فمقتضى هذه الدلالة أن لا يوجد شيء من المندوبات البتة ترك العمل به في حق البعض تخفيفًا من الله تعالى على العباد فوجب أن يبقى الباقي على حكم الأصل.
فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بوجه آخر وهو أنه كما في الإذن في تفويت المصلحة الخالصة قبيح عرفًا، فكذا إلزام المكلف استيفاء المصلحة بحيث لو لم يستوفها لاستحق العقاب، قبيح أيضًا لأنه يصير حاصل الأمر أن يقول الشرع: استوف هذه المنافع لنفسك وإلا عاقبتك وهذا قبيح.
والجواب: ما ذكرتموه قائم في كل التكاليف، فلو كان ذلك معتبرًا لما ثبت شيء من التكاليف.
وقال محقق (المحصول) طه فياض:
وهو بعض الحديث المشهور اختلف في رفعه أو وقفه، عن ابن مسعود وهو ما رواه أحمد في كتاب السنة من حديث أبي وائل، عن ابن مسعود بلفظ. (وساق الحديث) .
ثم عاد الرازي في [المحصول: ج١ القسم ٣ ص٣٠، ٣١] ، فاستشهد بهذا الحديث في معرض بيانه لاختلافهم في: هل يجوز أو لا يجوز التمسك بالعام ما لم يستقص في طلب المخصص؟ فقال:
وقال الصيرفي: يجوز التمسك به – أي بالعامّ – ابتداء ما لم تظهر دلالة مخصصة.
واحتج الصَّيرفي بأمرين:
أحدهما: لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب أنه هل وجد مخصّص أم لا؟ لما جاز التمسك بالحقيقة إلا بعد طلب أنه هل وجد ما يقتضي صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز؟ وهذا باطل فذاك مثله.
بيان الملازمة: أنه لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص لكان ذلك لأجل الاحتراز عن الخطأ المحتمل وهذا المعنى قائم في التمسك بحقيقة اللفظ، فيجب اشتراكهما في الحكم.
بيان أنَّ التمسك بالحقيقة لا يتوقف على طلب ما يوجب العدول إلى المجاز هو أن ذلك غير واجب في العرف بدليل أنهم يحملون الألفاظ على ظواهرها من غير بحث عن أنه هل وجد ما يوجب العدول أم لا؟
стр. 8752
وإذا وجب ذلك في العرف وجب في الشرع لقوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو – عند الله – حسن ... إلخ)) .
قلت: دأب أغلب الأصوليين على الاستشهاد بهذا الحديث باعتباره دليلًا من أدلة الإجماع، وعندي أنَّ هذا وهم؛ ذلك بأنَّ (أل) في حديث (ما رآه المسلمون) ، وإن كانت لاستغراق الجنس لا تعني جماعة المسلمين كافة، فقد تأتي (أل) الاستغراقية ويراد بها الجمهور أو الأغلب أو ما شاكل ذلك، ولا سبيل إلى اعتبارها كلّما وردت دليلًا على الاستغراق المطلق الشامل.
قال ابن هشام في [المغني: ٧٣] ، في معرض ذكره لدلالة (أل) :
والجنسية أمَّا لاستغراق الأفراد، وهي التي تخلفها (كل) حقيقة نحو: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: الآية ٢٨] ، ونحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [سورة العصر: الآية٢] ، أو لاستغراق خصائص الأفراد وهي التي تخلفها (كل) مجازًا نحو: زيد الرجل علمًا أي الكامل في هذه الصفة ومنه ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢] ، أو لتعريف الماهية وهي التي لا تخلفها (كل) لا حقيقةً ولا مجازًا نحو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [سورة الأنبياء: الآية٣٠] . وقولك: والله لا أتزوَّج النساء، أو لا ألبس الثياب، ولهذا يقع الحنث بالواحد منهما، وبعضهم يقول في هذه إنّها لتعريف العهد فإن الأجناس أمور معهودة في الأذهان متميز بعضها عن بعض ويقسم المعهود إلى شخص وجنس ... إلخ) .
وعندي أنَّ اعتبار (أل) في (ما رآه المسلمون) للجنس المعهود هو الأولى، ذلك بأنَّ استحسان المسلمين لشيء لا يتوقف على إجماعهم على استحسانه ضرورة أنهم ليسوا بحاجة لإثبات حسنه إلى أن يجمعوا على ذلك بحسبه أن يراه غيرهم حسنًا ليثبت حسنه، ولا سبيل على القول بأنَّ استحسان البعض وسكوت الباقين قد يعتبر من الإجماع السكوتي عند من قال به، إذ يرد مثل هذا القول بأن ما قد يستحسنه البعض منهم بل قد ينكره، ومن ذلك استحسانهم الاحتفال بالمولد النبويّ، ففي المسلمين من لا يراه حسنًا بل فيهم من ينكره ويراه بدعة، ومع ذلك فإن جمهور المسلمين لم يعدلوا عنه لرأي هؤلاء أو أولئك، فهو عندنا داخل في قوله ﷺ : ((ما رآه المسلمون حسنًا)) . الحديث.
واعتبارًا لهذا ولأنَّ الحديث عندنا ليس دليلًا على حجية الإجماع فهو إذن دليل على نوع من العرف غفل عنه بعض الأصوليين، وهو عرف المسلمين أو بالأحرى عرف جمهور المسلمين، وهو مرتبة بين الإجماع وبين العرف الذي هو العادة والذي اعتمده جماهرة الأصوليين باعتباره مصدرًا من مصادر التشريع يصار إليه عند عدم وجود نصّ أو إجماع عند من لا يقول بالقياس أو عدم وجود أساس قياسي عند من لا يقول بالقياس الخفي أو شبه القياس.
стр. 8753
ولا مجال للتردد في اعتبار العادة ملحوظة في التشريع الإسلامي، لأنَّ الشريعة وخاصة في المعاملات وفي كل ما ليس من العبادات الصرفة جاءت لتنظيم تصرفات البشر كما وجدتها، لكن بحيث لا تخرج من إطار العدل وبحيث تتكيف مع الإطار التشريعي العام الذي يجعل من كل تصرف بشري مجالًا من مجالات التعبد حتى وإن يكن دنيويًّا صرفًا لأن من مقاصد الشريعة الإسلامية أن تجعل المسلم في جميع حالاته متصلا بالله متعبدًا له. وفي الحديث الشريف المشهور ((وفي بضع آحادكم صدقة)) تعليق: الحديث أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم بطرق وألفاظ مختلفة. قال أحمد في [مسنده: ٥/١٥٤] : حدثنا يعلي بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر يصلون ويصومون ويحجون قال: وأنتم تصلون وتصومون وتحجون قلت: يتصدقون ولا نتصدق قال: وأنت فيك صدقة , رفعك العظم عن الطريق صدقة , وهدايتك الطريق وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة , وبيانك عن الأرثم صدقة – الأرثم: هو الذي لا يصحح كلامه ولا يبينه لآفة في لسانه أو أسنانه وأصله من رثم الحصى وهو ما دق منه بالأخفاف أومن رثمت أنفه إذا كسرته حتى أذنيه فكأن فمه قد كسر فلا يفصح في كلامه [ابن الأثير، النهاية: ٢/١٩٦] ، ومباضعتك امرأتك صدقة قال: قلت: يا رسول الله نأتي شهوتنا ونؤجر؟ قال: أرأيت لو جعلته في حرام أكان تأثم؟ قال: قلت: نعم. قال فتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير؟ !
ثم قال [ص١٦٧] :
حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي ذر قال: ((قيل للنبي ﷺ : ذهب أهل الأموال بالأجر فقال النبي ﷺ : إن فيك صدقة كثيرة فذكر فضل سمعك وفضل بصرك قال: وفي مباضعتك أهلك صدقة فقال أبو ذر: أيؤجر أحدنا في شهوته؟! قال: أرأيت لو وضعته في غير حل أكان عليك وزر؟ قال: نعم. قال: أتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير؟!)) .
حدثنا عارم وعفان قالا: حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر قال: ((قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: فقال رسول الله ﷺ : أو ليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة وبكل تحميدة صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قال: قالوا يارسول الله أيأتي أحدنا شهوته يكون بها أجر؟! قال: أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. قال عفان: تصدقون وقال: وتهليلة وتكبيرة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بُضْع)) .
ثم قال [ص١٦٨، ١٦٩] :
حدثنا وهب بن جرير، حدثنا مهدي بن ميمون، عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر قال ((قيل يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إنه بكل تسبيحة صدقة وبكل تكبيرة صدقة وبكل تهليلة صدقة وبكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أليس كان يكون عليه وزر أو الوزر؟ قالوا: بلى قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون الأجر)) . ثم قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا علي – يعني ابن المبارك - عن يحيى، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، قال أبو ذر ((على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه قلت: يا رسول الله من أين أتصدق وليس لنا أموال قال: لأن من أبواب الصدقة التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر وتهدي الأعمى وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف كل ذلك أبواب الصداقة منك على نفسك ولك في جماعك زوجتك أجر. قال أبو ذر: وكيف يكون أجر في شهوتي؟! فقال رسول الله ﷺ : أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره أكنت تحتسب به؟ قال: نعم، قال: فأنت خلقته؟ قال: بل الله خلقه، قال: فأنت هديته؟ قال: بل الله هداه، قال فأنت ترزقه؟ قال: بل الله كان يرزقه قال: كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر)) .
стр. 8754
وقال مسلم في [صحيحه: ٢/٦٩٧، ٦٩٨، ح١٠٠٦] :
حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ ((قالوا للنبي ﷺ ، يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموال، قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر وفي بُضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) .
وقال أبو داود في [سننه: ٢/٢٦، ٢٧، ح ١٢٨٥] :
حدثنا أحمد بن منيع، عن عباد بن عباد.
وحدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد (المعنى) .
عن واصل، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال ((يصبح على كل سلامى من بني آدم صدقة: تسليمه على من لقي صدقة ونهيه عن المنكر صدقة وإماطته الأذى عن الطريق صدقة وبُضعة أهله صدقة ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحى)) .
وتعقبه أبو دواود بقوله: وحديث عباد أتم ولم يذكر مسدد الأمر والنهي وزاد في حديثه: وقال: كذا وكذا، وزاد ابن منيع في حديثه ((قالوا: يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته وتكون له صدقة؟! قال: أرأيت لو وضعها في غير حلِّها ألم يكن يأثم؟))
ثم قال [٤/٣٦٢، ح ٥٢٤٣] :
حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد.
وحدثنا أحمد بن منيع، عن عباد بن عباد وهذا لفظه وهو أتم من واصل ... وساق الحديث. .
قال الشاطبي ﵀ في [الاعتصام: ٢/٧٩] :
ثبت في الأصول الشرعية أنه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي.
وقال- ﵀ في [الموافقات: ٢/٢٧٩، ٢٨١] :
لما كان التكليف مبنيا على استقرار عوائد المكلفين - قلت: لا حظ جيدا قوله: (على استقرار عوائد المكلفين) - وجب أن ينظر في حكم العوائد لما ينبني عليها بالنسبة إلى دخول المكلف تحت حكم التكليف.
فمن ذلك أن مجاري العادات في الوجود أمر معلوم لا مظنون، وأعني في الكليات لا في خصوص الجزئيات، والدليل على ذلك أمور:
أحدها: أن الشرائع بالاستقراء إنما جيء بها على ذلك ولنعتبر بشريعتنا فإن التكاليف الكلية فيها بالنسبة إلى من يكلف من الخلق موضوعة على وِزَان واحد، وعلى مقدار واحد، وعلى ترتيب واحد، لا اختلاف فيه بحب متقدم ولا متأخر. وذلك واضح في الدلالة على أن موضوعات التكليف – وهي أفعال المكلفين- كذلك. وأفعال المكلفين إنما تجري على ترتيبها إذا كان الوجود باقيًا على ترتيبه، ولو اختلفت العوائد في الموجودات لاقتضى ذلك اختلاف التشريع واختلاف الترتيب واختلاف الخطاب فلا تكون الشريعة على ما هي عليه، وذلك باطل.
الثاني: أن الإخبار الشرعي قد جاء بأحوال هذا الوجود على أنها دائمة غير مختلفة إلى قيام الساعة كالإخبار عن السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من المنافع والتصاريف والأحوال، وأن سنَّة الله لا تبديل لها وأنَّ ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [سورة الروم: الآية ٣٠] ، كما جاء بإلزام الشرائع على ذلك الوِزَان أيضًا، والخبر من الصادق لا يكون بخلاف مخبره بحال، فإن الخلاف بينهما محال.
стр. 8755
الثالث: أنه لولا أنَّ اطَّراد العادات معلوم لما عرف الدين من أصله فضلا عن تعرف فروعه لأن الدين لا يعرف إلا عند الاعتراف بالنبوة، ولا سبيل إلى الاعتراف بها إلا بواسطة المعجزة، ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة، ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا بعد تقرير اطِّراد العادة في الحال والاستقبال كما اطَّردت في الماضي، ولا معنى للعادة إلا أنَّ الفعل المفروض لو قدر وقوعه غير مقارن للتحدِّي لم يقع إلا على الوجه المعلوم في أمثاله، فإذا وقع مقترنًا بالدعوة خارقًا للعادة علم أنه لم يقع كذلك مخالفًا لما اطرد إلا والدَّاعي صادق. فلو كانت العادة غير معلومة لما حصل العلم بصدقه اضطرارًا لأن وقوع مثل ذلك الخارق لم يكن يُدَّعى بدون اقتران الدعوة والتحدى. لكن العلم حاصل على أنَّ ما انبنى عليه العلم معلوم أيضًا وهو المطلوب.
ثم قال [ص٢٨٢، ٢٨٨] :
العوائد المستمرة ضربان:
أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا أو نهى عنها كراهة أو تحريمًا أو أذن فيها فعلا وتركا.
والضرب الثاني: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.
أما الأول: فثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية كما قالوا في سلب العبد أهلية الشهادة، وفي الأمر بإزالة النجاسات، وطهارة المتأهب للمناجاة وستر العورات، وللنهي عن الطواف بالبيت للعري، وما اشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس إمَّا حسنة عند الشارع أو قبيحة، فإنَّها من جملة الأمور الداخلة تحت حكم الشرع، فلا تبديل لها وإن اختلفت آراء المكلفين فيهان فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحًا ولا القبيح حسنًا حتى يقال مثلا: إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنجزه أو أن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح فلنجزه أو غير ذلك إذ لو صحَّ مثل هذا لكان نسخًا للأحكام المستقرة المستمرة والنسخ بعد موت النبي ﷺ باطل فرفع العوائد الشرعية باطل.
وأما الثاني: فقد تكون العوائد ثابتة وقد تتبدل، ومع ذلك فهي أسباب لأحكام تترتب عليها.
فالثابتة كوجود شهوة الطعام والشراب والوقاع والنظر والكلام والبطش والمشي وأشباه ذلك. وإذا كانت أسبابًا لمسببات حكم بها الشارع فلا إشكال في اعتبارها والبناء عليها والحكم على وفقها دائمًا.
والمتبدلة:
منها ما يكون متبدلا في العادة من حسن إلى قبح، والعكس مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية وغير قبيح في البلاد المغربية فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك فيكون عند أهل المشرق قادحًا في العدالة وعند أهل المغرب غير قادح.
стр. 8756
ومنها ما يختلف في التعبير عن المقاصد فتنصرف العبارة عن معنى إلى عبادة أخرى – لعل الصواب: (إلى معنى عبارة أخرى) – أما بالنِّسبة إلى اختلاف الاسم كالعرب مع غيرهم أو بالنسبة إلى الأمة الواحدة كاختلاف العبارات بحسب اصطلاح أرباب الصناعة في صنائعهم مع اصطلاحهم الجمهوري أو بالنسبة إلى غلبة الاستعمال في بعض المعاني حتى صار ذلك اللفظ إنما يسبق منه إلى الفهم معنى ما، وقد كان يفهم منه قبل ذلك شيء آخر أو كان مشتركًا فاختص، وما أشبه ذلك. فالحكم أيضًا يتنزَّل على ما هو معتاد فيه بالنسبة إلى من أعتاده دون من لم يعتده وهذا المعنى يجري كثيرًا في الأيمان والعقود والطلاق كناية وتصريحًا.
ومنها ما يختلف في الأفعال في المعاملات ونحوها كما إذا كانت العادة في النكاح قبض الصداق قبل الدخول أو في البيع الفلاني أن يكون بالنقد لا بالنَّسيئة أو بالعكس أو إلى أجل كذا دون غيره، فالحكم أيضًا جار على ذلك حسبما هو مسطور في كتب الفقه.
ثم قال:
واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب لأن الشَّرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية، والتكليف كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد وإنما الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها.
ثم قال:
العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعًا كانت شرعية في أصلها أو غير شرعية، أي سواء كانت مقررة بالدليل شرعًا أمرًا أو نهيًا أو إذنًا أم لا. أما المقّررة بالدليل فأمر ظاهر، وأما غيرها فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك.
ثم قال:
ووجه ثانٍ وهو ما تقدم في مسألة العلم بالعاديات فإنه جارٍ هنا – وقد تقدم في الفقرة الأولى التي نقلناها آنفًا-.
ووجه ثالث: وهو أنه لما قطعنا بأنَّ الشارع جاء باعتبار المصالح، لزم القطع بأنه لا بد من اعتباره العوائد لأنه إذا كان التشريع على وزان واحد دل على جريان المصالح على ذلك لأنَّ أصل التشريع سبب المصالح، والتشريع دائم كما تقدم فالمصالح كذلك وهو معنى اعتباره العادات في التشريع.
стр. 8757
ووجه رابع: وهو أنَّ العوائد لو لم تعتبر لأدَّى إلى تكليف ما لا يطاق وهو غير جائز أو غير واقع، وذلك أنَّ الخطاب إمَّا أن يعتبر فيه العلم والقدرة على (المكلف به) – لعل صوابه: على التكلف به أو لدى المكلف به – وما أشبه ذلك من العاديات المعتبرة في توجه التكليف أولى. فإن اعتبر فهو ما أردنا , وإن لم يعتبر فمعنى ذلك أن التكليف متوجه على العالم والقادر وعلى غير العالم والقادر وعلى من له مانع ومن لا مانع له، وذلك عين تكليف ما لا يطاق، والأدلة على هذا المعنى واضحة كثيرة.
ثم قال: [ص٣٠٠] :
الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبَّد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني.
ثم قال [ص٣٠٥، ٣٠٧] :
وأما أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني فلأمور:
أولها: الاستقراء، فإنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد والأحكام العادية تدور معه حيثما دار فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز كالدرهم بالدرهم إلى أجل يمتنع في المبايعة ويجوز في القرض، وبيع الرطب باليابس يمتنع حيث يكون مجرد غرر وربا من غير مصلحة، ويجوز إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولم نجد هذا في باب العبادات مفهومًا كما فهمناه في العادات.
ثم قال:
والثاني: أن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في تشريع باب العادات كما تقدَّم تمثيله، وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص بخلاف باب العبادات فإن المعلوم فيه خلاف ذلك، وقد توسع في هذا القسم مالك – رحمه الله تعالى – حتى قال فيه بقاعدة المصالح المرسلة وقال فيه بالاستحسان، ونقل عنه أنه قال: إنه تسعة أعشار العلم حسب ما يأتي إن شاء الله.
والثالث: أنَّ الالتفات إلى المعاني قد كان معلومًا في الفترات، واعتمد عليه العقلاء حتى جرت بذلك مصالحهم وأعملوا كلياتها على الجملة فاطَّردت لهم سواء في ذلك أهل الحكمة الفلسفية وغيرهم، إلا أنهم قصّروا في جملة من التفاصيل فجاءت الشريعة لتتم مكارم الأخلاق، فدل على أنَّ المشروعات في هذا الباب جاءت متممة لجريان التفاصيل في العادات على أصولها المعهودات، ومن ههنا أقرَّت هذه الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالدِّية والقسامة والاجتماع يوم العروبة وهي الجمعة للوعظ والتذكير والقراض وكسوة الكعبة وأشباه ذلك مما كان عند أهل الجاهلية محمودًا وما كان من محاسن العوائد ومكارم الأخلاق التي تقبلها العقول وهي كثيرة.
стр. 8758
ثم قال:
فإذا تقّرر هذا وأن الغالب في العادات الالتفات إلى المعاني، فإذ وجد فيها التعبد فلا بد من التسليم والوقوف مع النصوص.
وقال عز الدين بن عبد السلام في [قواعد الأحكام: ٢/١١٥] :
وأما إشارة الأخرس المفهمة فهي كصريح المقال إن فهمها جميع الناس كما لو قيل له: كم طلقت امرأتك؟ فأشار بأصابعه الثلاثة أو كم أخذت من الدراهم؟ فأشار بأصابعه الخمس.
وإن كانت مما يفهمه الناس نزلت منزلة الظواهر، وإن كانت مما يتردد فيه نزلت منزلة الكنايات.
وكذلك من اعتقل لسانه بمرض أو غيره فقيل له: لفلان عليك ألف؟ فأشار برأسه – أي نعم – أو أشار برأسه إلى فوق – أي لا شيء له – وكذا لو قيل له: قتلت زيدًا؟ وكذلك كتابته تقوم مقام إشارته.
ثم قال:
فصل في حمل الألفاظ على ظنون مستفادة من العادات لمسيس الحاجة إلى ذلك وله أمثلة. وساق ثلاثةً وعشرين مثالًا لإثبات ذلك.
ثم قال [ص١٢٢] :
اعلم أنَّ الله تعالى شرع في كل تصرف من التصرفات ما يحصل مقاصده ويوفر مصالحة فشرع في باب ما يحصل مصالحة العامَّة والخاصة، فإن عمَّت المصلحة جميع التصرفات شرعت تلك المصلحة في كلِّ تصرف وإن أختصّت ببعض التصرُّفات شرعت فيما اختصت به دون ما لم تختص به.
بقل قد يشترط في بعض الأبواب ما يكون مبطلا في غيره نظرًا إلى مصلحة البابين، كما يشترط استقصاء أوصاف المحكوم له والمحكوم عليه أن ينتهي إلى عزَّة وجود المشارك في تلك الأوصاف كي لا يقع الحكم على مبهم. ولو وقع ذلك في السلم لأفسده لأنه مؤدٍّ إلى تعذر تحصيل مقصوده، ولذلك شرط التوقيت في الإجارة والمساقاة والمزارعة ولو وقع التوقيت في النكاح لأفسده لمنافاة مقصوده، وكذلك شرط في العقود اللازمة على المنافع أن يكون أجلها معلومًا، وجعل أجل النكاح مقدرًا لعمر أقصر الزوجين، عمرًا، فمن ذلك أن الشرع منع من بيع المعدوم وإجارته وهبته لما في ذلك من الغرر وعدم الحاجة وجوَّز عقود المنافع من عدمها، ولا يتصور وجودها حال التعاقد ولا تحصل منافعها إلا كذلك.
стр. 8759
ثم قال [ص١٤٨] :
وأما ما خالف القياس في المعاوضات وغيرها من التصرفات فله أمثلة.
أحدها: أنَّ الرضا شرط في جميع التصرفات إلا أن يتعدَّد رضا المتصرِّف والعامل ورضا نائبهما فإن الحاكم يتصرف فيما لزمه من التصرفات القابلة للنيابة مع غيبته أو امتناعه على كره (منهم) – لعل صوابه: منه – إيصالا للحق إلى مستحقه ونفعًا للممتنع ببراءته من الحق.
ثم قال:
ولا بد لهذا الرضا من لفظ يدل عليه سواء كان مما يستقل به الإنسان كالطَّلاق والعتاق والعفو والإبراء، أما ما لا يستقل به كالبيع والإجارة، فإن لم يقم مقام اللفظ عرف تعين اللفظ إلا فيمن خرس لسانه وتعذَّر بيانه فإن إشارته تقوم مقام لفظه للحاجة إذ لا مندوحة عنه ولا خلاص منه وفي إقامة الكتابة مقام اللفظ في حق الناطق خلاف.
وإن حصل عرف دال على ما يدل عليه اللفظ كالمعاطاة في محقرات المبايعات واستعمال الصناع وتقديم الطعام إلى الضيفان، ففي إقامة العرف مقام اللفظ خلاف لاشتراكهما في الدلالة على الرضا على المقصود، فإن حصل العلم أو الاعتقاد أو ظن قوي يربي على الظن الذي ذكرناه أقيم ذلك مقام اللفظ لقوة دلالة العرف واطراده.
قال محمد الطاهر بن عاشور في – مقاصد الشريعة الإسلامية، [ص١٠٢] :
قد يستكن في معتقد كثير من العلماء – قبل الفحص والغوص في تصرفات التشريع – أن الشريعة إنما جاءت لتغيير أحوال الناس والتحقيق أن للتشريع مقامين:
المقام الأول: تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فسادها، وهذا المقام هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الآية ٢٥٧ من سورة البقرة] ، وقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الآية ١٦ من سورة المائدة] .
ثم قال:
والمقام الثاني: تقرير أحوال صالحة قد اتبعها الناس وهي الأحوال المعبر عنها بالمعروف في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الآية ١٥٧ من سورة الأعراف] ، وأنت إذا افتقدت الأشياء التي انتحاها البشر منذ القدم وأقاموا عليها قواعد المدنية البشرية تجدها أمورًا كثيرة من الصلاح والخير توورثت من نصائح الآباء والمعلمين والمربين والرسل والحكماء والحكام العادلين حتى رسخت في البشر.
стр. 8760
ثم قال:
إلا أنَّ هذه الفضائل والصالحات ليست متساوية الفشو في الأمم والقبائل، فلذلك لم يكن للشريعة العامة غنية من تطرق هذه الأمور ببيان أحكامها من وجوب أو ندب أو إباحة وبتحديد حدودها التي تناط أحكامها عندها، فالنظر إلى اختلاف الأمم والقبائل في الأحوال من أهمِّ ما تقصده شريعة عامة كما أنبأ عن ذلك حديث الموطأ والصحيحين، أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((لقد هممت أن أحرم الغيلة في الرضاع لولا أن قومًا من فارس يفعلونها ولا تضر أطفالهم)) (١) .
وكذلك النظر إلى اختلاف النفوس في الشرع إلى النزوع عن الصالحات عند طروء معارضها في شهواتهم من جهة ما في الصالحات من الكلفة كما نرى في تحريض الشريعة على التزوج ومن إيجابها نفقة القرابة.
وأكثر ما يحتاج إليه في مقام التقرير هو حكم الإباحة لإبطال غلو المتغالين بحمله على مستوى السَّواد الأعظم من البشر الصالح كما قال الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الآيات السابقة] ، فإن الطيبات تناولها الناس وشذَّ فيها بعض الأمم وبعض القبائل فحرَّموا على أنفسهم طيِّبات كثيرة، وقد كان ذلك فشيًّا في قبائل العرب.
وبعد أن ساق لذلك أمثلة قال:
والتقدير لا يحتاج إلى القول فقد علمت أن الاحتياج إلى القول فيه لا يكون إلا من سبب دعا إلى القول من إبطال وهم أو جواب سؤال أو تحريض على التناول. وفي ما عدا تلك الأسباب ونحوها يعتبر سكوت الشارع تقريرًا لما عليه الناس، فلذلك كانت الإباحة أكثر أحكام الشريعة لأنَّ أنواع متعلقاتها لا تنحصر، وقد تواتر هذا المعنى تواترًا من أقوال النبي ﷺ وتصرفاته، ويشهد له ويعضده الحديث الذي رواه الدارقطني وغيره عن أبي ثعلبة الخشني، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها)) تعليق: لم نقف على هذا الحديث في (سنن الدارقطني) رغم شدة البحث في مظانه منها لكن ساقه التبريزي في [مشكاة المصابيح: ١/٦٩، ح١٩٧] فقال: وعن أبي ثعلبة الخشني ... وساق الحديث. وتعقبه بقوله: وروى الأحاديث الثلاثة – يعني هذا الحديث واللذين من قبله – الدارقطني وأقره الألباني في تعليقه فقال: والثالث [ص٥٠٢] رجاله ثقات ولكنه منقطع بين مكحول وأبي ثعلبة وله عند الدارقطني [ص٥٥٠] شاهد من حديث أبي الدرداء وفيه نهشل الخراساني وهو كذاب كما قال ابن راهويه فلا قيمة لشهادته ومع ذلك فقد قال النووي في الأربعين بعد أن عزاه للدارقطني: حديث حسن، وتعقبه ابن رجب [ص٢٠٠] بالانقطاع الذي ذكرناه. اهـ. كلام الألباني.
ولم يذكر إن كان الدارقطني أخرجه في (السنن) أم في غيره من كتبه ولم تبلغ صفحات أي جزء من أجزائها الأربعة رقم الخمسمائة ولا قريبًا منها ولا نعرفها طبعت أكثر من مرة ولم يخرجه البغوي في (شرح السنة) .
لكن أخرجه البيهقي في [السنن الكبرى: ١٠/١٢، ١٣] من حديث أبي ثعلبة الخشني فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا حفص بن غياث، عن داود – هو ابن أبي هند – عن مكحول، عن أبي ثعلبة – ﵁ – قال: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودًا فلا تعتدوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رخصةً لكم ليس بنسيان فلا تبحثوا عنها. وتعقبه بقوله: هذا موقوف. وأنبأنيه شيخنا أبو عبد الله الحافظ في (المستدرك) في ما لم يقرأ عليه إجازة. وساق حديث الحاكم في (المستدرك) .
قال الحاكم [٤/١٥] :
حدثنا علي بن عيسى، حدثنا محمد بن عمرو الحرشي، حدثنا القعنبي، حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني – ﵁ – قال: قال رسول الله ﵌: ((إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة بكم فاقبلوها ولا تبحثوا فيها)) . وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
قلت: والمشكلة التي وقعوا فيها من سند هذا الحديث هي اضطرابهم في مكحول هل سمع أول لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، والعجب من الذهبي – ﵀ – وهو من هو أن يقع في هذا الاضطراب، فعند ترجمته لأبي ثعلبة الخشني في [سير أعلام النبلاء: ٢/٥٦٧، ٥٧٠، ترجمة ١٢٠] في معرض ذكره لبعض من روى عنه: ومكحول إن كان سمع منه.
стр. 8761
ثم قال في ترجمته لمكحول [نفس المرجع: ٥/١٥٥، ١٦٠ ترجمة ٥٧١] في معرض ذكره لبعض من روى عنهم:
أرسل عن النبي ﷺ أحاديث وأرسل عن عدة من الصحابة لم يدركهم كأبي بن كعب وثوبان وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني ... إلخ.
ولسنا ندري كيف جزم بأن مكحولًا لم يدرك أبا ثعلبة مع أنه نقل عن أبي حسان الزيادي وأبي عبيد أن أبا ثعلبة توفي سنة خمس وسبعين، ومن قبل ذلك نص بأنه (نزل الشام وقيل سكن داريا، وقيل قرية البلاط - وهذه موجودة عامرة حتى الآن في ضواحي دمشق – وله بها ذرية) .
في حين أن مكحول عرف بـ (مكحول الشامي) إذ هاجر من مصر إلى الشام بعد أن عتق، وكان مولى لبعض سكانها وفيها توفى، وكانت وفاته ما بين سنتي اثنتي عشرة وثماني عشرة ومائة، وما من أحد ممن ترجم له ذكر أنه توفي دون الكهولة وهذا يعني أنه عند وفاة أبي ثعلبة الخشني سنة خمس وسبعين كان في سن تحمل الرواية، والظاهر أن اضطرابهم في أمره نتج عن سببين:
السبب الأول، اتهام بعضهم لمكحول بالقول بالقدر اتهامًا ألح فيه البعض إلحاحًا شديدًا، ولعل من هؤلاء من أراد تدعيم توهين مكحول بالتشكيك في لقائه لبعض من أسند إليهم من الصحابة.
أما السبب الثاني: فيما يبدو لنا فهو ما كان بين الحجازيين والعراقيين والشاميين المحدَّثين من تنافس بلغ حد تشكيك بعضهم في بعض والتماس أيسر الأسباب وأوهى الشبهات لتدعيم هذا التشكيك، وقد يكون ثمة سبب ثالث وهو أنهم درجوا على التمييز بين كلمة (عن) وكلمة (حدثنا) أو (حدثني) واعتبار كلمة (عن) في الإسناد دون التصريح بالتحديث مرتبة، بل والتذرع بها أحيانًا إلى دعوى (التدليس) على حين أن المتأمل في نهج الرواية عند الصدر الأول من التابعين ومن نحا نحوهم من الجيل الثاني منهم بل وعند الصحابة عامة يتبين أن كلمة (عن) هي التي كانت سائدة لديهم في الإسناد ولم يلتزموا بكلمة (حدثنا) أو (حدثني) إلا بعد أن ظهر الوضع من بعض خصوم الإسلام والتزييف بهدف الاستكثار من بعض أدعياء العلم لدوافع من أبرزها الازدلاف إلى الأمويين من عصر معاوية فما بعده والمناهضة لهم من خصومه وكلا الفريقين كان فيهم من يعمد إلى الاستكثار بتزييف الأسانيد ومن تتجاوز به الجرأة هذا الحد فيعمد إلى الوضع.
стр. 8762
مهما يكن فليس هذا مجال البسط لهذا الشأن حسبنا أن نشير إليه لمجرد تبيان أن اعتماد النووي ومن نحا نحوه لهذا الحديث إذا كان مما اختاره في الأربعين ومما اعتمده نفر من الأصوليين في معرض الاحتجاج لمذهبه في المسكوت عنه هل هو مباح أم معفو عنه كان له أساس سليم عندنا هو عدم الالتفات إلى ما كان من صراع أحيانًا وتنافس أحيانًا أخرى بين الأقران ثم بين أصحاب مدرسة كل واحد من الأقران نشأ عنه الكثير من الأخذ والرد الذي ينبغي أن تمحص منه مناهج ومصادر الجرح والتعديل.
وقد ذكر ابن حجر في [الإصابة: ٤/٢٩، ٣٠، ترجمة ١٧٧] عند ترجمته لثعلبة: مكحولا فيمن أخذ عنه لكنه قال: ومنهم من لم يدركه ولم يشكك في مكحول بالذات.
على أنه نص في [تهذيب التهذيب: ١٢/٩/٤٩، ٥١، ترجمة ١٩٨] عند ترجمة لأبي ثعلبة: على أن مكحولا وأبا قلابة لم يدركاه ولسنا ندري من أين له ذلك إذ محال أن يكون ذلك على أساس اعتبار السن.
ثم إنه ذكر أبا ثعلبة فيمن أخذ عنهم مكحول عند ترجمته في [تهذيب التهذيب: ١٠/٢٨٨، ٢٩٣، ترجمة ٥٠٩] ، ثم روى أقوال من شككوا في سماع مكحول من أبي ثعلبة وغيره ممن يروي عنهم بالعنعنة.
ويظهر أن المزي ومن قبله ابن ماكولا لم يترجما له لأن ابن حجر رمز في (تهذيب التهذيب) وهو يترجم له إلى أن هذه الترجمة من زوائده، على (تهذيب الكمال) .
وتحسب أن البخاري – ﵀ – كان ممن ارتاب في بعض مرويات مكحول فلم يخرج على حين أخرج له مسلم والأربعة.
وقد أخرج هذا الحديث ابن عدي في [الكامل: ١/٣٩٤، ٣٩٧] عند ترجمته لأصرم بن حوشب ولفظه بسنده – بعد أحاديث ساقها له -.
حدثنا أحمد بن عبد الله بن شجاع الصوفي، حدثنا عثمان بن صالح الخياط، حدثنا أصرم بن حوشب، حدثنا قرة، عن الضحاك عن طاووس قال: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله ﵎ فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودًا فلا تعتدوها وحرم محارم فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة من الله فاقبلوها)) .
وتعقبه مع الأحاديث التي ساقها قبله بقوله: وهذه الأحاديث بواطل عن قرة بن خالد كلها لا يحدث بها عنه غير أصرم هذا، وكان قد نقل عن يحيى بن معين قوله في أصرم بن حوشب، كذاب خبيث وعن البخاري قوله: متروك الحديث.
стр. 8763
ويظهر أن الخلط وقع في الإسناد إذ لا يعرف هذا اللفظ عن أبي الدرداء من غير هذا الطريق لكن يعرف له ما يشبهه.
قال البيهقي – المرجع السابق-:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو جعفر محمد بن علي الشيباني، حدثنا أحمد بن حازم الغيفاري، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه، عن أبي الدرداء – ﵁ – يرفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافيته فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن نسيًّا ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [الآية ٩٤ من سورة مريم] .
قلت: والظاهر أن أصرم أو قرة أو غيرهما التبس عليه الحديثان لوحدتهما في المعنى فنسب لفظ أبي ثعلبة الخشني على لفظ أبي الدرداء وكلاهما كان يسكن الشام وهذه إحدى آفات الاعتماد على الاحتفاظ عند بعض من كان يحب أن يتظاهر بقوة الحفظ وأن يتجنب الوصمة التي كانوا في الصدر الأول يصمون بها من كانوا يعتمدون في الرواية على الكتابة إذ يسمونهم (صحفيين) . . ولأجل ذلك كره رسول الله ﷺ المسائل لأن السؤال عن المشكل عبث.
ولا يستثنى من دلالة السكوت على التقدير إلا الأحوال التي دل النقل على إلحاقها بأصول لها حكم غير الإباحة وهي دلالة القياس بمراتبها.
стр. 8764
ثم قال:
ومن رحمة الشريعة أنها أثبتت للأمم معتادها وأحوالها الخاصة إذا لم يكن فيها استرسال على فساد، ففي الموطأ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية وأيّما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام)) (١) ، وقد قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: ((وهل ترك لنا عقيل من دار؟)) (٢) يريد أن عقيل بن أبي طالب فرقها في حكم الجاهلية فلم ينقضه رسول الله ﷺ حين فتح مكة.
ثم قال [ص١٠٥، ١٠٦] :
... إن مقاصد الشريعة من أحكامها كلها إثبات أجناس تلك الأحكام (٣) لأحوال وأوصاف وأفعال من التصرفات خاصها وعامها باعتبار ما تشتمل عليه تلك الأحوال والأوصاف والأفعال من المعاني المنتجة صلاحًا ونفعًا أو فسادًا وضرًّا قويين أو ضعيفين فإياك أن تتوهم أن بعض الأحكام منوط بأسماء الأشياء أو بأشكالها الصورية غير المستوفاة للمعاني الشرعية فتقع في أخطاء في الفقه مثل قول بعض الفقهاء في صنف من الحيتان يسميه البعض خنزير البحر أنه يحرم أكله لأنه خنزير، ومن يقول بتحريم، نكاح امرأة زَوَّجها إياه وليها بمهر وزوَّج هو ذلك الوليَّ امرأةً هو وليُّها بمهر مساوٍ لمهر الأخرى أو غير مساوٍ لاعتقاد أن هذا من الشغار، لأن شكله الظاهر كشكل الشغار مغمض العينين عن المعنى والوصف الذي لأجله أبطلت الشريعة نكاح الشغار وإنما حق الفقيه أن ينظر إلى الأسماء الموضوعة للمسمى أصالة أيامً التشريع، وإلى الأشكال المنظور إليها عند التشريع من حيث إنهما طريق لتعرف الحالة الملحوظة وقت التشريع لتهدينا إلى الوصف المرعي للشارع كما سيجيء في مبحث نوط التشريع بالضبط والتحديد. ولقد أخطأ من هنا بعض الفقهاء أخطاء كثيرة مثل ما أفتى بعض الفقهاء بقتل المشعوذ باعتبار أنهم يسمونه سحارًا مغمضين أعينهم عن تحقيق معنى السحر الذي ناط الشرع به حكم القتل، فمن حق الفقيه إذا تكلم على السحر أو سئل عنه أن يبين أو يستبين صفته وحقيقته وأن لا يفتى بمجرد ذكر اسم السحر فيقول: يقتل الساحر ولا تقبل توبته إن ذلك عظيم.
стр. 8765
ثم قال:
وكذلك فإن الأسماء الشرعية إنما تعتبر باعتبار مطابقتها للمعاني الملحوظة شرعًا في مسمياتها عند وضع المصطلحات الشرعية، فإذا تغير المسمَّى لم يكن لوجود الاسم اعتبار.
وقال ابن تيمية في [مجموع الفتاوى: ١٩/٢٣٥] :
الأسماء التي علَّق الله بها الأحكام في الكتاب والسنة منها ما يعرف حدّه ومسمَّاه بالشرع، فقد بينه الله ورسوله كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج والإيمان والإسلام والكفر والنفاق، ومنه ما يعرف حدّه باللغة كالشمس والقمر والسماء والأرض والبر والبحر، ومنه ما يرجع حدّه على عادة الناس وعرفهم فيتنوّع بحسب عاداتهم كاسم البيع والنكاح والقبض والدرهم والدينار ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحددها الشارع بحد ولا لها حد واحد، فيشترك فيه جميع أهل اللغة بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس (١) .
ثم قال [٢٨/٣٨٦] في معرض بيانه بأنَّ الأموال يجب الحكم بين الناس فيها بالعدل:
والأصل في هذا أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقرّبون بها إلى الله إلا ما دلَّ الكتاب والسنَّة على شرعه، إذ الدين ما شرعه الله والحرام ما حرَّمه الله بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دين الله ما لم يحرمه الله وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وشرعوا له من الديَّن ما لم يأذن به الله.
ثم قال: [٢٩/٥، ٨] :
وأما العقود في المعاملات المالية والنكاحية وغيرها فنذكر فيها قواعد جامعة عظيمة المنفعة، فإن القول فيها كالقول في العبادات، فمن ذلك صفة العقود فالفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها أنَّ الأصل في العقود أنها لا تصح إلا بالصيغة وهي العبارات التي يخصها بعض الفقهاء باسم الإيجاب والقبول سواء في ذلك البيع والإجارة والهبة والنكاح والعتق والوقف وغير ذلك، وهذا ظاهر قول الشافعي وهو قول في مذهب أحمد يكون تارة رواية منصوصة في بعض المسائل كالبيع والوقف ويكون تارة رواية مخرجه كالهبة والإجارة.
ثم هؤلاء يقيمون الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها كما في إشارة الأخرس، ويقيمون الكتابة في مقام العبارة عند الحاجة، وقد يستثنون مواضع دلت النصوص على جوازه إذا مسَّت الحاجة إليها.
стр. 8766
ثم قال:
لكن الأصل عندهم هو اللفظ لأن الأصل في العقود هو التراضي المذكور في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [الآية ٢٩ من سورة النساء] ، وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [الآية ٤ من سورة النساء] . والمعاني التي في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التي جعلت لإبانة ما في القلب إذ الأفعال من المعاطاة ونحوها تحتمل وجوهًا كثيرة، ولأن العقود من جنس الأقوال فهي في المعاملات كالذكر والدعاء في العبادات.
والقول الثاني: أنها تصح بالأفعال فيما كثر عقده بالأفعال كالمبيعات بالمعاطاة وكالوقف فيمن بنى مسجدًا وأذن للناس بالصلاة فيه أو سبل أرضًا للدفن فيها أو بنى مطهرة وسبلها للناس، وكأنواع بعض الإجارة كمن دفع ثوبه إلى غسال أو خياط يعمل بالأجرة أو راكب سفينة ملاح وكالهدية ونحو ذلك، فإن هذه العقود لو لم تعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أمور الناس ولأنَّ الناس من لدن النبي ﷺ وإلى يومنا هذا ما زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدَّالِّ على العقود، وهذا هو الغالب على أصول أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد ووجه في مذهب الشافعي بخلاف المعاطاة في الأموال الجليلة، فإنه لا حاجة إليه ولم يجر به العرف (١) .
القول الثالث: أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، فكل ما عدَّه الناس بيعًا وإجارة فهو بيع وإجارة وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال، وليس لذلك حد مستمر لا في شرع ولا في لغة بل يتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم.
ثم قال:
ولا يجب على الناس التزام نزع معين من الاصطلاحات في المعاملات ولا يحرم عليهم التعاقد بغير ما يتعاقد به غيرهم إذا كان ما تعاقدوا به دالا على مقصودهم، وإن كان قد يستحب بعض الصفات وهذا هو الغالب على أصول مالك وظاهر مذهب أحمد، ولهذا يصح في ظاهر مذهبه بيع المعاطاة مطلقًا وإن كان قد وجد اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر بأن يقول: خذ هذا لله فيأخذه أو يقول: اعطني خبزًا بالدرهم فيعطيه، أو لم يوجد لفظ من أحدهما بان يضع الثمن ويقبض جرزة البقل أو الحلواء أو غير ذلك كما يتعامل غالب الناس، أو يضعوا المتاع ليوضع له بدله فإذا وضع البدل الذي يرضى به أخذه كما يجلبه التجار على عادة بعض أهل المشرق.
стр. 8767
فكل ما عده الناس بيعًا فهو بيع وكذلك في الهبة مثل الهدية ومثل تجهيز الزوجة بما يحمل معها إلى بيت زوجها إذا كانت العادة جارية بأنه عطية لا عارية.
ثم قال [ص١٥، ١٨] :
ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعملون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة، والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من العقود وهو ظاهر في بعضها وإذا وجد تعلق الحكم بها بدلالة القرآن، وبعض الناس قد يحمله اللدد في نصره لقول معين على أن يجحد ما يعلمه الناس من التراضي وطيب النفس، فلا عبرة بجحد مثل هذا فإنَّ جحد الضروريات قد يقع كثيرًا عن مواطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب، فالعبرة بالفطرة السليمة التي لم يعارضها ما يغيرها ولهذا قلنا: إن الأخبار المتواترة يحصل بها العلم حيث لا تواطؤ على الكذب، لأنَّ الفطر السليمة لا تتفق على الكذب فأما مع التواطؤ والاتفاق فقد يتفق جماعات على الكذب.
ثم قال:
وما لم يكن له حدّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله ﷺ : ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه)) (١) ، ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدًّا لا في كتاب الله ولا سنَّة رسوله، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتباعين أنَّه عيَّن للعقود صفة معيَّنة من الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ذلك من أنَّها لا تنعقد إلا بالصِّيغ الخاصة.
ثم قال:
فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعًا وما سموه هبة فهو هبة.
ثم قال:
... إنَّ تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة علم أنَّ العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات العادات فهي ما أعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله وذلك لأنَّ الأمر والنهي هما شرع الله.
стр. 8768
ثم قال:
والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [الآية ٥٩ من سورة يونس] .
ثم قال:
وهذه قاعدة عظيمة نافعة وإذا كان كذلك فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم – كالأكل والشرب واللباس – فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.
وإذا كان كذلك فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا ما لم تحرم الشريعة وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروهًا وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًّا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي.
ثم قال [ص ١٥٠، ١٥٤] :
... إن العقود والشروط من باب الأفعال العادية والأصل فيها عدم التحريم فيستحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم كما في الأعيان الأصل فيها عدم التحريم، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الآية ١١٩ من سورة الأنعام] ، عام في الأعيان والأفعال وإذا لم تكن حرامًا لم تكن فاسدة، لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة.
وأيضًا ليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حلّه بعينه.
ثم قال:
وإن انتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم فيكون فعلها إما حلالا وإما عفوًا كالأعيان التي لم تحرم.
وغالب ما يستدل به على أنَّ الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الصحيحة والاستصحاب العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله فإنه يستدل أيضًا به على عدم تحريم العقود والشروط فيها سواء سمي ذلك حلالا أو عفوًا على الاختلاف المعروف.
ثم قال:
... إنَّ الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع وملك البضع الثابت بالنكاح، نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا ولم يبثته ابتداء كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة فإذا كنا نحن المثبتين لذلك الحكم ولم يحرم الشارع علينا رفعه لم يحرم علينا رفعه.
стр. 8769
ثم قال:
وهذه نكتة المسألة التي يتبين بها مأخذها وهو أن الأحكام الجزئية – من حلّ هذا المال لزيد وحرمته على عمرو – لم يشرعها الشارع شرعًا جزئيًّا وإنما شرعها شرعًا كليًّا.
ثم قال:
وهذا الحكم الكلي الثابت سواء وجد هذا البيع معين أو لم يوجد فإذا وجد بيع معين أثبت ملكًا معينًا فهذا المعين سببه فعل العبد فإذا رفعه العبد، فإنما رفع ما أثبته هو بفعله لا ما أثبته الله من الحكم الكلي إذ ما أثبته الله من الحكم الجزئي إنما هو تابع الفعل العبد سببه لا أن الشارع أثبته ابتداء.
ثم قال [ص٣٤٠] :
وأصل العقود أنّ العبد لا يلزمه شيء إلا بإلزامه أو بإلزام الشارع له فما التزمه فهو ما عاهد عليه فلا ينقص العهد ولا يغدر.
وقال ابن قيم الجوزية – ﵀ – في [أعلام الموقعين: ١/٨٧، ٨٨] أثناء شرحه لرسالة عمر إلى أبي موسى المشهورة:
ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا، فالعالم من يتوصل- بمعرفة الواقع والفقه فيه – إلى معرفة حكم الله ورسوله كما توصل شاهد يوسف- بشق القميص من دُبُر- إلى معرفة براءته وصدقه وكما توصل سليمان - صلى الله عليه - بقوله ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما إلى معرفة عين الأم، وكما توصل أمير المؤمنين على ﵇ – بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب لما أنكرته لتخرجن الكتاب أو لنجردنك – إلى استخراج الكتاب منها، وكما توصل الزبير بين العوام بتعذيب أحد ابني أبي الحقيق بأمر رسول الله ﷺ حتى دلهم على كَنْز حُيَيّ لما ظهر له كذبه في دعوى ذهابه بالإنفاق بقوله: المال كثير والعهد أقرب من ذلك. وكما توصل النعمان بن بشير – بضرب المتهمين بالشرقة – إلى ظهور المال المسروق عندهم، فإن ظهر وإلا ضرب من اتهمهم كما ضربهم، وأخبر أن هذا حكم رسول الله ﷺ .
стр. 8770
ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله.
قال ابن القيم – ﵀ – في [أعلام الموقعين: ١/٣٤٤، ٣٤٥] في معرض مناقشة خصومه -:
الخطأ الرابع لهم اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة. فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملاتهم الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذه الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه، وأنَّ الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه وهذا هو القول الصحيح، فإنَّ الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم، ومعلوم أنَّه لا حرام إلا ما حرَّمه الله ورسوله ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرَّمه الله، ولا دين إلا ما شرعه، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نهى الله سبحانه المشركين عن مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه والتقرب إليه بما لم يشرعه – وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو، فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها لأنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة في ما عدا ما حرمه الله. ثم ساق أدلة من الكتاب والسنَّة تؤكد هذه القاعدة التي أقرها ولا نريد أن نطيل بإيرادها.
قال ابن القيم في [أعلام الموقعين: ٤/٢٢٨، ٢٢٩] بين ما ساقه من فوائد وإرشادات تتعلق بالإفتاء:
الفائدة الثالثة والأربعون: لا يجوز له – أي المفتي – أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على ما اعتادوه وعرفوه وإن كان مخالفًا لحقائقها الأصلية فمتى لم يفعل ذلك ضلَّ وأضلَّ.
فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة اسم لاثنى عشر درهمًا، والدّرهم عند غالب البلاد اليوم – يعني في عصر ابن القيم – اسم للمغشوش.
قلت: وهو عندنا اليوم في بعض البلاد اسم لعملة ورقية لا علاقة لها من حيث القيمة بالدّرهم الشرعي الذي تنبنى عليه أحكام الزكاة وما شاكلها من الشرائع التعبدية.
стр. 8771
ثم قال:
فإذا أقّر له بدراهم أو حلف ليعطينه أو أصدقها امرأة لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة، فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة.
وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق، فلو جرى عرف أهل بلد أو طائفة في استعمالها لفظ الحرية في العفّة دون العتق، فإذا قال أحدهم عن مملوكه (إنه حرّ) أو عن جاريتها (إنها حرّة) ، وعادته استعمال ذلك في العفة لم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعًا وإن كان اللفظ صريحًا عند من ألف استعماله في العتق، وكذلك إذا جرى عرف طائفة في الطلاق بلفظ التسميح بحيث لا يعرفون لهذا المعنى غيره فإذا قالت: (اسمح لي) فقال: (سمحت لك) فهذا صريح في الطلاق عندهم. وقد تقدَّم في هذا الأصل مشبعًا وأنه لا يسوغ أن يقبل تفسير من قال لفلان عليَّ (مال جليل) أو (عظيم) بدانق أو درهم ونحو ذلك، ولا سيما إن كان المقرّ من الإغنياء المكثرين أو الملوك، وكذلك لو أوصى له بقوس في محلّة لا يعرفون أقواس البندق أو الأقواس العربية أو الأقواس الرِّجل، أو حلف لا يشمّ الريحان في محل لا يعرفون إلا هذا الفارسي، أو حلف لا يركب دابة في موضع عرفهم بالدابة الحمار أو الفرس، أو حل لا يأكل تمرًا في بلد عرفهم في التّمار نوع واحد منها لا يعرفون غيره، أو حلف لا يلبس ثوبًا في بلد عرفهم في الثياب القمص وحدها دون الأردية والأزر والجلباب ونحوها، تقيدت يمينه بذلك وحده في جميع هذه الصور واختصت بعرفه دون موضوع اللفظ لغة أو في عرف غيره.
بل لو قالت امرأة لزوجها الذي لا يعرف التكلم بالعربية ولا يفهمها قل لي: (أنت طالق ثلاثًا) وهو لا يعلم موضوع هذه الكلمة فقال لها، لم تطلق قطعًا في حكم الله تعالى ورسوله.
وكذلك لو قال الرجل الآخر: (أنا عبدك ومملوكك) على جهة الخضوع له كما يقول الناس لم يستبح ملك رقبته في ذلك ومن لم يراع المقاصد والنيات والعرف في الكلام فإنه يلزمه أن يجوز له بيع هذا القائل وملك رقبته بمجرد هذا اللفظ.
وهذا باب عظيم يقع فيه المفتي الجاهل فيغر الناس ويكذب على الله ورسوله ويغير دينه ويحرم ما لم يحرّمه الله ويوجب ما لم يوجبه الله والله المستعان.
стр. 8772
وقال السرخسي في [أصوله: ١/١٩٠، ١٩١] في بيان جملة ما تترك به الحقيقة:
تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال عرفًا لأن الكلام موضوع للإفهام، والمطلوب به ما تسبق إليه الأوهام، فإذا تعارف الناس استعماله لشيء عينًا كان كذلك بحكم الاستعمال كالحقيقة فيه، وما سوى ذلك – لانعدام العرف – كالمهجور لا يتناوله إلا بقرينة، ألا ترى أن اسم الدّراهم – كذا ولعل صوابه: الدرهم – عند الإطلاق يتناول نقد البلد لوجود العرف الظاهر في التعامل به ولا يتناول غيره إلا لقرينة لترك التعامل به ظاهرًا في ذلك الوضع وإن لم يكن بين النوعين فرق فيما وضع له الاسم حقيقة وبيان هذا الاسم للصلاة فإنها للدعاء حقيقة.
ثم قال: وهي مجاز للعبادة المشروعة بأركانها سمّيت به لأنها شرعت للذكر قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [الآية ١٤ من سورة طه] وفي الدعاء ذِكْر وإن كان يشوبه سؤال، ثم عند الإطلاق ينصرف إلى العبادة المعلومة بأركانها سواء كان فيها دعاء أو لم يكن كصلاة الأخرس وإنما تركت لحقيقة الاستعمال عرفًا، وكذلك الحج فإن اللفظ للقصد حقيقة ثم سميت العبادة بها لما فيها من العزيمة والقصد للزيارة، فعند الإطلاق الاسم يتناول العبادة للاستعمال عرفًا والعمرة والصوم والزكاة وغيرها، على هذا فإن نظائر هذا أكثر من أن تحصى ولهذا قلنا: من نذر صلاة أو حجًّا أو مشيًا إلى بيت الله يلزمه العبادة وإن لم ينو ذلك، فالمشي إلى بيت الله تعالى غير الحج حقيقة، ولكن الاستعمال عرفًا ينصرف مطلق اللفظ إليه وكذلك لو قال: لله عليَّ أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة يلزمه التصدق بالثوب للاستعمال عرفًا، فاللفظ حقيقة في غير ذلك، ومن حلف أن لا يشتري رأسًا ينصرف يمينه إلى ما يتعارف بيعه في الأسواق من الرءوس على حسب ما اختلفوا فيه وكل ذلك للاستعمال عرفًا.
فأما من حيث الحقيقة الاسم يتناول كل رأس.
ومن حلف ألا يأكل بيضًا يتناول يمينه بيض الدجاج والأوز خاصة لاستعمال ذلك عند الأكل عرفًا ولا يتناول بيض الحمام والعصفور وما أشبه ذلك.
وقال ابن نجيم في [الأشباه والنظائر: ص٩٣، ١٠١] :
القاعدة السادسة: (العادة محكّمة) .
وأصلها قوله ﵊ ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن)) . قال العلائي: لم أجده مرفوعًا في كتب الحديث أصلا ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود – ﵁ موقوفًا عليه أخرجه أحمد في مسنده.
стр. 8773
قلت: سبق أن ذكرنا تخريج هذا الحديث لكن من أغرب ما وقفنا عليه حوله قول ابن عابدين في [رسائله: ص١٢٠] .
(رسالة نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف) . _ ويظهر أنه نقل على القُنْيَة) -:
وسئل النبي ﷺ عن خميرة يتعاطاها الجيران أيكون ربا؟ فقال: ((ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح)) .
ولم نقف فيما بين أيدينا من مدونات السلف للفقه أو الحديث أو آثار الصحابة والتابعين على رواية لهذا الحديث بهذا اللفظ ولا ندري من أين جاء به.
ثم قال ابن نجيم:
واعلم أن اعتبار العادة والعرف يرجع إليه في اللغة في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلا فقالوا في الأصول في باب ما تترك به الحقيقة، تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة كما ذكر فخر الإسلام فاختلف في عطف العادة على الاستعمال فقيل: هما مترادفان وقيل: المراد من الاستعمال نقل اللفظ عن موضوعه الأصلي إلى معناه المجازي شرعًا وغلبة استعمال فيه ومن العادة نقله إلى معناه المجازي عرفًا. ثم قال:
وذكر الهندي في (شرح المغني) : العادة عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المقبولة عند الطباع السليمة وهي أنواع ثلاثة: العرفية العامة كوضع القدم. والعرفية الخاصة كاصطلاح كل طائفة مخصوصة كالرفع للنّحاة والفرق والجمع والنقض للنظار. والعرفية الشرعية كالصلاة والزكاة والحج تركت معانيها اللغوية بمعانيها الشرعية.
ثم ذكر ممّا فرّع على هذه القاعدة (ألفاظ الواقفين تنبني على عرفهم وكذا لفظ النادر الموصي والحالف وكذا الأقارير تنبني عليه) غالبًا.
ثم قال:
فإذا تعارضا قُدِّم عرف الاستعمال خصوصًا في الأيمان – أي العرف والشرع-.
ثم قال:
صرَّح الزيلعي وغيره بأنَّ الأيمان مبنية على العرف لا على الحقائق اللّغوية.
ثم ساق قولهم: (المعروف عرفًا كالمشروط شرعًا) .
ثم قال:
العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر ولذا قالوا: لا عبرة بالعرف الطارئ، فلذا اعتبر العرف في المعاملات ولم يعتبر في التعليق فيبقى على عمومه ولا يخصُّه العرف.
*
**
стр. 8774
الفصل السابع
ظَاهرة حَضَاريَّة
الاختلاف المتمثل في النصوص التي سقناها في الفصول السابقة ليس في جوهره اختلافًا في تأويل نصوص القرآن والسنة وإنما هو اختلاف في فقه المناط، نشأ بعضه من افتقار البعض إلى الحاسة الفقهية مع تمسّك شديد بألفاظ النصوص افتقارًا يشهد له قوله ﷺ : ((رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ... )) الحديث تعليق: الحديث مشهور أخرجه من الستة بهذا اللفظ أبو داود والترمذي وابن ماجه كما أخرجه عدد من أصحاب السنن غيرهم.
أما أبو داود فرواه في [سننه: ٣/٣٢٢، ح ٣٦٦٠] عن زيد بن ثابت – فقال – حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب، عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه)) .
وقال الترمذي في [الجامع الصحيح: ٥/٣٣، ٣٥، ح٢٦٥٦] :
حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود، أخبرنا شعبة، أخبرنا عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه، قال: خرج زيد بن ثابت من عند مروان نصف النهار، قلنا: ما بعث إليه في هذه الساعة إلا لشيء سأله عنه فسألناه فقال: نعم سألناه عن أشياء سمعناها من رسول الله ﷺ يقول: ((نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه)) .
قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأنس: ثم قال: حديث زيد حديث حسن.
ثم قال: [ح٢٦٥٨] :
حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه عن النبي ﷺ قال: ((نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها وحفظها فبلغها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أيمة المسلمين، ولزوم جماعتهم فإن الدعوة تحيط من ورائهم)) .
وقال ابن ماجه في [سننه: ١/٨٤، ٨٦، ح ٢٣٠] :
حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير وعلي بن محمد قالا: حدثنا محمد بن فضيل، حديثنا ليث بن أبي سليم، عن يحيى بن عباد، عن أبي هريرة الأنصاري عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : ((نضر الله امرءًا سمع مقالتي فبلغها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) .
زاد فيه علي بن محمد: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أيمة المسلمين، ولزوم جماعتهم.
٢٣١- حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد السلام، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ بالخيف في مني: ((نضر الله امرءًا سمع مقالتي فبلغها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) . حدثنا علي بن محمد حدثنا خالي يعلي.
وحدثنا هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن يحيى قالا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، عن النبي ﷺ بنحوه.
ثم قال [ح٢٣٦] :
حدثنا محمد بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن معان بن رفاعة، عن عبد الله بن بخت المكي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) .
стр. 8775
ثم قال [٢/١٠١٥، ١٠١٦، ح ٣٠٥٦] :
حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، وساق مثل الحديث السابق سندًا ولفظًا سواء. . ونشأ بعضه من حال حضارية كانت سائدة عندهم فوقفوا عند مقتضياتهم في تكييف مفاهيمهم للنصوص.
ولو قد مضينا نتقصى مقولات الفقهاء والمتفقَّهة في مجالات العقود لملأنا مجلّدات من أعاجيبها وهي جميعًا – على تغاير وتعارضها وأحيانًا على تناقضها – لتكاد تخرج عند التمحيص عن هذين السببين اللذين ألمعنا إليهما إلا ما كان تمحّلات المقلدة الذين واجهتهم بعض التغيرات الحضارية، وقعد بها التقليد عن تجاوز مقولات أسلافهم والرجوع إلى نصوص القرآن والسنة لقراءتها وفهمها من جديد، فطفقوا يبدءون ويعيدون في تيه فقهي عجيب لا يكادون يجدون منه منفذًا، فكان أن تراءى للمحدثين من الراغبين في المواءمة بين الشريعة الإسلامية ومقتضيات الحضارة المعاصرة كما لو كان التشريع الإسلامي يعسر التوفيق بينه وبينها لأنهم حسبوا أنّ مقولات المقلدة من متفقهة عهود التحجر الواقفين أنفسهم في ما أرهقوها بوضعه من الشروح والحواشي والتقارير على ألوان من التمحلات تقديسًا لمقولات أسلافهم وجمودًا لها واعتبارًا لها مقدمة على نصوص الكتاب والسنة كما لو كان فهم تلك النصوص مقصورًا على السلف الأول محظورًا على غيره ممن يأتي بعدهم. أقول لأنَّ المحدثين حسبوا أن هذه المقولات هي لب الفقه الإسلامي وخلاصته وصفوته، فوقف جلهم عندها يحاولون هم أيضًا أن يجدوا سبيلا إلى التوفيق بينها وبين ما يعايشونه من أحوال حضارية وضرورية وحاجية محاولة كثيرًا ما أعجزتهم فاستسلموا وقليل منهم من اكتشف الواقع المرّ لتلك المقولات فتجاوزها باحثًا عن حقيقة التشريع الإسلامي في نصوص الكتاب والسنة، مسترشدًا بالقلّة النادرة من الفقهاء الموفقين أمثال الشاطبي وابن تيمية وابن القيم ومحمد الطاهر بن عاشور، أولئك الذين استطاعوا أن ينفذوا ببصائرهم إلى سرائر التشريع الإسلامي وأن يحكموا في استفقاههم له مياسم المناط وملامح الحكمة، وبذلك رسموا نهجًا نيرًا انفردوا به فجاء متكاملا عجبًا من التوفيق والسداد لما ينبغي أن يتخذ نبراسًا لتفهم الشريعة الإسلامية والتوفيق بينها وبين مقتضيات الحضارة مهما تطورت وتغايرت أوضاعها ومستلزماتها.
стр. 8776
وفيما يلي نتبين تأثير التغير الحضاري في تصورات ومقولات السلف الأول في الجانب المتصل بالعقود من تشريعات المعاملات والأحوال الشخصية.
لعل من أبرز ما يجلو تأثير المقتضيات الحضارية في فهم النصوص وفقه ما جاءت به من تشريع قضية (خيار المجلس) ومصدرها وما سقناه في الفصل الخامس من حديث ابن عمر وحكيم بن حزام وأبي هريرة وغيرهم، وفيه عن رسول الله ﷺ : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) وما شاكل ذلك من ألفاظ، فقد وقف ابن عمر – ﵁ عند لفظه فكان إذا صفق بيعًا مع مشترٍ قام فمشى خطوات ثم عاد إلى مجلسه ليكون بذلك فارقه فتم العقد، وعللوا ذلك فيما جاء في بعض روايات الحديث من أنَّ عدم الافتراق قد يوجب على المتبايعين أن يقيل أحدهما صاحبه إذا استقاله، وحاول ابن حجر في التلخيص مناصرة لمذهبه أن يعتذر لابن عمر بقوله [٢/٢٠، ح١١٨٢] :
لم يبلغ ابن عمر النهي المذكور فكان إذا بايع رجلا فأراد أن يتم بيعه قام فمشى هنيهة ثم رجع إليه. انتهى كلام ابن حجر.
وهو اعتذار عجب كما ترى ليس لأن ابن عمر لم يكن يقصد إلى معنى هذا الاعتذار، بل لأن ابن حجر جاء بعد ثمانية قرون ليدعم موقف الشافعي إمامه من قضية (خيار المجلس) ، إذا كان شديد التشبث – كما بينا في الفصل الخامس – بمقولة التفرق بالأبدان باعتباره شرطًا لانعقاد البيع وانتهاء حق المتبايعين في الخيار ما لم يشترطه أحدهما.
ومرد فهم ابن عمر ومن سار مساره ومنهم الشافعي لهذا النص إلى أنهم كانوا في ذلك العهد ومن قبله لا يعرفون في التجارة إلا التعامل المباشر سواء كان أساسه مقايضة أو ثمنًا، وكان الثمن نفسه يشبه المقايضة في الجزيرة العربية وفي غيرها من الأقطار التي لم تكن تسلك النقود بل كانت تستوردها أو تتعامل بمعدنيها وزنًا، وفي كلتا الحالتين كان لخيار المجلس معناه باعتبار التفرق تفرق أبدان لأن التصافق – وهو صيغة إتمام البيع عندهم يومئذ – على معاملة أساسها المقايضة قد يتم بسرعة يتعذر معها استكناه كلتا السلعتين المقايض بهما استكناهًا يستحيل معه خفاء ما يكون في إحداهما أو فيهما معًا من عيب، ولأن اضطراب أسعار العملة المسكوكة وأسعار الذهب والفضة الموزونين كل منهما بالنسبة إلى الآخر تبعا لتقلبات السوق الناتجة عن الطوارئ غير المقدر لها، ثم ما يكون أحيانًا في الدرهم أو الدينار من زيف كثير أو قليل بل وحتى في معدني الذهب والفضة نفسيهما، كل ذلك يسوغ فهمهم يومئذ لقول رسول الله ﷺ : ((ما لم يفترقا)) أو ((ما لم يتفرقا)) على أنه افتراق أو تفرق بالأبدان، فما دام المتبايعان معًا في مجلسهما فقد يشعر أحدهما بالغبن لِمَا يكتشف من زيف أو نقص في وزن الدرهم أو الدينار أو لِمَا يطرأ على أحد النقدين من انخفاض أو ارتفاع فيحاول التحلل من صفقة بالاستقالة أو بدعوى عدم انعقاد البيع، ولذلك وقر في فهمهم من رأى التفرق بالأبدان أنَّ الافتراق والتفرّق الوارد في الحديث أراد أن يحسم مثل ذلك الاحتمال بابتعاد أحد المتبايعين عن الآخر، وإن بضع خطوات إنهاء لعملية المبايعة.
стр. 8777
وهذا الوضع الحضاري السائد يومئذ ما لبث أن تغير إذ ضولت عمليات المقايضة في المعاملات وساد التعامل بالنقد وتقلص العمل بالوزن لانتشار العملة المسكوكة وقل في الفترة الأولى - بصورة ظاهرة - وجود الزيف في العملة المسكوكة لكثرة الذهب والفضة في أيدي الناس ولشدّة رقابة الدولة الأموية على سك النقود واحتكارها الذي يكون تامًا له، كما تغيرت أساليب التجارة تدريجيًّا باتساع رقعة الدولة الإسلامية واشتداد قوتها وتمكنها اشتدادا جعل الدول الأخرى ترغب رغبة أكيدة متزايدة في التعامل معها تصديرًا واستيرادًا.
وكان من أئمة الفقه من اتخذ من التجارة مصدرًا لمعاشه ومنهم مالك بن أنس – ﵀ – ونتيجة لذلك اتسع أفق الفهم لديه فاستقر على أنَّ الصفق وتبادل الأثمان والسلع هو التفرّق أو الافتراق المراد من الحديث، فكانت مقولته التفرّق بالأقوال.
والذي يعنينا من هذه القضية ما أصبح عليه التعامل يومئذ بين الناس من الاتساع والتنوع بحيث انحسر وكاد ينعدم التعامل مواجهة في المعاملات الكبرى، بل أخذ ينحسر حتى في المعاملات الصغرى، وساد بين الناس التعامل - حتى في المدينة الواحدة والحي الواحد- بالهاتف، وخارج المدينة والحي كان بالبرق ثم أصبح – إلى جانب الهاتف الصوتي – بالوثائق المتناقلة كهربائيًّا (تلكس – TELEX) ، والمصورة هاتفيًّا (تلفاكس – TELEFAX) ، بل قد أخذت تظهر وسيلة جديدة يوشك أن تقضي على الهاتف الصوتي المجرد وهي (الهاتف المرئي –TELECOME) ، أي الذي ينقل لكل من المتخاطبين – مع صوت مخاطبه – صورته، وفضلا عن ذلك أخذ ينتشر الهاتف المشترك وهو الذي يتيح لعدة أفراد أماكن مختلفة وقد يكونون في قارات مختلفة أن يتخاطبوا جميعًا في حالة واحدة كما لو كانوا في مجلس واحد متجاورين أو متواجهين.
فما حكم الشريعة الإسلامية في هذه الأنواع من المعاملات؟ هل تعتبر داخلة في نطاق (خيار المجلس) ؟ وإذن فعلى قول القائلين بالتفرّق بالأبدان كيف يتمّ هذا التَّفرُّق. هل يكون على أحد المتخاطبين أن يضع سمّاعة الهاتف الصوتي أو الهاتف المصور؟ أو أن ينصرف عن (الهاتف المصور للوثائق - TELEFAX) ، أو عن (الجهاز الناقل كهربائيًّا للمراسلات - TELEX) ؟ وإذن فكيف يتسنى المخاطبة أن يتبين أن صاحبه قد غير مجلسه فمشى خطوات فقطع عليه بذلك حق الخيار أو الاستقالة؟
стр. 8778
ثم لو قلنا بالتفرّق بالأبدان في (خيار المجلس) فما هو الحكم فيما إذا كان أحد المتبايعين قد ألزم نفسه أثناء اتصاله بصاحبه عن طريق أحد الأجهزة المشار إليها آنفًا أو ما شاكلها بسعر معين بيعًا أو شراء وبمواصفات معينة أيضًا للسلعة المباعة أو المشتراة وقبل أن يتلقى جواب صاحبه بالقبول – وهذا يتبين جليًّا في التعامل بآلات النقل والتصوير الكهربائي – تلقى بواسطة جهاز آخر إشعارًا عن تغيّر السعر في السوق إمّا سعر السلعة أو سعر العملة المتبايع بها، في حين أنَّ صاحبه قد قبل فعلا وهو بصدد إرسال الإجابة بالقبول أو لم يجب بعد في حالة التعامل بالأجهزة الصوتية لأنه استطرد في حديث آخر مع صاحبه، فهل يكون لهذا الذي تلقّى إشعارًا بتغيّر السعر في السوق أن يسحب موافقته بعد أن قطع بها على نفسه عهدًا وقبل بها صاحبه وإن لم يبلغه قبوله بعد؟ وفي هذه الحال أفلا يكون في ذلك إخلال بما أمر الله به من الوفاء بالعقود؟! وهل يجدي في تسويغ هذا الإخلال التشبث بحكاية التفّرق بالأبدان لو حاولنا تكييفها بحيث تنطبق أيضًا على هذا النوع من المعاملات التي تقع بين متباعدين اثنين أو أكثر، وفي هذا العصر الذي أصبح (الحسيب) (١) وفيه يقوم مقام المتعاملين أو المتعاملين الكثر وينجز العمليات التجارية في لحظات؟ ما موقع التفرّق بالأبدان من عملياته؟ وفي هذا العصر الذي تهيمن فيه أسواق الأوراق المالية مسيّرة بـ (الحسيب) خاضعة لسيطرته على مختلف أنواع المعاملات المالية وخاصة النقدية منها، إذ لم يعد النقد معدنًا أو مادة يتعامل بها لذاته بل أصبح اعتباريًّا وشبه وثائق تقديرية لقيم يتعامل بها وهميًّا. وقد يتغير سعر العملة من تلك التي يتعامل بها عالميًّا أكثر من مرة في الدقيقة الواحدة كيف يستقيم (خيار المجلس) على أساس التفرق بالأبدان أساسًا للمعاملات دون أن يحدث اضطرابًا وفوضى لا حدود لهما تختل بهما جميع العمليات المتداولة بين الناس والمتوقف عليها حياتهم المعاشية والحضارية؟!
لا نريد أن نستبق مسار البحث فنبلغ إلى غايته قبل نهايته إن نريد إلا أن نرسم معالم النهج الذي يتعين – ولا يصلح غيره – لفهم النصوص التشريعية لاسيما ما يتصل منها بالمعاملات وبعبارة عامة ما ليس منها تعبديًّا صرفًا ذلك بأنَّ الظروف التي كيفت أفهام ابن عمر والشافعي ومن نحا نحوهما لحديث الخيار ولمعنى عبارة التفرّق والافتراق منه قد تكون مسوّغة لذلك النوع من الفهم لعهدهما لكن لا سبيل إلى اعتبارها ولا إلى اعتبار الفهم المتكيف بها في حال تغيرت فيه جوهريًّا طرائق الحياة وأساليب التعامل بين الناس.
стр. 8779
وملحظ التأثير الزمني والبيئي في تكييف أفهام الناس ودلالات الصيغ – ألفاظًا كانت أوعباراتٍ – ملحظ دقيق على أنه ضروري لاستنباط الأحكام الشرعية وفهم النصوص الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان.
لذلك كان العرف والعادة مؤثرين تأثيرًا بليغًا في ضبط معاني الصيغ ودلالاتها وفي تحديد مناهج استنباط الأحكام وتعيين قواعده ومعالم مساره.
وقد يزيد من تبيان هذا الملحظ تأمل قضية (التعبير) الذي ينعقد به البيع وهي قضية أبدأ فيها المتفقهة وأعادوا ما شاءت لهم طرائقهم في فهم النصوص واستنباط الأحكام منها فاضطربوا أعجب اضطراب وأغربه في تعيين صيغ الإيجاب والقبول في عقود المعاملات والأنكحة وما شاكلها، فلما واجهتهم أفعال وأقوال لرسول الله ﷺ لم يجدوا سبيلا إلى التشكيك فيها أثبتت اعتماده ﷺ لغير اللفظ المقول أساسًا للحكم ذهب بعضهم يحاولون تضييق نطاق هذا الأساس وتحديد فعاليته بضوابط وحدود لا مسوِّغ لتمحلها إلا وقوفهم عند ظواهر بعض النصوص أو جمود بعضهم على مقولات أهل مذاهبهم حتى كانوا يؤثرونها على الثابت من قول رسول الله ﷺ أو فعله فيحكمونها فيه.
وشاء الله أن تتطّور الحضارة البشرية فينحسر مجال التّعامل بالقول المسموع لا سيما في المعاملات التجارية انحسارًا أوشك أن يلغيه فيما يتسع مجال التعامل بالتعبير المرتكز بعضه على الكتابة سواء كانت باليد أو بالإجهزة الناقلة كهربائيًّا، ويرتكز جانب منه على نوع آخر من الكتابة هو تحويل الألفاظ التي يراد تحويلها كتابة إلى رموز وإشارات، ثم ترجمة تلك الإشارات مرة أخرى بعد أن تنقل كهربائيًّا بين مكانين متباعدين – إلى تلك الألفاظ نفسها أو إلى ما يعبر عنها -، وذلك هو الشأن في التواصل البرقي أواللاسلكي غير البرقي مثل القائم على النقل الكهربائي للعبارات (التلكس – TELEX) وما شاكله، بل إن التواصل الصوتي نفسه يتحول بين الطرفين المتخاطبين ذبذبات كهربائية بعد أن يصير ألفاظًا مسموعة يتبادلانها، وهذه الذبذبات لا تختلف في جوهر طبيعتها عن تلك الرموز والإشارات التي تعمل بها غير الأجهزة الصوتية من أجهزة الاتّصال اللاسلكي.
стр. 8780
فلو وقفنا حيث وقف أولئك المتفقّهة من تحديد صيغ الإيجاب والقبول في تحقيق العقود تعذَّر أو استحال إنجاز التعامل بين الناس بهذه الأجهزة المستحدثة والتي تتوقّف عليها توقّفًا كاملا معاملات البشر اليوم.
وحتى إذا أمكن اعتبار بعض تلك الأجهزة – مثل أجهزة الاّتصال الصوتي – غير غريبة أو غير مستحيل التعامل بها في نطاق تحديدهم لصيغ الإيجاب والقبول، فإنّ التعامل بغيرها وخاصة (الحسيب) لا سبيل إلى إيجاد علاقة (شكلية) بينه وبين تلك الصيغ لاستحالة وجود صوت أو عبارة لفظية بذاتها يمكن له إلحاقها بها.
لكن فهم فعل رسول الله ﷺ وقوله مما سقنا بعضًا منه في الفصل الرابع إذ اعتمد الإشارة أساسًا للحكم في قصة الجارية المعتاد عليها مثلا، بل اعتمد عدم التعبير والإمساك عنه أساسًا لإبرام العقد بقوله ﷺ : ((الثيب تعرب عن نفسها والبكر إعرابها صمتها)) تعليق: الحديث بهذا اللفظ أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي من حديث عدي بن عدي بن عميرة. قال أحمد في [مسنده: ٤/١٩٢] :
حدثنا إسحاق بن عيسى قال: حدثني ليث يعني ابن سعد قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن أبي حسين، عن عدي بن عدي الكندي، عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: ((الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها)) .
ثم قال:
حدثنا علي بن عياش وإسحاق بن عيسى وهذا حديث علي قال: حدثنا الليث بن سعد قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن أبي حسين المكي، عن عدي بن عدي الكندي، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: أشيروا على النساء في أنفسهن فقالوا: إن البكر تستحي يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : ((الثيب تعرب عن نفسها بلسانها والبكر رضاها صمتها)) .
وقال ابن ماجه في [سننه: ١/٦٠٢، ح ١٨٧٢] :
حدثنا عيسى بن حماد المصري، أنبأنا الليث بن سعد، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن أبي حسين، عن عدي بن عدي الكندي، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها)) .
وتعقبه الكتاني في [المصباح: ١/٣٣٠، ح ٦٧٤] بقوله:
هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. عدي لم يسمع من أبيه عدي بن عميرة يدخل بينهما العرس بن عميرة قاله أبو حاتم وغيره.
وقال المزي: رواه يحيى بن أيوب المصري عن ابن أبي حسين، عن عدي بن عدي، عن أبيه، عن العرس رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ .
ثم قال:
وهكذا رواه الحاكم في (المستدرك) من طريق عمرو بن الربيع، عن طارق، عن يحيى بن أيوب فذكره بإسناده ومتنه. ورواه البيهقي في (سننه الكبرى) عن الحاكم به، ورواه الإمام أحمد في (مسنده) عن طريق عدي بن عدي. ورواه ابن أبي شيبة في مسنده عن يحيى بن إسحاق، عن ليث بن سعد وأبو يعلي الموصلي، حدثنا زهير، حدثنا إسحاق بن عدي، حدثنا ليث فذكره.
ثم قال:
وله شاهد من حديث ابن عباس وأبي هريرة في (صحيح مسلم) وغيره.
قلت: لم أقف على هذا الحديث في مظانه من (مستدرك) الحاكم ولا من (الكتاب المصنف) لابن أبي شيبة لكن رواه البيهقي عن الحاكم فقال في [السنن الكبرى: ٧/١١٣] :
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، أخبرني يحيى بن أيوب، عن أبيه، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، أنه أخبره عن عدي بن عدي الكندي، عن أبيه، عن عرس بن عميرة الكندي رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: ((وأمروا النساء في أنفسهم فإن الثيب تعرب عن نفسها والبكر رضاها صمتها)) .
стр. 8781
وأخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق التركي وأبو بكر بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن عبد الله بن عبد الرحمن القرشي، عن عدي بن عدي الكندي، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال ((شاوروا النساء في أنفسهن فقيل له: يا رسول الله إن البكر تستحي قال: الثيب تُعَرِّف عن نفسها والبكر رضاها صمتها)) . ولم يذكر العرس في إسناده. . واعتباره الأساس الحق دون غيره لتحديد أساليب إبرام العقود. أقول لكن ذلك هو الذي يخرج بنا من دوامة تمحلات المتفقهة وتعقيداتهم في تحديد صيغ التعاقد وأساليبه، ويبين المعجزة الإلهية العجيبة المتجلّية في إثبات أنّ الشريعة الإسلامية شريعة أبديَّة لا تتخلّف عن زمان ولا تختلف في بيئة ليس بدلالات النصوص القرآنية فحسب بل وبدلالات ما ثبت من فعل رسول الله ﷺ وقوله.
وفي هذا المجال أيضًا يتجلَّى تأثير الأعراف والعادات في تكييف مناهج استنباط الأحكام وفهم النصوص وتعيين أساليب التعامل وصِيَغِه طبقًا لها في غير عناء ولا تمحل، وذلك لما للأعراف والعادات التي تؤثر في صنعها تأثيرًا بليغًا مستحدثات الحضارة البشرية ومقتضياتها من أثر حاسم في توجيه وتكييف أفهام الناس للنصوص واستنباطهم الأحكام منها وفقههم لأسرارها وحكمها التشريعية.
стр. 8782
على أنَّ رسول الله ﷺ قد وضع الأساس العملي بطريقة عملية لهذه الحقيقة حقيقة تحكيم الأعراف والعادات في ضبط طرائق المعاملات وأساليب صياغة العقود بين الناس بما أقرّ من معظم ما وجد عليه الناس في حياتهم المعاشية وتصحيح وتقويم بعضها مما لم يكن ملتزمًا بقواعد العدل التي هي أساس التشريع الإسلامي وكل تشريع سبقه.
ومن أبرز ما يشخص ذلك قوله ﷺ : ((الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة)) . وما شاكل هذا القول من ألفاظ الحديث. وإقراره التعامل بالدينار والدرهم نقدًا ووزنًا وهو ما كان عليه العمل في الحجاز عندئذ.
وجلي أن تعيين المبيع بالكيل والوزن وما شاكلهما وتعيين الثمن بالنقد المسكوك أو الموزون أساسان ضروريان لتحقيق العدل ونفي الغرر والاعتساف في المعاملات المالية وما شاكلها.
ولو شاء ﷺ لوضع للناس كيلا جديدًا ووسيلة أخرى للتثمين غير ما كانوا تعوَّدوا التعامل به، لكنه ﷺ بإقراره لما وجده عادة عادلة درجوا عليها في تعيين المبيع وتحديد الثمن شَرَعَ تشريعًا يتجاوز هذين الأمرين، ومداه أنَّ كل عادة وكل عرف لا يخرج عن نطاق العدل والإنصاف مشروع له قوة النص بل له قوة التحكّم في تحديد ما يفهم من النص وما يفقه من دلالاته الشرعية، وبهذا التشريع يتحقق أساس قابلية التطور للنصوص الشرعية الحافظة وحدها لأساس العدل بين الناس ولبقاء العلاقة الضرورية بين معاملاتهم وبين ما تجب عليهم مراعاته من الالتزام بضوابط ومعايير شرع الله.
ولبيان أن هذا الأساس أساس طبيعي متجانس مع ما جرى عليه التطور الحضاري البشري نسوق فيما يلي شواهد مما درج عليه وتطور التشريع الوضعي لدى غير المسلمين واقتبسته دول إسلامية دأبت على التكيف بالمناهج التشريعية الوضعية في تشريعاتها.
*
**
стр. 8783
الفصل الثامن
العقد كما يتصور في التشريع البشري
قال السنهوري في [مصادر الحق: ٣/١٤٤، ١٤٦] :
الوحدة في العقد كانت تضاهي الوحدة في الدعوى والعقد كالدعوى كانت تسوده البساطة العامة فكان لا يشتمل إلا على صفقة واحدة ولا ينشئ إلا حقًّا واحدًا، وبقدر تعدّد السلطات والحقوق كان من الواجب أن تتعدد العقود، كان لا يجوز أن يجتمع حقّان من طبيعة مختلفة، حق عيني وحق شخصي في عقد واحد، بل كان لا يجوز أن يجتمع حقان من طبيعة واحدة في عقد واحد سواء كانا حقّين عينيين أو حقين شخصيين.
كان لا يجوز أن يجتمع حق عيني وحق شخصي في عقد واحد يتجلى أثر ذلك في الرهن، فقد بدأت فكرة الرهن تدخل النظام القانوني على الوجه الآتي: كان الرهن ينقل ملكية العين المرهونة إلى الدائن المرتهن ثم يفرض عليه التزامًا أن يعيد إليه هذه الملكية عند وفاء الدين المضمون بالرهن، فكانت عملية الرهن على هذا الوجه تتضمن نقل حق عيني وإنشاء التزام شخصي ولكن لم يكن يجتمع الأمران معًا في عقد واحد فينقل الراهن في العقد ملكية العين المرهونة ويشترط في نفس العقد أن تعاد إليه الملكية عند وفاء الدين، بل كانت تنقل إلى المرتهن في عقد شكلي (MANCIPATION) مستقل والالتزام بإعادة نقلها إلى الدائن يفرض في عقد شكلي آخر (CONVENTION ACCESSOIRLAFIDUCIA) متميز عن العقد الأول، كذلك إذا أراد المولى أن يعتق عبده وأراد في الوقت ذاته أن يخدمه العبد بعد العتق لم يكن المولى يستطيع في عقد واحد أن يجمع بين العتق واشتراط الخدمة، بل كان عليه أن يعتق العبد بتصرف قانوني قائم بذاته غير مقترن بأي شرط ثم يشترط عليه الخدمة في عقد آخر متميز عن التصرف الذي تضمن الإعتاق.
وكان أيضًا لا يجوز أن يجتمع حقان عينيَّان في عقد واحد كأن يجتمع حق الملكية مع الارتفاق حتى إن المالك كان إذا أراد أن ينقل ملكية العقار إلى شخص آخر على أن ينشىء لمصلحته حق ارتفاق على هذا العقار لم يكن ينقل ملكية العقار كاملة، ثم يشترط في العقد ذاته إنشاء حق الارتفاق بل كان ينقل حق الملكية منقوصًا منه حق الارتفاق الذي يستبقيه لنفسه، فلم يكن العقد يتضمن صفقتين إحداهما نقل حق الملكية والأخرى إنشاء حق الارتفاق بل كان يتضمن صفقة واحدة هي الملكية الناقصة بعد الاحتفاظ بحق الارتفاق ولم يكن حق الارتفاق ينشأ بالعقد بل يستبقي على أصل الملك الأول.
стр. 8784
وكان أخيرًا لا يجوز أن يجتمع حقان شخصيان في عقد واحد، كبيع وإيجار أو بيع وقرض ذلك أن الصناعة القانونية كانت تقضي بأن يكون لكل عقد صيغة خاصة لا ينعقد إلا بها، ولا ينعقد بها غيره من العقود. وكان يراد التعامل. ومن ثم كان المتعاقدان لا يستطيعان استعمال صيغة عقد البيع في الوقت الذي يستعملان صيغة الإيجار أو صيغة عقد القرض، وكان لا يمكن تبعًا لذلك أن يجمع المتعاقدان صفقتين في صفقة واحدة.
ثم إن العقد طبقًا للصناعة القانونية القديمة هو أيضًا وحدة زمانية في وقت معين – هو الوقت الذي يبرم فيه العقد – يتركز كل شيء يتعلق بهذا العقد من ناحية تمامه والفراغ منه، ومن ناحية الشروط الواجب توافرها فيه ومن ناحية الآثار التي تترتب عليه.
١- فمن ناحية تمام العقد والفراغ منه تتجلى وحدة الزمان في أن المتعاقدين يجب أن يحضرا في مكان واحد وأن يبرما العقد في وقت واحد ذلك بأن وحدة الزمان تقتضي وحدة المكان، ففي مكان واحد وفي وقت واحد يبرم العقد الواحد وذلك هو مجلس العقد.
ويقول أهرنج [روح القانون الروماني: ٤/١٤٩] في هذا الصدد: في جميع التصرفات القانونية التي تستلزم اشتراك أشخاص متعددين كانت وحدة التصرف تقتضي حضور هؤلاء الأشخاص في مكان واحد، فالوحدة في العقد أي الوحدة في الزمان تقتضي الوحدة في المكان ومن ثمَّ كان لا يجوز أن يدخل على العقد بعد إبرامه أي تعديل، وإذا أريد تعديل العقد وجب أولا إنهاؤه ثم إبرام عقد جديد ينشئ ابتداء الروابط القانونية على الوجه المعدل ذلك أن جواز تعديل العقد مع بقائه قائمًا يخل بالوحدة الزمانية في إبرامه فقد كان ينبغي جمع كل التعديلات المطلوبة وإدماجها في العقد وقت إبرامه حتى تتحقق الوحدة الزمانية.
ثم علّق السنهوري على هذه الفقرة مضيفًا إليها فقرة أخرى نقلها أيضًا عن أهرنج [نفس المرجع: ص٥٢] وهي قوله: (على أن اتساع الرقعة الجغرافية وتعقد طرق المواصلات وانتشار الحضارة، كل أولئك دعا بعد ذلك إلى استعمال وسائل المراسلة من رسول وكتب ونحو ذلك، فوجد العقد بالتراسل والكتابة واختلت وحدة الزمان والمكان) .
стр. 8785
قلت: وعلى هذه القاعدة من التطور الحضاري وتأثيره في تكييف طرائق التعاقد بين الناس عادت الوحدة الزمانية لتصبح من جديد أساسًا فعالا في وحدة العقد ذلك بأن (إلغاء المسافة) بوسائل التواصل المستحدثة جعلت من الممكن بل من الأيسر عمليًّا أن يتعاقد أثنان أو أكثر في لحظة واحدة مهما تباعدت مواقعهما، فوسائل الاتصال السلكي واللاسلكي أعادت للوحدة الزمانية موقعها وتأثيرها في التعاقد بين الناس ولا عبرة بالثواني أو الدقائق التي تفصل بين الرسائل والأخرى عند استعمال وسائل الاتصال الكتابي لا سلكيًّا فهي لا تختلف في شيء عن تلك الثواني أو الدقائق التي يستغرقها ويستلزمها التفاوض بين اثنين أو أكثر على الثمن أو على نوع البضاعة أو على طرق تسليمها أو موعده أو ما إلى ذلك مما هو ضروري لضبط قواعد التعامل في السلع الكبرى والعقارات وما إليها ما لا سبيل إلى تصوُّر تناوله في مجلس العقد.
وإذا اعتبرنا الوحدة المكانية يمكن أن تشمل لزوم كل من المتعاقِدَيْنِ أو المتعاقِدِينَ مكانه حال التعاقد لا يَرِيمُه حتى يتم العقد وإن كانت بينهما أو بينهم مسافة أو مسافات فاصلة على أن الأصل في اعتبار الوحدة المكانية هي عدم الانتقال الذي يقضي على الوحدة الزمانية فإن وسائل الاتصال الحديثة أعادت أيضًا لهذه الوحدة موقعها وتأثيرها في تكييف العقود ولا عبرة باحتمال أن ينهض أحد المتعاقدين من كرسيه ليأخذ ملفًا في خزانة بجانبه أو بطاقة من درج بدافع الحاجة إلى مراجعة بعض المواصفات أو العناصر التي يترتب عليها التعاقد إذ إن مثل هذا التحرك يمكن أن يحدث في مجلس العقد بين متواجهين في مكان واحد وما من أحد يمكن أن يقول أنه يعتبر تفرقًا – حتى على مذهب الشافعي – يلغي الوحدة المكانية أو الوحدة الزمانية.
ومن هذا يتضح أن (خيار المجلس) – على اختلافهم في تصوره وضبط مقتضياته – لا يختلف في التشريع الإسلامي عما كان عليه العمل في التشريع الوضعي لدى الشعوب غير الإسلامية السابقة إلى الانضباط بالشرائع الوضعية في تعاملها، وهذا دليل آخر على ما سبق أن أوضحناه من أن التشريع الإسلامي لم يأت بالتغيير في جل المعاملات البشرية وإنما جاء بتنظيمها وضبطها وإقرارها على قواعد أوفر عدالة وأحق إنصافًا.
ثم قال السنهوري في [الوسيط: ١/١٣٧، فقرة ٣٦] :
يميز بعض الفقهاء بين الاتفاق والعقد، فالاتفاق (CONVENTION) هو توافق إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو نقله أو تعديله، أو إنهائه. فالاتفاق على إنشاء التزام، مثله عقد البيع البيع، ينشئ التزامات في جانب كل من البائع والمشتري. والاتفاق على نقل التزام،مثله الحوالة , تنقل الحق أو الدين من دائن لدائن آخر أو من مدين لمدين آخر. والاتفاق على تعديل التزام , مثله الاتفاق على اقتران أجل بالالتزام أو إضافة شرط له. والاتفاق على إنهاء التزام، مثله الوفاء ينتهي به الدين.
والعقد (CONTRA) أخص من الاتفاق فهو توافق إرادتين على إنشاء التزام أو على نقله، ومن ذلك يتضح أن كل عقد يكون اتفاقا. أما الاتفاق فلا يكون عقدًا إلا إذا كان منشئًا لالتزام أو ناقلا له، فإذا كان يعدِّل الالتزام أو ينهيه فهو ليس بعقد.
стр. 8786
ثم قال [فقرة ٣٧، ص١٣٨] :
ولا نرى أهمية للتمييز بين الاتفاق والعقد ونتفق في هذا مع أكثر الفقهاء. وإذا كان الفقهاء الذين يقولون بالتمييز يرون أهمية له من حيث الأهلية، فهي تختلف في العقد عنها في الاتفاق، فإنه يلاحظ على هذا الرأي أن الأهلية تختلف باختلاف العقود ذاتها فهي في عقود التبرع مثلًا غيرها في عقود المعاوضة، ومع ذلك لم يقل أحد أن هنالك فرقًا ما بين الهبة والبيع من حيث أن كلا منهما عقد بمجرد أن الأهلية تختلف في أحدهما عن الآخر.
وفي معرض بيانه للتعبير عن الإرادة، قال [ص١٧٥، ١٧٨، فقرة ٧٦] :
نصت المادة (٩٠) من القانون المدني الجديد – يعني المصري – على ما يأتي:
١- التعبير عن الإرادة يكون باللفظ، وبالكتابة، وبالإشارة المتداولة عرفًا، كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على حقيقة المقصود.
٢- ويجوز أن يكون التعبير عن الإرادة ضمنًا إذا ما نص القانون أولم يتفق الطرفان على أن يكون صريحا.١٢١٢
ونرى من ذلك أن التعبير عن الإرادة - وهو مظهرها الخارجي وعنصرها المادي المحسوس - يكون تارة تعبيرًا صريحًا وطَوْرًا تعبيرًا ضمنيًّا.
ويكون التعبير عن الإرادة صريحًا إذا كان المظهر الذي اتخذه – كلامًا أو كتابة أو إشارة أو نحو ذلك – مظهرًا موضوعًا في ذاته للكشف عن هذه الإرادة حسب المألوف بين الناس. فالتعبير الصريح يكون بالكلام وذلك بإيراد الألفاظ الدالة على المعنى الذي تنطوي عليه الإرادة، وقد يؤدي اللسان هذه الألفاظ مباشرة وقد يؤديها بالواسطة كالمخاطبة التليفونية وكإيفاد رسول لا يكون نائبًا وقد يكون التعبير الصريح بالكتابة في أي شكل من أشكالها، عرفية كانت أو رسمية، في شكل سند أو كتاب أو نشرة أو إعلان، موقعًا عليها أو غير موقّع، مكتوبة باليد أو بالآلة الكاتبة أو بالآلة الطابعة أو بأية طريقة أخرى أصلا كانت أو صورة.
وبديهي أن الإثبات بالكتابة يتطلب شروطًا أشد مما يتطلبه التعبير بالكتابة، ويكون التعبير الصريح أيضًا بالإشارة المتداولة عرفًا فإشارة الأخرس غير المبهمة تعبير صريح عن إرادته، وأية إشارة من غير الأخرس تواضعت الناس على أن لها معنى خاصًّا يكون تعبيرًا صريحًا عن الإرادة كهز الرأس عموديًّا دلالة على القبول وهزها أفقيًّا أو هز الكف دلالة على الرفض. ويكون التعبير الصريح – أخيرًا – باتخاذ أي موقف آخر لا تدع ظروف الحال شكًّا في دلالته على حقيقة المقصود، فعرض التاجر بضاعته على الجمهور مع بيان أثمانها يعتبر إيجابًا صريحًا، ووقوف عربات الركوب ونحوها في الأماكن المعدة لذلك عرض صريح على الجمهور، ووضع آله ميكانيكية لتأدية عمل معين كميزان أو آلة لبيع الحلوى أو توزيع طوابع البريد أو نحو ذلك، كل هذا يعد تعبيرًا صريحًا.
стр. 8787
ثم قال:
وأي مظهر من مظاهر التعبير الصريحة أو الضمنية يكفي بوجه عام في التعبير عن الإرادة مع مراعاة أن هناك عقودًا شكلية سبقت الإشارة إليها تستلزم أن يتخذ التعبير مظهرًا خاصًّا في شكل معين ومع مراعاة أن هناك قواعد للإثبات تستوجب الكتابة في كثير من الفروض، ولكن الكتابة في هذه الحالة الأخيرة ليست مظهرًا للتعبير عن الإرادة بل طريقًا لإثبات وجودها من بعد أن يسبق التعبير عنها ومع ذلك فهناك أحوال يجب التعبير عن الإرادة فيها تعبيرًا صريحًا ولا يكتفي بالتعبير الضمني.
وقال في تعليق له قبل هذه الفقرة الأخيرة:
وهناك رأي يذهب إلى أن التعبير الصريح هو التعبير المباشر أو التعبير الذي يقصد به إيصال العلم بطريق مباشر إلى من توجَّه إليه هذه الإرادة.
قلت: على أن الكتابة بالوسائل اللاسلكية الحديثة الناسخة منها والناقلة لصور الوثائق يمكن أن تعتبر جامعة بين كونها وسيلة للتعبير الصريح عن الإرادة ووسيلة لإثبات وجودها باعتبار أن مجموع الرسائل أو الوثائق المتبادلة لا سلكيًّا تكون وثيقة العقد، ففي هذه الحالة تكون الوثيقة – في آن واحد – معبرة عن الإرادة ومثبتة لوجودها.
ثم قال [ص٢٣٧، ٢٤٥] :
.... يحدث كثيرًا أن يتم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مجلس واحد ويتم ذلك بالمراسلة بأية طريقة من طرقها المختلفة، البريد أو البرق أو رسول خاص لا يكون نائبًا أو غير ذلك.
وليس الذي يميز بين الفرضين في حقيقة الأمر هو أن يجمع المتعاقدين مجلس العقد أو ألا يجتمعا في مجلس واحد، بل إن المميز هو أن تفصل فترة من الزمن بين صدور القبول وعلم الموجب به في التعاقد ما بين حاضرين تمحي هذه فترة من الزمن ويعلم الموجب بالقبول في الوقت الذي يصدر فيه. أما في التعاقد ما بين غائبين فإن القبول يصدر ثم تمضي فترة من الزمن هي المدة اللازمة لوصول القبول إلى علم الموجب ومن ثم يختلف وقت صدور القبول عن وقت العلم به.
والذي يؤكد ما تقدم، أننا نستطيع أن نتصور تعاقدًا ما بين غائبين لا يفصل زمن فيه ما بين صدور القبول والعلم كالتعاقد بالتليفون وعندئذٍ تنطبق قواعد التعاقد ما بين حاضرين على ما صدر، ونستطيع أن نتصور تعاقدًا ما بين حاضرين يفصل زمن فيه بين صدور القبول والعلم به وعندئذٍ تنطبق قواعد التعاقد ما بين غائبين، ويكفي لتحقق ذلك أن نتصور أن المتعاقدين افترقا بعد صدور الإيجاب الملزم وقبل صدور القبول، ثم صدور القبول بعد ذلك وأتى من صدر منه القبول بنفسه يبلغ الموجب قبوله.
стр. 8788
وعلق على هذه الفقرة بقوله:
ولو قبل شخص إيجابًا صدر من أصم وهما في مجلس واحد فلم يسمع الموجب القبول فكتبه له الطرف الآخر فإن معرفة الوقت الذي تم فيه العقد هل هو وقت صدور القبول أو وقت كتابة القبول للموجب؟ وتمكن هذا من قراءته تتبع فيه قواعد التعاقد ما بين غائبين.
قلت: وافتراض آخر لم يتصوره السنهوري – ﵀ – ولا نقله عمن نقل عنهم الفرض السابق وهو أن يكون أحد الطرفين أعمى والآخر أصم فأوجب الأعمى وقبل الأصم، وطبيعي في هذه الحالة أن يكون جواب الأصم كتابة وعلم الأعمى بعد قراءة ما كتب الأصم، وإذا تصورنا أن كاتب الأعمى الذي يبصر به إذ هو الذي يقرأ له ويقوده غاب لحظتئذٍ عن المجلس لبضع ثوانٍ أو دقائق فإن فترة زمنية تمر قبل أن يعلم القبول.
ثم قال السهنوري:
فالعبرة إذن ليست باتحاد المجلس أو اختلافه بل يتخلل فترة من الزمن بين صدور القبول والعلم به.
ثم قال:
ومتى وضعنا المسألة على النحو الذي قدمناه تبين في الحال ماذا يترتب على هذا الوضع، فما دام هناك فترة من الزمن تفصل ما بين صدور القبول والعلم به وجب التساؤل إذن متى يتم العقد؟ أو وقت صدور القبول أم وقت العلم به؟ فإن تعين الوقت الذي يتم فيه العقد تعين أيضًا المكان الذي يتم فيه: يتم في المكان الذي يتم فيه الموجب إذ قلنا: إن العقد لا يتم إلا إذا علم الموجب بالقبول ويتم في المكان الذي يوجد فيه من صدر منه القبول إذا قلنا العقد يتم بمجرد صدور القبول.
فزمان العقد هو الذي يحدد مكانه وهذا هو الأصل وقد يختلف مكان العقد عن زمانه في بعض الفروض أهمها التعاقد بالتليفون فإنه لا يفصل زمن ما بين صدور القبول والعلم به كما رأينا فهو من ناحية الزمان بمثابة تعاقد ما بين حاضرين، أما من ناحية المكان فالمتعاقدان في جهتين مختلفتين فتجرى في تعيينه قواعد التعاقد ما بين غائبين.
ثم قال [فقرة ١٢٢] :
الفقه في البلاد التي ليس فيها تشريع يعين الزمان والمكان اللَّذَيْنِ يتم فيهما العقد – كما في فرنسا – وفي مصر في ظل القانون القديم – منقسم متشعب الرأي وذلك بالرغم من أهمية تعيين زمان العقد ومكانه على ما سنرى.
стр. 8789
وذلك أن خاصية التعاقد بالمراسلة في ما بين غائبين هي - كما قدمنا - الفترة من الزمن التي تفصل ما بين صدور القبول والعلم به
وأضاف معلقًا على هذا قوله:
وهنالك أمر آخر يقع في التعاقد بالمراسلة وهو أن تبلغ أحد المتعاقدين إرادة الآخر على غير حقيقتها، فكثير ما يقع في المراسلات البرقية خطأ في نقل ما يريد المرسل تبليغه للمرسل إليه فيعتمد هذا على ما بلغه خطأ مثل ذلك أن يظن المشتري أن البائع يعرض عليه البيع بثمن هو دون الثمن الذي يرضى به ويكون هذا نتيجة لوقوع خطأ في البرقية التي أرسلها البائع للمشتري، فإذا قبل المشتري التعاقد فهل يتم العقد؟ العقد لا يتم إذا أخذنا بالإرادة الباطلة وهذا ما ذهب إليه القضاء في مصر.
وبعد أن أثبت مراجع لهذا الرأي قال:
ويتم العقد إذا أخذنا بالإرادة الظاهرة ولكن يرجع المتعاقد الذي أصابه ضرر بالتعويض على المسئول عن الخطأ الذي وقع.
قلت: حدوث هذا وارد الاحتمال في البرقيات لأنها تحول إلى إشارات ثم تترجم من تلك الإشارات لمن أرسلت إليه ويحتمل - لكن بصورة أقل - أن يحدث في الاتصال بوسيلة النقل الكتابية (التلكس - TELEX) ، لكن حدوثه في هذه الوسيلة يشاكل حدوثه في المراسلات الكتابية الخطية أو المطبعية وأي حكم يعتمد في حال حدوثه في هذه ينطبق على حدوثه في تلك. أما وسائل النقل اللاسلكي للوثائق بالتصوير وكذلك التعاقد بالهاتف فلا سبيل إلى احتمال مثل هذا الخطأ.
ثم استأنف السنهوري قائلا:
والحق أن التعاقد إذا تم بين غائبين تعذر الوقوف على وقت يعلم فيه المتعاقدان معًا بتلاقي الإرادتين فلا يمكن أن يعلم الموجب بصدر القبول بل يجب أيضًا أن يعلم القابل بهذا العلم. وهكذا. وهذا هو الدور وهو ممتنع بل إن تلاقي الإرادتين في التعاقد ما بين غائبين لا يمكن الجزم به فقد يعدل الموجب عن إيجابه ولا يصل هذا العدول إلى علم القابل إلا بعد وصول القبول إلى علم الموجب، وقد يعدل القابل عن قبوله ولا يصل هذا العدول إلى علم الموجب إلا بعد وصول القبول إلى علمه وفي الحالتين يتم العقد وفي الحالتين لم تتلاق الإرادتان.
стр. 8790
وعلق على هذا بقوله:
وقد قيل: إن الوقوف عند وقت صدور القبول في التعاقد ما بين الغائبين يلقي الموجب في حيرة فهو لا يعلم متى تم العقد ولكن هذا القول مردود بأن الوقوف عند وقت العلم بالقبول هو أيضًا من شأنه أن يوقع القابل في حيرة، إذ هو لا يدري متى وصل القبول إلى علم الموجب فلا يعلم متى تم العقد، ونرى من ذلك أن اعتبار وقت صدور القبول من شأنه أن لا يطمئن الموجب واعتبار وقت العلم بالقبول من شأنه أن لا يطمئن القابل فلا ميزة لقول على آخر من حيث اطمئنان المتعاقدين.
قلت: ولكن هذا الاعتبار يكاد يمحي باستعمال وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية الحديثة غير البرقية إذ إن الفترة الفاصلة بين تلقي القابل الرسالة الكتابية بالتلكس (TELEX) أو بالتلفاكس (TELEFAX) الوثيقة مصورة لا يعدو بضع ثوان أو بضع دقائق على أبعد احتمال. أما الهاتف فلا يوجد فاصل زمني إطلاقًا وهذا ما يرجح بوسائل الاتصال الحديثة ٠ غير البرق – عن غيرها من وسائل التعاقد بين غائبين أو أكثر.
ثم استأنف السنهوري قائلا:
فليس يعنينا إذن في التعاقد ما بين الغائبين أن يعلم المتعاقدان معًا بتلاقي الإرادتين ولا بأن تتلاقى الإرادتان فعلا فإن هذا وذاك قد يتعذر تحققه كما قدمنا ولا يبقى أمامنا – وقد صدر القبول في وقت متقدم على الوقت الذي علم فيه الموجب بهذا القبول – إلا أن نختار بين الوقتين، وقت صدور القبول ووقت العلم به.
فإذا نحن وقفنا عند صدور القبول فعلينا أن نختار بين الوقت الذي أعلن فيه القابل قبوله – وهذا هو مذهب إعلان القبول (SYSTEME DE DECLARATION) – هذه هي مذاهب أربعة ولكل مذهب منها أنصار يقولون به.
[فقرة ١٢٣] :
أما أنصار مذهب إعلان القبول فيقولون: إن نظريتهم هي المنطبقة على القواعد العامة، فالعقد توافق إرادتين ومتى أعلن الطرف الآخر قبوله للإيجاب المعروض عليه فقد توافقت الإرادتان وتم العقد، هذا إلى أن المذهب يتفق مع مقتضيات الحياة التجارية من وجوب السرعة في التعامل.
ويؤخذ على هذا المذهب خروجه على القواعد العامة من ناحيتين، فليس من الضروري أن تكون الإرادتان متوافقتين بإعلان القبول إذ يجوز أن يعدل الموجب ولا يصل عدوله إلى القابل إلا بعد صدور القبول، كذلك ليس من الصحيح أن القبول ينتج أثره بمجرد صدوره فالقبول إرادة لا تنتج أثرها إلا من وقت العلم بها.
[فقرة ١٢٤] :
مذهب تصدير القبول: وأنصار هذا المذهب يتفقون في الواقع مع أنصار المذهب الأول فهم يكتفون بإعلان القبول ولكنهم يشترطون أن يكون هذا الإعلان نهائيًّا لا رجوع فيه ولا يكون ذلك إلا إذا كان من صدر عنه القبول قد بعث فعلا بقبوله إلى الموجب بحيث لا يملك أن يسترده بأن ألقاه في صندوق البريد أو سلمه لعامل البرق فبعث به أو أبلغه لرسول انطلق ليخبر به الموجب.
ويؤخذ على هذا المذهب أنه إذا كان مذهب القبول كافيًا لتمام العقد فليس من القانون ولا من المنطق أن يزيد التصدير أية قيمة قانونية على أن القبول المصدر يمكن استرداده كما تقضي بذلك لوائح البريد في كثير من البلاد، والكتاب في البريد ملك للمرسل حتى يتسلمه المرسل إليه.
[فقرة ١٢٥] :
مذهب تسليم القبول: وأنصار هذا المذهب يرون أن القبول لا يكون نهائيًّا بتصديره إذ يمكن استرداده وهو في الطريق وهو لا يكون نهائيًّا لا يسترد إلا إذا وصل إلى الموجب ففي هذا الوقت يتم العقد سواء علم الموجب أو لم يعلم على أن وصول القبول إلى الموجب قرينة على علم هذا به.
ومن ذلك نرى أن مذهب تسلم القبول يتذبذب بين مذهبي التصدير والعلم فهو بين أن يكون قد أخذ بمذهب التصدير مستأنيًا إذ لا يرى التصدير باتًّا حتى يصل القبول إلى الموجب وبين أن يكون قد أخذ بمذهب العلم متعجلا إذ يجعل وصول القبول قرينة على هذا العلم.