالة والكتابة أيضًا. وقد يحصل العقد بواسطة الراديو كما نقلت الصحف في هذه الأيام نبأ عقد زواج بين فتاة في بلاد السويد وفتى في أمريكا والمسافة بينهما (٤٢٠٠) كيلو متر، وكان ذلك بواسطة الراديو، وأقول إن القول فيه كالقول في التليفون) . ويؤيد هذا ما قرره الشافعية من أن المتعاقدين لا يشترط فيهما قرب المكان ولا رؤية بعضهما في صحة العقد، وكذلك في ثبوت الخيار لهما في أحد الاحتمالين وقول المتولي أحد أئمة الشافعية. جاء في المجموع شرح المهذب: فرع: لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع بلا خلاف. وأما الخيار، فقال إمام الحرمين: يحتمل أن يقال لا خيار لهما، لأن التفرق الطارئ يقطع الخيار، فالمقارن يمنع ثبوته، قال: ويحتمل أن يقال يثبت ما داما في موضعهما فإذا فارق أحدهما موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر أم يدوم إلى أن يفارق مكانه، فيه احتمالان للإمام وقطع المتولي بأن الخيار يثبت لهما ما داما في موضعهما فإذا فارق أحدهما موضعه ووصل إلى موضع لو كان صاحبه في الموضع عُدَّ تفرقًا، حصل التفرق وسقط الخيار هذا كلامه. والأصح في الجملة ثبوت الخيار وأنه يحصل التفرق بمفارقة أحدهما موضعه وينقطع بذلك خيارهما جميعًا.

стр. 8494

وسواء في صورة المسألة كانا متباعدين في صحراء أو ساحة أو كانا في بيتين من دار أو في صحن وصفة، صرح به المتولي، والله أعلم (١) . وقد نص القانون المدني الكويتي في مادته رقم (٥٠) من القانون المدني الكويتي: (يسري على حكم التعاقد بالتليفون وهي تقريبا نفس المادة التي كانت مقررة في مشروع القانون المدني المصري بتعديل طفيف وهذا نص المادة (٥٠) من القانون المدني الكويتي: (يسري على التعاقد بطريق الهاتف أو بأي طريق مشابه حكم التعاقد في مجلس العقد بالنسبة إلى تمامه وزمان إبرامه، ويسري عليه حكم التعاقد بالمراسلة بالنسبة إلى مكان حصوله) . وتوضح المذكرة الإيضاحية هذه المادة بقولها: تعرض المادة (٥٠) لصورة ثالثة من صور التعاقد، وهي تلك التي يتم فيها التعاقد بطريق الهاتف أو أي طريق آخر مشابه، وسمة التعاقد بالهاتف أو ما يشبهه أن يتم بين شخصين غائبين أحدهما عن الآخر مكانًا، ولكنهما في حكم الحاضرين كلامًا، حيث أن كلًّا منهما يسمع عبارة الآخر فور إبدائها منها ومن أجل ذلك يعطي المشرع التعاقد الذي يتم على هذه الصورة حكم التعاقد بين الغائبين أي التعاقد بالمراسلة بالنسبة إلى مكان انعقاد العقد حيث يتحدد هذا المكان بذاك الذي يتكلم منه الموجب ويعطيه حكم التعاقد بين الحاضرين أو التعاقد في مجلس العقد بالنسبة إلى كيفية تمام العقد وزمان انعقاده. إذ إنه من الممكن اعتبار التعاقد بالهاتف في خصوص تمام إبرامه وزمانه في حكم التعاقد الحاصل في مجلس العقد (٢) . ومن هذا العرض نرى أن ما انتهى إليه القانون في اعتبار التعاقد عن طريق الهاتف في حكم التعاقد بين الحاضرين في انعقاد العقد وترتب آثاره عليه صحيح ومطابق للنظر الفقهي السديد. وأما بالنسبة لمكان انعقاد العقد وبالتالي تحديد أي من القانونين يجب تطبيقه على واقعة النزاع هل هو قانون بلد الموجب أو قانون بلد القابل، فهذا له بحث خاص في الفقه الإسلامي يصلح أن يكون موضوعًا قائمًا بنفسه ويعرض في ندوة أخرى. وهذا ما انتهى إليه النظر في هذا الموضوع الهامّ وتأتي أهميته باعتبار أنه من الموضوعات التي تزداد شيوعًا، وتمارس على نطاق واسع في محيط التعامل بين المشتغلين بأمور التجارة. فلا بد من الوقوف على أحكام الفقه الإسلامي فيه، وقد ظهر بجلاء أن ما انتهى إليه نظر رجال القانون قد جاء متطابقًا مع النظر الفقهي. وما ذكره فقهاؤنا من مسائل وتفريعات. والله هو الموفق وهو الهادي إلى السبيل الأقوم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 8495

خلاصة البحث تناولت موضوع إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة في مبحثين: اشتمل المبحث الأول على أحكام التعاقد بطريق الكتابة وما في حكمها مما استجد كالتلغراف والتلكس وما يشبههما. وتضمن المبحث الثاني أحكام التعاقد عن طريق الهاتف واللاسلكي وما يشبههما. واستعرضت في كل ما تقدم مذاهب الفقهاء ومصنفات المذاهب وما ورد فيها من مسائل افتراضية تصدق على المستجدات والمبتكرات في هذا العصر. ثم تناولت أحكام التعاقد بهذه الآلات في التقنيات المعاصرة، وانتهى النظر في كل ما تقدم إلى تطابق ما أخذت به القوانين مع النظر الفقهي وهو جواز التعاقد بهذه الآلات وترتب الآثار التي تترتب على التعاقد بين المتعاقدين الحاضرين. والله أعلم. الدكتور عبد الله محمد عبد الله

стр. 8496

بحث فضيلة الدكتور إبراهيم فاضل الدبو الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة بغداد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد: يعتبر موضوع البحث هذا (حكم إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة) من المواضيع المهمة في هذا العصر حيث يأتي تلبيةً لبيان حكم الشريعة الإسلامية في مسائل مهمة من حاجات المجتمع اليومية. ومن هذه المسائل المستجدة التي أصبحت واقعًا ملموسًا يتعامل بها الناس، تلك الوسائل التي جاد بها الفكر البشري حيث يسرت الاتصال بين أرجاء المعمورة فاختصرت المسافات الشاسعة وأصبح بمقدور الإنسان في الشرق أن يخاطب أخاه في الغرب في لحظات معدودة. وقد استخدم الإنسان تلك الوسائل التي يسرت عليه الاتصال في أموره الخاصة والعامة. ومن بين تلك الأمور إجراء عقوده المالية والتجارية والشخصية أحيانًا. وبما أن شريعتنا الغراء قد عُرِفت بشموليتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، لذا سأحاول من خلال بحثي هذا المتواضع بيان آراء فقهائنا الأعلام في حكم تلك العقود التي تجري عبر تلك الوسائل، كما أنني سأشير في هذا البحث إلى بيان موقف فقهاء القانون الوضعي في هذه المسائل. والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم ومنه أستمد العون. إنه حسبي ونعم الوكيل. العقد لغة: يطلق العقد في اللغة على عدة معان، وكلها تعني الربط الذي هو نقيض الحل. جاء في تاج العروس: (عقد الحبل بعقده عقدًا فانعقد، شدَّه، والذي صرح به أئمة الاشتقاق أن أصل العقد نقيض الحل) (١) . وقال صاحب القاموس المحيط: (عقد الحبل شدَّه) (٢) . وجاء في مختار الصحاح: (عقد الحبل والبيع والعهد فانعقد) (٣) والملاحظ على التعريف الأخير أن المعرّف جمع في تعريفه هذا بين الاستعمالين لكلمة عقد، الاستعمال الحسي الذي هو الربط كربط الحبل وبين الاستعمال المعنوي، وهو الربط بين الإيجاب والقبول في عقد البيع. كما أنه أدخل في التعريف الإطلاق الثالث لكلمة عقد الذي يراد به الضمان والعهد، يقال، تعاقد القوم بمعنى تعاهدوا، وهو أيضًا من قبيل الاستعمال المعنوي.

стр. 8497

ولم ينفرد بهذا التعريف الشيخ الرازي، فالكثير من العلماء قد جمع بين المعنيين الحسي والمعنوي للفظ عقد، قال الزبيدي في معجمه: (عقدت الحبل فهو معقود وكذلك العهد ومنه عقد النكاح) . وقد ذهب القرطبي إلى هذا الاستعمال أيضًا حيث قال: (العقود: الربوط، واحدها عقد، يقال: عقدت العهد والحبل وعقدت العسل فهو يستعمل في المعاني والأجسام) (١) . قال الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقدًا لجارهم العناج وشدوا فوقه الكربا والعقد كما يذكر القرطبي يشمل ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وغيرها من المعاوضات مما يتعلق به حق العباد ويشمل عقود الإسقاطات أيضًا كالطلاق والعتاق، وكذا يشمل المناكحات. ويشمل ما عقده المرء على نفسه لله تعالى من الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والقيام وما أشبه ذلك (٢) وقد ذكر بعض المفسرين أن العقد حقيقة في الربط الحسي كربط الحبل ونحوه ومجاز في الربط المعنوي. قال الجصاص: (إن العقد كان في أصل اللغة الشدّ ثم نقل إلى الأيمان والعقود، عقد المبايعات ونحوها) (٣) . وقال الآلوسي: (أصل العقود الربط محكمًا ثم تجوّز به عن العهد الموثق) (٤) . إلاَّ أن ما نقلناه عن كتب أهل اللغة يدل على إطلاق العقد على الربط المعنوي إطلاقًا حقيقيًّا، وهذا ما ذكره صاحب مختار الصحاح وغيره.

стр. 8498

العقد في اصطلاح الفقهاء: يطلق العقد في الشريعة بإطلاقين عامّ وخاص، فالمعنى العام، يراد به كل التزام تعهد الإنسان بالوفاء به سواء كان في مقابل التزام آخر كالبيع والشراء ونحوه أم لا، كالنذر والطلاق واليمين، وسواء كان التزامًا دينيًّا كأداء الفرائض والواجبات أم التزامًا دنيويًّا، قال أبو بكر الجصاص: (كل شرط شرطه إنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد، وكذلك النذور وإيجاب القرب وما جرى مجرى ذلك) (١) . ونقل ابن رجب الحنبلي عن بعض فقهاء المذهب إطلاق العقد على الطلاق والنذر (٢) ومن هنا يتضح لنا أن العقد بمعناه العام لا يشترط فيه تطابق إرادتين، بل يتحقق بإرادة منفردة كما رأيناه. وفي هذا الخصوص يقول الأستاذ أحمد إبراهيم في مقال له في العقود والشروط والخيارات: (هل تسمى هذه التصرفات التي تتم بالإيجاب وحده من إعتاق وطلاق وإبراء ونحوها عقودًا، أو لا تسمى بذلك؟ لا شك في أنها عقود بالمعنى الأعم للعقد، إذ هي أمور وقعت في نفس الملتزم أولًا وعقد عليها نيته وعزم عليها عزمًا أكيدًا، ثم أبان عنها باللفظ أو بما يقوم مقامه) (٣) . على أن بعض الفقهاء المحدثين حرصوا على التمييز ما بين العقد والإرادة المنفردة من هؤلاء الأستاذ علي الخفيف حيث قال: (ومن هذا يتبين أن المناط في وجود العقد على وجه الإجمال هو التحقق من وجود إرادتي العاقدين وتوافقهما على إنشاء التزام بينهما بما يدل على ذلك من عبارة أو كتابة أو إشارة أو فعل ... وعلى ذلك فالعقد عند الفقهاء لا يكون إلا بين طرفين ولا يكون بين طرف واحد، وإذا كان من طرف واحد لم يكن عقدًا وإنما يسمى التزامًا أو تصرفًا، وقد يسمى عقدًا تسمية لغوية) (٤) . (أما المعنى الخاص للعقد فهو الالتزام الذي لا يتحقق إلا من طرفين. وهذا المعنى هو المراد عند إطلاق الفقهاء لفظ العقد، فهم يعنون به صيغة الإيجاب والقبول الصادرة من متعاقدين، وهذا هو المعنى الشائع في كتبهم) (٥) . قال ابن الهمام معقبًا على كلام صاحب الهداية: النكاح ينعقد بالإيجاب والقبول، أي ذلك العقد الخاص لا ينعقد حتى تتم حقيقته في الوجود بالإيجاب والقبول (٦) . وعرفه ابن عابدين بقوله: (العقد مجموع إيجاب أحد المتكلمين مع قبول الآخر) (٧) .

стр. 8499

وقال صاحب الروض النضير في تعريفه للعقد: (والقول المنعقد به البيع هو الإيجاب والقبول في مال مع شروط معتبرة) (١) . وعرفه المرحوم محمد قدري باشا بقوله: (العقد هو عبارة عن ارتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت أثره في المعقود عليه) (٢) . وهذا التعريف من وجهة نظري وافٍ بالغرض، لذا يكون هو المختار عندي. العقد في القانون الوضعي: جاء تعريف العقد على لسان بعض رجال القانون بما يشبه تعريف الفقهاء له، فقد عرفه المرحوم منير القاضي بقوله: (هو ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يثبت أثره في المعقود عليه) (٣) . وقال عنه في عبارة أخرى: (هو اتفاق إرادتين على إنشاء التزام أو على نقله) . وقد نحا المقنن في العراق منحى المجلة ومنحى مرشد الحيران في تعريفه للعقد، فقد نص في المادة (٧٣) من القانون المدني على أن (العقد هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت أثره في المعقود عليه) . وقد فرق بعض فقهاء القانون بين لفظي الاتفاق والعقد، فقالوا: (الاتفاق هو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو نقله أو إنهائه) (٤) . وعرفوا العقد بما هو أخص من الاتفاق، فقالوا عنه: (هو توافق إرادتين على إنشاء التزام أو نقله) (٥) فعلى هذا الرأي يكون الاتفاق أعم من العقد. ولم يفرق البعض الآخر منهم بين الاتفاق والعقد، بل جعله بمعنى واحد، ومن هذه التعريفات ما ذكره الأستاذ جميل الشرقاوي حيث قال: (إن العقد هو توافق أو ارتباط بين إرادتين أو أكثر بقصد تحقيق آثار قانونية معينة، هذه الآثار قد تكون إيجاد التزامات على كل أو بعض أطراف العقد، وقد تكون الآثار المقصودة هي تعديل التزامات موجودة من قبل أو إنهائها أو نقلها) (٦) .

стр. 8500

والفرق بين تعريف الفقه الإسلامي للعقد والقانون الوضعي الذي لم يحذ حذو فقهاء المسلمين في تعريفه له هو: (أ) إن تعريف الفقهاء المسلمين ينم عن النزعة الموضوعية، حيث ركز على أداة التعبير عن الإرادة ووسيلتها، وهي الإيجاب والقبول. أما التعريف القانوني فتظهر فيه النزعة الذاتية، حيث ركز على الإرادتين مما يوافق نظرية الإرادة الباطنة. (ب) إن التعريف الفقهي يعرف العقد بواقعته الشرعية وهي الارتباط الاعتباري الذي يقدر الشارع حصوله بين الطرفين، أما التعريف القانوني فيعرفه بواقعته المادية وهي الاتفاق أو تلاقي الإرادتين (١) . (ج) كما أن هناك فرقًا بين مفهوم العقد في الفقه الإسلامي وبين مفهومه في القوانين الوضعية، فهو يطلق عند الفقهاء كما رأينا بإطلاقين أحدهما عام يشمل التصرفات التي تنشأ بإرادة منفردة أو بتطابق إرادتين، وآخر خاص، يقتصر على المعنى الثاني – تطابق الإرادتين. أما في القوانين الوضعية التي لم تستمد أصولها من الشريعة الإسلامية، فنجدها تأخذ بالمعنى الخاص للعقد، وهو المعنى المراد عند إطلاق الفقهاء له كما ذكرنا. ومن هنا يتبين لنا ميزة تعريف الفقهاء المسلمين للعقد على نظيره في القوانين الوضعية. أركان العقد: لا يتحقق العقد إلا بوجود أركانه الثلاثة، هي الصيغة والعاقدان والمعقود عليه. قال الدردير المالكي: (وأركان البيع ثلاثة: الصيغة والعاقدان وهما البائع والمشتري والمعقود عليه وهو الثمن والمثمن) (٢) . وقال البهوتي الحنبلي: (للبيع ثلاثة أركان؛ عاقدان ومعقود عليه وصيغة) (٣) . وقال الخطيب الشربيني الشافعي: (وأركانه – البيع – ثلاثة، وهو بائع ومشتر ومعقود عليه وهو ثمن ومثمن وصيغة وهي إيجاب وقبول) (٤) .

стр. 8501

وقد اقتصر الأحناف على ذكر الإيجاب والقبول عند كلامهم عن أركان العقد، من ذلك ما قاله الكاساني: (وأما ركن النكاح فهو الإيجاب والقبول) (١) . وقال ابن الهمام: (البيع ليس إلا الإيجاب والقبول لأنهما ركناه) (٢) . وما قاله الحنفية من اعتبار الصيغة ركن العقد يقتضي بالضرورة وجود الركنين الآخرين عند غيرهم، إذ لا يتصور تحقق الإيجاب بدون موجب ولا قبول بغير قابل، كما أن الإيجاب والقبول يقتضي وجود محل يجري التعاقد عليه. وما جاء في بعض كتبهم يشير إلى هذا أيضًا، فقد ذكر ابن عابدين وهو حنفي المذهب عند كلامه عن النكاح أنه ينعقد بالإيجاب والقبول، ثم عقب في حاشيته على ذلك بقوله: ليس العقد الشرعي مجرد الإيجاب والقبول ولا الارتباط وحده، بل هو وجود شرعي وحسي، فالوجود الشرعي الحسي يقتضي وجود صيغة تتمثل بالإيجاب والقبول يرتبطان ارتباطًا حكميًّا ينتج عنه معنى شرعي، وهو الأثر الذي يترتب عليه الإيجاب والقبول (٣) . وجاء في المادة (٢٦٧) من مرشد الحيران وهو فقه حنفي مقنن كما ذكرنا ما نصه: (يشترط لتحقق كل عقد توفر ثلاثة أشياء، وهي العاقدان وصيغة العقد ومحل يضاف إليه) . ومن هنا يتضح للمتتبع لأقوال الحنفية بخصوص اعتبار صيغة الإيجاب والقبول هي ركن العقد، هو اصطلاح لفظي فقط. أركان العقد في القانون: حذا المرحوم منير القاضي في شرحه للمجلة حذو فقهاء المسلمين في اعتبار العقد يتألف من أركان ثلاثة هي: العاقدان والصيغة الدالة على إرادة العاقدين، والشيء الذي يرد عليه العقد وهو المعقود عليه (٤) .

стр. 8502

صيغة العقد: سبق وأن قلنا إن العقد عبارة عن ارتباط إرادتين في مجلس واحد، يسمى مجلس العقد، وإن هذا الارتباط ينبئ عن الرضا والاختيار اللذين يعتبران هما أساس العقد وركنه الذي لا يقوم بغيره (١) . وبما أن الرضا أمر خفي ليس بالإمكان معرفته، أقام الشارع مقامه ما يدل عليه من قول أو فعل محسوس. وبهذا تكون الإرادة الظاهرة هي المظهر الخارجي للتعبير عن الإرادة الباطنة، فالإرادة الباطنة التي يعبر عنها بالرضا هي الركن الحقيقي للعقد، وإلى هذا تشير عبارات كثير من الفقهاء رحمهم الله تعالى. قال ابن عرفه المالكي: (ينعقد البيع بما يدل على الرضا) (٢) . وقال الخطيب الشربيني: (وإنما احتيج في البيع إلى الصيغة لأنه منوط بالرضا، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩] . ولقوله ﷺ : ((إنما البيع عن تراضٍ ... )) ، ثم يضيف قائلًا: إن الرضا أمر خفي لا يطلع عليه فأُنيط الحكم بسبب ظاهر وهو الصيغة) (٣) . وحكى ابن عابدين عن بعض كتب المذهب، أن ركن البيع الفعل الدال على الرضا بتبادل المِلْكين من قول أو فعل (٤) . وجاء في الروض النضير نقلًا عن بعض المحققين: (لما كان البيع وغيره من المعاملات بين العباد أمورًا مبنية على فعل قلبي وهو طيبة النفس ورضى القلب وكان ذلك أمرًا خفيًّا أقام الشرع القول المعبر عما في النفس مقامه وناط به الأحكام على ما اعتيد من إقامة الأمور الظاهرة المنضبطة مقام الحكم الخفية في تعليق الأحكام بها، واعتبر أن يصدر عن قصد من المتكلم بها فلم يعتبر بكلام الساهي ولا من سبقه لسانه ولا من الحاكي ولا من المكره ولا من الجاهل لمعانيها بالكلية كالأعجمي حيث نطق بها بكلام عربي لا يعرف معناه أصلًا ونحو ذلك) (٥) .

стр. 8503

ويقول الشيخ مصطفى الزرقا: (إن النطق باللسان ليس طريقًا حتميًّا لظهور الإرادة العقدية بصورة جازمة في النظر الفقهي بل النطق هو الأصل في البيان، ولكن قد تقوم مقامه كل وسيلة اختيارية أو اضطرارية مما يمكن أن يعبر عن الإرادة الجازمة تعبيرًا كاملًا مفيدًا) (١) . يتضح لنا مما مضى أن صيغة العقد تعني ما يظهر حقيقة رغبة المتعاقدين في إنشاء العقد، سواء كان هذا التعبير باللفظ أو بالفعل أو بما سواهما، وهذه الصيغة اصطلح الفقهاء على تسميتها بالإيجاب والقبول. وقد نحا رجال القانون الوضعي منحى فقهاء المسلمين في اعتبار الإرادة الظاهرة هي المظهر الخارجي للتعبير عن الإرادة الباطنة، وإن ما يدل عليها من قول أو فعل هو ركن العقد والصيغة التي ينشأ بها. واصطلحوا على تسمية هذه الصيغة بالإيجاب والقبول كما سيتضح لنا ذلك فيما بعد. معنى الإيجاب والقبول في الاصطلاح: لما كان الإيجاب والقبول هما الصيغة المعتمدة لإبرام أي عقد من العقود باعتبارهما الأداة الكاشفة لحقيقة ما يكنّه المتعاقدان، أصبح من اللازم بحث حقيقة هذين اللفظين وبأي شيء يتحقق كل منهما. الإيجاب لغةً: الإثبات لأي شيء كان. وشرعًا، عند الحنفية (هو الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أولًا سواء وقع من البائع كبعت أو من المشتري كأن يبتدئ المشتري فيقول اشتريت منك هذا بألف، والقبول الفعل الثاني) (٢) . هل الترتيب شرط بين الإيجاب والقبول؟ لقد تبين لنا من خلال تعريف الحنفية للإيجاب والقبول أنهم يعتبرون فعل العاقد الأول هو الإيجاب سواء صدر من المملك وهو البائع أو من المملك إليه وهو المشتري، معنى هذا أنهم يشترطون صدور الإيجاب أولًا من الجهة المالكة للمبيع. وهذه وجهة نظر الشافعية أيضًا، ذكر ذلك النووي عند كلامه عن صيغة العقد حيث قال: يصح البيع سواء تقدم قول البائع: بعت أو قول المشتري: اشتريت (٣) . وقال الخطيب الشربيني: (ويجوز تقدم لفظ المشتري على لفظ البائع لحصول المقصود مع ذلك) (٤) . إلا أنه بعد ذلك ذكر أن الإمام الشافعي والقفال، اشترطا في صيغة العقد الترتيب بين الإيجاب والقبول، ومنعا تقدم القبول على الإيجاب.

стр. 8504

غير أن الشربيني رد على هذا الاعتراض، وذلك من خلال قولهما بعدم اشتراط الترتيب بين الإيجاب والقبول في النكاح، حيث أجاز الوكيل الزوج أن يبادر أولًا فيقول للوليّ: قبلت نكاح فلانة منك لفلان، يعني موكله، فيقول الولي: زوجتها فلانًا، فعقد النكاح صحيح في هذه الحالة، وقياسه أنه يجوز مثل ذلك في البيع أيضًا (١) . وهذه وجهة نظر المالكية أيضًا، فقد ذكر ابن عرفة، أنه كما ينعقد البيع بالمعاطاة، ينعقد كذلك بتقدم القبول من المشتري على إيجاب البائع (٢) . وإلى هذا ذهب الحنابلة أيضًا، ذكر ذلك ابن النجار قائلًا: (وصح تقدم قبول – على إيجاب – بلفظ أمر أو ماضٍ مجرد عن استفهام ونحوه) (٣) . فعلى هذا تكون آراء الفقهاء المتقدمة مطبقة على جواز تقدم القبول على الإيجاب، وأن ذلك لا يؤدي إلى أي خلال في العقد، لأن العبرة بالمعنى وإفادة المقصود وذلك حاصل في حالة تقدم الإيجاب على القبول أو العكس. رأي القانون في الإيجاب والقبول: ذكر الأستاذ منير القاضي في شرحه للمجلة أن الإيجاب معناه الإثبات (وهو أول كلام يصدر من أحد العاقدين بخصوص العقد فهو يريد إثبات العقد بانضمام قبول الثاني) . كما يعرّف القبول، بأنه الرغبة والرضا، وهو ما يصدر من العاقد ثانيًا، ومجموع الإيجاب والقبول، يسمى (صيغة العقد) (٤) . والتعريف كما هو واضح يتفق مع تعريف فقهاء المسلمين للإيجاب والقبول كما رأينا. وقد نحا المقنن العراقي منحى فقهاء المسلمين والمجلة في تعريفه للإيجاب والقبول، حيث نص في الفقرة الأولى من المادة (٧٧) من القانون المدني على ما يلي: (١- الإيجاب والقبول، كل لفظين مستعملين عرْفًا لإنشاء العقد، وأي لفظ صدر أولًا فهو إيجاب والثاني قبول) . وكذلك جارى المقنن العراقي فقهاء المسلمين فيما ذهبوا إليه عندما أجاز تقدم القبول على الإيجاب ولم يشترط الترتيب بينهما، واعتبر اللفظ الصادر أولًا هو الإيجاب سواء صدر من البائع أو المشتري، كما هو الملاحظ من النص السابق.

стр. 8505

شروط الإيجاب والقبول: من أجل اعتبار الأثر المترتب على الإيجاب والقبول واستكمال العقد لصيغته النهائية يشترط فيهما ما يلي: ١- العلم بمضمون العقد: وذلك بأن يسمع كل من المتعاقدين كلام صاحبه فيما لو تمّ التعاقد بينهما شفاهًا، أو يقرأه الطرف المرسل إليه الكتاب إذا كان العقد مما ينعقد بها، أو يرى الإشارة المفهمة من الأخرس. وأن يفهم كذلك العاقد قصد الطرف المقابل , فيفهم الطرف المقابل قصد لموجب في إنشاء العقد وإيجابه وما يترتب على هذا الإيجاب , وكذا يفهم الموجب قصد القابل في رضاه لما أوجبه (١) وهذا الشرط أمر بديهي، لأن الجهل بالعقد لا يتحقق معه القصد والرغبة في إنشاء العقد، وبدونهما تنعدم الفائدة من إبرامه. ٢- موافقة القبول الإيجاب: وهذا الشرط أيضًا ضروري لصحة إنشاء العقد، لأنه لا يتم إلا عن توافق الإرادتين، فلو انعدم التوافق بينهما لم يحقق العقد غرضه فلا فائدة في إنشائه، وفي هذا يقول النووي: (يشترط موافقة القبول الإيجاب، فلو قال: بعت بألف صحيحة، فيقال: قبلت بألف قراضة أو بالعكس، أو قال: بعت جميع الثوب بألف، فقال: قبلت نصفه بخمسمائة لم يصح) (٢) . ويعتبر من قبيل تطابق الإرادتين وتوافق الإيجاب والقبول ما إذا كان الخلاف جزئيًّا وليس حقيقيًّا في الصيغة، مثال ذلك: ما إذا قال البائع للمشتري: بعتك هذا الكتاب بدينار، فقال المشتري: قبلته بدينارين مثلًا. ولم يعتبر الفقهاء الذين ذكروا هذه المسألة الخلاف بين الإيجاب والقبول خلافًا فاحشًا يؤدي إلى إلغاء العقد (٣) .

стр. 8506

٣- عدم الفصل بين الإيجاب والقبول: مما اشترطه العلماء رحمهم الله تعالى في صيغة العقد، هو عدم الفصل بين لفظي الإيجاب والقبول بفاصل، لأن وجود الفاصل بينهما، يعني الانصراف عن العقد والدليل على عدم الإرادة الجازمة في إبرامه، قال النووي: (يشترط أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول وأن لا يتخللهما كلام أجنبي عن العقد، فإن طال أو تخلل، لم ينعقد سواء تفرقا عن المجلس أم لا) (١) . ٤- عدم الهزل في كلام العاقد: من الشروط التي ينبغي تحققها في ركن العقد، أن يكون العاقد غير هازل في كلامه، لأن الهزل دليل على عدم الرغبة الصادقة في إبرام العقد. ٥- أن يكون كل من الإيجاب والقبول باتًّا منجزًا غير معلق على شرط ينافي مقتضى العقد أو مضافًا إلى زمن في المستقبل فلو قال رجل لآخر: بعتك هذا العرض غدًا أو بعد أسبوع مثلًا، فلا يتم العقد في هذه الحالة، ذلك أن الأصل في عقود التمليكات أن يترتب عليها أثرها فورًا، فالتعليق على شرط أو الإضافة إلى زمن مستقبل يتنافى مع مقتضى العقد، فلم يصح (٢) . ٦- اتحاد مجلس العقد: من شروط صحة العقد اتحاد المجلس، والمقصود بذلك أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، فإن اختلف المجلس لا ينعقد، فلو أوجب أحد العاقدين البيع، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل لا ينعقد (لأن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر في المجلس لأنه كما وجد أحدهما انعدم في الثاني من زمان وجوده، فوُجِد الثاني والأول منعدم فلا ينتظم الركن) (٣) . إلا أن اعتبار ذلك كما يقول الكاساني يؤدي إلى انسداد باب البيع فتوقف أحد الشطرين على الآخر حكمًا وجعل المجلس جامعًا للشطرين مع تفرقهما للضرورة، وحق الضرورة يصير مقتضيًا عند اتحاد المجلس (٤) .

стр. 8507

٧- أن تكون صيغة الإيجاب والقبول بلفظ الماضي: يؤثر فقهاء المسلمين صيغة الماضي لانعقاد العقد، لأنها تعتبر مظهرًا واضحًا للتعبير عن الإرادة في مرحلتها النهائية، الإرادة التي تجاوزت دور التردد والتفكير والمفاوضة والمساومة إلى دور الجزم والقطع والبت والحسم، أما غيرها من صيغ المضارع والأمر والاستقبال فلأنها تحتمل الحال والاستقبال، ولأن الصيغة لا بدّ من أن تتمحض للحال دون الاستقبال، كذلك وجب الرجوع في هذه الصيغة إلى الظروف والملابسات، فإن دلت الصيغة بطريق الاقتضاء على الحال انعقد العقد (١) . وفي ذلك يقول الكاساني: إن الإيجاب والقبول قد يقع بصيغة الماضي وقد يقع بصيغة الحال، أما صيغة الماضي فيتم الركن بها، لأنها وإن كانت للماضي وضعًا لكنها اعتبرت إيجابًا للحال في عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاضٍ على الوضع. ومثل صيغة الماضي ما إذا كان الإيجاب بلفظ الحال والقبول بلفظ الماضي كأن يقول البائع: خذ هذا الشيء بكذا، أو: أعطيتك بكذا، أو: هو لك بكذا، فيقول المشتري: قبلت، أو: رضيت، فالعقد يتم في هذه الحالة (لأن كل واحد من هذه الألفاظ يؤدي معنى البيع وهو المبادلة، والعبرة للمعنى لا للصورة) (٢) . وإذا كان الإيجاب والقبول بلفظ الحال، وكانت نية المتبايعين متجهة إلى إبرام العقد، فالركن يتم في هذه الحالة، مثال ذلك: إذا قال البائع: أبيعه منك بكذا وقال المشتري: أشتريه، ونويا الإيجاب فقد تم الركن أيضًا. وقد علل الكاساني سبب وجوب النية في هذه الصيغة وإن كانت صيغة أفعل للحال في الصحيح، لأنه غلب استعمالها للاستقبال إما حقيقة أو مجازًا فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية. (٣) . أما انعقاد البيع بصيغة الاستفهام، فلا تصح باتفاق الفقهاء، فلو قال رجل لآخر: أتبيعني هذه السلعة بكذا أو أبعتها مني بكذا، فأجابه الطرف الآخر بالقبول، لا يتم العقد ما لم يقل الطرف الأول وهو المشتري اشتريت (٤) . وهل ينعقد بصيغة الاستقبال وهي صيغة الأمر، بأن يقول المشتري للبائع: بع هذا الثوب مني بكذا، فيقول البائع: بعت، فعلى رأي الأحناف لا ينعقد البيع ما لم يقل المشتري: اشتريت، ومثل هذه الصيغة أيضًا في الحكم ما إذ قال البائع للمشتري: اشتر مني هذا الشيء بكذا، فقال: اشتريت، فلا ينعقد البيع أيضًا ما لم يقل البائع: بعت (٥) .

стр. 8508

وإلى هذا ذهب الحنابلة في رواية عنهم (١) . وقال الشافعية بجواز العقد في هذه الحالة أيضًا، فقد حكى النووي عن الغزالي، أنه لو قال أحد المتبايعين: بعني، فقال: قد باعك الله أو: بارك الله لك فيه، فإن نوى المتعاقدان البيع، صح، وإلا فلا (٢) . وبهذا قال المالكية أيضًا (٣) . وهذه هي الرواية الثانية للحنابلة (٤) . وهذا ما أختاره، لأن النية هي المعتبرة في مثل هذه العقود، والله أعلم. كيف يتم العقد؟ إذا أوجب أحد المتعاقدين العقد بالصيغة الدالة عليه على النحو الذي ذكرناه، كان للمتعاقد الآخر أن يقبل هذا الإيجاب إلى حين انفضاض المجلس، وهذا ما يسمى بخيار القبول. ولما كان الموجب نفسه بالخيار أيضًا في رأي أكثر المذاهب (٥) بين البقاء على إيجابه أو الرجوع عنه، فمعنى ذلك أن الإيجاب غير ملزم، وللموجب أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول، وهذا ما يسمى بخيار الرجوع، فإذا انفض المجلس دون أن يصدر القبول، سقط الإيجاب. وإذا بقي الموجب على إيجابه، وصدر من المتعاقد الآخر قبل انفضاض المجلس قبول يطابق الإيجاب من جميع الوجوه، انعقد العقد (٦) . حكم التعاقد بغير صيغة لفظية: قلنا فيما سبق: إن صيغة العقد تظهر حقيقة رغبة المتعاقدين في إبرام العقد وإن صيغة الماضي هي الصيغة المؤثرة عند فقهاء المسلمين لانعقاد العقد، ونريد أن نبين هنا حكم ما إذا أراد المتعاقدان أن يعبِّرا عن رغبتهما بغير صيغة لفظية، سواء كان ذلك بمحض اختيارهما كما في التعاطي أو اضطر أحدهما أو كلاهما لذلك كالإشارة بالنسبة للأخرس، أو المراسلة والكتابة بالنسبة للغائبين.

стр. 8509

رأي الفقهاء في البيع بالمعاطاة: اتجه الفقهاء في البيع بالتعاطي اتجاهين: ١- ذهب أصحاب الاتجاه الأول إلى عدم صحة البيع بالمعاطاة هذا هو رأي الإمام الشافعي، جاء في الروضة: (المعاطاة ليست بيعًا على المذهب) (١) . وقال الفيروز أبادي: (ولا ينعقد البيع إلا بالإيجاب والقبول، فأما المعاطاة فلا ينعقد بها البيع) (٢) .وبهذا قال الكرخي من الحنفية فيما لو كان المعقود عليه نفيسًا (٣) .وحكى ابن قدامة عن القاضي الحنبلي مثل هذا الرأي أيضًا (٤) . وبه قالت الزيدية والهادوية (٥) . ٢- ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز البيع بالتعاطي، جاء في مختصر سيدي خليل المالكي: (ينعقد البيع بما يدل على الرضا وإن بمعاطاة) (٦) . قال الخرشي معقبًا على ذلك: وينعقد البيع وإن كان ما يدل على الرضا أو الدال عليه معاطاة، كأن يعطي رجل لآخر الثمن فيعطيه المثمون من غير إيجاب ولا استيجاب (٧) . وهذه وجهة نظر الأحناف ما عدا الكرخي، نص على ذلك صاحب الهداية حيث قال: ينعقد البيع بالتعاطي في النفيس والخسيس وهو الصحيح لتحقق المراضاة من المتعاقدين (٨) ، وهذا ما نص عليه الإمام أحمد (٩) . وبه قال بعض أئمة الشافعية أيضًا، وهو المختار عند النووي والمتولي والبغوي، لرجحان دليل جواز البيع بالمعاطاة من جهة، لأنه على حد تعبير صاحب الروضة، لم يصح في الشرع اشتراط لفظ، فوجب الرجوع إلى العرف كغيره من الألفاظ (١٠) . ومن أبرز أدلة الجمهور على جواز البيع بالمعاطاة ما يلي: (أ) أن الله قد أحلّ البيع ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، وعرف الناس جارٍ على هذا. (ب) لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه مع كثرة تعاملهم بالبيع استعمال صيغة الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم، لنقل نقلًا شائعًا. (ج) أن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعًا (١١) . والمرجح عندي رأي الجمهور لوجاهة أدلتهم ولما فيه من تيسير على الناس.

стр. 8510

البيع بالإشارة: اتفق الفقهاء على أن إشارة الأخرس تقوم مقام لفظه، فإن لم تفهم إشارته أو جنّ أو أغمي عليه قام وليه من الأب أو وصية أو الحاكم مقامه. قال النووي: (يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة والكتابة) (١) . وهذا ما نص عليها الفقهاء الآخرون (٢) . حكم التعاقد بالكتابة والمراسلة: ١- ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك، قال الكاساني: (والأصل أن أحد الشطرين من أحد العاقدين في باب البيع يتوقف على الآخر في المجلس ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد فيما وراء المجلس بالإجماع إلا إذا كان عنه قابل أو كان بالرسالة أو الكتابة) (٣) . وقد دلل الكاساني على وجهة نظره هذه بما يلي: (أ) فيما يخص المراسلة قال: إن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل وناقل لكلامه إلى المرسل إليه، فكأنه حضر بنفسه فأوجب البيع وقبل الآخر في المجلس. (ب) أما بالنسبة للكتابة، فإن خطاب الغائب لا يكون إلا بطريق الكتابة، وخطابه بمثابة حضوره بنفسه، فكأنه خاطب بالإيجاب وقبل الآخر في المجلس. فعلى هذا لو أرسل رجل ببغداد رسولا إلى البصرة مثلًا قائلا للرسول: إني بعت داري التي في البصرة لفلان الغائب فاذهب إليه وأخبره بذلك، فذهب الرسول وبلغ الرسالة، فقال المشتري في مجلسه ذلك: قبلت، انعقد البيع. ومثل الرسالة في الحكم ما إذا أبرق له برقية أو كتب له رسالة يخبره ببيع داره أو سلعته المعينة، فقبل المخاطب، فالعقد يتمّ في هذه الحالة. ولو خاطب ثم رجع قبل قبول الآخر، صح رجوعه، وكذا لو أرسل رسولا ثم رجع (لأن الخطاب بالرسالة لا يكون فوق المشافهة، وذا محتمل للرجوع فههنا أولى) سواء علم الرسول برجوع المرسل أو لم يعلم.
следующие страницы →