وتختلف السندات من حيث شروط الإصدار فقد تكون تلك الشروط ثابتة لا تتغير طوال القرض أو مدة السند، وربما تكون قابلة للتغير عند تحقيق شروط معينة أو برغبة المقرض مثل أن تتحول الفائدة فيه من متغيرة إلى ثابتة، أو تتغير مدته بالزيادة أو النقصان أو يستبدل بأسهم عادية أو ممتازة. وقد يتبنى مصدر السندات بعض الإجراءات الإضافية لتشجيع الناس على إقراضه، التعهد لهم بحمايتهم من الانخفاض في القوة الشرائية للنقود، أو إعفاء الدخل المتحقق لهم من الضرائب في بعض أنواع سندات الدولة والهيئات العامة. وربما يضاف إلى السند شهادة تعهد يتعهد فيها المصدر أن يبيع لحامل السند خلال فترة محددة أوراقا مالية أخرى بسعر محدد. وأخيرا قد يصدر السند بقيمة إصدار تختلف عن قيمته الاسمية، فيصدر بعلاوة إصدار أو بخصم إصدار.
السندات من الوجهة الإسلامية:
أولا: عن السندات التي تعطي لأصحابها فوائد منسوبة لقيمتها الاسمية أو ترتب لهم نفعا مشروطا، سواء أكان جائزة أو مبلغا مقطوعا أو خصما هي محرمة شرعا، إصدارا وتداولا، باعتبارها قروضا ربوية ويدخل في ذلك السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قرضا يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية. السندات ذات الكوبون الصفري هو ذلك المثال الذي تصدر فيه القيمة الاسمية بـ ١٠٠٠ فيباع بـ٩٥٠ ويدفع المصدر ١٠٠٠ عند الاستحقاق ولا تدفع عليه فوائد خلال المدة. ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها خصما لهذه السندات، كما يدخل في ذلك السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضا اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين لا على التعيين.
ثانيا: البدائل لهذه السندات إصدارا وتداولا، هي السندات أو الصكوك القائمة على أساس عقد المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين، بحيث لا يكون لمالكيها فائدة أو نفع مقطوع، وإنما يكون لهم نسبة شائعة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك، ولا ينالون هذا الربح إلا إذا تحقق فعلا، وذلك وفق الصيغة التي تم اعتمادها من مجمع الفقه الإسلامي لسندات أو صكوك المقارضة في دورته الرابعة.
ثالثا: وقد اقترحت مجموعة أخرى من السندات البديلة قائمة على عقود المشاركة والإجارة والسلم والاستصناع مما هو جدير بالدراسة والبحث. وتوصي الندوة بإعداد البحوث في هذه السندات البديلة لتعرض على مجمع الفقه الإسلامي ليتخذ فيها القرار المناسب.
стр. 9137
رابعا: كما اقترح في الندوة بديل لسندات الخزينة قائم على أساس المشاركة في المشاريع العامة المنتجة للدخل، وفق إصدارات مخصصة لمختلف أنواع المشاريع، بما هو جدير بالدراسة والتمحيص من مجمع الفقه الإسلامي على ضوء ما بعد من بحوث ودراسات في ذلك.
الشيخ على السالوس:
قوله: (وربما تستخدم الجوائز التي توزع بالقرعة كمكافأة) ، هي ليست مكافأة هي مجموع الفوائد الربوية وزعت عن طريق القرعة. فكلمة مكافأة ليست دقيقة هنا للتعبير عن طبيعة الجوائز.
الرئيس:
على كل هذا للتصور وهو كلام اقتصاديين في تصورهم وليس كلام الفقهاء والعبرة بما ورد في ١و٢و٣و٤.
الشيخ محمد على التسخيري
بسم الله الرحمن الرحيم:
أنا أريد أن يوضح لي السادة وجه الحرمة فيما لو كان السند يباع بقيمته الاسمية ويستلم أيضا بقيمته الاسمية. والذي يقدم عليه يقدم عليه لوعد تعده الشركة مصدرة السند بأنها سوف تقوم بتوزيع جوائز شريطة أن لا تكون الشركة حتى ملزمة بإقامة هذه الجوائز، يعني حتى الجوائز غير إلزامية لهذه الشركة، لكنها جوائز عالية والاحتمال هنا هو الذي يغري هذا الشخص بالإقدام على شراء هذا السند. إذن السند بقيمته الاسمية ويسترجع بقيمته الاسمية، فقط الإغراء الموجود هنا هو إغراء المكافأة الاحتمالية العالية بشكل جائزة. ما هو وجه الحرمة في ذلك؟
الشيخ محمد علي القري:
بسم الله الرحمن الرحيم:
لدي تعليق على البند الأول في السندات من الوجهة الإسلامية: أن يضاف إلى كلمة جائزة أو جوائز (توزع بالقرعة) . لأن هناك نوعا من الجوائز، فيه سندات توزع فيها الجوائز بالقرعة وفيه سندات توزع فيها الجوائز بغير القرعة، لكل مقرض جائزة قد تكون غير معروفة في ابتداء عملية إصدار السهم، ولكن كل مقرض يأخذ جائزة. فالأفضل أن يضاف هنا أو جائزة (توزع بالقرعة) .
الدكتور رفيق المصري:
ملاحظتي تتعلق برقم واحد، السطر ما قبل الأخير يقول: (يدخل في ذلك السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضا اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين لا على التعيين) .. الحقيقة ليست الشبهة هنا فقط تتعلق بالربا وإنما هناك أيضا شبهة القمار.
стр. 9138
الشيخ محمد سالم عبد الودود:
بسم الله الرحمن الرحيم:
المعروف عند الفقهاء أو عند المدرسة التي عشنا في أحضانها، وإن كنت أنا لست مالكيا –لأنه كما يقول الأصوليين: العامي لا مذهب له، لكن المدرسة التي عشت في أحضانها ينص فيها على أن كل زيادة أو نفع في القرض محرمة، سواء كانت عن شرط منصوص أو رأي أو عادة، كل زيادة أو نفع مشروط أو موعود أو معتاد محرم في تلك المدرسة التي تفيأت ظلالها.
الدكتور على السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم:
مسألة الجوائز هذه كيف تتكون؟ لو عرفنا من أين جاءت هذه الجوائز وطريقة التوزيع أمكن معرفة الحكم الشرعي. لأن البنوك عندما تدفع فوائد، الفوائد هذه محددة قانونا، ولا تستطيع البنوك أن تغير في هذه النسبة القانونية. ولذلك نجد عندما توزع الفوائد القانونية توزعها بالنسبة المحددة، فإذا لجأت إلى الجوائز، والجوائز سواء كانت في السندات أو غيرها، كما في البنوك التي بدأت تلجأ إلى الودائع ذات الجوائز، فحولت الفوائد السنوية إلى جوائز. كيف تفعل ذلك؟ تأتي بالفوائد كلها، يعني لو فرضنا مثلا أن الفوائد المتحصلة نتيجة عشرة في المائة ١٠ % للمبالغ المتجمعة لدى البنك هي مليون. فهذا المليون بدلا من أن توزعه على الجميع، وتعطي الكل ١٠ %، المليون يمكن أن يقسم على ١٠٠ بحيث تكون الجائزة الأولى ٥٠ ألفا والجائزة الثانية كذا، وهكذا. إذن مجموع الفوائد المحددة قانونا يوزع بطريقة القرعة، أضرب مثلا توضيحيا، لو أن عشرة مثلا كان لهم كل واحد له ١٠ آلاف في بنك، واتفقوا فيما بينهم أن مجموع الفوائد يحصل، وبالقرعة يوزع على واحد فقط. هل يكون هذا حلالا؟! ولذلك الودائع ذات الجوائز فعلا كما أشار لذلك الدكتور رفيق المصري ليس فيها الربا فقط، وإنما فيها الربا والميسر معا.
مسألة أنه ليس ملتزما. لا، هو ملتزم، المعروف عرفا كالمشروط شرطا. وهو يعلن، والذي اشترى إنما اشترى لأنه يريد الجوائز، وإلا لكان يلجأ للفوائد المعروفة يعني لولا أنه يعلم أنه عن طريق اليانصيب يمكن أن يدفع جنيها ويأخذ خمسين ألفا، لما قبل أن يشتري هذا النوع من الودائع ذات الجوائز. ولذلك الإخوة الذين كتبوا بيان التحريم كانوا دقيقين في التعريف، وأرجو أن تكون الصورة واضحة حتى يكون التحريم واضحا.
الدكتور عبد اللطيف الجناحي
بسم الله الرحمن الرحيم:
أنا أود أن يكون التركيز على عملية نشأة السندات يعني لم نأت للنتيجة الجائزة، وإنما عملية النشأة كيف تمت؟ هل المنبت حلال أو المنبت حرام؟ والتعبير ورد في البداية (السند هو وثيقة دين) فالحوار يدور على أنه وثيقة دين، مبلغ مقترض قد يكون لجأ إليه الشخص لأنه عجز أن يحصل عليه من البنوك فأراد أن يحصل عليه بوسائل أخرى.
стр. 9139
الدكتور الصديق الضرير:
بسم الله الرحمن الرحيم:
تكلم الدكتور على السالوس عن بعض ما كنت أريد أن أقوله وإنني أؤيده في كل كلمة قالها، والبعض الآخر هو الرد على سؤال أو اعتراض الشيخ محمد علي التسخيري وهو اعتراض غير وارد في رأيي لأنه ليس موضوعنا. الموضوع عن السندات المعروفة الآن، والسندات يلتزم مصدرها بفائدة. ولكن الشيخ التسخيري يتحدث عن سندات لا يلتزم مصدرها بفائدة، ويقول: إنه يوفيها كما هي، ولكنه يعطي جائزة. هذا ما فهمته من كلامه، فهو في موضوع آخر غير موضوع السندات التي نتحدث عنها ولذلك أظن أن الجواب عنه غير لازم.
الدكتور منذر قحف:
بسم الله الرحمن الرحيم:
الحقيقة أنا أريد أن أقول بالنسبة لمسألة الجوائز، التفريق، إذا كان لهذا التفريق من مدلول شرعي، ينبغي أن يلحظ أن هناك أنواعا من السندات تعطي جائزة لكل حامل سند وليس لبعضهم. فهي بقرعة أو بغير قرعة، إلا أنها لكل حامل قد يتفاوت في القرعة مقدار ما يعطي لكل حامل. وهناك أنواع من الإصدارات يعطى للبعض، فيقال: يعطي ٥٠ % أو ٧٠ % من حاملي السندات، جوائز، والباقون لا يأخذون شيئا. فإن كان لهذا التمييز من فارق.
النقطة الثانية أنا لا أعرف قوانين تلزم الشركات أو الهيئات المصدرة للسندات أن تدفع لها فوائد. أنا لا أعرف هذا. فالدكتور على السالوس ذكر بأن القوانين تلزم بأن تدفع فائدة ولو ألزمت بعض القوانين بدفع الفوائد لبعض أنواع الإيداعات، مثل القانون الأمريكي الذي يلزم بدفع الفوائد للإيداعات طويلة الأجل أو الإيداعات الادخارية ما عدا الإيداعات تحت الطلب، فالقانون نفسه لا يلزم بمقدار هذه الفوائد، يعني لا يقول: ١٠ % أو ٥ % أو أي مقدار فالأمر متروك للهيئة المصدرة.
الشيخ الدكتور الصديق الضرير:
يعني قانونا أو في اصطلاح الاقتصاديين، لا يلزم مصدره بفائدة؟
الدكتور منذر قحف:
يعني بالسندات الموجودة، التي أنا أعرفها، الموجودة في الأسواق، كلها فيها فوائد محددة مسبقا، أو شبه محددة مسبقا مربوطة بمؤشر، أما القانون الإيراني فقد سمح بذلك.
стр. 9140
الدكتور أنس الزرقاء:
بسم الله الرحمن الرحيم:
ملاحظتي تتصل بالبند رقم (١) في الجزء الأول من هذا البند (محرمة شرعا إصدارا وتداولا باعتبارها قروضا ربوية) ، الحقيقة ينبغي أن تضاف عبارة إيضاحية، أظن لا اختلاف في أنها مقصودة ولكن من الخير أن يصرح بها، وهي عبارة (سواء أكانت الجهة المصدرة للسند خاصة أو عامة ترتبط بالدولة) ، هذا واضح مما تقدم من كلام، ولكن من الخير أن يذكر هنا حتى لا يكون أي التباس في الموضوع. لا نقول (حكومية) لأنه أحيانا هناك جهات ترتبط بالدولة ولا تعد جهات حكومية بالمعنى الضيق، مثل شركة تملكها الدولة أو مرفق عام. والأمر الآخر هناك وهم شائع، لدى ربما غير الاقتصاديين، بأن الدولة عندما تقترض فلعل دفعها للفوائد يكون أقل ضررا مما لو حصل الاقتراض فيما بين الأفراد ودفعوا فيما بينهم الربا. الحقيقة الاقتصادية هي عكس ذلك، إذا كان الربا محرما بين الأفراد، وهو بالطبع محرم، فإن ضرر الربا عندما تتلبس به الدولة أكبر بكثير وباختصار أقول:
١- إن الربا بين الأفراد لا يتعدى ضرره المباشر الفردين الذين يمارسانه، أما ربا الدولة فإنه يتعدى أثره لجميع المواطنين حتى الذين لا يشاركون في أي عملية ربوية، لأن الدولة إنما أموالها هي جيوب رعاياها، فهي عندما تقترض بالفائدة وتلتزم بسداد الفوائد، تلزم بطريق غير مباشر كل مواطن من مواطنيها أن يدفع الفوائد وأن يأكل الربا هذا من ناحية.
٢- إن المؤكد في العالم اليوم، انتشار الاقتراض من قبل الدول على نطاق واسع، على نحو يتزايد باضطراد ويؤدي –كأحد الأسباب الجوهرية- إلى مشكلات اقتصادية مستعصية. وأذكر على سبيل المثال قضية واحدة، أكثر ديون الدول النامية، التي تسمعون عنها اليوم، ما كان يمكن أن تصل الأزمة إلى هذه الشدة في وقتها الحاضر لو كان اقتراض الدولة بفائدة، واضح أنه ممنوع، أن هذا المنع ملتزم به، بالطبع أكثر الدول ليست مسلمة أصلا فلا تلتزم هذا المنع، بعبارة أخرى إن وجود إمكانية اقتراض الدولة بفائدة يشجعها على أن تنفق أكثر من مواردها المتاحة، وتنقل أعباء أعمالها إلى حكومات مقبلة ولأجيال مقبلة، ويطول شرح الأضرار والمشكلات المستعصية التي تنشأ عن ذلك. فاقتراض الدولة يولد نوعا من الإدمان الاقتصادي، مثل إدمان المخدرات تماما، فكلما لزم الاقتراض يسدد الاقتراض السابق. وخلاصة ما أريد أن أقوله بأن اقتراض الدولة بالربا هو إذا كان الربا بين الأفراد محرما – وهو بالطبع محرم- فإن اقتراض الدولة أشد خطرا وأوسع ضررا من ربا الأفراد.
стр. 9141
الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان:
بسم الله الرحمن الرحيم:
التكييف الفقهي بالنسبة للسندات واضح جدا بأنه من القروض وليس من الديون. فحبذا لو في رقم (١) أن يقال: (إن السندات قروض اشترط فيها نفع) يكون ذلك في مقابل كلمة (السند وثيقة دين) فالفرق بين القرض والدين واضح جدا عند الفقهاء. وتكييف الفقهاء للسندات أنها من قبيل القرض لا من قبيل الديون.
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم:
أعتقد أنا بالنسبة (للسندات في المعاملات الوضعية) ، لا نتدخل في هذا، باعتبار أن هذا وصف لواقع يقدمه أصحاب هذه السندات الوضعية. عندنا قسم ثان وهو السندات من الوجهة الإسلامية (١، ٢، ٣) ندخل في واحد فما هي النواحي الموجودة في (١) التي لا نوافق عليها؟ فأعتقد أن ما جاء في (١) ما سمعت لحد الآن اعتراضا.
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد:
السؤال الوارد: رقم (١) هل لأحد من اعتراض عليه؟
الشيخ محمد المختار السلامي:
ثانيا أنه (أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين لا على التعيين) فإن التعبير (إما للمقرضين أو لبعضهم لا على التعيين) يكون أدق، حسبما سمعت من أخينا أنه قد تكون الجائزة للجميع. وبهذا يصبح في نظري التكييف فيها سليما جدا، ولا اعتراض عليه، إلا ما جاء من الشيخ علي.
الشيخ عبد الله إبراهيم:
بسم الله الرحمن الرحيم:
أريد أن أسال عن عبارة في الرقم (١) عندما قال التقرير: (كما يدخل في ذلك السندات ذات الجوائز) أظن كلمة (السندات) هي (شهادات ذات الجوائز) ألا يصح ذلك؟ لأن هناك شهادات ادخار ذات جوائز، لأننا قد ذكرنا سندات ذات جوائز في السطر الثاني، ترتب نفعا مشروطا سواء أكان مبلغا جائزة مقطوعا أو خصما، لأننا قد أدخلنا سندات ذات الجوائز في هذه الفقرة فلذلك أظن أنه يدخل فيها شهادات ذات الجوائز.
стр. 9142
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد:
على كل هناك تعديلات موجودة الآن عند الدكتور عبد الستار.
الشيخ محمد على التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم:
أنا بالدقة قلت: (سند) ، أنا أوافق أن كل هذه أمور ربوية، لكن هناك سند لا يعود بفائدة محددة. الشيخ الصديق الضرير قال: لا يجري. أقول له: يجري وبقانون قائم في إيران مشرع بأن هذا السند يجري بلا فائدة مطلقا، ولا تكون الشركة المصدرة حتى ملزمة بإجراء الجوائز، حتى هذا الإلزام غير موجود. هذا هو الموضع، وبقى إشكال واحد وهو مسألة الميسر، أرجو أن يلاحظ أستاذنا الشيخ السالوس: الميسر عملية لهو لا يقصد منها شيء، عملية غير عقلانية، وعملية لهو، لا أثر لها ثم تعود بنفع أو خسارة هنا عملية عقلانية اقتصادية نتصور لها نفعا، حينئذ لا يمكن أن ندخلها تحت الميسر بهذه السهولة، يعني ليس الأمر يسيرا حتى ندخلها كذلك تحت الميسر، فإذا سؤالي المحدد: سند يعود بنفس اسمه بلا أية فائدة، وهناك إغراء لاحتمال أن تقوم الشركة بإعطاء جوائز مغرية، احتمال فقط، حتى الشركة غير ملزمة بذلك، لا أن يأتي احتمال أن هناك أرباحا مسلمة أو فوائد مسلمة لكل المشتركين، هذا كله أرفضه، أقول بهذه الدقة ما المانع من ذلك؟ عسى أن نصل إلى بديل مشروع نطهر هذه الأسواق منها.
الدكتور بكر بن عبد لله أبو زيد:
المهم تعيين بعد إجماع.
الشيخ على التسخيري:
ليس إجماعا.
الرئيس:
بعد اتفاق أكثريتنا تنازل، المهم نرفع الجلسة حتى الحادية عشرة وخمس دقائق ثم نعود إن شاء الله ثانية.
الدكتور منذر قحف:
البدائل لهذه السندات إصدارا وتداولا:
الدكتور علي السالوس:
توضيح، قلت: المعروف عرفا كالمشروط شرطا. وتحدثت أن مسألة الجوائز هذه بدأت تدخل في ودائع البنوك، والبنوك مقيدة بالقانون، ولذلك الفوائد مقننة، ولهذا فالجوائز في حدود الفوائد المحددة لتلك البنوك. والميسر هنا ليس برأس المال، وإنما الميسر هنا بالربا، بالزيادة الربوية، ولذلك المثل الذي ضربته: لو أن عشرة أودعوا في بنك والفوائد أخذوها ووزعوها بطريقة القمار، هل يكون هذا حلالا؟ أو المعنى الآخر أن الربا لو وزعناه بطريقة الميسر أو لو أضفنا الميسر إلى الربا هل يصبح الربا هذا حلالا؟ يعني هذا المزيج بين الربا والميسر هل يصبح حلالا؟ الأمر الآخر الذي أريده في رقم (١) أن المجمع يمثل العالم الإسلامي كله، وهو يتحدث عن قواعد عامة، ولكن في العالم الإسلامي هناك أشياء معروفة ومشهورة، فلماذا لا يشير إليها وينص عليها؟ يعني لماذا يترك السندات؟ هذا كقاعدة عامة دون ذكر لما هو قائم فعلا، فيعرف المسلمين بأن هذه الأشياء التي لا تسمى باسم السندات هي من هذه السندات، والمجمع يرى أنها محرمة هذا ما أريده.
стр. 9143
الدكتور منذر قحف:
بسم الله الرحمن الرحيم:
ثانيا: البدائل لهذه السندات إصدارا وتداولا: السندات أو الصكوك القائمة على أساس عقد المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين بحيث لا يكون لمالكها فائدة أو نفع مقطوع، وإنما يكون لهم نسبة شائعة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك، ولا ينالون هذا الربح إلا إذا تحقق فعلا، وذلك وفق الصيغة التي تم اعتمادها من مجمع الفقه الإسلامي لسندات أو صكوك المقارضة في دورته الرابعة.
الشيخ محمد علي القري:
بسم الله الرحمن الرحيم:
أحب أن أضيف بديلا لهذه البدائل، أيضا، وإن كان مستبعدا في زمننا الحاضر ولكنه من الناحية النظرية ممكن، وهو السند الذي لا يدفع عليه أي شيء في المجتمع الإسلامي الذي يتوفر في أفراده الرغبة في التكافل والتعاون، ربما يكون لديهم حافز الإقراض الحكومة بسندات على سبيل المثال بدون أي عائد، وهذا أمر ممكن ولم يجرب ولكن أنا أرجح أنه لو جرب لنجح.
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد:
المهم هل من اعتراض على هذه الفقرة؟
الدكتور محمد علي التسخيري:
بسم الله الرحمن الرحيم:
أود أن أعرف هل يمكن أن ندرس ما طرحته كبديل؟ اعتبارا أن المهم في الأمر هو الشرط والاشتراط، وما قلته لا يشمل الاشتراط بأي حال من الأحوال، فلا الجائزة مشترطة، ولا حتى إجراء القرعة مشترط، فحينئذ فمجرد احتمال يحتمله الذي يدفع المبلغ أنه سوف يحصل على جائزة في ذلك، إذا لاحظنا مسألة استحباب حبوة المدين للدائن عند الدفع بدفع مبلغ معين، لدى الكثير من الفقهاء نجد أن هذا الأمر يشكل بديلا صالحا فيه الإغراء الاقتصادي وفيه البعد الكامل عن الصورة الربوية.
الشيخ الأمين:
بسم الله الرحمن الرحيم:
ما طرحه الشيخ محمد علي التسخيري الحقيقة الإنسان يكون في نفسه منه شيء، من ناحية إجازته الشرعية، لأن هذه الجائزة وإن لم تكن ملتزمة ولا معلنة رسميا من الجهة التي تصدر هذه السندات، إلا أنها أمر مفهوم عموما، ومتفق عليه، وإن كان تنفيذه احتماليا. وهو بهذه الصورة لاشك يمثل دافعا وإغراء لهذه السندات، وهو يمثل فعلا إغراء نفعيا، وفيما يبدو لي أنه بهذه الصورة يدخل الأمر في القرض الذي يجر نفعا، ويكون من هذه الزاوية غير مشروع.
стр. 9144
الأمين العام:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أرى أن المادة الثالثة التي بين أيدينا سوف تتناول البدائل للسندات المعروضة. ولا مانع من بحث أي شكل من أشكال البدائل التي يتقدم بها فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري أو غيره، ولكن هذا سيكون موضوع ندوة خاصة هي التي وقع اقتراحها هنا فأرجو أن لا نطيل، إذا كنتم توافقونني على هذا، وهو أن البند الثالث والبند الرابع، يقترحان عقد ندوات، وقد طلبنا من المقرر العام أن يضع هذه المقترحات في قائمة الندوات حتى تبحث في الإبان وبهذا نخلص مما نحن فيه وننتقل إلى ما وراءه.
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد:
الفقرة الثانية هل من اعتراض عليها؟ الحقيقة يبقى نقطة واحدة هل من الضرورة أو تمشي؟ يعني التنصيص على أن المعاملة هنا تجري تحت المخاطرة بالربح أو الخسارة، أو يكفي مقتض عقد المضاربة؟ كاف بالإجماع.
الدكتور منذر قحف:
ثالثا: وقد اقترحت مجموعة أخرى من السندات البديلة قائمة على عقود المشاركة والإجارة والسلم والاستثمار، مما هو جدير بالبحث والدراسة، وتوصي الندوة بإعداد بحوث في هذه السندات البديلة لتعرض على مجمع الفقه الإسلامي ليتخذ فيها القرار المناسب.
الشيخ محمد تقي العثماني:
مادمنا قد اتفقنا على تحويل هذه الموضوعات والبدائل إلى الندوة، ولكن ينبغي لنا أن نصرح فيها بهذه البدائل التي أتى بها الإخوة كاقتراح، لتدرس في تلك الندوة.
الرئيس:
الصياغة ستضيف ما ذكره الإخوان..
стр. 9145
الشيخ محمد تقي العثماني:
أرجو أن تقوم مقام المقرر حتى يعود، وأن تدون هذه الأشياء.
الدكتور منذر قحف:
رابعا: كما اقترح في الندوة بديل لسندات الخزينة قائم على أساس المشاركة في المشاريع العامة المنتجة للدخل، وفق إصدارات مخصصة لمختلف أنواع المشاريع بما هو جدير بالدراسة والتمحيص من مجمع الفقه الإسلامي على ضوء ما يعد من بحوث ودراسات في ذلك.
الدكتور رفيق المصري:
أنا لي تعليق على (٤) بإيجاز. شديد. يقول البند هذا: كما اقترح في الندوة بديلا لسندات الخزينة قائما على أساس المشاركة في المشاريع العامة، أنا أرجو أن يلحظ الأساتذة الكرام هنا أن هذا البديل يحتاج إلى بيان، فيما يتعلق بنقطة دقيقة، وهي أن المشاركة في المشاريع العامة تقلب هذه المشاريع العامة إلى مشاريع خاصة أو مختلطة، كما يسمى (قطاع عام مختلط) (خاص وحكومي) هذا ما أردت أن أبين في هذه الفقرة.
الدكتور منذر قحف:
ثالثا: الاختيارات في المعاملات الوضعية: هي عقود ينتج عنها أدوات مالية تتداول في الأسواق، وينخرط فيها المستثمرون في البورصات لأهداف متعددة، أهمها حماية أنفسهم من خطر الانخفاض في العائد من الاستثمار، أو الاستفادة من توقعاتهم لزيادة تلك العوائد. والغالب تعلق الاختيارات بالأوراق المالية، ولكن الصيغة موجودة في أنواع كثيرة من الأسواق – بمعنى أنها موجودة في السلع والعملات والمؤشرات وغير ذلك – والاختيار يمثل حقا يتمتع به المشتري، والتزاما يقدمه البائع. فيدفع الأول الثمن مقابل تمتعه بذلك الحق، ويقبض الآخر الثمن مقابل تعهده والتزامه. وينتج عنها أداة قابلة للبيع والتداول. واختيار الطلب أو الاستدعاء يعطي مشتريه حق شراء أسهم، أو أي شيء آخر، بسعر محدد خلال فترة محددة. ويلتزم بائع هذا الاختيار ببيع تلك الأسهم عند طلب المشتري، خلال الفترة المتفق عليها، واختيار الدفع أو البيع يعطي مشتريه حق بيع أسهم، أو أي شيء آخر، بسعر محدد خلاف فترة محددة، ويلتزم بائعه بشراء تلك الأسهم بالسعر المتفق عليه خلال تلك الفترة، ويضمن وفاء الأطراف بالتزاماتهم جهة ثالثة هي غرفة المقاصة أو السمسار أو إدارة السوق. وتصدر تلك الأدوات على صفة نمطية تتشابه في كل شيء عدا سعرها الذي يتحدد بواسطة قوى العرض والطلب. ومحل العقد فيها ذلك الحق وليس الأسهم والسلع. وقد يكون المتعهد بالبيع مالكا للأسهم عند انعقاد الاختيار، والغالب أن لا يكون. وقد يكون صاحب حق البيع مالكا للأسهم عند انعقاد الاختيار، والغالب ألا يكون. وكثيرا ما يشتري المستثمر اختيارات متعارضة يلغي بعضها بعضا عند نهاية مدتها، أو يقلل بعضها من المخاطرة المتضمنة في البعض الآخر. وربما يرتبط عقد الاختيار بعقد آخر، مثل أن يكون شرطا في بيع أو إيجار. والباعث على شراء الاختيار هو الرغبة في تقليل المخاطر أو الاستفادة من التوقعات. ولذلك لا يمارس صاحب الحق الاختيار إلا إذا تحقق ما توقع. وقد توسع العمل بتلك الأدوات حتى شمل العملات الأجنبية والمؤشرات.
стр. 9146
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد:
في الواقع أنا بالنسبة لي – فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه لم أتصور هذه المعاملة بأي وجه، على الرغم من أنني – والحق يقال، لأن الحكم فرع التصور، والمسألة ذمة دين- قرأتها في الذين تعرضوا لها وأعدت قراءتها وحصل تداول مع بعض الإخوان، ثم اختلفا فيما بيننا في المراد، مما يدل على أن القضية فيها شيء من التعقيد في نظري.
الدكتور عبد اللطيف الجناحي:
العرض جيد، لكن في البداية قال: (هي عقود ينتج عنها أدوات مالية) كلام سليم: تتداول في الأسواق وينخرط فيها المستثمرون (أنا أسميهم المجازفون) ولا أسميهم (المستثمرون) حتى لا يلتبس في الفهم.
الدكتور على السالوس:
ولكن أريد: (لا المجازفون ولا المستثمرون) بل (المقامرون) لأنهم فعلا هم مقامرون.
الدكتور منذر قحف:
أنا أرى أن هذا من وجهة النظر الإسلامية، أما في التصور الوضعي فهم المستثمرون.
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد:
نعم هذا التصور وضعي لكن ما أتى الحكم حتى الآن ... المهم في قضية التصور هل هو مفهوم لديكم حتى ننتقل إلى البديل الشرعي؟ أم تريدون زيادة في توضيحها؟ يا أستاذ منذر: لو ربطها بأشخاص.. كزيد أو عمرو، أو مؤسسة كذا أو شركة كذا لنعرف كيف نحولها؟
الدكتور منذر قحف:
نأخذ شكلها البسيط.. الشكل البسيط طرفان.. أحدهما يتعهد للآخر بأنه ملتزم بأن بيعه إن اختار الآخر هذا البيع خلال فترة محددة، وقد يكون في وقت محدد أيضا.. والشائع خلال وقت، خلال ثلاثة اشهر زيد يقول لعمرو أنا ألتزم بأن أبيعك عشرة أسهم من شركة كذا بسعر كذا، عمرو يدفع لقاء هذا الالتزام مائة ريال، وهي مملوكة لزيد وهذا عقد نهائي بات، خلال هذه الأشهر الثلاثة عمرو يحق له أن يشتري في أي وقت أراد، هذه الكمية من الأسهم بذلك السعر، ويشتريها بالسعر الذي اتفق عليه، ١٠٠ سهم بسعر ١٠٠٠ ريال، خلال هذه الفترة. إذا انقضت الفترة سقط هذا الاختيار، وله أن يمارسه أو ألا يمارسه هو. هو يمارسه إذا ارتفع السعر أكثر من ذلك فيمارس هذا الحق، هذه حالة، والحالة الثانية: هي أن نعكس التعهد، أن يكون التعهد من المشتري: أنا ألتزم بشراء عشرة اسهم بسعر السهم ١٠٠٠ ريال، خلال ثلاثة أشهر، ويأتي الطرف الآخر، زيد، فهو الذي يختار أن يبيعني هذه الأسهم. فعند ذلك هو الذي يدفع لي، الذي يلتزم هو الذي يحصل على ثمن الاختيار والذي يحصل على حق الاختيار بأن يمارسه أو لا يمارسه، حسب رغبته، هو الذي يدفع ثمن حق الاختيار. وهذا الثمن ليس جزءا من القيمة، إذا أنفذ الاختيار، فلو تم شراء الأسهم العشرة، ما دفع ليس جزءا، من القيمة ولا علاقة له بهذه القيمة ... الآن لو لأمر ما وحسب تغيرات الأسعار بالسوق، أنا عندي حق بالاختيار، والآخر عنده التزام بأن يبيع، هو يستطيع أن يعطي نفسه بأن يشتري مقابل ذلك- لو تغير السعر في عكس مصلحته- بأن يشتري خيارا معاكسا لالتزامه، أن يشتري خيارا بأن المشتري، هو ملتزم بأن يبيع يشتري خيارا بأن يشتري.
стр. 9147
فعند ذلك يستطيع أن يغطي نفسه بهذه العملية. فلو مارست أنا حقي بالاختيار تجاهه سيمارس هو التزامه بالبيع، بممارسة حقه بالاختيار تجاه طرف آخر، فيعطي نفسه بهذا ... الآن نقطة أخيرة مهمة، هذه العقود لا تتم بين طرفين في العادة، هناك طرفان، (هذه نقطة مهمة جدا في العقود كلها في البورصات) ، هناك طرفان فعلا لا ينعقد العقد إلا إذا وجد طرفان، إلا أن عقد كل طرف يكون مع إدارة الصندوق وليس مع الطرف الآخر، فأنا بالنسبة لي لما أشتري خيارا، أو أبيع خيارا، أنا بالنسبة لي الطرف الآخر مجهول جهالة تامة، لا أعرفه ولا علاقة لي به، علاقتي مع الوسيط الذي اشترى لي أو باع لي، ويعطيني عقدا هذا العقد هو صادر عن إدارة الصندوق، تقول بأن لي الحق في شراء كذا، كما أنها تصدر للآخر بأن عليه التزاما، لقاء ما أخذه من مال، أن عليه التزاما ببيع كذا. لكن لا اسمه يظهر في مال يعطي لي من وثيقة، ولا اسمي يظهر فيما يعطي له من وثيقة، لأنه عند التصفية، طالما أنه لا ينعقد عقد فيه اختيار، والحقيقة أو أي عقد آخر، إلا بوجود طرفين، هناك طرفان لكل عقد، فعند تصفية أي من هذه العقود سيبقى هنالك دائما طرفان، العقود التي تمارس ولم تسقط أو لم يشر مقابلها لتصل إلى التنفيذ، تنفيذ الاختيار، هذه هي العقود التي لها ما يقابل دائما، مثل المحاسبة المزدوجة، كل طرف له طرف مقابل، فكل بائع لتعهد هناك مقابل اختيار له، مشتر لهذا الاختيار. فعند ذلك العقود التي تبقى غير متقابلة في الفترة الأخيرة، التي يطرأ عليها التنفيذ، لها دائما ما يقابلها، وعند ذلك سيعرف الشخص الذي سيقابل ذلك الالتزام، ليس الشخص الأول زيد وعمرو، لأن هويات زيد وعمرو، مختفية عن التعامل وهذا نفسه فيما سيأتي من معاملات بالسلع.
الدكتور إبراهيم فاضل الدبو:
بسم الله الرحمن الرحيم:
المتتبع لصفحة ١١ التي تفضل بها الدكتور منذر قحف يقول (إن محل العقد هو التزام أو مجرد التزام) فهل مجرد التزام يصلح لأن يكون محلا للعقد؟ وما هو الالتزام؟ هل هو شيء مثمن حتى يصلح أن يكون محلا للعقد؟ شيء آخر، في الواقع أنني لا أرى في هذه المسألة سوى أنها نوع من المقامرة وفيها غرر وفيها جهالة، فلا يصلح أن يكون بديلا للمسألة التي ذكرها القانونيين.
الشيخ الدكتور علي السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم:
أعتقد أن هناك صورة ثالثة، وهي أن يقول: مثلا أنه يبيع بـ ٩٠ أو يشتري بـ ١٠٠. فإذا كان السهم أكثر من ١٠٠ يشتري، وإذا كان أقل من ٩٠ يبيع، وإذا كان بين ٩٠ و ١٠٠ ينظر إلى الخيار وإلى الأرباح، يعني مثلا ٩٢ أو ٩٣ في هذه الحال ما بين ٩٠ و١٠٠ فلا بد أن يخسر سواء باع أو اشترى. فهل هذه الحالة الثالثة مقصودة أو غير مقصودة.
стр. 9148
الدكتور منذر قحف:
ما أعرفه أن هذه المعاملة مركبة من خيارين، وليست عقدا واحدا. وقد يكون الدكتور محمد علي القري عنده شيء أدق مما أعرف.
الشيخ الدكتور عبد اللطيف الجناحي:
حتى تستكمل الصورة، الدكتور منذر لم يتعرض لما يسمى (بالبِنْيُمْ) سواء بالبيع أو حق الاختيار، لما اشتراه، دفع الـ ١٢ أو ١٠، ما مصيره؟ هذا يحتاج إلى توضيح، يا دكتور منذر، حتى تكتمل الصورة للفقهاء.
الدكتور منذر قحف:
هو ثمن بات دفع لقاء هذا الحق وانتهى. يأخذه من التزم سواء بالبيع أو الشراء، وهو نصيبه ربح له.
الدكتور عبد اللطيف الجناحي:
إذا لم يمارس ضاع عليه.
الدكتور منذر قحف:
نعم، انتهى عند العقد هو ثمن هذا الالتزام.
الشيخ محمد علي القري:
بسم الله الرحمن الرحيم:
أحب أن أضيف على ما ذكره الأخ الدكتور منذر في وصفه وتصويره لموضوع الخيارات والاختيارات بعض الأمور إذا سمحتم لي.
أولا: ما هو الباعث على شراء الاختيار من قبل الناس المتعاملين في السوق؟ الباعث الرئيسي هو الاستفادة من التوقعات، فإن الرجل يشتري الخيار إذا توقع أن تغيرا في الأسعار سيحدث في المستقبل، ويريد أن يستفيد من هذا التوقع. أما الأسهم والسندات والسلع فإنها ليست ذات أهمية كبيرة في موضوع الخيارات. فالمعاملة تقع على التغيرات في أسعارها، فبائعو الخيار ومشتروه لا يلزم في هذه العقود أن يكونوا مالكين للأسهم أو للسندات أو للسلع، لا في وقت إجراء العقد ولا في نهايته. وفي كثير من الأحيان تصفى العقود بدون اللجوء إلى تبادل الأسهم أو السندات أو السلع أو ما إلى ذلك. إذا الباعث هو الاستفادة من التوقعات، فأنا أتوقع بأن الأسعار سترتفع لشركة معينة أو لقطاع معين أو للأسهم بشكل عام، وأريد أن أستفيد من هذا التوقع، فلذلك أقول، إذا كان توقعي أن الأسعار سوف تنخفض، فأبيع أو أشتري حتى أستفيد من هذا التوقع، والملتزم بالخيار هو الذي يقبض الثمن، في محصلة الأمر هو يلتزم بشراء أسهم، ولكنه في كثير من الأحيان لا يفعل.
стр. 9149
وإنما يدفع الفرق بين السعر المتفق عليه للسهم والسعر الذي يسود عند انتهاء العقد، فإذا ما يحصل عليه من دفع ثمن هذا الخيار هو الفرق بين السعرين في أغلب الأحوال، هذه الخيارات في بعض صورها تكون مماثلة تماما للقمار، وهذه عندما تكون على المؤشرات، فيوجد في الولايات المتحدة علي سبيل المثال خيارات على مؤشر تكاليف المعيشة، ومؤشر تكاليف المعيشة ليس له حقيقة وإنما هو رقم تصدره الحكومة في أوقات محددة تبين فيه انخفاض أو ارتفاع الأسعار، فيتعامل في هذا المؤشر بيعا وشراء بالخيارات، بمعنى أني أتوقع أن تكاليف المعيشة ستنخفض وأريد أن استفيد من توقعي هذا، فأدخل بائعا أو مشتريا لخيارات، وهناك آخرون يتوقعون أنه لن ينخفض بل سيرتفع فيريدون أن يستفيدوا من هذا. فإذا من المهم جدا، لتصور هذه المسألة، أن يكون واضحا في أذهاننا أنها واقعة على هذا الحق أو الالتزام، وليس على السلعة التي ينتهي العقد-ربما احتمالا- بشرائها أو بيعها. فإذن هذا الحق أو الالتزام، الحق يقدمه من يدفع الثمن والالتزام يقدمه من يقبض الثمن، هذا هو العقد، الأشياء الأخرى هي لاحقة، وليست متصلة اتصالا تاما بهذا العقد، فالحكم إذا والذي يحتاج إلى نظر هو هذا العقد.
الشيخ عبد الكريم اللاحم:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله.
الذي أريد أن أعبر عنه فهمي للعرض، فالذي تصورته من العرض أنه يجمع عدة نقاط: الأولى بيع العربون لأن الملتزم يدفع له مبلغ لا يرجع حين عدم الإقدام علي الصفقة، وهذا يشبه بيع العربون. والنقطة الثانية: التصرف بما التزم به قبل قبضه يدخل تحت بيع ما لم يقبض , والنقطة الثالثة: ما أشير إليه في العرض وهو أن الأسهم الملتزم بها قد لا تكون داخلة في ملك الملتزم، وإذا كان كذلك فإنه ينطبق عليه قاعدة ما ليس عند البائع، فإذا كان هذا تصوري فإنه ممكن أن يبحث في الحكم عليه من خلال هذه النقاط الثلاث.
الدكتور أنس الزرقاء:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحقيقة أن هذه الموضوعات فيها كثير من التعقيدات والتفصيلات. لهذا يبدو لي من الضروري أن نبني جسرا بين الفقه وبن هذه القضايا، فأنا أحاول في ملاحظاتي الموجزة أن أبني مثل هذا الجسر البسيط، نأخذ حالة بسيطة من حالات بيع الخيار، وأظن أن أساتذتنا الفقهاء سيرون شبهة بما هو عندهم، إذا كان لدي – على سبيل التبسيط- مقدار من سلعة لنقل سلعة مثلية، عندي ١٠ أطنان من القمح، هناك طريقة أن أبيعها مباشرة لمن يريد شراءها، وهذا هو البيع العادي، وهناك طريقة أن أبيعها سلما، وهذا أيضا معروف، أقول: إني آخذ المبلغ الآن واسلم السلعة فيما بعد.
стр. 9150
الآن طريقة بيع الخيارات هذه تختلف عن البيع العادي وعن بيع السلم بالشكل التالي، يأتي إنسان يقول: أنا لست متأكدا أني أريد أن أشتري منك هذا القمح. ولكن أنا يحتمل أن أحتاج إليه خلال الشهرين القادمين، فهل ترضى أن توجب لدي تعطيني إيجابا من طرفك بأنك مستعد أن تبيعني هذا القمح خلال فترة شهرين إذا أنا قبلت، إذا مارست القبول خلال هذين الشهرين آخذه منك بثمن كذا؟ هو لا يأخذ القمح الآن ولكنه يأخذ مني ... يعني يشتري مني إيجابا، والآن يدفع لي مقابل هذا الإيجاب يدفع لي ثمنا مقطوعا لهذا الإيجاب وليس للقمح نفسه. فالقمح ربما الطن منه بألف ريال هو حتى يشتري مني استعدادي لبيعه بالتفصيل الذي ذكره من خلال شهرين إذا أراد ذلك بثمن كذا، حتى يشتري مني إيجابي هذا يدفع لي مبلغا مقطوعا، يقول لي أعطيتك مثلا ١٠ ريالات على الطن، فأنا إذا أتى إلي زيد ودفع لي ١٠ ريالات وأعطيته مقابله تعهدا بأنه إذا شاء أن يشتري هذا القمح خلال شهرين فسأبيعه الطن بألف (١٠٠٠) ريال. ذهب زيد، أتاني بعد يوم عمرو، أنا لدي السلعة – نضع الحالة البسيطة- أتى عمرو، وهو أيضا يطلب شراء اختيار مني، يشتري مني أيضا إيجابا ببيع قمح له بكذا، آخذ من الأول أخذت ١٠ ريالات مقابل كل طن تعهدت أو بعت إيجابا لبيعه، أتى عمرو أبيعه أيضا إيجابا آخر، وزيد وهكذا، فإذا السلعة التي لدي والتي يمكن أن أمارس عليها حق البيع المعتاد أو عقد البيع المعتاد، أبيع إيجابات كثيرة ترتبط بهذه السلعة لعدد من الناس، كل منهم يشتري مني إيجابا بمبلغ زهيد، فهو ممكن أن تسموه، أشبه ما يكون لو أنني أبيع خيار التروي، يأتي زيد ويقول لي: أنا أشتري منك هذه، ولكن لي الخيار ١٠ أيام، أقول له: قبلت، ولكن أنا، حتى أعطيك هذا العقد، أريدك أن تعطيني ١٠ ريالات، لأنه كبيع العربون، يأتي غدا شخص آخر، ويريد أن يشتري، أيضا مني خيار ترو على السلعة نفسها، فأيضا أبيعه، وهكذا. إذا هي ممكن نتصور تشبه بيع العربون ولكن تشبه أن يبيع خيار التروي أو أن يبيع إيجابا مقابل القبول، يبيع الإيجاب بمبلغ زهيد، على أن المشتري لهذا الإيجاب، إذا شاء أن يقبض السلعة فعلا، يمارس بعد ذلك عقد بيع عادي فيشتريها مني بالثمن الذي اتفقنا عليه. فالحقيقة أن الشيء المطلوب من الناحية الفقهية أول الأمر البت فيه، هل يحق لي إن كنت أملك سلعة معينة ومثلية- على الغالب هذه الأمور تجري في المثليات، سلع ما يجوز السلم فيه – هل يحق لي أن أبيع خيارات التروي على هذه السلعة، وأبيع إيجابات على هذه السلعة؟ لا ادري إذا كان فيما ذكرت تقريب للموضوع أم لا؟
стр. 9151
الشيخ محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم:
الواقع أننا لم نزل في تصوير المسألة، ولم ندخل بعد في بيان الحكم الشرعي فيها، ولا بد لتصحيح هذا التصور، أن ننتبه أن ما شبه به هذا العقد بعض الأعضاء، ببيع العربون، أو ببيع ما لم يقبض، أو بخيار التروي، لا يتماشى في هذا. أما بيع العربون فالمبلغ الذي يدفع كعربون يعتبر، عند تمام العقد، جزءا من الثمن، أما في بيع الخيار فلا يعتبر هذا جزءا من الثمن وإنما هو ثمن دفع لشراء حق الشراء أو لشراء حق البيع، فلا يدخل هذا في بيع العربون أبدا، وكذلك لا يدخل في بيع ما لم يقبض لأن العقد هنا لم يقع على بضاعة معينة وإنما وقع على شراء حق، ينصب على شراء حق بيع أو حق شراء، فإذا اختصرنا صورة هذه المسألة يمكننا أن نقول: إن هذا العقد هو حق شراء بضاعة مخصوصة بسعر محدد في فترة معينة، أو حق بيع بضاعة مخصوصة بسعر محدد في فترة معينة، وحينما يقع العقد على هذا الخيار لا نأتي بأية بضاعة في الموضوع وإنما هو شراء حق. وهذه هي الصورة الحقيقة وليس لها علاقة ببيع العربون ولا بخيار التروي.
الشيخ سعود الثبيتي:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحقيقة عندي عدة أسئلة ربما تكون سبب إيضاح أو تكميلا للتصوير الذي تم عرضه من العارض:
السؤال (١) : السلع التي يتم العقد عليها هل هي في ملك البائع أو موصوفة في الذمة؟ وهل يمكن وجود جميع السلع التي تم التعاقد عليها؟ أم إن الموجود منها جزء بسيط في السوق فقط، والبقية تضارب أرباح في فروق السلع؟ حيث نعلم أن بورصة القطن مثلا، الموجود قد يكون لا يتجاوز (خمس) الأشياء المتعاقد عليها في بورصة القطن مثلا، والبقية أشياء مكتوبة على الأوراق فقط ولا توجد في حقيقة السوق.
السؤال (٢) : الثمن هل هو في ملك المشتري الذي يعقد الصفقة أم إن الموجود في ملكه جزء بسيط يسلمه والأثمان التي يتضارب فيها أضعاف أضعاف ما يسلم في البورصة أو مكان العقد؟
السؤال (٣) : جزء الثمن المدفوع هل هو قسط من الثمن أو زائد عليه لا يعود ولو لم يتم استلام المعقود عليه؟ ===============
والذي اقترحه أن تصور جميع الحالات التي يتعامل بها في بورصة النقود وبورصة البضائع تصويرا دقيقا من البنوك المتخصصة ومن غرف البورصات الموجودة عالميا، وتكيف كل صورة منها تكييفا فقهيا معينا، ثم بعد ذلك يعطى حكم لها على قدر ما ظهر من تصويرها.
стр. 9152
الدكتور علي السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم.
ما قاله فضيلة الشيخ محمد تقي العثماني كنت أريد أن أقوله وأريد أن أضيف إليه إضافة، لأن الحقيقة تصوير المسألة على أنه بيع عربون، هذا التصوير يدخل الفقهاء في بيع العربون وهل هو جائز أو غير جائز؟ وكذا. والحقيقة نجد أن في الأسئلة أحيانا التي تأتي من الاقتصاديين إلى الفقهاء محاولة بأن يضعوا التصوير الذي يريدون أن يصلوا به إلى الإجابة –طبعا هذا في غير المجمع- هنا فرق أيضا بين بيع العربون وبين هذا، أن العربون لسلعة موجودة، وبيع حال وليس آجلا، والبائع يريد أن يبيع والمشتري يريد أن يشتري، والسلعة معينة وموجودة، وهذه السلعة ليس لها سعر عام متداول وإنما بحسب الاتفاق. وهنا في الأسواق المالية، السلعة ليست مرادة، وإذا كان الأخ الدكتور منذر قد قال: إن التسليم لم يصل على ٤ % ففي بعض الحالات في بورصة نيويورك لم يصل إلى ٢ %، لأن السلعة نفسها غير مرادة وإنما الهدف هو الاستفادة من فروق الأسعار، يعني مسألة مقامرة، متوقع الانخفاض إذا انخفض السعر يستفيد، ومتوقع الارتفاع إذا ارتفع السعر يستفيد، والعكس لا يستفيد. ولذلك فرق كبير بين بيع العربون وبين هذا التعامل الموجود في الأسواق المالية. أردت فقط أن أنبه لهذا.
الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان:
بسم الله الرحمن الرحيم:
كلن لي الشرف بحضور الندوة في الرباط أو الدار البيضاء واستمعت للإخوة الاقتصاديين والواقع أنه كان عندي إشكالان من ناحية الاختيارات، وهو هنا في الورقة المقدمة في البيان.
أولا: كون المشتري الثاني أو المشتري الأول يبيع ما لا يملكه، ولكن الأستاذ الدكتور أنس الزرقاء، الواقع، أزال هذا الإشكال بأن البائع الأول الذي هو المشتري الذي قدم، العربون وله الاختيار، باع للثاني، هو اشترى إيجابا من الأول فأزال عندي الإشكال الأول وهو أن المشتري هذا بالاختيار باع ما لا يملكه، لأنه ما زال في الاختيار فهو اشترى إيجابا. ولكن ما زال عندي إشكال آخر: إن هذا البائع الذي اشترى إيجابا هل القدر معلوم مما اشتراه، قدره معلوم أو غير معلوم؟ لأنه، مثلا يقول له: أنت لك ١٠٠٠ سهم بسعر ٥٠٠ ريال للسهم خلال هذه الفترة، فأنا ما أدري هل أشتري ١٠٠، ٥٠٠، ٦٠٠ سهم؟ فهذه هي الثغرة التي لا زالت عالقة بذهني.
الدكتور عبد السلام العبادي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
على ضوء التوضيحات التي قدمها الإخوة الاقتصاديون، إذا رجعنا على التصور المطروح أمامنا في الورقة، لا بد في الواقع من استكمال أربعة نقاط أقترح أن تقوم لجنة الصياغة بتوضيحها بشكل جيد، لأنه على ضوئها سينبني التصور الفقهي، والتصور الفقهي سيلاحظ ما في التصور الموجود في الورقة، وليس بالتوضيحات التي أضيفت. لابد في الواقع أذكرها تعدادا دون صياغة متكاملة لأن لجنة الصياغة ستقوم بذلك.
стр. 9153
الأمر الأول: التنصيص على أن هذا البدل هو ثمن للخيار ولا يدخل في الثمن فيما بعد.
الأمر الثاني: أن محل هذه الخيارات ليس، فقط، الأسهم والسلع، فقد يكون أمورا أخرى، مثل ما أشار إليه الدكتور محمد علي القري، مثل مؤشر ارتفاع مستوى المعيشة، يعني قد يكون، ليس سهما ولا سلعة، عبارة عن مؤشر معين موجود في السوق، فتضاف في المحال قضية الأمور الأخرى غير الأسهم والسلع.
الأمر الثالث: موضوع إنه إذا لم يكن مالكا ما الحكم إذا طلب المتعهد له تنفيذ الالتزام؟ وهو موضوع دفع الفرق بين السعر الملتزم به وليس تقديم الأسهم، يعني دفع الفرق بين السعر الملتزم به والسعر المتداول في السوق الآن.
الأمر الرابع: حسبما ورد في كلام الدكتور سعود، أنه قد تكون مجموع الالتزامات المتعاقد عليها أكثر من محالها في الواقع.
وإذا جاء هذا التصور سنلاحظ أننا عند بيان الحكم الفقهي لا بد من أن نضيف على الحكم الفقهي بيد أيدينا أمورا تتعلق بأحكام هذه الحالات.
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
نحمد الله أن الفقهاء- رضوان الله عليهم- وضعوا لنا ضوابط وقواعد في النظر إلى كل ما يعرض علينا وأول ما ننظر فيه في البيع هما العاقدان، والمعقود عليه والصيغة، إن قلنا بها. فإذا نظرنا إلى العاقدين وجدنا البائع معلوما، شخص له كل شروط الأهلية للبيع، وأن المشتري له شروط أهلية الشراء. وأن الثمن معلوم، هو ١٠٠ دينار أو ٥٠ دينار أو ١٠٠٠ دينار، وهذا لا غبار عليه. القسم الرابع، هو محل الإشكال، هذا الذي اشترى ماذا اشترى؟ العقد وقع على التزام، الاختيار هو عبارة عن التزام من البائع بأن يبيع أو من المشتري بأن يشتري. فالالتزام هو أمر في الذمة أيصح أن يباع ويشترى؟ فهذه القضية في نظري. قد تشتبه بأنها من العربون، وهي بعيدة عنه تماما، إن كانت شبيهة به، ولما كانت القضية هي قضية بيع التزام، والالتزام هو شيء في الذمة، والذمة لا يصح بحال من الأحوال أن تقبل البيع، فلذلك لا أرى وجها لأن يكون هذا العقد عقدا صحيحا شرعيا لاختلال ركن من أركانه. هذه واحدة.
стр. 9154
أما الأمر الثاني هو أن هذا العقد، وإن كان يشبه العربون في قضية حالة واحدة وهو حالة ما إذا تم العقد على أساس أنه تم العقد فعلا وتسلم المشتري السلعة وسلمها له البائع. وهي صورة نادرة في مجموع المعاملات التي تقع على أساس الاختيارات. ولما كانت هذه الصورة نادرة في المجموع العام فإن النادر يلغي في الحكم العام، واضح كيف يدخل في العربون، لأنه إذا اشترى اختيارا بـ ١٠ دنانير لشراء ١٠ أطنان قمح، ثم اشترى ذلك القمح ودفع ثمنه على أن الثمن ١٠٠ دينار للقنطار، فأصبح الثمن عنده ١١٠ دنانير، وانتهى. ولكن العقد لم يقع على أساس أنه عربون، ولكنه وقع على أساس أنه اختيار. وفي النهاية هو شبيه بالعربون لكن ليس بيع العربون لأن المبيع هو التزام ولذلك لا أرى وجها لهذا العقد أن يكون عقدا يجيزه الإسلام وخاصة إذا تذكرنا سوق المناخ وما وقع فيه من كوارث عائلية واقتصادية وما سببه للدولة من مشاكل، يجعلنا نقول بأن هذا قد أبان الحقيقة الفعلية لضرره على الفرد وعلى المجتمع.
الدكتور عبد اللطيف الجناحي:
بسم الله الرحمن الرحيم:
هناك في الحقيقة ورقتان، الأوراق كلها تستحق الثناء، ولكن هناك ورقتان متميزتان ورقة الدكتور محمد على القري وورقة الدكتور محمد الحبيب، إذا نظرنا لموضوع ذاته، والموضوع كله يتلخص في خلق أداة مالية جديدة، وهذه الأداة المالية ليس لها مقابل، يعني قضية السلعة بالنتيجة، ليست السلعة هي المقصودة، والذي يبيع الاختيار قد لا تكون لديه سلعة، وهذا هو الغالب، يعني ما لديه سلعة، ما عنده قمح وما عنده قطن ولا عنده شيء وإنما قضية توقعات، فنحن ننشئ ورقة مالية أو أداة مالية على وعود وكلام وعلى توقعات، وهذه التوقعات يدخل فيها ما تفضل به الدكتور محمد علي القري ارتفاع المعيشة، ويدخل فيها، أيضا، سعر الفائدة. لذلك يجب أن نبتعد في تصورنا أن هناك سلعة موجودة، السلعة هي الورقة التي يلعب فيها، لكن الحقيقة هي: المجازفون أرادوا أن يخلقوا أداة مالية جديدة تنبني على الكلام الشفاهي والوعود، لذلك التعبير (هي عقود ينتج عنها أدوات مالية) تعبير دقيق جدا، كما ورد في التوصية.
الدكتور منذر قحف:
بسم الله الرحمن الرحيم:
الحقيقة أهم نقطة كنت أريد أن أقولها ذكرها الشيخ محمد المختار السلامي، وهي أننا أمام عقدين، لو أنفذ الاختيار فهناك عقدان، العقد الأول عقد الاختيار نفسه والعقد الثاني عقد البيع الذي يحصل بعد ذلك، فلو جمعا معا يكون نوعا من العربون، أما حقيقتهما انهما منفصلان:
النقطة الثانية: المؤشر الذي ذكر، أرجو أن أذكر أن المؤشر رقم حسابي إحصائي فقط، ليس شيئا آخر، هو رقم حسابي تصدره الحكومات أو الشركات الإحصائية، فليس له أي شيء حقيقي أبدا.
стр. 9155
النقطة الثالثة: أن يقال: إنه يمكن أن نشبهها بسلعة موجودة يباع عليها إيجابات، أنا أظن أن واقع الأمر سلعة غير موجودة، ومن يبيع أو يشتري الاختيارات ليس لديه سلعة ولا يقصد، في العادة بل في الغالب، بالنسبة للخيارات نسبة عدم التنفيذ أعلى بكثير مما هي بالسلع أو بالأسهم، عادة لا تنفذ تقابل باختيار مقابل ولا تنفذ.
النقطة الأخيرة: التي قرأتها تحت (ثالثا) في الفقرة قبل الأخيرة، التي تبدأ: (وربما يرتبط عقد الاختيار بعقد آخر) الحقيقة هذا موضوع قد يكون مستقلا عما ذكر، لأننا هنا نحن أمام حالة أخرى، أنا أشتري قطعة أرض، مثلا، واشترط على البائع أن يبيعني القطعة المجاورة لها بثمن معين، ولي الخيار خلال فترة ثلاثة اشهر، فخلال هذه الأشهر أستطيع أن أمارس هذا الحق على القطعة المجاورة فأنفذه بالسعر الذي اتفق عليه، أو أن أشتري كمية من القمح وأشترط على البائع أن أضاعفها أو أزيد فيها، يعني أشتري كميات أخرى فوقها بسعر متفق عليه خلال فترة معينة. هذا ما قصده بهذه الفقرة، وهي بعيدة عما وصف، وتستحق أن تناقش بذاتها وحدها.
الرئيس:
يعني أن تناقش من حيث التصور.
الدكتور الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة
بسم الله الرحمن الرحيم:
أنا بعد هذا الحديث الطويل والتداول في مختلف النقاط والذي كان الهدف من ورائه هو استيضاح الصورة المعروضة علينا في قضية الاختيارات في المعاملات الحديثة، حتى ننتقل منها إلى بيان الوجهة الشرعية في هذه الاختيارات، ما نتج عن هذه الدراسة أو عن هذا التشاور والتداول، أريد أن يصاغ من جديد بالشكل الذي تفضلتم به دكتور منذر قحف من أجل أن نضعه مكان هذه الصورة الباهتة الغامضة التي لا يفهمها أحد، على الأقل تكون بين أيدينا صورة مقترحة لهذا التعامل الجديد في القانون الوضعي أو في المعاملات الوضعية، تقع الإجابة عنه، بعد أن يكون قد اتضح أمره لكل ذي عينين، ويستطيع الناس عندما يقرأون هذا النص أن يكونوا على بينة مما يراد الاستفتاء فيه.
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد:
فإذا رأيتم أن هذا مناسب يؤجل للندوة ... ننتقل إلى ما بعده.
الدكتور عبد السلام العبادي:
لو سمحت فضيلة الرئيس:
الواقع كل هذه الصور انتهى الفقهاء إلى التحريم فيها.. وليس هناك خلاف.
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد:
انتهى إلى التحريم الذين قرروا التحريم، لكن مثلا بالنسبة لي أو بالنسبة لشخص من أصحاب الفضيلة المشايخ الذين يقولون: نرى أن هذه الصور تحتاج إلى الجواب على تلك التساؤلات لاستكمال الصور، كيف يرتب التحريم أو الجواز؟ أنت سمعت الآن عددا من الفقهاء المختصين الذين لهم مجال في الاقتصاد كذلك يتساءلون وأنتم فضيلتكم أثرتم على عدة أسئلة.
стр. 9156
الدكتور عبد السلام العبادي:
أنا مع التأجيل ولو لدورتين قادمتين.. ولكن أقول أن هذا التوضيح زاد الصورة إضاءة وأولوية في التحريم، وهل هناك من يناقش بعد هذا التوضيح في أن الصورة حرام، فلماذا لا ينص على حرمتها؟ كل الأمر أمر صياغة لتكون الصورة واضحة حتى لا يترك بعض الصور دون تغطية، ولكن إذا رأيتم التأجيل فليكن ذلك.
الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد:
المهم هل ترون البت فيه أم تأجيله للندوة؟ والذي يرى من الأعضاء البت بالمنع يرفع يده.. إذن بعد العد: البت بالمنع ثمانية. فيؤجل. الدكتور منذر: رابعا لو سمحت.
الدكتور منذر قحف:
رابعا: المستقبليات في المعاملات الوضعية..أريد أن اذكر نقطة صغيرة قبل المستقبليات. المستقبليات في غالبها أنها تمارس في أسواق السلع ولذلك أريد أن أذكر كلمتين صغيرتين قبل ذلك. أقول: إن السلع في أسواق السلع المعروفة المنظمة، تشمل عادة أنواعا من المعادن كالنحاس والبلاتين والذهب والفضة والبترول، وأنواعا من الطعام كالقمح والشعير والذرة والقهوة، وأنواعا من العملات كالدولار والمارك والين. ويتم التعاقد في أسواق السلع إما حالا، ومعنى الحال أنه خلال الشهر الحالي الذي نحن فيه، الشهر الرومي الذي نحن فيه، وهذه المعاملات الحالة يمكن للمتعاقد فيها أن يصفيها بنفس اليوم إن شاء، بأن يعطي إيصالا بالتصفية فتصفى خلال ثلاثة أيام، ويمكنه –وتسمى حالة- أن ينتظر حتى آخر الشهر. فكل المعاملات الحالة، ذلك الشهر تصفى في آخره. أو أن يكون التعامل مستقبلا وهذه هي المستقبليات. فالتعامل إما أن يكون حالا للشهر الحالي، أو لشهر مستقبل هذا معنى المستقبل نحن الآن في شهر مارس، فنقول: لشهر أغسطس أو شهر سبتمبر. هذا معنى المستقبليات.
المستقبليات:
هي عقود بيع آجل، يؤجل فيه قبض المحل (سلع أو أسهم أو سندات أو عملات) ، ويؤجل فيه دفع الثمن، فيما عدا نسبة مئوية صغيرة نحو ١٠ % لا يقبضها البائع وإنما تحتفظ بها غرفة المقاصة (إدارة السوق) ضمانا للوفاء بالعقد –وأضيف هنا نقطة صغيرة: ويؤخذ مثلها أو قريب منها من البائع، أيضا، ضمانا للتنفيذ، يعني يؤخذ هذا الجزء من الطرفين وليس من طرف واحد، لأن: الطرفين مطلوب منهما ضمان التنفيذ –وأهم صفة فيها أنها نمطية، فهي تصدر كأداة تتضمن كمية معينة من القمح، مثلا، ذي صفة محددة تقبض في تاريخ محدد، ومكان محدد، أو عددا من أسهم شركة بعينها أو سندات محددة، تسلم في تاريخ معين، ولا توجد علاقة مباشرة بين العاقدين فيها، حيث تتوسط بينهما غرفة المقاصة التي تكون واسطة بين البائع والمشتري، أو بين سماسرتهما. ومحل العقد، هنا، هو السلعة أو الأسهم أو العملة أو الذهب أو الفضة.
стр. 9157
ويكون التفاوض بين العاقدين على سعرها، وتتغير النسبة التي تم قبضها من قبل الغرفة، اعتمادا على السعر، لأنه روعي في تحديدها أنها ضمان للوفاء بذلك السعر لأنها. تتغير مع تغير السعر في اليوم التالي والذي يليه والذي يليه، كل يوم. ويتم تصفية كل العمليات يوميا، فيتضح الرابح والخاسر – الحقيقة هنا معنى التصفية: قد يكون الاحتساب وليس التصفية، لا يتم تصفية العمليات يوميا، هذا هو الاحتساب، أنه كل يوم يزداد أو ينقص، حسب السعر الذي يوجد في السوق، تعدل هذه النسب، ويعدل ما يحسب دائنا أو مدينا، للشخص، للمتعامل في حسابه، ولكن لا تصفى العملية إلا عند طلب تصفيتها، أو أنه يعقد العاقد معاملة معاكسة لها فتتهاويان معا. يعني هنا كأن التعبير غير دقيق- وإذا رغب شخص في إنهاء المعاملة اشترى أو باع قمحا، مثلا، يسلم في نفس التاريخ السابق فينقضي الالتزامان. يعني ينشئ التزاما معاكسا لذلك الالتزام فينقضي الاثنان ويتهاويان.
أظن هذا هو المكتوب هنا عندي فإذا كان هناك أسئلة أو توضيحات أخرى فأنا مستعد.
الدكتور علي السالوس:
أود هنا توضيح أن العمليات لا يقصد بها شراء فعلي ولا بيع فعلي، وإنما هي مجرد التزامات مستقبلية بحسب توقعات المقامرين، فالذي يتوقع أن السعر يسير نحو الانخفاض فإنه يبيع والذي يتوقع الارتفاع يشتري، يعني على سبيل المثال، إذا كان السوق حاليا، مثلا السعر بـ ١٠٠٠ فشخص توقع أنه سيكون في موعد التصفية بـ ٩٥٠ والآخر توقع أنه في موعد التصفية سيكون بـ ١٠٥٠، فالذي توقع الانخفاض يمكن أن يتفق أن يبيع بـ ١٠٠٠، والذي توقع الارتفاع يتفق على أن يشتري بـ ١٠٠٠، فإذا جاء في موعد التصفية بحسب الاتفاق فوجد أنه أصبح السعر بـ٩٠٠، إذا البائع يشتري من السوق بـ٩٠٠ ويبيع بـ١٠٠٠ والمشتري يشتري بـ ١٠٠٠ ويبيع بـ ٩٠٠ معنى هذا أن البائع يكسب ١٠٠ والمشتري يخسر ١٠٠، أو العكس لو جاء التوقع بحسب ما رأى المشتري، ففي هذه الحالة لا يتم تسليم السلعة عادة وإنما يحسب الفرق فيكتب لحساب البائع ١٠٠ × كذا وحدة من الوحدات، ويكتب على المشتري ١٠٠ × كذا وحدة من الوحدات، ثم عمولة السماسرة وإدارة البورصة. ولذلك بقدر ما يربح هذا بقدر ما يخسر الآخر، فهي عمليات مقامرة وليس فيها بيع حقيقي ولا شراء حقيقي. هذا لتوضيح الصورة حتى يمكن أن نصل للحكم الشرعي.
الشيخ خليل الميس:
بسم الله الرحمن الرحيم:
إخواننا، الحقيقة يبدو من جملة المناقشات صورة توضحت لفريقين صورة الإسلام الذي يحمي الضعيف دائما، وذلك من خلال مشروعية الخيار (فإذا ابتعت فقل: لا خلابة ولي الخيار خلال ثلاثة أيام) لأنه غالبا ربما يكون هذا المشتري غير خبير والبائع خبير، فإذا الإسلام بسط الأمور أمام الطرف الضعيف حتى لا يستغفل، حتى وإن استغفل في الواقع أعطاه شرعا كي يتخلص من هذا الأمر. الآن، أمام كل ما يجري، هنالك صورتان واضحتان – معذرة من البنوك والشركات- بنك يملك وفرد يملك، يا ترى من يزحف إلى من؟ هنا زحف منظم وبدقة وبتعقيدات من القوي نحو الضعيف، ولا أعني هنا الضعيف بماله ولكن الضعيف بخبرته.
стр. 9158
فإذا هذا القوي حصن نفسه بكل شيء، فإذا ما يملكه وما نملكه في جيوبنا إذا بنا نصل إلى مرحلة تخرج من جيوبنا ولا نملك شيئا. فإذا أمام خلفيات القوانين التي أتت إلينا بالجملة كما نراها، ونحن هنا كثير منا أهل اختصاص، وبعد كل المناقشات تتعقد الأمور، فكيف بالناس العاديين البسطاء الذين إنما أتت الأسئلة لنحميهم ونحمي مالهم؟ أمر آخر –معذرة- من الملاحظ أن شرقنا وعالمنا، بحمد الله، ملك المادة وملك الشريعة، وأنعم الله عليه بالشريعة. فمادتهم وجهتها قوانينهم، ونحن مطلوب إلينا في هذا المجمع الكريم، الحقيقة، أن نقدم الحل الشرعي بالجملة الذي يحمي الضعيف من القوي، وما ترونه أمرا عجيبا، وسؤال أطرحه والجواب عندكم يا ترى ماذا نملك من المشتريات التي أشاروا إليها، بالقطن وغير القطن وغيرهما؟ إن مجتمعنا مبتلى، الرصيد في بنوك معينة والمال يذهب من هنا إلى هناك، من اشترى كيلو ذهب وأتى به من البورصة؟ أبدا، كلها التواءات لاستلال ما بجيوبنا من حقوق كما استل كثير من حقوقنا. والله أعلم.
الشيخ الدكتور محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أنا بين أمرين: الأمر الأول هو عدم وضوح، لأنني عندما قرأت واستمعت إلى الفقرة الأولى وجدت أن العلاقة ين العاقدين هي علاقة تقوم بها جهة ثالثة، وقد يكون العاقدان، أو في أغلب الأحوال، لا يعرف أحدهما الآخر، من الفقرة الثانية يقول: ويكون التفاوض بين العاقدين على سعرها وتتغير النسبة التي تم قبضها من قبل الغرفة، بحيث وجدت هنا أشياء لم أفهمها، أنا متوقف لعدم فهمي. الأمر الثاني هو أن طبيعة هذه العملية، حسب ما فهمت، طبيعة هذه العملية تختلف عن طبيعة العملية الأخرى. أما العملية السابقة، وهي الاختيارات، فمعظمها مضاربات، أما هذه فهي فعلية، إن دولة من الدول مثلا تشتري مصنعا من المصانع في أمريكا بثمن معين يدفع بالدولار، فهي تريد أن تضمن نفسها في تاريخ الدفع وتاريخ السداد بأن يكون الثمن معلوما لديها من الآن، لأن الدولار ينخفض ويصعد بالنسبة لعملتها. الأمر الثاني أن معملا يشتغل- له مواد أولية لا بد منها حديد أو نحاس أو سكر أو غيره- فيريد أن يكون في الفترة التي يصنع فيها والتي أعطى فيها وعودا بالبيع للخارج، لا بد من أن يكون له شيء معلوم، لأن هذه السلع أيضا تصعد وتنزل، فإذن هناك بيوع حقيقية تقع، وهناك بيوع غير حقيقية، فهذا الاقتراض مع وجود الاضطراب الثاني، أرجو من السيد العارض أن يزيدني توضيحا في هذا.
الدكتور عبد اللطيف الجناحي:
بسم الله الرحمن الرحيم:
لإصدار حكم على الموضوع يجب أن يكون التصور واضحا، وما قدم من الأوراق لا يعطي التصور الكامل، واجتهد الدكتور منذر اجتهادا جيدا، ولكن اعتقد، بما أنكم أجلتم الاختيارات، وكان هناك ورقتان تتميزان بالوضوح نوعا ما، فالأولى أن تؤجل هذه، لأن هذه العمليات الحقيقة معقدة جدا.
في الواقع، الدراسات جيدة والحمد لله، لكن في غير سندات المقارضة، الواقع كلها فيها شيء من الخفاء والتعتيم في كليتها أو في بعض منها، فإذا رأيتم اختصار الوقت بأن تلحق بصواحبها في التأجيل للندوة؟ إذن تؤجل، وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 9159
القرارات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٦١ / ١٠ / ٦)
بشأن
(الأسواق المالية)
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠هـ الموافق ١٤ – ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠م.
بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات والنتائج المقدمة في ندوة (الأسواق المالية) المنعقدة في الرباط ٢٠ – ٢٤ ربيع الثاني ١٤١٠هـ / ٢٠ – ٢٤ / ١٠ / ١٩٨٩م بالتعاون بين هذا المجمع والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، وباستضافته وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمملكة المغربية.
وفي ضوء ما هو مقرر في الشريعة الإسلامية من الحث على الكسب الحلال واستثمار المال وتنمية المدخرات على أسس الاستثمار الإسلامي القائم على المشاركة في الأعباء وتحمل المخاطر، ومنها مخاطر المديونية.
ولما للأسواق المالية من دور في تداول الأموال وتنشيط استثمارها، ولكون الاهتمام بها والبحث عن أحكامها يلبي حاجة ماسة لتعريف الناس بفقه دينهم في المستجدات العصرية ويتلاقى مع الجهود الأصلية للفقهاء في بيان أحكام المعاملات المالية وبخاصة أحكام السوق ونظام الحسبة على الأسواق، وتشمل الأهمية الأسواق الثانوية التي تتيح للمستثمرين أن يعاودوا دخول السوق الأولية وتشكل فرصة للحصول على السيولة وتشجع على توظيف المال ثقة بإمكان الخروج من السوق عند الحاجة.
وبعد الإطلاع على ما تناولته البحوث المقدمة بشأن نظم وقوانين الأسواق المالية القائمة وآلياتها وأدواتها.
قرر:
١- إن الاهتمام بالأسواق المادية هو من تمام إقامة الواجب في حفظ المال وتنميته باعتبار ما يستتبعه هذا من التعاون لسد الحاجات العامة وأداء ما في المال من حقوق دينية أو دنيوية.
٢- إن هذه الأسواق المالية - مع الحاجة على اصل فكرتها- هي في حالتها الراهنة ليست النموذج المحقق لأهداف تنمية المال واستثماره من الوجهة الإسلامية. وهذا الوضع يتطلب بذل جهود علمية مشتركة من الفقهاء والاقتصاديين لمراجعة ما تقوم عليه من أنظمة، وما تعتمده من آليات وأدوات، وتعديل ما ينبغي تعديله في ضوء مقررات الشريعة الإسلامية.
стр. 9160
إن فكرة الأسواق المالية تقوم على أنظمة إدارية وإجرائية، ولذا يستند الالتزام بها إلى تطبيق قاعدة المصالح المرسلة فيما يندرج تحت أصل شرعي عام ولا يخالف نصا أو قاعدة شرعية، وهي لذلك من قبيل التنظيم الذي يقوم به ولي الأمر في الحرف والمرافق الأخرى وليس لأحد مخالفة تنظيمات ولي الأمر أو التحايل عليها ما دامت مستوفية الضوابط والأصول الشرعية.
ويوصي:
باستكمال النظر في الأدوات والصيغ المستخدمة في الأسواق المالية بكتابة الدراسات والأبحاث الفقهية والاقتصادية الكافية.
стр. 9161
القرارات
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٦٢/١١ /٦)
بشأن
(السندات)
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠هـ الموافق ١٤-٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠م.
بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات والنتائج المقدمة في ندوة (الأسواق المالية) المنعقدة في الرباط ٢٠-٢٤ ربيع الثاني ١٤١٠هـ/٢٠-٢٤/١٠/١٩٨٩م بالتعاون بين هذا المجمع والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية، وباستضافة وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمملكة المغربية.
وبعد الاطلاع على أن السند شهادة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الاسمية عند الاستحقاق، مع دفع فائدة متفق عليها منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند، أو ترتيب نفع مشروط سواء أكان جوائز توزع بالقرعة أم مبلغا مقطوعا أم خصما.
стр. 9162
قرر:
١- إن السندات التي تمثل التزاما بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط محرمة شرعا من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول، لأنها قروض ربوية سواء أكانت الجهة المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكا استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحا أو ريعا أو عمولة أو عائدا.
تحرم أيضا السندات ذات الكوبون الصفري باعتبارها قروضا يجري بيعها بأقل من قيمتها الاسمية، ويستفيد أصحابها من الفروق باعتبارها خصما لهذه السندات.
كما تحرم أيضا السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضا اشترط فيها نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين، أو لبعضهم لا على التعيين، فضلا عن شبهة القمار.
من البدائل للسندات المحرمة –إصدارا أو شراء أو تداولا- السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين، بحيث لا يكون لمالكيها فائدة أو نفع مقطوع، وإنما تكون لهم نسبة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك ولا ينالون هذا الربح إلا إذا تحقق فعلا. ويمكن الاستفادة في هذا من الصيغة التي تم اعتمادها بالقرار رقم (٥) للدورة الرابعة لهذا المجتمع بشأن سندات المقارضة.
***
стр. 9163
زراعة خلايا الجهاز العصبي وبخاصة المخ
إعداد
فضيلة الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن إلا الله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وإن الله تعالى يقول في التنزيل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: الآية ٨٣] . هذا، وإن هذه الواقعة وأمثالها من واقعات العصر خليقة بالدرس المتأني لاستخراج المدرك واستنباط الحكم، لا سيما أن هذه الواقعات لم توجد في كتب المتقدمين ولا المتأخرين من الفقهاء، فوجب التخريج والاستنباط ضمن دائرة الاجتهاد المذهبي بقدر الوسع والطاقة.
هذا، وقد بذلت الجهد في استنباط الحكم لهذه المسألة (زراعة خلايا الجهاز العصبي وبخاصة المخ) مستنيراً بقرارات مجمع الرابطة وما سبقها من دراسات موفقة مع الرجوع إلى أمهات كتب الفقه وعلم الخلاف واستشارة جهابذة الأطباء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
هذا، لأن بحثي المتواضع هذا يتكون من مدخل ومقصد وخاتمة، فأقول وبالله التوفيق.
مدخل إلى البحث
الجملة العصبية شيء غير النفس والأطراف اللتين نص الفقهاء المتقدمون عليهما وفضلوا القول فيهما، فالجملة العصبية لا يمكن- بحال من الأحوال كما ثبت عند الأطباء- نموها واستدراك ما فات منها، لأن الخلية العصبية ذات خصائص تختلف عن كل الخلايا في الجسم الإنساني، وأن كل شيء من الوعي والإدراك مربوط بها، بل إن الحياة ذاتها مربوطة ببعض أجزائها، كشجرة الحياة في الجزء الخلفي من الدماغ، لذلك وجب النظر إليها من زاوية جديدة لا يمكن قياسها على الأطراف أو الحواس أو أي عضو من الأعضاء الإنسانية حتى يقال فيها ما يقال في تلك.
стр. 9164
المقصد الأول
الأخذ من الإنسان الحي
إن تنازل إنسان حي عن شيء من جملته العصبية أو عن مخه لغيره تنازل عن حياته قطعاً، وهذه الحياة لا يملكها الإنسان، لأن الله تعالى هو المالك للنفس الإنسانية عبودية، والإنسان هو المالك لها استمتاعاً فقط، لذلك لا يجوز لأحد أن يتنازل عن حياته لغيره ولا عن بعضها كما يقول القرافي: (وحرم القتل والجرح صوناً لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يعتبر رضاه ولم ينفذ إسقاطه) ، وجاء في الموافقات: إذ ليس لأحد أن يقتل نفسه ولا أن يفوت عضواً من أعضائه فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩] . فإذا أكمل الله على عبد حياته وجسمه وعقله التي بها يقيم التكاليف لا يصح إسقاطه شيئاً منها) .
وعلى هذا لا يجوز لإنسان حي أن يعطي من خلاياه العصبية أو يهب دماغه أو مخه لغيره، أو يبيعه أو يتنازل عن شيء من ذلك بأي وجه من الوجوه، كما يحرم ذلك على المعطي والآخذ والطبيب المعالج لأن في ذلك إتلافاً لإنسان حي وهو حرام.
لكن إذا كان هذا الإنسان الحي المعطي للخلايا العصبية أو للمخ في حالة احتضار وتوقع للموت بين لحظة وأخرى، وحكم عليه الأطباء بأنه لن يعيش أكثر من وقت قصير جداً يكون فيه دماغه أو مخه المستطيل أو مخيخه أو الحبل العصبي الممدود في العمود الفقري- يكون كل ذلك- بحالة سليمة مهيأة للتلف بالموت القادم لا محالة، وأخذ شيء من ذلك أو كله لمريض ينقصه هذا الترقيع وهو بحاجة إليه، وربما أنقذه من موت محقق لولاه فما الجواب؟ الجواب: امتناع ذلك وحرمته أيضاً لأن المريض الأول بالرغم من جزم الأطباء بموته ربما شفي فجأة فما الذي يجعلنا نحكم عليه بالموت، والحياة بيد الله والموت بيده وحده "، ثم إن المريض الثاني ليس لدينا يقين ولا غلبة ظن إلى الآن بأنه سينجو من موت محقق إذا رقعناه بهذه الأعصاب ... !! فالمسألة لدينا سيان ولا مرجح، فتبقى الحياة للمريض الأول مقطوعاً بها في بقاء أجهزته كاملة غير منقوصة حتى يموت، والمريض الثاني ربما شفاه الله بغير ترقيع فالله قادر على ذلك.
стр. 9165
المقصد الثاني
الأخذ من الإنسان بعد موته
بقيت لدينا مشكلة ثانية: وهي أخذ المخ أو شيء من الجملة العصبية من إنسان بعد موته مباشرة وبعد تيقن موته بالطب الحديث وقبل فساد هذه الأجهزة في جسم الميت، فهل يجوز هذا النقل بالطب الحديث ووسائله لإنسان محتاج إليها؟ يبدو لي أن هذا أمر جائز بشروط.
الأول: أن يأذن من سيؤخذ منه المخ أو شيء من الجملة العصبية قبل موته وهو بالغ عاقل مختار أو يأذن أولياؤه بعد موته بذلك.
الثاني أن تكون فائدة العلاج يقينية أو غالبة على الظن، لا موهومة.
الثالث: أن يتعين ذلك، النقل للعلاج، فلو لم يتعين لا يجوز النقل.
الرابع: أن لا يكون ذلك معاوضة كبيع أو شراء أو هبة بمعنى المعاوضة أي (هبة صورية) كمن يهب دماغ أبيه ليهبه الآخر مبلغاً من المال أو متاعاً، بل يجب كون ذلك مجرد تبرع محمض ليس فيه أي معنى من معاني المعاوضات.
والشرط الأساسي كما قدمت هو القطع بموت الأول من الوجهتين الطبية والشرعية معاً، وتأصيل هذه الواقعة، أن الشارع الحكيم كرم الإنسان ميتاً كما كرمه حياً، وأن للإنسان الميت حقاً في المحافظة على بدنه بعد موته كما له الحق في المحافظة على كفنه وقبره، ففيه حق لله وحق للميت، أما حق الميت فقد سقط بإسقاطه له، وهو حي، وأما تكريمه فهو مصلحة، ومصلحة إنقاذ حياة الحي المضطر مصلحة أخرى، ولدى الموازنة بين المصلحتين تبين أن المصلحة الثانية أعظم فترجحت، لهذا اشترطنا في النقل للعلاج بعد موت الأول للدماغ والجملة العصبية ما اشترطناه من نقل سائر أجزاء الميت بعد موته، أن يكون حصوله متيقناً أو غالباً على الظن فيما تأكد نجاحه بحيث تكون نسبة النجاح سبعين بالمائة على أقل تقدير، وعدم جواز شيء من هذا النقل في ما كان أقل من هذه النسبة كما قرره وأفتى به أستاذنا العلامة الدكتور الشيخ أحمد فهمي أبو سنة، وإني في هذه المسألة ونسبتها أميل إلى ما مال إليه- حفظه الله- وأفتى به والله تعالى أعلم، وذلك خلافاً لما ذهب إليه مجمع الرابطة الموقر في مكة المكرمة في قراره رقم ٩٩ بشأن تبرع الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك حيث أباح ذلك المجمع ولا أرى لذلك وجهاً صحيحاً والله تعالى أعلم.
خاتمة
بعد هذا الذي ذكرت أعود فأقرر أن المسألة بحاجة إلى درس وتمحيص يسبقهما ورع وتحوط لأن الكلام في الفتيا ليس كأي كلام في أي أمر، لهذا وجب سد الذرائع الفاسدة وما يوصل إلى المحرم، وإني هنا أعود لأضيق الأمر أكثر فأقول:
(إن هذه الفتيا بقسميها ليست إلا مخلصاً ومخرجاً من الحرج حالة الضرورة أو الحاجة مشروطة بشروطها) وما عدا ذلك فلا مجال للتوسع أبداً لأننا رأينا كيف صار في الغرب من تمييع للمفاهيم بحيث صار الناس يبيعون أعضاءهم بعد أن يؤمنوا عليها، بل رأينا لما أفتى بعض المفتين بجواز التشريح لجثث الموتى كيف اجتراً الناس على جثث الناس في المقابر وصاروا يشترونها بأبخس الأثمان ويسلقونها بالماء الساخن بالنار حتى ينبكت الجلد ويبقى العظم ثم يبيعونها بأغلى الأثمان وصار لها سوق سوداء ووسطاء وسماسرة، وصارت تجارة رائجة وحرفة، وأصل الأمر غير ذلك وأبعد من ذلك بكثير.
لذلك أناشد العلماء والمفتين أن يتحوطوا لدين الله ولا يترخصون إلا في موضع الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة في إباحة ما كان محظوراً، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور
стр. 9166
زراعة خلايا الجهاز العصبي وخاصة المخ
إعداد
فضيلة الشيخ محمد المختار السلامي
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
ومفتي الجمهورية التونسية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
هذا البحث هو بحث مرتبط بزراعة الأعضاء. وزراعة الأعضاء مظهر من مظاهر التقدم العلمي والفوز الطبي في مجالات العلاج للأمراض والحفاظ على الخلق السوي المتوازن للإنسان.
وينقسم البحث في زراعة الأعضاء إلى أقسام أساسية، كل منها يتطلب حكما:
ا- الأعضاء المنقولة.
٢- المنقول منه العضو ليزرع.
٣- المنقول إليه ليزرع فيه.
٤- القائم بالنقل الطبي ومعاونوه.
٥- الغاية من نقل العضو.
العضو المنقول:
الأعضاء المنقولة كما يؤكده الأطباء لا تعود لها الحياة إذا فقدتها وبناء على ذلك فإذا تهدمت بالموت تصبح عديمة الفائدة تماماً ونقلها لا يحقق أي غرض ولذا كان نقلها حية هو المقصود أولاً من بحث زراعة الأعضاء على الميدانين. الميدان الديني الأخلاقي. والميدان الطبي التنفيذي.
- الأعضاء التي يجري نقلها تنقسم إلى:
ا- أعضاء ضرورية لبقاء الحياة وهي واحدة- كالقلب.
٢- أعضاء ثنائية وهي ضرورية لبقاء الحياة- كالرئتين والكليتين.
٣- أعضاء ثنائية وهي غير ضرورية لبقاء الحياة كاليدين والرجلين والعينين.
٤- أعضاء منتشرة في الجسم كالجلد وهي الأنسجة.
أما الأعضاء المفردة الضرورية فلا يجوز انتزاعها من صاحبها ما دامت الحياة سائرة فيه وإن وصل إلى حالة الاحتضار لأن وقت خروج الروح منه لا يعلم يقيناً. كما أن المنقول إليه وإن كان ظاهر السلامة إلا أنه لا يعلم هل تسبق وفاته وفاة المحتضر أو تتأخر عنه؟
إلا أنه نظراً إلى التقدم العلمي فإنه أصبح من الممكن أن يموت صاحب العضو حقيقة ويبقى العضو حيًّا يؤدي وظائفه.
стр. 9167
إن هذه الصورة التي أصبحت ممكنة وذات فائدة كبرى للتحصيل على العضو السليم الحي، أوجبت البحث عن حقيقة الموت، ومتى يعتبر الإنسان ميتاً؟ إذ فصلنا الحياة إلى حياة عامة حقيقية بزوالها، يعتبر الإنسان ميتاً، وبين الحياة الجزئية التي يمكن أن تتحقق مع اعتبار صاحبها ميتاً، يورث ولا يرث، ويدفن، وتنفصل العلاقة الزوجية. فلو فرضنا أنه اعتبر ميتاً وولدت زوجته، فإن لها أن تتزوج بزوج آخر، وإن كان قلبه ما يزال ينبض وكلاه تشتغل، ورئتاه تؤديان الوظيفة. واعتبر الحد الفاصل بين الحياة والموت هو موت جذع المخ وأخذه في التحلل. فإذا حقن ثلاث مرات فلم يسير فيه الحقن وكشفت الأجهزة عن أخذ تركيبه في التحلل فذلك الموت الطبي والشرعي، ومن هنا أصبح المخ على اعتبار إمكان تصور تحقق زرعه من الأعضاء الفريدة في الإنسان التي لا تعوض ولا يمكن أن تبقى بها حياة بعد صاحبها، إذ هي المرجع في الحياة أو الموت. وهذا ما أحسن الأستاذ الدكتور مختار المهدي التعبير عنه لما قال إن الترجمة الحرفية لزراعة المخ هي قتل إنسان لنقل مخه لإنسان متوفى. وأكد بأن ما يقال عن زراعة المخ ما هو إلا من قبيل الخيال العلمي، وعلى الفرض ففي حال النقل انه يقال إن الجسد قد نقل إلى المخ. وليس العكس (١) على معنى أنه هل يمكن زراعة جسد كامل ما عدا المخ في مخ حي؟
والبحث يتعدى المخ إلى الجهاز العصبي المرتبط بالمخ من قوى الإحساس من الأعصاب الناقلة للأثر والأعصاب التي تحدد المدركات الحسية.
وكذلك إلى أجهزة التنفيذ المتحكمة في كل إمكانات الجسم ما كان داخلاً في إطار الوعي وما هو دون مستوى الوعي بتحكمه في جميع الأجهزة التي تقوم بوظائفها في الكيان البشري.
فهاتان الوظيفتان للجهاز العصبي قدر مشترك بين البشر لا يختلف واحد عن الآخر اختلافاً واضحاً إلا إذا أصيب الناقل بخلل أو المركز بانحراف.
стр. 9168
ولكن القسم المهم في الجهاز العصبي هو المخ الذي يتقبل ما يأتيه عن الحس فيميزه ثم يقوم برد الفعل الذي ينفرد به كل إنسان والذي يختلف الرجع من النقيض إلى النقيض. ومن هنا فإن المخ من هذه الناحية يمثل الشخصية الحقيقية لكل فرد ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ٣] .
فاختلاف الإرجاع والاختيارات التي يقوم بها المخ تجعل الإنسان شقياً أو سعيداً. وعالماً أو جاهلاً. وذكيا نابهاً أو غبياً خاملاً. وشجاعاً مقداماً، أو خائفاً رعديداً إلى آخر السمات المميزة لكل شخص وفيه تغيير حسب ظني للحقيقة الوراثية التي تميز الذات أيضاً.
ولذا فإنه يترجح عندي أن الحكم يختلف بين المستويات الثلاثة فمناطق الإحساس في الدماغ والأعصاب الموظفة لذلك، وأجهزة التنفيذ الحاكمة في إمكانات الجسم هذان حكمهما يختلف عن المخ العاقل المدبر.
ولما كان المخ من الأعضاء المفردة التي لا تعوض ولا تتجدد فنقله بكماله كنقل أجزاء منه في الحكم.
المنقول منه:
إن المفروض في المنقول منه:
* أولاً: أن يكون صاحب العضو مالكاً أمر نفسه محترمة حياته ولا يخلو حاله من الصور الآتية:
ا- أن يتبرع بنقل دماغه أو بنقل بعض أجزاء الجهاز العصبي، وهذا التبرع غير مؤثر ذلك أن الحياة ملك لله، فليس لأحد أن يتبرع بحياته لفائدة شخص آخر. كما أنه ليس له أن يتبرع بشيء لا يعوض من جسمه إذا تلف. فكما لا يعتبر تبرع الإنسان بأصبعه تبرعاً معتبرا فكذلك بجزء من أجزاء الجهاز العصبي بل هو أولى، ولما كان الجهاز العصبي يسبق موته موت أجهزة الجسم الأخرى فإنه لا يتحقق إمكانية الاحتفاظ ببعض الأجزاء حية بعد موت جذع الدماغ.
٢- أن يبيع العضو ويأخذ بدله ثمناً قد يكون هذا الثمن مالاً وقد يكون الثمن مبادلة عصب السمع بعصب البصر مثلاً والحكم كسابقه، فالعقد باطل لأن الإنسان لا يبيع ما لا يملك، لأن الحياة ملك لله وكذلك الجسم الإنساني في كل جزء من أجزائه..
стр. 9169
* ثانياً: أن يكون صاحب العضو غير مالك أمر نفسه، وهو يتصور بصورتين:
ا- أن تكون مداركه العقلية مختلة وهذا أمره إلى وليه أو إلى الحاكم.
٢- أن يكون سنه دون سن الرشد من الصبا الباكر إلى آخر لحظة من لحظات المراهقة في الذكر أو الدخول في الأنثى بالغة عاقلة، وليس للولي حق التصرف في جزء من أجزاء بدن المولى عليه إذ الولاية هي حفظ مصالحه التي لم تتوفر له القدرة على الحفاظ عليها.
* ثالثاً: أن يكون المنقول منه لم تكتمل شخصيته الإنسانية، ونعني بهذا الجنين، والجنين حسبما قدمه السادة الأطباء له أحوال، منها:
التكون الخلوي: الذي حسبما فهمته عبارة عن البييضة الملقحة التي أخذت في الانقسام حتى تبلغ ٣٢ وحدة. ويذكر الأطباء أن هذه الخلايا هي خلايا غير متميزة بوظائف خاصة ولذا فهي لا تصلح للزرع.
حكم تحطيم الخلايا الملقحة: وقفت كثيراً أمام مشكلة الخلايا الملقحة الفائضة عن الحاجة والتي جمدت: هل يجوز إعدامها أو يجب إعدامها أو ماذا يفعل بها؟
الذي جرى عليه الأطباء أنهم يثيرون المرأة لإفراز عدد من البييضات ويلقحونها في المخبر ويقومون بزرع عدد منها ويجمد الباقي، فإذا تأكدوا أن اللقيحة قد انغرست في جدار الرحم ونمت وجدوا أنفسهم أمام مشكل هو هذه اللقيحات المجمدة ماذا يفعل بها؟ والتي هي عبارة عن خلايا تكاثرت. وتحمل كل خلية في رأسها حقيبتها الوراثية فبالنظرة الأولى كل خلية من الخلايا في هذا الطور هي الطور الأول من الحياة الإنسانية، وإذا كانت هي الطور الأول للحياة الإنسانية فهل يجوز القصد إلى إبادتها؟ قد يقال إن هذه الخلايا انتهت المنفعة منها وحصل الحمل الذي من أجله قام الطبيب بشفط (١) البييضات وتلقيحها والحذر عليها ولكن هل المنفعة إذا انعدمت تبرر القصد إلى الإعدام؟
لقد تحدث الفقهاء عن الحيوان إذا انتهى الانتفاع منه هل يقتل؟ ذكر الحطاب فرعاً نصه: (قال البرزلي نزلت مسألة وهي أن قطاً عمي وفرغت منفعته فأفتى فيه شيخنا (يعني ابن عرفة) الإمام، بوجوب إطعامه وإلا يقتل، وكذلك ما يئس من منفعته لكبر أو عيب. وكذا ذبح القطط الصغار والحيوان الصغير لقلة غذاء أمهاتهم أو اراحتها من ضعفها. والصواب في ذلك كله عندي الجواز لارتكاب أخف الضررين لقوله ﷺ ((إذا التقى ضرران نفي الأكبر للأصغر)) ، كما سئل عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهر المؤذي هل يجوز أم لا؟ فأجاب إذا خرجت إذايته عن عادة القطط وتكررت إذايته جاز قتله. واحترزنا بالأول (إذا خرجت اذايته عن عادة القطط) عما في طبعه من أكل اللحم إذا كان خالياً أو عليه شيء يمكن رفعه للهر فإذا رفع وأكل فلا يقتل، هذا ولو تكرر منه لأنه طبعه. واحترز بالثاني (وتكررت) مما وقع منه فلتة فلا يقتل.
стр. 9170
ومن هذا المعنى إذا يئس من حياة ما لا يؤكل فيذبح لإراحته من الوجع والذي رأيت المنع إلا أن يكون من الحيوان الذي يذكى لأخذ جلده. اهـ (١)
إن حاصل هذا التفصيل أن الحيوان الأهلي لا يذبح إلا لمنفعة الإنسان بذبحه، وإذا لم تكن له منفعة من ذبحه لأكل لحمه أو الانتفاع بجلده فلا يقتل إلا إذا تكرر ضرره وخرج عن طبعه في الضرر الحاصل منه.
ومعنى هذا أن البييضة الملقحة بعد تكاثرها وتجميدها أولى بالإبقاء على حياتها وعدم تدميرها، كما جاء في بحث الدكتور عبد الله حسين باسلامة أن اللقيحة تبلغ في انقسامها إلى مرحلة ٨- ٣٢ خلية فقط ولم يصل النمو فيها إلى مرحلة تكوين أعضاء، ثم يقول: فإننى لا أرى في الوقت الحاضر على الأقل إمكانية الاستفادة من الأجنة الفائضة في عملية زراعة الأعضاء ولكن قد يمكن الاستفادة من نقل بعض من خلايا تلك الأجنة الفائضة ويرجح الدكتور باسلامة نقل بعض تلك الخلايا وزراعتها في إنسان آخر وأنه أفضل بكثير من إتلافها، وفي إتلافها نوع من الوأد لها.
من هذه الناحية فقهياً وطبياً يترجح أنه لا تدمر اللقيحة ولكن من ناحية أخرى نجد أن الفائض من البييضات المخصبة سيتكاثر مع الزمن. وستزخر الحافظات بعدد مهول منها خاصة وقد علمت أنه يمكن الاحتفاظ باللقيحة إلى خمسين سنة، يعني حتى إلى ما بعد المعدل الأقصى لعمر الأبوين إذ المعتاد أن لا يباشر الأطباء عملية التلقيح المجهرى إلا ما بعد الثلاثين سنة من عمر الأبوين وتكاثرها مظنة اختلاطها، ومهما بذل القائمون من احتياطات فلن يستطيعوا أن يتيقنوا من السلامة من الاختلاط. ومعلوم أن كل باب يؤدي إلى اختلاط الأنساب فقد أحكم الشارع سده.
هذه واحدة، وأما الثانية فإنه على فرض الاحتفاظ بها فإلى أي حد من الزمن؟ لأن الخمسين سنة ليست غاية ما بعدها غاية، ثم ما هي حاجات البشرية لهذه الخلايا المأخوذة من اللقيحات؟ هل تبلغ فعلاً أنها عملة صعبة لا يتيسر الحصول عليها حتى ندخرها؟ ولهذه المحاذير أرجح أن كل لقيحة بلغت من الانقسام ٨/٣٢ وحدة، وانتهت حاجة الزوجين منها يجب أن تدمر في الحال.
стр. 9171
وأرى أنه من المجازفة أن يعمد الطبيب لزرع خلايا من طبيعتها أنها قابلة للنمو نمواً يحصل منه إنسان كامل، إذ معنى ذلك أن هذه الخلية المزروعة هي إنسان بالقوة تحمل حقيبته الوراثية في رأسها كل خصائصه- يزرع في مكان من إنسان آخر- تبعاً لما حصل عند العلماء من يقين.
الجنين بعد المرحلة الأولى:
الجنين بعد المرحلة الأولى أي عندما يزرع في رحم الأم، وينغرس في جدار الرحم. ويأخذ في النمو حسب سنن الله في الخلق، هذا الجنين قد يكون سوياً ينمو نمواً طبيعيا إلى فصاله عند أمده وهو الإنسان الكامل، وقد تعرض له من العوارض ما يجعل الرحم يقذفه إلى الخارج وهو السقط، وفي الحالة الأولى هو إنسان كامل الحقوق محترم الحياة في كلها وأجزائها لا فرق بينه وبين الراشد وفي الحالة الثانية لا ينتفع منه طبياً بشيء لأنه ميت. والحالة الثالثة هو الجنين السوي الذي سلم من الأعراض التي تعطل تطوره الطبيعي فهو إلى اللحظة التي تكون فيها الحامل أمام الطبيب لتجرى عليها عملية الإجهاض هو جنين سليم نام، ولكن الطبيب يتدخل للحيلولة بين هذا الجنين وبين الرحم الذي احتضنه وغذاه وتوثقت الصلة بين الجانبين.
لقد اطمأن كل الباحثين الذين يحترمون الحياة الإنسانية أنه لا يحل للطبيب أن يحول بين الجنين ومحضنه وأن يستله ويقتله استجابة لنزوة أم فاجرة تجمع إلى فجورها قتل عاطفة الأمومة الطبيعية وقتل كائن حي، أو أم متميعة، قتل جنينيها أهون عليها من التأخر عن سهرة حمراء وأنواع هي انحراف عن سنن الله في الخلق. ولكن في بعض الحالات قد يصحب الحمل أعراض يخشى معها على صحة الأم وسلامتها ولا يضحى بأصل الشجرة للإبقاء على فرع من فروعها. فعندها يكون الإجهاض حالة اضطرارية تقدر بقدرها.
стр. 9172
الانتفاع من السقط:
السقط ما انفصل عن رحم الأم وخرج منه ولم تظهر عليه مظاهر الحياة الواضحة كالبكاء والحركة أو الرضاع أو العطاس ويتفق العلماء على أن السقط الذي لم يبلغ أربعة أشهر لا يغسل ولا يصلى عليه، وأما إذا بلغ أربعة أشهر فما فوقها ولم تتحقق حياته فالخلاف بين الفقهاء في الصلاة عليه وغسله، فإذا ما نزل حياً فهو إنسان كامل حكمه في الصلاة عليه وغسله وكفنه حكم الكبار. إن السقط قبل الشهور الأربعة لا يبلغ من الحرمة مبلغ الحرمة الإنسانية الكاملة بإجماع ولكن بانتسابه إلى العائلة البشرية فله حرمة ضعيفة تبدو في وجوب دفنه وأن موقع دفنه حبس عليه عند المالكية.
فهل لهذا السقط الذي تدخل الطبيب بآلاته لاقتلاعه من رحم أمه للضرورة هل لهذا السقط من الحرمة ما يمنع الانتفاع بخلايا دماغه لزرعها في دماغ مريض لا أمل في شفائه إلا من تلك الخلايا الغضة القابلة للنمو والالتحام مع الخلايا المجاورة فتعوض الخلايا المدمرة وتنسجم مع الأجزاء السليمة في مجرى الألياف العصبية الناقلة للحس والحركة كما جاء في بحث الأستاذ الدكتور مختار المهدي.
لكن كما جاء في بحثه أيضاً أن الأمر ما يزال يراود الباحثين كأمل يمكن تحقيقه مخبرياً وتطبيقياً لانتفاء المعوقات من نجاحه نظرياً.
إلا أن الاستفادة من الجنين السقط لا تمكن إلا إذا أسرع الجراح بنقل ما يريده من الجنين قبل موته وهي دقائق معدودة.
والحل هو أن يفتح بطن الأم وتؤخذ الخلايا قبل نزعه من الرحم،- ما وجدت أي مانع يمنع من إتمام العملية على هذا الوجه إذا كان ذلك برضا الأبوين ما دام الإجهاض كما بيناه إنما تم في الحدود المأذون فيها- أما الإجهاض غير المأذون فيه شرعا الحرام، فالمبني على الفاسد فاسد، وقد يكون مما يطرح للنظر اشتراط أن يكون الأبوان عند إذنهما يجهلان المستفيد من خلايا الجنين حتى لا تنقلب أرحام الفقيرات معامل للخلايا الجنينية. ومن الفروض العلمية أن تؤثر الخلايا الجنينية في نشاط ما فتر عن قدرات الدماغ ومن الهرمونات للتغلب على داء الوهن من الشيخوخة وقد يكون هذا الفرض أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى التوقع بل أنا واثق من ذلك لأن التغلب على الشيخوخة معناه التغلب على الفناء، والإنسان فانٍ مهما حاول أن ينفلت من قبضة القدر المحتوم.
стр. 9173
* رابعاً: أن يكون المنقول منه بالغاً رشيداً إلا أن حياته غير محترمة بمعنى أن واهب الحياة رفع الحصانة التي أعطاها لهذا الإنسان الخاص، ونعني المحكوم شرعاً بإعدامه في الحالات المحددة المضبوطة بالكتاب والسنة فلا تدخل في ذلك الأحكام الاستثنائية أو الصور التي هي محل خلاف بين العلماء مثال ذلك القاتل غيره عمداً عدوانا ولم يعف عنه أي واحد من أولياء القتيل ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ ، فهذا الذي أهدر دمه هل يحل الانتفاع ببعض أجزاء مخه أو جهازه العصبي أو بعض أجهزته وأنسجته؟ هذا الأمر يمكن قياسه على حالة المضطر التي تحدث عنها الفقهاء.
ا- من هو المضطر؟
يجيبنا عن هذا النووي يقول:
واتفقوا على جواز الأكل من الآدمي إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي وعن الركوب وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك، فلو خاف حدوث مرض مخوف من جنسه فهو كخوف الموت وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح القولين.
قال إمام الحرمين: لا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل بل يكفي غلبة الظن، قالوا: كما أن المكره على أكل الميتة يباح له أكلها إذا ظن وقوع ما خوف به ولا يشترط أن يعلم ذلك فإنه لا يطلع على الغيب.
٢ - من هو غير المعصوم؟
يجيب النووي أيضاً عن هذا فيقول:
ويجوز له قتل الحربي والمرتد وأكلهما بلا خلاف، وأما الزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة ففيهم وجهان أصحهما وبه قطع إمام الحرمين والمصنف والجمهور يجوز، قال الإمام: لأنا منعنا من قتل هؤلاء تفويضاً إلى السلطان لئلا يفتات عليه، وهذا العذر لا يوجب التحريم عند تحقق ضرورة المضطر.
وأما إذا وجد المضطر من له عليه قصاص فله قتله قصاصاً وأكله سواء حضره السلطان أم لا لما ذكرناه في المسألة قبلها صرح به البغوي وغيره.
٣ - هل يمكن لغير المسلم أن ينتفع من المسلم المهدور دمه؟
يقول النووي أيضاً: ولو كان المضطر ذمياً ووجد مسلما ميتاً ففي حل أكله له وجهان حكاهما البغوي ولم يرجح واحداً منهما، والقياس تحريمه لكمال شرف الإسلام (١) من هذه النصوص يتبين لنا:
ا- أن المضطر يشمل من ظن ظناً قوياً أنه سيهلك أو ظن أنه سيلحقه مرض مخوف أو طول المرض.
стр. 9174
٢- أنه يجوز له أن يأكل من غير معصوم الدم في بعض الصور على الراجح وفي صور أخرى باتفاق علماء الشافعية.
٣- أنه قد اختلف في جواز انتفاع الذمي من المسلم.
وإذا جاز الأكل فإنه يجوز زرع الأعضاء والأنسجة وأخذها من المحكوم عليهم شرعاً بالإعدام قبل وقت التنفيذ إلا أن هذا يجب أن يجرى مع أخذ الاحتياط الكامل والإجراءات اللازمة لعدم التعذيب.
* خامساً: نقل عضو أو نسيج من الإنسان ذاته من مكان إلى مكان آخر جاء في بحث الأستاذ الدكتور مختار المهدي: وقد ابتدأت الجراحة بزراعة خلايا من نفس الحيوان استؤصلت من الغدة الفوق كلوية التي تفرز هرمون الدوبامين، فهل يجوز شرعاً أن يستأصل عضو أو نسيج من الإنسان ليحول إليه في مكان آخر هو أشد حاجة إليه في مكانه الجديد وأعود عليه نفعاً؟
يقول الزرقاني:
ولا يبعد القول بإباحة أكله من بعض أعضائه حفاظاً لنفسه كما ذكروه فيمن لدغته أفعى في يده وكان يرجو الحياة- بقطعها قبل سريان السم فيه- أو طولها فإنه يجب (١)
فالزرقاني قاس أكل الإنسان عضواً من أعضائه على قطعه العضو الملدوغ لتحقيق الحياة أو طولها فكلاهما عضو أتلفه صاحبه بعلة حفظ الحياة وإذا جاز العضو أو النسيج إبقاء على الحياة فجواز نقله من مكان إلى مكان آخر أولى بالقبول.
المنقول إليه:
بينا في المنقول منه أن المسلم ينتفع في الحدود التي ضبطناها بعضو من أعضاء أخيه المسلم، والاختلاف في الذمي وأنه لا يجوز نقل عضو أو نسيج من مسلم لكافر غير ذمي.
الغاية من زرع العضو:
إن حكم زراعة العضو أو النسيج تختلف باختلاف الغرض من ذلك فقد يكون الغرض جمالياً لإزالة تشوهات واضحة تنكد على الشخص حياته وتعقد نفسيته وقد يكون ذلك لغرض غير ضروري إذ المجرى عليه الجراحة سوي الخلقة إلا أنه يريد أن تزداد وسامته ويتغير شكل أنفه أو ذقنه مثلاً، وقد يكون الغرض من ذلك أن يغير الخلقة تغييراً يجعل من العسير معرفة صاحبها إخفاء لجريمة وخداعاً للعدالة وهذه صور لا تتأتى في زراعة المخ والجهاز العصبي إذ المخ والجهاز العصبي نظراً لمكانتهما المتميزة في الكيان البشري إذ هي التي تعطي للإنسان خصائصه الإنسانية فإن الزراعة فيها لا تكون إلا لغرض أصلي نفسي أو عضلي تعود به للجسم استقامته وللنفس توازنها، ولذا فإن الجراحة بالزراعة تكون مشروعة في الحدود التي بيناها سابقاً وبشرط أن يكون الشفاء راجحاً على التلف.
стр. 9175
القائم بالنقل:
القائم بالنقل، ونعني به الجهاز الطبي من رئيس الجراحين ومساعديه الأطباء وطبيب الإنعاش والممرضين: ما حكم قيامهم بعملهم في زرع المخ والجهاز العصبي. إذا توقفت حياة المريض على التدخل الجراحي حسب الظن الغالب فإن حكم عملهم هذا هو الوجوب حسب الضوابط المبينة في البحث، وإنهم يثابون عليه ثواب الواجب وإن تراخيهم في أداء هذا الواجب يكون حراماً طبعاً. وفي مباحث الفقه ما يترتب على ذلك دنيوياً.
وأما إذا كانت حالة المريض لم تصل إلى هذه الدرجة من الخطورة فعمل الطبيب في هذا هو كعمله في تخفيف الآلام عمل شريف خلقياً مجزي عنه عند الله متى أخلص بعمله لله ولا يتنافى مع ما يتقاضاه عن جهده المبذول في الصورتين.