قال أحمد في [المسند، ترتيب أحمد شاكر: مجلد ٩، ج١٧، ص٧٣، ٧٤، ح٨٩١٤] :
حدثنا محمد بن إدريس، أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج. وساق مثل حديث الموطأ.
ثم قال [١٨/٦٣، ح٩٢٩٩] :
حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: وفيه ((ولا يبيع الرجل على بيع أخيه)) . الحديث.
ثم قال [المجلد ١٠، ١٩/٦٩، ح٩٩٠١] :
حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت العلاء يحدث عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبته)) .
ثم قال (ص٨٨، ح٩٩٦٠] :
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن العلاء، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وعن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
((أنَّ النبي ﷺ نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه أو يخطب على خطبة أخيه)) ثم قال أحمد في [الساعاتي، الفتح الرباني: ١٥/٥٢، ٥٣، ح١٧٩] :
حدثنا يحيى عن عبيد الله، حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((لايبيع أحدكم على بيع أخيه)) . الحديث.
١٨٠- حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي عن أبي إسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري، عن عبد الرحمن بن شماسة التجيبي قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول وهو على منبر مصر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحل لامرئ بيع على بيع أخيه حتى يذره)) .
١٨١- حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبيد الله بن أبي جعفر، عن زيد بن أسلم قال: سمعت رجلًا سأل عبد الله بن عمر، عن بيع المزايدة فقال ابن عمر: ((نهى رسول الله ﵌ أن يبيع أحدكم على بيع إلا الغنائم والمواريث)) .
ثم قال ح [١٨٤] :
حدثنا سليمان أبو داود الطيالسي، حدثنا عمران عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ ((نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه أو يبتاع على بيع أخيه)) .
стр. 8717
قال البخاري في [صحيحه: ٣/٢٤] :
حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر – ﵄ – أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يبيع بعضكم على بيع أخيه)) .
حدثنا عليّ بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة – ﵁ – قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد ولا تناجشوا ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها)) .
ثم قال [ص٢٦] :
حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال. وفيه: ((ولا يبيع بعضكم على بيع بعض)) . الحديث.
ثم قال [ص٢٨] :
حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر – ﵄ – أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يبيع بعضكم على بيع بعض ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق)) .
ثم قال [٦/١٣٦] :
حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا ابن جريج قال: سمعت نافعًا يحدث أن ابن عمر – ﵄ – كان يقول: ((نهى النبي ﷺ عن بيع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب)) .
وقال مسلم في [صحيحه: ٣/١١٥٤، ١١٥٦، ح١٤١٢] :
حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال. وساق مثل حديث مالك في (الموطأ) سواء.
حدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى واللفظ لزهير قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله أخبرني، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: ((لايبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له)) .
حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد بن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل – وهو ابن جعفر – عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يسم المسلم على سوم أخيه)) .
وحدثنيه أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن العلاء وسهيل، عن أبيهما، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
وحدثناه محمد بن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
стр. 8718
وحدثناه عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عدي – وهو ابن ثابت – عن أبي حازم، عن أبي هريرة ((أن رسول الله ﷺ نهى أن يستام الرجل على سوم أخيه)) . وفي رواية الدورقي: على سيمة أخيه.
حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يتلقى الركبان لبيع ولا يبع بعضكم على بيع بعض)) . الحديث.
حدثنا عبد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عدي – وهو ابن ثابت – عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن ... وفيه: ((وأن يستام الرجل على سوم أخيه)) .
وحدثنيه أبو بكر بن نافع، حدثنا غندر.
وحدثناه محمد بن المثنى، حدثنا وهب بن جرير.
وحدثنا عبد الواحد بن عبد الصمد، حدثنا أبي.
قالوا جميعًا: حدثنا شعبة بهذا الإسناد.
في حديث غندر ووهب (نُهِي) ، وفي حديث عبد الصمد ((أنَّ رسول الله ﷺ نهى)) بمثل حديث معاذ، عن شعبة.
قال أبو داود في [سننه: ٣/٢٦٩، ح ٣٤٣٦] :
حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق)) .
ثم قال:
قال سفيان: لا بيع بعضكم على بيع بعض أن يقول: إن عندي خيرًا منه بعشرة.
قال الترمذي في [الجامع الصحيح: ٣/٥٨٧، ٥٨٨، ح ١٢٩٢] :
حدثنا قتيبة، حدثنا الليث عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض)) .
وتعقبه الترمذي بقوله: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يسوم الرجل على سوم أخيه)) . ومعنى البيع في هذا الحديث عن النبي ﷺ عند بعض أهل العلم هو السوم.
стр. 8719
قال النسائي في (سننه: المجتبي) : ٧/٢٥٥] :
أخبرني عبد الله بن محمد بن تميم قال: حدثنا حجاج، قال: حدثني شعبة، عن عادل بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة. وساق مثل الحديث الثامن عند مسلم.
ثم قال:
أخبرنا قتيبة عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، وساق مثل حديث مالك في (الموطأ) سواء.
ثم قال [ص٢٥٨، ٢٥٩] :
حدثنا مجاهد بن موسى قال: حدثنا إسماعيل عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : وفيه: ((ولا يساوم الرجل على سوم أخيه)) . الحديث.
أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك والليث واللفظ له.
عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يبع أحدكم على بيع أخيه)) .
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر)) .
أخبرنا محمد بن يحيى قال: حدثنا بشر بن شعيب قال: حدثنا أبي، عن الزهري أخبرني أبو سلمة وسعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه ... )) الحديث.
حدثنى محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: وفيه ((ولا يزيد الرجل على بيع أخيه)) . الحديث.
وقال ابن ماجه في [سننه: ٢/٧٣٣، ٧٣٤، ح٢١٧١] :
حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مالك بن أنس عن نافع. وساق مثل حديث (الموطأ) سواء.
стр. 8720
٢١٧٢- حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: ((لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يسوم علبى سوم أخيه)) .
وقال ابن حبان في [صحيحه الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، علاء الدين الفارسي: ٧/٢٢٣، ٢٢٤، ح ٤٩٤٤] :
أخبرنا الحسن بن إدريس الأنصاري قال: أخبرنا أحمد بن أبي بكر، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وساق مثل حديث (الموطأ) .
٤٩٤٥- أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((لا يبيع أحدكم على بيع أخيه إلا بإذنه)) .
٤٩٤٦- أخبرنا الحسن بن سفيان أخبرنا سعيد بن عبد الجبار، أخبرنا الدراوردي، عن داود بن صالح بن دينار التمار، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ((أن يهوديًا قد زمن النبي ﷺ بثلاث حمل شعير وتمر، فسعر مدًّا بمد النبي صلى لله عليه وسلم بدرهم، وليس في الناس يومئذٍ طعام غيره، وقد أصاب الناس قبل ذلك جوع لا يجدون فيه طعاما (فأتى) – لعل صوابه: فأتوا – النبي ﷺ يشكون إليه غلاء السعر، فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لألقين الله من قبل أن أعطي أحدًا من مال أحد من غير طيب نفس، إنما البيع عن تراضٍ ولكن في بيوعكم خصالًا أذكرها لكم: لا تضاغنوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا لا يسوم الرجل على سوم أخيه ولا يبيعن حاضر لباد، والبيع عن تراضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا)) .
وقال ابن الجارود في [المنتقى: ص٢٢٧، ح٦٧٧] :
حدثنا علي بن خشرم قال: حدثنا سفيان.
عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة – ﵁ – عن النبي ﷺ .
стр. 8721
وقال علي: يبلغ به النبي ﷺ . وفيه: ((ولا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه)) . الحديث.
وقال الدارقطني في [سننه: ٣/١١، ح٣٢] :
حدثنا أبو محمد بن صاعد إملاء، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثني ابن وهب، أخبرني عمر بن مالك، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن زيد بن أسلم قال: سمعت رجلًا يقال له: شهر، كان تاجرًا، وهو يسأل عبد الله بن عمر، عن بيع المزايدة فقال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحدكم على بيع أخيه حتى يذر إلا الغنائم والمواريث)) .
٣٣- حدثنا محمد بن عمر الرَّزَّاز، حدثنا أحمد بن الخليل، حدثنا الواقدي، حدثنا أسامة بن زيد الليثي عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أنَّ النبي ﷺ – ولعل الصواب عن النبي ﷺ – مثله.
وقال الدرامي في [سننه: ٢/٢٥٠] :
أخبرنا محمد بن عبد الله الرقاشي، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا محمد محمد – هو ابن إسحاق – عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحل لامرئ يؤمن بالله وباليوم الآخر أن يبيع على بيع أخيه حتى يتركه)) .
وقد اضطرب فقهاء المذهب ومتفقهتها في تأويل هذا الحديث، وحديث ((البيعان في الخيار)) اضطرابا شديدًا تبعًا لأصولهم التي دأبوا على تحكيمها في نصوص الكتاب والسنة، فقال مالك في – الموطأ ص٥٦٩-:
وتفسير قول رسول الله ﷺ – فيما نرى والله أعلم – ((لا يبيع بعضكم على بيع بعض)) أنه نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه إذا ركن البائع إلى السائم وجعل يشترط وزن الذهب ويتبرأ من العيوب وما أشبه ذلك مما يعرف فيه أن البائع قد أراد مبايعة السائم، فهذا الذي نهى عنه والله أعلم.
وقال الشافعي في [الرسالة: ص٣١٤، فقرة ٨٦٥] معقبًا على حديث نافع، عن ابن عمر في (بيع الخيار) وحديث سعيد عن أبي هريرة في (المساومة) .
وهذا معنى يبيّن أنَّ رسول الله قال: ((المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا)) وأن نهيه عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه إنما هو إذا تبايعا قبل أن يتفرقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه.
стр. 8722
- فقرة ٨٦٦:
وذلك أنهما لا يكونان متبايعين حتى يعقدا البيع معًا، فلو كان البيع إذا عقداه لزم كل واحد منهما ما ضر البائع أن يبيعه رجل سلعة كسلعته أو غيرها. وقد تم بيعه لسلعته ولكنه لما كان لهما الخيار كان الرجل لو اشترى من رجل ثوبًا بعشرة دنانير فجاءه آخر فأعطاه مثله بسبعة دنانير أشبه بأن يفسخ البيع إذا كان له الخيار قبل أن يفارقه، ولعله يفسخه ثم لا يتم البيع بينه وبين بيعه الآخر، فيكون الآخر قد أفسد على البائع وعلى المشتري أو على أحدهما.
قلت: رحم الله الشافعي كيف وقع في هذا الاضطراب وهو اللغوي والفقيه، الضليع، فالحجة التي ساقها افتراضًا عليه وليست له، فلو كان التفرق الذي جعل حدًّا لبيع الخيار هو التفرق بالأجسام لا بالأقوال، ولو كان البيع الذي نهى أن يمارسه أحد على بيع أخيه هو البيع الذي تمَّ انعقاده فعلًا يتعذَّر أن يتمَّ التبايع بين متعايشين معًا في منزل واحد أو في سفر واحد أو في عمل واحد، والحجة التي ساقها الشافعي نراها دامغة لما ذهب إليه من اعتبار التفرق بالأبدان لا بالأقوال ومن اعتبار البيع لا يطلق إلا على ما تم فيه العقد، ولا يمكن إطلاقه على المساومة أو التراكن كما ذهب إليه مالك، إذ التبايع المحتمل فيه الاختيار دون إضرار بأي من الفريقين هو حال المساومة أو المراكنة، والتبايع الذي يمكن عمليًّا أن يتنافس فيه صاحبا سلعة واحدة هو هذه الحال أيضًا، ومناط في الصورتين كلتيهما واضح بين في غير تمحُّل فجعل كلا المتبايعين بعد عقد البيع في حالة خيار ما لم يتفرقا، يعني أنَّ عليهما إذا أراد إنهاء الخيار أن يتفرقا إجبارًا، وجعل بيع أحد على بيع أخيه هو الذي يكون بعد العقد، معناه أن العقد ليس بملزم وأنَّ المشتري يمكنه أن يفسخ البيع ما لم يفارق صاحبه، وفي هاتين الحالتين من الإضرار بكل من البائع والمشتري ما لا سبيل إلى إنكاره.
ثم قال الشافعي – ﵀ – فقرة ٨٦٧] :
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا يسوم أحدكم على سوم أخيه فإن كان ثابتًا – ولست أحفظه ثابتًا – فهو مثل ((لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه)) . لا يسوم على سومه إذا رضي البيع وأذن بأن يباع قبل البيع حتى لو بيع لزمه.
стр. 8723
قلت: سبحان الله كيف غاب عن الشافعي وهو المحدِّث الصادق الثبت، أن هذا الحديث روي عن طرق عدة وفي بعضها (لا يسم) وفي بعضها (لا يسوم) وفي بعضها (لا يستام) وفي كثير منها (لا يبع) أو (لا يبيع) فلماذا لم ير الشافعي في اختلاف ألفاظ هذا الحديث ما يقتضيه الجمع بينها من أن الحديث رواه البعض بالمعنى، وأنَّ المساومة كانت عندهم مبايعة والسوم بيعًا والسائم بيعًا كالمساوم صاحب السلعة وهو أمر عرفه العرب كما سيأتي.
وقد أبدأ الشافعي وأعاد في تأييد ما ذهب إليه سالكًا منهاج الجدل السقراطي في ج٣، من كتابه (الأم) [ص١٠٤، وما بعدها، وكذلك ص٩٢] :
ومن أغرب الأشياء استدلال الشافعي بقصة مالك بن أوس بن الحدثان وقول عمر – ﵄ – له: (والله لا تفارقه) . الحديث. على دعواه بأن التفرق بالأبدان لا بألاقوال، وأن البيع لا يطلق إلا على ما تم العقد فيه. وأن العقد – نتيجة لذلك – غير ملزم للمتعاقدين في بيع إلا بعد أن يتفرقا بالأبدان أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيختار صاحبه، ذلك بأن هذا الاستدلال لا يبعد كثيرًا عن قول الذين قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٧٥] ، فجوهر الموضوع واحد، إذ أن قصة مالك بن أوس بن الحدثان تستبدل أحد النقدين بالآخر وهي حال نص الشارع فيها، على أنه لا يجوز التفرق بين المتعاملين إلا بعد التقابض، أما في غير النقدين فإن تعليق العقد بالافتراق البدني لا يوجد نص صريح من الشارع فيه، ولا سبيل إلى دعوى الجمع بين وجود عقد – والعقد لا يكون إلا ملزمًا للطرفين المتعاقدين – وقيام حق الخيار الذي يناقض الإلزام بهما أو لأحدهما، وقيام حق الفسخ أيضًا وهو الصورة التي رآها الشافعي تأويلا لحديث منع بيع المسلم على بيع أخيه أو سومه على سوم أخيه.
وعلى هذا النسق جرى البيهقي – وهو من أئمة الشافعية ومحدثيهم – فقال في [السنن الكبرى: ٥/٣٤٥، ٣٤٦] بعد أن ساق بعد الأحاديث السابقة مما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما.
وهذا الحديث حديث واحد، واختلف الرواة في اللفظ لأن البخاري رواه على أحد هذه الألفاظ الثلاثة من البيع والسوم والاستيام لم يذكر معه شيئًا من اللفظتين الأخريين إلا رواية شاذة ذكرها مسلم بن الحجاج، عن عمرو الناقد، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ذكر فيها لفظ البيع والسوم جميعًا، وأكثر الرواة لم يذكروا عن ابن عيينة لفظ السوم، فإما أن يكون معنى ما رواه ابن المسيب، عن أبي هريرة ما فسَّره غيره من السوم والاستيام، وإما أن ترجح رواية ابن المسيب على رواية غيره فإنه أحفظهم وأفقههم، ومعه من أصحاب أبي هريرة عبد الرحمن الأعرج وأبو سعيد مولى عامر بن كريب وعبد الرحمن بن يعقوب وبعض الروايات عن العلاء، عنه وبأنَّ روايته توافق رواية عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ .
стр. 8724
قلت: في هذا الترجيح من البيهقي نظر ولا نراه يتجه فلئن كان سعيد بن المسيب من الحفظ والفقه بحيث لا يزن بريبة فإن في ترجيحه على مالك ونافع وذكوان وغيرهم مجتمعين ومعهم غيرهم نظرًا، لا سيما إذا تدبرنا احتمال أن يكون ذكر السوم والبيع معًا في رواية سعيد قد يكون بالتفسير وقد لا يكون منه وإنما هو من بعض الرواة عنه، وإضافتهم التفسير إلى النص مألوفة فقد كان ابن مسعود وعائشة وأبو هريرة – ﵃ – ربما أضافوا تفسير بعض الآيات إلى الآيات نفسها في بعض مصاحفهم حتى وهم جمهرة من الناقلين عنهم فحسبوا تأويلاتهم تلك أطرافًا من الآيات التي أوَّلوها ولم يتدبَّروا لاختلاف في الأسلوب وخروج عباراتهم التأويلية عن النَّسق القرآني في التأليف وهذه كتلك عندنا، لكن البيهقي أراد أن ينصر مذهبه في تفسير كلمة (البيع) في حديث ((البيعان في الخيار)) فتكلف هذا الترجيح والله أعلم.
ويرجح أن ذكر اللفظتين معًا في رواية عمرو الناقد إنما هو من زيادة بعض الرواة للتفسير لأن حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة روي من عدة طرق نقلناها آنفًا وليس فيه إلا لفظة واحدة، ففي البخاري جاءت روايته ((ولا يبيع على بيع أخيه)) ، وعند النسائي من طريق الزهري عن سعيد ((ولا يساوم الرجل على سوم أخيه)) ، وعند ابن الجارود ((ولا يبيع الرجل على بيع أخيه)) ، وعند الدارمي عن طريق الزهري وأبي سلمة عن سعيد ((ولا يبيع الرجل على بيع أخيه)) . وعن طريق الزهري عن سعيد ((ولا يزيد الرجل على بيع أخيه)) .
وحديث سعيد عن طريق عمرو الناقد الذي وقف عنده البيهقي أخرجه مسلم في [صحيحه: ٢/١٠٣٣، ح١٤١٣] من ثلاث طرق إحداها طريق عمرو هذا وقال مسلم: زاد عمرو في روايته ((ولا يسم الرجل على سوم أخيه)) .
стр. 8725
وهذا صريح في أن عَمْرًا انفرد بهذه الزيادة فهل هي منه أو من سفيان أو من سعيد؟
أخرج مسلم حديث سعيد هذا من طريقين آخرين عقب رواية عمرو الناقد وليست فيهما أيضًا هذه الزيادة وجميع هذه الطرق وغيرها من طرق هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمرو، وعن أبي هريرة من غير طريق سعيد، وعن عقبة بن عامر ساقها في كتاب النكاح ولم يخرج رواية عمرو الناقد في كتاب البيوع مع الروايات التي نقلناها عنه آنفًا. ومع أن عَمْرًا الناقد كادوا يجمعون على توثيقه [انظر ابن حجر، تهذيب التهذيب: ٨/٧٦، ٧٩، ترجمة ١٥٦] فإن في النقدة من تكلم فيه شيئًا بل إن ابن المديني كذبه في حديث رواه عن ابن عيينة وفي قول أحمد فيه: (يتحرى الصدق) ما يشير أن أحمد ينزهه عن الكذب ولكن لا يبلغ به درجة التوثيق المطلق ولعله كان لفقهه يضيف بعض تأويلاته إلى النصوص التي يرويها.
وقد حمل الالتزام بأصل المذهب بعض اللّغويين إلى أن يتمحَّلوا حتى في تأويل نص لغوي ليكيِّفوه بحيث يتسق مع أصلهم. فقال ابن منظور في [لسان العرب: ٨/٢٤، ٢٥] بعد أن ساق مقولات الشافعي في تأويل حديث (الخيار) وحديث (المساومة) ولفظتي (البيع) (والبيع) وعرض لمقولات مخالفيه:
وقد تأول بعض من يحتج بأبي حنيفة وذويه وقولهم: لا خيار للمتبايعين بعد العقد بأنهما يسمّيان متبايعين وهما متساومان قبل عقدهما البيع، واحتج في ذلك يقول الشماخ في رجل باع قوسًا:
فوافى بها بعض المواسم فانبرى
لها بيع يغلي لها السوم رائز
قال: فسماه بيع وهو سائم، قال الأزهري – وهو لُغوي شافعي، انظر هداية الله الحسيني طبقات الشافعية، ص٩٤-: وهذا وهم وتمويه ويرد ما تأوله هذا الشيخ شيئان أحدهما أنَّ الشَّمَّاخ قال هذا الشعر بعدما انعقد البيع بينهما وتفرَّقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه فسماه بيِّعًا بعد ذلك، ولو لم يكونا أتَّما البيع لم يسمِّه بيِّعًا وأراد بالبيِّع الذي اشترى، وهذا لا يكون حجَّة لمن يجعل المساومين بيِّعين ولما ينعقد بينهما البيع والمعنى الثاني أنه يرد تأويله ما في سياق خبر ابن عمر – ﵄ – أنه ﷺ قال: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يخيّر أحدهما صاحبه فإذا قال له: اختر فقد وجب البيع وإن لم يتفرَّقا)) .
стр. 8726
قلت: هاتان الحجتان داحضتان ونبدأ بالثانية فنحن لم نقف في حديث ابن عمر – مع تعدد طرقه وألفاظه – على عبارة (وإن لم يتفرَّقا) وهي موضع الشبهة ولا نعرفها حتى من رواية ضعيفة والذي يشبهها وربما اشتبه أمرها على الأزهري حديث ابن عمر، عن طريق الليث. وقد رواه أحمد وابن ماجه وسقناه آنفًا بسنديهما وفيه: ((فإن خيَّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك وجب البيع، وإن تفرَّقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع)) . فالتفرق الوارد في الحديث بعد حكم التخيير يتصل بحكم آخر هو أن يتفرق المتبايعان ولم يترك واحد منهما البيع فهذه صورة أخرى غير صورة الوجوب نتيجة للاختيار، وطبقًا لهذا الحديث فإن البيع المعني فيه ليس العقد وإنما هو السوم والمبايعة تعني المساومة بدلالة سياق الحديث، والتخيير المنصوص عليه في الحديث هو صيغة يراد بها إتمام البيع، وكان ﷺ يفعلها ومناطها وهي تخيير البائع بين سلعته والثمن الموضوع بين يديه، فقد يكون البائع راغبًا في النقد المسكوك أو الموزون فإذا قدم المشتري إليه غير النوع الذي يرغب فيه كان له أن يعدل عن البيع لاختلاف نيته حال البيع عن واقع ما أريد إتمامه به، وهذا الاختلاف هو الذي تجنبه الحديث وفعل رسول الله ﷺ بالأمر بتأكيد البيع بالتخيير وهو طبعًا لا ينطبق على التعامل بنقد واحد معلوم متفق عليه في سلعة حاضرة أو متفق على مواصفاتها والتفرق الذي جاء في الحديث أنه موجب للبيع مناطه أنَّ المساومة على الثمن أو المشارطة على المواصفات وما إليها قد انتهى شأنها بتفرق المتبايعين فوجب البيع إذا لو أن أحدهما غير موافق على ما عرضه الآخر لم يتفرقا عن صمت بل عن إلغاء المبايعة أو تأجيلها إلى أن يتفقا في أجل آخر، وبهذا يتَّضح أن الاحتجاج بحديث ابن عمر باطل وأنَّ الزيادة التي زادها الأزهري ونقلها عنه ابن منظور ليست صحيحة، أما الحجَّة الأولى وهي تأويله لبيت الشمّاخ المبني على الزعم بأنَّ الشماخ قال بيته ذاك وصفًا لحال مضت وانقضت فهو تأويل من الغريب أن يصدر عن لُغوي، ذلك بأنَّ إطلاق الشماخ وصف (البيع) على الذي (انبرى يَغلي السوم، لا يستقيم من عربي صريح أصيل إلا يكون (البيع) عنده هوالمساوم وأنَّ الكلمتين تعنيان معنى واحدًا، فقد كان الشماخ قادرًا، ودون تكلُّف، على أن يضع بدل كلمة (بيع) كلمة (مشتري) ، فتعبير بكلمة (بيع) ووصفه له بأنه (يغلي السوم) لا يساند زعم الأزهري، لأن الاحتجاج ببيت الشماخ وهم وإنما يكشف مدى تمحل البعض حتى في تأويل الألفاظ اللغوية ابتغاء تكييفها مع ما يلتزمون به من أصول مذهبهم.
стр. 8727
ويبدو أن الفيروزأبادي كان على خلاف مع الأزهري في تمحله هذا فقال في [القاموس المحيط: ٣/٨] في مادة (باع) :
وكسيد: البائع والمشتري والمساوم جمع: بيعاء كعنباء وأبعياء
بل إن المرتضى الزبيدي لا يبدو موافقًا للأزهري أيضًا وإن لم يجهر بذلك، فقد قال في [تاج العروس: ٥/٢٨٤] :
والبيع في قول الشماخ يصف قوسًا كما في العباب، وفي اللسان في رجل باع قوسًا. وساق البيت.
ثم قال: هو المساوم لا البائع والمشتري، وقول الشماخ حجة لأبي حنيفة – ﵀ – حيث يقول: ((لا خيار للمتبايعين بعد العقد لأنهما يسميان متبايعين وهما متساومان قبل عقدهما البيع)) . وقال الشافعي – ﵁: هما متساومان قبل عقد الشراء، فإذا عقد البيع فهما متبايعان ولا يسميان بيعين ولا متبايعين، وهما في السوم قبل العقد، وقد رد الأزهري على المحتج بقول الشماخ بما هو مذكور في (التهذيب) .
قلت: وأدق ما وقفت عليه وأجمعه في تحرير هذا المقام، قول التهانوي في [إعلاء السنن: ١٤/٦، ٧] بعد أن عرض لاختلافهم في خيار المجلس وتأويل قوله ﷺ : (البيعان) و (ما لم يتفرقا) أو (يفترقا) :
إذا عرفت هذا، فاعلم أن الحق في هذا المقام مع أبي حنيف لأن قوله (البيعان) تثنيه للبيع، والبيع صفة مشبهة من البيع، وللبيع معنيان: أحدهما بدل السلعة بالثمن وبهذا المعنى يقال له: البائع، والآخر المشتري ولا يقال لهما: بائعين، والآخر العقد المعروف القائم بين المتعاقدين. وبهذا المعنى يقال لأحدهما: البيع ولهما البيعان ولا يقال لأحدهما: بائع ولا هما بائعان بهذا المعنى (١) .
قلت: وغاب عنه أن يشير إلى الفارق بين الصيغتين (البيع) و (البائع) من حيث تمايز الدلالة، فكلمة (البيع) التي هي صفة مشبهة تعني الوصف المستمر غير المرتبط بزمان معين ولا المتسم بالتكرار والتجدد، بخلاف كلمة (البائع) التي تعني الوصف المرتبط بزمان قد يكون ماضيًا وقد يكون حاليًّا وقد يكون متجددًا، ولا يمكن انصرافه إلى أحد هذه المعاني الثلاثة إلا بقرينة أغلب ما تكون من السياق.
стр. 8728
وقد ألمع إلى ذلك ابن مالك بقوله في [شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ: ص٧٠٦، ٧٠٧] :
وقد استصحب الأصل لاسم فاعل (فعل) متعديًا كان أو غير متعد كحبس الشيء فهو (حابس) ، وجلس فهو (جالس) ، وإن جاء بخلاف ذلك فهو محمول على غيره لشبه معنوي كجلي فهو (جليل) ، وطاب فهو (طيب) ، وشاب فهو (أشيب) ، وحملت على عظم فهو (عظيم) ، وجاد فهو (جيد) ، وشمط فهو (أشمط) .
ويساوي فعل في استحقاق (فاعل) فعل المتعدي، كقبل الشيء فهو (قابل) فإن كان (فعل) غير متعدِّ، استغنى فيه عن (فاعل) بـ (فعل) في الأعراض كفرح فهو (فرح) ، وخجل فهو (خجل) . وبـ (أفعل) في الخلق والألوان كشنب فهو (أشنب) ، وسود فهو (أسود) . وبـ (فعلان) في الامتلاء وضده كشبع فهو (شبعان) ، وغرث فهو (غرثان) . وبـ (فعيل) في قوة أو ضعف كقوي فهو (قوي) ، وعمي فهو (عمي) ، وسمن فهو (سمين) ، ومرض فهو (مريض) . واستغني في (فعل) غالبًا بـ: (فعيل) كظرف فهو (ظريف) ، وشرف فهو (شريف) . وبـ (فعل) نحو ضخم فهو (ضخم) ، وشهم فهو (شهم) . وبـ (فعل) نحو حسن فهو (حسن) ، وبطل فهو (بطل) . وبـ (فعيل) نحو جاد فهو (جيد) ، وساد فهو (سيد) . وبـ (فعال) نحو جبن فهو (جبان) ، وعبم فهو (عبام) (١) .
وإنما سقنا كلام ابن مالك كله لنبين بالمقارنة تميز صيغة (بيع) عن غيرها من صيغ اسم الفاعل أو الصيغ الدالة عليه.
стр. 8729
ثم قال التهانوي:
وبهذا تبين فساد ما قال العيني من أنه أراد بهما البائع والمشتري، وإطلاقه على المشتري بطريق التغليب أو هو من باب إطلاق المشترك وإرادة معنييه معًا إذا البيع جاء لمعنيين فيه خلاف، لأنه ليس في هذا الإطلاق تغليب ولا استعمال مشترك بين المعنيين، بل هو استعمال للبيع في العقد. وظاهر أن العقد قائم بالمتعاقدين فيكونان كلاهما بيعين حقيقة، وإذا كان البيع صفة مشبهة من البيع بمعنى العقد المعروف فيكون هو حقيقة في العاقد حين العقد لا بعد العقد ولا قبله، بل هو مجاز فيهما كالأحمر فإنه حقيقة فيما قام به الحمرة لا ما كان أحمر أو ما يكون كذلك وهو ظاهر جدًّا، وقال به الشافعية، والجواب عنه بأن المتبايعين لا يكونان متبايعين حقيقةً إلا في حين تعاقدهما، لكن عقدهما لا يتم إلا بأحد أمرين، إما إبرام العقد أو بالتفرق على ظاهر الخبر، فصح أنهما متعاقدان ما داما في مجلس العقد، فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقة مصادرة على المطلوب لأن هذا الجواب مبني على ثبوت خيار المجلس وهو أول النزاع، ومع قطع النظر عن المصادرة هو فاسد أيضًا لأن العقد هو الإيجاب والقبول، فلما انقضيا انقضى العقد، وبقاء حق الفسخ لا يقتضي وجوده إلى ذلك الوقت كما في خيار العيب وخيار الشرط.
قلت: ومن عجب أن المختلفين المتشاكسين في هذا الذي اعتبروه قضية من (خيار المجلس) لم يلتفتوا إلى حقيقة ذات بال، وما كان ينبغي إغفالها وهي هذا الاختلاف بين الرواة في الألفاظ التي رووا بها الحديث سواء في صفة من جاء الحديث الشريف بجعلهما في الخيار أو في صفة تعيين الحال التي ينتهي خيارهما بوقوعها.
ففي (الصيغة) وردت كلمة (البيعان) و (البيعين) – وهي صيغة واحدة اختلف وضعها باختلاف عامل الإعراب – في مجموع الروايات التي سقناها آنفًا ستين مرة.
منها عن ابن عمر: سبع وعشرون مرة. وعن أبي هريرة مرتان، وعن حكيم بن حزام ست عشرة مرة، وعن سمرة بن جندب أربع مرات، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص مرة واحدة، وورد من مراسيل ابن أبي مليكه ثلاث مرات.
أما كلمة (المتبايعان) أو (المتبايعين) فوردت عن ابن عمر أربع عشرة مرة، وعن أبي هريرة مرة واحدة، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص مرتين فيكون المجموع سبع عشرة مرة.
ثم ورد عن ابن عمر ثلاث مرات بصيغة (إذا تبايع) وفي إحداهن (المتبايعان) وفي الأخرين (الرجلان) كما وردت صيغة (تبايعا) عن مالك بلاغًا والضمير يعود إلى (أيما بيعين) .
стр. 8730
أما حديث (المساومة) أو (المبايعة) فورد بصيغة (يبع) أو (يبيع) عن ابن عمر ثماني عشرة مرة وعن أبي هريرة ثماني مرات وعن عقبة بن عامر مرة واحدة.
وورد بصيغة (يسوم) أو (يساوم) أو (يستام) أو (يسم) عن أبي هريرة تسع مرات وعن أبي سعيد الخدري، وورد مرة عن أبي هريرة بلفظ (يزيد) بدلًا من (يبيع) أو (يسوم) وما شاكلهما.
وجلي أن هذا الاختلاف دليل على أن الرواة رووا الحديثين بالمعنى وليس باللفظ فإن تكن فيهما رواية باللفظ فالراجح أنها في حديث الخيار التي جاءت بصيغة (البيعان) لأنها أكثر ورودًا ولم يرو غيرها حكيم بن حزام ولا أبو برزة ولا عقبة بن عامر، واشترك مع هؤلاء غيرهم من رواه الحديث من الصحابة في هذه الصيغة وإن امتازوا عنهم بالصيغتين الأخريين، أما في الحديث الثاني فإن تكن فيه رواية باللفظ فهي تلك التي وردت بصيغة (يبيع) وما تصرف منها لأنها الأكثر ورودًا ولم يرد الحديث بصيغة المساومة وما تصرف منها إلا عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ومع أنه من الممكن أن يكون رسول الله ﷺ قد كرر هذين الحديثين بلفظين مختلفين فإن اختلاف الصيغ في كلا اللفظين يجعل هذا الاحتمال بعيدًا والأقرب منه أن يكون اختلاف البنية في صيغة (البيعان) وصيغة (يبيع) من فعل الرواة وأن يكون أساسهما مسموعًا من رسول الله ﷺ . وهذا الترجيح يبلغ بنا إلى حاصل هام وهو أن صيغة (البيع) أو (التبايع) وكلمة (البيع) لا تنصرفان بالضرورة إلى ما تم فيه التعاقد فأصبح ملزمًا للجانبين بل هي قد تدل على المتراكنين وهي الدلالة التي قال بها مالك – ﵀ – ونؤثرها على (المتساومين) لأن مجرد المساومة لا يدل بالضرورة على الرغبة في الشراء أو في البيع وإنما الذي يدل عليها هو المراكنة، وإنما الذي يصرف تينك الصيغتين إلى إحدى هاتين الدلالتين هو القرينة، لفظية كانت أم حالية (من السياق) .
وهذا التحرير لهذه المسألة الدقيقة ضروري لما سيصير إليه تمحيص الرأي في التعاقد بالوسائل الحديثة من حيث إن الصيغ اللفظية تتحكم في تكييف دلالاتها ما تنطوي عليه من دلالات ومعانٍ لها علاقة بالزمن.
وصيغة أخرى وردت في الحديث الأول (حديث الخيار) وكانت العلة الأساسية والوحيدة لجميع الاختلاف والاضطراب حول ما سمي بـ (خيار المجلس) هي صيغة (تفرقا) أو (افترقا) ، فمجموع ما ورد بصيغة (تفرقا) في طرق الحديث التي سقناها آنفًا واحد وستون مرة.
стр. 8731
منها في رواية ابن عمر سبع وثلاثون، وعند حكيم بن حزام تسع، وعند أبي برزة خمس، وعند سمرة بن جندب أربع، وكذلك عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وعند أبي هريرة مرة واحدة وكذلك في مرسل عطاء.
أما مجموع ما ورد بصيغة (افترقا) فتسع عشرة مرة. منها في رواية ابن عمر عشر وعند حكيم بن حزام ثلاث، وعند كل من سمرة وأبي هريرة وفي مرسل عطاء اثنتان.
ومع أن الفرق بين دلالة تاء المطاوعة في (تفرقا) ودلالة تاء التكلف والافتعال في (افترقا) – على تمايزهما – في غير مسألة خيار المجلس – ليس بعيد الخطر ولا عميق الأثر في تكييف معنى الحديث الشريف فيما يتصل بخيار المجلس ولا فيما يتصل بالموضوع الذي نحن بصدده (التعاقد بالوسائل الحديثة) ، فإن الوقوف عند اختلاف الروايات له خطره وأثره الذين لا يمكن إغفالهما، إذ يتضح من اختلافها أن الحديث غير مروي باللفظ أو أن بعض الرواة لم يلتزموا التزامًا دقيقًا عند رواياتهم له باللفظ الذي سمعوه، فالاحتمال بعيد أن يكون رواته من الصحابة هم الذين رووه مرة بصيغة (تفرقا) وأخرى بصيغة (افترقا) . وآية ذلك أن صيغة (تفرقا) هي الأغلب عندهم جميعًا وصيغة (افترقا) هي الأقل، فتبين أنه إن كان في الرواة من التزم باللفظ الذي سمعه فهم أولئك الذين رووه بصيغة (تفرقا) أما غيرهم فرواه بالمعنى، والذين رووه بالمعنى هم من التابعين أو ممن بعدهم.
ولعل من المفيد – لتعميق الفائدة – في هذا المجال أن نذكر كيف وردت كملة (فرق) ومشتقاتها من الأفعال في القرآن الكريم، ذلك بأن نصوص الحديث النبوي نصوص تشريعية، ورسول الله ﷺ لا ينصرف عن صيغة قرآنية إلى غيرها في تنصيصه لتشريع ما إلا لمناط تشريعي اقتضى ذلك.
стр. 8732
وردت كلمة (فرق) وما تصرف منها من أفعال في القرآن الكريم اثنتين وعشرين مرة (١) أو لتشريع جديد غير منصوص عليه في القرآن الكريم , وليس هذا مجال تبيان هذا الملحظ الدقيق الذي كانت غفلة جمهور الفقهاء والمتفقهة عنه سببًا في كثير مما وقعوا فيه من الاختلاف والاضطراب.
стр. 8733
ولا نعرف في القرآن الكريم من مشتقات كلمة (فرق) ما يحتمل تأويله بأنه يتضمن الانفصال المادي أو الجسدي إلا في آية سورة المائدة من قوله حكاية عن موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ، فقد يتراءى احتمال – وإن كان بعيدًا – بأن موسى ربما كان من قصده أن يبعد الله عنه وعن أخيه أولئك القوم الفاسقين ليأمنا من أن يصيبهما ما قد ينزله عليهم من بلاء عقابًا لهم على فسقهم ذاك، لكن يبعد هذا الاحتمال – حتى ليكاد يكون تمحلا – أن موسى ﵇ يعلم أنه وأخاه مرسلان إلى أولئك الذين سأل الله أن يفرق بينهم وبينهما، وأن عليهما الاستمرار في أداء الرسالة التي يضطلعان بمسئوليتها وتبعتها، فلا يتصور أن يطلب الابتعاد له ولأخيه عمن أرسل إليهم، وغاية ما سأله التمييز بينهما وبينهم إذا كان مقدرًا أن يُنْزِل عليهم بلاءً عقابًا لهم على فسقهم ذاك.
وآية أخرى قد يتوهم البعض أن فيها معنى الانفصال المادي وهي آية سورة النساء في المعلقة التي تعذر الصلح بينها وبين زوجها من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ ، وهذا الوهم يبطله أن المطلقة لها أن تمكث في بيت زوجها حتى تستوفي عدتها، وأن التفرق هنا معنوي يقصد بها انفصال العصمة الواشجة بين الزوجين بالطلاق.
ولا سبيل إلى الوهم بأن التفرق في الدين وما شاكله مما جاء في الآيات الكريمة الأخرى يمكن أن يتضمن الانفصال المادِّي.
وبهذا يتضح أن صيغة (يتفرقا) في حديث الخيار هي الصيغة الأرجح أن تكون رويت عن رسول الله ﷺ باللفظ وليس بالمعنى إذ لم نجد في القرآن الكريم التعبير بصيغة (افترق) وما تصرف منها، وقد سبق أن ألمعنا إلى أننا لا نتصور أن يعدل رسول الله ﷺ في حديث تشريعي عن الصيغة القرآنية إلا لعلة موجبة لذلك، ولا نجد هذه العلة في حديث الخيار.
стр. 8734
ثم أنه على فرض أن صيغة: (افترقا) هي المروية باللفظ، فإن رسول الله ﷺ استعملها في حديث يبعد احتمال أن تكون الصيغة فيه رويت بالمعنى وهي قوله ﷺ : ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ... )) الحديث. وهو مشهور وليس من شأننا في هذا المجال تخريجه، وما من أحد يدعى أن صيغة الافتراق الواردة ثلاث مرات في هذا الحديث بصيغة الماضي مرتين والمضارع مرة تعني – أو يمكن أن تتضمن – الانفصال المادي، غاية أمرها أنها تعني نفس المعنى المعبر عنه بالتفرق – بدلًا من الافتراق – في الآيات القرآنية الكريمة الواردة في النهي عن التفرق في الدين، وإنما جاء التعبير في الحديث النبوي الشريف بـ (الافتراق) بدلًا من (التفرق) لملحظ بديع هو أن التفرق الوارد النهي عنه في القرآن الكريم أو التنديد به إما أنه قد حدث كما في سورة البينة: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ ، وجاء التعبير بـ (تفرق) بدلا من (افترق) لإيضاح أن الفرقة جاءت عن عمد وتكلف وسبق إصرار، وذلك أبلغ في التنديد بها وبمقترفيها.
وإما للنهي عنه وبيان أن اقترافه لا يمكن أن يكون عفوًا ودون قصد، بل لا يتأتى إلا عن عمد وتكلّف وسبق إصرار، فهو لذلك يوجب على مقترفه ما يستحقه من عقاب.
أما كلمة (افترق) في الحديث الشريف فهي إخبار بما حدث ونبوءة بما سيحدث ولئن تضمنت معنى التنديد فإن هذا المعنى لم تتضمنه الصيغة لذاتها وإنما تضمنه كل من الأخبار والنبوءة في مجموعة وليس بصيغة معينة.
стр. 8735
ثم إنّ تاء المضارعة والإيحاء بالإضمار معلوم أنها إذا دخلت على الفعل المضاعف تعني في كثير من الأحيان الاجتهاد والتكلف، كما تدل على المطاوعة لفظًا. أما تاء المطاوعة – وهي التي تأتي بين الفاء والعين في الفعل ومشتقاته (افتعل) – كما في صيغة (افترق) فهي تعني من حيث المعنى التكلف والمعاناة بصورة أساسية، وقلَّ أن تخلو من هذا المعنى وليس هذا المجال تفصيل ذلك.
غاية ما نقصد إليه بهذا الإلماع إلى ما تؤمئ إليه التاءان، هو أن نوضح أن الانفصال المادي إذا عبّر عنه بـ (التفرق) و (الافتراق) لا بد من قرينة تصرف العبارة إليه، وأن الصيغتين لا تعنيانه أساسًا كما لا تعنيان غيره من معانيهما وإنما تتصرفان إلى معنى منها بقرينة. وورود إحداهما في القرآن أو في الحديث يتحكم السياق والموضوع في تحديد المعنى المقصود إليه بها، وبذلك يتضح أن جدل الفقهاء والمتفقهة حول ما سموه (خيار المجلس) جدل قائم على وهم قد لا نعجب من صدوره من المتفقهة، إنما نعجب أشد العجب وأبلغه من صدوره من مثل الشافعي – ﵀ – وهو اللغوي والمحدث والفقيه الذي لا يزن بريبة، ثم من إلحاحه في تقرير ما ذهب إليه إلحاحًا قل أن عهدناه في تقرير أصوله، ويظهر أن موضوع (خيار المجلس) كان لعهده موضوعًا متصلا بإثبات الوجود الفقهي لأرباب المذاهب أو المدارس الفقهية والأصولية، ولعله كان من أهم أسباب الخلاف وأعمقها نفسيًّا وبين أستاذه مالك – ﵀ – على أن مالكًا كان أسلم منطقًا وأدرك للبيان منه حين اعتبر المبايعة والتبايع وما شاكلهما تعني المراكنة أو ركون أحد الطرفين، وأنَّ (التفرق) أو (الافتراق) يراد به أن يكون بالأقوال لا بالأبدان.
ورحم الله ابن تيمية – وهو حنبلي مجتهد – إذ يقول في [مجموع فتاويه: ٢٩/٢٦، ٢٧] :
.... فأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع كما كان يقال: عطاء أفقه الناس في المناسك، وإبراهيم أفقههم في الصلاة، والحسن أجمعهم لذلك كله. ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فضل فيه لمن استقرأ ذلك من أجوبته والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب ... إلخ) .
والذي يعنينا من صيغتي (التفرق) و (الافتراق) في حديث الخيار، هو بيان أن المراد بهما وقوع الانفصال بالأقوال لا بالأبدان، وهذا أمر أساسي فيما نحن بصدده من محاولة استجلاء المطابقة بين الأحكام الشرعية وبين ما نعايشه اليوم من التعامل بالوسائل الحديثة للتواصل تعاملا كثيرًا ما يدخل في نطاق التعاقد، وتأكيد القاعدة التي نعتمدها أصلا في بحثنا هذا وفي غيره من أن الدلالة الظرفية في الصيغ أساسية في تكييف الحكم المستنبط منها، وهذا ما سيزداد جلاء في الفصول الآتية بحول الله.
стр. 8736
لكن قبل أن نختم هذا الفصل نود أن ننقل أروع وأجلى ما وقفنا عليه من كلام السلف الموقفين في ما نحن بصدده من بيان طرائق الاستدلال بالصيغ في تكييف الحكم الشرعي، ذلك هو قول ابن القيم – ﵀ – في [أعلام الموقعين: ١/٢١٩، ٢٢٠] :
... والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول ماذا أراد، واللفظي يقول ماذا قال، كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي ﷺ يقولون بقوله: ﴿مَاذَا قَالَ آَنِفًا﴾ [سورة محمد: الآية ١٦] . وقد أنكر الله سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [سورة النساء: الآية ٧٨] . فذم من لم يفقه كلامه، والفقه أخص من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه.
وقد كان الصحابة يستدلون على إذْن الرب تعالى وإباحته وإقراره وعدم إنكاره عليهم في زمن الوحي، وهذا استدلال على المراد بغير لفظ بل بما عرف من موجب أسمائه وصفاته، وأنه لا يقر على باطل حتى يبينه، وكذلك استدلال الصديقة الكبرى أم المؤمنين خديجة – بما عرفته من حكمة الرب تعالى وكمالًا لأسمائه وصفاته ورحمته – أنه لا يخزى محمدًا ﷺ ، فإنه يصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق، وإِنَّ من كان بهذه المثابة فإن العزيز الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإله العالمين لا يخزيه ولا يسلط عليه الشيطان، وهذا استدلال منها قبل ثبوت النبوة والرسالة بل استدلال على صحتها وثبوتها في حق من هذا شأنه فهذا معرفة منها بمراد الرب تعالى وما يفعله، من أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته وإحسانه ومجازاته المحسن بإحسانه، وأنه لا يضيع أجر المحسنين. وقد كانت الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده، ولم يكن أحد منهم يظهر له مراد رسول الله ﷺ ثم يعدل عنه إلى غيره البتة.
стр. 8737
والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه وتارة من عموم علته، والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر، وقد يعرض لكل من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم فيعرض لأرباب الألفاظ التقصير بها من عمومها وهضمها تارة وتحميلها فوق ما أريد بها تارة، ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ.
ثم قال [٣/١١٩، ١٢٠] :
ومما يوضح ما ذكرناه – من أن المقصود في العقود معتبرة دون الألفاظ المجردة التي لم تقصد بها معانيها وحقائقها أو قصد غيرها – أن صيغ العقود (بعت) و (اشتريت) و (تزوجت) و (أجرت) إما إخبارات وإما إنشاءات وإما أنها متضمنة للأمرين، فهي إخبارات عما في النفس من المعاني التي تدل على العقود وإنشاءات لحصول العقود في الخارج، فلفظها موجب لمعناها في الخارج، وهي إخبار عما في النفس من تلك المعاني ولا بد في صحتها من مطابقة خبرها لمخبرها.
ثم قال: وقد تقدم أن صيغ العقود إخبارات لما في النفس من المعاني التي هي أصل العقود ومبدأ الحقيقة التي بها يصير اللفظ كلامًا معتبرًا، فإنها لا تصير كلامًا معتبرًا إلا إذا قورنت بمعانيها فتصير إنشاء للعقود والتصرفات من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم وبها وجد، وإخبارات من حيث دلالتها على المعاني التي في النفس، فهي تشبه في اللفظ (أحببت) أو (أبغضت) و (كرهت) ، وتشبه في المعنى (قم) و (اقعد) ، وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها – حقيقةً أو حكمًا – ما جعلت له، وإذا لم يقصد بها ما يناقض معناها، وهذا فيما بينه وبين الله تعالى، فأما في الظاهر فالأمر محمول على الصحة وإلا ما تم عقد ولا تصرف، فإذا قال (بعت) أو (تزوجت) كان هذا اللفظ دليلا على أنه قصد معناه المقصود به وجعله الشارع بمنزلة القاصد إن كان هازلا، وباللفظ والمعنى جميعًا يتم الحكم فكل منها جزء السبب، وهما مجموعة وإن كانت العبرة في الحقيقة بالمعنى واللفظ دليل، ولهذا يصار إلى غيره عند تعذره، وهذا شأن عامة أنواع الكلام فإنه محمول على معناه المحمول منه عند الإطلاق لا سيما الأحكام الشرعية التي علَّق الشارع بها أحكامها، فإنَّ المتكلم عليه أن يقصد بتلك الألفاظ معانيها، والمستمع عليه أن يحملها على تلك المعاني، فإذا لم يقصد المتكلم بها معانيها بل تكلم بها غير قاصد لمعانيها أو قاصدًا لغيرها أبطل الشَّارع عليه قصده، فإن كان هازلا أو لاعبًا لم يقصد المعنى ألزمه الشارع المعني كمن هزل بالكفر والطلاق والنكاح والرجعة، بل لو تكلم الكافر بكلمة الإسلام هازلًا ألزم به وجرت عليه أحكامه ظاهرًا، وإن تكلم بها مخادعًا ماكرًا محتالا مظهرًا خلاف ما أبطن لم يعطه الشارع مقصوده.
стр. 8738
الفصل السادس
العرف فيصلا في التشريع
وردت كلمة (عرف) و (معروف) في القرآن الكريم بمعنى الإحسان أو القصد أو العدل سبعًا وعشرين، واحدة منها بصيغة (عرف) ، وست وعشرون بصيغة (المعروف) تعليق: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الآية ١٩٩ من سورة الأعراف] . ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [الآية ١٧٨ من سورة البقرة] . ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [الآية ١٨٠من سورة البقرة] . ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الآية٢٢٨ من سورة البقرة] . ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [الآية ٢٢٩ من سور البقرة] . ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الآية ٢٣١ من سورة البقرة] . ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الآية ٢٣١ من سورة البقرة] . ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الآية ٢٣٢ من سورة البقرة] ، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الآية ٢٣٣ من سورة البقرة] . ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الآية ٢٣٣ من سورة البقرة] . ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الآية ٢٣٦ من سورة البقرة] . ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ [الآية ٢٤٠ من سورة البقرة] . ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [الآية ٢٤١ من سورة البقرة]
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [الآية ٢٦٣ من سورة البقرة] . ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الآية ٦ من سورة النساء] . ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [الآية ٢١ من سورة محمد] . ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الآية ١٢ من سورة الممتحنة] . ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الآية ٢ من سورة الطلاق] . ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الآية ٢ من سورة الطلاق] . ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الآية ٦ من سورة الطلاق] . ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الآية ٢٣٥ من سورة البقرة] . ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الآية ٥ من سورة النساء] . ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الآية ٨ من سورة النساء] . ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [الآية ١٥ من سورة لقمان] ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الآية ٦ من سورة الأحزاب] . ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الآية ٣٢ من سورة الأحزاب] . .
стр. 8739
وقد تواطأ أهل اللغة والمفسرون والأصوليون والفقهاء تواطُؤًا يكاد يكون تامًّا في تفسير كلمة (العرف) و (المعروف) بالإحسان والعدل والقصد والعادة وما شاكل ذلك.
قال ابن منظور في [لسان العرب: ٩/٢٣٩] :
وقوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ، أي مصاحبا معروفًا، قال الزجاج: العروف هنا ما يستحسن من الأفعال.
ثم قال:
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ ، قال بعض المفسرين فيها: أنها أرسلت بالعرف والإحسان. وقيل: يعني الملائكة أرسلوا للمعروف والإحسان. والعرف والعارفة والمعروف واحد ضدَّ النكر وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتبسأ (١) به وتطمئن إليه.
ثم قال:
وقد تكرر ذكر (المعروف) في الحديث وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات وهو من الصفات الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه.
وقال الراغب في [المفردات: ص٤٩٦] :
والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه والمنكر ما ينكر بهما.
قال تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٤] .
وقال: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة لقمان: الآية ١٧] .
وقال: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٢] .
стр. 8740
ولهذا قيل للاقتصاد في الجود معروف لما كان ذلك مستحسنًا في العقود وبالشرع، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء: الآية ٦] .
وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [سورة النساء: الآية ١١٤] .
وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٢] .
وقوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٦٣] ، أي رد بالجميل ودعاء خير من صدقة كذلك.
والعرف والمعروف من الإحسان.
قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩] .
وقال الرازي في: [التفسير الكبير: المجلد ٣، ٥ /٥٩] في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٧٩] .
البحث الثالث: (الاتباع بالمعروف) أن لا يشدَّد بالمطالبة بل يجرى فيها على العادة.
وقال محمد الطاهر بن عاشور في [التحرير والتنوير: ٢/٤٠٠] ، عند تفسير قوله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨] .
والمراد به – أي بالمعروف – ما تعرف العقول السالمة المجردة من الانحياز إلى الأهواء أو العادات أو التعاليم الضّالة، وذلك هو الحسن، وهو ما جاء به الشرع نصًّا، أو قياسًا، أو اقتضته المقاصد الشرعية، أو المصلحة العامة التي ليس في الشرع ما يعارضها.
والعرب تطلق المعروف على ما قابل المنكر.
ثم قال محمد الطاهر بن عاشور [ص٤٠٧] .
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٩] .
والمعروف هنا هو ما عرفه الناس في معاملاتهم من الحقوق التي قررها الإسلام أو قررتها العادات التي لا تنافي الإسلام.
стр. 8741
ثم قال في [التحرير والتنوير: ٩/٢٧٧] عند تفسير هذه الآية:
والعرف اسم مرادف للمعروف من الأعمال، وهو العمل الذي تعرفه النفوس، أي لا تكره إذا خليت وشأنها بدون غرض لها في ضده. وقد دل على مرادفته للمعروف قول النابغة:
(فلا النكر معروف ولا العرف ضائع) .
فقابل النكر بالعرف.
وقال الرازي في [التفسير الكبير: المجلد ٨، ١٥ /١٠٠] في معرض تأويل هذه الآية:
والعرف والعارفة والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به وأن وجوده خير من عدمه
***
وقد ورد في الحديث الشريف من القول والفعل ما يثبت العمل بالعرف على اختلاف أنواعه التي ألمعنا إليها آنفًا، وسنعود إلى تبيان البعض بعد قليل، وما نريد أن نسوق من ذلك أكثر من أربعة نماذج أحدها لم نقصد إليه لذاته وإنما جاء في معرض كلام للبخاري – ﵀ – رأينا من المفيد أن نسوقه، فنقلنا عنه طريقًا من طرقه وهي حسبنا ذلك هو حديث هند أم معاوية.
стр. 8742
قال البخاري في [صحيحه: ٣/٣٦] باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة:
وقال شريح (١) للغزالين: (سنتكم بينكم) ، وقال.................. عبد الوهاب (٢) عن أيوب........................ (٣) . عن محمد (٤) : (لا بأس العشرة بأحد عشر ويأخذ النفقة) ربحًا. وقال النبي ﷺ لهند: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ واكترى الحسن من عبد الله بن مرداس حمارًا فقال: بكم؟ قال: بدانقين، فركبه ثم جاء مرة أخرى فقال: الحمار الحمار فركبه ولم يشارطه فبعث إليه بنصف درهم. ثم قال: حدثنا أبو النعيم، حدثنا سفيان، عن هشام، عن عروة، عن عائشة – ﵂ – قالت: ((قالت هند أم معاوية لرسول الله ﷺ : إنَّ أبا سفيان رجل شحيح فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرًّا، قال: خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف)) .
حدثني إسحاق حدثنا ابن نمير أخبرنا هشام. وحدثني محمد قال: سمعت عثمان بن خرقد قال: سمعت هشام بن عروة يحدث. عن أبيه أنه سمع عائشة – ﵂ – تقول: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنزلت في أموال اليتيم الذي يقيم ويصلح في ماله وإن كان فقيرًا أكل بالمعروف. قال ابن حجر في [فتح الباري: ٤/٣٣٨] تعقيبًا على هذه الترجمة – باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والكيل والوزن، وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة.
стр. 8743
قال ابن المنير: وغيره مقصود بهذه الترجمة إثبات الاعتماد على العرف وأنه يقضي به على ظواهر الألفاظ، ولو أن رجلا وكَّل رجلا في بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي عرف الناس لم يجز، وكذا لو باع موزونًا أو مكيلًا بغير الكيل والوزن المعتاد. وذكر القاضي الحسين من الشافعية أنَّ الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي بني عليها الفقه، فمنها الرجوع إلى العرف في معرفة أسباب الأحكام من الصفة الإضافة كصغر ضبَّة الفِضَّة وكبرها، وغالب الكثافة في اللحية ونادرها، وقرب منزله وبعدِه وكثرة فعل أو كلام وقلته في الصلاة، ومقابلا بعوض في البيع وعينًا، وثمن مثل، ومهر مثل، وكفء نكاح، ومئونة، ونفقة، وكسوة، وسكنى، وما يليق بحال الشخص من ذلك ومنها الرجوع إليه في المقادير كالحيض، والطهر، وأكثر مدة الحمل، وسِنِّ اليأس، ومنها الرجوع إليه في فعل غير منضبط (يترتب) – كذا ولعل صوابه: تترتب – عليه الأحكام كإحياء الموات، والإذن في الضيافة ودخول بيت قريب وتبسط مع صديق، وما يعد قبضًا وإيداعًا وهدية وغصبًا، وحفظ وديعة، وانتفاعًا بعارية. ومنها الرجوع إليه في أمر مخصص كألفاظ الأيمان، والوقف والوصية والتفويض، ومقادير المكاييل والموازين وغير ذلك.
وأما الثلاثة الأخرى فقصدنا قصدًا إلى نقلها وإيراد كل واحد منها من عدة طرق لما سيتبينه القارئ بعد قليل، أما أولها فقوله ﷺ : ((الوزن وزن أهل المدينة ... )) الحديث.
قال عبد الرزاق في [مصنفه: ٨/٦٧، ح ١٤٣٣٥] :
أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه أنَّ النبي ﷺ قال: ((المكيال على مكيال أهل مكّة والوزن على وزن أهل المدينة)) .
١٤٣٣٦- أخبرنا معمر عن أيوب، عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله ﷺ : ((المكيال مكيال أهل المدينة والميزان ميزان أهل مكة)) .
١٤٣٣٧- عن الثوري، عن رجل، عن عطاء مثله.
وقال أبو عبيد في [الأموال: ٦٩٦، الأثر ١٦٠٦] (بتصرف) .
سمعت إسماعيل بن عمرو الواسطي، يحدث عن سفيان، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاووس، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: ((المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة)) . وبعضهم يرويه: ((الميزان ميزان المدينة والمكيال مكيال مكة)) .
стр. 8744
وقال ابن حبان في [الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، علاء الدين الفارسي: ٥/١١٩، ١٢٠، ح٣٢٧٢] :
أخبرنا عمر بن محمد الهمذاني، حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان بن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاووس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة)) .
٣٢٧٣- أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري.
قال ابن خزيمة: وحدثنا محمد بن عبد الله الهاشمي، حدثنا أبو مروان العثماني، حدثنا عبد العزيز بن أبي حزم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ((أن رسول الله ﷺ قيل له: يا رسول الله، صاعنا أصغر الصيعان ومدنا أصغر الأمداد، فقال له رسول الله ﷺ : اللهم بارك لنا في صاعنا وبارك لنا في قليلنا وكثيرنا واجعل لنا مع البركة بركتين)) .
وتعقبه بقوله: في ترك إنكار المصطفى حيث قالوا: ((صاعنا أصغر الصيعان)) ، بيان واضح أن صاع أهل المدينة أصغر الصيعان ولم يختلف أهل العلم من لدن الصحابة إلى يومنا هذا في الصاع وقدره إلا ما قاله الحجازيون والعراقيون فزعم الحجازيون أن الصاع خمسة أرطال وثلث. وقال العراقيون: الصاع ثمانية أرطال. فلمّا لم نجد بين أهل العلم خلافا في قدر الصاع إلا ما وصفنا صح أن صاع النبي ﷺ كان خمسة أرطال وثلث، إذ هو أصغر الصيعان وبطل قول من زعم أن الصاع ثمانية أرطال من غير دليل ثبت له على صحته.
وقال أبو داود في [سننه: ٣/٢٤٦، ح ٣٣٤٠] :
حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ابن دكين، حدثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاووس، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوزن وزن أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة)) .
وتعقبه بقوله: وكذا رواه الفريابي وأبو أحمد، عن سفيان، وافقهما في المتن. وقال أبو أحمد: عن ابن عباس مكان ابن عمر ورواه الوليد بن مسلم، عن حنظلة قال: وزن المدينة ومكيال مكة.
стр. 8745
قال أبو داود: واختلف في المتن في حديث مالك بن دينار، عن عطاء، عن النبي ﷺ في هذا.
وقال النسائي في [سننه: ٥/٥٤] :
قال أبو عبيد: وحدثنيه زياد بن أيوب، أخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاووس، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: ((المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة)) .
ثم [نفس المرجع: ٧/٢٨٤] .
اخبرنا إسحاق بن إبراهيم عن الملائي عن سفيان.
وأنبأنا محمد بن إبراهيم قال: أنبأنا أبو نعيم، عن سفيان، عن حنظلة عن طاووس، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((المكيال على مكيال أهل المدينة والوزن على وزن أهل مكة)) واللفظ لإسحاق.
وأخرجه البيهقي في [السنن الكبرى: ٦/٣١] ، فقال:
أخبرنا أبو الحسن بن عبدان أنبأ سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاووس، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ((المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة)) .
أخبرنا علي، أنبأنا سليمان بن حنبل، حدثنا نصر بن علي.
وأخبرنا سليمان بن محمد بن الوليد الترسي، حدثنا عمرو بن علي، قالا: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المكيال مكيال أهل مكة والميزان ميزان أهل المدينة)) .
قال سليمان: هكذا رواه أحمد، قال: عن ابن عباس فخالف أبو نعيم في لفظ الحديث والصواب ما رواه أبو نعيم بالإسناد واللفظ.
وأما الثاني فقوله ﷺ : ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)) .
قال أحمد في [مسنده: ١/١٦٢] :
حدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا أبو عوانة، عن سماك عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: ((مر رسول الله ﷺ على قوم في رءوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى قال: ما أظن ذلك يغني شيئًا فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله ﷺ فقال: إن كان ينفعهم فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذني بالظن ولكن إذا أخبرتكم عن الله بشيء فخذوه فإني لن أكذب على الله شيئًا)) .
قلت: هذا الحديث من هذا الطريق ليس فيه ذكر لقوله ﷺ : ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)) أو ما في معناه مما سيأتي في طرقه الأخرى وإنما سقناه استكمالا لما بين أيدينا من طرقه.
стр. 8746
ثم قال: [٣/١٥٢] :
حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس قال: ((سمع رسول الله ﷺ أصواتًا فقال: ما هذا؟ قالوا: يلقحون النخل فقال: لو تركوه فلم يلحقوه لصلح. فتركوه فلم يلقحوه فخرج شَيْصًا)) (١) ((فقال النبي ﷺ : ما لكم؟ قالوا: تركوه لما قلت. فقال رسول الله ﷺ : إذا كان شيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم به، فإذا كان من أمر دينكم فإلى)) .
وقال مسلم في [صحيحه: ٤/١٨٣٥، ١٨٣٦، ح٢٣٦١] :
حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي وأبو كامل الجحدري وتقاربا في اللفظ وهذا حديث قتيبة قالا: حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: ((مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رءوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح فقال رسول الله ﷺ : ما أظن يغني ذلك شيئًا قال: فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنَّما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله ) .
٢٣٦٢- حدثنا عبد الله بن الرومي اليمامي وعباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعفري قالوا: حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة – وهو ابن عمار-، حدثنا أبو النجاشي، حدثني رافع بن خديج قال: ((قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يأبرون النخل. يقولون: يلقحون النخل. فقال: (ماتصنعون؟) ، قالوا: كنا نصنعه. قال: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا) ، فتركوه. فنفضت أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له فقال: ((إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي، فإنما أنا بشر)) )) .
قال عكرمة أو نحو هذا.
قال المعفري: فنفضت. ولم يشك.
٢٣٦٣- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد، كلاهما عن الأسود بن عامر، قال أبو بكر: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ مرّ بقوم يلقحون. فقال: ((لو لم تفعلوا لصلح)) . قال: فخرج شيصًا. فمرَّ بهم فقال: ((ما لنخلكم؟)) قالوا: قلت كذا وكذا. قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم)) .
قال ابن ماجه في [سننه: ٢/٨٢٥، ح٢٤٧٠] :
حدثنا علي بن محمد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن سماك، أنه سمع موسى بن طلحة بن عبيد الله يحدَّث عن أبيه، قال: مررت مع رسول الله ﷺ في نخل، فرأى قومًا يلَّقحون النَّخل، فقال: ((ما يصنع هؤلاء؟)) ، قالوا: يأخذون من الذَّكر فيجعلونه في الأنثى، قال: ((ما أظن ذلك يغني شيئًا)) ، فبلغهم فتركوه. فنزلوا عنها. فبلغ النبي ﷺ ، فقال: ((إنما هو الظن. إن كان يغني شيئًا فاصنعوه. فإنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب. ولكن ما قلت لكم: قال الله – فلن أكذب على الله)) .
стр. 8747
٢٤٧١- حدثنا محمد بن يحيى. حدثنا عفان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ النبي ﷺ سمع أصواتًا فقال:: ((ما هذا الصوت؟)) قالوا: النخل يؤبرونها. فقال: ((لو لم يفعلوا لصلح)) فلم يؤبروا عامئذٍ، فصار شيصًا. فذكروا النبي ﷺ ، فقال: ((إن كان شيئًا من أمر دنياكم، فشأنكم به. وإن كان من أمور دينكم، فإليَّ)) .
قال الهيثمي في (مجمع الزوائد: ١/١٧٩] :
وعن جابر بن عبد الله ((أن النبي ﷺ مرّ بقوم يلقحون النخل، فقال: ما أرى هذا يغني شيئا فتركوها ذلك العام فشيصت فأخبر النبي ﷺ فقال: أعلم بصلحكم في دنياكم)) .
وتعقبه بقوله: رواه والطبراني في الأوسط بمعناه وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط.
وأمّا الثالث: فقوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنًا ... )) الحديث.
قال أحمد في [مسنده: ١/٣٧٩] :
حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سيء.
قال أبو داود الطيالسي في [مسنده: ١/٣٣، ح٢٤٧] :
حدثنا المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدًا فبعثه برسالاته وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده، فاختار له أصحابه فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه ﷺ ، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه – كذا ولعل صوابه: رأوه – قبيحًا فهو عند الله قبيح.
وقال الخطيب البغدادي في [الفقيه والمتفقه: ١/١٦٦، ١٦٧] .
أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسين بن محمد القاسم المخزومي، حدثنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي إملاء، حدثنا عمر بن حفص السدوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن معسود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدًا فبعثه برسالته وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس فاختار أصحابه فجعلهم وزراء نبيه وأنصار دينه فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح.
стр. 8748
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا أحمد بن إسحاق، عن نيخاب الطيبي، حدثنا صالح بن محمد الأزاذواري، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا معاوية، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله: ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المؤمنون سيئًا فهو عند الله سيئ.
قال البغوي في [شرح السنة: ١/٢١٤، ٢١٥، ح١٠٥] :
اخبرنا أبو الفتح نصر بن علي بن أحمد الحاكم الطوسي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو الفضل العباس بن محمد الدوري، حدثنا أبو النضرحدثنا المسعودي، حدثنا عبد الرحمن، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: إن الله تعالى أطَّلع في قلوب العباد فاختار محمدًا فبعثه برسالته وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعدُ فاختار له أصحابًا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح.
وحدثنا أحمد بن عبد الله الصَّالحي أخبرنا أبو بكر الحميري، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو عتبة، حدثنا بقية، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله هو المسعودي بهذا الإسناد مثله.
أخرج الطبراني في [المعجم الكبير: ٩/١١٢، ح ٨٥٨٢] حديث زّر كما رواه أحمد بسنده، لكن إلى قوله: ((يقاتلون على دينه)) .
ثم أخرج [ح ٨٥٨٣] حديث أبي وائل فقال:
حدثنا عمر بن حفص السدوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا المسعودي، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن أبي مسعود قال: وساق الحديث بلفظ الخطيب.
стр. 8749
ثم قال [ص١١٥، ح٨٥٩٣] :
حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا عبيد الله بن يعيش، حدثنا علي بن قادم، عن عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: إن الله اطّلع على قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فذكر نحو حديث عاصم. وذكر محقّق (المعجم) حمدي عبد المجيد السلفي أنّ أبا سعيد الأعرابي أخرجه في [معجمه: ٢/٨٤] .
وقال الهيثمي في [مجمع الزوائد: ١/١٧٧، ١٧٨] بعد أن ساق الحديث لكن بلفظ أحمد:
((وما رآه المسلمون سيئًا فهو – عند الله – سيء)) . رواه أحمد والبزار والطبراني في (الكبير) ورجاله موثقون.
وقال السخاوي في [المقاصد الحسنة: ص٣٦٧، ح ٩٥٩] :
حديث ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو – عند الله – حسن)) . أحمد في كتاب السنة ووهم من عزاه للمسند (كذا) .
قلت: الوهم هو السخاوري فقد رواه أحمد في المسند، وعنه نقلناه آنفًا.
ثم قال:
من حديث أبي وائل، عن ابن مسعود. وساق الحديث كاملا.
ثم قال:
وهو موقوف حسن، وكذا أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود من الحلية بل هو عند البيهقي في الاعتقاد من وجه آخر عن ابن مسعود.
وقال العجلوني في [كشف الخفاء: ٢/٢٦٣، ح ٢٢١٤] : بعد أن ساق كلام السخاوري ولم ينسبه:
وفي شرح الهداية للعيني روى أحمد بسنده عن ابن مسعود. وساق الحديث، وخلط بين لفظ أحمد ولفظ الطبراني.
стр. 8750
ثم قال:
وقال الحافظ بن عبد الهادي: روي مرفوعًا عن أنس بإسناد ساقط والأصح وقفه على ابن مسعود.
حديث وائل عن ابن مسعود: (إنَّ الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدًا ﷺ ، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحابًا فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو – عند الله – حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو- عند الله – قبيح) . وقد استشهد به الرازي في [المحصول: ج١ القسم ٢ ص١٢٩، ١٣١] ، في السياق، الدليل الثالث عشر من أدلة الغزالي ومن شايعه من القائلين: إنَّ صيغة (افعل) حقيقة لما في الوجوب فقط، أو في الندب فقط، أو فيهما معًا بالاشتراك، لكنا لا ندري ما هو الحق من هذه الأقسام الثلاثة فلا جرم توقفنا في الكل.
وفي الدليل الثالث عشر هذا، أنَّ الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعًا من الترك.
وإنما قلنا- يعني الغزالي ومن شايعه- أنَّه يفيد الرجحان لأن المأمور به إن لم تكن مصلحته راجحة لكان إما أن يكون خاليًا من المصلحة أو تكون مصلحته مرجوحة أو تكون مساوية للمفسدة.
فإن كان خاليًا من مصلحة كان محض المفسدة، فلا يجوز ورود الأمر به، وإن كان مصلحة مرجوحة فذلك القدر من المصلحة يصير معارضًا بمثله من المفسدة فيبقى القدر الزائد من المفسدة خاليًا من المعارض فيكون ورود الأمر به أمرًا بالمفسدة الخالصة فيعود إلى القسم الأول.
وإن كانت مصلحته معادلة للمفسدة كان ذلك عبثًا وهو غير لائق بالحكيم.
وإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أن تكون مصلحة خالية من المفسدة وإن كان فيه شيء من المفاسد، ولكن تكون مصلحته زائدة وعلى التقديرين يثبت رجحان المصلحة.
وإذا ثبت هذا فنقول: وجب أن لا يرد الأمر بالترك لأنَّ الإذن في تفويت المصلحة الخالصة لأنه إذا وجدت مفسدة مرجوحة فتصير هي معارضة بما يعادلها من المصلحة فيبقى القدر الزائد من المصلحة الخاصة خالصة وإن لم توجد مفسدة أصلا كانت المصلحة خالصة فيكون الإذن في تفويته إذنًا في تفويت المصلحة الخالصة عن شوائب المفسدة وذلك غير جائز عرفًا فوجب أن لا تجوز شرعًا لقوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو – عند الله – حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو – عند الله – قبيح)) .
стр. 8751
فمقتضى هذه الدلالة أن لا يوجد شيء من المندوبات البتة ترك العمل به في حق البعض تخفيفًا من الله تعالى على العباد فوجب أن يبقى الباقي على حكم الأصل.
فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بوجه آخر وهو أنه كما في الإذن في تفويت المصلحة الخالصة قبيح عرفًا، فكذا إلزام المكلف استيفاء المصلحة بحيث لو لم يستوفها لاستحق العقاب، قبيح أيضًا لأنه يصير حاصل الأمر أن يقول الشرع: استوف هذه المنافع لنفسك وإلا عاقبتك وهذا قبيح.
والجواب: ما ذكرتموه قائم في كل التكاليف، فلو كان ذلك معتبرًا لما ثبت شيء من التكاليف.
وقال محقق (المحصول) طه فياض:
وهو بعض الحديث المشهور اختلف في رفعه أو وقفه، عن ابن مسعود وهو ما رواه أحمد في كتاب السنة من حديث أبي وائل، عن ابن مسعود بلفظ. (وساق الحديث) .
ثم عاد الرازي في [المحصول: ج١ القسم ٣ ص٣٠، ٣١] ، فاستشهد بهذا الحديث في معرض بيانه لاختلافهم في: هل يجوز أو لا يجوز التمسك بالعام ما لم يستقص في طلب المخصص؟ فقال:
وقال الصيرفي: يجوز التمسك به – أي بالعامّ – ابتداء ما لم تظهر دلالة مخصصة.
واحتج الصَّيرفي بأمرين:
أحدهما: لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب أنه هل وجد مخصّص أم لا؟ لما جاز التمسك بالحقيقة إلا بعد طلب أنه هل وجد ما يقتضي صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز؟ وهذا باطل فذاك مثله.
بيان الملازمة: أنه لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص لكان ذلك لأجل الاحتراز عن الخطأ المحتمل وهذا المعنى قائم في التمسك بحقيقة اللفظ، فيجب اشتراكهما في الحكم.
بيان أنَّ التمسك بالحقيقة لا يتوقف على طلب ما يوجب العدول إلى المجاز هو أن ذلك غير واجب في العرف بدليل أنهم يحملون الألفاظ على ظواهرها من غير بحث عن أنه هل وجد ما يوجب العدول أم لا؟
стр. 8752
وإذا وجب ذلك في العرف وجب في الشرع لقوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو – عند الله – حسن ... إلخ)) .
قلت: دأب أغلب الأصوليين على الاستشهاد بهذا الحديث باعتباره دليلًا من أدلة الإجماع، وعندي أنَّ هذا وهم؛ ذلك بأنَّ (أل) في حديث (ما رآه المسلمون) ، وإن كانت لاستغراق الجنس لا تعني جماعة المسلمين كافة، فقد تأتي (أل) الاستغراقية ويراد بها الجمهور أو الأغلب أو ما شاكل ذلك، ولا سبيل إلى اعتبارها كلّما وردت دليلًا على الاستغراق المطلق الشامل.
قال ابن هشام في [المغني: ٧٣] ، في معرض ذكره لدلالة (أل) :
والجنسية أمَّا لاستغراق الأفراد، وهي التي تخلفها (كل) حقيقة نحو: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: الآية ٢٨] ، ونحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [سورة العصر: الآية٢] ، أو لاستغراق خصائص الأفراد وهي التي تخلفها (كل) مجازًا نحو: زيد الرجل علمًا أي الكامل في هذه الصفة ومنه ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢] ، أو لتعريف الماهية وهي التي لا تخلفها (كل) لا حقيقةً ولا مجازًا نحو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية٣٠] . وقولك: والله لا أتزوَّج النساء، أو لا ألبس الثياب، ولهذا يقع الحنث بالواحد منهما، وبعضهم يقول في هذه إنّها لتعريف العهد فإن الأجناس أمور معهودة في الأذهان متميز بعضها عن بعض ويقسم المعهود إلى شخص وجنس ... إلخ) .
وعندي أنَّ اعتبار (أل) في (ما رآه المسلمون) للجنس المعهود هو الأولى، ذلك بأنَّ استحسان المسلمين لشيء لا يتوقف على إجماعهم على استحسانه ضرورة أنهم ليسوا بحاجة لإثبات حسنه إلى أن يجمعوا على ذلك بحسبه أن يراه غيرهم حسنًا ليثبت حسنه، ولا سبيل على القول بأنَّ استحسان البعض وسكوت الباقين قد يعتبر من الإجماع السكوتي عند من قال به، إذ يرد مثل هذا القول بأن ما قد يستحسنه البعض منهم بل قد ينكره، ومن ذلك استحسانهم الاحتفال بالمولد النبويّ، ففي المسلمين من لا يراه حسنًا بل فيهم من ينكره ويراه بدعة، ومع ذلك فإن جمهور المسلمين لم يعدلوا عنه لرأي هؤلاء أو أولئك، فهو عندنا داخل في قوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنًا)) . الحديث.
واعتبارًا لهذا ولأنَّ الحديث عندنا ليس دليلًا على حجية الإجماع فهو إذن دليل على نوع من العرف غفل عنه بعض الأصوليين، وهو عرف المسلمين أو بالأحرى عرف جمهور المسلمين، وهو مرتبة بين الإجماع وبين العرف الذي هو العادة والذي اعتمده جماهرة الأصوليين باعتباره مصدرًا من مصادر التشريع يصار إليه عند عدم وجود نصّ أو إجماع عند من لا يقول بالقياس أو عدم وجود أساس قياسي عند من لا يقول بالقياس الخفي أو شبه القياس.
стр. 8753
ولا مجال للتردد في اعتبار العادة ملحوظة في التشريع الإسلامي، لأنَّ الشريعة وخاصة في المعاملات وفي كل ما ليس من العبادات الصرفة جاءت لتنظيم تصرفات البشر كما وجدتها، لكن بحيث لا تخرج من إطار العدل وبحيث تتكيف مع الإطار التشريعي العام الذي يجعل من كل تصرف بشري مجالًا من مجالات التعبد حتى وإن يكن دنيويًّا صرفًا لأن من مقاصد الشريعة الإسلامية أن تجعل المسلم في جميع حالاته متصلا بالله متعبدًا له. وفي الحديث الشريف المشهور ((وفي بضع آحادكم صدقة)) تعليق: الحديث أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم بطرق وألفاظ مختلفة. قال أحمد في [مسنده: ٥/١٥٤] : حدثنا يعلي بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر يصلون ويصومون ويحجون قال: وأنتم تصلون وتصومون وتحجون قلت: يتصدقون ولا نتصدق قال: وأنت فيك صدقة , رفعك العظم عن الطريق صدقة , وهدايتك الطريق وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة , وبيانك عن الأرثم صدقة – الأرثم: هو الذي لا يصحح كلامه ولا يبينه لآفة في لسانه أو أسنانه وأصله من رثم الحصى وهو ما دق منه بالأخفاف أومن رثمت أنفه إذا كسرته حتى أذنيه فكأن فمه قد كسر فلا يفصح في كلامه [ابن الأثير، النهاية: ٢/١٩٦] ، ومباضعتك امرأتك صدقة قال: قلت: يا رسول الله نأتي شهوتنا ونؤجر؟ قال: أرأيت لو جعلته في حرام أكان تأثم؟ قال: قلت: نعم. قال فتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير؟ !
ثم قال [ص١٦٧] :
حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي ذر قال: ((قيل للنبي ﷺ : ذهب أهل الأموال بالأجر فقال النبي ﷺ : إن فيك صدقة كثيرة فذكر فضل سمعك وفضل بصرك قال: وفي مباضعتك أهلك صدقة فقال أبو ذر: أيؤجر أحدنا في شهوته؟! قال: أرأيت لو وضعته في غير حل أكان عليك وزر؟ قال: نعم. قال: أتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير؟!)) .
حدثنا عارم وعفان قالا: حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر قال: ((قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: فقال رسول الله ﷺ : أو ليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة وبكل تحميدة صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قال: قالوا يارسول الله أيأتي أحدنا شهوته يكون بها أجر؟! قال: أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. قال عفان: تصدقون وقال: وتهليلة وتكبيرة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بُضْع)) .
ثم قال [ص١٦٨، ١٦٩] :
حدثنا وهب بن جرير، حدثنا مهدي بن ميمون، عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر قال ((قيل يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إنه بكل تسبيحة صدقة وبكل تكبيرة صدقة وبكل تهليلة صدقة وبكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أليس كان يكون عليه وزر أو الوزر؟ قالوا: بلى قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون الأجر)) . ثم قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا علي – يعني ابن المبارك - عن يحيى، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، قال أبو ذر ((على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه قلت: يا رسول الله من أين أتصدق وليس لنا أموال قال: لأن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر وتهدي الأعمى وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك أبواب الصداقة منك على نفسك ولك في جماعك زوجتك أجر. قال أبو ذر: وكيف يكون أجر في شهوتي؟! فقال رسول الله ﷺ : أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره أكنت تحتسب به؟ قال: نعم، قال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلقه، قال: فأنت هديته؟ قال: بل الله هداه، قال فأنت ترزقه؟ قال: بل الله كان يرزقه قال: كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر)) .
стр. 8754
وقال مسلم في [صحيحه: ٢/٦٩٧، ٦٩٨، ح١٠٠٦] :
حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ ((قالوا للنبي ﷺ ، يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموال، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر وفي بُضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) .
وقال أبو داود في [سننه: ٢/٢٦، ٢٧، ح ١٢٨٥] :
حدثنا أحمد بن منيع، عن عباد بن عباد.
وحدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد (المعنى) .
عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال ((يصبح على كل سلامى من بني آدم صدقة: تسليمه على من لقي صدقة ونهيه عن المنكر صدقة وإماطته الأذى عن الطريق صدقة وبُضعة أهله صدقة ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحى)) .
وتعقبه أبو دواود بقوله: وحديث عباد أتم ولم يذكر مسدد الأمر والنهي وزاد في حديثه: وقال: كذا وكذا، وزاد ابن منيع في حديثه ((قالوا: يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته وتكون له صدقة؟! قال: أرأيت لو وضعها في غير حلِّها ألم يكن يأثم؟))
ثم قال [٤/٣٦٢، ح ٥٢٤٣] :
حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد.
وحدثنا أحمد بن منيع، عن عباد بن عباد وهذا لفظه وهو أتم من واصل ... وساق الحديث. .
قال الشاطبي ﵀ في [الاعتصام: ٢/٧٩] :
ثبت في الأصول الشرعية أنه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي.
وقال- ﵀ في [الموافقات: ٢/٢٧٩، ٢٨١] :
لما كان التكليف مبنيا على استقرار عوائد المكلفين - قلت: لا حظ جيدا قوله: (على استقرار عوائد المكلفين) - وجب أن ينظر في حكم العوائد لما ينبني عليها بالنسبة إلى دخول المكلف تحت حكم التكليف.
فمن ذلك أن مجاري العادات في الوجود أمر معلوم لا مظنون، وأعني في الكليات لا في خصوص الجزئيات، والدليل على ذلك أمور:
أحدها: أن الشرائع بالاستقراء إنما جيء بها على ذلك ولنعتبر بشريعتنا فإن التكاليف الكلية فيها بالنسبة إلى من يكلف من الخلق موضوعة على وِزَان واحد، وعلى مقدار واحد، وعلى ترتيب واحد، لا اختلاف فيه بحب متقدم ولا متأخر. وذلك واضح في الدلالة على أن موضوعات التكليف – وهي أفعال المكلفين- كذلك. وأفعال المكلفين إنما تجري على ترتيبها إذا كان الوجود باقيًا على ترتيبه، ولو اختلفت العوائد في الموجودات لاقتضى ذلك اختلاف التشريع واختلاف الترتيب واختلاف الخطاب فلا تكون الشريعة على ما هي عليه، وذلك باطل.
الثاني: أن الإخبار الشرعي قد جاء بأحوال هذا الوجود على أنها دائمة غير مختلفة إلى قيام الساعة كالإخبار عن السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من المنافع والتصاريف والأحوال، وأن سنَّة الله لا تبديل لها وأنَّ ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [سورة الروم: الآية ٣٠] ، كما جاء بإلزام الشرائع على ذلك الوِزَان أيضًا، والخبر من الصادق لا يكون بخلاف مخبره بحال، فإن الخلاف بينهما محال.
стр. 8755
الثالث: أنه لولا أنَّ اطَّراد العادات معلوم لما عرف الدين من أصله فضلا عن تعرف فروعه لأن الدين لا يعرف إلا عند الاعتراف بالنبوة، ولا سبيل إلى الاعتراف بها إلا بواسطة المعجزة، ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة، ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا بعد تقرير اطِّراد العادة في الحال والاستقبال كما اطَّردت في الماضي، ولا معنى للعادة إلا أنَّ الفعل المفروض لو قدر وقوعه غير مقارن للتحدِّي لم يقع إلا على الوجه المعلوم في أمثاله، فإذا وقع مقترنًا بالدعوة خارقًا للعادة علم أنه لم يقع كذلك مخالفًا لما اطرد إلا والدَّاعي صادق. فلو كانت العادة غير معلومة لما حصل العلم بصدقه اضطرارًا لأن وقوع مثل ذلك الخارق لم يكن يُدَّعى بدون اقتران الدعوة والتحدى. لكن العلم حاصل على أنَّ ما انبنى عليه العلم معلوم أيضًا وهو المطلوب.
ثم قال [ص٢٨٢، ٢٨٨] :
العوائد المستمرة ضربان:
أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا أو نهى عنها كراهة أو تحريمًا أو أذن فيها فعلا وتركا.
والضرب الثاني: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.
أما الأول: فثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية كما قالوا في سلب العبد أهلية الشهادة، وفي الأمر بإزالة النجاسات، وطهارة المتأهب للمناجاة وستر العورات، وللنهي عن الطواف بالبيت للعري، وما اشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس إمَّا حسنة عند الشارع أو قبيحة، فإنَّها من جملة الأمور الداخلة تحت حكم الشرع، فلا تبديل لها وإن اختلفت آراء المكلفين فيهان فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحًا ولا القبيح حسنًا حتى يقال مثلا: إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنجزه أو أن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح فلنجزه أو غير ذلك إذ لو صحَّ مثل هذا لكان نسخًا للأحكام المستقرة المستمرة والنسخ بعد موت النبي ﷺ باطل فرفع العوائد الشرعية باطل.
وأما الثاني: فقد تكون العوائد ثابتة وقد تتبدل، ومع ذلك فهي أسباب لأحكام تترتب عليها.
فالثابتة كوجود شهوة الطعام والشراب والوقاع والنظر والكلام والبطش والمشي وأشباه ذلك. وإذا كانت أسبابًا لمسببات حكم بها الشارع فلا إشكال في اعتبارها والبناء عليها والحكم على وفقها دائمًا.
والمتبدلة:
منها ما يكون متبدلا في العادة من حسن إلى قبح، والعكس مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية وغير قبيح في البلاد المغربية فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك فيكون عند أهل المشرق قادحًا في العدالة وعند أهل المغرب غير قادح.