وتقدم السندات التي تصدرها الحكومة الأميركية مثالا على سندات الدين العام التي انتشر العمل بها في أكثر الدول في الوقت الحاضر. وتعد سندات الخزانة الأميركية من أكثر الأوراق المالية تداولا على مستوى الأفراد والحكومات لعظم الثقة فيها وبمصدرها وهي الحكومة الأميركية. وتنقسم تلك السندات إلى ثلاثة أنواع رئيسية: قصيرة الأجل ومدتها ثلاثة إلى ستة أشهر وتسمى (Treasury Bills) وتباع أسبوعيا بالمزاد العلني. ويمثل الفرق بين سعر شرائها بالمراد والقيمة الاسمية المطبوعة عليها سعر الفائدة المتضمن. فمثلا قد يباع السند من فئة ١٠.٠٠٠ دولار بالمراد بمبلغ ٩.٠٠٠ دولار. وفي نهاية المدة يسترد حاملة القيمة الاسمية بعد أن كان قد دفع مبلغا يقل عنها بمقدار ١.٠٠٠ دولار فكأن الفائدة عليه هي قدرها ١٠ % ومن الواضح أن سعر الفائدة الذي سيتحقق في هذا النوع من السندات هو – منذ البداية – معتمد على العرض والطلب لأنه سيعتمد على الفرق بين القيمة الاسمية وسعر الشراء.
стр. 9067
أما النوع الثاني فمدته تتراوح بين سنة إلى سبع سنوات ويسمى (Treasury Notes) والثالث من سبع إلى ٢٥ سنة ويسمى (Bonds) وكلاهما يباع بقيمة ثابتة ويدفع فائدة دورية (نصف سنوية) طول مدته ثم يسترد مالكه قيمته الاسمية في نهاية تلك المدة.
ورغم أن السند يدر عائدا ثابتا، فإن امتلاكه يتضمن قدرا من المخاطرة حتى لو كان حكوميا، ذلك أنه غير مضمون ضد تغير القوة الشرائية للنقود، كما أن سعر السند يتقلب اعتمادا على سعر الفائدة السائد، فإذا ارتفعت أسعار الفائدة السائدة على أنواع القروض والودائع انخفضت أسعار السندات، والعكس صحيح.
٤ – ب – ٥ أنواع أخرى من السندات الحكومية:
تصدر البنوك في بعض الدول سندات دين لصالح الحكومة تسمى شهادات استثمار وتقسم هذه السندات أحيانا إلى مجموعات مشابهة لسندات الخزينة الأميركية مع بعض الاختلاف منها:
المجموعة (أ) : وهي سند مدته عشر سنوات لا يجوز للمالك استرجاع قيمته قبل انتهاء هذه المدة. وعند نهاية تلك المدة يحصل المالك على القيمة الاسمية – أي المبلغ الذي دفعه ثمنا للشهادة يضاف عليها ما تراكم من فوائد بالنسبة المتفق عليها (١) .
المجموعة (ب) : وهي سند دين يعطي المالك حق قبض الفوائد المتحققة للشهادة كل سنة، وبعضها كل ستة أشهر حسب شروط الإصدار ثم له أن يسترجع القيمة الاسمية في نهاية المدة (٢) .
المجموعة (ج) : وتسمى الشهادات ذات الجوائز حيث تتم عملية سحب دورية ليفوز فيها بعض حملة تلك الشهادات بجوائز مالية اعتمادا على نتيجة (اليانصيب) .
стр. 9068
ولا يترتب عليها فوائد لحامل السند (١) .
٤ – ب – ٦ سندات حكومية بعملات أجنبية:
يصدر البنك المركزي في بعض البلدان سندات تسمى سندات التنمية الوطنية، وهي تباع على نطاق واسع في الأسواق الدولية، وتصدر بالدولار الأمريكي بفئات متعددة تبدأ بفئة ٢٥ دولار حتى فئة ١٠.٠٠٠ دولار. وهي سند دين يدفع البنك المركزي عليه فائدة تساوى الفائدة التي ترد في سوق لندن على القروض بين المصارف التجارية (ليبور) يضاف إليه نصف في المائة أو أكثر أو أقل وهي تتمتع غالبا بحقوق واسعة منها أنها معفاة من كل أنواع الضرائب ومن أنواع القيود الأخرى مثل قيود التحويل....إلخ. ويجوز لحاملها استبدالها بشهادات استثمار. وتطرح هذه السندات مرة كل شهر (٢) .
٥- أهم المعاملات وأنواع العقود في أسواق الأوراق المالية:
٥ – (أ) الشراء بكامل الثمن:
وهذا هو المعتاد في البيع. وهو يحدث في أسواق الأسهم والسندات، فيدفع المستثمر كامل قيمة الأوراق المالية التي يشتريها من البائع. ولا نعرف بالضبط ما هي نسبة المعاملات في الأسواق المالية الرئيسية التي تتم بهذه الطريقة ولكننا نرجح أنها ليست كبيرة في الدول التي يسمح فيها بالاقتراض من البنوك والسماسرة للمضاربة في أسواق المال. والذي يجري في أكثر تلك الأسواق هو أن يفتح المستثمر حسابا مع السمسار شبيه بالحساب المصرفي. منه حساب نقدي (Cash account) وهذا يشبه الحساب الجاري في البنك، يودع فيه المستثمر ماله الذي يرغب في أن يستخدمه السمسار للشراء لصالحه، ويودع فيه السمسار ما يتحقق للمستثمر من أرباح أسهم أو فوائد سندات أو أثمان بيع ... إلخ.
стр. 9069
ويستطيع صاحبه أن يسحب منه النقود متى شاء، كما يسحب السمسار منه لشراء الأوراق المالية باسم العميل. وحساب آخر يمكن للمستثمر أن يحصل منه على قرض أتوماتيكي شبيه بالسحب على المكشوف في البنوك. وهكذا يتم تمويل مضاربات المستثمر بواسطة سمساره بشكل متصل.
٥ – (ب) الشراء بجزء من الثمن (١) .
الأصل أن تتم عملية شراء الأوراق المالية بدفع ثمنها كاملا في مجلس العقد، ولكن قوانين بعض الدول تجيز شراءها بجزء من الثمن أو الشراء بالهامش وفي هذه الحالة يدفع المشتري جزءا من الثمن، ويستدين الباقي من السمسار الذي يكون بدوره مقترضا من المصارف. وتخضع نسبة ما يشكله القرض من مجمل القيمة لقوانين صارمة ويتغير دوريا تبعا للظروف الاقتصادية. ففي أحيان تشترط السلطات المالية هامشا كبيرا عندما ترغب في تقليل عمليات المضاربة المحمومة في السوق. والهامش هو الجزء النقدي الذي يدفعه المشتري، وهو نادرا ما يزيد في الولايات المتحدة، عن ٦٠ % وقد يقل عن ذلك كثيرا. وعندما ترغب السلطات المالية في زيادة نسبة التعامل فإنها تسمح بهامش أقل، لأنها تعطي بذلك الفرصة لمن لا تتوفر لديهم موارد مالية كبيرة بالدخول والشراء من السوق عن طريق الاقتراض. واكثر ما تستخدم هذه الطريقة في شراء الأسهم. ويبقى السهم، عندما يشتري بالهامش، في حيازة السمسار وقد يكون مسجلا باسمه أيضا ويكون رهنا لضمان السداد. ولكن يحق للمشتري أن يمارس حق التصويت في الجمعية العمومية للشركة وأن يحصل على ما قد يتحقق من أرباح. ويستخدم السمسار تلك الأسهم أو السندات في أعماله بإقراضها إلى زبائن يرغبون في إجراء بيوع قصيرة كما سيجري تفصيله لاحقا. وتفرق القوانين في الولايات المتحدة بين نوعين من الهوامش: الأول يسمى الهامش الابتدائي (Intial margin) ويتعلق بالقرض لشراء الأسهم في اليوم الأول فقط. والثاني الهامش لما بعد اليوم الأول والذي يسمى هامش الاستمرار (maintainance margin) والغرض من التفريق هو تشديد الرقابة على النوع الأول الذي يستخدم لأغراض المضاربات السريعة إذ يعتقد أن أحد أهم أسباب انهيار سوق البورصة سنة ١٩٢٩ هو التوسع في الشراء بجزء من الثمن.
стр. 9070
وعندما يتم الشراء بالهامش يدفع المشتري فائدة على الجزء المقترض من السمسار مدة استمرار ذلك القرض أي من تاريخ شرائه بالهامش حتى بيعه تلك الأسهم. ويتغير هامش الاستمرار تبعا لتغير السعر. فمثلا اشترى زيد ١٠٠ سهم في شركة الأمانة سعرها ٤٠ ريالا للسهم دفع السمسار ٣٠٠٠ ريال واقترض منه الباقي (١٠٠٠ريال) . واحتفظ السمسار بالأسهم رهنا مقابل القرض (وهو بفائدة) . فالهامش الابتدائي هنا هو ٧٥ % ثم في اليوم الثاني انخفضت أسعار تلك الأسهم فصارت ٣٠ ريالا للسهم فقيمتها الآن صارت ٣٠٠٠ ريال. لقد أصبحت حصة السمسار منها (وقد دفع ١٠٠٠ريال) ٢٣ % وليس ٢٥ %، أي أن الهامش صار ٦٦ % (وربما تزيد لو غلت الأسعار) . فإذا استمرت في الانخفاض حتى قاربت قيمتها ١٠٠٠ ريال (وهو مبلغ القرض) سارع السمسار ببيعها لضمان استرداد قرض. ومن الجلي أن طريقة الشراء بجزء من الثمن تؤدي إلى توسيع التعامل في السوق وإعطاء أرباب الأموال قدرة على استغلال رساميلهم بشكل أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية حيث يستطيع المضارب أن يشتري أوراقا ذات قيمة تفوق ما يمتلك من مال.
٥- (ج) البيع القصير والبيع الطويل (Short and Long Sales) :
يكثر في أسواق البورصة استخدام لفظ (طويل) و (قصير) لأنواع الصفقات. فقد يسمى البيع قصيرا أو طويلا وقد يسمى الهدف من الشراء قصيرا أو طويلا (Short or Long Position) . ولا علاقة لهذا التعبير بالمدة الزمنية ولكن علاقته مرتبطة بالهدف من الاستثمار. فالوضع الطويل يتعلق بشراء الأسهم والاحتفاظ بها للحصول على الربح أو بيعها للحصول على الزيادة الرأسمالية في أسعارها. أما الوضع القصير فيتعلق بالمقامرة على انخفاض أسعارها سواء كان المستثمر مالكا أو غير مالك لها في وقت إنشاء عقد البيع. فإذا توقع أحدهم أن أسعار إحدى الشركات (شركة الأمانة مثلا) سوف تنخفض فقد يعمد إلى عملية بيع قصير وذلك باقتراض عدد من أسهم تلك الشركة من سمسار (يكون محتفظا بها كضمان لسداد قرض في عملية بيع بجزء من الثمن انظر (٥ ب) سابقا (١) وبيعها بالسعر السائد، ثم يعيد شراءها عند انخفاض الأسعار ثم تسديد ذلك القرض (أي يرجع الأسهم إلى صاحبها) ويحتفظ لنفسه بالفرق الذي تحقق من سعر بيعه وشرائه. وتتم العملية بواسطة السماسرة المتخصصين في أسواق البورصة كما يلي:
стр. 9071
يتوقع زيد أن أسعار أسهم شركة الأمانة سوف تنخفض بعد فترة ويرغب في تحقيق ربح من هذا الوضع. يذهب إلى أحد السماسرة فيقترض منه ١٠٠ سهم من أسهم تلك الشركة، ويقوم ببيعها في السوق بالسعر السائد وهو (على سبيل المثال) ١٠٠ ريال، فيحصل بذلك على مبلغ ١٠.٠٠٠ ريال يقوم السمسار بإتمام العملية وقبض الثمن والاحتفاظ به كرهن لضمان إعادة تلك الأسهم، وهو في هذه الفترة سيودعها في البنك (أو يتصرف بها بطريقة أخرى ... ) فتدر له – أي السمسار- عائدا خلال الفترة بين اقتراض الأسهم وإعادتها. فإذا حدث ما توقعه زيد وانخفضت أسعار تلك الأسهم (إلى ٨٠ ريالا مثلا) فإنه سيقوم رأسا بشراء ١٠٠ سهم من أسهم ذات الشركة بقيمة ٨٠٠٠ ريال ويقوم بتسليمها إلى السمسار وقبض المبلغ السابق أي ثمن البيع (١٠.٠٠٠ ريال) وتحقيق ربح قدره ٢٠٠٠ ريال. فالمستثمر ربح الفرق بين السعرين، والسمسار حقق عائدا من استخدام النقود (بالإضافة إلى مقابل الخدمات الإدارية) .
والقرض المذكور (أي اقتراض الأسهم) قرض حال وغير محدد بمدة زمنية إذ يستطيع المستثمر إعادة الأسهم في أي وقت ويستطيع السمسار استدعاءها أيضا. وفي هذه الحالة - أي طلب السمسار استرجاع الأسهم قبل الوقت المناسب للمستثمر - قد يضطر (المستثمر) إلى اقتراضها من جهة أخرى إذا كان الوقت لم يحن بعد لإقفال العملية. وعندما تخيب توقعاته فترتفع الأسعار بدلا من الانخفاض، يكون المبلغ المحتفظ به لدى السمسار أقل من القيمة السوقية ولذلك يكون المستثمر ملزما بزيادته إذا رغب في استمرار تلك العملية.
والأرباح التي توزعها الشركة المصدرة للأسهم في هذه الفترة هي (في الولايات المتحدة) حق للدائن (أي السمسار) رغم أن الأسهم تكون مسجلة باسم المستثمر، ولذلك يقوم هو بقبض الأرباح ثم يصبح مدينا بأي مبلغ استلمه من الشركة كربح للسمسار.
стр. 9072
والغرض الأساسي من عمليات البيع القصير هو استغلال توقعات المضارب بأن الأسعار سوف تنخفض، وتحقيق ربح من هذا التوقع. لكنّ لهذه العملية آثارا مباشرة في نشر الرعب بين المتعاملين في السوق ومن ثم يؤدي انتشارها في الوقت غير المناسب إلى انهيار السوق. ولذلك نجد أن بورصة نيويورك مثلا تمنع عمليات البيع القصير إذا كان اتجاه سهم الشركة الذي يجري تداوله هو نحو الانخفاض. فمثلا عندما يكون سعر سهم شركة الأمانة في وقت افتتاح التعامل في السوق ٥٠ ريالا لا يسمح بإتمام صفقة بيع قصير حتى يتضح اتجاه السعر. فإذا كان في الصفقات التالية أكثر من ٥٠ سمح به وإذا كان أقل لم يسمح به. والسبب يعود إلى أن السماح بالمضاربة على انخفاض السعر عندما يكون اتجاهه نحو الانخفاض سيؤدي بالضرورة إلى الانهيار السريع لذلك السعر.
وقد يستخدم البيع القصير لحماية مكاسب البيع الطويل، أو لغرض نقل الأرباح التي تحققت هذا العام إلى عام قادم ومن ثم تخفيض نسبة ما يدفع من الضرائب.
وتتضمن العمليات المذكورة مقدارا كبيرا من المخاطرة، لأن نسبة الخسائر التي يمكن أن يتحملها المتعامل لا يمكن التنبؤ بها بشكل دقيق، فكل ارتفاع في سعر السهم الذي تم اقتراضه هو أعباء إضافية على المضارب، وبما أن سعر السهم يمكن أن يرتفع إلى أي مستوى (حتى إن أسهم بعض الشركات يصل إلى ٩٠ ألف دولار للسهم الواحد) فخسائره إذا لا تكاد يكون لها حد بينما أن أقصى ما يمكن أن يخسره صاحب الموقف الطويل هو القيمة الكلية للأسهم التي يمتلكها.
стр. 9073
٥- (د) الخيارات (Options)
الخيار في عرف التعامل المالي: هو حق شراء أو بيع سلعة ما في تاريخ محدد بسعر متفق عليه سلفا. وفي أسواق الأوراق المالية والبورصات تكون السلعة سهما أو سندا أو أداة مالية متداولة معروفا. ولا يترتب على مشتري الخيار التزام بيع أو شراء، وإنما مجرد حق يستطيع أن يمارسه أو يتركه، ويصبح المضارب (المخاطر) مالكا للخيار بمجرد دفع قيمته.
وهناك أنواع متعددة من الخيارات سنعرض لبعضها ثم نفصل أهمها:
(١) الخيار الذي تمنحه الشركات لبعض العاملين (١) لديها من كبار المدراء فهي تمنحهم حق شراء عدد من أسهمها بسعر محدد سلفا (غالبا ما يكون أدنى من السعر السائد) ويمتد لفترة طويلة (ولكنها محددة) . والهدف من هذا هو تشجيع أولئك المسئولين على التفاني في العمل، لأن كل زيادة في السعر السائد لسهم الشركة تشكل ربحا لهم. وتميل الشركات إلى منح خيار، (وليس الأسهم) ، على العاملين فيها، لأن الخيار في هذه الحالة يمثل فرصة تحقيق ربح بدون احتمال تحمل الخسارة. إضافة إلى أن امتلاك الأسهم يترتب عليه ضرائب تشكل عبئا عليهم. ولا يحتاج المدير إلى شراء الأسهم للحصول على الربح حيث يستطيع بيع الخيار فقط كما سيأتي تفصيله.
(٢) الخيار الذي تبيعه الشركة على مستثمرين جدد، ويسمى (warrants) ، حيث يكون لهم حق شراء مجموعة من أسهم الشركة، عند سعر محدد (غالبا ما يكون السعر السائد) خلال مدة محددة. وهو قابل للتداول وربما لسنوات.
стр. 9074
(٣) خيار يكتبه السمسار أو تصدره سلطة السوق المالية والبورصة تعطي حامله الحق في شراء أو بيع عدد محدد من الأسهم خلال فترة محددة وسيأتي تفصيله.
(٤) الخيار الذي تمنحه الشركة لحاملي أسهمها بإعطائهم حق الحصول على أسهم في إصدار جديد بسعر يقل عن السعر السائد لتلك الأسهم ويسمى (Rights) . والهدف منه خلق بعض الصعوبات أمام من يريد شراء حصة غالبة من الأسهم المتداولة ثم السيطرة على الشركة، إذا يجعل هذا الإجراء الملاك الحاليين أكثر تمسكا بأسهمهم. وغالبا ما تكون مدة الخيار شهرا أو شهرين تحدده الشركة للدفاع عن نفسها من مشتر لا ترغب في سيطرته عليها.
ومع أن فكرة الخيارات في السوق ليست جديدة، إلا أنها لم تكتسب القبول كأداة للاستثمار إلا في عقد السبعينات عندما سمحت بورصة نيويورك بتبادلها لأول مرة سنة ١٩٧٠م، ثم خصصت بورصة شيكاغو (في سنة ١٩٧٣م) لها جزءا من السوق. حتى إذا حل عقد الثمانينات أصبحت هي عصب التعامل في أسواق البورصات. وسنفصل أدناه أهم أنواع الخيارات المذكورة، وهي تلك التي تصدرها الشركات (تعهدات) وتلك التي يصدرها السماسرة أو أدوات متخصصة في الأسواق المالية.
٥-أ-١ التعهدات (warrants) :
تصدر الشركات أنواعا من التعهدات تتضمن الوعد ببيع عدد من اسهم الشركة بسعر معين خلال فترة محددة أو غير محددة (١) . وتستطيع الشركة بهذه الطريقة التي تحقق دخلا بدون أن تخاطر بتغير هيكل ملكيتها الذي قد ينتجه إدخال مساهمين جدد. وفي نفس الوقت يستطيع المستثمرون المضاربة على مستقبل الشركة بدون الحاجة إلى مبلغ كبير من المال.
مثال: أصدرت شركة الأمانة خيارا على أسهمها على شكل تعهدات. كل تعهد يخول حامله الحصول على سهم من أسهم الشركة بسعر قدره ٢٠ ريالا خلال مدة قدرها عشر سنوات. وتم بيع هذه التعهدات بسعر خمسة ريالات لكل تعهد. فإذا افترضنا أن السعر السائد للسهم في بداية عام ١٩٨٠م هو ٢٠ ريالا، وأن مستثمرا يتوقع أن يرتفع السعر خلال الفترة ٨٠-١٩٨٥م إلى ٤٠ ريالا فإنه سيحقق ربحا قدره ١٠٠ % (٢) لو أنه اشترى عددا من أسهم تلك الشركة. ولكنه سيحقق ربحا قدره أكثر من ١٠٠ % لو أنه اشترى بنفس المبلغ تعهدات الخيار المذكورة بدلا عن الأسهم ذاتها. إن السبب يعود إلى أن أسعار تلك التعهدات سوف ترتفع بنسبة أكبر من ارتفاع سعر الأسهم عندما تتجه الأخيرة إلى الارتفاع وتنخفض بنسبة أكبر من انخفاض أسعار الأسهم عندما تتجه تلك الأسعار إلى الانخفاض (فخسارته تكون أكثر في حال انخفاض السعر أيضا) .
стр. 9075
إذن فإن الحافز على شراء وبيع الخيارات إنما يعتمد على توقعات التغير في الأسعار، كما أن الربح الذي يمكن أن يحققه المستثمر سيكون معتمدا على صحة توقعاته تجاه سعر الأسهم التي يغطيها الخيار. ولا يحصل حامل الخيار على حصة من أرباح الشركة فدخله الوحيد هو التغير في الأسهم. ونظرا إلى أن حامل تعهد الخيار يقارن نفسه دائما بمالك الأسهم، فإن توزيع الشركة لنسبة عالية من الربح يؤدي دائما إلى انخفاض أسعار تلك التعهدات لأن الأسهم ذاتها تحقق في هذه الحالة ربحا أكبر من الخيارات.
وبمجرد إصدار الشركة لتلك التعهدات فإنها تصبح قابلة للتداول، وتحدد قوى العرض والطلب سعرها الذي يسود في السوق. وقد تشترط الشركة الحق في استدعائها بقيمتها الاسمية أو بقيمة تزيد بنسبة معينة عن سعرها السوقي.
وقد تلتزم الشركة عند إصدارها لتعهدات الخيار بعدم إصدار أسهم جديدة أو أن لا تبيعها في حالة الإصدار إلا بسعر يزيد على السعر المتضمن في تلك التعهدات. كل ذلك يؤدي على محافظة الخيارات على قيمتها السوقية.
وتستخدم الشركات هذه التعهدات لأغراض متعددة، فمثلا يمكن أن تصدرها مصاحبة للسندات (أو الأسهم الممتازة) ، ومن ثم تستطيع الحصول على دين بسعر فائدة أقل نسبيا فمثلا تصدر الشركة سندات دين بسعر فائدة قدره ٩ % (بينما أن السعر الذي يقبله المستثمرون في مثل حالتها ومركزها المالي هو ١٤ % مثلا) ، وتصدر تعهدات تخول مالك كل سند حق شراء عدد من الأسهم بقيمة محددة خلال مدة محددة وتكون منفصلة عن السند بحيث يمكن تداولها بشكل مستقل، ويؤدي هذا في كثير من الأحيان إلى إقبال الجمهور على شراء تلك السندات رغم أن سعر الفائدة عليها أقل مما يجب، ومن ثم تستطيع الشركة الحصول على دين ذي تكلفة متدنية نسبيا.
٥-د-٢ تعهدات العملة الأجنبية (Currency Warrants) :
هذا تطور بني على فكرة تعهدات الأسهم، وتعهد العملة الأجنبية هو شهادة تصدرها الشركة تعطي صاحبها الحق في الحصول على مبلغ معين من عملة أجنبية بسعر محدد من العملة المحلية. وقد بدأت هذه الفكرة في أوروبا سنة ١٩٨٦م ثم انتشرت في أسواق المال. وتقوم بها عادة الشركات (غير المالية) التي يؤدي تعاملها في الأسواق الأجنبية على دخولها في أسواق الصرف الدولية فتقوم بإصدار هذه التعهدات وبيعها على العملاء. والغالب أن الذين يشترون هذه التعهدات هم من صغار العملاء الذين لا يستطيعون شراء شهادات الخيار للعملات الأجنبية والتي تصدرها المؤسسات المالية المتخصصة بفئات كبيرة. وغالبا ما تكون مدة هذه التعهدات طويلة نسبيا (خمس سنوات مثلا) .
стр. 9076
مثال: شركة التليفون والتلغراف الأمريكية (AT&T) أصدرت تعهدات عملة أجنبية بقيمة ٣ ملايين دولار تعطي حاملها الحق في الحصول على ٥٠ دولارا بسعر ١٥٨.٢٥ ينا يابانيا للدولار. وليس للشهادة أية قيمة إلا إذا تخطى سعر الصرف بين الين والدولار ١٥٨.٢٥ خلال مدة الشهادة وهي خمس سنوات. فإذا ارتفع السعر إلى ١٦٨.٢٥ مثلا يصبح قيمة الشهادة ٢.٩٧ دولار (أي: أنها ستحقق ربحا مقداره ٥٠٠ ين في كل شهادة) (١) . ومن ثم يحقق حامل التعهد المذكور الربح إذا تغير السعر بالطريقة التي يتوقع.
٥-د-٣ الخيارات التي يصدرها السماسرة والمتعاملون في السوق تعليق: الخيار مشتق من الاختيار، وهو طلب خير الأمرين. وهو يعني في المفهوم الفقهي أن يكون لأحد العاقدين أو لكليهما حق إمضاء العقد أو فسخه، وحكمته، الوصول إلى كمال الرضا، لأن العقود مبناها رضا المتعاقدين لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآية وقوله ﷺ : ((إنما البيع عن تراض)) . وقد يبدو الخيار مخالفا لمقتضى عقد البيع، لأنه عقد لازم. ولكنه ثابت في السنة فقد صح عنه ﷺ أنه قال لحبان بن منقذ الذي كان يغبن في البياعات: ((إذا بايعت فقل لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام)) ، وعنه ﷺ ، فيما رواه البخاري: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا.. الحديث)) ، ويثبت الخيار لأحد العاقدين أو كلاهما، وفي ثبوته لغيرهما خلاف ومن قال بجوازه (وفي رواية لمالك في تهذيب الفروق وأحمد في كشاف القناع والشافعي في نهاية المحتاج ذكره علي الخفيف في أحكام المعاملات ص ٤٠١) استبقاه للعاقد، فيكون لمن شرط له ولمن اشترطه وإن لم يجعله لنفسه، فليس فيه إذا إثبات لبعض آثار العقد لغير عاقده وإنما أشبه في ذلك الوكالة وهو من باب الإنابة الجائزة.
وفي مدة الخيار خلاف، فقد ذهب أبو حنيفة على أنه مؤقت بثلاثة أيام، والجمهور على أنه ليس لمدته قدر محدد وإنما يقدر على حسب الحاجة ويكون في مدة مناسبة لما تقتضيه حال السلعة.
وفي الخيار تأخر القبول عن الإيجاب قدر مدة الخيار، ولكن لا يجوز أن يكون البيع معلقا كقوله بعتك دابتي إذا نزل المطر، ولا أن يعلق على ما ينعقد عليه السوق إلا أن يكون سعر يومه لا سعرا في المستقبل، والإيجاب والقبول (كأن يقول بعتك سلعتي هذه فيقول قبلت) إنما هما من لوازم عقد البيع والخيار في عقد البيع (وفي العقود المباحة الأخرى التي تقبل الخيار ضمن أحكام الشريعة الإسلامية) ، تابع للعقد متعلق به غير منفصل عنه وليس له وجود مستقل بذاته.
стр. 9077
وقد اختلف في جواز وراثته، فقالوا لا يجوز، لأنه إرادة ومشيئة وذهب الشافعي ومالك على أنه يورث لأنه حق متعلق بالمال لا بالشخص، كما صح عنه ﷺ : ((ومن ترك مالا أو حقا فلورثته)) ، فإن شاء الوارث أمضى أو فسخ إذا مات المورث قبل نهاية مدة الخيار. ومع ذلك يبقى الخيار متعلقا بعقد البيع.
هل المعاملة المذكورة أعلاه هي نوع من الخيار المشروع؟ إن في المعاملة المذكورة أعلاه اختلافا واضحا عن الخيار في الفقه الإسلامي. ولعل أول هذه الاختلافات أن الخيار الموصوف والذي يتعامل به الناس في أسواق المال عقد مستقل عن عقد البيع. فالصيغة تتضمن انفصال البيع عن الخيار فيكون للخيار ثمن وللسلعة (أو السهم) ثمن. والخيار عقد مستقل يشتري فيه المستثمر حقا يخوله البيع والشراء والأغلب أن يبيع الخيار من لا يملك الأسهم من السماسرة فدل على أنه عقد مستقل بذاته. ومحل العقد هنا هو ذلك الحق وليس الأسهم، لأن للأسهم عقدا آخر هو عقد بيع وليس حقا. فما هي حقيقة هذا الحق؟ وهل يجوز أن يكون له ثمن؟ والأرجح عدم الجواز.
ثم إن هذين عقدين في عقد واحد. الأول هو ذلك الحق الذي ذكرنا والثاني: هو السلعة أو السهم المباع، فشابها في ذلك البيعتين في بيعة والشرطين في عقد فإن كان الأمر كذلك فهي غير جائزة. والله أعلم.
هل هي نوع من السلم؟ السلم جائز بالكتاب والسنة، وفيه تعجيل الثمن وتأجيل قبض المبيع والقبض شرط في صحة عقد السلم (أي قبض الثمن في مجلس العقد) ، ولذلك لا يجوز فيه الخيار فهذه المعاملة شبيهة بالسلم من حيث إنه عقد يتأخر فيه تسليم المبيع وهو الأسهم، وأن البيع يكون بسعر متفق عليه ابتداء على أجل معلوم. ولكن الاختلاف كبير، فليس فيه أولا قبض للثمن بل كلا البدلين مؤجلان، والأهم ثانيا أن عقد الخيار منفصل عن عقد بيع السلعة وله ثمن خاص به فأخرجه ذلك من باب السلم.
هل هو من بيع العربون؟ العربون هو أن يشتري الرجل السلعة فيدفع من ثمنها جزءا (درهمين مثلا) ويقول للبائع إن لم اشتر منك فالدرهمان لك، وجمهور الفقهاء على عدم جوازه، وقد ذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى صحة التعامل بالعربون وهو من مفردات المذهب) انظر: ماجد أبو رخية، حكم العربون في الإسلام) . وقد استدل ابن القيم ﵀ على جواز بيع العربون بما أخرجه البخاري في باب ما يجوز من الاشتراط عن ابن سيرين قال (قال رجل لكريه ارحل ركابك فإن لم أرحل معك في يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح من شرط على نفسه طائعا غير مكروه فهو عليه) ويعد هذا العقد ملزما في حق البائع بمعنى أنه لا يستطيع الامتناع عن تنفيذه. أما المشتري فهو بالخيار. وخيار الطلب المذكور والذي يعطي مشتريه الحق في شراء عدد من الأسهم خلال فترة محددة شبيهة ببيع العربون المذكور وبينهما اختلاف.
стр. 9078
ومن هذا الاختلاف أن العربون في البيع المذكور جزء من الثمن وفي الخيار ثمن منفصل عن سعر الأسهم وهو سعر الخيار ذاته وهذا اختلاف بين. أما خيار الدفع وهو الذي يكون لمشتريه حق بيع الأسهم فلا يشبه بيع العربون.
هل فيه نوع من أنواع التأمين؟ إن الدافع الحقيقي لشراء الخيار في أسواق البورصة هو الرغبة في دفع المخاطرة وضمان سعر محدد للبيع أو الشراء في المستقبل ومن ثم تفادي الخسارة. ومقابل ذلك يتنازل المستثمر عن مبلغ محدد يمثل ثمن الخيار المذكور. فكأن الخيار إذا نوع من التأمين. وهو عقد معاوضة يتضمن غررا فاحشا والبيع بهذه الصفة نوع من الميسر فالبائع إنما يبيعه مخاطرة، ففيه أكل للمال بالباطل وهو مفض إلى الظلم والتباغض. يقول المولى : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية.
هل هو وعد أم عقد؟ هل يمكن أن نتصور هذه المعاملة أنها وعد ثم عقد. فيكون الخيار في البداية وعدا بالشراء، ثم إذا تم الوفاء بالوعد حصل العقد بشراء الأسهم أو السلع الأخرى. فإذا كان الأمر كذلك ثارت فيه مسألتان: الأولى هي هل يجوز أن يكون للوعد ثمن؟ فإذا كان له ثمن أضحى نوعا من عقود المعاوضات له صفة البيع. فالخيار الذي يعمل به الناس في أسواق البورصات مستقل عن ثمن السلعة (أو الأسهم) التي يكون عليها عقد الشراء فيما بعد. الأرجح عدم الجواز لأن الوعد له حقيقة مستقلة عن العقد فكيف يكون له ثمن؟ والثاني لأنه إن كان له ثمن ثم للسلعة ثمن صار عقدين جمعا في عقد واحد وبيعتين في بيعة وهو من الأمور المنهي عنها. والمسألة الثانية: هي قضية الإلزام بالوعد. فإذا افترضنا أنه وعد هل هو ملزم أو غير ملزم؟ ومسألة الإلزام بالوعد معروفة (وفيها تفاصيل ليس هنا مجال بسطها) ، فإذا قلنا بجواز الإلزام بالوعد في عقود المعاوضات منفصلا عنه سابقا له (كما تطبقه البنوك الإسلامية في بيع المرابحة للآمر بالشراء) ، بقيت مشكلة ثمن الوعد وأنه قابل للتداول مستقلا عن العقد، فدل على أن الوعد بذاته عقد مستقل له محل وثمن.
هل هي نوع من أنواع البيوع الجائزة؟ يقول المولى : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، فالأصل في البيع الإباحة وتشبه هذه المعاملة البيع العادي ففيها عاقدان، مشتر وبائع، وفيها ثمن وفيها محل للعقد، فأشبهت بذلك البيع المباح ولكنها اختلفت عن اختلافا جوهريا في محل العقد. فإن الثمن معلوم ولكن المبيع هو شيء مجرد ليس له حقيقة، فالعقد واقع على حق الشراء أو حق البيع من طرف والالتزام بالشراء أو الالتزام بالبيع من الطرف الآخر. أما ما يتم تبادله فيما بعد من أسهم أو سندات أو سلع..إلخ، فإنه إنما يأتي لاحقا، وليس له علاقة عضوية بعقد الخيار لأن كليهما يمكن أن يستقل بذاته. فهذا الحق والالتزام الذي يتم بيعه وشراؤه.
стр. 9079
هل هذا حق يجوز بيعه؟ ذكرنا أن عقد الخيار إنما يعطي مشتريه حق البيع أو حق الشراء بثمن محدد. وقد ذكر الفقهاء ﵏ (متقدموا الأحناف مثلا) أن الشيء لا يعد مالا إلا إذا أمكن حيازته وإحرازه وأمكن الانتفاع به عرفا أو عادة، فالعلم والصحة والشرف هي أمور معنوية لا يمكن حيازتها وإحرازها، والميتة والدم ... لا يمكن الانتفاع به لضررهما، وكذا حبة قمح أو قطرة ماء لتفاهته. فالمال مقصور على ما له صفة مادية محسوسة. فالحقوق نوع من الملك لا المال لأنها معنوية لا مادية ولذلك لم يجيزوا بيع حق الشفعة وحق الحضانة والولاية ... إلخ. على أن هناك أنواعا أخرى من الحقوق المعنوية يجوز أخذ البدل عنها بما يشبه البيع كحق ولي المقتول في القصاص إذ يجوز أن يأخذ الدية بدلا عنه، وحق الزوج في استمرار عقد الزواج، يجوز له التنازل عنه مقابل عوض الخلع. وحق الارتفاق وحق الشرب وحق المسيل. وقد ألحق بعضهم حق الملكية الأدبية والصناعية والاسم التجاري بهذا النوع من الحقوق (انظر مثلا وهبة الزحيلي: بيع الاسم التجاري والترخيص بحث مقدم إلى الدورة الرابعة لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي) جدة، وعلي الخفيف أحكام المعاملات الشرعية حاشية ص٣٤-٣٦.
من الملاحظ أن النوع الأول من الحق إنما ثبت من الشارع لبعض الأشخاص لدفع الضرر عنهم، وليس فيه منفعة لسواهم، أما النوع الثاني فقد ثبت لأصحابه أصالة فجاز أخذ البدل عنه. على أن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة ومتأخري الأحناف يعرفون المال بحيث يشمل الحقوق المعنوية ولا يقصرون المال على ما أمكن حيازته وإحرازه وكان له صفة مادية. فالحق جوهره الاختصاص والاختصاص جوهر الملك وحقيقته، فإذا كانت الحقوق أملاكا فهي أموال. فإذا كان مالا جاز له فيه التصرف ومن هذه التصرفات التنازل عنه بعوض أو بغير عوض. فهل يمكن القول إن الخيار المذكور في العقد والمعاملة الموصوفة أعلاه يتضمن حقا من الحقوق التي يجوز التصرف بها بالبيع وما على ذلك؟
أولا: إن الملاحظ مما ذكرناه من كلام الفقهاء عن الحق أن الحقوق المذكورة هي حقوق ناتجة عن فعل سابق أو عن عقد سابق (ترتبت عليه علاقة بين طرفين) ، فحق ولي المقتول إنما نشأ من فعل القتل الذي تعدى به القاتل على ضحيته، وحق الزوج في استمرار عقد الزواج إنما هو حق نشأ بعقد زواج كان محله التمتع بالعلاقة المعروفة بين الزوج والزوجة ومن لوازمه الاستمرار.. وهكذا.
ثانيا: يغلب على هذه الحقوق جميعا صفة التعويض عن الضرر الذي لحق بفرد لعدم تمكنه من التمتع بحق أثبته له عقد سابق مثل حق الحضانة أو أثبتته له الشريعة كحق الشرب والمسيل والارتفاق.
стр. 9080
أما هذا الذي نحن بصدده فهو حق أنشأه عقد كان محل العقد فيه هو ذلك الحق. فلم يكن تعويضا عن ضرر قد لحق بطرف ولا حقا نشأ بسبب عقد سابق. ثم إن هذا الحق الذي أنشأه عقد الخيار المذكور يتصرف به العاقدان كالسلعة التي تباع وتشترى، وتقام لها أسواق خاصة تكون مهمة السمسار فيها التوسط بين الباعة والمشتريين. من الجلي أن هذا الحق المذكور الذي يتضمنه عقد الخيار الموصوف مختلف تمام الاختلاف عن الحقوق القابلة للعوض كمثل تلك التي أشرنا إليها أعلاه.
ولو حاولنا استكشاف نية العاقدين وغرضهما من هذا العقد، لأن ذلك ربما يكشف لنا حقيقة هذا العقد، لو حاولنا ذلك لوجدنا أن غرض المتعاقدين من هذا النوع من العقود هو (في الأغلب الأهم) أحد أمرين أو كلاهما:
١- حماية المستثمر نفسه من خسارة متوقعة بإلقاء المخاطرة على طرف آخر وإلزامه بالشراء عند حصول المكروه بثمن يحمي ذلك المستثمر من الخسارة التي نتجت عن انخفاض الأسعار. ويلتزم الطرف الثاني بذلك مقابل ثمن يتعهد مقابله أن يشتري أسهمه (أو سنداته) بثمن محدد سلفا
٢- رغبة مستثمر في تحقيق ربح عن طريق اقتناص فرصة سنحت معتمدا في ذلك على حواسه وتوقعه لما ستكون عليه حال الأسواق والأسعار في المستقبل، فيشتري اليوم حق الحصول على أسهم بسعر يتحدد اليوم ليبيعها غدا عندما ترفع أسعارها، أو حق بيع اسهم يتوقع انخفاض سعرها.. وهكذا. ثم عندما يتحقق ما أمل فيه يبيع ذلك الحق (وربما لا يحتاج إلى إتمام صور المعاملة بشراء الأسهم أو السندات فضلا) ليحقق ما يصبو إليه من ربح. من هذا كله نرى أن هذه المعاملة رغم ما فيها من صور البيع فإنها معاملة ضارة في أغلب الأحوال، وأن أغراض المتعاملين فيها شبيه بلعب الميسر، حيث يعتمد الربح فيها على الصدفة والمخاطرة والقمار. وفيها غرر فاحش بالدرجة المفسدة لعقود المعاوضات، بل إن الباعث لحصولها هو الغرر ذاته المنبعث من عقود أخرى ينتشر استعمالها في أسواق البورصات. والله أعلم. .
وتشكل هذه الخيارات أهم نشاطات أسواق البورصة في البيوع الآجلة في الوقت الحاضر. لقد بدأت عقود الخيارات في أسواق السلع ثم انتقلت إلى بورصات الأوراق المالية حيث اكتسبت أهميتها البالغة في الوقت الحاضر. ويمثل الخيار حقا (وليس الالتزام) بشراء أو بيع سهم أو سند أو أداة مالية أخرى. وفي أسواق البورصات في الدول المتقدمة يمكن للخيار أن يكون على مؤشر سعري فقط كما سيأتي تفصيله.
ويجري تداول الخيارات في أسواق البورصات الرئيسية كما يباع ويشتري في الأسواق خارج البورصات (Over the counter: OTC) .
стр. 9081
أما في الحالات الأولى، فتكون العقود نمطية متشابهة من كل نواحيها ما عدا السعر فتحدد سلطة السوق مدة العقد ووقت انتهاء صلاحيته وعدد الأسهم المتضمنة فيه إذا كان خيار الأسهم. وتحدد الأسعار على شكل نقاط بحيث تنتهي بصفر أو برقم ٥ ... إلخ. ويترك السعر للتفاوض بين المتعاملين. ولذلك نجد أن هناك تواريخ معينة تنتهي فيها الخيارات تكون موزعة على أشهر السنة.
ويلاحظ أن سلطة سوق البورصة، أو جهة متخصصة تحددها تلك السلطة، تكون ضامنة لوفاء الأطراف بتعهداتهم. فلا حاجة والحال هذه إلى وجود علاقة مباشرة بين البائع والمشتري حيث يجري تداول هذه الخيارات كما تتداول الأسهم أو السندات. أما في الأسواق غير المنظمة على شكل بورصات (OTC) فإن شروط الخيارات التي تصدرها تكون خاضعة للتفاوض. ويمكن أن تقسم الخيارات المتداولة في الأسواق المالية كما يلي:
٥-د-٥-٢ (أ) عقد خيار الطلب (Call option) :
هذا خيار يصدره المتعاملون في السوق يخول مشتريه حق (١) شراء (وليس الالتزام بالشراء) عدد محدد من أسهم شركة (أو أية أوراق مالية أخرى) معينة بسعر معين خلال فترة محددة، غالبا ما تكون ٩٠ يوما. يتضمن هذا العقد التزام المصدر، (أي: البائع) بتقديم تلك الأوراق إلى المشتري عند طلبه خلال تلك الفترة. ويدفع المشتري إلى البائع ثمنا يتحدد من خلال العرض والطلب في السوق مقابل التزامه بالبيع، وهو ثمن للخيار وليس للأوراق المالية التي يتضمنها.
ولا يشتري خيار الطلب إلا من يتوقع ارتفاع الأسعار. فإذا توقع زيد أن أسعار أسهم شركة الأمانة سوف ترتفع فإن بإمكانية شراء خيار الطلب يتضمن الحق في شراء ١٠٠ سهم بسعر محدد (أقل من السعر الذي يتوقع أن يرتفع السهم ليصل إليه) فإذا تحقق توقعه خلال المدة التي يسري فيها العقد مارس الخيار وحصل على الأسهم بالسعر المتفق عليه ثم باعها بالسعر السائد فربح الفرق بينهما.
وقد يكتفي زيد بالحصول من البائع على الربح بدون ضرورة الحصول على الأسهم ثم بيعها (أي على المقابل النقدي فقط) . ولا يحتاج البائع أن يكون مالكا للأسهم عند بيعه للخيار. فإذا كان مالكا لها سمي خيارا مغطى (Covered Option) ، وإذا لم يكن سمي خيارا مكشوفا (Naked Option) . ويلاحظ أن زيدا سوف لن يمارس حقه (أي لن يمارس الخيار) إلا إذا ارتفع سعر السهم بالقدر الذي توقعه. أما إذا انخفض سعر السهم فليس له مصلحة في ممارسة الحق، وإذا ارتفع ارتفاعا طفيفا فإنه لن يشتريه إلا بعد أن يتأكد أن ذلك الارتفاع سيغطي تكاليف نقل الملكية (التكاليف الإدارية) ويحقق عائدا.
стр. 9082
٥-د-٢ (ب) خيار الدفع (Put option)
يعطي هذا الخيار حامله الحق في بيع (وليس الالتزام بالبيع) عدد معين من الأسهم أو الأوراق المالية بسعر محدد خلال فترة محددة، فإذا مارس الخيار أضحى على الطرف الآخر أن يقبل تلك الأسهم (أو الأوراق الأخرى) عند السعر المتفق عليه.
فعندما يشتري عمرو وثيقة خيار دفع يكون من حقه أن يبيع عدد الأسهم المتضمنة فيها عند سعر محدد خلال المدة التي يسري فيها الخيار. ويعمد عمرو إلى مثل هذا الإجراء عندما يتوقع انخفاضا في أسعار الأسهم ويريد حماية نفسه من الخسارة المتوقعة. فهو يستفيد من ارتفاع سعر الأسهم لأنه غير ملزم بالبيع ولكنه يحول الخسارة (عند الانخفاض) على الجهة المصدرة لذلك الخيار. فكأنه حصل على الحماية (تأمين) مقابل سعر الخيار.
٥-د-٢ (ج) الخيار المركب (Stradle option) :
ويتضمن هذا الخيار حقا في الشراء وحقا بالبيع في ذات الوقت. يصدر المستثمر هذا الخيار ثم ينتظر ماذا يحدث في السوق، فإذا وجد الأجدى له البيع مارسه، وإذا وجد الأجدى له الشراء مارسه، فيكون متأكدا لهذه الطريقة من الحصول على حد أدنى من العائد مقابل تحمله سعر الخيار.
٥-د-٢ (د) الخيار الممتد (Spread option) :
ويتضمن خيار شراء وبيع، أي خيارا مركبا، ولكن بسعر للشراء يزيد على سعر البيع.
٥-د-٣ الفوائد التي تعود على المتعاملين بالخيارات:
تمثل الخيارات مصدر عائد مالي لبائعها، وتأمينا ضد جزء من مخاطر المضاربات بالنسبة لمشتريها. فمشتري خيار الطلب (Call) يحصل على فرصة تحقيق الربح عند ارتفاع أسعار الأسهم ولكنه لا يتحمل خسارة (سوى ما دفعه كسعر الخيار) في حالة انخفاضها، والمشتري لخيار الدفع (Put) يحمي نفسه من الخسارة المتوقعة عند انخفاض الأسعار ويحتفظ بفرصة تحقيق ربح لو أنها ارتفعت، ويدفع مقابل ذلك قيمة الخيار. وفي الخيارات في نظر المتعاملين بها باستخدام أكثر كفاءة للموارد المالية إذ يستطيع من يمتلك ١٠٠٠ ريال مثلا أن يتصرف في أسواق البورصة وكأنه يمتلك أكثر من ذلك بكثير، إذ يشتري الخيار بدلا من السهم ذاته فيستفيد من ارتفاع أو انخفاض الأسعار بمقدار ربما يزيد على من يمتلك تلك الأسهم، كل ذلك بدون الحاجة على شراء الأسهم ذاتها.
مثال: كان سعر أسهم شركة الأمانة ٤٠ ريالا للسهم الواحد في أول شهر فبراير، وكان سعر شهادة الخيار التي تتضمن ١٠٠ سهم تسليم أكتوبر هو ٥٠٠ ريال (أي ٥ ريالات للسهم كخيار) ، وسعر السهم فيها هو ٤٠ ريالا أيضا. فإذا ارتفعت أسعار الأسهم خلال شهر إبريل مثلا إلى ٤٦ ريالا (أي بنسبة١٥ %) وارتفعت قيمة شهادة الخيار إلى ٧٥٠ ريالا (أي بنسبة١٥ %) ، فلنقارن حالة زيد وعمرو، الأول اشترى ١٠٠ سهم والثاني اشترى خيارا يتضمن حق شراء١٠٠ سهم.
стр. 9083
البيان زيد عمرو
قيمة الشراء:
٤٠٠٠
٥٠٠
قيمة البيع:
٤٦٠٠ ٧٥٠
الربح (بافتراض عدم وجود مصاريف إدارية)
٦٠٠ ٢٥٠
نسبة الربح:
(١٥ %) (٥٠ %)
لقد حصل حامل الخيار على ربح أكبر من مالك الأسهم. ولكن لو لم تتحقق توقعات حامل الخيار لكانت خسارته أكبر من مالك الأسهم. ولذلك نجد أن ملاك الأسهم يصدرون على أساسها خيارا يبيعونه لكي يضمنوا إما ربحا أكبر أو حماية أنفسهم من احتمال الخسارة، ويستطيع مصدر الشهادة أن يعيد شراءها أو شراء مماثل لها بحيث يعفي نفسه من أي التزام (Offsetting option) فلا يضطر إلى بيع أو شراء. وتعد عملية إصدار الخيارات مصدرا للدخل لكل مالك لحافظة استثماره، حيث يصدر الخيارات اعتمادا على ما فيها من أسهم وسندات.
مثال: السعر الجاري لسهم شركة الأمانة هو ٥٠ ريالا، يملك زيد منها ١٠٠ سهم، وقرر أن يكتب مقابلها شهادة خيار يبيعها بسعر ٤ ريالات للسهم (هذا السعر يعتمد على أحوال العرض والطلب في السوق) . حصل مقابل ذلك على٤٠٠ ريال. فإذا انخفض سعر السهم عن ٥٠ ريالا فإن زيدا لن يتحمل تلك الخسارة (إلى حد ٤ ريالات) . وإذا ارتفع سعر السهم فسوف يمارس مشتري الخيار حقه فيحصل على الأسهم، فكأن زيدا قد باعها بـ٥٤ ريالا للسهم فهو قد تنازل عن الزيادة في سعر السهم مقابل حصوله على قيمة الخيار فضمن لنفسه الحصول على ٥٤ ريالا لكل سهم، بينما أن مشتري الخيار سيحصل على مبلغ أكبر، معتمدا على السعر السائد للسهم الذي سوف يبيعه بعد ممارسته للخيار.
ونظرا إلى أن أسعار الخيارات تتحرك باتجاه أسعار الأسهم (١) (أو الأوراق المالية التي تتضمنها) لذلك فإن المستثمر لا يحتاج على ممارسة الخيار (أي شراء الأسهم) للحصول على الربح، ومن ثم فقد أصبحت الخيارات ذاتها مصدرا للأرباح. وهذا ما أدى إلى ظهور أدوات استثمار جديدة تعتمد على التحركات ذاتها ولا حاجة معها لشراء أي شيء كما سيأتي تفصيله أدناه.
٥ -د-٤ الخيار على المؤشر (٢) (Index option) :
стр. 9084
لقد بدا واضحا لدى أرباب البورصات منذ وقت طويل أن الهدف الرئيسي للمتعاملين هو تحقيق الربح عند أي تغير في مستويات الأسعار، فالأسهم والسندات وسواهما ليست هدفا بحد ذاتها ولكن الهدف هو استخدامها كأدوات للمضاربات المحمومة ولتحقيق الربح من الخطر. ولقد أظهر انتشار الخيارات أنه لا داعي ابتداء لامتلاك الأسهم أو السندات بل يكفي شراء وبيع الخيارات. ولذلك يعمد المتعاملون إلى تصفية عقد الخيار نقديا، فيدفع مصدر الخيار إلى المشتري الفرق بين السعر الجاري والسعر المتضمن في الخيار بدون الحاجة إلى بيع وشراء الأسهم ذاتها أو السندات. ولقد أدى هذا إلى تطور جديد حيث ظهرت أنواع من الخيارات لا تتضمن ورقة مالية بعينها (أي سهما أو سند شركة محددة) ، ولكنها تتضمن مؤشران فمثلا نعرف أن مؤشر ستاندرد أند بور ١٠٠ يقيس التغير في سعر مائة شركة تتداول أسهمها في بورصة نيويورك. فعندما يصدر الخيار على المؤشر المذكور فإنه يتضمن تلك الأسهم المائة (بدلا من سهم شركة واحدة) ، ولكن لا يحتاج المتعاملون فيه إلى قبض أو تسليم أي شيء بل يكفي تصفية العقد نقديا عند انتهاء مدته معتمدين على اتجاه المؤشر. فإذا ارتفع ربح من مقامر على ارتفاعه خسر من مقامر على الانخفاض، وهكذا.
وهناك عشرات المؤشرات التي تستخدم لهذه العقود بعضها عام وبعضها متخصص في أنواع محددة من الشركات، مثل شركة البترول، شركات المواصلات، الفنادق ... إلخ.
٥-د-٥ خيارات العملات الأجنبية (Foreign Currency Option) :
تشبه هذه الخيارات، ما سبق تفصيله، ولكنها بدلا من أن تكون متضمنة أسهما أو سندات فإن محلها خيار الشراء أو بيعه وهو عملة أجنبية. وتنتشر في الولايات المتحدة بشكل خاص (١) .
٥-د-٦ الخيار في أوروبا والخيار في الولايات المتحدة:
لا تكاد تختلف الإجراءات المتعلقة بالاستثمار في مجالات الخيارات في الأسواق المالية من أوروبا والولايات المتحدة، عدا نقطة واحدة، ففي الولايات المتحدة حق المشتري حال خلال مدة الخيار فهو يستطيع ممارسته في أي وقت يشاء قبل الساعة الثامنة مساء من آخر يوم فيه.
أما في أوروبا فلا يجوز له ممارسته إلا في آخر المدة المحددة أي في الساعات الأخيرة من تلك الفترة.
стр. 9085
٥ -هـ-٥ المستقبليات (١) (Futures) :
تنتشر في أسواق الأوراق المالية عقود تسمى العقود الآجلة، أو المستقبليات، وهي تتضمن بيع سلعة أو ورقة مالية أو مؤشر على أن يكون القبض في تاريخ لاحق. صفة هذه العقود شبيهة بعقد السلم المعروف في الفقه الإسلامي ومختلفة عنه في آن الوقت. والأرجح أنها قديمة حتى في الغرب، ولكنها لم تظهر كأداة للاستثمار والمضاربة في سوق منظمة إلا في أواخر القرن التاسع عشر في المنطقة الزراعية في الولايات المتحدة آنذاك وهي الغرب الأوسط. كان الغرض تحقيق الاستقرار في أسعار السلع الزراعية بطريقة يستفيد منها الفلاح والتاجر، وقد بدأت بالقمح، ثم انتهت بكل أنواع السلع والأدوات التي يمكن أن تباع وتشترى. واستمرت شيكاغو، المدينة الرئيسية في الغرب الأوسط مركز هذا النوع من العقود. وقد حدث التطور الرئيسي فيها في أوائل السبعينات عندما افتتح مجلس إدارة سوق شيكاغو (٢) سوقا خاصة للتعامل بهذه العقود. ليست عقود البيع الآجل هذه جديدة، ولكن الجديد فيها هو (تنميطها) بطريقة جعلتها قابلة للتداول. ففي الأسواق التي تتبادل فيها المستقبليات تلتقي رغبة بائع السلعة، مثل الفلاح الذي يتوقع أن سيكون لديه ١٠٠ طن من القمح بعد ٩ أشهر ويرغب في ضمان وجود مشتر لها، ورغبة مشتر يتوقع أنه سيحتاج إلى القمح بعد ٩ أشهر ويرغب في شرائه من الآن. ولا يحتاج أي منهما على الالتقاء بالآخر في أسواق البورصة، إذ كل ما في الأمر أن يشتري كل منهما عقدا نمطيا من سلطة السوق يتضمن تسليم كمية من القمح (٥٠٠٠ كيس تسليم شهر أكتوبر مثلا) من نوعية محددة في وقت معلوم.
ويتم تبادل السلعة مقابل النقود في الوقت المحدد للقبض وليس عند العقد. ولكن قد تحتاج كل منهما إلى تقديم ضمان أو دفع مبلغ من المال على سلطة السوق للتأكد من قدرتهما على الوفاء بالتزاماتهما، ولا تزيد هذه عادة عن ١٠ % من قيمة العقد عند التوقيع ثم نحو ٧ % في اليوم التالي. وليس من الضروري أبدا دفع القيمة كاملة، بل يكفي مبلغ يغطي الخسارة في حال تخلف أي منهما عن الوفاء.
إن الميزة الأساسية لهذه العقود كما أسلفنا هو التنميط (النمطية) فهي تتضمن على سبيل المثال كميات محددة لكل عقد (٥٠٠٠ كيس بالنسبة للقمح) ونوعيات موصوفة بدقة، تسلم خلال فترة محددة على مستودعات معينة، ثم يقوم البائع بتسليم المشتري وثيقة الإدخال إلى المستودع ويحصل مقابلها على الثمن. وهكذا الأمر في السلع الأخرى.
إن الباعث على عقود المستقبليات هو تذبذب الأسعار، وعدم القدرة على توقع أسعار المستقبل بشكل دقيق، فلو أننا عرفنا سعر القمح بعد ستة أشهر بشكل يقيني لما كان لأسواق المستقبليات أي معنى.
стр. 9086
ولذلك نجد أكثر التعامل في المستقبليات إنما يكون في السلع ذات التذبذب الموسمي مثل السلع الزراعية التي يعتمد سعرها في كل موسم على الأحوال الجوية وما إلى ذلك. ولكننا نادرا ما نرى هذه المعاملات في السلع المصنعة لاستقرار أسعارها بطريقة يمكن التنبؤ بها. مع أن هناك اتجاها في الوقت الحاضر لتوسيع هذه الأسواق لتشمل سلعا وخدمات جديدة مثل القواعد المتاحة للسفر في الطائرات وبعض السلع المصنعة ... إلخ تعليق: في هذه المعاملة شبه من عقد السلم وفيها اختلاف. وبيع السلم من البيوع الجائزة، وفيه بيع عوض حاضر بآخر موصوف في الذمة على أجل سلفا. ودليله من القرآن آية الذين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٢] . ومن السنة ما روى البخاري أن رسول الله ﷺ قدم إلى المدينة والناس يسلفون في الثمار العام والعامين فقال: ((من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم على اجل معلوم)) . وفي شروط السلم اختلاف بين المذاهب. فمنهم من قال بجواز عقد السلم استثناء لأن الأصل عدم جواز بيع المعدوم، فهو عقد غرر أجيز استحسانا، ومنهم من قال، كابن تيمية وابن القيم، أنه بيع عادي جائز قياسا، فليس مهما أن يكون المبيع معدوما عند العقد ولكن المهم القدرة على التسليم وقد حرمت الشريعة بيوعا السلعة فيها غير معدومة (كالبعير الشاردة) لعدم القدرة على التسليم. فإذا كان المبيع موصوفا في الذمة وصفا يضبطه وجوده عند الأجل مع تحقق رضى الطرفين وخلوه من الغرر والجهالة التي تقضي على النزاع أو الميسر. ومن شروط السلم قبض الثمن قبل التفرق في مجلس العقد، وأجاز مالك تأخيره إلى ثلاثة أيام.
هل تكون هذه المعاملة نوعا من بيوع السلم؟
تشبه هذه المعاملة بيع السلم المعروف في الفقه الإسلامي، فهي عقد بيع يتفق فيه الطرفان على التعاقد على بيع بثمن معلوم يتأجل فيه تسليم السلعة الموصوفة بالذمة وصفا مضبوطا إلى أجل معلوم. ولكنه يختلف في أمرين:
الأول: أن رأس مال السلم (الثمن) لا يدفع معجلا بل يقتصر على دفع نسبة منه فكأن البدلين فيه مؤجلان.
الثاني: أن المسلم فيه (أي السلعة) يباع قبل قبضه.
стр. 9087
بالنسبة للنقطة الأولى، فإن تأجيل دفع الثمن يحول العقد على بيع غير جائز هو بيع الدين بالدين، فقد ذكر ابن القيم ﵀: (.. ولهذا سمي سلما لتسليم الثمن فإذا أخر الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ) (إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم: ٢/٢٠) ولا يجوز بيع السلم فيه، أي السلعة المؤجلة القبض الموصوفة في الذمة، قبل قبضها الفعلي واكتمال شروط الحيازة الشرعية فيها بالصفة الملائمة.
هل يغير وجود طرف ثالث في العقد من الأمر شيئا؟
من الملاحظ أن في المعاملة الموصوفة في أسواق المال والسلع طرف ثالث هو سلطة السوق. والعلاقة بين البائع والمشتري لا تتم مباشرة بل من خلال تلك السلطة. وهي تقدم الضمان لوفاء الطرفين بالتزامهما، كل واحد تجاه الآخر. (ربما يعقد هذا الضمان القضية، ويدخل في العقد تشعبات ليس هنا مكان الاستطراد فيها) فهل يؤثر هذا الضمان ووجود سلطة السوق المذكورة على موضوع تأجيل قبض الثمن؟ الأصل على أنه لا يجوز هذا التأجيل ومن أجازه لأيام (كالمالكية) إنما فعل ذلك باعتبار أن ما قارب الشيء أخذ حكمه فاعتبر هذا في حكم التعجيل، فإذا شرط فيه لأكثر من ثلاثة أيام فسد العقد. والذي لا يجوز هو تأجيل البدلين، كأن يكون رأس مال السلم مؤجلا كالسلعة بالموصوفة في الذمة حيث يفضي ذلك إلى بيع الكالئ بالكالئ. على أن مجرد عدم القبض في المجلس لا يعني التأجيل بالضرورة، لأن رأس المال حال فهو غير مؤجل وليس بنسيئة حتى لو لم يقبض فربما لا يفضي إلى بيع الدين بالدين. فإذا قبلنا أن عقد السلم بيع عادي أجيز قياسا لا استثناء أضحى في المسألة باب للتوسعة والله أعلم.
فإذا كانت هذه المعاملة من عقود السلم، ففي الموضوع مسألتان:
الأولى: أن الأسهم أوراق مالية وليس سلعا، فهل يجوز فيها السلم؟ الأرجح أنها إذا أخذت حكم السلع في البيع جاز فيها السلم. أما إذا أخذت حكم الديون لم يجز.
الثانية: هي أن السلم إنما يكون في سلعة موصوفة في الذمة ولا يجوز التعيين فيها فلا يجوز أن يسلم في ثمرة بستان بعينه لكونه لا يؤمن تلفه وانقطاعه، وقد روي عنه ﷺ أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان؟ فقال الرسول ﷺ : ((أما حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى)) رواه ابن ماجه. والذي عليه المعاملة الموصوفة في أسواق المال (إن كانت سلما) أن من أنواعها ما يكون فيه تعيين، فالسلع الموصوفة في الذمة (في مستقبليات الأسهم) هي أسهم شركة بعينها وليس أسهما موصوفة على أجل معلوم. على أن العلة في منع التعيُّن (وهي أنه لا يؤمن تلفه وانقطاعه) غير متصورة هنا لاستبعاد تعرض الشركة لحوائج مفاجئة تأتي على اسهم الشركة بالانقطاع إلا في حالات نادرة لا حكم لها.
стр. 9088
هل هو بيع عادي؟
ليس كل بيع يؤجل فيه قبض المبيع يكون داخلا في باب السلم (ولا الاستصناع) ، وقد أثبت الفقهاء صورا من البيع الجائز الذي يؤجل فيه قبض المبيع، غير عقد السلم. من ذلك قول الشافعية والحنفية بعدم تسليم الثمن في المجلس إذا بيع موصوف في الذمة مؤجل بثمن معين (على غير السلم) . وقد ذكر الكاساني في بدائع الصنائع: (.. باع عبدا بثوب موصوف في الذمة مؤجل، فإنه يجوز بيعه، ولا يكون جوازه بطريقة السلم بدليل أن قبض العبد ليس بشرط، وقبض رأس مال السلم شرط جواز السلم) (البدائع: ٧/٣٠-٣١) . والعلة في تحريم كثير من العقود ومن الشروط في العقود هو الغرر المفضي على المنازعة، ومسألة دقيقة تحتاج إلى نظر وتمحيص في ظل الأشكال الجديدة من العقود.
هل يكون من عقود المقاولة؟
عقود المقاولة من أنواع العقود المستجدة، وهي شبيهة ببيع السلم وعقد الاستصناع ولكن فيها عنهما مخالفة تتمثل في تأجيل البدلين، وعقود المقاولة صورة من صور بيع الكالئ بالكالئ لأنها بيع دين مؤخر لم يكن ثابتا في الذمة بدين مؤخر مثله، ويسميها المالكية ابتداء الدين بالدين. وقد اقترح أحد الباحثين أن الحاجة إليها داعية والضرورة فيها معتبرة لعموم عمل الناس بها وتعذر إقامة أعمال التجار والمقاولين بدونها، فما دام خاليا من الربا فلا يوجد مانع شرعي من إباحته للضرورة (نزيه حماد، بيع الكالئ بالكالئ في الفقه الإسلامي، جدة مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، ١٩٨٦م، ص٢٩) والمعاملة الموصوفة شبيهة بعقد المقاولة المذكور الذي اتسع انتشاره والعمل به في كافة أنواع النشاط الاقتصادي حتى استقر عليه عرف التجار وعد من المعاملات المقبولة بينهم. والله أعلم.
هل يمكن اعتباره عقد سليم متجددا؟
يمكن للخروج من حرج النقطة الثانية المشار إليها سابقا، القول بأن ما يحدث ليس بيعا للمسلم فيه قبل قبضه، بل عقد سلم جديد لا تباع فيه السلعة ذاتها ولكن يسلم فيه بأخرى بنفس الوصف والمقدار في عقد جديد، (ويمكن إعادة صياغة العقد لينص على ذلك) . ولكن هذا غير ممكن في المعاملة الموصوفة في أسواق السلع والمال العالمية، لأن ما يحدث في الواقع هو تصفية نقدية لتلك العقود يوميا، فهي أي العقود، يجري إعادة كتابتها في أول وقت الافتتاح ثم تصفيتها في آخر النهار، فلا يبقى العقد الأول ساريا حتى نهاية الأجل ومن ثم لا يمكن القول بأنها عقد سلم يلغي بآخر يتضمن نفس السلعة.
стр. 9089
٥-هـ-٥-١ الفرق بين الخيارات والمستقبليات:
هناك شبه كبير بين هذين النوعين من العقود حتى أن كثيرا من الناس لا يكاد يفرق بينهما. والفرق بينهما دقيق ومهم.
ففي عقد الخيار يدفع المشتري سعرا يعطيه الحق في شراء السلعة (أي الورقة المالية) التي هي محل الخيار. وسعر الخيار هو الذي يتحدد في العرض والطلب وليس سعر السلعة ذاتها، فالسوق للخيارات وليس للسلعة (أو الورقة المالية) . وبصرف النظر عن سعر السلعة التي هي محل الخيار فمشتري الخيار لا يمكن أن يخسر إلا ما دفعه ثمنا للخيار والعكس.
أما في المستقبليات فالأمر مختلف إذ أنها تتضمن بيعا آجلا، والسعر الذي يجري التفاوض عليه هو سعر السلعة ذاتها، كما أنه ينص على التزام المشتري بالشراء عند ذلك التاريخ ومحل العقد هو - في الظاهر- السلعة التي يتم التعاقد على تسليمها في تاريخ مستقبل.
٥-هـ-٥-٢ كيف تتم عقود المستقبليات:
تلعب غرفة المقاصة (Clearing House) دورا هاما في أسواق البيوع المذكورة فهي ضامن للبائع والمشتري. ويتم العقد في الحقيقة بين البائع والغرفة، ثم بين المشتري والغرفة حيت لا توجد علاقة مباشرة بينهما (أي البائع والمشتري) ، فالعقد يتكون من طرفين بينهما غرفة المقاصة يتعهد الأول مثلا في يناير ١٩٩٠م بشراء١٠٠ طن من القمح بسعر ١٠٠٠ ريال للطن في يوم ١٥ يوليو ١٩٩٠من ويتعهد الآخر بتسليمه هذه الكمية في التاريخ المحدد عند السعر المتفق عليه الذي سوف يجري بين يناير ويوليو ١٩٩٠م هو انتقال هذا العقد من مستثمر إلى آخر عن طريق غرفة المقاصة عشرات المرات يوميا. فالمعاملات كلها تصفى في آخر النهار، ثم تبدأ في الغد بيعا وشراء ثم تصفى في آخر النهار ليظهر من ربح ومن خسر. فمن يمتلك حق الحصول على القمح بسعر١٠٠٠ ريال للطن سيربح أتوماتيكيا عندما يرتفع السعر لأكثر من هذا المبلغ، ومن تعهد بتسليم القمح بسعر١٠٠٠ ريال سيخسر أوتوماتيكيا عندما يرتفع السعر المذكور.. وهكذا. أما التسليم والقبض الفعلي للقمح (أو السلعة أو الورقة المالية التي هي محل العقد) ، فهذا أمر لا يهتم به المتعاملون إلا في تاريخ القبض (أي ١٥ يوليو في هذا المثال) ، حيث يتحول العقد في النهاية إلى المشتري الحقيقي للقمح بعد أن يكون قد مر على مئات المضاربين خلا لالفترة التي تفصل بين التعهد بتسليم تلك السلعة والقبض الفعلي لها.
стр. 9090
افترض على سبيل المثال أن عقود بيع القمح تسليم شهر يوليو بدأ عرضها اليوم في السوق فأقدم زيد على شراء ٥٠٠٠ كيس بسعر ٤٤ ريالا للكيس الواحد. بمجرد إبرام العقد تصبح غرفة المقاصة مسئولة عن تسليم ٥٠٠٠ كيس في شهر يوليو إلى زيد وتقبض منه ٢٢ ألف ريال. ومن الجهة الأخرى تصبح مسئولة عن قبض تلك الكمية من البائع وتسليم المبلغ إليه. وفي اليوم التالي وجد زيد أن عمرا يرغب في شراء قمح تسليم شهر يوليو بمبلغ ٤٥ ريالا للكيس الواحد، هذه فرصة ربح مؤكدة. فيستطيع من خلال غرفة المقاصة أن يحول العقد لصالح عمرو ويحصل على ربح مقداره ٥٠٠٠ ريال. فتقوم غرفة المقاصة بدفع المبلغ المذكور ثم قبضه حالا من البائع الأصلي الذي تعاقد على البيع بـ ٤٤ ريالا. وفي حالة البيع بسعر اقل يكون على زيد أن يدفع لغرفة المقاصة الفرق حتى تضمن الغرفة دفع الغرفة مبلغ ٤٤ ريالا للبائع الأصلي لأنه الآن سوف يقبض في شهر يوليو ٤٥ ريالا لكل كيس. والواقع أن المعاملات أشبه بعقود يجري إعادة كتابتها يوميا. ففي كل يوم تقوم غرفة المقاصة بتجديد العقود وإبرامها بآخر سعر وصل إليه التعامل في اليوم السابق. ولذلك يحصل المتعاملون على الأرباح ويتحملون الخسائر يوميا.
ومن ذلك نرى أن غرفة المقاصة هي الوسيط بين المتعاملين، تقدم ضمان الوفاء بالعقود، وقد تطلب هذه الغرفة من بائع العقد أن يقدم ضمانا يتمثل بدفعه جزءا من القيمة أو تقديم ضمانات أخرى بدون الحاجة على دفع المبلغ كاملا. وبالنسبة للعقود المباعة في الأسواق الخارجية (أي خارج البورصة) ، تقوم شركات متخصصة في التعامل بالأوراق المالية بتقديم ضمان مشابه لذلك الذي تقدمه غرفة المقاصة.
ومن المهم أن نعلم أن عقد الصفقات المذكورة في أسواق البورصة مقصور على السماسرة المرخصين الذين هم أعضاء في تلك الأسواق.
стр. 9091
٥-هـ-٥-٣ عقود على السلع وعقود على الأوراق والمؤشرات:
لم تعد عقود البيع الآجلة التي وصفناها أعلاه مقتصرة على القمح والشعير، ولكنها توسعت لتشمل أنواعا متعددة من السلع والأوراق المالية المختلفة وعقود البيع الآجل على المؤشر. أما بالنسبة للسلع فلا يتطلب الأمر من البائع إلا القدرة على الوفاء بالتزاماته ولا يحتاج إلى إثبات ملكيته للأصل. إذ المطلوب منه بموجب العقد أن يسلم في التاريخ المحدد السلعة، ولا يهم أن يكون مالكا لها عند العقد أم سيشتريها في ذلك التاريخ. كما أن أكثر الأرباح يحققها المضاربون الذين يتبادلون العقود خلال الفترة السابقة لتاريخ القبض. والعقود الخاصة بالأوراق المالية شبيهة بذلك، إذ يحتاج البائع أن يسلم السند أو السهم الموصوف في التاريخ المحدد.
٥-هـ-٥-٤ مستقبليات المؤشر (Index Futures) :
بدأت هذه العقود على السلع، حيث يلتزم أحد الطرفين بتسليم الآخر كمية من القمح مثلا في تاريخ لاحق، ثم توسعت لتشمل الأسهم والسندات والأوراق المالية، فيلتزم ذلك الطرف بتسليمها إلى المشتري في تاريخ لاحق. ثم تطورت لكي يلتزم طرف بدفع المؤشر على الطرف الآخر. لا شك أن المؤشر أمر مجرد، مثل درجة الحرارة، لا يمكن لأحد أن يقبضه أو يدفعه، ولذلك فالمقصود بهذا هو التسوية النقدية بين الحالين عند أول العقد وعند نهايته.
بدأ التعامل بهذا النوع من العقود في فبراير (شباط) ١٩٨٢م، في بورصة مدينة كنساس سيتي الأمريكية، وقد بدأت بإبرام عقود البيع الآجل على الأسهم المتضمنة في مؤشر (Value Line) ، والذي يتضمن أسهم ١٧٠٠ شركة. إن الجديد في هذه العقود هو أنها لا تتضمن قبض أو تسليم أي شيء، حيث يجري في نهاية العقد تسوية نقدية تمثل الفرق بين السعر المتضمن في العقد والسعر السائد في تاريخ انتهائه.
стр. 9092
ويدعي المتعاملون بهذا النوع من العقود أن لها فوائد اقتصادية على المتعاقدين، فهي في ظنهم:
(١) تؤدي إلى تقليل التقلبات في أسعار وعائد الأسهم المتضمنة في الحافظة الاستثمارية وحمايتها ضد انهيار الأسعار.
(٢) الاستفادة من التغيرات في الأسعار واستغلال القدرة على توقع الاتجاه العام في السوق.
(٣) الاستثمار ليس في قطاع محدد أو عدد قليل من الشركات ولكن في السوق كله لأن المؤشر يعكس الاتجاه العام.
(٤) الاستغلال الأمثل للموارد المالية وعدم تجميدها في شراء الأصول ذاتها، بل في المضاربة على فرض الربح مباشرة.
ومن الجلي أن هدف المقامرة هو المحرك الأساسي لمثل هذه المعاملات، ولذلك نجد أن توسعا كبيرا قد حصل في مستقبليات المؤشر حتى أنها أصبحت تشمل المتاجرة على مؤشر تكاليف المعيشة (Consemer Price Index) ، وهو المؤشر الذي تصدره الحكومات ليقيس معدل التضخم، رغم أنها لا علاقة له بالأوراق المالية. والواقع أن المضاربين لا يحتاجون على أكثر من شيء (أي شيء يتم تحديده بواسطة قوى مستقلة عن أي توجيه أو تأثير من أحدهم) ، ليقوموا بالبيع والشراء والمقامرة على تغيره.
٥-هـ-٥-٥ مستقبليات العملات الأجنبية (Foreign Currency Futures) :
كانت أسعار صرف العملات الدولية تتسم بقدر كبير من الاستقرار والانضباط حتى أواخر العقد السادس من القرن الميلادي. ثم لما تم إلغاء العلاقة بين الدولار والذهب في أول السبعينات شهدت هذه الأسعار تقلبات كبيرة، مما اضطر المتعاملين في التجارة والمقاولين على حماية أنفسهم من تلك التقلبات ببيع حصيلتهم المتوقعة بعملة أجنبية قبل قبضها، أو شراء ما يحتاجون إليه من العملات الأجنبية قبل وقت الحاجة المباشرة لها. ويؤدي هذا إلى تحسين قدرتهم على حساب تكاليف إنتاجهم وأرباحهم المتوقعة.
ولقد أدى ذلك على ظهور أسواق منظمة لمثل هذه المعاملات. فظهرت سنة ١٩٧٢م أول سوق متخصصة في ذلك في مدينة شيكاغو، ثم انتشرت في أسواق العالم الأخرى. وينص العقد على تسليم مبلغ من عملة أجنبية في تاريخ محدد ثم يصبح بعد ذلك قابلا للتداول ومحققا لعائد أو خسارة على حامله، ويشبه التعامل فيه الأنواع الأخرى التي تحدثنا عنها أعلاه (١)
стр. 9093
٥-هـ-٦ الخيارات على المستقلبليات (Options on Financia Futures) :
بدأت في شيكاغو، في أكتوبر (تشرين أول) ١٩٨٢م، أول عملية منظمة لعقود الخيار على عقود البيوع الآجلة، فهناك خيارات الطلب وخيارات الدفع لشراء وبيع العقود المستقبلية بسعر محدد لتاريخ معين، تبدأ العملية بوجود عقد بيع آجل ثم يتم على أساسه إصدار خيار يعطي حامله الحق في شراء ذلك العقد عند سعر محدد. ويجب ملاحظة أن عقد الخيار ليس له علاقة بالسلع أو الورقة المالية (السند أو السهم) الذي يتم التعاقد عليه في البيع الآجل فهي خيار على عقد البيع وليس على السلعة أو الورقة. ولذلك فإن تاريخ انتهاء عقد الخيار يكون دائما قبل وقت من حلول تاريخ القبض في عقد البيع الآجل حتى يعطي حامله فرصة المتاجرة به قبل انتهائه.
وهكذا، نجد أن اتجاه التطورات في هذه الأسواق هو دائما نحو التعقيد والإغراق في تركيب العقود الواحد فوق الآخر بحيث نجد أن كل عملية حقيقية يجري تركيب عشرات العمليات الوهمية فوقها حتى لا يكاد يظهر منها إلا جانب القمار والمضاربة المحمومة لا النشاط الاقتصادي النافع.
٥-و-٥ تداول الديون (Securitozation) :
اكتسبت وثائق تداول الديون أهمية في أسواق المال في السنوات الأخيرة. وتقوم هذه العملية التي تسمى (Securitization) ، على خلق أوراق مالية قابلة للتداول مبنية على حافظة استثمارية ذات سيولة متدنية. لقد بدأت فكرة تداول الديون عندما قامت مؤسسة تمويل بناء المساكن في الولايات المتحدة (Mortgaga Association Government National) ، باسم (Ginnie Mea) بتولي عملية تمويل بناء المنازل منذ ١٩٦٨م، ليس عن طريق الإقراض المباشر ولكن عن طريق توفير السيولة لمؤسسات الإقراض الخاصة، ويتم ذلك بواسطة شراء القروض التي تقدمها تلك المؤسسات لبناء المساكن، ومن ثم تمكينها من التوسع في الإقراض. لقد خلق ذلك سوقا ثانوية لقروض بناء المساكن سرعان ما توسعت ودخلت فيها مؤسسات أخرى غير المؤسسة المذكورة (Ginnie Mea) ، مما أدى إلى تطورها بحيث لم تعد تقتصر على قروض بناء المساكن ولكن شملت كل أنواع الديون، كتلك الناتجة عن تمول شراء السلع الاستهلاكية والسيارات وقروض بطاقات الائتمان والقروض الخاصة بإنشاء الأصول الرأسمالية.. إلخ. وقد أمكن بهذه الطريقة تحويل الديون طويلة الأجل وقليلة السيولة إلى أصول سائلة.
стр. 9094
وتتم عملية تداول الديون بطرق مختلفة. فقد يبيع المصدر الأصلي (أي البنك مثلا) الدين برمته إلى مالك جديد يقوم بعد شرائه هذه الديون، بقبض أقساط التسديد والفوائد المترتبة على القرض وعلى التأخير.. إلخ. وتقتصر مهمة المصدر الأصلي على خدمة العلاقة بينهما وتسمى (Pass-Throughs) ، وقد تبقى ملكية الدين للمصدر الأصلي وتبقى العلاقة مستمرة بينه وبين المدين ولكنه، أي المصدر الأصلي، يقوم ببيع تيار الفوائد المتوقع من ذلك القرض فيكون الدين مستحقا للمصدر الأصلي ويتحمل هو المخاطرة المتضمنة فيه، ولكنه يستعجل قبض الفوائد بأخذها من طرف ثالث معجلة ويسمى (Pay Throughs) ، أي أن المصدر يقبض مقدما الفوائد المتوقع دفعها فقط. أما الطريقة الثالثة فهي إصدار سندات مضمونة بتلك الديون، ثم بيعها فتكون الديون الأصلية ضمانا لتلك السندات فقط، وتسمى (Mortgaga Backed) قد تبدو هذه المعاملات شبيهة بما ورد في كتب الفقه من بيع الدين بالدين. والإجماع على عدم جواز بيع الدين بالدين (بيع الكالئ بالكالئ) ، قال الإمام أحمد: (إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع الدين بالدين) (المغني لابن قدامة: ٤/٥٣) ، وذكر ابن المنذر في الإجماع (ص ١١٧) عملا ينهي رسول الله ﷺ عن بيع الكالئ بالكالئ ولبيع الدين بالدين صور متعددة تتفق جميعا في كون أن كلا البدلين دين ثابت (أو لم يكن ثابتا) في الذمة. فقد عرفه مالك في الموطأ، (.. أن يبيع الرجل دينا له على رجل بدين على رجل آخر) (الموطأ: ٢/٦٦٠) ، ومنها أن يشتري الذي عليه دين السلم، المسلم فيه- عند حلول الأجل وعدم قدرته على التسليم- من صاحب رأس مال السلم بثمن مؤجل، (نقله نزيه حماد (بيع الكالئ بالكالئ) عن أبي عبيد القاسم بن سلام) ، ومنها بيع المؤخر الذي لم يقبض بالمؤخر الذي لم يقبض، كتأخير البدلين في عقد السلم (ابن القيم، إعلام الموقعين: ٢/٩٠) . ولعل الحكمة في منع هذه البيوع عظم الغرر المتضمن فيها.
من ذلك نرى أن الصورة التي وضحناها أعلاه في تداول الديون قد خرجت من صور بيع الكالئ بالكالئ لأنها بيع دين بعين (هي النقود) فالدين المتعلق في ذمة رجل يبيعه البنك إلى آخر نقدا لا نسيئة. الدين في المعاملة المذكورة ناتج عن قرض بفائدة وهو ربا محرم ولذلك فالمعاملة حرام ابتداء، ولكن لو افترضنا أن هذا الدين كان ناتجا عن بيع مؤجل صحيح فهل يجوز تنضيضه بالصورة التي ذكرنا؟
الأرجح أن الصورة المذكورة هي اقرب إلى الحوالة منها على بيع الكالئ بالكالئ. وبين الحوالة وبيع الدين بالدين شبه كبير، قال في بداية المجتهد: (الحوالة معاملة صحيحة مستثناة من بيع الدين بالدين) (ابن رشد، بداية المجتهد: ٢/٣٤٢) فدل على الشبه بينهما والمعاملة المذكورة وإن كانت قريبة من صيغة الحوالة فإن بينهما اختلافا، الأول: إن الإحالة هنا إنما ينشئها الدائن والمعروف أن الإحالة إنما هي فعل يقوم به المدين عن عجزه عن السداد كما قال ﵊: ((.. وإذا اتبع أحدكم على مليء فليتبع)) ، أما المعاملة المذكورة فالمحيل هو الدائن.
стр. 9095
ثانيا: أن الصيغة رغم قربها من صفة الحوالة لكن فيها معنى البيع، لأن الدائن لا يستوفي من المحال عليه كامل الدين وفاء فيقبض نفس مبلغه ولكنه يبيعه بثمن يتحدد في سوق بفعل قوى العرض والطلب, واعتمادا على تحليل المشتري لمقدار المخاطرة في ذلك الدين وطول أجله ونوع الدينين فيه.. إلخ. ثم إن هذا الدين يعاد بيعه في أكثر الأحوال ويتعامل فيه كسلعة في السوق. ومن ذلك يتضح أن هذه معاملة جديدة تحتاج على نظر وتمحيص، والله أعلم
وفي كل الحالات تقوم عملية تداول الديون على التنميط، إذ يقوم الدائن الأصلي بتوزيع تلك القروض إلى مجموعات متشابهة في مقدار المخاطرة المتضمنة فيها (أي ملأة المدين) وتواريخ استحقاقها ومعدلات الفوائد عليها، ثم يصدرها على شكل أدوات قابلة للتداول، وبذلك تستطيع أن تحول الدين قليل السيولة إلى سيولة كاملة. وقد توسعت هذه العمليات حتى صار جل الديون قابلا للتخفيض بهذه الطريقة بما في ذلك الديون على الدول (دول العالم الثالث) للبنوك الدولية.
٦- الكمبيوتر وأسواق المال:
لم تعد المعاملات في أسواق المال تتم بواسطة البائع والمشتري يتفاوضان، ولا يعتقد أن الصفقات مباشرة. بل إن جل المعاملات يتم بواسطة أجهزة الكمبيوتر يتصل كل واحد منها بالآخر يبرمان الصفقات نيابة عن المتعاملين. وقد حدث تطور عظيم في هذه الأجهزة إلى الحد الذي أمكن معه إعداد برنامج دقيق لكل جهاز يوجهه إلى اتخاذ القرار المناسب بناء على المعلومات التي يتم تغذيتها فيه بواسطة أجهزة الاتصال، فكما هو معروف فإن أسعار الأسهم والسندات في أسواق البورصات يتم بثها مباشرة بواسطة الأجهزة المبرقة والهاتفية ويمكن كذلك الاشتراك فيها بحيث يتم توصيلها إلى جهاز الكمبيوتر مباشرة. وما عليك عندئذ إلا أن تخبر الجهاز برد الفعل المطلوب عند كل سعر. فمثلا زيد يمتلك خيارات في أسهم معينة يستطيع أن يخبر الكمبيوتر أنه إذا تخطي سعر الخيار المذكور ٤ دولارات فعليك بالبيع فيقوم الجهاز عندما يتخطى السعر ذلك المستوى بتحويل الخيارات إلى السمسار الذي يتلقاها بواسطة جهاز الكمبيوتر ثم يسوقها إلى آخرين ... إلخ.
ويعتقد كثير من الخبراء أن وجود هذا النوع من الترتيبات هو السبب الرئيسي في انهيار، أكتوبر (تشرين أول) ١٩٨٧م في أسواق البورصة إذ أدى اتجاه الأسعار إلى الانخفاض إلى توجه جميع الأجهزة إلى البيع ومن ثم حدوث الانهيار العظيم.
٧- بعض القضايا والأسئلة التي تحتاج إلى نظر من قبل الفقهاء الأجلاء:
بعد هذا العرض الموجز لأهم المعاملات في الأسواق المالية تثور في الأذهان أسئلة كثيرة حول موقف الفقه الإسلامي من هذه الأنواع المتعددة من المعاملات. وأكثر هذه المعاملات واضح الحرمة لأنه يتضمن الربا أو القمار أو بيع ما لم يقبض. لكن جزءا منها يحتاج إلى نظر وتمحيص وسأحاول أدناه أن أسجل بعض ما خطر لي من تساؤلات حول المواضيع المطروحة:
(١) هل لفكرة الشركة ذات الذمة المالية المستقلة عن مالكيها والشخصية المعنوية (مثل الشركة المساهمة) أصل شرعي؟
стр. 9096
(٢) هل شراء الأسهم جائز؟ هل يجب التحقق من نشاط الشركة قبل الشراء؟ هل يجوز إذا كانت تقترض من البنوك في نشاطات غير رئيسية بينما أن أغلب تمويل الشركة غير ربوي؟
(٣) هل البيع واقع على الجزء من أصول الشركة الذي يمثله السهم أم على السهم (أي الوثيقة) ذاته؟
(٤) هل الخيار بيع أم وعد بالبيع؟ وإذا كان وعدا هل يجوز أن يكون ملزما وأن يكون له ثمن؟
(٥) هل يمكن أن يكون الخيار بيعَ آجلٍ؟
(٦) هل البيع الآجل (المستقبليات) هو بيع العربون؟ هل هو بيع السلم؟
(٧) هل البيع بالعربون بيع خيار يجوز للمشتري التخلي عن الشراء مقابل العربون؟
(٨) هل يجوز شراء العملات على أن يكون القبض في وقت لاحق (في غير المجلس) ؟
(٩) هل يجوز ذلك في الذهب والفضة؟ هل يمكن اعتبارهما سلعا لا نقودا؟
(١٠) ما صفة القبض المقبول شرعا في الأسهم والعملات والسلع؟ هل يكفي تداول الأوراق المثبتة للقدرة على التسليم؟
(١١) هل يجوز في عقود البيع الآجل (المستقبليات) تأجيل البدلين (عدم دفع الثمن والاكتفاء بجزء منه كضمان يحتفظ به السمسار) ؟ هل يجوز بيع السلعة في هذه العقود قبل القبض؟ هل يجوز إذا بيعت موصوفة لا هي بعينها؟
(١٢) هل يمكن أن تخرج هذه العقود (المستقبليات السلعية) على عقد الاستصناع الجائز فيه الدفع على أقساط؟
(١٣) تقوم فكرة سوق البورصة على السماح بالبيع فيها والشراء لمن يدفع رسم عضوية ولا يسمح لسواهم بذلك. هل هذا مقبول من الناحية الشرعية؟
(١٤) هل يجوز بيع الأسهم بيعا آجلا بدفع جزء من الثمن أم أن فيها بيعا للدين بالدين؟ هل تقاس على السلع أم على النقود؟
(١٥) هل يجوز بيع تلك الأسهم قبل تسديد كامل ثمنها؟
(١٦) هل يجوز أن تكون محل بيع ورهن بحيث يحتفظ بها البائع ضمانا حتى يتم تسديد ثمنها؟ وهل يكون ذلك منعا أو وعدا بالبيع؟ هل يجوز أن يكون ملزما؟
(١٧) هل يجوز التعاقد على الشراء ثم قيام المشتري بالتعاقد مع جهة أخرى على البيع قبل القبض؟
(١٨) هل يدخل شراء عملة أجنبية اليوم على أن تسلم بعد ثلاثة اشهر في ربا النسيئة؟
(١٩) هل يجوز التواعد على مثل ذلك مع تقديم ضمان من قبل كل طرف إلى الآخر (وتحديد السعر عاجلا) ؟.
الدكتور محمد القري بن عيد
стр. 9097
المراجع
• المراجع العربية
١- أبو رخية، ماجد: حكم العربون في الإسلام، عمان: مكتبة الأقصى، ١٩٨٦م.
٢- ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، بيروت: دار المعرفة، ١٩٨٣م.
٣- ابن القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين.
٤- البقمي، صالح بن زابن المرزوقي: شركة المساهمة في النظام السعودي، مكة المكرمة: جامعة أم القرى، ١٤٠٦هـ.
٥- حماد، نزيه: بيع الكالئ بالكالئ، جدة: مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، ١٤٠٦هـ.
٦- الخفيف، الشيخ علي: أحكام المعاملات الإسلامية، البحرين: بنك البركة الإسلامي للاستثمار، بدون تاريخ.
٧- الخياط، وعبد العزيز عزت: الشركات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٩٨٣م.
٨- الفقي، محمد حامد (محقق) : القواعد النورانية الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية بيروت: دار الندوة الجديدة، بدون تاريخ.
٩- المقيت، أبو اليزيد علي: (ذاتية المعاملات الإسلامية) الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، بدون تاريخ.
١٠- ابن منيع، عبد الله بن سليمان: الورق النقدي، بدون ناشر، ١٩٨٤م.
١١-موسى، محمد بن يوسف: فقه الكتاب والسنة. البيوع والمعاملات المالية المعاصرة، القاهرة: دار الكتاب العربي، ١٩٥٤م.
١- sarnoff، paul: trading in financial features، London، woodhead-fanlkner، ١٩٨٥.
٢-sharpe، w.f: investments، Englewood cliffs، n.j. prentice-hall، ١٩٨٥.
٣-prager، jonas: fundamentals of money banking and financial institutions، new york، harper & row،. ١٩٨٧.
٤-smith، Courtney: option Strategies، New York، John Wiley & Son، ١٩٨٧.
٥- Cohen، Jerome. Edward D. Zinbarg and Arthor Zeikel: Investment Analysis and portfolio Management، Homewood III، Richard D، Irwin، ١٩٧٧.
٦- Business Week، January ١٨، ١٩٨٨، p.٣٧ and other Issues.
٧- Brigham، Engene I: Fundamentals of Financial Management، Hinsdale III، The Dryden press، ١٩٧٨.
стр. 9098
تجلي مرونة الفقه الإسلامي
أمام التحديات المعاصرة
إعداد
فضيلة الأستاذ محمد الأزرق
مدير ديوان وزير الأوقاف المغربي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
الموضوع: تجلي مرونة الفقه الإسلامي أمام التحديات المعاصرة.
إن الإسلام باعتباره نظاما كاملا للحياة، أناط بالدولة الإسلامية القيام برعاية شئون الأمة في مختلف الميادين، ومكنها من الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الرعاية. ومن الأدلة الشرعية تتبين أنواع مواد الدولة المالية. وكيفية تحصيلها وتنظيمها والمسالك التي تصرف فيها، تحقيقا للتنمية في ظل الأحكام الشرعية المأخوذة من الكتاب والسنة. ومما ترجح من أقوال الأئمة المجتهدين، اعتبارا لكونها تؤخذ بغلبة الظن حيث لم يشترط فيها القطع واليقين كما لا يشترط في العقائد، واعتبارا كذلك لما تفرض المصلحة العامة.
فالدولة الإسلامية أيام ازدهارها لم تقف في طريقها المستجدات والطوارق التي كانت تحدث، بل استطاعت أن تتكيف مع الظروف التي واجهتها في مسيرتها منذ الفتوحات الأولى وانعكست الآثار الإيجابية للفقه الإسلامي على مختلف البيئات الجديدة، وهكذا تمكنت الدولة الإسلامية من مواجهة الظروف الناتجة عن وفرة المداخيل، ومن مواجهة الأعباء التي تتحملها في مختلف المجتمعات، اعتمادا على أحكام الشرع ومبادئه المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فلم يقف الفقه الإسلامي قط عقبة في وجه التطور، وذلك لقدرته على إيجاد الحلول في مختلف العصور ومختلف البيئات حيث أن مبناه على جلب المصالح ودرء المفاسد، وقد كانت أحكامه هي السائدة في كل الميادين، وما ذلك إلا لما يتميز به من ثراء ومرونة، وما يزخر له من نظريات سواء في أصوله وفروعه.
إن هذا التراث الفقهي الذي نعتز به والذي يعتبر مفخرة من مفاخرنا نستطيع باستيعابه والبحث في أسراره وحكمه التغلب على ما تواجهه أمتنا الإسلامية في عالمنا المعاصر مما يمكننا من رفع هذا الصرح من جديد والرفع في ظل مبادئه وقيمه بمجتمعاتنا على التقدم والرقية، فنهضتنا هي في النهوض بتشريعنا، ولا يتحقق هذا إلا بإعطائه ما يستحق من العناية والاهتمام وتوفر كامل شروط البحث فيه، وجعله في متناول الدارسين والباحثين، لتتذوق مختلف الأجيال دقته ونتائجها وتتمكن من الغوص في جزيئاته ومدارك أئمته لتدرس قضايا كل عصر على ضوء المقاصد الشرعية والأحكام الدينية المستنبطة من الأصلين الأصيلين الكتاب والسنة لتوجد حلولا، مستمدة من تشريعنا، ومضيفة إليه آراء واجتهادات يسير فيها الخلف على سنن السلف، ذلك أن الواقع الجديد والتطور باستمرار يعرض مشاكل وقضايا لم تكن معروفة من قبل، ومن واجب علماء المسلمين المختصين في الفقه الإسلامي أن يواجهوها بكل عناية وإخلاص كما هو المطلوب منهم والمعهود فيهم ليتقدموا بحلول لها وفق مبادئ الشرع الحنيف.
وإن لنا في الفروع الفقهية مجالا خصبا للبحث، وذخيرة تعيننا على تحقيق غايتنا. فالفقه الإسلامي من سماته الارتباط بالمجتمع وقضاياه، وخير دليل على هذا الارتباط المكانة التي أولاها الفقهاء للعرف تعقيدا وتفريعا عليه مستندين في كل ذلك إلى السنة، وما سار عليه الصحابة والتابعون ومن تبعهم من سلف هذه الأمة.
كما أن لنا في الأصول ميدانا رحبا، نظرا لتعدد مصادر التشريع وقدرتها على استيعاب وإدراج العديد من الجزئيات تحت كلياتها.
стр. 9099
فالعرف الذي سلفت الإشارة إليه تمتاز نظريته عند الأصوليين بدقتها وأصالتها، ويعتبر من الأدلة التي تبنى عليها الأحكام، ويترك به القياس، وتخصص به النصوص عند جمهور الفقهاء، فينتج عن ذلك تغير الأحكام التي بنيت عليه إذا ما تغير العرف. يقول الإمام القرافي في الفرق بين قاعدة العرف القولي والعرف العملي عند الكلام على اعتبار العرف وتغيره: فمهما تجدد العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك فهذان والحق الواضح. والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضيين.
وابن القيم ﵀ عند الكلام على تخير الفتوى واختلافها باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات والعوائد يقول: هذا فضل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به.
فالعرف يرجع في غالب صوره إلى المصلحة التي دعت إليها الحاجة فتكون مرتبته بين الأدلة مرتبة المصلحة: وهي قد تكون مرسلة أي لو لم تعارض دليلا من الأدلة الشرعية، وقد تكون معارضة لدليل آخر، فإن كان قياسا قدمت عليه، لأنها مصلحة محققة ومصلحة القياس محتملة، وإن كان نصا فإن كانت المعارضة كلية ألغيت وإن كانت جزئية خصص النص بها فيعمل بها في موضوع التعارض ويعمل بالنص فيما عدا هذا الموضع وإعمال الدليلين ما أمكن أولى من إبطال أحدهما.
والمصلحة التي دعت إليها الحاجة العامة أو الخاصة دليل من الأدلة التي يستند إليها في إثبات الأحكام، وهي ليست مجرد رأي، بل حدتها ثابتة بالنصوص الكثيرة النافية للحرج والداعية إلى التيسير وعدم التعسير، إضافة على أن من فوائد تعليل النصوص لكثير من الأحكام تبيان ما يترتب على الأفعال المأمور بها من مصالح وعلى المنهيات من مفاسد وهذا ما يجعل الحكم يتغير إن تغيرت مصلحته أو إن لم يحقق مقصود الشارع منه. يقول عز الدين بن عبد السلام: (كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل) (١) .
стр. 9100
ويقول الإمام الشاطبي: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يئول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ. ولكن له مآل على خلاف ما قصد منه. وقد يكون غير مشروع كمفسدة تنشأ عنه ومصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة وتزيد عليها. فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية. فكذلك إذا أطلق القول الثاني بعد المشروعية ربما أدى استدعاء المفسدة إلى المصلحة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية. وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة (١) .
فهذه الأدلة والنظريات وغيرها تفيدنا- ولا شك – في مواجهة تحديات العصر ليظل تشريعنا مواكبا للواقع ومحققا سعادة الإنسان الدنيوية والأخروية، هذه السعادة التي عجزت مختلف الأنظمة عن تحقيقها.
وإني أغتنم فرصة هذا الجمع المبارك لأقترح تشكيل لجنة من ذوي الاختصاص في المجال الاقتصادي للقيام بدراسات مفصلة ومعمقة تتقدم باقتراحات للخروج بالمجتمعات الإسلامية من ورطة المعاملات التي من شأنها أن تصطدم وشريعتنا، وتعرض هذه الدراسات والمقترحات في مرحلة لاحقة على لجنة من الفقهاء المختصين في الشريعة الإسلامية ليعطوا نظرهم مراعين فيه المبادئ الشرعية وما تدعو إليه المصلحة العامة المقررة شرعا دون إغفال ما تتطلبه حالة الضرورة، لتكون اختياراتنا منبثقة من واقعنا ومطابقة لقواعد الشريعة ومقاصدها.
أما ما يتعلق بالعلاقات المالية فإن الفقه الإسلامي قد أولاها كثيرا من الأهمية وحقق علماؤها في جزئياتها بكتاباتهم القيمة واجتهاداتهم النيرة وفتاواهم الصحيحة، فأعطوا حلولا شرعية حسنة التوجيه مدعمة بالدليل.
وإن جهود أولئك الجهابذة الأعلام من علماء الملة الجديرة بالدراسات المستفيضة، ومناهجهم في البحث والاستنباط قمينة بتتبعها والنسج على منوالها.
стр. 9101
ولإعطاء فكرة موجزة حول البعض من هذه الجوانب فيما يلي نلقي نظرة على بعض الأبواب الفقهية المرتبطة بالمعاملات المالية. يقال على سبيل التمثيل لدقة التفسير والتوجيه: إن من المقرر فقها أنه لا يحل الجمع بين البيع والسلف في معاملة واحدة (١)
واختلف في تفسير هذا العنوان، ففسره مالك بقول الرجل للرجل آخذ سلعتك بكذا وكذا على أن تسلفني كذا وكذا. فعقدهما هذا البيع المشروط بالسلف يعتبر محرما شرعا إلا أن تحريمه لما كان لأجل شرط السلف فيتبعه فإنه إن تركه المشترط - كسرا - فإنه يصير جائزا. وعلى هذا التفسير أهل العلم.
وفسره غيره من شراح السنة بأن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذا الثوب بألف على أن تقرضني ألفا - مثلا - وهذا عقد فاسد إن وقع فسخ. وقد وجهوا فساده بأن البائع جعل ثمن مبيعه كلا من الدراهم وقرض مثلها. فاجتمع البيع والسلف، والسبيل لتصحيحه بإبطال شرطه - كما هو الحال بالنسبة للتفسير الأول- لأن بإبطاله يسقط بعض الثمن ويصير المبيع في مقابلة باقٍ مجهول (٢) .
ويقال للاحتراز عن بعض سبل الربا إن لجواز السلم شروطا، منها ما ينفرد به رأس المال، وهو - عند المالكية - أن يكون نقدا فلا يجوز تأخيره إلا إذا كان دون اشتراط، أو باشتراط قليل الأيام الثلاثة فيجوز، أما الإمامان الشافعي وأبو حنيفة فقد اشترطا التقابض بالمجلس فلا يجوز التأخير عندهما، ومنها ما ينفرد به المسلم فيه. وهي ثلاث:
١- تأخير قبضه إلى أجل معلوم يدخلان عليه، وأقله الفترة التي تختلف فيها الأسواق خمسة عشر يوما ونحوها.
٢- أن يكون مطلقا في الذمة، بمعنى أنه غير مقيد بما يعينه كأن يكون زرع تربة بعينها وإلا لم يجز لتعينه. أرأيت العقار فإنهم اتفقوا على عدم جواز السلم فيه وما ذاك إلا لتعينه.
٣- أن يكون مما يوجد جنسه في مجرى العادة عند بلوغ الأجل المعروف مطلقا - إن كان عند العقد موجودا لو لم يكن موجودا- هذا على مذهب مالك. أما أبو حنيفة فالشرط عنده أن يوجد عند كل من العقد والأجل.
ومنها ما هي مشتركة بين رأس المال وبين المسلم فيه وهي أيضا ثلاث:
١- أن يكون كل من رأس المال والمسلم فيه مما يصح تملكه وبيعه، وما لا يصح تملكه وبيعه لا يجوز السلم فيه كالخمر والخنزير والميتة مثلا.
стр. 9102
٢- أن يختلفا جنسا بأن يسلم الذهب والفضة في الحيوان والعروض والطعام مثلا، فإن لم يختلفا جنسا كأن يسلم الذهب في الفضة..... لم يجز، لما فيه من الربا - العرف بتأخير- نعم يلاحظ أن المنع قد ينصب على بعض جزئيات السلم مع اتحاد الجنس، ويمكن أن يقسم إلى ما منع إطلاقا وهو تسليم بعض الطعام في بعض - بيع طعام بطعام نيئة- (١) فقد منع إطلاقا لعلة أنه ربا، وإلى ما منع بشرط وهو تسليم بعض العروض في بعض، وبعض الحيوان في بعض، فقد منع بشرط أن تتفق فيه الأغراض والمنافع، وذلك لعلة أنه يئول إلى سلف جر منفعة، فإن اختلفت – فيما ذكر- الأغراض والمنافع جاز التسليم فيه.
٣- أن يكون كل منهما معلوما جنسا، وصفة، وقدرا (٢) . احترازا عن الجزاف فقد اختلفت فيه المذاهب. فالشافعي أجازه، وأبو حنيفة منعه، والمالكية لهم خلاف فيه.
ويقال لبيان دور عقيدة الحسم في العلاقات المالية أنه يتجلى في مظاهر من بينها بيع المرابحة، وهو أن يعرف صاحب السلعة المشتري بقدر الثمن الذي اشتراها فيه ويأخذ ربحا، وذلك كأن يقول: أشتريها بألف وتربحني مائة أو مائتين مثلا.
ومن مسائلها أن تطرأ على السلعة زيادة على ثمنها فهل يحبسها مع الثمن ويجعل لها قسطا من الربح أو لا؟ الصور ثلاث (٣) ، لأن هذه الزيادة إما أن تكون لها عين قائمة - كالخياطة والصياغة- أو ليست لها عين قائمة. وهذه الثانية، إما أن يعملها بنفسه - كالطي والنشر- أو يستأجر عليها ككراء نقل المتاع وأجرة شده.
وهي باعتبار الحكم على طرفين ووسيطة، ففي الصورة الأولى حيث تكون لها عين قائمة، يحسبها مع الثمن ويجعل لها قسطا من الربح وفي الثانية حيث لا تكون لها عين قائمة وقام بالعمل بنفسه لا يحسبها في الثمن ولا يجعل لها قسطا من الربح وفي الثالثة حيث لا تكون لها عين قائمة فاستأجر عليها يحسبها في الثمن ولا يجعل لها قسطا من الربح.
ويقال لبيان صورة من صور الحفاظ على حقوق الأجير إن الفقهاء اشترطوا العلم بالأجرة وجواز تقديمها، ذلك أنهم اشترطوا في الأجرة من بين أركان الإجارة شرطين:
١- أن تكون معلومة خلافا للظاهرية احترازا عما فيه جهالة كما لو قال: احصد زرعي ولك نصفه، أو اطحنه أو اعصر الزيت، وأراد نصف ما يخرج مما ذكر، فإنها إجارة لا تجوز وذلك لجهالة الأجرة، فإن ملكه نصف نتاج ما ذكر جازت (٤) .
ولا يجب تقديمها إلا لشرط أو لاقتران ما يوجب تقديمها من كونها عرضا أو طعاما رطبا أو ما أشبههما.
٢- ومن شرطي المنفعة أن تكون معلومة إما بالزمان، كالمياومة والمشاهرة وإما بغاية العمل كخياطة ثوب مثلا ولا يجوز أن يجمع في الاشتراط بين الزمان والعمل المذكورين، لأنه- أي العمل- قد لا يتم قبل الأجل أو بعده.
стр. 9103
وهناك عقود حرمت في الأصل ثم استثنيت من التحريم مراعاة للمصلحة. وهي: المضاربة، وبيع النجس، والعرية، والمزارعة، والمغارسة، والمساقاة.
* أولا- المضاربة: (١) الفراض عند أهل المدينة، وصفته أن يسلم شخص ماله لعامل يعمل عنده ويكون الربح منهما على حسب ما دخلا عليه من النصف أو غيره بعد إخراج رأس المال.
وهو من حيث الحكم من العقود المحرمة في الأصل لما فيه من الغرر والإجارة المجهولة ولكنه استثنى فجاز ترخيصا من الشارع بشروط ستة مبسوطة في المطولات - لمراعاة مصلحة الطرفين، وبيانه أن هناك من لا مال له وفيه استعداد للعمل، وهناك على العكس والنقيض من له مال ولا استعداد له أن يعمل مع العلم بأنه مطالب بأن يستثمر ماله ولا يتركه جامدا.
أما عن أصلها من السنة فالذي صرح به الحفاظ أنه لم تثبت فيها شيء، مرفوع على رسول الله ﷺ وأن جميع ما ورد فيها من آثار عن الصحابة- رضوان الله عليهم- وقد وقع - كما حكي غير واحد - إجماع من بعدهم على جوازها. وانظر تصريح الحافظ بما يخالف ما ذكر وأنها كانت ثابتة في عصر النبي ﷺ وأقرها وإلا لما جازت البتة، ورد صاحب الروضة الندية (٢) عليه، ورد رده بتعليق هامشي بها (٣) .
* ثانيا- بيع النجس: بيع عين النجاسة كالميتة والمتنجس غير القابل للتطهير كالزيت (٤) ممنوع على المشهور عند المالكية أما المتنجس القابل للتطهير كثوب تنجس فإنه يجوز بيعه لكن بشرط أن يبينه للمشتري ليدخل عليه. وإلا فبعد اطلاعه عليه يكون له الخيار في الرد وعدمه.
نعم رخص الفقهاء في بيع فضلات غير مأكول اللحم لضرورة الانتفاع به في فلاحة الأرض، ومعلوم أن الضرورة تبيح المحظور، وكما رخصوا فيها رخصوا كذلك في السقي بالماء المتنجس (٥) .
* ثالثا- العرية: وهي أن يهب صاحب بستان ثمر نخل أو شجرة دون أصلها ثم يشتريها المعري من المعرى له. وهي منشأة من المزابنة التي هي بيع رطب بيابس من جنسه والتي ورد النهي عنها في السنة لكن رخص للمعري أن يشتريها ممن عراها له بيابس دفعا لما يتضرر به من كثرة طرقه البستان ليقتطف الثمر.
ومن أحكامها أن للمعري أن يشتريها كمن وهبها له بخرصها ثمرا إذا توفرت شروط أربعة. ونلاحظ أن من بين الشروط الأربعة أن يعطيه الثمر عند الجذاذ لا نقدا ومعجلا (٦) وإلا لم يجز (٧) .
стр. 9104
* رابعا- المزارعة والمغارسة:
١- المزارعة: الشركة في الزرع، وحكمها الجواز، واختلف فيما يقيد به جوازها – داخل المذهب المالكي- على أقوال ثلاثة:
(١) قول ابن القاسم:
(أ) السلامة من كراء الأرض بما يخرج منها.
(ب) تكافؤ الشريكين فيما يخرجان.
(٢) وعيسى بن دينار على جوازها وإن لم يتكافآ (١) وبعض المالكية على جوازها، وإن وقع فيها كراء الأرض مما تنبت.
وللاحتراز عن أول شرطين إنه إن كانت الأرض من أحدهما والعمل من الآخر فلا بد من أن يساهم رب الأرض بحقه في البذر، لأنه إن لم يساهم به كان ذلك من كراء الأرض بما تنبت، وتحكيما للعلة إذا كانت الأرض لهما تملكا وكراء جاز حينئذ أن يكون البذر منهما معا، أو من أحدهما ويقابله حينئذ عمل الآخر.
٢- المغارسة: أن يسلم الرجل أرضا يملّكها لمن يغرسها شجرا، ولها وجوه ثلاثة: إجارة، وجعل، ومتردد بينهما، ومنشؤها أنهما إن دخلا في مقابلة الغرس على أجرة معينة كانت إجارة. وإن دخلا على نصيب يكون له في خصوص ما بينت منها كانت جعلا. وإن دخلا على أن يكون له نصيب من كل الأشجار ومن الأرض كانت مترددة بين الإجارة والجعل.
وحكمها الجواز إذا توافرت شروط خمسة. كما هو مقرر في بابها.
* خامسا: المساقاة: أن يسلم الرجل شجرة لمن يخدمها ويتعهدها بالسقي والتنقية وكل ما يحتاج إليه نموها، وتكون غلتها بين أعلى ما دخلا عليه من نصف أو ثلث أو ربع مثلا.
ومن أحكامها أنها جائزة مستثناة من أصلين محرمين هما: الإجارة المجهولة، وبيع الشيء قبل أن يخلق.
وأصل جوازها واستثنائها من الأصلين المذكورين فعله ﷺ مع يهود خيبر في نخيلها.
ثم إن الأئمة (٢) اختلفوا في كون جوازها عاما في سائر الأشجار والزرع ما عدا البقول (٣) وهو مذهب مالك، أو مقصورا على النخيل والأعناب وهو مذهب الشافعي، أو مقصورا على خصوص النخيل وهو مذهب الظاهرية.
الأستاذ محمد الأزرق
стр. 9105
وثائق
ندوة الأسواق المالية
المنعقدة بالرباط
بين ٢٠-٢٥ ربيع الثاني ١٤١٠هـ
نوفمبر ١٩٨٩م
البيان الختامي والتوصيات
لندوة الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية
المنعقدة بين ٢٠-٢٥ ربيع الآخرة ١٤١٠هـ
الموافق نوفمبر ١٩٨٩م
الرباط
(المملكة المغربية)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد عبد الله ورسوله ورضي عن صحبه وآله أجمعين.
البيان الختامي والتوصيات
لندوة (الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية)
٢٠-٢٥ ربيع الآخر ١٤١٠هـ / نوفمبر ١٩٨٩م
(الرباط - المملكة المغربية)
معالي مستشار صاحب الجلالة
معالي وزير الأوقاف والشئون الإسلامية
أصحاب المعالي الوزراء والسفراء
أصحاب الفضيلة العلماء
حضرات السادة المشاركين في هذه الندوة
تم بحمد الله تعالى وتوفيقه عقد ندوة: (الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية) بالتعاون بين وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمملكة المغربية وبين مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، وذلك في الفترة من ٢٠ على ٢٤ ربيع الآخر ١٤١٠هـ / ٢٠-٢٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٨٩م في الرباط (بفندق حياة ريجنسي) .
وقد أقيم حفل افتتاح الندوة مساء يوم الاثنين ٢٠/٤/١٤١٠هـ، ٢٠/٤/١٩٨٩م، وبعد تلاوة مباركة من آي الذكر الحكيم، ألقي معالي وزير الأوقاف والشئون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري كلمة كريمة نوه فيها بأهمية الموضوع الذي تعقد له هذه الندوة المتخصصة وكونه تجربة جديدة ترتبط بمواكبة الفقه الإسلامي لمستجدات العصر وأن الجهد المبذول في هذا هو من صميم النصيحة لأمتنا الإسلامية. وأشار إلى دور المملكة المغربية –ممثلة في جلالة الملك الحسن الثاني- في الجمع بين الحفاظ على المبادئ والقيم والتفتح على الحضارات، ودعم كل عمل إسلامي بناء، وختم كلمته بشكر أمين عام مجمع الفقه الإسلامي وجميع المشاركين والترحيب بهم في بلدهم الثاني.
ثم ألقى الدكتور عبد الهادي أبو طالب المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة كلمة تحدث فيها عن إطار الندوة وبين دور التنمية وأهمية بحث مشكلاتها، ونوه بالجهود المبذولة من الفقهاء والاقتصاديين الإسلاميين لإبراز كنوز الفقه الإسلامي وإخراج رصيده لحل القضايا الاقتصادية أو إيجاد بدائلها السلمية ولا سيما في عهد شهد أفولا للنظرية الاقتصادية الشرقية واختلالا في النظريات الغربية.