وهذه المسألة ترجع إلى قضية من أفطر في نهار رمضان، يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب، وقد وقعت هذه القضية على الصحابة – ﵃ – كما روى البخاري في صحيحه، قال: حدثنى عبد الله بن شيبة، حدثنا أبو اسامة عن هشام بن عروة عن فاطمة عن اسماء بنت أبي بكر قالت: "أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غميم ثم طلعت الشمس، قيل لهشام: أفأمروا بالقضاء، قال: بد من قضاء، وقال معمر: سمعت هشاما قال: لا أدرى أقضوا أم لا". قال في فتح الباري: (اختلف عن عمر في ذلك فروى عنه ترك القضاء قائلا: لم نقض إنما لم نتجانف الإثم) وروى مالك عنه انه قال: الخطب يسير وقد اجتهدنا.
وروى عبد الرزاق، عنه انه قال: نقض يوما، وروى سعيد بن منصور عنه: وفيه من أفطر منكم فليصم يوما مكانه، قال: وجاء ترك القضاء عن مجاهد والحسن، وبه قال إسحاق وأحمد في رواية واختاره ابن خزيمة، انتهى.
وظاهر المذهب وجوب القضاء لكون الأصل بقاء النهار. وحكي في الافصاح اتفاق الأئمة على وجوب القضاء.
ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – عدم القضاء لدخوله في عموم قوله: عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وكما لو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع فتبين انه طالع فلا قضاء عليه في ظاهر المذهب.
وقد نص الفقهاء على انه لو وقف الناس بعرفة اليوم الثامن خطأ، فإن حجهم صحيح لقول النبي ﷺ : ((الحج يوم يحج الناس وهذا يوم حج الناس)) ، على حسب اجتهادهم، كما لو اجتهد إنسان فصلى ثم تبين انه صلى إلى غير جهة القبلة، فإن صلاته صحيحة ولا يعيدها، لكون المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر الذي يسعهم العلم به، فإذا اجتهدوا فأخطأوا فلا حرج عليهم، أشبه بالقاضى إذا اجتهد وأخطأ فله أجر.
стр. 877
موانع الرؤية للهلال بمقتضى سنة الله الجارية في خلقه
إن الهلال من آيات الله في استهلاله وفي إبداره وفي استسراره، وقد جعل الله له علامات يعرف بها إمكان رؤيته وعلامات يعرف بها تعذر رؤيته، كما جعله تارة ثلاثين وتارة تسعا وعشرين، وقد قال بعض الصحابة: لما صمنا مع النبي ﷺ تسعا وعشرين أكثر ما صمنا ثلاثين، والرؤية الصادقة الصحيحة تصدق ذلك أو تكذبه، فهي أصح العلامات للعمل به، لحديث: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) ، وقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) .
ومتى رؤي الهلال ابتدأ حكم به لأول ليلة، سواء كان صغيرا أو كبيرا وسواء كانت منزلته مرتفعة أو منخفضة، لأن الجلي الحقائق ما شوهد بالعيان.
أما العلامات التي يعرف بها امتناع رؤيته وعدم صحة الشهادة به، فمن أهمها كونه يرى صباحا فيما بين الفجر وطلوع الشمس من جهة الشرق، ثم يدعي بعضهم رؤيته مساء من ذلك اليوم من جهة الغرب، فإن هذا من الممتنع المستحيل قطعا، بمقتضى الحس والتجربة، والعادة الجارية في سنة الله حتى ولو كان أقوى نظرا من زرقاء اليمامة، فلا تتفق رؤيته صباحا ثم رؤيته مساء من ذلك اليوم، فمن ادعاه فإنما خيل له ولم يره، فالشهادة بذلك تعتبر كاذبة، لأن من شرط صحة الشهادة كونها تنفك عما يكذبها.
стр. 878
وقد أجرى الله العادة في خلق القمر أنه يظهر لأبصار الناس في ثمانية وعشرين يوما من الشهر لحلوله في ثمانية وعشرين منزلا، ثم يختفي عن أبصار الناس يومين أن كان تاما ثلاثين أو يوما واحدا أن كان ناقصا، أي تسعة وعشرين.
فهذا الاختفاء والاستسرار في اليومين أو اليوم لا بد منه كما هو متفق عليه عند أهل العلم وأهل الحساب والجداول والمفسرين وعلماء اللغة وبعضهم قال بجواز اختفائه ثلاثة أيام.
ويمسى هذا الاختفاء للهلال: السرار والاستسرار واجتماع النيرين والمحاق وغير ذلك من التسمية الجارية على ألسنة العرب، فمتى رأوه صباحا طالعا نيرا، عرفوا تمام المعرفة انه لن يهل مساء من ذلك اليوم أبدا، بمقتضى العادة التي أجراها الله فيه.
وما يدعيه بعض أهل العلم من إخواننا في زماننا من القول بجوازه وعدم امتناعه كما سمعنا من بعضهم ويجادلون في إثباته فهو قول لم يستند إلى إثبات لا بطريقة المشاهدة ولا التجربة، ويترجح أن هذا القول إنما خرج منهم مخرج الظن والتخمين بدون علم ولا يقين وبدون مشاهدة ولا تجربة، وذلك لا يغني عن الحق شيئا.
وكأنهم في نظرهم ومناظرتهم بنوا أمرهم على الشهادة المزيفة برؤية الهلال حيث يراه الناس صباحا، ثم يشهد بعضهم برؤيته مسا، فبنوا أمرهم ورأيهم على هذه الشهادة الكاذبة وجعلوها لهم بمثابة القاعدة وهي بلا شك من باب قياس الفاسد على الفاسد، وسنورد من الأدلة ما يوضح امتناع ذلك وعدم إمكانه بمقتضى سنة الله في خلقه.
стр. 879
قال البغوي في تفسيره على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ من سورة يونس.
قال: أن منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا وأسماءها: السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرفة والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك الأعزل والغفر والزبانا والإكليل والقلب والشولة والنعايم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم والفرغ المؤخر والرشاء.
قال: فينزل القمر كل ليلة منزلا منها ويستتر ليلتين أن كان الشهر ثلاثين أو ليلة واحدة أن كان تسعا وعشرين.
وقال القرطبي في تفسيره على الآية وعلى قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ .
قال: أن الله سبحانه قدر للقمر منازل وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر منها كل ليلة بمنزلة ويومان للنقصان والمحاق، ثم ساق عدد النجوم الثمانية والعشرين ينزل في كل ليلة منها ثم يستتر.
وقال ابن كثير في سورة نوح:
قدر الله للقمر منازل وبروجا وفات نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستتر ليدل على مضى الشهر.
стр. 880
وقال الخطيب الشربيني، في تفسيره: أنوار التنزيل، قال: أن منازل القمر ثمانية وعشرون وأسماءها: السرطان والبطين.. الخ.
قال: وهذه المنازل مقسومة على البروج هي اثنا عشر برجا لكل برج منزلان وثلث، فينزل القمر منها كل ليلة منزلا ثم يستتر ليلتين أن كان ثلاثين أو ليلة واحدة إن كان تسعا وعشرين.
وقال في تفسير المنار على الآية المذكورة:
قال: أن الله قدر للقمر في سيره في فلكه منازل ينزل كل ليلة في منزل منها لا يخطئه ولا يتخطاه وهي ثمانية وعشرون معروفة تسميها العرب بأسماء النجوم المحاذية لها وهي ثمانية وعشرون: السرطان والبطين وذكر بقية النجوم، ثم قال: فهذه المنازل الثمانية والعشرون هي التي يرى فيها القمر بالأبصار، ثم يبقى ليلتان أن كان الشهر ثلاثين أو ليلة واحدة أن كان تسعا وعشرين يحتجب فيها عن الأبصار فلا يرى أبدا.
وقال شيخ الإسلام – ابن تيمية – ﵀:
قال: أن القمر يجرى في منازله الثمانية والعشرين كما قدره الله منازل، ثم يقرب من الشمس فيستتر ليلة أو ليلتين لمحاذاته لها، فإذا خرج من تحتها جعل الله فيه النور، ثم يزداد نوره كلما بعد عنها إلى أن يقابلها ليلة الإبدار، ثم ينقص كلما قرب منها إلى أن يجامعها، ولهذا يقولون الاجتماع، وأهل الحساب يسمونه اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار، كما يعرف بذلك وقت الكسوف والخسوف، فإن الشمس لا تكسف في سنة الله إلا عند الاستسرار إذا وقع القمر بينها وبين ابصار الناس على محاذاة مضبوطة، كما أن القمر لا يخسف إلا في ليالي الإبدار لتحول الأرض بينه وبين الشمس، فمعرفة الكسوف والخسوف تدرك بالحساب الصحيح.
قال: وأهل الحساب يرون بأنهم يعرفون طلوع الهلال بأنه عند غروب الشمس يكون قد فارقها بعشر درجات أو أقل أو اكثر أما كونه يرى أو لا يرى فهو امر حسي طبيعي يحققه وجوده ليس حسابيا، والأمر الشرعي في الصوم والفطر إنما يترتب على الرؤية المحققة لا على الحساب، انتهى (١) .
وقال الراغب الأصبهاني في غريب القرآن، قال: والسرار هو اليوم الذي يستسر فيه القمر آخر الشهر وقال في نهاية ابن الاثير، قال الأزهري: يقال سرار الشهر وسرره وهو آخر ليلة استسر فيها الهلال بنور الشمس، وقال في مختار الصحاح: استسر القمر أي خفي ليلة السرار وربما كان ليلة وربما كان ليلتين.
وقال في لسان العرب: استسر القمر إذا خفى ليلة السرار، وربما كان ليلة وربما كان ليلتين، قال الشاعر:
نحن صبحنا عامرا في دارها عشية الهلال أو سرارها
قال: وحكى عن الكسائي وغيره، انه قال: السرار آخر الشهر ليلة يستسر الهلال.
وقال أبو عبيدة: ربما استسر ليلة وربما استسر ليلتين.. انتهى. وبهذا يتبين أن استسرار القمر آخر الشهر ليلة أو ليلتين انه من الأمر الثابت شبه المجمع عليه عند المحققين من سائر العلماء، وقد أجرى الله العادة به واستقر في نفوس الناس معرفته فمتى رآه الناس صباحا عرفوا تمام المعرفة انه لن يهل مساء أبدا ولا تنخرم هذه العادة التي هي بمثابة القاعدة، بدعوى الرؤية الكاذبة، وما كل ما يقال انه رؤي في بلد كذا أن يكون صحيحا واقعا لوقوع الفرق شرعا وعرفا بين الخبر واليقين، والله أعلم.
стр. 881
رؤية الهلال نهارا قبل الزوال وبعده
وأما قول الفقهاء من الحنابلة وغيرهم: (وإن رؤى الهلال نهارا فهو لليلة المقبلة، سواء كان قبل الزوال أو بعده) ، قاله في الإقناع، ومختصر المقنع وغيرهما، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة. فهذا القول جرى من الفقهاء على سبيل الفرض والتقدير لكونهم يقدرون دائما ما لا يقع على فرض وقوعه، فهم يقدرون رؤيته نهارا لعارض يعرض في الجو، بحيث يقلل ضوء الشمس فيتمكن قوي النظر من رؤيته، وهو تقدير يبعد وقوعه جدا وإن رؤيته قبل الغروب مستحيلة وغير ممكنة ولو فرض وقوعها فإنه لا تأثير لها في حكم إثبات الصيام بها، وقد أنكر هذا التقدير بعض الفقهاء وعدوه من الأمر المستحيل، لعدم إمكن وقوعه لكون الهلال لا يرى برؤية صحيحة إلا بعد غروب الشمس وذهب شعاعها كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وحتى صاحب "كشاف القناع في شرح الإقناع" (١) ، استدرك على الفقهاء القول به، قائلا: إنه لا أثر لرؤية الهلال نهارا وإنما يعتد بالرؤية بعد الغروب، قال: ولعله مراد أصحابنا لظاهر الخبر السابق فعلم منه أن الرؤية قبل الغروب لا تأثير لها.. انتهى.
والخبر السابق الذي أشار إليه هو ما رواه الأعمش عن أبي وائل شقيق ابن سلمة، قال: أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا أو يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس عشية، رواه الدارقطني، وهذا الأثر عن عمر دليل واضح على عدم الاعتبار برؤية الهلال في النهار، سواء كان قبل الزوال أو بعده، وأنه لا يعتد به على فرض وقوعه، وقد قال في بداية المجتهد: أن سبب اختلافهم في حكم رؤية الهلال بالنهار هو ترك اعتبار التجربة وليس في ذلك أثر عن النبي ﷺ يرجع إليه، ويحكى عن القاضي قائلا: الذي يقتضيه القياس والتجربة أن القمر لا يرى والشمس بعد لم تغب لكون المعتمد في ذلك على التجربة كما قلنا ولا فرق في ذلك قبل الزوال ولا بعده، وإنما المعتبر في ذلك مغيب الشمس أول مغيبها.. انتهى.
стр. 882
رفع النزاع الواقع في اختلاف المطالع
إن مطالع الهلال متفقة ومتقاربة في البلدان العربية وسائر البلدان الذي يسكنها المسلمون، وذلك بمقتضى المشاهدة والتجربة وتناقل الأخبار من بين سائر الأقطار.
وما ذكره الفقهاء من اختلاف المطالع فيما بين الشام والحجاز وفيما بين مصر والعراق، فيترجح بأن هذا التحديد جرى منهم على حسب الاجتهاد، يؤجرون عليه ولا يلزم التقيد به لكونه جرى منهم بدون تجربة ولا مشاهدة، فظنوا وقوع التفاوت في المطالع بين هذه البلدان فقالوا بموجبه على سبيل الفرض والتقدير لصعوبة المواصلات في زمنهم وتعذر الاتصالات من بعضهم مع بعض.
أما في هذا الزمان، فإنه بمقتضى اختراع الآلات الناقلة للذوات والمقربة للأصوات، فقد صارت الدنيا كلها بأسرها كمدينة واحدة وكأن عواصمها بعدها غرف متجاورة يتخاطبون فيما بينهم شفهيا من بعيد كتخاطبهم من قريب، ويسأل بعضهم بعضا عن الهلال وقت طلوعه فيخبره بما يوافق في بلده فعلموا بذلك عدم التفاوت في المطالع بين سائر البلدان العربية، لكونها من الأمور الحسية التى تدرك بالمشاهدة والتجربة، فضعف القول باختلاف المطالع في هذا بعد وقوفهم على عدم صحته.
يحققه أن بعض الأقطار المتباعدة، مثل: بلدان سلطنة عمان وفارس وباكستان والهند، بما فيه من المسلمين أنهم إنما رأوا هلال شوال من هذه السنة ليلة الأحد وصار عيدهم بالأحد، وعندنا لم يره الناس رؤية صحيحة ثابتة إلا ليلة الأحد ليلة رآه أهل الهند وباكستان، ولا عبرة بما قيل من رؤيته قبلها بناء على الأوامر الصادرة عليهم بالفطر، فإننا إنما نتكلم على الرؤية الثابتة المعترف بصحتها وإن رؤيتنا لهلال شوال توافق رؤية فارس والهند وباكستان على حد سواء، غير أنه قد يختلج في نفوس بعض الناس شيء من الشك في ذلك، حينما يرى ويسمع أن الشمس تغرب في بعض البلدان في الوقت الذي تغرب فيه في البلدان الأخرى، كما أنها تغرب في الشام والعراق قبل غروبها في الحجاز، وتغرب في باكستان والهند قبل غروبها في نجد والحجاز بعدد ساعات فيظنون أن اختلافها في مشارقها ومغاربها انه مما يتغير به مطلع الهلال تبعا لها، وهذه هي الشبهة التي جعلت الفقهاء المتقدمين يقولون باختلاف المطالع وفات عليهم بأن الله سبحانه خلق القمر ميقاتا لجميع الناس عربهم عجمهم في صومهم وحجهم، فهو آية من آيات الله في استهلاله وإبداره واستسراره، ومسخر من الله لمصالح عباده، فهو يساير الشمس حسبما يراه الناظرون والا فإن فلكه غير فلكها.
стр. 883
وعند اقتراب انقضاء الشهر، فإنه يقرب منها كالملازم لها أحيانا، يطلع صباحا من جهة الشرق قبلها فيغيب قبلها فلا يراه احد في أي بلد وأحيانا ينحسر عنها ويتخلف عنها، فتطلع قبله وتغيب قبله، فمتى بعد عن شعاعها على قدر ما يتمكن من رؤيته الناظرون فإنهم حينئذ يرونه في كل بلد، كما أنه لا يتغير طلوعه في حال قصر الليل ولا طوله، لأن الله سبحانه نصب الهلال ميقاتا لجميع الناس وما كان كذلك فإنه لن يختلف بحال ولا يتغير في محل دون محل، وهذا معني قول النبي ﷺ : ((صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون)) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
وعن عائشة – ﵂ – أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس)) . رواه الترمذي.
والخطاب في هذا لجماعة الناس، فليس منشأ الخلاف بين الناس من مطلع الهلال، وإنما يعود إلى التثبت في الرؤية وعدمها لوقوع الاختلاف من الرائي لا المرئي، فإن الرؤية تختلف باختلاف صفاء الجو وكدره وقوة النظر وضعفه، والاستعداد لمراقبته وقت التحري له من جهة مطلعه وعدم الاستعداد لذلك، ثم التثبت لصحة الرؤية وعدم التثبت فيها، وبهذه الأسباب تختلف الأحوال في المحلات في الحكم برؤية الهلال، وهذا الاختلاف يقع من قديم الزمان بين البلدان المتجاورة كما يقع بين البلدان المتباعدة، وسببه معقول كما ذكرنا.
стр. 884
ثم أن القول باختلاف المطالع من لوازمه أن شهر رمضان الذي افترض الله على عباده صيامه بكماله انه ينتقل من بلد إلى بلد فيكون أول رمضان في إحدى الأقطار بالجمعة وفي القطر الثاني بالسبت وفي القطر الآخر بالأحد، وهذا لا يكون أبدا حتى ولو قدر وقوعه فعلا بناء على التثبت في الرؤية وعدم التثبت فيها ووقع الغيم في جهة والصحو في الجهة الأخرى، وغير ذلك من الأعذار المقتضية لاختلاف الناس في الدخول في الصيام والخروج منه، لكن الأمر الصحيح أن رمضان الذي افترض الله صومه على عباده هو معلوم العدد والحد تارة تسعا وعشرين وتارة ثلاثين ومعلومة حدوده في دخوله وخروجه، لا ينتقل أبدا، أما كون الناس يختلفون في التثبت في رؤيته وعدم التثبت، فإن هذا امر واقع ولا يغير شيئا من صفاته التى رتبها الله عليه في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ .
فكما أنه لا يتغير من بلد إلى بلد في حالة مطلعه واستهلاله، فكذلك لا يتغير في كل قطر عن حالة إبداره فكل الدنيا تتفق على حالة الإبدار التي يعرفون بها هيجان البحر واضطرابه وانتفاخه في سائر الأقطار وذلك يوم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وقد زعموا أن هذا الاضطراب وهيجان البحر أنه من تأثره بالقمر، والله أعلم، ومما يؤكد هذا، أن الصحابة – ﵃ – لما اتسعت فتوحهم الإسلامية وامتد سلطانهم على الأقطار الأجنبية، وكانوا هم الملوك والأمراء في مشارق الأرض ومغاربها وفي ممالك كسرى وقيصر وغيرها، فكانوا يتراسلون ويتساءلون عما يلزم من الأحكام وأمور الصيام وكان عمر بن الخطاب – ﵁ – يأمر أمراءه وعماله بأن يلقوه بموسم الحج بمكة كل عام فيسأل كل واحد منهم عن ولاية عمله وشئون بلده.
стр. 885
ومع هذا كله، فلم يثبت عنهم ولا عن احد منهم الخوض في اختلاف مطالع الهلال، إذ لو كان له أصل لأكثروا فيه الكلام وبينوا للناس ما يترتب عليه من أحكام الصيام، كما أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ في موضوعه حديث واحد لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، غير أن الفقهاء أخذوا القول به من مفهوم حديث ابن عباس مع كريب، لما قدم عليه من الشام وقال له: متى رأيتم الهلال؟ قال: رأيناه يوم الجمعة، قال: أنت رأيته؟ قال: نعم، رأيته وصام أمير المؤمنين وصام الناس معه، فقال ابن عباس: أما نحن فلم نر الهلال إلا ليلة السبت ونصوم حتى نراه أو نكمل عدة رمضان ثلاثين يوما فقال كريب: (ألا نكتفي برؤية أمير المؤمنين، فقال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ وكأنه يشير إلى حديث ((صوموا لرؤية وأفطروا لرؤيته)) وحديث: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين)) ، وهذا الرأى وهذا العمل وقع من ابن عباس – ﵁ – موقع الاجتهاد وهو عين الصواب، يريد أن لا يخرج من الصوم إلا بيقين الفطر من الرؤية أو إكمال العدة، ولم يقل ابن عباس في حديثه مع كريب، بأن مطلع الهلال بالشام غير مطلعه بالحجاز، وإنما أخذوه على حسب الظن منهم فيه، فقالوا بموجبه، ثم أخذ بعضهم ينقل عن بعض القول به حتى اشتهر وانتشر ولعل ابن عباس لم يكن هذا مراده، وإنما أراد الأخذ بالحزم وأن يفطر على يقين من الرؤية أو إكمال العدة.
ومن المعلوم أن الفقهاء قد نصوا على انه لو رأى أحد هلال شوال بطريق اليقين فردت شهادته أو لم يشهد بذلك، وقد صام الناس من أجل أنهم لم يروا الهلال، فإنه يجب عليه أن يصوم مع الناس ولا يفطر في الراجح من الأقوال، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وفاقا للحنابلة، بل قد نصوا أيضا على أنهم لو صاموا رمضان بشهادة واحد ثلاثين يوما فلم يروا الهلال، فإنه يجب بأن لا يفطروا حتى يروه حتى ولو صاموا إحدى وثلاثين يوما. ذكره في الإقناع ومختصر المقنع وغيرهما، وهذا القول ينطبق على فعل ابن عباس – ﵁.
ثم أن الكثيرين من شراح حديث ابن عباس مع كريب، قالوا: إنما رد ابن عباس شهادة كريب ولم يعمل بها، من أجل انه شاهد واحد والمفروض شاهدان، استحياطا لحفاظ هذه الفريضة، إذ ما كل ما يقال إنه رؤى في بلد كذا أن يكون صحيحا ثابتا ولا كون الرائي عدلا صادقا اللهم إلا أن يقال بثبوت وقوع التفاوت في المطالع بطريق اليقين بين الأقطار الأجنبية الواسعة والأقاليم الشاسعة، وأن مطلع الهلال فيها غير مطلعة في الجزيرة العربية وما جاورها، فعند ثباته يتعلق حكم كل قطر وكل إقليم برؤيته بنفسه والله أعلم.
стр. 886
اجتماع أهل الإسلام على عيد واحد كل عام
إن كل اجتماع يعقده الزعماء والرؤساء وسائر المنتدبين لعلاج الأوضاع وإصلاح الأحوال والأعمال، فإن مبدأ حديثهم يتناول البحث عن اختلاف المسلمين في الأعياد، حيث يكون عيد بعضهم اليوم وبعضهم بعد يومين، والكل مسلمون على دين واحد، فهم يرون أن في هذا الاختلاف نوع مغمز لأعداء الإسلام، حيث يظنون أن المسلمين متفرقين في أصل الدين والعقيدة، وأنهم لن يتفقوا أبدا، فالزعماء أعطوا هذا البحث نوعا من الاهتمام يحبون اجتماع المسلمين على عيد واحد في يوم واحد، كما أنهم على دين واحد يأمر بالاجتماع والاتفاق وينهى عن الاختلاف والافتراق ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ، وكان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) .
وأن هذه البغية المنشودة والرغبة المطلوبة لمن العمل السهل الميسر متى أخذوا بعزائم أسبابها ودخلوا عليها من بابها، كيف وقد نصب الله لها صوى ومنارا يعرفهم طريقها ويسلك بهم سبيل تحقيقها.
ونحن نعيش في ضمن دولة إسلامية دينية، هدفها الحق والسير برعاياها على سبيل العدل، فهي تحيل النظر في أحكام الأهلة إلى المحاكم الشرعية، لتصحيح الشهادة وتمحيص العدالة، ثم إبلاغ الناس بما يلزم من ذلك.
وأن الرأى السديد والأمر المفيد لجمع الناس على الصيام والعيد القريب منهم والبعيد، هو في امتثال المأمور واتباع المأثور الثابت عن النبي ﷺ حيث قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) .
стр. 887
وفي قوله: ((إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا، تارة تسعا وعشرين وتارة ثلاثين، فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له)) متفق عليه، ولمسلم: فاقدروا له ثلاثين.
فالخطاب في هذا كله لعامة المسلمين الذين خلق الله لهم الأهلة ليهتدوا بها لميقات صومهم وحجهم، لأن من مقاصد الشارع اتفاق الأمة في عباداتها وأعيادها ما أمكن الاتفاق.
وغرض الشارع الحكيم من هذا كله هو شهرة العلم بهذه الأوقات لقصد التعبد فيها بوظائفها المفروضة على الناس.
وأن الأحكام المتعلقة بالصيام وعيد الإسلام منوطة برؤية الهلال رؤية صحيحة ثابتة، بحيث يراه عدد من العدول المعروفين بالثقة والعدالة، إذ الهلال امر مشهور مشهود به مرئي بالأبصار ومن أصح المعلومات ما شوهد بالعيان، إذ ليس الخبر كالعيان.
والحكمة في ذلك جعل العبادة في ابتدائها وانتهائها مما يتيسر العلم بوقته لكل احد من بادية وحاضرة، وعالم وجاهل وكاتب وأمي ورجل وامرأة، فلم يجعل عبادة أحد متعلقة بإرادة الآخر، لأن الله سبحانه العظيم شأنه، علم ما كان يتلاعب به علماء الأديان ورؤساء الأمم السابقة، من تصرفهم في العبادات الشرعية، حيث أسقطوا عن أممهم فرض الصيام الواجب عليهم تدريجيا، وكانوا يحلون لهم ويحرمون بدون إذن من الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فجعل عبادة هذه الأمة متعلقة بالمشاهدة والظهور والأمر الجلي، سواء في ذلك فرائض الصلوات والصيام والحج، يقول الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ .
فمعرفة وقت الصيام في دخوله وخروجه، يعرف برؤية الهلال جليا واضحا، بحيث يستوى في العلم به والتكليف بواجبه جميع الناس أو بإكمال العدة عند حصول ما يمنع الرؤية ومتى رؤى ابتداء فإنه يحكم لأول ليلة، سواء كان صغيرا أو كبيرا وسواء كانت منزلته عالية أو منخفضة، فلو جرى المسلمون على عملية التوثق واليقين في دخوله وخروجه، بحيث لا يصومون ولا يفطرون حتى يراه عدد من العدول الثقات لسلموا من هذه التشكيكات والاختلافات في الصوم والعيد الناشئة عن الشهادات غير الثابتة في الرؤية والتساهل في الحكم بصحتها والعمل بها. والله أعلم.
стр. 888
ترائي الهلال مستحب
إنه يستحب الترائي للهلال وقت التحرى لطلوعه للتحفظ على الوظائف المفترضة فيه حتى لا يزاد فيها ولا ينقص منها.
لقد قلنا سابقا ولاحقا: أن منشأ الاختلاف بين المسلمين في الصوم وفي العيد يعود إلى أمر واحد، وهو التثبت في دعوى الرؤية وعدم التثبت فيها، لأنه متى كان بعض المسلمين يبنون أمرهم في صومهم وفطرهم على الرؤية المحققة المستفيضة الثابتة بشهادة عدد من العدول الثقات على صحتها فيصومون برؤيتهم ويفطرون برؤيتهم على يقين من أمرهم وحزم في أمر دينهم، كما عليه العمل في سائر البلدان التي ينتحل أهلها العمل بمذهب الأحناف وهم أسعد بالصواب في هذه القضية، سيما عند فساد الناس في هذا الزمان وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – حيث يقول: إنما سمى الهلال هلالا لارتفاع الأصوات برؤيته وكما سمي شهرا لشهرته فلا يكفي عنده ولا عند الأحناف شهادة الواحد والاثنين على رؤيته في حالة الصحو من بين مجموع سائر الناس، لكون الرؤية الصحيحة الثابتة حسية تدرك بالأبصار ويشترك في العلم بها غالب أهل الأمصار، إذا لم يكن ثم ما يمنع الرؤية من غيم وغيره، لانها متى كانت الابصار متساوية والموانع منتفية، فإنه حينئذ يمتنع اختصاص الواحد والاثنين بالرؤية دون سائر الناس، فلا بد أن تنتشر وتشتهر الرؤية الصحيحة، بحيث يراه من كل بلد واحد أو اثنان.
وهذا القول بما أن له قوة في النظر، فإن له حظا كبيرا من الأثر، حيث قال النبي ﷺ : ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) ، وقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له)) ، وكلها أحاديث صحيحة ثابتة،
فمتى لم يره المسلمون وإنما أخبرهم به مخبر عن طريق الإذاعة برؤية فرد معلوم أو مجهول في بلد كذا ولم يثبت لدى احد من القضاة الشرعيين عدالة هذا الشاهد ولا ثقته، وهل هو شاهد واحد أو اثنان، فإنه حينئذ لا يقال: أن المسلمين قد رأوه وهم لم يروه، وإنما أخبروا به وليس الخبر كاليقين.
فمتى كان الأمر بهذه الصفة، فإن الاختلاف بين المسلمين في الصوم وفي العيد لا يزال واقعا ومستمرا دائما لاختلاف الأفهام في تطبيق النظام على العمل بصحيح الأحكام.
стр. 889
عملية التمهيد لجمع الناس على الصيام والعيد
إنه ينبغي لنا أن نعمل فيما يعود بالصلاح على أمتنا وأهل ملتنا، من كل ما يقضي بتخفيف هذا الاختلاف والافتراق، ويستدعي الاجتماع والاتفاق بأمر يقتضيه الحزم وفعل أولي العزم ولا ينافيه الشرع، وإن الرأي السديد والأمر المفيد لجمع الناس على الصيام والعيد القريب منهم والبعيد، هو في اتباع المأمور الثابت عن رسول الله ﷺ حيث قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) ، وفي قوله: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين)) ، وكلها أحاديث صحيحة، وبما أن أهل المدن والعواصم لا يحتفلون برؤية الهلال غالبا ولا يتفرغون للترائي ويمنعهم عدم صفاء الجو من كثرة الغبار والدخان وارتفاع البنيان، فهم يتكلون على غيرهم في استهلال الشهر وقت التحري لطلوعه، فمتى كان الأمر بهذه الصفة وأن الغفلة تغلب على اكثر الناس وإنما يراقبون خبره عن طريق الإذاعة فقط لا عن طريق الرؤية، لهذا فإن من الحزم وفعل أولي العزم تعيين "لجنة استهلالية" تشتهر بهذا الاسم أو باسم "لجنة مراصد الأهلة" أو غير ذلك من الأسماء اللائقة بعملها وتكون هذه اللجنة من العدول الثقات المعروفين بالدين والعقل وقوة النظر ولا يقلون عن عشرين شخصا، يتفرقون في الجهات كل فرقة منهم قدر خمسة أشخاص ليقوي بعضهم بعضا بالنظر، وإنما قلنا بتفريقهم في الجهات خشية أن يخيم الغيم على جهة فيتحصلون على الصحو في الجهة الأخرى فيتم المقصود بذلك، فهؤلاء يرصدون الهلال وقت التحري لطلوعه.
стр. 890
ويكون مقرهم بمكة المكرمة مكان خيرة الله لبيته الذي جعله مثابة للناس وأمنا والذي هو أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله – فهذا هو مقرهم، وأما تنظيم أمرهم وإصدار القارارات الصادرة منهم في إبلاغ إثبات الأهلة وغيرها فيكون عند "الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي" بمكة المكرمة فهي التي تتولى تنظيم أمرهم، فهذه اللجنة الاستهلالية يصرفون جهدهم في مراصدة الهلال وقت التحري لطلوعه، فإذا رأوه حكم بصحة رؤيتهم وصام الناس وأفطروا على يقين من أمرهم وحزم في أمر دينهم.
ويمكن للأئمة المسلمين وقضاتهم بأن يصدروا حكما للعمل برؤيتههم فيصير حجة على الجمهور من سائر الأقطار الإسلامية التي تتفق مطالعها وإن لم يروه ترجح عدم استهلاله فلا يتلفتوا إلى أي خبر يأتيهم من أي بلد لرجحان عدم ثباته اللهم إلا أن يثبت ثبوتا شرعيا قطعيا بشهادة عدد من العدول الذي لا يمكن اتفاقهم على الكذب، كما روى أهل المدينة عن مالك أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيهم الرؤية إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك ذكره في بداية المجتهد.
وهذا العمل بهذه الصفة هو مما يزيد المسلمين ثقة ويقينا واطمئنانا ولو عمل المسلمون عملهم في التوثق واليقين في دخول الشهر وخروجه بصفة ما ذكرنا لنجحوا في مهمة الاتفاق من جميع الآفاق.
стр. 891
وأما إذا خيم الغيم على هلال شعبان وأشكل الأمر على الناس فظاهر مذهب الحنابلة في ذلك معروف، وهو أنهم يحسبون تسعا وعشرين من شعبان ثم يصومون اليوم الثلاثين، حكما ظنيا احتياطا انه من رمضان، ويستدلون على ذلك بحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له)) وفسر ابن عمر فاقدروا له بالتضييق عليه، أي جعله تسعة وعشرين يوما، وقد خالف في ذلك من خالف من علماء الحنابلة، إذ ليس القول بهذا، متفق عليه عندهم.
أما الجمهور، فإنه عند الغيم يكملون عدة ثلاثين يوما، سواء كان الغيم في هلال شعبان أو في هلال رمضان، وكذا لو غم الذي قبله فإنهم يعملون بإكمال العدة ثلاثين من كل شهر وهذا هو الظاهر من مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – لما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة)) لمسلم (( ... فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما)) .
وكان السبب اختلافهم هو الإجمال في قوله: "فاقدروا له"، حيث فسره من فسره بالتضييق عليه، أي جعله تسعة وعشرين، كما هو رأى ابن عمر – رضى الله عنه – وذهب الجمهور إلى أن معناه إكمال العدة ثلاثين، واستدلوا له بالأحاديث المفسرة له بإكمال العدة ثلاثين.
стр. 892
أما تفسيره بالتضيق عليه، فإن فيه بعدا في اللفظ والمعنى ولم يثبت رفعه إلى الرسول بهذا اللفظ، ويكفى في رده الروايات المصرحة بإكمال العدة ثلاثين فقد ثبت رفعها وهي مفسرة لقوله: "فاقدروا له"، فوجب أن يحمل المجمل على المفسر وهي طريقة معروفة عند الأصوليين لا خلاف في جواز استعمالها، إذ ليس عندهم بين المجمل والمفسر تعارض أصلا، والمفسر مقدم على المجمل.
وعن الإمام احمد رواية أخرى أن الناس في هذه القضية تبع للإمام أن صام صاموا وإن أفطر أفطروا، لحديث ((الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون)) رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال حسن غريب، لكون القضية، موضع اجتهاد وللإمام مجال في الاجتهاد فيها.
أما المسلمون المقيمون أو الساكنون في لندن وأمريكا وفرنسا والروس وسائر بلدان أوروبا التي تغمرها الغيوم المتواصلة دائما، بحيث لا يرون فيها الشمس إلا نادرا، فضلا عن الهلال فإن هؤلاء يكونون تبعا للجنة الاستهلالية وللبلدان العربية في الصوم والفطر كسائر جماعة المسلمين، إذ هذا هو غاية جهدهم في معرفة وقت صومهم وفطرهم لحديث: ((الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحى الناس)) والناس هم جماعة المسلمين.
وفي الختام، فإن هذا هو نهاية ما حضرني من الكلام في إيراد النصوص والأحكام المتعلقة بشأن الهلال وشهر الصيام وعيد الإسلام، وهو جواب عن رسالة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي – ﵈ – كما أنها هدية دينية للخاص والعام، وأني أرجو أن تقع بموقع القبول والرضى من علماء المسلمين الذين لهم لسان صدق في العالمين، وقدم راسخ في الفقه في الدين وقلم خالص في النصح لله وعباده المؤمنين، ولاأقول ببرائتي فيها من الخطأ والتقصير،غير أنني لدى الحق أسير، إذ ليس كل قائل خبير، ولا كل ناقد بصير، سوى الله الذي لا معقب لحكمه، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على محمد البشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين.
جرى تحريره في اليوم الثامن والعشرين من شهر ذى القعدة، عام ثلاث وتسعين بعد الثلاثمائة وألف.
стр. 893
قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة
القرار الأول
بشأن العمل بالرؤية في إثبات الأهلة لا بالحساب الفلكي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
إن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع في دورته الرابعة المنعقدة بمقر الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في الفترة ما بين السابع والسابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ١٤٠١ هـ على صورة خطاب الدعوة الإسلامية في سنغافورة المؤرخ في ١٦ شوال ١٣٩٩هـ. الموافق ٨ أغسطس ١٩٧٩م الموجه لسعادة القائم بأعمال سفارة المملكة العربية السعودية هناك والذي يتضمن انه حصل خلاف بين هذه الجمعية وبين المجلس الإسلامي في سنغافورة في بداية شهر رمضان ونهايته سنة ١٣٩٩هـ الموافق ١٩٧٩م حيث رأت الجمعية ابتداء شهر رمضان وانتهاءه على أساس الرؤية الشرعية وفقا لعموم الأدلة الشرعية بينما رأى المجلس الإسلامي في سنغافورة ابتداء ونهاية رمضان المذكور بالحساب الفلكي معللا ذلك بقوله (بالنسبة لدول منطقة آسيا حيث كانت سماؤها محجبة بالغمام وعلى وجه الخصوص سنغافورة فالأماكن لرؤية الهلال أكثرها محجوبة عن الرؤية وهذا يعتبر من المعذورات التي لا بد منها لذا يجب التقدير عن طريق الحساب) .
وبعد أن قام أعضاء مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بدراسة وافية لهذا الموضوع على ضوء النصوص الشرعية قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي تأييده لجمعية الدعوة الإسلامية فيما ذهبت إليه لوضوح الأدلة الشرعية في ذلك.
стр. 894
كما قرر أنه بالنسبة لهذا الوضع الذي يوجد في أماكن مثل سنغافورة وبعض مناطق آسيا وغيرها، حيث تكون سماؤها محجوبة بما يمنع الرؤية فإن للمسلمين في تلك المناطق وما شابهها أن يأخذوا بمن يثقون به من البلاد الإسلامية التي تعتمد على الرؤية البصرية للهلال دون الحساب بأي شكل من الأشكال عملا بقوله ﷺ ((صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) وقوله ﷺ : ((لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة)) وما جاء في معناها من الأحاديث.
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
نائب الرئيس رئيس مجلس المجمع الفقهي صالح بن عثيمين
محمد علي الحركان عبد الله بن حميد
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
عبد العزيز بن عبد الله بن باز محمد محمود الصواف محمد بن عبد الله بن السبيل
[توقيع] [توقيع]
مبروك العوادى محمد الشاذلى النيفر [توقيع]
عبد القدوس الهاشمى
[توقيع] [غائب عن التوقيع] [توقيع]
محمد رشيد أبو الحسن علي الحسني الندوى أبو بكر محمود جومى
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
حسنين محمد مخلوف محمد رشيد قباني محمود شيت خطاب
[توقيع] [توقيع]
مصطفى الزرقاء محمد سالم عدود
стр. 895
القرار السادس
حول رسالة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود
الموجهة إلى العلماء والحكام والقضاة في شأن رؤية الهلال
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. أما بعد:
فقد اطلع مجلس المجمع الفقهي الإسلامي على الرسالة الموجهة إلى العلماء والحكام والقضاة في شأن رؤية الهلال والتي كتبها رئيس المحاكم بدولة قطر الشيخ عبد الله بن زيد ابن محمود، وبعد الاطلاع عليها تبين أنها قد اشتملت على أغلاط عظيمة وأخطاء واضحة:
أولا: قوله أن عيد الفطر من هذه السنة – يعني سنة ١٤٠٠ هـ - قد وقع في غير موقعه الصحيح بناء على الشهادة الكاذبة برؤية الهلال ليلة الاثنين حيث لم يره احد من الناس الرؤية الصحيحة لا في ليلة الاثنين ولا في ليلة الثلاثاء ... الخ.
فهذا الكلام الذي قاله مؤلف الرسالة تخرصا منه جانب فيه الصواب وخالف فيه الحق وكيف يحكم على جميع الناس أنهم لم يروه وهو لو يحط علما بذلك والقاعدة الشرعية أن من علم حجة على من لم يعلم ومن أثبت شيئا حجة على من نفاه، وكيف وقد ثبتت رؤيته ليلة الاثنين بشهادة الثقات المعدلين والمثبتة شهاداتهم لدى القضاة المعتمدين في بلدان مختلفة في المملكة وغيرها وبذلك يعلم أن دخول شوال عام ١٤٠٠ هـ. ثبت ثبوتا شرعيا ليلة الاثنين مبنيا على أساس تعاليم الشرع المطهر المبلغ عن سيد البشر، فقد روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄ قال تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام، قال الحافظ في التلخيص وأخرجه الدارمي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه ابن حزم وروى أهل السنن عن ابن عباس ﵄ أن اعرابيا قال يا رسول الله إني رأيت الهلال فقال له النبي ﷺ : ((أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا)) ، وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي وروى الإمام احمد والنسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم وأنهم حدثوني أن النبي ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)) .
стр. 896
وعن الحارث بن حاطب الحججي أمير مكة قال: "عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية فإن لم نر وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهاداتهما" رواه أبو داود والدارقطني وقال إسناده متصل صحيح، وعن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال: "غم علينا هلال شوال فاصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوه بالأمس فأمر الناس أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد" رواه الإمام احمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة، قال الحافظ في التلخيص صححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم، وعن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: ((اختلف الناس في آخر يوم من شهر رمضان فقدم إعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله أنهما أهلا الهلال أمس عشية فأمر النبي ﷺ الناس أن يفطروا)) . رواه احمد وأبو داود وزاد أبو داود في رواية وأن يفدوا إلى مصلاهم، وهذه الأحاديث تدل على وجوب الأخذ بشهادة الشهود الثقات والاعتماد عليها وأنه يكفى الشاهدان العدلان في الصوم والافطار ويكفى العدل الواحد في إثبات دخول شهر رمضان كما دل على ذلك حديث ابن عمرو وحديث ابن عباس ﵄ كما تدل على انه لا يلزم من ذلك أن يراه الناس كلهم أو يراه الجم منهم كما تدل أيضا على انه ليس من شرط صحة شهادة الشاهدين العدلين أو شهادة العدل الواحد في الدخول أن يراه الناس في الليلة الثانية لأن منازله تختلف وهكذا أبصار الناس ليست على حد سواء ولأنه قد يوجد في الأفق ما يمنع الرؤية في الليلة الثانية ولو كانت رؤيته في الليلة الثانية شرطا في صحة الشهادة لبينه النبي ﷺ لأنه المبلغ عن الله والموضح لأحكامه ﵊.
стр. 897
وحكى الترمذي اجماع العلماء على قبول شهادة العدلين في إثبات الرؤية وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الفتاوى ج ٢٥ ص ١٨٦ بعد ما ذكر اختلاف أبصار الناس في الرؤية وأسباب ذلك ما نصه: لأنه لو رآه اثنان علق الشارع الحكم بهما بالاجماع وإن كان الجمهور لم يروه. اهـ. ولعل مراده بحكاية الاجماع وقت الغيم لأن خلاف أبي حنيفة ﵀ في عدم إثبات دخول الشهر في وقت الصحو بأقل من الاستفاضة أمر معلوم لا يخفى على مثله ﵀ وهذا كله إذا لم يحكم بذلك فإنه يرتفع الخلاف ويلزم العمل بالشهادة المذكورة اجماعا كما ذكر في ذلك العلامة أبو زكريا يحيى النووي في شرح المهذب ج/٦ ص٣١٣ بعدما ذكر أسباب اختلاف ابصار الناس في الرؤية وهذا نص كلامه: ولهذا لو شهد برؤيته اثنان أو واحد وحكم به حاكم لم ينقض بالإجماع ووجب الصوم بالإجماع ولو كان مستحيلا لم ينفذ حكمه ووجب نقضه، ثم قال ابن محمود بعد كلام سبق ما نصه يا معشر العلماء الكرام ويا معشر قضاة شرع الإسلام لقد وقعنا في صومنا وفطرنا في الخطأ المنكر كل عام. اهـ.
ولا يخفى ما في هذا الكلام من الخطأ العظيم والجرأة على القول بخلاف الحق فأين له تكرر الخطأ في كل عام في الصوم والإفطار والقضاة يحكمون في ذلك بما دلت عليه الأحاديث الصحيحة واجمع عيه أهل العلم كما سبق بيانه. ثم قال ابن محمود بعد كلام سبق فمتي طلع يعني الهلال قبل طلوع الشمس من جهة المشرق فإنه يغيب قبلها فلا يراه احد أو طلع مع الشمس فإنه يغيب معها ولا يراه احد لشدة ضوء الشمس، اهـ.
وهذا خطأ بين فقد ثبت بشهادة العدول انه قد يرى قبل الشمس في صبيحة يوم التاسع والعشرين من المشرق ثم يرى بعد غروبهما من المغرب ذلك اليوم لأن سير القمر غير سير الشمس فكل واحد يسبح في فلكه الخاص به كما يشاء الله .
стр. 898
وأما الآية التي استدل بها على ما ذكره من عدم امكان رؤيته بعد الغروب إذا كان قد رؤي صباح ذلك اليوم قبل طلوع الشمس وهي قوله تعالى في سورة يس: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فلا حجة له في ذلك لأن علماء التفسير أوضحوا معنى الإدراك المذكور وأنه لا سلطان للشمس في وقت سلطان القمر ولا سلطان للقمر في وقت سلطان الشمس. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية ما نصه: قال مجاهد لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء هذا إلى أن قال: وقال الثوري عن إسماعيل بن خالد عن أبي صالح لا يدرك هذا ضوء هذا ولا هذا ضوء هذا وقال عكرمة في قوله ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ يعني أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل. اهـ.
ثم قال ابن محمود بعد ما ذكر كلام فقاء الأحناف في اشتراط الاستفاضة في الرؤية وقت الصحو وأنه لا يكتفى في رؤيته بشخص أو شخصين دون بقية الناس لاحتمال التوهم منهما إلى أن قال: وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسائله المتعلقة بالهلال فقال: إنه يعتد برؤية الواحد والاثنين للهلال والناس لم يروه لاحتمال التوهم منهما في الرؤية ولو كانت الرؤية صحيحة لرآه اكثر الناس. اهـ. وهذا الكلام الذي نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن عدم الاكتفاء بشهادة الواحد والاثنين بالهلال إذا لم يره غيرهم لا أساس له من الصحة وقد سبق كلامه ﵀ الذي نقله عنه العارفون بكلامه وهو الموجود في الفتاوى ج٢٥ ص١٨٦ ونقل الأجماع عن تعلق حكم الشرع بشهادة الاثنين وفيه نقل الاجماع على تعلق حكم الشرع بشهادة الاثنين.
стр. 899
ثم قال: (تراءى الناس هلال رمضان فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام رسول الله ﷺ وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن حبان، ومثله حديث ابن عباس: ((أن اعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فقال إني رأيت الهلال قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا)) . رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان وصحح النسائي ارساله فالجواب انه ليس في الحديثين ما يدل على حصر الرؤية على هذين الشخصين إذ من المحتمل أن يكونا أول من رأيا الهلال ثم رآه غيرهما، اهـ. المقصود.
ولا يخفى بطلان هذا الجواب وتعسفه لعدم الدليل عليه والأصل عدم وجود غيرهما إذ لو شهد غيرهما لنقل فلما لم ينقل ذلك علم عدم وقوعه لهذا احتج العلماء بهذين الحديثين على قبول شهادة الواحد في دخول شهر رمضان ووجوب العمل بها وهو اصح قولي العلماء كما تقدم بيان ذلك وقد تقدم أيضا انه متى حكم بها حاكم شرعي وجب العمل بها اجماعا كما سبق نقل ذلك عن النووي ﵀ في شرح المهذب فنعوذ بالله من القول عليهم بغير علم.
ثم قال ابن محمود في ختام رسالته ما نصه: ولقد تقدم منى القول برسالتي لاجتماع أهل الإسلام على عيد واحد كل عام فدعوت فيها الحكومة حرسها الله إلى تعيين لجنة عدلية استهلالية من العدول الذين لهم حظ من قوة البصر فيراقبون الهلال وقت التحرى بطلوعه لخاصة شعبان وحتى إذا حصل غيم أو قتر حسبوا له ثلاثين ثم صاموا رمضان ثم يراقبون عند مستهل ذى الحجة لمعرفة ميقات الحج وهذه اللجنة لا ينبغي أن تقل عن عشرة أشخاص من العدول الثقات ولهم رئيس يرجعون إليه في لم شملهم اهـ. المقصود.
стр. 900
ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف والتشريع الجديد الذي لم ينزل الله به من سلطان بل هو اقتراح في غاية الفساد لا يجوز التعويل عليه والالتفات إليه لأن الله سبحانه قد يسر وسهل وأجاز الحكم بشهادة عدلين اثنين في جميع الشهور وعدل واحد في شهر رمضان فلا يجوز لأحد أن يحدث في شرع الله ما لم يأذن به سبحانه هو ولم تأت به سنة نبيه ﷺ . وقد قال الله ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية من سورة الشورى. وثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂. وفي رواية مسلم أن النبي ﷺ قال: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) . وهذا ما أردنا التنبيه عليه من الأخطاء الكثيرة التي وقعت في رسالة الشيخ عبد لله بن محمود ونسأل الله أن يهدينا وإياه سواء السبيل وأن يعيذنا وإياه وسائر المسلمين من القول على الله وعلى رسوله بغير علم ومن الإحداث في دين الله ما لم يأذن به الله.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلي يوم الدين.
[توقيع] [توقيع]
محمد علي الحركان عبد الله بن حميد
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
عبد العزيز بن باز مصطفى الزرقاء محمد محمود الصواف
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
صالح بن عثيمين محمد بن عبد الله بن السبيل مبروك العوادي
[توقيع] [توقيع] [توقيع]
محمد الشاذلي النيفر عبد القدوس الهاشمي محمد رشيدي
[غائب عن التوقيع] [توقيع] [توقيع]
أبو الحسن علي الحسني الندوي أبو بكر محمود جومي حسنين محمد مخلوف
[توقيع] [توقيع] [غائب]
محمد رشيد قباني محمود شيت خطاب محمد سالم عدود
стр. 901
القرار السابع
بيان توحيد الأهلة من عدمه
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:
لقد درس المجمع الفقهي الإسلامي مسألة اختلاف المطالع في بناء الرؤية عليها فرأى أن الإسلام بني على انه دين يسر وسماحة تقبله الفطرة السليمة والعقول المستقيمة لموافقته للمصالح، ففي مسألة الأهلة ذهب إلي إثباتها بالرؤية البصرية لا على اعتمادها على الحساب كما تشهد به الأدلة الشرعية القاطعة كما ذهب إلي اعتبار اختلاف المطالع لما في ذلك من التخفيف على المكلفين مع كونه هو الذي يقتضيه النظر الصحيح فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف لما جاء شرعا وعقلا، أما شرعا فقد أورد أئمة الحديث حديث كريب وهو: "أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلي معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها فاستهل علي شهر رمضان، وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ﵄.ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقالا: لا. هكذا أمرنا رسول الله ﷺ " (رواه مسلم في صحيحه) .
وقد ترجم الإمام النووي على هذا الحديث في شرحه على مسلم بقوله (باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم ولم يخرج عن هذا المنهج من أخرج هذا الحديث من أصحاب الكتب الستة أبي داود والترمذي والنسائي في تراجمهم له.
стр. 902
وناط الإسلام الصوم والإفطار بالرؤية البصرية دون غيرها لما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له)) . رواه البخاري ومسلم في صحيحهما فهذا الحديث علق الحكم بالسبب الذي هو الرؤية وقد توجد في بلد كمكة والمدينة ولا توجد في بلد آخر فقد يكون زمانها نهارا عند آخرين فكيف يؤمرون بالصيام أو الإفطار أفاده في بيان الأدلة في إثبات الأهلة، وقد قرر العلماء من كل المذاهب أن اختلاف المطالع هو المعتبر عند كثير فقد روى ابن عبد البر الإجماع على ألا تراعى الرؤية فيما تباعد من البلدان كخراسان من الأندلس أو لكل بلد حكم يخصه. وكثير من كتب أهل المذهب الاربعة طافحة بذكر اعتبار اختلاف المطالع للأدلة القائمة من الشريعة بذلك وتطالعك الكتب الفقهية بما يشفي الغليل.
وأما عقلا فاختلاف المطالع لا اختلاف لأحد من العلماء فيه لأنه من الأمور المشاهدة التي يحكم بها العقل فقد توافق المشروع والعقل على ذلك فهما متفقان على بناء كثير من الأحكام على ذلك التي منها أوقات الصلاة ومراجعة الواقع تطالعنا بأن اختلاف المطالع من الأمور الواقعية. وعلى ضوء ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي انه لا حاجة إلي الدعوة إلي توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد، وأن تترك قضية إثبات الهلال إلي دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة وأن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في جميع شئونهم، والله ولي التوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[توقيع] [توقيع]
نائب الرئيس رئيس مجلس المجمع الفقهي
محمد علي الحركان عبد الله بن حميد
стр. 903
بيان الدورة السادسة للجنة التقويم الهجري الموحد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فبناء على ما قرره مؤتمر تحديد أوائل الشهور القمرية المنعقد في مدينة استنبول في ٢٦ – ٢٩ ذي الحجة عما ١٣٩٨هـ. الموافق ٢٧ – ٣٠ نوفمبر ١٩٧٨م وتنفيذا لقراره الخامس والسادس والسابع ولقرار مؤتمر وزراء الأوقاف والشئون الدينية المنعقد في الكويت.
وبناء على الدعوة الكريمة الموجهة من المملكة العربية السعودية باستضافتها لهذه الندوة فقد عقدت لجنة التقويم الهجري الموحد اجتماعها السادس في مكة المكرمة في ١٠ – ١٢ محرم ١٤٠٦هـ الموافق ٢٤- ٢٦ سبتمبر ١٩٨٥م برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وبحضور جميع أعضائها وهم مندوبو أندونيسيا وبنجلاديش وتركيا وتونس والجزائر والسعودية والعراق وقطر والكويت. كما حضرها مندوبون عن كل من الأردن والإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان وماليزيا كدول ملاحظة. كما حضرها مندوب عن الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي بصفة مراقب.
وقد تفضل صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة بافتتاح أعمال الدورة السادسة للجنة توحيد التقويم الهجري ورحب بالحاضرين وأشاد بالأهمية الكبرى التي يعلقها المسلمون على توحيد شهورهم وأعيادهم تحقيقا لمعنى الوحدة وأشاد بجهود المؤتمرات السابقة واعتز بأن تعقد هذه اللجنة دورتها السادسة في مكة المكرمة.
стр. 904
كما أبدى اهتمام المملكة بكل ما يدعوا إلى تضامن المسلمين وتحقيق ذلك لهم.
وتمنى للجنة التوفيق في هذا الاجتماع بأن تتمكن من تقديم تقويم شرعي فلكي يكون له أثره في توحيد كلمة المسلمين في شهورهم وأعيادهم.
ثم ألقى بعد ذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز كلمة ضافية رحب فيها بالحاضرين وحثهم على تقوى الله تعالى والعمل بما يحقق للمسلمين أسباب صلاحهم ووحدتهم والعمل فيما يقتضيه كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد ﷺ . وأشاد بالجهود التي سبق أن بذلت من هذه اللجنة في دوراتها السابقة وتمنى لها النجاح والتوفيق في دورتها الحاضرة.
ثم ألقى فضيلة الشيخ الدكتور طيار التي قولاج مفتي الجمهورية التركية ورئيس الشؤون الدينية كلمة ضافية بالنيابة عن الوفود ورحب فيها بالحاضرين وتقديم الشكر للمملكة العربية السعودية ملكا وحكومة وشعبا على دعوتها واستضافتها لهذه الدورة وفي رحاب بيت الله الحرام مكة المكرمة مما كان له الأثر الطيب في نفوس الحاضرين واستعرض أعمال اللجنة في السنوات الماضية وتضمنت كلمته آراء وتقييمات شاملة للموضوع ومراحله المختلفة. وترى اللجنة أن تضم الكلمات الثلاث كوثائق ضمن تقرير اللجنة لما تضمنته من توجيهات في هذا الخصوص ثم اختتمت الجلسة بالاتفاق.
стр. 905
ثم بدأت اللجنة أعمالها وسماع ما لدى المشاركين من كلمات وآراء ومقترحات. حيث ألقى مندوب اندونيسيا الأستاذ مختار زركشي كلمة عن بلاده وألقى مندوب الأردن الدكتور أحمد محمد هليل كلمة الأردن وألقى مندوب البحرين الشيخ يوسف الصديقي كلمة البحرين وألقى مندوب الإمارات العربية المتحدة الأستاذ الشيخ على الهاشمي كلمة بلاده وألقى مندوب تونس الشيخ مصطفى كمال التارزي كلمة بلاده وألقى مندوب الجزائر الأستاذ على السعدي المغربي كلمة بلاده وألقى مندوب العراق الشيخ عبد القادر إبراهيم على كلمة بلاده كما ألقى مندوب بنجلاديش الأستاذ محمد عبد السبحان كلمة بلاده.
وكانت كلمات الوفود تدور حول تصور بلدانهم لأعمال هذه اللجنة وأهمية ما تنبعث عنها من قرارات وتوصيات وكيفية إبرازها إلى حيز الوجود واعتماد نتائج أعمال هذه اللجنة وشكر الحكومة السعودية على استضافتها هذه الدورة وتسهيلها مهمة عملها.
كما جرى تبادل الآراء ووجهات النظر حول ما أبدي من آراء ومقترحات تمت مناقشتها بروح تسودها الألفة والمحبة والقصد الحسن.
ثم استعرضت اللجنة الجداول والخرائط المقدمة من وفود كل من الإمارات العربية المتحدة واندونيسيا وتركيا وتونس والجزائر والمملكة العربية السعودية. وقد لاحظت اللجنة بكل ارتياح وسرور الدقة الفائقة التي تمت بها هذه الجداول وانطباقها التام مما يدل دلالة تامة على دقة الحساب ووحدة المنهج.
وبعد عرض الجداول شهرا شهرا لعامي ١٤٠٧ – ١٤٠٨ وخمسة الأشهر الأولى من عام ١٤٠٩هـ تم الاتفاق والمصادقة عليها بالاجماع ومرفق طي هذا التقرير الجداول المصادق عليها.
стр. 906
ومن ناحية أخرى تشيد اللجنة بالقرارات الصادرة عن المؤتمرات الإسلامية السابقة لوزراء الخارجية والتي تدعوا إلى توحيد الشهور القمرية بالدول الأعضاء لمنظمة المؤتمر الإسلامي خاصة المؤتمر الرابع عشر والخامس عشر وتنوه بمتابعة الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي واهتمامها بتوحيد مواقف الدول الإسلامية بالنسبة لوضع التقويم الموحد للشهور القمرية.
وتؤكد اللجنة استعدادها على مواصلة الجهود بالتنسيق مع الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي وجميع الدول الأعضاء في المنظمة لتحقيق هذا الهدف.
وقد قررت اللجنة إرسال جداولها إلى كافة الجهات المختصة التي تتولى إصدار التقاويم في البلدان الإسلامية والبلدان التي فيها الأقليات إسلامية لإصدار تقاويمها وفقا لهذه الجداول تحقيقا لتوحيد التقويم الهجري والأعياد.
كما ترجو اللجنة والأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي في تعميم هذه الجداول على كافة الدول الإسلامية والاقليات الإسلامية.
ونظرا إلى أن دول الإمارات العربية المتحدة والبحرين وماليزيا كانوا يتابعون حضور دورات هذه اللجنة فإن اللجنة تقرر اعتبار هذه الدول أعضاء ضمن هذه اللجنة.
وبالنسبة لتحديد مكان وزمان انعقاد الدورة السابعة للجنة فإن الاتصالات بالدول الأعضاء جارية وقد وكل أمر ذلك إلى الأمانة العامة بأنقرة.
وفي ختام هذا البيان تؤكد اللجنة شكرها وتقديرها لحكومة جلالة الملك المفدى فهد ابن عبد العزيز ممثلة في وزارة الحج والأوقاف وعلى رأسها معالي الشيخ عبد الوهاب أحمد عبد الواسع على ما لاقته من حفاوة بالغة وضيافة كريمة وإتاحة لكافة إمكانيات أسباب نجاح هذه اللجنة والله المستعان.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ...
стр. 907
مشروع التقويم الهجري لعام ١٤٠٧هـ
الشهر القمري تاريخ الاقتران ساعة الاقتران تاريخ ميدان الهلال ساعة ميلاد الهلال دخول الشهر عدد الأيام
محرم ٠٤/٠٩/٨٦ ١١.٠٧دق ٠٤/٠٩/٨٦ ٥٥.٢١دق ٠٥/٠٩/٨٦ ٣٠
صفر ٠٣/١٠/٨٦ ٥٦.١٨دق ٠٤/١٠/٨٦ ٤٢.٠٩دق ٠٥/١٠/٨٦ ٢٩
ربيع الأول ٠٢/١١/٨٦ ٠٣.٠٦دق ٠٢/١١/٨٦ ٢٧.١٩دق ٠٣/١١/٨٦ ٣٠
ربيع الثاني ٠١/١٢/٨٦ ٤٤.١٦دق ٠٢/١٢/٨٦ ١٥.٠٤دق ٠٣/١٢/٨٦ ٣٠
جمادى الأولى ٣١/١٢/٨٦ ١١.٠٣دق ٣١/١٢/٨٦ ٣٩.١٣دق ٠١/٠١/٨٧ ٣٠
جمادى الآخرة ٢٩/٠١/٨٧ ٤٦.١٣دق ٣٠/٠١/٨٧ ٢٣.٠١دق ٣١/٠١/٨٧ ٢٩
رجب ٢٨/٠٢/٨٧ ٥٢.٠٠دق ٢٨/٠٢/٨٧ ٤٥.١٤دق ٠١/٠٣/٨٧ ٣٠
شعبان ٢٩/٠٣/٨٧ ٤٧.١٢دق ٣٠/٠٣/٨٧ ٠٥.٠٤دق ٣١/٠٣/٨٧ ٢٩
رمضان ٢٨/٠٤/٨٧ ٣٥.٠١دق ٢٨/٠٤/٨٧ ٤٤.١٦دق ٢٩/٠٤/٨٧ ٣٠
شوال ٢٧/٠٥/٨٧ ١٤.١٥دق ٢٨/٠٥/٨٧ ١٧.٠٥دق ٢٩/٠٥/٨٧ ٢٩
ذي القعدة ٢٦/٠٦/٨٧ ٣٨.٠٥دق ٢٦/٠٦/٨٧ ٢٠.١٩دق ٢٧/٠٦/٨٧ ٣٠
ذي الحجة ٢٥/٠٧/٨٧ ٣٨٢٠ ٢٦/٠٧/٨٧ ٤٦.١١دق ٢٧/٠٧/٨٧ ٣٠
стр. 908
مشروع التقويم الهجري لعام ١٤٠٨ هـ
الشهر القمري تاريخ الاقتران ساعة الاقتران تاريخ ميدان الهلال ساعة ميلاد الهلال دخول الشهر عدد الأيام
محرم ٢٤/٠٨/٨٧ ٥٩.١١دق ٢٥/٠٨/٨٧ ٤٤.٠٤دق ٢٦/٠٨/٨٧ ٢٩
صفر ٢٣/٠٩/٨٧ ٠٩.٠٣دق ٢٣/٠٩/٨٧ ٤٣.١٩دق ٢٤/٠٩/٨٧ ٣٠
ربيع الأول ٢٢/١٠/٨٧ ٣٩.١٧دق ٢٣/١٠/٨٧ ٠٠.٠٨دق ٢٤/١٠/٨٧ ٢٩
ربيع الثاني ٢١/١١/٨٧٧ ٣٤.٠٦دق ٢١/١١/٨٧ ٣٤.١٨دق ٢٢/١٢/٨٧ ٣٠
جمادى الأولى ٢٠/١٢/٨٧ ٢٦.١٨دق ٢١/١٢/٨٧ ٢١.٠٥دق ٢٢/١٢/٨٧ ٢٩
جمادى الآخرة ١٩/٠١/٨٨ ٢٧.٠٥دق ١٩/٠١/٨٨ ١٨.١٧دق ٢٠/٠١/٨٨ ٣٠
رجب ١٧/٠٢/٨٨ ٥٥.١٥دق ١٨/٠٢/٨٨ ١١.٠٥دق ٢٩/٠٢/٨٨ ٢٩
شعبان ١٨/٠٣/٨٨ ٠٤.٠٢دق ١٨/٠٣/٨٨ ٤٦.١٥دق ١٩/٠٣/٨٨ ٣٠
رمضان ١٦/٠٤/٨٨ ٠١.١٢دق ١٧/٠٤/٨٨ ٠٣.٠١دق ١٨/٠٤/٨٨ ٢٩
شوال ١٥/٠٥/٨٨ ١٢.٢٢دق ١٦/٠٥/٨٨ ٢٥.١٠دق ١٧/٠٥/٨٨ ٢٩
ذي القعدة ١٤/٠٦/٨٨ ١٥.٠٩دق ١٤/٠٦/٨٨ ٠٢.٢٢دق ١٥/٠٦/٨٨ ٣٠
ذي الحجة ١٣/٠٧/٨٨ ٥٤.٢١دق ١٤/٠٧/٨٨ ٠٢.١٣دق ١٥/٠٧/٨٨ ٣٠
(*) نظراً لتأخر الوقت بأمريكا الشمالية عن بقية العالم فإن الهلال يرى بها ليلة السابع عشر.
مشروع التقويم الهجري للخمسة الأشهر الأولى من عام ١٤٠٩هـ
الشهر القمري تاريخ الاقتران ساعة الاقتران تاريخ ميلاد الهلال ساعة ميلاد الهلال دخول الشهر عدد الأيام
محرم ١٢/٠٨/٨٨ ١٢و٣٢دق ١٣/٠٨/٨٨ ٠٥و٥٣دق ١٤/٠٨/٨٨ ٢٩
صفر ١١/٠٩/٨٨ ٠٤و٥٠دق ١١/٠٩/٨٨ ٢٢و٢٢دق ١٢/٠٩/٨٨ ٣٠
ربيع الأول ١٠/١٠/٨٨ ٢١و٥٠دق ١١/١٠/٨٨ ١٣و٢٥دق ١٢/١٠/٨٨ ٣٠
ربيع الثاني ٠٩/١١/٨٨ ١٤و٢١دق ١٠/١١/٨٨ ٠٣و٣١دق ١١/١١/٨٨ ٢٩
جمادى الأولى ٠٩/١٢/٨٨ ٠٥و٣٧دق ٠٩/١٢/٨٨ ١٨و٠٠دق ١٠/١٢/٨٨ ٣٠
стр. 909
العرض والمناقشة
يوم ١٤/٤/١٤٠٦هـ الموافق ٢٦/١٢/١٩٨٥م
الساعة: ٩.٣٥ – ١٤.٣٠
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه.. اللهم صل عليه وعلى آله وعلى أصحابه أجمعين. وبعد،
في جدول أعمالنا لهذه الجلسة الصباحية موضوعان مهمان: أحدهما (توحيد بدايات الشهور العربية) والثاني (الإحرام للقادم للحج والعمرة بالطائرة والباخرة) . في بيان الميقات المكاني. وحسب ترتيب الجدول يؤخذ (بتوحيد بدايات الشهور العربية) ونستعرض بصفته مختصرة وموجزة مع الإيضاح عن هذه البحوث التي أعدها أصحاب المشايخ ... وأرجو من الشيخ تسخيري إعطاء ملخص للبحث.
الشيخ محمد على تسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد البشر محمد وآله الطاهرين وصحبه الملتزمين.
هناك بعض النقاط أستعرضها سريعا في هذا المجال.. النقطة التي أذكرها كمقدمة أن بحثنا هذا يتصل بمسألة الوحدة الإسلامية. والوحدة الإسلامية هي، من أكبر خصائص هذه الأمة، وإذا أرادت الأمة أن تعود إلى ذاتها الحقيقية عليها أن تعود إلى الوحدة الإسلامية. ولكن يجب أن يكون ذلك بالأسلوب المقبول شرعا..
стр. 910
النقطة الأخرى التي تعرف كمقدمة هي أن ما يسمى بالمحاق هي الحالة الطبيعية التي يكون فيها القمر بين الأرض والشمس ونصفه المظلم مواجها للأرض. وعندما يخرج القمر من هذه الحالة فيبدأ الحركة الاقترانية يبدو خيط قليل منه حينئذ نسميه الهلال وهذا الخيط يتصاعد ويكثر يوما بعد يوم حتى يصل إلى مرحلة البدر. فهي حالة طبيعية تحدث من خروج القمر من هذه الحالة. هذه الحالة الطبيعية حالة واحدة ولا تتكرر.
القمر إذا خرج من هذه الحالة فالشهر بدورته الطبيعة قد بدأ. ولكن الشهر بمفهومه الشرعي لا يبدأ إلا إذا رؤي هذا الهلال ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) ما دام أدخلنا عنصر الرؤية فمن الطبيعي أن تكون بداية الشهر بداية نسبية، لأن الهلال لا يمكنه أن يرى في كل البلدان بمستوى واحد، فتارة يظهر الهلال لدى بلد بعد الغروب قليلا ثم يختفي وأخرى يظهر قبل الغروب ويختفي أيضا، وضوء الشمس يمنع من رؤيته. وهناك حالات مختلفة يمكن أن نفترضها بحيث لا يرى البلد نور الهلال وحينئذ فلا مناص من القول بنسبة شروع الشهر من حيث الرؤية. هذا أيضا شيء نعتقد أنه واضح.
الشيء الآخر هو مسألة اختلاف المطالع. هذه المسألة تبدأ بهذا الشكل التقريري البسيط، أن الاختلاف بين بلد وبلد من حيث الرؤية تارة يكون لسبب طارئ كغيم وما إلى ذلك، هذا الاختلاف لا يعتد به، وأخرى يكون الاختلاف اختلافا في خطوط الطول والعرض، اختلاف بعيد. حينئذ وقع البحث الطبيعي بين العلماء، هل أن رؤية الهلال في بلد معين تكفي للحكم على العالم كله بأنه دخل في الشهر شرعا، من حيث الوجهة الشرعية لا من حيث الوجهة الطبيعية، الوجهة الطبيعية هي مقدمة للدخول الشرعي للشهر. أو أنه لكل بلد أفقه والآفاق مختلفة. هذا الاختلاف موجود بين أئمة المذاهب وموجود بين علماء الإمامية في داخل المذهب الإمامي بشكل واضح ويصل إلى حد الانقسام أحيانا الكلي بين العلماء في هذا المجال. فالطائفة القائلة به والطائفة المعترضة عليه كلتاهما قويتان من حيث القدرة والشهرة. محور اختلاف العلماء الإمامية في الأمر هو الانصراف في أحاديث، أن رئي أحاديث وردت عن أئمة الإمامية، الإمام الصادق والإمام الباقر، تؤكد على أن الهلال أن رؤي في بلد آخر أكتفى أهل هذا البلد به، هناك رواية تقول: "لا تصم إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه" ولا أريد أن أذكر الروايات، مذكورة هنا عندنا والاختلاف موجود. محور الاختلاف هو هذا المعنى، أن رؤي في بلد آخر، فيه إطلاق يشمل كل البلاد أو لا ينصرف هذا الإطلاق إلى خصوص البلد القريب، يعني هل هناك انصراف يصرف ظهور هذا اللفظ ظاهرا بنفسه بغض النظر عن الانصراف في الإطلاق أن رؤي في بلد آخر، ولكن في قباله يقال هناك انصراف إلى البلد القريب لأنه هو المطروح في الأذهان.
стр. 911
هناك أدلة بالكفاية (يعني بكفاية الرؤية في بلد آخر) ، وأدلة للنافين بذلك مثلا مثال استعراض سريع: يقول القائلون بكفاية الرؤية في أي بلد في مجال دخول الأرض كلها في الشهر شرعا، يقولون: مثلا سورة (القدر) تدل على أنه ليلة القدر ليلة واحدة شخصية لجميع أهل الأرض على اختلاف بلدانهم في آفاقهم، ضرورة أن القرآن نزل في ليلة واحدة وهذه الليلة هي ليلة القدر وهي خير من ألف شهر وفيها يفرق كل أمر حكيم، وهذا يعم بقاع الأرض. تذكر أيضا الروايات. إلى جانب هذه الروايات يذكرون أن هناك أدعية مذكورة في صلاة العيد جاء فيها (أسألك بهذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا) وهذا يعني أن هذا عيد لمجموع المسلمين، وأيضا ختموا استدلالهم بالاستشهاد بسكوت الروايات بأجمعها عن اعتبار وحدة الأفق، هذا السكوت مع وجود هذه المسألة مطروحة يكشف لنا عن عدم اعتبار هذه الوحدة والمعيار هو الرؤية في أي بلد من أنحاء العالم.
هذا ما يقوله القائلون بكفاية الرؤية في بلد ما، يرد عليهم النافون لهذه الكفاية باستبعاد أن يكون النظر في عبارة، بلد آخر. إلى البلدان الواقعة في أقصى الأرض مثلا، ثم تأكد (وأرجو التركيز لان هذا دليل ينفع في مختلف المذاهب) تأكد العرف من اختلاف المطالع القمرية قياسا، العرف بنفسه يقيس على المطالع الشمسية المختلفة وإن كان هذا القياس باطلا لكن على أي حال مرتكز في ذهن العرف، ما دام مرتكزا فهو يصرف الظهور إلى الشكل الذي يلزم معه التصريح بعدم الفرق بين القريب والبعيد لو كان هو المراد، ومع عدمه يعني ذلك إقرار الفهم العرفي المنصرف إلى البلد القريب.
стр. 912
أما الاستدلال بسورة القدر فلعله يجاب عنه بأن الليلة في علم الله تعالى واحدة ولكن هل يختلف معنى مسألة الحكم الظاهر لهذا البلد عن ذاك. وكذلك لعله يجاب عن الاستدلال بقوله ﵊: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) بأن الحكم وإن كان عاما إلا أنه ينحل بمقدار تعدد الأفراد والبلدان خصوصا مع ملاحظة الانصراف. وهكذا يبدأون بالإجابة على الروايات ويضعفون من سندها.
ومسألة سكوت الروايات عن اعتبار وحدة الأفق قد تجعل بنفسها دليلا فيقال بأن سكوتها عن بيان عدم الفرق بين القريب والبعيد رغم ما هو المتعارف من وجود هذا الفرق دليل على وجوده. وعلى أي حال فإن المسألة تعود للاستظهار. وحينئذ هذا الذي أخرج به فلا يمكن إقامة البرهان القاطع بعد أن لم يكن هناك تصريح نص به، وعلى هذا الأساس نقول أن مسألة توحيد الشهور القمرية أمر لا ينسجم مع هذا الخلاف ما دام قائما، ولا يمكن أن يشكل نظاما عاما سواء قلنا بانفتاح باب الاجتهاد أو انغلاقه. ومن الطبيعي والحال هذه، أنه لا يمكن إجبار فرد أو دولة على اتباع نظام قد لا تؤمن به شرعا. فكيف يمكن إصدار قرار التوحيد ورغم ما سبق فإننا نجد الجهود المبذولة قد تكون نافعة في تقريب وجهات النظر وتشخيص الشهادات الصحيحة من الباطلة أحيانا وهي تنفع في توحيد شطر كبير من الذين يؤمنون بمسلك وحدة الآفاق إلا أننا (وأرجو أن نركز) نحذر من الاستغلال السياسي اللئيم لهذه المسألة الشريفة.
وأخيرا نقول إننا إذا تمسكنا بشريعتنا وبحقانية ما تقول لا يهمنا ما يقال من مسألة الرأي العام العالمي وما إلى ذلك. فمع تقدير للجهود المبذولة في هذا السبيل نود أن يخرج هذا القرار من الصفة الإلزامية إلى الصفة الترجيحية، يعني يرجح للدول الإسلامية الأخذ بوحدة متناسبة دون إلزام لأن الأمر يرتبط بعبادات والعبادات تتبع الآراء والقناعات والقطوع والقطع حجة على الإنسان.
وأعتذر وشكرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 913
الشيخ المختار السلامي:
قرأ فضيلته نص البحث الذي قدمه في الموضوع، وهو منشور بغير هذا المكان مع بقية الدراسات المعروضة على الدورة الثانية لمجلس المجمع.
الرئيس:
كأني أرى المشايخ والإخوان اتجهوا إلى قراءة البحوث وأحس من المشايخ أنه ليست هناك رغبة في قراءة البحث المراد. والمنهج الذي يسار عليه هو إعطاء ملخص لهذا البحث أما قراءة البحوث فغير ضرورية لأنها بين يدي المشايخ، فأرجو من المشايخ ملاحظة المراد من أصحاب الفضيلة المعدين للبحوث هو إعطاء خلاصة لهذا البحث.
حتى تكون أجمع للذهن.
الشيخ عبد اللطيف الفرفور:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لدي شعبتان في البحث رئيستان ما ذهبت إليه في المطالع وما ذهبت إليه في أمر الحساب وسأذكر الخلاصة فقط ولن أتعرض لأي خلاف سابق ولا أقوال المذاهب ولا الأدلة لأن هذا قد استوفى من الأساتذة الذين تفضلوا قبلي بقراءة بحوثهم أو مختصراتهم.
أولا فيما ذهبت إليه في المطالع والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر الذي ثبت لدى علماء الطبيعة اليوم في هذا القرن العشرين الميلادي الخامس عشر الهجري. وإني أكتب ذلك في يوم الأحد الواقع واحد المحرم ١٤٠٦هـ الموافق ١٥ أيلول ١٩٨٥م. الذي ثبت بعد اكتشاف مجاهيل الأرض وقاراتها لا سيما أمريكا منذ قرابة أربعمائة سنة ونيف أن كلا من القولين القول باتحاد المطلع لدى أهل المشرق والمغرب والقول باختلاف المطلع بين كل بلد وبلد ومصر ومصر كليهما مجانف عن الصحة بعيدا عن الحقيقة العلمية فيما أرى. ذلك بأن الأرض كما ثبت أهليليجية التكوين بيضوية ولها وجهان. وجه منير باتجاه الشمس ووجه معتم باتجاه العكس فساعة يكون النهار في أوله في الوجه المنير يكون الليل في أوله في الوجه المعتم. ومن هنا يختلف الزمان وتوقيت الساعات وما إلى ذلك.
فتأسيسا على ذلك لا بد من معيار علمي نمسك به في حل هذه المشكلة ألا وهو خطوط الطول. فلنقسم الأرض حسب هذا المعيار خطوط الطول إلى ثلاثة كبرى أقطار رئيسة والفواصل بينها طبيعة كالبحار..
стр. 914
أولا: القارة الأمريكية كلها قطر بما فيها الولايات المتحدة وكندا والبرازيل وأمريكا الجنوبية والجزر التابعة لها إلى قناة بنما.
ثانيا: من المغرب الأقصى وما يسامته شمالا من بريطانيا وإسبانيا إلى الخليج العربي شرقا أو الخليج الإسلامي وما يسامته شمالا من العراق وتركيا وجبال الأورال كل ذلك قطر.. وفيما بين ذلك مثلا مثل الجزيرة العربية وبلاد الشام وتركيا وأوربا الشرقية والغربية والمغرب الأوسط والأدنى ومصر والسودان والحبشة وما إلى ذلك.
ثالثا: ومن شرقي الخليج إلى اليابان قطر، بما فيه من إيران وبلاد الهند والباكستان والأفغان والجمهوريات السوفياتية الإسلامية وبلاد الصين وبلاد اليابان، فكل قطر من هذه الأقطار الثلاثة وحدة مكانية مستقلة عما عداه من القطرين الآخرين إذا رؤي الهلال فيه لا يلزم القطر الثاني والثالث، يعني إذا رؤي في أمريكا الهلال لا يلزمنا نحن، وإذا رؤي عندنا لا يلزم المغرب الأقصى. وإذا رؤي في الصين لا يلزم الجزيرة العربية، بل يلزم ذلك القطر بكل ما فيه من أمصار ودول وبلاد، والله تعالى أعلم.
стр. 915
الشعبة الثانية: خلاصة ما ذهبت إليه في شأن الحساب لإثبات الأهلة. ذهب الفقهاء الأقدمون ﵃ والمعاصرون وفقنا الله وإياهم في هذه المسألة إلى مذهبين ... مذهب أخذ بالحساب مطلقا ومذهب رفض الأخذ بالحساب مطلقا في شأن إثبات الأهلة. والذي أراه أن كلا من هذين المذهبين مع توقيري وتقديري لأصحابهما، إفراط وتفريط. والصواب هو الوسط بين هذا وذاك، لكن لا ضير على من اجتهد فلم يحالفة الصواب فأخطأ فله أجر واحد وأسأله تعالى أن أكون من أصحاب الأجرين.. الصواب الذي يبدو لي وهو ما ينبغي أن يسار إليه هو: أن الأصل في إثبات الأهلة الرؤية البصرية أو التلسكوبية من على ظهر الأرض لا في السماء ولا على شاهق جبل بقوله لا من التليسكوب على شاهق جبل غير ما يكون على ظهر الأرض لا فرق بين أن نرى بعين مجردة أو التليسكوب على ظهر البسيطة لقوله ﵊ ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) فإذا حصل المقصود بهذا الأصل، وأكرر التليسكوب والرؤية على ظهر الأرض لا في السماء ولا على شاهق جبل، لاختلاف الرؤية، فإذا حصل المقصود بهذا الأصل فبها ونعمت. كأن جزمنا بالرؤية لوقوعها بأحد الأمرين المذكورين العين المجردة والتليسكوب من على ظهر الأرض وسهلها وكانت السماء مصحية. وإذا كانت السماء مصحية ولم ير الهلال في القطر كله كما قدمت في مبحث المطالع لم نعمد إلى الحساب لوضوح الأمر ولا نقلد قطرا مجاورا كما مر. وأما إذا كانت السماء غير مصحية واحتمال الأمران (يعني ما عاد فيه قطع) ولادة الهلال وعدمها ولم تحدث رؤية معتبرة فعندها نستطيع الأخذ بقول الفلكيين وأصحاب الأرصاد الجوية ذوي الحسابات الدقيقة لأنهم على علم شبه قطعي وأخالف أخي العالم الجليل الأستاذ السلامي بقطعية الحساب، لأن الحساب مهما بلغ كما هو معلوم عند علماء الرياضيات مهما بلغ فهنالك احتمال ولو واحد من مائة مليون غلط، كما ذكر لي أحد علماء الأرصاد الجوية في دمشق على علم شبه قطعي (يعني ٩٩.٩) وغلطهم نادر والعلم يتفق مع الدين ولا يتنافى معه بحال. هب أنه في غلط نادر. الغلط النادر لا قيمة له. لا سيما إذا كان الشهر الذي انمحق هلاله تسعة وعشرين واحتمل أن يكون ما بعده الثلاثين أو الواحد من الشهر الجديد أي مزيد الانمحاق أو الولادة الجديدة وأعتقد أن هذا الأخذ بقول أهل الأرصاد الجوية وأصحاب الفلك في هذه المسألة رؤية قلبية تدخل تحت الرؤية الشرعية، لأن الرؤية القلبية مجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة كما قرر الأصوليون ونحن لا نصير إلى هذه الرؤية القلبية إلا عند تعذر الرؤية البصرية واحتمال الولادة وعدمها شرعا. والله تعالى أعلم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وشكرا.