٣- عدم الفصل بين الإيجاب والقبول:
مما اشترطه العلماء رحمهم الله تعالى في صيغة العقد، هو عدم الفصل بين لفظي الإيجاب والقبول بفاصل، لأن وجود الفاصل بينهما، يعني الانصراف عن العقد والدليل على عدم الإرادة الجازمة في إبرامه، قال النووي: (يشترط أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول وأن لا يتخللهما كلام أجنبي عن العقد، فإن طال أو تخلل، لم ينعقد سواء تفرقا عن المجلس أم لا) (١) .
٤- عدم الهزل في كلام العاقد:
من الشروط التي ينبغي تحققها في ركن العقد، أن يكون العاقد غير هازل في كلامه، لأن الهزل دليل على عدم الرغبة الصادقة في إبرام العقد.
٥- أن يكون كل من الإيجاب والقبول باتًّا منجزًا غير معلق على شرط ينافي مقتضى العقد أو مضافًا إلى زمن في المستقبل
فلو قال رجل لآخر: بعتك هذا العرض غدًا أو بعد أسبوع مثلًا، فلا يتم العقد في هذه الحالة، ذلك أن الأصل في عقود التمليكات أن يترتب عليها أثرها فورًا، فالتعليق على شرط أو الإضافة إلى زمن مستقبل يتنافى مع مقتضى العقد، فلم يصح (٢) .
٦- اتحاد مجلس العقد:
من شروط صحة العقد اتحاد المجلس، والمقصود بذلك أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، فإن اختلف المجلس لا ينعقد، فلو أوجب أحد العاقدين البيع، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل لا ينعقد (لأن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر في المجلس لأنه كما وجد أحدهما انعدم في الثاني من زمان وجوده، فوُجِد الثاني والأول منعدم فلا ينتظم الركن) (٣) . إلا أن اعتبار ذلك كما يقول الكاساني يؤدي إلى انسداد باب البيع فتوقف أحد الشطرين على الآخر حكمًا وجعل المجلس جامعًا للشطرين مع تفرقهما للضرورة، وحق الضرورة يصير مقتضيًا عند اتحاد المجلس (٤) .
стр. 8507
٧- أن تكون صيغة الإيجاب والقبول بلفظ الماضي:
يؤثر فقهاء المسلمين صيغة الماضي لانعقاد العقد، لأنها تعتبر مظهرًا واضحًا للتعبير عن الإرادة في مرحلتها النهائية، الإرادة التي تجاوزت دور التردد والتفكير والمفاوضة والمساومة إلى دور الجزم والقطع والبت والحسم، أما غيرها من صيغ المضارع والأمر والاستقبال فلأنها تحتمل الحال والاستقبال، ولأن الصيغة لا بدّ من أن تتمحض للحال دون الاستقبال، كذلك وجب الرجوع في هذه الصيغة إلى الظروف والملابسات، فإن دلت الصيغة بطريق الاقتضاء على الحال انعقد العقد (١) .
وفي ذلك يقول الكاساني: إن الإيجاب والقبول قد يقع بصيغة الماضي وقد يقع بصيغة الحال، أما صيغة الماضي فيتم الركن بها، لأنها وإن كانت للماضي وضعًا لكنها اعتبرت إيجابًا للحال في عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاضٍ على الوضع.
ومثل صيغة الماضي ما إذا كان الإيجاب بلفظ الحال والقبول بلفظ الماضي كأن يقول البائع: خذ هذا الشيء بكذا، أو: أعطيتك بكذا، أو: هو لك بكذا، فيقول المشتري: قبلت، أو: رضيت، فالعقد يتم في هذه الحالة (لأن كل واحد من هذه الألفاظ يؤدي معنى البيع وهو المبادلة، والعبرة للمعنى لا للصورة) (٢) .
وإذا كان الإيجاب والقبول بلفظ الحال، وكانت نية المتبايعين متجهة إلى إبرام العقد، فالركن يتم في هذه الحالة، مثال ذلك: إذا قال البائع: أبيعه منك بكذا وقال المشتري: أشتريه، ونويا الإيجاب فقد تم الركن أيضًا. وقد علل الكاساني سبب وجوب النية في هذه الصيغة وإن كانت صيغة أفعل للحال في الصحيح، لأنه غلب استعمالها للاستقبال إما حقيقة أو مجازًا فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية. (٣) .
أما انعقاد البيع بصيغة الاستفهام، فلا تصح باتفاق الفقهاء، فلو قال رجل لآخر: أتبيعني هذه السلعة بكذا أو أبعتها مني بكذا، فأجابه الطرف الآخر بالقبول، لا يتم العقد ما لم يقل الطرف الأول وهو المشتري اشتريت (٤) .
وهل ينعقد بصيغة الاستقبال وهي صيغة الأمر، بأن يقول المشتري للبائع: بع هذا الثوب مني بكذا، فيقول البائع: بعت، فعلى رأي الأحناف لا ينعقد البيع ما لم يقل المشتري: اشتريت، ومثل هذه الصيغة أيضًا في الحكم ما إذ قال البائع للمشتري: اشتر مني هذا الشيء بكذا، فقال: اشتريت، فلا ينعقد البيع أيضًا ما لم يقل البائع: بعت (٥) .
стр. 8508
وإلى هذا ذهب الحنابلة في رواية عنهم (١) . وقال الشافعية بجواز العقد في هذه الحالة أيضًا، فقد حكى النووي عن الغزالي، أنه لو قال أحد المتبايعين: بعني، فقال: قد باعك الله أو: بارك الله لك فيه، فإن نوى المتعاقدان البيع، صح، وإلا فلا (٢) . وبهذا قال المالكية أيضًا (٣) . وهذه هي الرواية الثانية للحنابلة (٤) .
وهذا ما أختاره، لأن النية هي المعتبرة في مثل هذه العقود، والله أعلم.
كيف يتم العقد؟
إذا أوجب أحد المتعاقدين العقد بالصيغة الدالة عليه على النحو الذي ذكرناه، كان للمتعاقد الآخر أن يقبل هذا الإيجاب إلى حين انفضاض المجلس، وهذا ما يسمى بخيار القبول.
ولما كان الموجب نفسه بالخيار أيضًا في رأي أكثر المذاهب (٥) بين البقاء على إيجابه أو الرجوع عنه، فمعنى ذلك أن الإيجاب غير ملزم، وللموجب أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول، وهذا ما يسمى بخيار الرجوع، فإذا انفض المجلس دون أن يصدر القبول، سقط الإيجاب. وإذا بقي الموجب على إيجابه، وصدر من المتعاقد الآخر قبل انفضاض المجلس قبول يطابق الإيجاب من جميع الوجوه، انعقد العقد (٦) .
حكم التعاقد بغير صيغة لفظية:
قلنا فيما سبق: إن صيغة العقد تظهر حقيقة رغبة المتعاقدين في إبرام العقد وإن صيغة الماضي هي الصيغة المؤثرة عند فقهاء المسلمين لانعقاد العقد، ونريد أن نبين هنا حكم ما إذا أراد المتعاقدان أن يعبِّرا عن رغبتهما بغير صيغة لفظية، سواء كان ذلك بمحض اختيارهما كما في التعاطي أو اضطر أحدهما أو كلاهما لذلك كالإشارة بالنسبة للأخرس، أو المراسلة والكتابة بالنسبة للغائبين.
стр. 8509
رأي الفقهاء في البيع بالمعاطاة:
اتجه الفقهاء في البيع بالتعاطي اتجاهين:
١- ذهب أصحاب الاتجاه الأول إلى عدم صحة البيع بالمعاطاة هذا هو رأي الإمام الشافعي، جاء في الروضة: (المعاطاة ليست بيعًا على المذهب) (١) . وقال الفيروز أبادي: (ولا ينعقد البيع إلا بالإيجاب والقبول، فأما المعاطاة فلا ينعقد بها البيع) (٢) .وبهذا قال الكرخي من الحنفية فيما لو كان المعقود عليه نفيسًا (٣) .وحكى ابن قدامة عن القاضي الحنبلي مثل هذا الرأي أيضًا (٤) . وبه قالت الزيدية والهادوية (٥) .
٢- ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز البيع بالتعاطي، جاء في مختصر سيدي خليل المالكي: (ينعقد البيع بما يدل على الرضا وإن بمعاطاة) (٦) . قال الخرشي معقبًا على ذلك: وينعقد البيع وإن كان ما يدل على الرضا أو الدال عليه معاطاة، كأن يعطي رجل لآخر الثمن فيعطيه المثمون من غير إيجاب ولا استيجاب (٧) . وهذه وجهة نظر الأحناف ما عدا الكرخي، نص على ذلك صاحب الهداية حيث قال: ينعقد البيع بالتعاطي في النفيس والخسيس وهو الصحيح لتحقق المراضاة من المتعاقدين (٨) ، وهذا ما نص عليه الإمام أحمد (٩) . وبه قال بعض أئمة الشافعية أيضًا، وهو المختار عند النووي والمتولي والبغوي، لرجحان دليل جواز البيع بالمعاطاة من جهة، لأنه على حد تعبير صاحب الروضة، لم يصح في الشرع اشتراط لفظ، فوجب الرجوع إلى العرف كغيره من الألفاظ (١٠) .
ومن أبرز أدلة الجمهور على جواز البيع بالمعاطاة ما يلي:
(أ) أن الله قد أحلّ البيع ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، وعرف الناس جارٍ على هذا.
(ب) لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه مع كثرة تعاملهم بالبيع استعمال صيغة الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم، لنقل نقلًا شائعًا.
(ج) أن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعًا (١١) .
والمرجح عندي رأي الجمهور لوجاهة أدلتهم ولما فيه من تيسير على الناس.
стр. 8510
البيع بالإشارة:
اتفق الفقهاء على أن إشارة الأخرس تقوم مقام لفظه، فإن لم تفهم إشارته أو جنّ أو أغمي عليه قام وليه من الأب أو وصية أو الحاكم مقامه.
قال النووي: (يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة والكتابة) (١) . وهذا ما نص عليها الفقهاء الآخرون (٢) .
حكم التعاقد بالكتابة والمراسلة:
١- ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك، قال الكاساني: (والأصل أن أحد الشطرين من أحد العاقدين في باب البيع يتوقف على الآخر في المجلس ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد فيما وراء المجلس بالإجماع إلا إذا كان عنه قابل أو كان بالرسالة أو الكتابة) (٣) .
وقد دلل الكاساني على وجهة نظره هذه بما يلي:
(أ) فيما يخص المراسلة قال: إن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسل وناقل لكلامه إلى المرسل إليه، فكأنه حضر بنفسه فأوجب البيع وقبل الآخر في المجلس.
(ب) أما بالنسبة للكتابة، فإن خطاب الغائب لا يكون إلا بطريق الكتابة، وخطابه بمثابة حضوره بنفسه، فكأنه خاطب بالإيجاب وقبل الآخر في المجلس.
فعلى هذا لو أرسل رجل ببغداد رسولا إلى البصرة مثلًا قائلا للرسول: إني بعت داري التي في البصرة لفلان الغائب فاذهب إليه وأخبره بذلك، فذهب الرسول وبلغ الرسالة، فقال المشتري في مجلسه ذلك: قبلت، انعقد البيع. ومثل الرسالة في الحكم ما إذا أبرق له برقية أو كتب له رسالة يخبره ببيع داره أو سلعته المعينة، فقبل المخاطب، فالعقد يتمّ في هذه الحالة.
ولو خاطب ثم رجع قبل قبول الآخر، صح رجوعه، وكذا لو أرسل رسولا ثم رجع (لأن الخطاب بالرسالة لا يكون فوق المشافهة، وذا محتمل للرجوع فههنا أولى) سواء علم الرسول برجوع المرسل أو لم يعلم.
стр. 8511
إلا أنه في حالة تكذيب المرسل إليه، على المرسل إثبات ذلك بالبينة أو بأية وسيلة إثبات أخرى.
ومثل عقد البيع في الحكم عقد النكاح أيضًا، حيث يجوز عقده بالرسالة أو الكتابة، ويعتبر محل بلوغ الرسالة أو الكتابة هو مجلس العقد، إلا أنه ينبغي مراعاة الإشهاد في النكاح، إذ لا نكاح إلا بشهود. (١) .
وبجواز التعاقد بواسطة الكتابة والمراسلة قال الإمام الشافعي أيضًا، فقد ذكر النووي في الروضة، أن البيع ينعقد بالمكاتبة على رأي المذهب، لحصول التراضي (٢) .
وذكر في موضع آخر قائلًا: لو أن رجلًا قال بعت داري لفلان وهو غائب، فلما بلغه الخبر، قال: قبلت، انعقد البيع، لأن النطق على حد تعبيره أقوى من الكتابة، وإذا قبل المكتوب إليه تثبت له خيار المجلس ما دام في مجلس القبول، ويتمادى خيار الكاتب أيضًا إلى أن ينقطع خيار المكتوب إليه، حتى لو علم أنه رجع عن الإيجاب قبل مفارقة المكتوب إليه مجلسه، صح رجوعه ولم ينعقد البيع (٣) .
وكذا أجاز المالكية (٤) . والحنابلة (٥) التعاقد بالمكاتبة والمراسلة.
٢- ذهب بعض فقهاء الشافعية إلى عدم جواز التعاقد بالكتابة والمراسلة (٦) . وهذا هو رأي الزيدية والهادوية (٧)
والرأي المختار عندي هو رأي الجمهور الذي أجازوا فيه التعاقد بالكتابة والمراسلة لوجاهة أدلتهم من جهة ولما فيه من مصلحة وتيسير على الناس.
الصيغة التي يتم بها التعاقد في القانون:
نحا المقنن العراقي منحى فقهاء المسلمين عندما نص في الفقرة الثانية من المادة (٧٧) من القانون المدني على انعقاد العقد بإيجاب وقبول بلفظ الماضي وبلفظ المضارع أو الأمر إذا أريد بهما الحال (٨) .
وقد اعتبر المقنن المذكور صيغة الاستقبال التي هي بمعنى الوعد المجرد صيغة يصح التعاقد بها، والوعد ملزم في هذه الحالة إذا انصرف إلى ذلك قصد المتعاقدين، وهذا هو منطوق المادة (٧٨) من القانون المدني العراقي التي نصت على ما يلي: (صيغة الاستقبال التي هي بمعنى الوعد المجرد ينعقد بها العقد وعدًا ملزمًا إذا انصرف إلى ذلك قصد العاقدين) .
والوعد ملزم ديانةً عند فقهاء المسلمين، أما قضاءً فهو محل خلاف بينهم على ما فصلته كتب الفقه (٩) .
стр. 8512
رأي القانون في المتعاقد بغير المشافهة:
جارى المقنن العراقي فقهاء المسلمين عندما أجاز التعاقد بواسطة الكتابة والمراسلة والإشارة أو أية وسيلة أخرى تدل على رغبة المتعاقدين في التعاقد، بهذا قضت المادة (٧٩) من القانون المدني والتي نصت على ما يلي: (كما يكون الإيجاب أو القبول بالمشافهة يكون بالمكاتبة وبالإشارة الشائعة الاستعمال ولو من غير الأخرس وبالمبادلة الدالة على التراضي وباتخاذ أي مسلك آخر لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على التراضي) .
واعتبر المقنن المذكور عرض البائع سلعته ووضع قائمة الأسعار بإزائها من قبيل الإيجاب، ويعتبر هذا من وجهة نظر الفقه الإسلامي من قبيل البيع بالتعاطي.
فقد نصت الفقرة الأولى من المادة (٨٠) على أنه: (١- يعتبر عرض البضائع مع بيان ثمنها إيجابًا) .
أما الفقرة الثانية من المادة المذكورة فقد تطرقت إلى موضوع النشر والإعلان من قبيل التاجر لتجارته، فلا يعتبر مثل هذا التصرف إيجابًا عند الشك، بل يعتبر من قبيل الدعوة إلى التفاوض. ويفهم من ذلك أن الوسائل المذكورة تكون إيجابًا فيما لو انتفى الشك (١) .
خيار القبول في القانون!
وكما أعطى فقهاء المسلمين للمتعاقدين حق الخيار في تنفيذ العقد أو إلغائه بعد صدور الإيجاب إلى آخر المجلس، كذلك الأمر عند المقنن العراقي، فقد جارى الفقه الإسلامي في هذه المسألة في هذه المسألة وذلك بموجب المادة (٨٢) من القانون المدني عندما نص فيها على ما يلي: (المتعاقدان بالخيار بعد الإيجاب إلى آخر المجلس، فلو رجع الموجب بعد الإيجاب وقبل القبول أو صدر من أحد المتعاقدين قول أو فعل يدل على الإعراض، يبطل الإيجاب ولا عبرة بالقبول الواقع بعد ذلك) .
وفيما لو تكرر الإيجاب من الموجب قبل قبول الطرف الثاني، فقد أبطل المقنن المذكور الإيجاب الأول واعتبر الثاني نافدًا، بهذا قضت المادة (٨٣) من القانون المدني، ونصها كالآتي: (تكرار الإيجاب قبل القبول يبطل الأول ويعتبر فيه الإيجاب الثاني) .
والملاحظ أن المقنن العراقي لم يتطرق في المادة المذكورة، ولا في غيرها من مواد القانون المدني إلى موضوع خيار المجلس، الذي قال به الشافعية والحنابلة وأنكره المالكية والحنفية، مما يفهم منه رفض المقنن لفكرة خيار المجلس.
стр. 8513
تطابق الإيجاب والقبول شرط لصحة العقد في القانون:
وكما اشترط فقهاء المسلمين تطابق الإيجاب والقبول لصحة العقد، اشترطه المقنن العراقي، أيضًا، حيث نص في المادة (٨٥) من القانون المدني على ما يلي: (إذا أوجب أحد العاقدين يلزم لانعقاد العقد قبول العاقد الآخر على الوجه المطابق للإيجاب) .
وقد بين المقنن في المادة (٨٦) الكيفية التي يتم بها تطابق الإيجاب والقبول، وذلك في فقرتين، نص في الأولى منهما على ما يلي: (١- يطابق القبول الإيجاب إذا اتفق الطرفان على كل الوسائل الجوهرية التي تفاوضا فيها، أما الاتفاق على بعض هذه المسائل فلا يكفي لالتزام الطرفين حتى لو أثبت هذا الاتفاق بالكتابة) .
أما الفقرة الثانية فقد تناولت حكم ما إذا اتفق الطرفان على جميع المسائل الجوهرية أثناء العقد واحتفظا بمسائل تفصيلية على أساس أن يتفقا عليها فيما بعد، ولم يشترط عند التعاقد بإلغاء العقد في حالة عدم الاتفاق على تلك المسائل، ففي هذه الحالة يرى المقنن نفاذ العقد.
وإذا نشب خلاف في المستقبل حول المسائل المسكوت عنها حين التعاقد، فالأمر يؤول إلى المحكمة لتقضي بها طبقًا لطبيعة الموضوع ولأحكام القانون والعرف والعدالة (١) .
مجلس العقد:
سبق وأن ذكرنا أن اتحاد المجلس شرط في إبرام العقد، والغرض من هذا الشرط، هو تحديد المدة التي يصح أن نفصل القبول عن الإيجاب حتى يتمكن من عرض الإيجاب من المتعاقدين أن يفكر في الأمر فيقبل الإيجاب أو يرفضه، ولو أردنا أن نشترط على الطرف المقابل القبول فورًا، لألحقنا به الضرر من جراء ذلك، إذ ربما لا يتهيأ له الوقت الكافي للتدبر.
وفكرة مجلس العقد في الفقه الإسلامي كما يقول عنها الأستاذ السنهوري (نظرية بلغت من الإتقان مدى كبيرًا لولا إغراقها في المادية، فلا يطلب من المتعاقد الآخر القبول فورًا بل له أن يتدبر بعض الوقت، ولكن من جهة أخرى لا يسمح له أن يمعن في تراخيه إلى حد الإضرار بالموجب وذلك بإبقائه معلقًا مدة طويلة دون الرد على إيجابه، فوجب إذن التوسط بين الأمرين، ومن هنا نبتت نظرية مجلس العقد) (٢) .
стр. 8514
حدود مجلس العقد:
يؤخذ مما قدمنا من أقوال الفقهاء رحمهم الله تعالى أن المجلس هو المكان الذي يضم المتعاقدين ويبدأ من وقت صدور الإيجاب ويستمر ما دام المتعاقدان منصرفين إلى التعاقد ولم يبديا إعراضًا عنه.
ويعتبر المجلس منفضًّا في حالة الإعراض كما قلنا وفي حالة قيام العاقد وتركه المكان الذي صدر فيه الإيجاب.
ويعتبر المجلس قد استنفد غرضه في حالة قبول أو رفض الطرف الثاني.
ولو انفض المجلس دون أن يقبل الطرف المقابل، فالإيجاب يعتبر لاغيًا في هذه الحالة ولا فائدة في قبول الطرف الآخر بعدئذ، فإن أفصح عن قبوله، عد قبوله إيجابًا مبتدأ يحتاج إلى قبول من الطرف الأول في مجلس الإيجاب المبتدأ.
والعلة الفنية في مجلس العقد كما يقول الأستاذ السنهوري: إن الأصل هو ألا يتوقف الإيجاب على وجود القبول، لأن وجود الأخير يعني انعدام الإيجاب من زمان وجوده، فوجد القبول، والإيجاب منعدم، ولكن لو أردنا أن نعتبر ذلك، لآل الأمر إلى سد باب التعاقد، فتوقف الإيجاب على القبول حكمًا في مجلس العقد، وجعل المجلس جامعًا للشطرين مع تفرقهما للضرورة (١)
تبدل مجلس العقد:
لقد تفرع عن الكلام عن مجلس العقد واعتبار اتحاده شرطًا في صحة العقد حكم ما لو تبدل مجلس العقد، كأن يكون الطرفان الراغبان في إبرام عقد من العقود راكبين في عربة أو سفينة أو سائرين على الأرض، فهل يعتبر المتعاقدان في مثل هذه الحالة في مجلس واحد، وبالتالي ينطبق عليهما من الأحكام ما ينطبق على غيرهما ممن يضمهما مجلس واحد؟
الجواب على هذا: إن فقهاء الحنفية قد صوروا مجلس العقد تصويرًا ماديًّا عندما اعتبروا فيه وحدة المكان، فالمجلس، على رأيهم يتبدل بالمشي، لأن الإيجاب وقع في مكان ثم وقع القبول في مكان آخر حيث انتقل المتعاقدان خطوة عن المكان الأول الذي تمَّ فيه الإيجاب، والخطوة هذه تعتبر فاصلًا بين الإيجاب والقبول، فعليه لا يعتبر العقد مستكملًا شروطه في هذه الحالة، فلا ينعقد. وكذا الحال في السير على الدابة، وفي الوقوف ثم المشي أو السير، وتختلف السفينة عندهم عن الدابة من جهة أن المجلس لا يتبدل بجريان السفينة، لأن الماء هو السبب في تحريك السفينة ولا دخل للفرد في ذلك، والمتعاقدان لا يملكان إيقافها بعكس الدابة.
فعلى هذا الرأي يتبدل المجلس بالنسبة للراكبين على الدابة ولا يتبدل بالنسبة للراكبين على ظهر السفينة.
ويتبدل المجلس كذلك بالمضي في الصلاة أو في الشرب أو في الأكل أو في نوم المتعاقدين مضطجعين لا جالسين (٢) .
اعتراض الأستاذ السنهوري على تحديد مجلس العقد بوحدة المكان:
أثار المرحوم السنهوري اعتراضًا حول تحديد الحنفية مجلس العقد بالمكان دون أن ينظروا إليه من الناحية الزمنية، حيث قال: أليس الأولى أن ننبذ الوحدة المكانية والاستعاضة عنها بالوحدة الزمنية؟ (٣) .
стр. 8515
فعلى هذا الرأي نجعل مجلس العقد ممتدًّا مدة الزمن الذي يظل فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد سواء برحا في مكانهما أو غادراه، فإذا اشتغل كلاهما أو أحدهما بشيء آخر وأعرض عن الكلام في العقد، فعندئذٍ نحكم بانقطاع المجلس واعتباره منفضًّا، ولا يحكم بانفضاضه فيما سوى ذلك حتى لو برحا هذا المكان. وعندئذٍ لا حاجة بنا إلى التمييز بين المشي والسير وبين سير الدابة وجريان السفينة، ثم لا نحتار بعدُ فيما استحدث من طرق المواصلات كالسير بقطار السكة الحديدية والسفر بالسفن بالبخارية وغير ذلك (١) .
والرأي الذي ذكره الأستاذ السنهوري وجيه من وجهة نظري لما ذكره من تعليل، والله أعلم.
الآثار المترتبة على نظرية مجلس العقد:
يترتب على القول بمجلس العقد الأحكام التالية:
* أولًا: أن يكون للطرف المخاطب بالإيجاب خيار القبول لحين انفضاض المجلس، فهو غير ملزم بالقبول، إذا لو ألزمناه بذلك، لآل الأمر إلى تجارة من غير تراضٍ وهذا لا يجوز.
* ثانيًا: أن يكون للطرف الموجب خيار الرجوع عن إيجابه إلى أن يصدر القبول أو ينفض المجلس، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية، والحنابلة (٢) . وخالف المالكية حيث لم يجيزوا للموجب حق الرجوع (٣) .
стр. 8516
وقد دلل الجمهور على وجهة نظرهم هذه بما يلي:
(أ) أن الثابت للقابل بالإيجاب حق التملك في المعقود عليه، في حين أن الثابت للموجب حق الملك، وهو أقوى من حق التملك فيقدم عليه.
(ب) أن الالتزام لا يتحقق إلا إذا وجد العقد، والعقد لا يتم إلا بتطابق الإيجاب والقبول، فما لم يوجد قبول، لا يعتبر العقد موجودًا ومن ثَمَّ لا ينشأ التزام، ومن هنا جاز للموجب الرجوع عن إيجابه قبل القبول إذا لم يوجد بعد التزام يمنعه من الرجوع.
وقد احتج المالكية بقولهم: إن الموجب قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها، فليس من حقه الرجوع بعد ذلك.
ورأي الجمهور هو الراجح لوجاهة أدلتهم.
* ثالثًا: أن يعطى للمتعاقدين خيار المجلس وهذا الخيار يعني أن لكل عاقد الحق في فسخ العقد ولو بعد إبرامه ما داما في مجلس واحد، فإذا انفض المجلس بطل الخيار.
وخيار المجلس محل خلاف بين الفقهاء، فقد أثبته كثير من فقهاء السلف، منهم ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح والشعبي، وبه قال الشافعية والحنابلة (١) ، مستدلين بالحديث الصحيح الذي رواه ابن عمر وهو أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يفترقا وكان جميعًا أو يخيِّر أحدهما الآخر، فإن خيَّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع)) (٢) .
стр. 8517
وقد أنكر المالكية والحنفية خيار المجلس، بحجة: أن في الفسخ إبطالًا لحق الطرف الآخر، فلا يجوز، وحملوا الحديث على خيار القبول (١) .
والراجح عندي من الآراء الرأي الذي لا يقول بخيار المجلس، ومما يؤكد رجحان هذا الرأي هو:
١- أن الأخذ برأي القائلين بخيار المجلس يقتضي تعليق العقد لحين انفضاض المجلس، ولما كان وقت انفضاض المجلس غير منضبط فهو متوقف على التفرق، وفي ذلك محاذير كثيرة (٢) .
٢- أن القول بخيار المجلس يزعزع من قوة العقد الملزمة، وما هي الفائدة من اشتراط تطابق الإرادتين واقتران القبول والإيجاب إذا كان العقد غير مستقر ومعرَّضًا للفسخ.
٣- إذا كان القصد من خيار المجلس هو إعطاء حرية أكثر للمتعاقدين في المضي في العقد أو فسخه، ففي خيار القبول وخيار الرجوع من التدبر والتروّي ما يكفي الطرفين لاتخاذ القرار الحاسم لإمضاء العقد أو إلغائه.
٤- أما الاحتجاج بالحديث فقد حمله الأحناف على خيار القبول وفيه إشارة إليه، فإن المتعاقدين متبايعان حالة المباشرة لا بعدها، أو يحتمل خيار القبول فيحمل عليه (٣) .
التعاقد بين الغائبين:
إن التعاقد بين الغائبين كالتعاقد بين الحاضرين، يجب أن يتم في مجلس العقد وللموجب فيه خيار الرجوع في إيجابه، وللمتعاقد الآخر خيار القبول، ويجب فيه مطابقة القبول للإيجاب على النحو الذي فصلناه في التعاقد بين الحاضرين.
إلاَّ أن التعاقد بين الغائبين له خصائص كما ذكر الأستاذ السنهوري يتميز بها عن التعاقد بين الحاضرين من حيث:
(أ) مجلس العقد.
(ب) وقت تمام العقد.
(ج) خيار الرجوع وخيار القبول وخيار المجلس
стр. 8518
وها أنا أتكلم عن هذه المسائل الثلاث بشيء من الإيجاز:
(أ) مجلس العقد في التعاقد بين الغائبين:
قلنا عند كلامنا عن التعاقد بغير صيغة لفظية: إن الأصل في الإيجاب والقبول أن يقترن أحدهما بالآخر في مجلس واحد، فإذا أوجب أحد المتعاقدين في غياب المتعاقد الآخر، لم يتوقف شطر العقد على الشطر الآخر إلا في المجلس، بحيث لو أراد فضولي أن يقبل وهو في المجلس نيابة عن المتعاقد الغائب، انعقد العقد على رأي الأحناف، وتوقف على إجازة الغائب، ولا يتوقف شطر العقد على الشطر الآخر فيما وراء المجلس إلا إذا كان التعاقد بواسطة الرسالة أو الكتابة، هذا ما صرحت به كتب الحنفية، حيث قال صاحب الهداية: (والكتاب كالخطاب وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة) (١) .
فعلى هذا يكون مجلس العقد في التعاقد بين الغائبين غير مجلسه في التعاقد بين الحاضرين، فالمجلس الثاني هو محل صدور الإيجاب، أما المجلس الأول فهو محل بلوغ الإيجاب إلى المتعاقد الغائب، أي محل أداء الرسالة أو بلوغ الكتاب، وهذا الفرق كما يقول الأستاذ السنهوري اقتضته طبيعة التعاقد بين الغائبين، فالمتعاقد الآخر غائب عن المجلس الذي صدر فيه الإيجاب، فلا بد من بلوغ الإيجاب إليه، ومحل بلوغه يعتبر مجلس العقد (٢) .
(ب) متى يعتبر العقد مبرمًا بين الغائبين:
قلنا فيما سبق: إن العقد يتم بين الحاضرين عند سماع كل عاقد كلام صاحبه في مجلس العقد، ولو لم يسمع الطرف المقابل كلام صاحبه لا يصح العقد، وهذا ما نص عليه الفقهاء في كتبهم، قال ابن الهمام معقبًا على كلام صاحب الهداية في قوله: (البيع ينعقد بالإيجاب والقبول) . يعني إذا سمع العاقد كلام صاحبه، ولو قال البائع: لم أسمعه وليس به صمم وقد سمعه من كان حاضر المجلس، فلا يصدق (٣) .
ولما كان من المتعذّر عند التعاقد بين الغائبين سماع العاقد كلام صاحبه، فقد اعتبر الفقهاء عند التعاقد بالكتابة أو المراسلة قبول القابل حين بلوغه الخبر، هو وقت انعقاد العقد، ولا يشترط أن يكون القبول قد وصل إلى علم الموجب، وفي هذا الصدد يقول الكاساني عند كلامه عن التعاقد بواسطة الرسالة: أما الرسالة، فهي أن يرسل رسولًا إلى رجل ويقول للرسول: بعت عبدي بكذا، فإذا بلغ الرسول المرسل إليه وهو المشتري، وقال في مجلسه ذلك: قبلت، انعقد البيع (٤) . وفي التعاقد بواسطة الكتابة يقول ابن عابدين: (صورة الكتابة أن يكتب: أما بعد، فقد بعت عبدي فلانًا منك بكذا فلما بلغه الكتاب قال في مجلسه ذلك: اشتريت، تمَّ البيع بينهما) (٥) . ولم تشترط النصوص في الحالتين لتمام البيع سماع المشتري قبول القابل.
стр. 8519
(ج) خيار الرجوع للمتعاقدين الغائبين:
سبق وأن ذكرنا أن فقهاء المسلمين على خلاف فيما بينهم، قد أثبتوا للمتعاقدين الحاضرين في حالة تعاقدهم في مجلس وحد خيارات ثلاثة، هي خيار الرجوع وخيار القبول وخيار المجلس، فهل يثبت هذا الحق للمتعاقدين الغائبين أم لا؟
أقول: إن خيار الرجوع للموجب حق أثبته جمهور العلماء للمتعاقدين الحاضرين، وهو يثبت كذلك عندهم للمتعاقدين الغائبين، إلا أن الفرق بينهما أنه لو نطق الموجب بالرجوع بعد القبول، فلا يُسمع فيما لو كان العقد بين غائبين، أما عند التعاقد بين حاضرين، فالرجوع مقبول على رأي من يجيز خيار المجلس فقط، أما عند غيرهم فلا.
وخيار الرجوع للقابل لا يقبل عن رأي من ينكر خيار المجلس سواء كان العقد بين حاضرين أم بين غائبين، لأن العقد قد تمَّ بقوله قبلت. أما على رأي من يجيز خيار المجلس، فرجوع القابل مقبول عنده فيما لو تم العقد بين حاضرين، لأن تفرق الأبدان غير حاصل، فعلى هذا ما زال العقد قابلا للانفساخ عندهم، وفي حالة التعاقد بين غائبين فلا يتصور خيار المجلس.
والذي نريد بحثه هنا هو: هل يشترط في الرجوع ذاته أن يسمع من الطرف المقابل قياسًا على وجوب سماع الصيغة الأولى وهي الإيجاب والقبول في حالة إبرام العقد بين حاضرين أو غائبين؟
الجواب على هذا: أن فقهاء الحنفية قد صرحوا في كتبهم، أن للعاقد بعد صدور الإيجاب منه الرجوع عن كلامه قبل صدور القبول من الطرف الثاني، سواء صدر الإيجاب من البائع أو المشتري، ذكر ذلك ابن عابدين نقلًا عن البحر، حيث قال: (والحاصل أن الإيجاب يبطل بما يدل على الإعراض وبرجوع أحدهما عنه وبموت أحدهما) (١) .
وبخصوص سماع كل طرف رجوع صاحبه، لم يشترط الأحناف في التعاقد بين الغائبين علم الطرف المقابل عند رجوع الموجب عن كلامه، وإنما يكتفي بالإشهاد على رجوعه كما هو الحال في حالة قبوله للبيع، وهذه المسألة تعتبر من وسائل الإثبات فقط.
قال ابن الهمام: (ويصح رجوع الكاتب والمرسل عن الإيجاب الذي كتبه وأرسله قبل بلوغ الآخر وقبوله، سواء علم الآخر أو لم يعلم، حتى لو قبل الآخر بعد ذلك لا يتم البيع) . وهذا بخلاف ما لو وكل بالبيع، ثم عزل الوكيل قبل البيع، فباع الوكيل، فبيع الوكيل قبل علمه بالعزل نافذ (٢) .
стр. 8520
أما في التعاقد بين الحاضرين، فإن هناك خلافًا في المسألة فقد جاء في الفتاوى الهندية ما نصه: (وللموجب أيًّا كان أن يرجع قبل قبول الآخر، هكذا في النهر الفائق، ولا بد من سماع الآخر رجوع الموجب كذا في التتار خانية. وفي اليتيمة يصح الرجوع وإن لم يعلم به الآخر، كذا في البحر الرائق، لو قال البائع: بعت منك هذا العبد بكذا، ثم قال: رجعت، ولم يسمع المشتري وقال: اشتريت، ينعقد البيع كذا في الظهيرية (١) .
ويستخلص من هذا النص أن هناك رأيًا يذهب إلى وجوب سماع الرجوع، فلو قبل الطرف المقابل قبل أن يسمع رجوع الموجب، انعقد العقد (لأن الرجوع لا ينتج أثره إلا إذا سمعه القابل قبل أن يقبل) . وهناك رأي آخر يرى عدم اشتراط سماع الرجوع، فعلى هذا لو قبل المتعاقد الآخر بعد رجوع الموجب، لا ينعقد العقد، حتى لو كان القابل لم يسمع الرجوع إلا بعد أن قبل (٢) .
اتحاد مجلس التعاقد بين الغائبين في القانون:
عالج المقنن العراقي موضوع اتحاد مجلس العقد ما بين الغائبين من خلال المادة (٨٧) من القانون المدني، فقد نص في الفقرة الأولى منها على ما يلي: (١- يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان والزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول ما لم يوجد اتفاق صريح أو ضمني أو نص قانوني يقضي بغير ذلك) .
وواضح من النص المتقدم أن المقنن جارى فقهاء المسلمين عندما اعتبر العقد تامًّا بين الغائبين في المكان والزمان الذي يصل فيه القبول إلى علم الموجب ما لم يكن هناك اتفاق صريح أو ضمني أو نص قانوني يقضي بغير ذلك.
وجاءت الفقرة الثانية من المادة نفسها مؤكدة لما جاء في الفقرة الأولى، حيث نص المقنن فيها على ما يلي: (٢- ويكون مفروضًا أن الموجب قد علم بالقبول في المكان والزمان اللذين وصل إليه فيهما) .
стр. 8521
التعاقد بواسطة وسائل الاتصال الحديثة – التليفون – البرقية – التلكس:
لقد تبين لنا من خلال البحث أن الفقه الإسلامي يعتبر الرضا هو الأساس في إبرام العقود، لهذا أجاز التعاقد بالرسالة والكتابة وبالإشارة وبالتعاطي، بل ذهب إلى أبعد من هذا عندما اعتبر التعاقد جائزًا باتخاذ أي مسلك آخر لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على التراضي وقد نص الفقهاء رحمهم الله تعالى في كتبهم على هذا، من ذلك ما قاله السرخسي: (العقد قد ينعقد بالدلالة كما ينعقد بالتصريح) . (١) وقال الحطاب: (واحتج المالكية بما تقدم من أن الأفعال وإن انتفت منها الدلالة الوضعية ففيها دلالة عرفية، وهي كافية، إذ المقصود من التجارة إنما هو أخذ ما في يد غيرك بدفع عوض عن طيب نفس منكما، فتكفي دلالة العرف في ذلك على طيب النفس، والرضا بقول أو فعل) (٢) . وحكى ابن قدامة عن مالك قوله: (يقع البيع بما يعتقده الناس بيعًا) (٣) .وحكى عن الحنابلة أيضًا ما يشبه هذا الكلام حيث قال: (إن الله أحل البيع ولم يبيِّن كيفيته فوجب الرجوع فيه إلى العرف كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق) (٤) .
وقد أكد الفقهاء المحدثون هذا المعنى في مؤلفاتهم التي تكلموا فيها عن العقود (٥) .
ولم يتشدد في ذلك سوى بعض فقهاء الشافعية رحمهم الله تعالى على ما ذكرنا فيما سبق.
من هذا كله نستخلص أن التعاقد بواسطة وسائل الاتصال الحديثة يتماشى مع ما قرره الفقهاء من قبل، بل أن في نصوص الفقهاء ما يمكن أن نعتبره أساسًا لفكرة التعاقد بالهاتف، فقد قال النووي: (لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع) (٦) ، والسؤال الذي يدور حول التعاقد بالهاتف وغيره من وسائل الاتصال الأخرى. هل يعتبر تعاقدًا بين حاضرين أم بين غائبين؟
стр. 8522
لقد عبر أستاذنا صلاح الدين الناهي عن أساس هذه المشكلة بقوله: (من المشكلات التي يثيرها التعاقد بالتليفون أنه كيف يمكن حمل التعاقد بالتليفون على العقد بين حاضرين ليجري هذا الحمل على إطلاقه – أي من حيث الزمان والمكان – فتكون العبرة بزمن الصدور ومكانه، أم يقتصر على الزمان؟ وهل لزيادة مصطلح مجلس العقد ما يساعد على حل هذه المعضلة باعتبار مجلس العقد يعتبر فيه الطرفان حاضرين من حيث المكان؟ أم ينبغي القول بأن اعتبار الطرفين حاضرين من حيث المكان في حالة التعاقد بالتليفون قياس مع الفارق، لأن هذا الاعتبار مما يخالف طبيعة الأشياء) (١) .
والرأي القانوني السائد، هو أن التعاقد بالهاتف وما شابهه من وسائل الاتصال الحديثة ليس تعاقدًا بين حاضرين من كل وجه ولا بين غائبين من كل وجه، فالمتعاقدان لا يضمهما مجلس واحد وليس ثمة فاصل زمني بين القبول والعلم به، لذا ساد القول بأنه تعاقد بين حاضرين من حيث الزمان لعدم الفاصل الزمني، وبين غائبين من حيث المكان نظرًا لبعد الشُّقَّة بينهما، وهذا هو منطوق المادة (٨٨) من القانون المدني العراقي التي نصت على ما يلي: (يعتبر التعاقد بالتليفون أو بأية طريقة مماثلة كأنه تمَّ بين حاضرين فيما يتعلق بالزمان وبين غائبين فيما يتعلق بالمكان) .
ويؤكد هذا المعنى الأستاذ السنهوري حيث قال: (التعاقد بطريق التليفون، هو تعاقد لا يجمع فيه المتعاقدين مجلس واحد، فقد يكون أحدهما في جهة تبعد عن الجهة التي يوجد فيها الآخرون بمسافة طويلة، بل قد يفصل المتعاقدين وهما يتخاطبان في التليفون بلاد شاسعة بعد أن اخترع التليفون اللاسلكي، ولكن التعاقد وهما يتخاطبان بهذه الطريقة لا يثير إشكالًا إلا من حيث معرفة مكان العقد. أما زمان العقد فلا صعوبة فيه، لأن وقت صدور القبول هو وقت العلم به، فلا فترة من الزمن تفصل بين الأمرين، ولذلك قيل إن التعاقد بالتليفون هو تعاقد فيما بين حاضرين من حيث الزمان، وهذا يدل مرة أخرى على أن العبرة في التعاقد بالمراسلة هي الفترة التي تفصل بين صدور القبول والعلم به، ويتبين من ذلك أن التعاقد بطريق التليفون يتمُّ في الوقت الذي يصدر فيه القبول، وهو نفس الوقت الذي يقع فيه العلم بالقبول.
أما من حيث المكان فالإشكال موجود، لأن المتعاقدين موجودان في جهتين مختلفتين، فهل يتمُّ العقد في الجهة التي يوجد فيها من صدر منه القبول، أو في الجهة التي يوجد فيها من صدر منه الإيجاب، أي الجهة التي وقع فيها العلم بالقبول....) (٢) .
стр. 8523
الآثار المترتبة على حكم التعاقد بالتليفون ووسائل الاتصال الأخرى:
يترتب على ما ذكره فقهاء القانون من اعتبار التعاقد بالتليفون والتلكس وما ماثل ذلك من وسائل الاتصال الحديثة تعاقدًا بين حاضرين من حيث الزمان وبين غائبين من حيث المكان ما يلي:
١- مجلس العقد: في حالة التعاقد بالهاتف:
سبق وأن قلنا: إن مجلس العقد عبارة عن الفترة الزمنية التي تفصل بين الإيجاب والقبول ما دام المتعاقدان منشغلين بالعقد، ولم يبد منهما ما يدل على الإعراض وهذا بدوره ينتظم التعاقد بالتليفون وما شابهه يقول الدكتور محمد مصطفى شلبي: (وليس المراد باتحاد المجلس كون المتعاقدين في مكان واحد لأنه قد يكون أحدهما في مكان غير مكان الآخر، كالمتعاقدين بواسطة المسرة – الهاتف – أو بالمراسلة – وإنما المراد به الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد ما لم يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل أجنبي يعتبر إبطالا للإيجاب كرجوع الموجب عن إيجابه قبل القبول أو إعراض القابل عن هذا الإيجاب باشتغاله بشيء آخر غير العقد، فإذا لم يوجد شيء من ذلك صح القبول الصادر منه مهما طال الوقت وانعقد العقد، وعلى هذا يكون مجلس العقد بالهاتف هو زمن الاتصال، فما دامت المحادثة في شأن العقد قائمة اعتبر المجلس قائمًا وإذا انتقلا إلى حديث آخر اعتبر المجلس منتهيًا) (١) .
٢- مكان العقد:
بما أنه ينطبق على التعاقد بالهاتف حكم التعاقد بين الغائبين بالنسبة له لذا يمكن أن نعتبر ما قاله الفقهاء من التعاقد بالمراسلة والمكاتبة يجري عليه أيضًا، وهو أن تمام العقد يتحقق بتلفظ الغائب بالقبول، علم بذلك الموجب أم لا؟ (٢) .
стр. 8524
٣- من حيث رجوع الموجب عن إيجابه:
لما اعتبر فقهاء القانون التعاقد بالهاتف وغيره من وسائل الاتصال الأخرى تعاقدًا بين حاضرين فيما يتصل بالزمان، فهذا يعني أنه يحق للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر.
هذا ما نصت عليه المادة (٩٤) من القانون المدني المصري حيث جاء فيها: (على أنه إذا صدر الإيجاب في مجلس العقد دون أن يُعَيَّن ميعاد للقبول، فإن الموجب يتحلل من إيجابه إذا لم يصدر القبول فورًا، وكذلك الحال إذا صدر الإيجاب من شخص إلى آخر بطريق التليفون أو بأي طريق مماثل، ومع ذلك يتم العقد ولو لم يصدر القبول فورًا إذا لم يوجد ما يدل على أن الموجب قد عدل عن إيجابه في الفترة ما بين الإيجاب والقبول وكان القبول قد صدر قبل أن ينفض المجلس) (١) .
إجراء عقود النكاح بواسطة المراسلة والمكاتبة:
إتمامًا لفائدة البحث، أو أن أذكر بشيء من الإيجاز ما قاله فقهاؤنا رحمهم الله تعالى بخصوص إجراء عقد النكاح بواسطة المراسلة والمكاتبة.
فأقول: صرح فقهاء الحنفية بجواز ذلك بشرط الإشهاد عند القبول، لأنه لا نكاح إلا بشهود.
من ذلك ما حكاه ابن عابدين عن السرخسي في مبسوطه حيث قال: (كما ينعقد النكاح بالكتابة ينعقد البيع وسائر التصرفات بالكتابة أيضًا) (٢) . ونقل أيضًا عن شيخ الإسلام خواهر زاده مثل ذلك حيث قال: (لو كان حاضرًا فخاطبها بالنكاح فلم تجب في مجلس الخطاب ثم أجابت في مجلس آخر، فإن النكاح لا يصح، وفي الكتاب إذا بلغها وقرأت الكتاب ولم تزوج نفسها منه في المجلس الذي قرأت الكتاب فيه، ثم زوجت نفسها في مجلس آخر بين يدي الشهود وقد سمعوا كلامها وما في الكتاب يصح النكاح ... ) (٣) .
ومثل ذلك حكى الكاساني عن أئمة الحنفية أيضًا (٤) . ويعتبر من قبيل المراسلة والمكاتبة في عصرنا الحاضر، التلغراف – البرقية – والتلكس، ويشترط لصحة عقد النكاح بهاتين الوسيلتين ما يشترط في التعاقد بالمراسلة والمكاتبة من الإشهاد على العقد.
أما إجراء عقد النكاح بواسطة الهاتف فتتوقف صحته على إحضار الشهود عند المخاطبة وسماعهم كلام العاقدين، فإذا تحقق ذلك جاز، وإلا فلا، والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 8525
خلاصة البحث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
العقد في اصطلاح الفقهاء يطلق بإطلاقين عام وخاص، فالمعنى العام يراد به كل التزام تعهد الإنسان بالوفاء به سواء كان في مقابل التزام آخر كالبيع والشراء ونحوه أم لا. وسواء كان التزامًا دينيًّا كأداء الفرائض والواجبات أم التزامًا دنيويًّا.
قال أبو بكر الجصاص: (كل شرط شرطه إنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد، وكذلك النذور وإيجاب القرب وما جرى مجرى ذلك) . ومن هنا يتبين لنا أن العقد بمعناه العام لا يشترط فيه تطابق إرادتين، بل يتحقق بإرادة منفردة.
أما المعنى الخاص للعقد، فهو الالتزام الذي لا يتحقق إلا من طرفين، وهذا المعنى هو المراد عند إطلاق الفقهاء لفظ العقد، فهم يعنون به صيغة الإيجاب والقبول الصادرة من متعاقدين.
وقد جاء تعريف العقد على لسان بعض رجال القانون بما يشبه تعريف الفقهاء له.
أركان العقد:
لا يتحقق العقد إلا بوجود أركانه الثلاثة، وهي: الصيغة والعاقدان والمعقود عليه.
وقد اقتصر الحنفية من بين الفقهاء الآخرين على ذكر الإيجاب والقبول عند كلامهم عن أركان العقد، إلا أنه يقتضي بالضرورة وجود الركنين الآخرين عند غيرهم، إذ لا يتصور تحقق الإيجاب بدون موجب ولا قبول بغير قابل، كما أن الإيجاب والقبول يقتضي وجود محل يجري التعاقد فيه، ومن يتتبع أقوالهم رحمهم الله تعالى يتبين له أن اعتبار صيغة الإيجاب والقبول هي ركن العقد عندهم، هو اصطلاح لفظي فقط.
صيغة العقد:
قلنا إن العقد عبارة عن ارتباط إرادتين في مجلس واحد يسمى مجلس العقد، وإن هذا الارتباط ينبئ عن الرضا والاختيار الذين يعتبران هما أساس العقد وركنه الذي لا يقوم بغيره. وبما أن الرضا أمر خفي ليس بالإمكان معرفته أقام الشارع مقامه ما يدل عليه من قول أو فعل محسوس، وبهذا تكون الإرادة الظاهرة هي المظهر الخارجي للتعبير عن الإرادة الباطنة، فالإرادة الباطنة التي يعبر عنها بالرضا هي الركن الحقيقي للعقد وإلى هذا تشير عبارات كثيرة من الفقهاء رحمهم الله تعالى.
والإرادة الظاهرة متمثلة بالإيجاب والقبول ركن العقد.
стр. 8526
شروط الإيجاب والقبول:
من أجل اعتبار الأثر المترتب على الإيجاب والقبول واستكمال العقد لصيغته النهائية يشترط فيهما ما يلي:
١- العلم بمضمون العقد: وذلك بأن يسمع كل من المتعاقدين كلام صاحبه فيما لو تمَّ التعاقد بينهما شفاهًا أو يقرأه الطرف المرسل إليه الكتاب إذا كان العقد مما ينعقد بها أو يرى الإشارة المفهمة من الأخرس.
٢- موافقة القبول والإيجاب: إذ لو انعدم التوافق بينهما لم يحقق العقد غرضه فلا فائدة في إنشائه.
٣- عدم الفصل بين الإيجاب والقبول: لأن وجود الفاصل بينهما، يعني الانصراف عن العقد والدليل على عدم الإرادة الجازمة في إبرامه.
٤- عدم الهزل في كلام العاقد: لأن الهزل دليل على عدم الرغبة الصادقة في إنشاء العقد.
٥- أن يكون كل من الإيجاب والقبول باتًّا منجزًا غير معلق على شرط ينافي مقتضى العقد أو مضافًا إلى زمن في المستقبل.
٦- اتحاد مجلس العقد: والمقصود بهذا الشرط، أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد، فإن اختلف المجلس لا ينعقد.
٧- أن تكون صيغة الإيجاب والقبول بلفظ الماضي:
وقد اختار الفقهاء هذه الصيغة لانعقاد العقد، لأنها تعتبر مظهرًا واضحًا للتعبير عن الإرادة في مرحلتها النهائية.
كيف يتم العقد؟
إذا أوجب أحد المتعاقدين العقد بالصيغة الدالة عليه على النحو الذي ذكرناه كان للمتعاقد الآخر أن يقبل هذا الإيجاب إلى حين انفضاض المجلس، وهذا ما يسمى بخيار القبول. ولما كان الموجب نفسه بالخيار أيضًا في رأي أكثر المذاهب بين البقاء على إيجابه أو الرجوع عنه، فمعنى ذلك أن الإيجاب غير ملزم، وللموجب أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول، وهذا ما يسمى بخيار الرجوع، فإذا انفضَّ المجلس دون أن يصدر القبول سقط الإيجاب.
وإذا بقي الموجب على إيجابه وصدر من المتعاقد الآخر قبل انفضاض المجلس قبول يطابق الإيجاب من جميع الوجوه، انعقد العقد.
стр. 8527
حكم التعاقد بغير صيغة لفظية:
١- التعاقد بالمعاطاة: وقد اتجه الفقهاء في ذلك اتجاهين. ذهب الجمهور إلى جواز ذلك، وقال الشافعي وفقهاء آخرون بعدم جواز البيع بالتعاطي. ورأي الجمهور الراجح. لوجاهة أدلتهم ولما فيه من تيسير على الناس.
٢- البيع بالإشارة: وقد اتفق الفقهاء على أن إشارة الأخرس تقوم مقام لفظه فإن لم تفهم إشارته أو جنّ أو أغمي عليه قام وليه أو وصيه أو الحاكم مقامه.
٣- التعاقد بالكتابة والمراسلة: وقد أجاز الجمهور رحمهم الله تعالى التعاقد بهاتين الوسيلتين. وذهب بعض فقهاء الشافعية والزيدية والهادوية إلى عدم جواز التعاقد بالكتابة والمراسلة. ورأي الجمهور هو المختار.
مجلس العقد:
قلنا إن اتحاد المجلس شرط في إبرام العقد، والغرض من هذا الشرط، هو تحديد المدة التي يصح أن تفصل القبول عن الإيجاب حتى يتمكن من عُرِضَ عليه الإيجابُ من المتعاقدين أن يفكر في الأمر فيقبل الإيجاب أو يرفضه.
حدود مجلس العقد:
يفهم من أقوال الفقهاء رحمهم الله تعالى أن المجلس هو المكان الذي يضم المتعاقدين ويبدأ من وقت صدور الإيجاب ويستمر ما دام المتعاقدان منصرفين إلى التعاقد ولم يبديا إعراضًا عنه.
ويعتبر المجلس منفضًّا في حالة الإعراض كما قلنا وفي حالة قيام العاقد وتركه المكان الذي صدر فيه الإيجاب.
ويعتبر المجلس قد استنفد غرضه في حالة قبول أو رفض الطرف الثاني. ولو انفض المجلس دون أن يقبل الطرف المقابل، فالإيجاب يعتبر لاغيًا في هذه الحالة ولا فائدة في قبول الطرف الآخر بعدئذ. فإن أفصح عن قبوله، عُدَّ قبولُه إيجابًا مبتدأ يحتاج إلى قبول من الطرف الأول في مجلس الإيجاب المبتدأ.
الآثار المترتبة على نظرية مجلس العقد:
يترتب على القول بمجلس العقد الأحكام التالية:
١- أن يكون للطرف المخاطب بالإيجاب خيار القبول لحين انفضاض المجلس، إذا هو غير ملزم بالقبول.
٢- أن يكون للطرف الموجب خيار الرجوع عن إيجابه إلى أن يصدر القبول أو ينفض المجلس، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، وخالف المالكية في ذلك. والراجح رأي الجمهور لوجاهة أدلتهم.
٣- أن يعطى للمتعاقدين خيار المجلس، وهذا الخيار محل خلاف بين العلماء فقد أثبته كثير من فقهاء السلف وبه قال الشافعية والحنابلة ونفاه المالكية والحنفية.
وقد رجحت رأي القائلين: بعدم مشروعية خيار المجلس، لمَّا تبين لي وجاهة أدلتهم.
стр. 8528
التعاقد بين الغائبين:
والتعاقد بين الغائبين كالتعاقد بين الحاضرين، يجب أن يتم في مجلس العقد، وللموجب فيه خيار الرجوع في إيجابه، وللمتعاقد الآخر خيار القبول، ويجب فيه مطابقة القبول للإيجاب على النحو الذي فصلناه في التعاقد بين الحاضرين.
إلا أن التعاقد بين الغائبين له خصائص يتميز بها عن التعاقد بين الحاضرين من حيث:
(أ) مجلس العقد.
(ب) وقت تمام العقد.
(ج) خيار الرجوع وخيار القبول وخيار المجلس.
إن مجلس العقد بين الغائبين غير مجلسه في التعاقد بين الحاضرين، فالمجلس الثاني هو محل صدور الإيجاب، أما المجلس الأول وأعني به مجلس الغائبين، فهو محل بلوغ الإيجاب إلى المتعاقد الغائب، أي محل أداء الرسالة أو بلوغ الكتاب.
واعتبر الفقهاء عند التعاقد بالكتابة أو المراسلة قبول القابل حين بلوغه الخبر، هو وقت انعقاد العقد، ولا يشترط أن يكون القبول قد وصل إلى علم الموجب.
خيار الرجوع للمتعاقدين الغائبين:
إن خيار الرجوع للموجب حق أثبته جمهور العلماء للمتعاقدين الحاضرين، وهو يثبت كذلك عندهم للمتعاقدين الغائبين. إلا أن الفرق بينهما أنه لو نطق الموجب بالرجوع بعد القبول فلا يسمع فيما لو كان العقد بين غائبين، أما عند التعاقد بين حاضرين، فالرجوع مقبول على رأي من يجيز خيار المجلس فقط، أما عند غيرهم فلا.
وخيار الرجوع للقابل لا يقبل على رأي من ينكر خيار المجلس سواء كان العقد بين حاضرين أم بين غائبين، لأن العقد قد تمّ بقوله قبلت. أما على رأي من يجيز خيار المجلس، فرجوع القابل مقبول عنده فيما لو تمّ العقد بين حاضرين، لأن تفرق الأبدان غير حاصل. وفي حالة التعاقد بين غائبين فلا يتصور خيار المجلس.
التعاقد بواسطة وسائل الاتصال الحديثة:
لقد ظهر لنا خلال البحث أن الفقه الإسلامي يعتبر الرضا هو الأساس في إبرام العقود، لهذا أجاز التعاقد بالرسالة والكتابة وبالإشارة وبالتعاطي، بل ذهب إلى أبعد من هذا عندما اعتبر التعاقد جائزًا باتخاذ أي مسلك آخر لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على التراضي. ولم يتشدد سوى بعض فقهاء الشافعية رحمهم الله تعالى.
من هذا كله نستخلص أن التعاقد بواسطة وسائل الاتصال الحديثة يتماشى مع ما قرره الفقهاء من قبل. والتعاقد عبر هذه الوسائل ليس تعاقدًا بين حاضرين من كل وجه ولا بين غائبين من كل وجه، فالمتعاقدان لا يضمهما مجلس واحد وليس ثمة فاصل زمني بين القبول والعلم به. لذا ساد القول بأنه تعاقد بين حاضرين من حيث الزمان لعدم الفاصل الزمني وبين غائبين من حيث المكان نظرًا لبعد الشُّقَّة بينهما.
والله أعلم.
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو
стр. 8529
أهَم مراجع البَحث
بعد القرآن الكريم:
١- أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص. تحقيق محمد الصادق قمحاوي. الناشر دار المصحف شركة مكتبة ومطبعة عبد الرحمن محمد – الطبعة الثانية، القاهرة.
٢- الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي. الطبعة الثالثة عن طبعة دار الكتب المصرية دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ١٣٨٧هـ- ١٩٦٧م.
٣- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان.
٤- نيل الأوطار، للشوكاني، محمد بن علي بن محمد، المتوفى سنة ١٢٥٠هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، الطبعة الثالثة.
٥- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني المتوفى سنة ٥٨٧هـ - مطبعة الإمام بالقاهرة.
٦- رد المحتار على الدر المختار، للشيخ محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدمشقي الشهير بابن عابدين، المتوفى سنة ١٢٥٢هـ، والمطبوع مع الدر المختار.
٧- الدر المختار- شرح تنوير الأبصار، للشيخ علاء الدين الحصكفي المتوفى سنة ١٠٨٨هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، ١٣٨٦هـ-١٩٦٦م.
٨- كتاب الأم، لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وبهامشه مختصر أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني الشافعي، مطبعة دار الشعب بالقاهرة.
٩- المهذب، لأبي إسحاق إبراهيم بن علي يوسف الفيروزآبادي الشيرازي، المتوفى ٤٧٩هـ، مطبعة عيسى البابي الحلبي، بمصر.
١٠- مغني المحتاج إلى معاني ألفاظ المنهاج، للشيخ محمد بن أحمد الشربيني الخطيب، سنة ١٩٧٧م، مطبعة مصطفى البابي الحلبي ١٣٧٧هـ -١٩٥٨م.
١١- شرح الخرشي على مختصر سيدي خليل، لأبي عبد الله محمد الخرشي، المتوفى سنة ١١٠١هـ، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر، الطبعة الثانية ١٣١٧هـ، ومعه حاشية الشيخ العدوي.
١٢- الشرح الكبير، لأبي البركات أحمد بن محمد الشهير بالدردير، المتوفى سنة ١٢٠١هـ، مطبعة عيسى البابي الحلبي.
١٣- حاشية الدسوقي، للشيخ محمد عرفة الدسوقي، والمطبوع مع الشرح الكبير.
١٤- المغني، لابن قدامة: أبي محمد عبد الله أحمد بن محمد بن قدامة، المتوفى سنة ٦٢٠هـ، على مختصر أبي القاسم عمر بن حسين بن عبد الله أحمد الخرقي، المتوفى سنة ٣٣٤هـ، مطابع سجل العرب.
١٥- منتهى الإرادات، لابن النجار تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي، المتوفى ٩٧٢هـ، عالم الكتب.
١٦- شرح فتح القدير، لكمال الدين محمد بن عبد الواحد، المعروف بأبي الهمام الحنفي، والمأخوذ بالأوفسيت على الطبعة الأميرية ببولاق مصر.
١٧- الفتاوى الكبرى، لابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم – أبو العباس تقي الدين بن تيمية الإمام، المتوفى سنة ٧٢٨هـ، دار الكتب الحديثة، مطبعة دار الجهاد بالقاهرة.
١٨- شرح النيل وشفاء العليل، للعلامة محمد بن يوسف أطفيش، مكتبة الإرشاد بجدة، الطبعة الثالثة.
١٩- البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار، للإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى، المتوفى ٨٠٤هـ، مطبعة السنة المحمدية بمصر، ١٣٦٨هـ- ١٩٤٩م.
٢٠- لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي، المتوفى ٧١١هـ، دار بيروت للطباعة.
٢١- الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير، للعلامة شرف الدين الحسين بن أحمد السياغي. مكتبة المؤيد بالطائف، السعودية الطبعة الثانية ١٩٦٨م.
٢٢- روضة الطالبين وعمدة المفتين، للإمام النووي. الناشر المكتب الإسلامي، دمشق – بيروت.
٢٣- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، لفخر الدين عثمان بن علي الزيلعي. دار المعرفة، بيروت لبنان، مأخوذ بالأوفسيت.
٢٤- كشاف القناع عن متن الإقناع – منصور بن إدريس البهوتي. الناشر مكتبة النصر الحديثة في الرياض.
٢٥- الفتاوى الهندية، وبهامشها الفتاوى البزازية. تأليف جماعة من علماء الهند، المكتبة الإسلامية محمد أوزدمير، ديار بكر- تركيا، الطبعة الثالثة، أوفسيت.
٢٦- شرح المجلة، للأستاذ منير القاضي. الطبعة الأولى، مطبعة العاني، بغداد ١٩٤٩م.
٢٧- مصادر الحق في الفقه الإسلامي، للدكتور عبد الرزاق السنهوري. معهد البحوث والدراسات العربية، ١٩٥٤م.
٢٨- نظرية العقد – النظرية العامة للالتزام، للدكتور عبد الرزاق السنهوري. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
٢٩- المدخل الفقهي، للأستاذ مصطفى الزرقا. مطبعة جامعة دمشق، ١٩٦٣م.
٣٠- الموجز في النظرية العامة للالتزامات، للدكتور صلاح الدين الناهي. الطبعة الخامسة.
٣١- الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، المتوفى سنة ٩١١هـ، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ١٣٨٧هـ - ١٩٦٨م.
٣٢- الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، للشيخ زين العابدين بن إبراهيم بن نجيم. تحقيق عبد العزيز الوكيل، الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه، ١٣٨٧هـ- ١٩٦٨م.
٣٣- القواعد في الفقه الإسلامي، للحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، المتوفى ٧٩٥هـ، الطبعة الأولى ١٩٧١م، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية.
٣٤- مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان – في المعاملات الشرعية على مذهب أبي حنيفة النعمان، لمحمد قدري باشا.
٣٥- متن القانون المدني العراقي.
٣٦- مبدأ الرضا في العقود – دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون المدني. رسالة دكتوراه، للدكتور علي محيي الدين على القره داغي، الطبعة الأولى، دار البشائر الإسلامية – لبنان.
٣٧-حكم إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة – للدكتور محمد عقلة إبراهيم بحث منشور في مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت – العدد الخامس، السنة الثالثة.
стр. 8530
بحث
فضيلة الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي
الأستاذ بكلية الشريعة – جامعة دمشق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وشفيعنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين، وبعد:
فقد تمكن أبناء العالم المعاصر من إنجاز كثير من معاملاتهم وعقودهم المالية بواسطة آلات الاتصال الحديثة، كالهاتف والبرقية واللاسلكي والتلكس والفاكس ونحوها، وأصبح ضروريًّا معرفة كيفية إبرام تلك العقود من الناحية الشرعية، وهذا ما نبينه هنا بالاعتماد على ما كتبه فقهاؤنا وقرروه عند الكلام على صيغة العقد، وشروط الإيجاب والقبول، وشروط تحقيق معنى اتصال القبول بالإيجاب ليكون شطرًا العقد في مجلس واحد.
وبما أن هذه المعلومات معروفة في الجامعات، فأكتفى بإيجازها هنا، لتكون مدخلًا للحكم على موضوع البحث.
صيغة العقد:
هي ما صدر من المتعاقدين دالًّا على توجه إرادتهما الباطنة لإنشاء العقد وإبرامه. وتعرف تلك الإرادة الباطنة بواسطة اللفظ أو القول أو ما يقوم مقامه من الفعل (المعاطاة) أو الإشارة أو الكتابة. وهذه الصيغة هي الإيجاب والقبول الدالان على تراضي الجانبين بإنشاء التزام بينهما، وتسمى الصيغة عند القانونيين: التعبير عن الإرادة.
والتعبير عن الإرادة العقدية الجازمة يكون بأي صيغة تدل عرفًا أو لغةً على إنشاء العقد، سواء بالقول أو بالفعل أو بالإشارة أو بالكتابة (١) .
والقول أو اللفظ مثل بعت واشتريت، ورهنت وارتهنت، ووهبت وقبلت، وزوجت وتزوجت.
والفعل أو المعاطاة أو المراوضة: هو التعاقد بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي دون تلفظ بإيجاب أو قبول (٢) ، كأن يأخذ المشتري المبيع ويدفع الثمن للبائع دون كلام من كلا الطرفين أو من أحدهما، سواء أكان المبيع حقيرًا بسيطًا أم نفيسًا. وهذا جائز عند جمهور العلماء غير الشافعية، لتعارفه بين الناس، لكن عقد الزواج بالإجماع لا ينعقد ولا يصح بالفعل أو بالمعاطاة كإعطاء المهر مثلًا، بل لا بدّ فيه من النطق بالإيجاب والقبول، لخطورته وأهميته، وتأثيره الدائم على المرأة، وحفاظًا على حرمات الأعراض المصونة شرعًا.
стр. 8531
ويجوز انعقاد العقد بإشارة الأخرس أو معتقل اللسان المفهومة باتفاق الفقهاء للضرورة، حتى لا يحرم من حق التعاقد، لذا نصت القاعدة الفقهية: (الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان) [المجلة: م٧٠] . وأجاز فقهاء المالكية والحنابلة التعبير عن الإرادة من الناطق بالإشارة المفهمة المتداولة عرفًا، لأنها أولى في الدلالة من الفعل الذي ينعقد به العقد، كما في المعاطاة (١) .
ويصح التعاقد بالكتابة بين طرفين في رأي الحنفية والمالكية سواء أكانا ناطقين أو عاجزين عن النطق، حاضرين في مجلس واحد أو غائبين، وبأي لغة يفهمها المتعاقدان، بشرط أن تكون الكتابة مستبينة (بأن تبقى صورتها بعد الانتهاء منها) ، ومرسومة (مسطرة بالطريقة المعتادة بين الناس بذكر المرسل إليه وتوقيع المرسل) فإذا كانت غير مستبينة كالكتابة على الماء أو في الهواء، أو غير مرسومة كالرسالة الخالية من التوقيع مثلًا، لم ينعقد بها العقد (٢) ، وعليه نصت القاعدة الفقهية: (الكتاب كالخطاب) [المجلة: م٦٩] . مثل أن يرسل شخص خطابًا لآخر يقول فيه: (بعتك سيارتي بكذا) فإذا وصله الكتاب، وقال في مجلس قراءة الكتاب: قبلت، انعقد البيع. أما إن ترك المجلس أو صدر منه ما يدل على الإعراض عن الإيجاب، كان قبوله غير معتبر.
وإرسال رسول إلى آخر حامل مضمون الإيجاب مثل إرسال الكتاب، يعتبر مجلس وصول الرسول هو مجلس العقد، فيلتزم أن يقبل فيه، فإن قام من المجلس قبل أن يقبل، انتهى مفعول الإيجاب، ويكون المعول عليه هو مجلس بلوغ الرسالة أو الكتابة، كأن يقول شخص: بعت لفلان كذا، فاذهب يا فلان وقل له، فذهب فأخبره فقبل المشتري في مجلسه ذلك، صح العقد.
ومهمة الرسول أضعف من مهمة الوكيل، لأن الرسول مجرد مفوض بنقل تعبير المرسل دون زيادة أو نقصان، أما الوكيل فإنه يتولى إبرام العقد بعبارته، ولا يتقيد في الوكالة المطلقة إلا بالمعتاد المتعارف عليه، أما في الوكالة المقيدة بمكان أو زمان أو شخص أو محل معقود عليه أو بدل عقدي فيتم التعاقد بين الوكيل والقابل بعبارة الوكيل المقيدة بقيود الوكالة، وتعود حقوق العقد أي الالتزامات إلى الوكيل بعكس الرسول لا يتحمل شيئًا منها، أما حكم العقد الأصلي أي نقل الملكية فيعود إلى الموكل والمرسل على السواء.
ولا ينعقد عقد الزواج بالكتابة إذا كان العاقدان حاضرين في مجلس واحد، إلا في حال العجز عن النطق كالخرس، لأن الزواج يشترط لصحته حضور الشهود العدول وسماعهم كلام العاقدين، وهذا لا يتيسر في حال الكتابة.
وقيد الشافعية والحنابلة صحة التعاقد مطلقًا بالكتابة أو الرسالة فيما إذا كان العاقدان غائبين أما في حال الحضور فلا حاجة إلى الكتابة، لأن العاقد قادر على النطق، فلا ينعقد العقد بغيره (٣) .
стр. 8532
شروط الإيجاب والقبول:
اشترط الفقهاء لانعقاد العقد شروطًا ثلاثة في الإيجاب والقبول وهي ما يلي (١) .
١- وضوح دلالة الإيجاب والقبول: أي أن يكون كل من الإيجاب والقبول واضح الدلالة على مراد العاقدين، بأن تكون مادة اللفظ المستعمل لهما في كل عقد تدل لغةً أو عرفًا على نوع العقد المقصود للعاقدين، لأن الإرادة الباطنة خفية، ولأن العقود يختلف بعضها عن بعض في الموضوع والأحكام، فإذا لم يعرف بيقين أن العاقدين قصدا عقدًا معينًا بعينه، لا يمكن إلزامهما بأحكامه الخاصة به.
ولا يشترط لهذه الدلالة لفظ أو شكل معين، فإن الشكلية في غير عقد الزواج الذي لا بد فيه من الشاهدين، والعقود العينية التي يشترط فيها القبض لتولد آثار العقد (وهي الإيداع والإعارة والرهن والهبة والقرض) غير مطلوبة فقهًا، لأن العبرة في العقود للمعاني، لا للألفاظ والمباني، فيصح البيع بلفظ الهبة بعوض، وينعقد الزواج بلفظ الهبة إذا اقترن بالمهر.
٢- تطابق القبول والإيجاب: بأن يكون القبول موافقًا للإيجاب، بأن يرد على كل ما أوجبه الموجب وبما أوجبه، أي على كل محل العقد، ومقدار البدل في عقود المعاوضات، سواء أكانت الموافقة حقيقية، كما لو قال البائع: بعتك الشيء بعشرة، فيقول المشتري: اشتريته بعشرة، أو ضمنية، كما لو قال المشتري في المثال السابق: اشتريته بخمس عشرة، أو أن تقول المرأة: زوجتك نفسي بمائة، فيقول الزوج: قبلت الزواج بمائة وخمسين، فالتوافق متحقق ضمنًا، وهذه المخالفة خير للموجب. لكن لا يلزم العقد إلا بالمقدار الذي وجهه الموجب، أي مائة في المثال الأخير، وأما الزيادة فموقوفة على قبول الموجب في مجلس العقد، فإن قبل به الموجب، لزم القابل، لأن المال لا يدخل في ملك إنسان بغير اختياره إلا في الميراث. وهذا مذهب الحنفية. أما الشافعية فيرون أن أي مخالفة تعد رفضًا للإيجاب (٢) .
فإن لم يتطابق القبول مع الإيجاب، وحدثت مخالفة بينهما، لا ينعقد العقد، كأن خالف القابل في محل العقد، فقبل غيره، أو بعضه مثل قول البائع: بعتك الأرض الفلانية، فيقول المشتري: قبلت شراء الأرض المجاورة لها، أو قبلت شراء نصفها بنصف الثمن أو البدل المتفق عليه، فلا ينعقد العقد، لمخالفة محل العقد، أو لتفرق الصفقة على البائع، والمشتري لا يملك تفريقها، أي تجزئتها، بأن يقبل بعضها دون البعض الآخر.
وإذا خالف في مقدار الثمن، فقبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد أيضًا. وكذا لو خالف في مقدار الثمن، فقبل بأقل مما ذكر البائع، لا ينعقد العقد أيضًا. وكذا لو خالف في وصف الثمن لا في قدره، كأن أوجب البائع بثمن حالٍّ نقدي، فقبل المشتري بثمن مؤجل، أو أوجب بأجل إلى شهر معين، فقبل المشتري بأجل أبعد، لم ينعقد البيع في الحالتين، لعدم تطابق القبول مع الإيجاب وحينئذ لا بد من إيجاب جديد.
стр. 8533
٣- اتصال القبول بالإيجاب: بأن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد إن كان الطرفان حاضرين معًا، أو في مجلس علم الطرف الغائب بالإيجاب.
ويتحقق الاتصال بأن يعلم كل من الطرفين بما صدر عن الآخر، بأن يسمع الإيجاب ويفهمه، وبألا يصدر منه ما يدل على إعراضه عن العقد، سواء من الموجب أو من القابل.
مجلس العقد:
إن مجلس العقد هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد، أو هو اتحاد الكلام في موضوع التعاقد.
ويشترط لتحقيق معنى اتصال القبول بالإيجاب شروط ثلاثة هي:
١- أن يكونا في مجلس واحد.
٢- ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه.
٣- ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل الآخر.
ويترتب على الشرط الأول، وهو اتحاد مجلس الإيجاب والقبول: أنه لا يجوز أن يكون الإيجاب في مجلس، والقبول في مجلس آخر، لأن الإيجاب لا يعد جزءًا من العقد إلا إذا التحق به القبول، فلو قال البائع: بعتك الدار بثمن كذا، أو آجرتك المنزل بأجرة كذا، ثم انتقل الموجب إلى مكان آخر بعيد عن مجلسه الأول بحوالي مترين أو ثلاثة، أو إلى غرفة أخرى، انتهى المجلس الأول، فإذا قبل القابل بعد هذا الانتقال، لم ينعقد العقد، ويحتاج إلى إيجاب جديد، لأن الإيجاب كلام اعتباري لا بقاء له، إذا لم ينضم إليه القبول في حال واحدة من المجلس.
فورية القبول:
لا يشترط عند الجمهور غير الشافعية (١) الفور في القبول، لأن القابل يحتاج إلى فترة للتأمل، فلو اشترطت الفورية لا يمكنه التأمل، وإنما يكفي صدور القبول في مجلس واحد، ولو طال الوقت إلى آخر المجلس، لأن المجلس الواحد يجمع المتفرقات للضرورة، وفي اشتراط الفورية تضييق على القابل، أو تفويت للصفقة من غير مصلحة راجحة فإن رفض فورًا فتضيع عليه الصفقة، وإن قبل فورًا فربما كان في العقد ضرر له، فيحتاج لفترة تأمل، للموازنة بين ما يأخذ أو يغنم، وبين ما يعطي أو يغرم في سبيل العقد، لأن المجلس جامع للمتفرقات، فتعتبر ساعاته وحدة زمنية تيسيرًا على الناس، ومنعًا للمضايقة والحرج، ودفعًا للضرر عن العاقدين قدر الإمكان.
وقال الراملي من الشافعية: يشترط أن يكون القبول فور الإيجاب، فلو تخلل لفظ أجنبي لا تعلق له بالعقد، ولو يسيرًا، بأن لم يكن من مقتضاه ولا من مصالحه ولا من مستحباته، لا يتحقق الاتصال بين القبول والإيجاب، فلا ينعقد العقد، لكن لو قال المشتري بعد توجيه الإيجاب له: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، قبلت (أي الشراء) صح العقد (٢) .
стр. 8534
وهذا الرأي متمشٍّ مع الأصل في القبول: وهو أن يتصل بالإيجاب مباشرة وفورًا لينعقد العقد.
وفسر غير الرملي من الشافعية اتصال القبول بالإيجاب بأنه السائد عرفًا بين الناس، فلا يضر الفصل اليسير، ويضر الفصل الطويل: وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول: وحينئذ يقترب مذهب الشافعية من مذهب غيرهم وهم الجمهور.
والمراد بالشرط الثاني: ألا يصدر من أحد العاقدين ما يدل على إعراضه عن العقد: أن يكون الكلام في موضوع العقد، وألا يتخلله فصل بكلام أجنبي يعد قرينة على الإعراض عن العقد.
فإن ترك الموجب مجلس العقد قبل قبول الآخر، أو ترك الطرف الآخر المجلس بعد صدور الإيجاب، أو انشغل الطرفان في موضوع آخر لا صلة له بالعقد، بطل الإيجاب، ولو قبل الآخر لا يعتبر قبوله متممًا للعقد، لأن الإيجاب ذهب ولم يبق له وجود، إذا لم يتعانق مع القبول. وسبب ذهابه أنه كلام اعتباري لا بقاء له إذا لم يتصل بالقبول، ويجعل باقيًا مدة المجلس من باب التيسير على الطرفين، ودفع العسر عنهما ليمكن تلاقي القبول به، وانعقاد العقد.
تغير المجلس:
إن العرف الشائع بين الناس هو المحكَّم في بيان اتحاد المجلس أو تغيره، فإذا صدر القبول في حال اتحاد المجلس، نشأ العقد، وإذا صدر القبول بعد تغير المجلس، لم يعتبر ولم ينشأ به العقد.
وضابط ذلك أن القبول يكون معتبرًا ما دام لم يتخلل بينه وبين الإيجاب ما يعد إعراضًا عن العقد من الطرفين، وما دام المجلس قائمًا.
وتحقيق هذا المبدأ عند الحنفية مثلًا: أنه لو أوجب أحد الطرفين البيع، فقام الآخر عن المجلس قبل القبول، أو اشتغل بعمل آخر يوجب اختلاف المجلس، ثم قبل، لا ينعقد العقد، لأن القيام دليل الإعراض والرجوع عن العقد (١) ، ثم إن الشافعية القائلين بفورية القبول قالوا: يعتبر العرف في تفرق العاقدين عن المجلس، فما يعده الناس تفرقًا يلزم به العقد، وما لا فلا، لأن ما ليس له حد في اللغة ولا في الشرع يُرْجَع فيه إلى العرف، ومثال التفرق: الخروج من البيت (الغرفة) إلى صحن الدار وبالعكس، والخروج من الدار الصغيرة إلى الشارع، وصعود السطح، ومشي خطوات ثلاث مع بقاء الآخر واقفًا، أما لو مشى الطرفان، فيظل المجلس قائمًا ما دام الكلام في موضوع العقد، ولو طال الزمن.
стр. 8535
ويترتب على الشرط الثالث: ألا يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل أنه لا بد لانعقاد العقد من استمرار الموجب على إيجابه الذي وجهه للقابل، فإن عدل عن إيجابه لم يصح القبول.
ويصح في رأي الجمهور غير المالكية العدول عن المجلس في مجلس العقد، فللموجب أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر، ويبطل الإيجاب حينئذ، لأن الالتزام بالعقد لم ينشأ بعد، ولا ينشأ إلا بارتباط القبول بالإيجاب، ولأن الموجب حر التصرف بملكه وحقوقه، وبإيجابه أثبت للطرف الآخر حق التملك، وحق الملك أقوى من حق التملك. فيقدم عليه عند التعارض، لأن الأول ثابت لصاحبه أصالةً، والثاني لا يثبت إلا برضا الطرف الأول، والتراضي بين الجانبين أساس لصحة العقود (١) .
وقال أكثر المالكية: ليس للموجب الرجوع عن إيجابه، وإنما يلتزم بالبقاء على إيجابه حتى يعرض الطرف الآخر عنه، أو ينتهي المجلس، لأن الموجب قد أثبت للطرف الآخر حق القبول والتملك، فله استعماله وله رفضه، فإذا قبل ثبت العقد، وإذا أعرض عن الإيجاب لم ينشأ العقد، وعليه لا يكون الرجوع مبطلًا للإيجاب (٢) .
تعيين مدة القبول:
إذا حدد الموجب للطرف الآخر مدة للقبول، فيلتزم بها عند فقهاء المالكية، لأنهم قالوا كما تقدم: ليس للموجب الرجوع عن إيجابه قبل قبول الآخر، فيكون من باب أولى ملتزمًا بالبقاء على إيجابه إذا عين ميعادًا للقبول، كأن يقول: أنا على إيجابي مدة يومين أو يوم أو ساعات مثلًا، فيلزمه هذا التقييد، ولو انتهى المجلس. وهذا يتفق مع المبدأ العام في الشريعة وهو ((المسلمون على شروطهم)) (٣) . ومثل هذا الشرط لا ينافي مقتضى العقد.
العقود التي لا يشترط فيها اتحاد المجلس:
اتحاد المجلس شرط في جميع العقود ما عدا ثلاثة: الوصية، والإيصاء، والوكالة.
أما الوصية (وهي تصرف مضاف إلى ما بعد الموت) : فيستحيل فيها تحقق اتحاد المجلس، لأن القبول لا يصح من الموصى له في حال حياة الموصي، وإنما يكون بعد وفاته مصرًّا على الوصية.
стр. 8536
وأما الإيصاء (وهو جعل الغير وصيًّا على أولاده ليرعى شؤونهم بعد وفاته) : فلا يلزم القبول فيه في حياة الموصي، وإنما يصح بعد وفاته. وعلى كل حال لا يصبح وصيًّا إلا بعد وفاة الموصي وإن قبل في حياته.
وأما الوكالة (وهي تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل في أثناء الحياة) فمبنية على التوسعة واليسر والسماحة، فلا يشترط فيها اتحاد المجلس، لأن قبولها قد يكون باللفظ (القول) أو بالفعل بأن يشرع الوكيل في فعل ما وُكِّلَ فيه، ويصح فيه توكيل الغائب (أي غير الموجود في مجلس العقد) ويكون له صلاحية القيام بالعمل الموكل فيه بمجرد علمه بالوكالة (١) .
ويرى الحنابلة: أنه يعد كالوكالة كل عقد جائز غير لازم، يصح القبول فيه على التراخي، مثل الشركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة، والإيداع والجعالة.
التعاقد بالهاتف واللاسلكي ونحوهما من وسائل الاتصال الحديثة:
ليس المراد من اتحاد المجلس المطلوب في كل عقد كما بيَّنَّا كون المتعاقدين في مكان واحد، لأنه قد يكون مكان أحدهما غير مكان الآخر، إذا وجد بينهما واسطة اتصال، كالتعاقد بالهاتف أو اللاسلكي أو بالمراسلة (الكتابة) وإنما المراد باتحاد المجلس: اتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون المتعاقدان مشتغلين فيه بالتعاقد، فمجلس العقد: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد (٢) ، وعن هذا قال الفقهاء: (إن المجلس يجمع المتفرقات) (٣) .
وعلى هذا يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية أو اللاسلكية: هو زمن الاتصال ما دام الكلام في شأن العقد، فإن انتقل المتحدثان إلى حديث آخر انتهى المجلس.
ومجلس التعاقد بإرسال رسول أو بتوجيه خطاب أو بالبرقية أو التلكس أو الفاكس ونحوها: هو مجلس تبليغ الرسالة، أو وصول الخطاب أو البرقية أو إشعار التلكس والفاكس، لأن الرسول سفير ومعبر عن كلام المرسِل، فكأنه حضر بنفسه وخوطب بالإيجاب فقبل، فينعقد العقد. وفي مكاتبه الغائب بخطاب أو برقية ونحوهما يجعله كأنه حضر بنفسه، وخوطب بالإيجاب، فقبل في المجلس، فإن تأخر القبول إلى مجلس ثانٍ، لم ينعقد العقد. وبه تبين أن مجلس التعاقد بين حاضرين: هو محل صدور الإيجاب، ومجلس التعاقد بين غائبين: هو محل وصول الكتاب أو تبليغ الرسالة، أو المحادثة الهاتفية.
стр. 8537
لكن للمرسِل أو للكاتب أن يرجع عن إيجابه أمام شهود، بشرط أن يكون قَبْل قبول الآخر ووصول الرسالة أو الخطاب ونحوه من الإبراق والتلكس والفاكس. ويرى جمهور المالكية أنه ليس للموجب الرجوع قبل أن يترك فرصة للقابل يقرر العرف مداها كما تقدم.
هذا وإن بقية شروط الإيجاب والقبول عدا اتحاد المجلس لابد من توافرها في وسائل الاتصال الحديثة.
زمن إتمام العقد في التعاقد بين غائبين:
أجمع الفقهاء على أن العقد ينعقد بين الغائبين كما في آلات الاتصال الحديثة بمجرد إعلان القبول، ولا يشترط العلم بالقبول بالنسبة للطرف الموجب الذي وجه الإيجاب (١) .
فلو كان المتعاقدان يتحدثان بالهاتف أو باللاسلكي، وقال أحدهما للآخر: بعتك الدار أو السيارة الفلانية، وقال للآخر: قبلت انعقد العقد، بمجرد إعلان القبول، ولو لم يعلم الموجب بالقبول، بأن انقطع الاتصال بينهما.
ولو وَجَّه أحد العاقدين أو برقية إلى آخر أو تلكسًا أو فاكسًا، وفيها إيجاب بيع شيء، أو بإبرام عقد زواج، انعقد العقد بعد وصول البرقية أو الخطاب ونحوهما، وإعلان الآخر قبوله، دون حاجة إلى علم الموجب أو سماعه بالقبول.
لكن إبعادًا لكل لبس أو غموض، وتمكينًا من إثبات العقد، وتأكيدًا لإبرامه، جرى العرف الحاضر في التلكس مثلًا ونحوه على إرسال تلكس العرض، ثم تلكس القبول، ثم تلكس البيع، وساعد على ترسيخ هذا العرف ما تنص عليه بعض القوانين الوضعية كالقانون المدني المصري، فإنه نص على ما يلي:
في التعاقد بين حاضرين: تنص المادة (٩١) على أن (التعبير عن الإرادة ينتج أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وُجِّهَ إليه، ويعتبر وصول التعبير قرينةً على العلم به، ما لم يقم الدليل على عكس ذلك) . واشتراط السماع أو العلم بالقبول حتى بين الحاضرين أخذ به بعض فقهاء الحنفية مثل النسفي وابن كمال باشا.
في التعاقد بين غائبين: تنص المادة (٩٧) على ما يلي: (يعتبر التعاقد ما بين الغائبين قد تم في المكان وفي الزمان اللذين يعلم فيهما الموجب بالقبول، ما لم يوجد اتفاق أو نص قانوني بغير ذلك، ويفترض أن الموجب قد علم بالقبول في المكان والزمان اللذين وصل إليه فيهما هذا القبول) .
وأرى الأخذ بضرورة العلم بالقبول بالنسبة للموجب في التعاقد بين غائبين بسبب تقدم وسائل الاتصال الحديثة وتعقد المعاملات، وتحقيقًا لاستقرار التعامل ومنع إيقاع الموجب في القلق، وتمكينًا من إثبات العقد وإلزام القابل، فإن جهل الموجب بالقبول يوقعه في حرج شديد. وهذا رأي الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري (٢) .
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي
стр. 8538
بحث
سعادة الأستاذ محمود شمام
عضو المجلس الإسلامي الأعلى بتونس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على رسوله، الصادق الأمين وآله وصحبه وسلم
تقديم
حاولنا الإجابة عن موضوع إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة بدراسة مختصرة تفي بالمقصود إن شاء الله.
١- شرحنا بطريقة بسيطة ساذجة لكنها قريبة من الواقع التعريف ببعض هذه الوسائل حتى نتصورها ونحكم عليها.
٢- ربطنا بحثنا بما جاءت به القوانين الوضعية لنصل إلى غايتنا من هذا البحث ومعرفة ما جاءت به النظريات العصرية في الموضوع.
٣- تعرَّضنا إلى أحكام الفقه الإسلامي شارحين نظريات مختلفة المذاهب في شأن إبرام العقود وتكوّنها ووجودها ولزومها، مع بيان صلة كل ذلك بالموضوع الأصلي لهذه الدراسة.
٤- وانتهينا إلى أن إنشاء العقود وإجرائها بوسيلة من هذه الوسائل الحديثة المتطورة لا مانع منه فقهًا شريطة احترام مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة والخضوع لأحكامها ومبادئها التي ألمحنا إليها.
٥- ألحقنا ذلك بملاحظة عابرة تخص بعض العقود التي اعتاد الناس إجراءها وأحكامها، والتجاؤهم إلى هذه الوسيلة لغاية السرعة ولكنهم قد يخرجون في شأنها عن حدود الله وأحكامه بسبب التطلع إلى سرعة إنجازها. ونبَّهنا إلى حرمة كل إجراء يتخذ ولا يتقيد فيه بأحكام الشريعة الإسلامية السمحة.
وعسى أن نكون قد وفقنا في إعطاء نظرة حول الموضوع الذي هو عام شامل لكل تصرفات الناس في عصرهم هذا، والحمد لله أولًا وآخرًا.
أن قضية العلاقة المتينة بين أحكام الدين الإسلامي الحنيف – والدين عند الله الإسلام – وبين المعاملات المدنية الاجتماعية الاقتصادية – والدين عبادة وسلوك – من أبرز القضايا التي تطرح نفسها على العقل المسلم في هذا العصر المتطور ماديًّا وعلميًّا حسب أساليب ووسائل اخترعها وأنشأها وكوَّنها وأحدث بها قضايا يتساءل كل مسلم عن أحكامها شرعًا، ويبحث المفتي الباحث المجيب عن الجواب في نطاق اجتهادات الأئمة السابقين، ﵃ اعتمادًا على أحكام القرآن العظيم وسنَّة نبيِّه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.
стр. 8539
ولم يعد بالإمكان تجاهل هذه المشاكل المطروحة والأسئلة الملقاة التي تطلب الحل والإجابة ببيان الحلال من الحرام.
ولقد تطورت الحياة الاقتصادية تطورًا عجيبًا وأصبحت وجهات نظرها وطرق عملها تهم كل المجتمعات الإسلامية بحكم الارتباط الحضاري والاقتصادي وانتشار طرق الالتقاء والاتصال وسهولة تبادل الآراء والاطلاع على خفايا الأمور بين أصقاع المعمورة مع تباعد الديار بفضل هذه الوسائل المتطورة العجيبة الميسّرة السّهلة في مآخذها وتطبيقها والتي فرضت نفسها على كل المجتمعات بشكل عجيب ورهيب، لا يسعى الإنسان إليها ولا يطلب حضورها ولا يرغب في تغلغل مفعولها وإنما تدخل البيوت من غير أبوابها ولا تستأذن أربابها وتربي الكسل الرخيص والارتخاء البسيط، فإذا الإنسان يرحب بمقدمها ويسعى لانتشار أمرها ويطلب التعامل معها. ولكل عصر نواميسه وموازينه ووسائل راحته وترفيهه سواء دعي ذلك تقدمًا أو نعُت بالكسل والارتخاء والاعتماد الكلي على الآلة ... والآلة وحدها.
والمسلمون بعد عصر النهضة وبعد الخلود إلى الراحة لم يكن لهم أي دور في وجود وفي تطور طرق ووسائل وآلات الاتصال الحديثة وإنما هي بضاعة مستوردة طلبوها من صناعها واستخدموها في بلادهم دون معاناة أو تعب أو مشقة ونصب ودون تفكير حتى في صنعها وتطويرها وفهم غامض أمرها وشأنها، وهي بقدر ما تجلب اهتمامهم تجلب أموالهم.
وكان لا بدَّ أن تحدث المشكلة وأن تبعث الأسئلة وأن توجد الحيرة بين رافض لا يحسن إلا التمسك بأساليب قديمة أبدى في شأنها العلماء رأيهم وتعوّد عليها الجميع في ظل الأمن والاطمئنان وراحة البال ولو أدى الأمر إلى خسارة الصفقات وضياع الأرباح وهلاك الاقتصاد وخسارة الحرب الدائرة.
وبين منغمس في استعمالها وفي التلذذ بمنافعها دون وعي بمضارِّها أو تبصّر بأحكامها وعن جهل بعلاقة أحكام دينه الحنيف بما ينتج عن هذه الطرق والآلات من ارتباطات ومعاملات وعقود وانجرار منافع قد تكون محرمة شرعًا في بعض الأحيان.
والدعوة الملحة وجريان الحياة وعدم توقفها تدفع بالفقيه العالم المتقصِّي إلى البحث عن الحلول طبق منهج الإسلام ومقصده في مثل هذه المسائل.
ولنا قدوة حسنة في الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وفي أصحابه رضوان الله عليهم، وفي مجتهدي هذه الأمة الذين خبروا أمر استنباط الأحكام بطرق عرفوها وخبروها ووضعوا لها مقاييس ليس لنا الخروج عنها، إذا كانت جامعة مانعة تعبد الطريق وترسمه وتيسر سبيل السير فيه: سير الرشاد والهدى وبلوغ الغاية طبق أحكام الدين الحنيف.
стр. 8540
فالرسول ﷺ يسأل قاضيه المتوجه لتسلم خطته ويفرح لإجابته بأنه يجتهد رأيه إذا لم يجد نصًّا من كتاب أو سنَّة. وهو بذلك يخطو أول خطوة في سبيل الاجتهاد والتصرف عند نزول القضايا وحدوث المشاكل.
وأئمة المذاهب ﵃ يسيرون في هذا السبيل ويقتفون أثر الرسول الكريم.
فالإمام أبو حنيفة ﵁ إمام القائلين في الفقه بالرأي والقياس والاستحسان فيما ترك من أجله القياس متى تبين له المصلحة في ذلك، إلا أن ذهابه إلى القياس والاستحسان كان بلا ريب بعد الرجوع إلى القرآن والسنَّة الثابتة لديه ولا يجد نصًّا فيهما على حكم الله فيما عرض عليه وبعد أن لا يجد في المسألة موضوع البحث والفتوى حكمًا أو رأيًا مجمعًا عليه من الفقهاء ومن لهم حق الإجماع.
يقول الخطيب في تاريخ بغداد [١٣/٣٤٠] :
(إن أبا حنيفة كان إذا وردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتبعه وإن كان عن الصحابة التابعين، وإلا قاس وأحسن القياس) .
وفيما روي عن أبي حنيفة نفسه أن يقول: (علمنا هذا الرأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى ولنا ما رأينا) [الملل والنحل، للشهرستاني] .
وهو ﵁ يوضح طريقته في استنباط الأحكام، فيقول:
(أني آخذ بكتاب الله إذا وجدته فما لم أجد فيه أخذت بسنَّة رسول الله ﷺ والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا في سنَّة رسول الله ﷺ أخذت بقول أصحابه من شئت وادع من شئت ثم أخرج من قولهم إلى قول غيرهم فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب – أي المجتهدين أمثاله – فلي أن أجتهد كما اجتهدوا) . [الانتقاء لابن عبد البرّ] .
يقول الشيخ الإسلام أحمد بن تيمية [مجموع الفتاوى ٢٩/١٦] .
(إن تصرفات العباد في الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه) .
стр. 8541
والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه أنه عبادة، وما لم يثبت من عبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور. ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرع الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى: الآية ٢١] .
والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله وإلا دخلنا في معنى قوله [سورة يونس: الآية ٥٩] .
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ .
ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا في الدّين ما لم يأذن به الله وحرَّموا ما لم يحرِّمه في [سورة الأنعام: الآية ١٣٥] .
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
وفي صحيح مسلم، عن عياض، عن الرسول ﵊، قال: ((قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا))
وهذه قاعدة عظيمة نافعة. انتهى كلام شيخ الإسلام.
ومن هذه الزاوية، زاوية الحداثة والتطور الفني لآلات الاتصال وتقارب المسافات بين الذوات المادية وإن تباعدت الأجساد، يجمل بالباحث أن يستعرض أولًا هذا التطور والاختراع المحدث وما قيل في شأنه من طرف المقننين المعاصرين في النظام الوضعي الدولي ثم نتبع ذلك بعد التصور بأحكام الفقه الإسلامي ذي الثراء الواسع الذي يستطيع أن يمدنا بالمتشابه وبالنظير وأن ييسر لنا سبل استخراج الأحكام وتطبيقها على ما حدث من أقضية وطرأ من مشاكل ووجد من ابتكار دخل حياتنا وتغلغل في تصرفات تجارنا وفي معاملاتنا المدنية.
وعسى أن لا يأخذنا أحد إذا اتبعنا هذا السبيل ففيه الوضوح والجلاء والتقصي ثم محاولة وجود النص والمساعدة على إجراء القياس والانتهاء إلى المطلب المنشود فالموضوع جافٍ إن اقتصر على عنوانه وثري حافل إن وقع التطرق إلى شعبه وما يخضع له من عناصر متنوعة ومحاور متفرقة بين دفات الكتب الفقهية هذا الفقه الذي نفخر به وبمن عالجوا أبوابه ونظموا طرقه ولم يغفلوا حتى عن البسيط من الأمر.
стр. 8542
ما هي طرق الاتصالات الحديثة
يجمل التعريف بإيجاز واختصار ببعض هذه الطرق لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
وما نذكره هنا هو تقريبي لا غير، إذ الغاية تصور هذه الطرق بصورة مجملة وندع التفاصيل لأهل الفن في هذا الميدان.
(أ) الهاتف:
١- دور الهاتف:
يتمثل دور الهاتف في نقل الصوت من مشترك إلى آخر عبر خطوط هاتفية مادية أو هوائية توفرها مصلحة البريد للمشتركين، ويقع التمييز بين مشترك وآخر برقم أو بعدد يتكون من عدة أرقام، مثلًا في تونس يتكون من ستة أرقام.. ويقع التمييز بين المناطق الجغرافية برقم إضافي، فمثلًا يضاف العدد (٥) إلى رقم المشترك القاطن في صفاقس إذا خاطبته من خارج صفاقس. وكما يضاف رقم للتفريق بين الدول المرتبطة مع بعضها عبر خطوط الهاتف، فإذا أردت أن تخاطب شخصًا ما في أميركا فيجب إضافة العدد (١) .
فخلاصة القول: يتكون رقم الهاتف من مميز للبلد ومميز للتقسيم الجغرافي داخل البدل ورقم المشترك.
٢- كيفية الاتصال:
عن طريق آلة الهاتف يقع تحويل الموجات أو الذبذبات الصوتية البشرية إلى ذبذبات كهربائية تترجم عن خصائص الموجات الصوتية من قوة وسرعة، وتحمل تلك الذبذبات الكهربائية عن طريق أسلاك معدنية أو على الهواء إن كانت سرعتها كبيرة إلى الآلة المقصودة بالخطاب فتحول تلك الموجات الكهربائية إلى ذبذبات صوتية.
فخلاصة القول: إن دور آلة الهاتف هو تحويل الذبذبات الصوتية إلى إشارات كهربائية بالنسبة للمتكلم وتحويل الإشارات الكهربائية إلى إشارات صوتية بالنسبة للسماع.
وإن مصلحة الاتصالات هي التي تنظم حركة المرور بين المشتركين، فهي تضمن إيصال المكالمات إلى أصحابها، وكما أسلفت فإنه يقع التمييز بين مشترك وآخر بالرقم الذي توفره له مصلحة البريد.
ولقد أمكن في هذه السنوات الأخيرة جعل الصورة مصاحبة للصوت، فبالإمكان مشاهدة الشخص المتخاطب معه وهذه الصورة تكون عادة مرسلة عبر موجات هوائية فائقة السرعة.
стр. 8543
(ب) التلغراف:
آلة التلغراف بسيطة الاستعمال، فهي تسمح بإرسال إشارات منظومة متعارف على معناها، فهي عبارة عن رموز لأحرف وكلمات.. وتنقل هذه الإشارات الكهربائية عبر خطوط (أسلاك) بسرعة ضعيفة نسبيًّا.
(ج) التلكس:
١ - دور التلكس:
يتمثل دورالتلكس في إرسال الأحرف المكونة لرسالة أو وثيقة من مشترك إلى آخر عبر خطوط (أسلاك مادية) أو عبر الهواء، وكل مشترك في نظام التلكس له رقم معين يميزه عن بقية المشتركين، كما هو الشأن بالنسبة لأرقام الهاتف.
٢- كيفية الاتصال:
تحتوي آلة التلكس على مفاتيح كمفاتيح الآلة الكاتبة، وبعد أن يقع رقم الرسالة المزمع إرسالها تحول الآلة كل حرف من الرسالة إلى رقم – وهذه الأرقام التي هي رموز لكل حرف من أحرف الهجاء متعارف عليها عالميًّا – وبعد أن تحول الآلة كل حرف إلى رقم يقع بتحويل مجموع الأرقام إلى إشارات كهربائية ترسل عبر خطوط التلكس تستقبلها الآلة المقصودة فتحولها- أي تلك الإشارات الكهربائية – إلى أرقام ثم إلى أحرف وترقم تلك الأحرف على ورقة بطريقة آلية.
ويقع التعريف، سواء قبل إرسال الرسالة أو عند وصولها، برقم المرسل والمرسل إليه حتى تتم إرسال أو قبول الرسالة من طرف الآلة.
وسرعة التلكس كسرعة التلغراف ليست بالسرعة العالية، وتملك الآلة القدرة على إصلاح الخطأ الواقع من جراء تنقل الإشارات الكهربائية عبر خطوط التلكس، وذلك قبل تحويل الأرقام إلى أحرف الرسالة.. فمع كل حرف مرسل، أي بعد تغييره إلى رقم، ترسل معه إشارة إضافية، تبين بعض خصائصه من أن الرقم زوجي أو فردي أو عند وصول الرقم إلى الآلة المقصودة تصل معه الإشارة المصاحبة، فتفهم الآلة الرقم والإشارة وتتأكد من صحته، أي أنه إذا وصل رقم فردي وإشارته تعلم بأن الرقم زوجي، فإن الآلة تفهم بأن الرقم فيه خطأ.. وبوسائل أخرى متشعبة تستطيع إصلاحه في معظم الحالات.
стр. 8544
(د) التلفاكس: (TELEFAX - TELECOPIE)
١ - دور التلفاكس:
بإمكان آلة التلفاكس تحويل نسخة من رسالة أو صورة إلى إشارات كهربائية ترسل عبر خطوط هاتفية، وكما هو الشأن بالنسبة للهاتف فإن كل آلة أو مشترك يميزها رقم كرقم الهاتف تمامًا.
٢- تستبين آلة التلفاكس الصورة عن طريق الأشعة وتقدر مدى إضاءة كل نقطة في الرسالة وتحول هذه المعلومات إلى إشارات كهربائية تبعث عن طريق الخطوط الهاتفية وعندما تصل تلك الإشارات إلى الآلة المقصودة تحول تلك الإشارات إلى صورة مماثلة للرسالة وذلك عن طريق الأشعة أيضا ولكن الصورة تكون أقل دقة ووضوحا من الصورة الحقيقية
وترسل إشارة من الآلة الباعثة قبل إرسال الصورة لطلب استعداد الآلة المرسل إليها للاستقبال، وعندما تكون الآلة المرسل إليها مستعدة أي أن الخط غير مشغول فإنها تجيب الآلة المرسلة بإشارة هي بمثابة علامة استعداد. وسرعة الإرسال هي كسرعة التخاطب بالهاتف، لذلك فاحتمال وقوع الخطأ أو عدم الوضوح يكون أكثر من استعمال التلكس، غير أن من حسنات هذه الآلة على غرار سابقتها أنها تسمح بإرسال الصورة زيادة على الرسائل، فهي بحد ذاتها كالآلة الناسخة غير أنها تتمكن من إرسال ما تنسخه.
(هـ) النقل بواسطة العقل الالكتروني: (ORDINATEUR)
هو وسيلة متطورة بالمعادلة مع الآلة الكاتبة، إذ بإمكانه خزن ما يكتب، أما الآلة الكاتبة فيه تبرز ما تكتب ولا تخزن.
وبالإمكان بإضافة آلات بسيطة إلى العقل الالكتروني وربطه بخط الهاتف، التخاطب مع عقل آخر له اتصال هو أيضًا بخط الهاتف بأرقام خاصة طبعًا.
وحينئذٍ يمكن كتب رسالة وخزنها مع توجيه نسخة منها إلى عقل آخر يتلقاها صورة على الشاشة المصاحبة للعقل في نفس الوقت كسرعة الهاتف.
وهذه الوسيلة دخلتها عدة اضطرابات إن لم نقل دخلها العبث. وبقدر محاسنها وسرعتها فإنها كثيرة العيوب ومن الصعب الاطمئنان إليها.
ومهما احتاط الناس فالمنحرفون يمكنهم الوصول إلى غايتهم السافلة بواسطة هذه الآلة.
(و) الاعتماد الموثق:
وهنا نقف في محطة أخرى ألحقناها إلحاقًا لأنها تشرح أهمية ونجاعة الاتصالات الحديثة بوسائلها المتطورة النابضة بالحياة والميسرة للمعاملات والمقربة للمسافات، وهي المتعلقة بسند الاعتماد أو الاعتمادات المستندية في الأعراف الدولية، وهي وسيلة تسهل المعاملات وتحكم ربطها بواسطة وسائل الاتصالات السابقة.
فالبنوك الآن تضطلع بدور كبير في شؤون التجارة والاقتصاد وعمليات الائتمان التجاري.
стр. 8545
فهي تمارس نشاطها وتحركها عن طريق العديد من العمليات المصرفية مرتبطة بحرفاء وبعقود تجارية لها مواصفات خاصة وأحكام مميزة.
وهذا النظام لم تكن له جذور قانونية تقليدية معينة، إنما بعث لحاجة العمل التجاري وتوفير الأمن والثقة بين الباعة والمشترين طبق عادات وأعراف وقعت محاولة لوضعها في صيغة ميثاق ليستأنس به ويستنار بأحكامه.
فالبيع قد يتم بين متعاقدين كل واحد منهما في جهة بعيدة كل البعد عن جهة ومقر صاحبه ومعاقده، ويكون ذلك بواسطة الاتصالات السريعة لأن الناس دومًا في حاجة أكيدة للسرعة في قضاء حاجياتهم.
ومن هنا جاءت هذه الطريقة التي نشرحها وهي مكملة متممة لما توفره تلكم الوسائل الاتصالية السريعة فالبضاعة تسلم تسليمًا حكميًّا معنويًّا قانونيًّا فقط لا بالمناولة والحوز المادي وإنما بتسليم المستندات الخاصة بها وهي سند الشحن وسندات تحقق سلامة تأمين البضاعة وسلامتها ووزنها ونوعها ووصفها مما يتحقق معه إنهاء البائع لواجباته المفروضة عليه في انتظار قيام المشتري بما عليه من واجبات.
والمشتري عليه أن يدفع الثمن بواسطة البنك الذي يتعامل معه، وفي ذلك ضمان مؤكد لحقوق البائع.
وجاء التفكير في هذه الوسيلة لدفع كل خطر لضمان حقوق كل الأطراف عند وجود فاصل مكاني يحول دون المتعاقد الفوري والتبادل الحيني للثمن والمثمن بطريقة (خذ.. وهات) المتعارفة.
وهذا النظام نشأ بدافع الحاجة العملية ثم تطور وتغير تحت ضغط تلكم الحاجة وإلحاحها. والعرف وحده هو الذي يحدد أحكام هذا النظام محترمًا في ذلك المقاصد الاقتصادية والأهداف العملية وسلامة كل ذلك من شوائب مخالفة القوانين والأنظمة.
يقول أحد رجال القانون المختصين، الأستاذ علي عوض، في كتابه (الاعتمادات المستندية) ، وهو من أحسن ما ألف في الموضوع.
: إنه قد لا يستطيع أحد المتعاقدين أن يبدأ بتنفيذ التزامه قبل أن ينفذ الآخر التزامه، أو قبل أن يطمئن هو بشكل أكيد إلى أن هذا التنفيذ سيحصل، فاتجه التفكير إلى الاستعانة بالمستندات التي تصدر بمناسبة تنفيذ هذا البيع، إذ هي تمثل حيازة البضاعة والحقوق الناشئة من البيع وتكشف عن مدى تنفيذ البائع لالتزامه وإلى الاستعانة بشخص وسيط يثق فيه كل من البائع والمشتري تمر عن طريقه المستندات والثمن وبشروط تجعل كل واحد مطمئنًا.