← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

وأرى أنه من المجازفة أن يعمد الطبيب لزرع خلايا من طبيعتها أنها قابلة للنمو نمواً يحصل منه إنسان كامل، إذ معنى ذلك أن هذه الخلية المزروعة هي إنسان بالقوة تحمل حقيبته الوراثية في رأسها كل خصائصه- يزرع في مكان من إنسان آخر- تبعاً لما حصل عند العلماء من يقين. الجنين بعد المرحلة الأولى: الجنين بعد المرحلة الأولى أي عندما يزرع في رحم الأم، وينغرس في جدار الرحم. ويأخذ في النمو حسب سنن الله في الخلق، هذا الجنين قد يكون سوياً ينمو نمواً طبيعيا إلى فصاله عند أمده وهو الإنسان الكامل، وقد تعرض له من العوارض ما يجعل الرحم يقذفه إلى الخارج وهو السقط، وفي الحالة الأولى هو إنسان كامل الحقوق محترم الحياة في كلها وأجزائها لا فرق بينه وبين الراشد وفي الحالة الثانية لا ينتفع منه طبياً بشيء لأنه ميت. والحالة الثالثة هو الجنين السوي الذي سلم من الأعراض التي تعطل تطوره الطبيعي فهو إلى اللحظة التي تكون فيها الحامل أمام الطبيب لتجرى عليها عملية الإجهاض هو جنين سليم نام، ولكن الطبيب يتدخل للحيلولة بين هذا الجنين وبين الرحم الذي احتضنه وغذاه وتوثقت الصلة بين الجانبين. لقد اطمأن كل الباحثين الذين يحترمون الحياة الإنسانية أنه لا يحل للطبيب أن يحول بين الجنين ومحضنه وأن يستله ويقتله استجابة لنزوة أم فاجرة تجمع إلى فجورها قتل عاطفة الأمومة الطبيعية وقتل كائن حي، أو أم متميعة، قتل جنينيها أهون عليها من التأخر عن سهرة حمراء وأنواع هي انحراف عن سنن الله في الخلق. ولكن في بعض الحالات قد يصحب الحمل أعراض يخشى معها على صحة الأم وسلامتها ولا يضحى بأصل الشجرة للإبقاء على فرع من فروعها. فعندها يكون الإجهاض حالة اضطرارية تقدر بقدرها.

стр. 9172

الانتفاع من السقط: السقط ما انفصل عن رحم الأم وخرج منه ولم تظهر عليه مظاهر الحياة الواضحة كالبكاء والحركة أو الرضاع أو العطاس ويتفق العلماء على أن السقط الذي لم يبلغ أربعة أشهر لا يغسل ولا يصلى عليه، وأما إذا بلغ أربعة أشهر فما فوقها ولم تتحقق حياته فالخلاف بين الفقهاء في الصلاة عليه وغسله، فإذا ما نزل حياً فهو إنسان كامل حكمه في الصلاة عليه وغسله وكفنه حكم الكبار. إن السقط قبل الشهور الأربعة لا يبلغ من الحرمة مبلغ الحرمة الإنسانية الكاملة بإجماع ولكن بانتسابه إلى العائلة البشرية فله حرمة ضعيفة تبدو في وجوب دفنه وأن موقع دفنه حبس عليه عند المالكية. فهل لهذا السقط الذي تدخل الطبيب بآلاته لاقتلاعه من رحم أمه للضرورة هل لهذا السقط من الحرمة ما يمنع الانتفاع بخلايا دماغه لزرعها في دماغ مريض لا أمل في شفائه إلا من تلك الخلايا الغضة القابلة للنمو والالتحام مع الخلايا المجاورة فتعوض الخلايا المدمرة وتنسجم مع الأجزاء السليمة في مجرى الألياف العصبية الناقلة للحس والحركة كما جاء في بحث الأستاذ الدكتور مختار المهدي. لكن كما جاء في بحثه أيضاً أن الأمر ما يزال يراود الباحثين كأمل يمكن تحقيقه مخبرياً وتطبيقياً لانتفاء المعوقات من نجاحه نظرياً. إلا أن الاستفادة من الجنين السقط لا تمكن إلا إذا أسرع الجراح بنقل ما يريده من الجنين قبل موته وهي دقائق معدودة. والحل هو أن يفتح بطن الأم وتؤخذ الخلايا قبل نزعه من الرحم،- ما وجدت أي مانع يمنع من إتمام العملية على هذا الوجه إذا كان ذلك برضا الأبوين ما دام الإجهاض كما بيناه إنما تم في الحدود المأذون فيها- أما الإجهاض غير المأذون فيه شرعا الحرام، فالمبني على الفاسد فاسد، وقد يكون مما يطرح للنظر اشتراط أن يكون الأبوان عند إذنهما يجهلان المستفيد من خلايا الجنين حتى لا تنقلب أرحام الفقيرات معامل للخلايا الجنينية. ومن الفروض العلمية أن تؤثر الخلايا الجنينية في نشاط ما فتر عن قدرات الدماغ ومن الهرمونات للتغلب على داء الوهن من الشيخوخة وقد يكون هذا الفرض أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى التوقع بل أنا واثق من ذلك لأن التغلب على الشيخوخة معناه التغلب على الفناء، والإنسان فانٍ مهما حاول أن ينفلت من قبضة القدر المحتوم.

стр. 9173

* رابعاً: أن يكون المنقول منه بالغاً رشيداً إلا أن حياته غير محترمة بمعنى أن واهب الحياة رفع الحصانة التي أعطاها لهذا الإنسان الخاص، ونعني المحكوم شرعاً بإعدامه في الحالات المحددة المضبوطة بالكتاب والسنة فلا تدخل في ذلك الأحكام الاستثنائية أو الصور التي هي محل خلاف بين العلماء مثال ذلك القاتل غيره عمداً عدوانا ولم يعف عنه أي واحد من أولياء القتيل ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ ، فهذا الذي أهدر دمه هل يحل الانتفاع ببعض أجزاء مخه أو جهازه العصبي أو بعض أجهزته وأنسجته؟ هذا الأمر يمكن قياسه على حالة المضطر التي تحدث عنها الفقهاء. ا- من هو المضطر؟ يجيبنا عن هذا النووي يقول: واتفقوا على جواز الأكل من الآدمي إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي وعن الركوب وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك، فلو خاف حدوث مرض مخوف من جنسه فهو كخوف الموت وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح القولين. قال إمام الحرمين: لا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل بل يكفي غلبة الظن، قالوا: كما أن المكره على أكل الميتة يباح له أكلها إذا ظن وقوع ما خوف به ولا يشترط أن يعلم ذلك فإنه لا يطلع على الغيب. ٢ - من هو غير المعصوم؟ يجيب النووي أيضاً عن هذا فيقول: ويجوز له قتل الحربي والمرتد وأكلهما بلا خلاف، وأما الزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة ففيهم وجهان أصحهما وبه قطع إمام الحرمين والمصنف والجمهور يجوز، قال الإمام: لأنا منعنا من قتل هؤلاء تفويضاً إلى السلطان لئلا يفتات عليه، وهذا العذر لا يوجب التحريم عند تحقق ضرورة المضطر. وأما إذا وجد المضطر من له عليه قصاص فله قتله قصاصاً وأكله سواء حضره السلطان أم لا لما ذكرناه في المسألة قبلها صرح به البغوي وغيره. ٣ - هل يمكن لغير المسلم أن ينتفع من المسلم المهدور دمه؟ يقول النووي أيضاً: ولو كان المضطر ذمياً ووجد مسلما ميتاً ففي حل أكله له وجهان حكاهما البغوي ولم يرجح واحداً منهما، والقياس تحريمه لكمال شرف الإسلام (١) من هذه النصوص يتبين لنا: ا- أن المضطر يشمل من ظن ظناً قوياً أنه سيهلك أو ظن أنه سيلحقه مرض مخوف أو طول المرض.

стр. 9174

٢- أنه يجوز له أن يأكل من غير معصوم الدم في بعض الصور على الراجح وفي صور أخرى باتفاق علماء الشافعية. ٣- أنه قد اختلف في جواز انتفاع الذمي من المسلم. وإذا جاز الأكل فإنه يجوز زرع الأعضاء والأنسجة وأخذها من المحكوم عليهم شرعاً بالإعدام قبل وقت التنفيذ إلا أن هذا يجب أن يجرى مع أخذ الاحتياط الكامل والإجراءات اللازمة لعدم التعذيب. * خامساً: نقل عضو أو نسيج من الإنسان ذاته من مكان إلى مكان آخر جاء في بحث الأستاذ الدكتور مختار المهدي: وقد ابتدأت الجراحة بزراعة خلايا من نفس الحيوان استؤصلت من الغدة الفوق كلوية التي تفرز هرمون الدوبامين، فهل يجوز شرعاً أن يستأصل عضو أو نسيج من الإنسان ليحول إليه في مكان آخر هو أشد حاجة إليه في مكانه الجديد وأعود عليه نفعاً؟ يقول الزرقاني: ولا يبعد القول بإباحة أكله من بعض أعضائه حفاظاً لنفسه كما ذكروه فيمن لدغته أفعى في يده وكان يرجو الحياة- بقطعها قبل سريان السم فيه- أو طولها فإنه يجب (١) فالزرقاني قاس أكل الإنسان عضواً من أعضائه على قطعه العضو الملدوغ لتحقيق الحياة أو طولها فكلاهما عضو أتلفه صاحبه بعلة حفظ الحياة وإذا جاز العضو أو النسيج إبقاء على الحياة فجواز نقله من مكان إلى مكان آخر أولى بالقبول. المنقول إليه: بينا في المنقول منه أن المسلم ينتفع في الحدود التي ضبطناها بعضو من أعضاء أخيه المسلم، والاختلاف في الذمي وأنه لا يجوز نقل عضو أو نسيج من مسلم لكافر غير ذمي. الغاية من زرع العضو: إن حكم زراعة العضو أو النسيج تختلف باختلاف الغرض من ذلك فقد يكون الغرض جمالياً لإزالة تشوهات واضحة تنكد على الشخص حياته وتعقد نفسيته وقد يكون ذلك لغرض غير ضروري إذ المجرى عليه الجراحة سوي الخلقة إلا أنه يريد أن تزداد وسامته ويتغير شكل أنفه أو ذقنه مثلاً، وقد يكون الغرض من ذلك أن يغير الخلقة تغييراً يجعل من العسير معرفة صاحبها إخفاء لجريمة وخداعاً للعدالة وهذه صور لا تتأتى في زراعة المخ والجهاز العصبي إذ المخ والجهاز العصبي نظراً لمكانتهما المتميزة في الكيان البشري إذ هي التي تعطي للإنسان خصائصه الإنسانية فإن الزراعة فيها لا تكون إلا لغرض أصلي نفسي أو عضلي تعود به للجسم استقامته وللنفس توازنها، ولذا فإن الجراحة بالزراعة تكون مشروعة في الحدود التي بيناها سابقاً وبشرط أن يكون الشفاء راجحاً على التلف.

стр. 9175

القائم بالنقل: القائم بالنقل، ونعني به الجهاز الطبي من رئيس الجراحين ومساعديه الأطباء وطبيب الإنعاش والممرضين: ما حكم قيامهم بعملهم في زرع المخ والجهاز العصبي. إذا توقفت حياة المريض على التدخل الجراحي حسب الظن الغالب فإن حكم عملهم هذا هو الوجوب حسب الضوابط المبينة في البحث، وإنهم يثابون عليه ثواب الواجب وإن تراخيهم في أداء هذا الواجب يكون حراماً طبعاً. وفي مباحث الفقه ما يترتب على ذلك دنيوياً. وأما إذا كانت حالة المريض لم تصل إلى هذه الدرجة من الخطورة فعمل الطبيب في هذا هو كعمله في تخفيف الآلام عمل شريف خلقياً مجزي عنه عند الله متى أخلص بعمله لله ولا يتنافى مع ما يتقاضاه عن جهده المبذول في الصورتين.

стр. 9176

ملخص البحث تمثل زراعة الأعضاء مظهراً من مظاهر تغلب الطب على المرض والألم والتشوه، ولذلك فهي في حكمها العام تدخل تحت باب التداوي. وينقسم البحث في زراعة الأعضاء إلى خمسة أقسام: ا- العضو المنقول. ٣- الشخص المنقول منه. ٣- الشخص المنقول إليه. ٤- القائم بزرع العضو. ٥- الغاية من زرع العضو. ا- العضو المنقول: العضو المنقول لا ينتفع به إلا إذا كانت الحياة ما تزال سارية فيه. قد يبقى العضو حياً ويكون صاحبه قد مات بتحلل جذع مخه. العضو المنقول قد يكون ضرورياً لبقاء الحياة وقد لا يكون كذلك. بما أن الدماغ عضو مفرد تتوقف عليه الحياة وحياته تدل على الحياة وفناؤه دليل الموت فإنه لا يحل نقله ولا جزء منه من محترم الحياة. ٢ - الشخص المنقول منه: وينقسم المنقول منه إلى أقسام: ا- الراشد الذي له حياة محترمة لا يحل أخذ عضو منه لا تبرعاً ولا بعوض. ٢- المولى عليه لقصور فكري أو صغر ليس لوليه أن يتصرف في أعضائه. ٣- الجنين عند انقسام اللقيحة إلى حدود ٣٢ فأقل- ولما كانت الخلايا غير متميزة بوظائف فهي غير صالحة للزرع، وهذه البييضات الملقحة يترجح عندي إعدامها بمجرد ما تنتهي الحاجة إليها في زرعها داخل رحم الزوجة في حياة زوجها.

стр. 9177

أما الجنين بعد المرحلة الأولى من الأسبوع العاشر كما يقرره الأطباء فإن كان إجهاضه محرماً فلا يجوز الاستفادة منه ولا زرع أي عضو من أعضائه. وأما إذا كان إجهاضه جائزاً فإنه يجوز الانتفاع ببعض أجهزته أو أنسجته ولو كان ذلك بفتح بطن أمه إذا رضيت. ٤- البالغ الرشيد إذا كانت حياته غير محترمة. يجوز الاستفادة من أعضائه إذا كان المستفيد مضطراً لذلك وهو الذي يخشى على حياته أو أن يحدث له مرض خطير أو أن يطول أمد مرضه. وغير المعصوم هو الذي قرر الإسلام إهدار دمه. ٥- النقل من الإنسان نفسه. يجوز أن ينقل عضو من الإنسان ذاته من مكان إلى مكان آخر. ٣- الشخص المنقول إليه: يجوز في الحدود المبينة نقل عضو من مسلم إلى مسلم اتفاقاً ومن غير مسلم إلى مسلم كذلك وفي نقل العضو من مسلم إلى ذمي خلاف، والراجح عدم الجواز ونقل عضو مسلم إلى كافر غير جائز. ٤- الغاية من زرع العضو: زرع العضو إذا كان لحاجة عضلية أو نفسية فهو مشروع. وإذا كان لتضليل العدالة فهو حرام. وإذا كان لغاية جمالية لسوي الخلقة فالراجح عدم الجواز. ٥- القائم بزرع العضو: إذا كانت حياة المريض في خطر فالقيام بالزرع في الحدود المبينة واجب والجهاز الطبي مأجور. وإذا كانت حالة المريض لم تصل إلى درجة الخطورة فالعمل شريف مجزى عنه عند الله، يجتمع الثواب الأخروي مع الجزاء المادي متى أخلص الطبيب عمله لله وسما في قصده عن محض إرادته للنفع العاجل، والله أعلم.

стр. 9178

لقد تتبعت باهتمام البحوث الممتازة للأساتذة، الدكتور مختار المهدي مأمون الحاج علي إبراهيبم وعبد الله حسين باسلامة. جزاهم الله عن جهودهم وحسن غرضهم. وقد أفدت كثيرا منهم في فهم الواقع الذي عليه بنيت ما وصلت إليه، إلا أنني استشكلت بعض النقاط التي أرجو أن يتم توضيحها وذلك: ا- ما جاء في صفحة ٨ من بحث الأستاذ الدكتور مختار المهدي: وكذلك الهرمونات المؤثرة على الغدد الجنسية وإمكانها أن تقوم بالتبويض مرة أخرى، توقفت في هذا لأنه حسب البحوث الطبية التي درستها إن الأنثى تختزن عدداً من البييضات تفرز في كل دورة واحدة أو أكثر. فكيف تؤثر الهرمونات على التبويض مرة أخرى؟ ٢- ص ٩- أن تأثير الزراعة داخل المخ لا يؤثر على الشخصية، توقفت في هذا بناء على أن خلايا المخ هي التي تكيف إرجاع الفرد وتعدل سلوكه واختياراته، فكيف تكون زراعة خلايا جنينية في مخ الإنسان لا تؤثر في شخصيته مع أن الخلايا المزروعة في المخ تحمل حقيبتها الوراثية وبرنامجها الكامل؟ ٣- ص ١١- ذكر الأستاذ عدد الحالات التي أجريت فيها زراعة أنسجة عصبية والمهم في نظري هو نسبة النجاح. ٤- توهين الأستاذ لاستخدام الأجنة المجهضة في الأسبوع الحادي عشر وهي فترة المضغة قبل نفخ الروح: أتساءل هل إن الطب يفرق بين ما بعد الشهور الأربعة وما قبلها؟ وهل إن ما يحدث هو تطور في الخلق الأول أو هو أشياء تحدث تضم إلى الخلق الأول؟ ٥- ما جاء في ص ٥ من بحث الأستاذ الدكتور مأمون الحاج علي إبراهيم من نقل الأعضاء الميتة، فهل تزرع الأعضاء الميتة؟ بمعنى هل إن الإنسان مركب من أعضاء ميتة وأعضاء حية. ذلك أن العضو إذا مات فإنه لا تعود له الحياة في الدنيا. ٦- ما جاء في ص ٣ من بحث الأستاذ الدكتور عبد الله حسين باسلامة من أن الجنين في الأسابيع الثمانية الأولى ليس له أعضاء أو أنسجة يمكن الاستفادة منها ثم يقول: والأجنة التي تستخرج من الرحم بعد الشهر الرابع أو أكثر تكون أكثر فائدة في عملية النقل، ولم أستطع أن أوفق بين هذا وبين ما جاء في بحث الأستاذ الدكتور مختار المهدي ص ٧، أن الخلايا الجنينية تؤخذ بين الأسبوع الثامن والعاشر من الحمل. محمد المختار السلامي

стр. 9179

زراعة الأعضاء وحكمه في الشريعة الإسلامية إعداد فضيلة الشيخ الشريف محمد عبد القادر عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد الله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم وكرم بني آدم على سائر الخلائق، وعلمه ما لم يعلم من الكتاب والحكمة، والصلاة والسلام على أفضل البشر وسيد المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين.. أما بعد: إن العلوم الطبية الجراحية قد تطورت وحققت منجزات باهرة- وأصبحت عمليات نقل الدم وزرع الأعضاء من الأعمال اليومية وتطورت بنوك الدم والأعضاء الإنسانية، ونالت عمليات البيع والتبرع بالدم والأعضاء الإنسانية حية أو مميتة رواجاً عاماً في كل مكان من العالم. وفي هذه الظروف برزت مسألة تحديد موقف الشريعة الإسلامية من هذه الأمور خاصة مسألة زرع الأعضاء الإنسانية في نفس الجسد الذي بترت منه هذه الأعضاء أو في جسد آخر- وكذلك مسألة التبرع بالأعضاء وبيعها- هل تجيز الشريعة الإسلامية هذه الأمور أم تمنعها؟ ومن أجل التوصل إلى رأي حول هذه الأمور يجب النظر والبت في المسائل التالية: * أولاً: كرامة الإنسان وحرمة أعضائه. * ثانياً: ملكية الجسد الإنساني- هل يملك الإنسان جسده أم لا؟ * ثالثاً: نظرة الشريعة الإسلامية حول ضرورة بتر الأعضاء وزرعها. * رابعاً: مسألة طهارة العضو المبتور وعدمها وحكم زرعه من هذه الناحية. فلننظر في هذه الأمور لنتعرف على وجهة نظر الشريعة الإسلامية فيها، وفي مقدمتها: * كرامة الإنسان وجسده: قال الله ربنا في محكم كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٧٠] . إن هذه الكرامة التي منحها الخالق لأفضل خلقه البشر تشمل نفس الإنسان وجسده- حيث قال في سورة العلق من كتابه الفرقان المجيد ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ - وأشير في الآية إلى كرامة نفس الإنسان- فإن الإنسان هو الخلق الوحيد الذي فتح الله أمامه أبواب العلم والمعرفة وشرف نفس الإنسان بقوة البحث والتفكير ليخرج بها من الظلمة إلى النور ويتوصل إلى المجهول بواسطة المعروف- وهذه الكرامة النفسية ينفرد بها الإنسان فقط ولم يظفر بها غيره في الخلائق، وبخصوص كرامة الجسد الإنساني، فقد قال الله تعالى في كتابه المجيد ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [سورة التين، آية ٤] .

стр. 9180

ومن الواجب على الإنسان المحافظة على كرامته النفسية والجسدية ويحرم عليه تغيير هيكل جسده القويم، ولا يجوز للإنسان التصرف بجسده وبأي عضو من جسده بحيث يسيء إلى شرفه وكرامته، ومن ثم منع النبي ﷺ من كسر عظم الإنسان ولو ميتاً، فقد روي عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((كسر عظم الميت ككسره حياً)) ، وما جاء عن النبي ﷺ من رواية عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ ((لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة)) ، فإن السبب يرجع إلى أن هذه الأعمال لا تليق بشأن جسد الإنسان الكريم وشرفه، ورجع الإمام النووي أسباب لعنة النبي ﷺ الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة إلى أن هذا الأمر يعتبر تزويراً وتدليساً وتغييراً للخلق وذاك لا يجوز نظراً إلى كرامة الإنسان، حتى منع الإمام النووي ﵀ الانتفاع بشعر الأدمي وبأي عضو من أعضاء جسده وذلك رعاية لكرامة الإنسان التي بها اختاره الخالق سبحانه من سائر خلقه الذي لا يدريه إلا هو. ويستنتج مما ذكر أعلاه أن الشريعة الإسلامية لا تجيز التلاعب بأعضاء الجسد الإنساني ولا تجيز معاملته بحيث تسيء إلى كرامته. * ملكية الإنسان لجسده: قال الفقيه العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه للحديث النبوي الشريف: ((من قتل نفسه ... )) الحديث، لأن نفسه ليست ملكاً له مطلقاً بل هي لله تعالى، فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه (فتح الباري) - ويدل هذا التصريح من العسقلاني على أن الإنسان لا يملك جسده فلا يجوز له بيعه وبيع أي عضو أو جزء منه كما لا يجوز أن يتبرع به أو بأعضائه أو أجزائه- فإن الهبة والبيع لا يصح إلا من المالك.

стр. 9181

* زرع الأعضاء للأغراض الطبية: إن المسألة التي نحن بصدد البحث عنها هي: هل تجيز الشريعة الإسلامية بتر أي عضو من أعضاء الجسد حياً أو ميتاً مثل العين والأذن والمخ والكلية والقلب واليد والرجل وغيرها وزرعها في نفس الجسد أو في جسد غيره لأغراض طبية؟ وقد أوضحنا فيما أعلاه ضمن البحث عن كرامة الإنسان وجسده أن الشريعة الإسلامية لا تجيز أن يعامل الجسد الإنساني المحترم معاملة تسيء إلى كرامته، وما من شك في أن تقطيع الجسد الإنساني وأعضائه ومعاملته معاملة السلع والبضائع بالبيع والهبة ونقل أعضائه من مكان إلى مكان آخر أومن جسد إلى جسد آخر يعتبر انتهاكاً سافراً لكرامته، وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار آراء الفقهاء بهذا الخصوص. قال العلامة الكاساني في كتابه البدائع: "أما عظم الآدمي وشعره فلا يجوز بيعه لا لنجاسته لأنه طاهر في الصحيح من الرواية ولكن احتراماً له، والابتذال بالبيع يشعر بالإهانة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: لعن الله الواصلة والمستوصلة! . وجاء في المبسوط للسرخسي بيع الحر لا يجوز، لأن الحر لا يدخل في العقد، لأن دخول الشيء في العقد هو بصفة المالية والتقوم، وذلك لا يوجد في الحر، وجاء في البحر: "ولبن المرأة أي لم يجز بيع لبن المرأة لأنه جزء الآدمي وهو بجميع أجزائه مكرم ومصون عن الابتذال بالبيع. وعلاوة على ذلك لا يحق لأحد التبرع بالجسد الإنساني لأن الإنسان لا يملك جسده ملكية مطلقة، بل هو ملك لخالقه ، وليس للإنسان إلا الاستفادة بجسده وأعضائه حسب أحكام الشريعة الإسلامية. وقال القاضي أحمد بن رشد في بداية المجتهد: (أما الواهب فإنهم اتفقوا عل أن تجوز هبته إذا كان مالكاً صحيح الملك "، فقد تبين من الاقتباسات المذكورة أعلاه من أقوال الفقهاء أنه لا يجوز بيع وهبة جسد الإنسان أو أي جزء من أجزائه حتى لا يجوز لصاحب الجسد بتر أي عضو من جسده لاستخدامه لنفسه، كما جاء في الفتاوى العالمجيري: "مضطر لم يجد ميتة وخاف الهلاك، فقال له رجل: اقطع يدي وكلها، أو قال: اقطع مني قطعة فكلها لا يسعه أن يفعل ذلك ولا يصح أمره، كما لا يصح للمضطر أن يقطع قطعة من لحم نفسه فيأكل ".

стр. 9182

وفي المبسوط للسرخسي أن المضطر كما لا يصح له قتل الإنسان ليأكل من لحمه لا يباح له قطع عضو من أعضائه. ومن المعروف أن العضو المبتور من جسد الإنسان يعتبر نجساً، وحمل النجس وربطه بجسد الإنسان لا يجوز كما لا تجوزه الصلاة في هذه الحالة، وقد يستنتج مما ذكر أعلاه: أولاً: أن أعضاء الإنسان شيء محترم، فلا يجوز بترها لزرعها في مكان آخر من نفس الجسد أو في جسد آخر حتى ولو كان لغرض العلاج لأن ذلك يعتبر انتهاكاً لكرامة الإنسان وأعضاء جسده. ثانياً: أن أعضاء جسد الإنسان ليست سلعاً تباع وتشترى، ولا يملك الإنسان أعضاءه ملكاً تاماً، بل هي ملك خالص لله الخالق أما الإنسان فمجاز باستخدامها حسب أحكامه وإرادته، فلا يجوز للإنسان هبة أو بيع عضو من أعضائه مثل العين والمخ والكلية وغيرها في حين حياته أو بعد موته. ثالثاً: أن الجثة الهامدة والملقاة في العراء أو في الحي مجهولة الهوية والجثة المشرحة محترمة كجثة أي إنسان آخر فلا يجوز بتر أعضائها وزرعها في جسد آخر لأغراض طبية كما لا يجوز استخدامها لأي غرض آخر. قد عرضنا فيما مر أقوال كبار الفقهاء المتقدمين والمتأخرين وما يستنتج من أقوالهم حول موضوع زراعة الأعضاء. وقد رأى بعض الفقهاء قياس مسألة زرع الأعضاء على مسألة التداوي بالحرام عند الضرورة أخذاً في الاعتبار تصنيف العلامة الهموي لأعمال الإنسان في خمسة أصناف الفضول والزينة والمنفعة والحاجة والضرورة، والضرورة تبيح المحظورات، فيجوز زرع الأعضاء في حالة الضرورة كما يجوز التداوي بالحرام فيها، وقد أجاز بعض فقهاء العصر التبرع بالدم للأغراض الطبية ولكنهم اختلفوا في بيعه.

стр. 9183

وفي الختام أرجو أن تلتفت أنظار فقهاء العصر إلى المستجدات الباهرة في العلوم الطبية والجراحية والى التطورات والمتقلبات الحديثة في الحياة الإنسانية الفردية والاجتماعية، قد يصاب عدد كبير من أولاد البشر رجالاً ونساءً وأطفالاً بجروح شديدة في لحظة واحدة نتيجة الحروب العصرية والكوارث الطبيعية، وقد حققت العلوم الطبية والجراحية نجاحاً كبيراً في إنقاذ حياة الكثيرين عن طريق نقل الدم وزرع الأعضاء، واكتسبت الأعضاء الإنسانية نوعاً من المالية والتقوم حيث تباع هذه الأعضاء حية أو ميتة، وقد يتبرع بها كمبادرة إنسانية. ومسألة نجاسة الأعضاء المبتورة مما اختلف فيها العلماء، وزراعة العضو يعتبر إعادة الحياة فيها فيبرز سؤال: ألا تعتبر إعادة الحياة في العضو المبتور بمثابة إزالة النجاسة منها وإعادة الطهارة فيها؟ وصحيح أن جسد الإنسان محترم، ألا يجوز اعتبار التبرع بالأعضاء تضحية من قبل إنسان محترم لإنسان محترم آخر بشيء يمكن له الاستغناء عنه؟ ويشهد تاريخ تطور الفقه الإسلامي أن فقهاء الأمة قد غيروا آراءهم وقد عدلوا عن آرائهم السابقة وأجازوا ما منعوه من قبل نظراً إلى التغيرات الواردة في المسألة والمستجدات من الأحوال في الموضوع، فإن جمع سور القرآن الكريم في مصحف كان يعتبر ممنوعاً في عهد النبوة وفي الأيام الأولى من الخلافة وغير الصديق الأكبر والفاروق الأعظم وبالتالي جمهور الصحابة رأيهم بعد أحداث اليمامة حيث استشهد عدد كبير من حفظة القرآن وخشي من فقدان أجزاء القرآن الحكيم، كذلك كان الفقهاء المتقدمون يحرمون الأجرة على الإمامة وتعليم الكتاب والسنة، ولكن الفقهاء المتأخرين أجازوها نظراً إلى انقطاع المنحات الحكومية وقلة رغبة الناس في الإمامة والتعليم، والنظائر والسوابق في هذا المجال كثيرة. فيجب على فقهاء الأمة وعلماء العصر إمعان النظر في هذه المسألة الاجتهادية آخذين في عين الاعتبار الظروف السائدة والتقلبات العصرية والمصلحة العامة للأمة. هذا والله أعلم بالصواب. الشريف محمد عبد القادر

стр. 9184

زراعة خلايا المخ مجالاته الحالية وآفاقه المستقبلية إعداد سعادة الدكتور مختار المهدي رئيس قسم جراحة الأعصاب بمستشفى ابن سينا التخصصي - القاهرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: بالرغم من أنه لم تمض غير سنوات قليلة على بداية علم زراعة الأعضاء البشرية كعلم حديث من علوم الطب، إلا أنه مثل غيره من العلوم في الأعوام الأخيرة، أصبح معدل التقدم فيه ليس بالاطراد المعتاد من قبل في أي وقت مضى، بل أصبح تقدماً سريعاً مركباً يلهث الإنسان ليدرك مداه إذا نظر إلى مجال واحد من مجالاته وهو ما لاحظته عند كتابة هذا البحث، ومرجع ذلك في رأيي هو الاتساع الشديد في مجالات المعرفة في العلوم المختلفة والتي يخدم بعضها بعضاً. فمثلاً التقدم في العلوم الكيميائية والفيزيائية والإلكترونية والبصرية يخدم بعضها بعضاً في حل مشاكل تعترض نموها، كما أنها كلها مجتمعة تساعد التقدم في العلوم الطبية وتحل الكثير من مشاكلها وتفتح الكثير من الثغرات في العقبات التي تعترض هذا التقدم. فإذا أضفنا لذلك أيضاً سهولة انتشار وسائل المعرفة بين مختلف دول العالم من خلال المجلات العلمية المتخصصة، والتي يمكن أيضاً نقلها عبر الأقمار الصناعية في فترات زمنية وجيزة إلى كل مكان، ووجود أعداد غفيرة من العلماء الباحثين في جميع مجالات المعرفة في كل منها لأدركنا سر هذه السرعة غير العادية في التقدم العلمي الآن. فكل بحث يحل مشكلة ما في بلد ما يتم من خلاله تطبيقات كثيرة في بلاد أخرى ويتفرع عنها بحوث جديدة وهكذا ... فنحن نعيش الآن عصراً يمكن تسميته بعصر الانفجار العلمي. هذا النوع من التقدم يتطلب منا كجهة معنية بالتوجيه العلمي أو بالأصح بنقد التقدم العلمي بميزان الشريعة الإسلامية ووضع علامات الاستحسان والتحذير.. يتطلب منا هذا أيضاً، ليس فقط أن نسرع في عملنا لنلاحق هذه السرعة بسرعة مماثلة، وأن نضع العلامات الصحيحة والمطلوبة فقط، ولكنه يتطلب منا الآن أيضاً أن نشرك الإعلام الإسلامي الواعي بوسائله المختلفة في بلاده المختلفة لحضور هذه الندوات. إن ذلك ليس للاشتراك في مناقشة المواضيع المطروحة في الجلسات فقط، فالإعلاميون قطاع هام من جمهور المسلمين يهمنا أن نعرف انعكاسات آرائنا عليهم، وليبدأ عملهم من حيث تنتهي هذه الندوات من وضع توصياتها النهائية وذلك لعرض وجهات النظر التي تم عليها الاتفاق على جماهير المسلمين ومناقشتها إعلامياً ونشر الأبحاث والمناقشات التي تمت في قنوات الإعلام إلى الملايين.

стр. 9185

إن تسجيل أحداث ومناقشات الندوات لهو مجهود وعمل شاق يستحق التقدير والإعجاب، ولكن الانتشار الجماهيري في دول العالم المختلفة عن طريق ممثلي الإعلام من مختلف الدول الإسلامية المشاركة يضيف الكثير إلى هذا العمل الجليل والذي نرغب له أن يخرج خارج نطاق المشاركين الحاليين ومجال الكتب التي تعقب الندوة، فهي مهما كثر عددها فإن تكلفتها تجعلها باستمرار محدودة الانتشار. إن المتتبع للصحافة والتلفزيون المصري في مطلع هذا العام ليحز في نفسه ما تم من معارك على صفحاتها عقب حديث تلفزيوني في مجال زراعة الأعضاء البشرية. شارك فيها كل من يعرف ومن لا يعرف وجرح فيها عن قصد أو غير قصد بعض علمائنا الأفاضل تجريحاً قد يقصد به ذواتهم أو ما يمثلونه من فكر وتمادى البعض في ذلك واستمرت أسابيع وأسابيع. لقد كان ذلك بعد أكثر من عام من عقد ندوة المركز الإسلامي بخصوص زراعة الأعضاء التي تم فيها وضع التوصيات السليمة والآراء الفقهية المدروسة التي شارك فيها ثلاثة من مفتي الدول الإسلامية المشاركة، وأيضاً بعد نشر كتاب الندوة الذي حوى كل الآراء والمناقشات، ولقد كان من الممكن تنظيم مثل هذه المناقشات على قنوات الإعلام الثلاث (الصحافة والإذاعة والتلفزيون) جماهيرياً وتحجيمها في النطاق المقبول بعد الندوة مباشرة.. كان ذلك ممكناً لو كنا خططنا له مسبقاً بدعوتنا إعلاميين مسلمين واعين ليحضروا جلساتنا ويتفهموا أهدافنا.. إنها دعوة لإدخال عنصر الإعلام في هذه الندوات جنباً إلى جنب مع العناصر الطبية والشرعية والقانونية والاجتماعية لتعم الفائدة وتنتشر، وهو أحد أهدافنا، وهو أيضاً ما يقطع الطريق على كل مغرض خبيث. إن دين " اقرأ " هو دين العلم والمعرفة وليس للأقزام التي تتمسح بقشور العلم أن تتطاول عليه.

стр. 9186

هل هناك ما يسمى بزراعة المخ؟ أما وقد تم حتى الآن زراعة كل شيء بشري في جسم الإنسان تقريباً من أطراف كالأيدي والأرجل ومن أعضاء كالقلب والرئة والكبد والعظام والبنكرياس والغدد ... إلخ. فإنه لم يبق ما لم يزرع إلا المخ، والطبيعي أن يكون تفكير البعض أنها الخطوة التالية. إن هذه النظرة قد تبدو منطقية؛ فالمخ هو أحد أعضاء جسم الإنسان من الناحية التشريحية، ويقوم بوظائف نعرفها عندما يصاب بعض أجزائه بالتلف أو المرض أو تستأصل لوجود ورم بها.. ولكن هل هذه النظرة هي فعلاً منطقية؟ إننا نعرف أن من مبادىء زراعة الأعضاء أن العضو الذي ينقل لزراعته لا بد أن يكون عضواً سليما حياً لنقله مكان عضو تلف، ونعرف أيضاً أن وفاة الإنسان تكون لتلف مخه واستئصال مخ سليم من شخص هو قتل له لأن وفاة الإنسان الآن تعرف بوفاة المخ وتكون الترجمة الحرفية لهذا العمل إذن، هي: "قتل إنسان لنقل مخه لإنسان آخر متوفى. ويمكننا إذن أن نقول إن الإنسان الحي هو الذي يملك مخاً حيًّا مهما تلف أحد أعضاء جسمه، فإن هذا العضو يمكن تعويضه بطريقة أو أخرى.. فمثلاً الكلية يمكن أن نستعاض عنها بجهاز كيميائي للغسيل الكلوي أو بزراعة كلية من متبرع وكلاهما يقوم مقام الكلية التي تلفت بدون أن يضار أحد ولو من الناحية النظرية، ولا يمكن أن يقال نفس الشيء عن المخ لأن الذي توفي بتلف مخه لا يمكن لبشر أن يبعثه بنقل مخ حي إليه، وما يقال عن زراعة المخ ما هو إلَّا من قبيل الخيال العلمي، وعلى الفرض الجدلي إذا أمكن نقل مخ من إنسان حي إلى إنسان متوفى، ففي هذه الحالة يقال: إن الجسد قد نقل إلى المخ وليس العكس. ما هو المخ البشري وكيف يعمل؟ قبل أن نسترسل في هذا البحث يلزم لنا أساساً أن نعرف مكونات مخ الإنسان تشريحيًّا وما هو عمله حتى نتعرف على ما نتحدث عنه، ونتفق على تعريفات محددة، وما أسرده هنا هو مبادئ طبية معروفة في صورة مبسطة ومختصرة.

стр. 9187

إن المخ الذي نتحدث عنه هو ليس فقط ذلك العضو الذي تحتويه الجمجمة، ولكن يدخل في تكوينه أيضاً أطراف أخرى متصلة به تكون جميعاً ما يعرف بالجهاز العصبي المركزي، فهي أساساً أجزاء منه، مثل شبكية العين والعصب البصري (الجزء المبصر من العين) ، وكذلك الأذن الداخلية والعصب السمعي (الجزء الذي يسمع من الأذن) ، وكذلك الخلايا الحساسة للروائح، ويصلها بالمخ عصب الشم وخلايا التذوق في اللسان والاتصال العصبي، وأيضاً النخاع الشوكي داخل الفقرات وجميع الأعصاب التي تتفرع منه والتي تجلب إحساس اللمس من سطح الجسم، وكذلك تنقل أوامر الحركة والتنفيذ إلى أجزاء الجسم المختلفة. إن هذه الزوائد هي جزء لا يتجزأ من المخ تشريحياً ووظيفياً، فإذا انقطعت إحساسات النظر والسمع واللمس ... إلخ عن المخ، حتى مع بقاء المخ حياً، فإنه ينقطع عن العالم الخارجي، لا يعلم عنه شيئا وينعزل عنه ويصبح للجماد هو أقرب منه للإنسان، وكلنا يذكر معجزة الدكتور هيلين كلير، التي فقدت إحساس السمع والبصر منذ ولادتها، وكانت حاستا اللمس والشم عندها هي فقط التي تربطها بالعالم الخارجي. كانت حياتها بهذا الأسلوب تشبه المعجزة، حيث كانت تعيش في عالم كله ظلام وصمت رهيب، وكان اللمس بأصابعها على وجوه الناس هو أسلوب التعرف عليهم، واللمس على حناجرهم وشفاههم هو أسلوب السمع لديها، وهو ما يشكل عظمة مقدرة هذه الإنسانة التي تمكنت برغم ذلك من الدراسة لتحصل على درجة الدكتوراه، فلو تصورنا أنها أيضاً فقدت حاسة اللمس، إذن لانقطعت كل اتصالاتها بالعالم الخارجي ككل، وأصبحت فعلاً أقرب للجماد من الإنسان.. إن هذه الزوائد الحسية- كما سبق وذكرنا- هي جزء أساسي من المخ كعضو، لا يستطيع أن يؤدي وظائفه بدونها. أما عن المخ ذاته فهو عبارة عن نسيج هلامي ضعيف؛ ولذلك خلق الله له هذه العلبة العظيمة المسماة بالجمجمة ليحتمي بصلابتها مثلما تحتمي الحيوانات الرخوة داخل صدفات المحار.. بل إن المخ أيضاً يطفو داخل الجمجمة في السائل النخاعي المحيط به، فهو أقل منه كثافة مما يشكل زيادة في الحماية، وإن طبيعة تكوين هذا المخ الهلامي الذي لا يأخذ شكله الطبيعي إلا في وسط هذا السائل الذي يطفو فيه يشبه الحيتان تعيش في المياه العميقة، فإذا انحسر عنها الماء في المياه الضحلة فإنها لا تتحمل وزنها ويتفلطح شكلها وقد تهلك.

стр. 9188

ويخرج من المخ عشرات الأطراف العصبية (الأعصاب) من خلال ثقوب في الجمجمة والعمود الفقري، كما أن الكثير من الشرايين والأوردة تنقل إليه ومنه الدم اللازم لتغذيته. إن الجهاز العصبي المركزي والمخ بصفة خاصة لا يتحمل تغيرات فيزيائية أو كيميائية في محيطه الذي يعيش فيه إلا في نطاق محدود جداً، فمثلاً التغير في درجات الحرارة بالنسبة لأعضاء أخرى كالجلد يمكنه أن يتحمل درجات تصل إلى عشر أو عشرين درجة مئوية صعوداً أو هبوطاً من الدرجة العادية وهي ٣٧ درجة، إلا أن المخ لا يتحمل انخفاضاً أكثر من درجتين وإلا ابتدأ عمله في التأثر، فقد يغيب الإنسان عن وعيه فيما يشبه النوم، وهو ما حدث لجيوش نابليون في هجومها على روسيا في الشتاء القارس البرد مما سبب اندحاره وهزيمته، وإذا زادت الحرارة عن درجتين أو ثلاث، فإنه يفقد الوعي كذلك ويصاب بما يسمى ضربة شمس. كذلك التغييرات الكيميائية لا يتحملها المخ بعد نطاق محدود، وكذلك بالنسبة لتركيز سكر الجلوكوز أو الأوكسجين في الدم، فإذا انقطع سريان الدم مثلاً عن المخ لأي سبب من الأسباب ولو لثوان قليلة، فقد الإنسان وعيه، وإذا زاد ذلك عن دقائق أربع فقد يعني هذا نهاية خلايا المخ وبالتالي الإنسان ككل. إذا كان هذا مدى رقة هذا العضو في تكوينه ومدى حساسيته المرهفة للظروف البيئية التي يعيش فيها، فما هو العمل الذي يؤديه؟.. إن جميع أعضاء جسم الإنسان الأخرى يمكن تقسيم الأعمال التي تقوم بها إلى أعمال كيميائية أو ميكانيكية في النهاية.. فالكلى والكبد والغدد تؤدي أعمال كيميائية لفصل الأملاح الضارة والتمثيل الغذائي، وأما أعضاء أخرى كالقلب والعضلات والعظام فعملها أساساً هو عمل ميكانيكي، وهناك ما هو مزدوج العمل، كالجهاز التنفسي والأمعاء ... ولكن ما هو عمل المخ؟ إنه يختلف تماماً.. إن عمله يمكن أن نلخصه في مجالات ثلاثة، هي: الإحساس.. الوعي والإدراك والابتكار.. رد الفعل أو التنفيذ. فإذا دققنا النظر في هذه الوظائف لوجدناها تمثل كيان الإنسان وذاته، وأن الإنسان هو مخ حي.. خلقت الأعضاء الأخرى لتقوم على خدمته من هضم الغذاء وتقديمه وطرد الفضلات والتنقل به من مكان لآخر، والأكثر من ذلك أن المخ يسيطر على جميع الأعضاء الأخرى وجميع خلايا الجسم بصورة أو أخرى.

стр. 9189

ا- الإحساس: يقوم المخ عن طريق أطرافه التي دفعها على سطح الجسم بأن يتلقى المعلومات ويجمعها، وهي ما نسميه بالحواس الخمس، ما بين موجات ضوئية للنظر، أو ترددات سمعية أو كيماويات تنتشر في الهواء لتصل إلى الأنف أو تحسها خلايا التذوق على سطح اللسان أو ما يلامس سطح الجسد بتفاصيل مختلفة من الإحساس الخشن أو الناعم، الساخن أو البارد ... الخ، فتقوم أعصاب الإحساس بنقل هذه الأحاسيس إلى المخ، ويقوم هو بإدراكها.. هذه الحواس الخمس لم تتغير من عصر آدم حتى الآن فلم يستطع الإنسان أن يخلق لنفسه حواس أخرى.. ليدرك ما لم يأذن الله له أن يدركه مما يحيط به.. ولكنه استطاع عن طريق العلم الذي هداه الله له أن يوسع مدارك هذه الحواس ويضاعف قدراتها من ناحية الكيف، فإذا أخذنا إبصار العين مثلاً سنجد أن العين أصبحت تدرك وترى الجسيمات المتناهية في الصغر التي تقرب من الذرات عن طريق المجهر الضوئي أو الإلكتروني.. وترى الأجسام التي تبعد عنها بملايين الأميال من الأجرام السماوية عن طريق التلسكوب مما يستحيل على العين أن تدركه، وتتمكن العين أن ترى أكثر من ذلك وضوحاً سبع مرات عن طريق التلسكوب الذي يقوم العلماء بتركيبه خارج الغلاف الجوي.. بل استطاع الإنسان أن يطوع للرؤية موجات خلاف موجات الضوء، أصبح يرى عن طريق الموجات تحت الحمراء والليزر، والإلكترونات والموجات فوق الصوتية. ٢- الوعي والإدراك والابتكار: إن وصول الأحاسيس للمخ تترجم داخله إلى معان يعيها ويتعرف عليها، كما أنه يقارنها بما هو مخزون لديه من آلاف الخبرات السابقة، خبرات مختزنة لكل حاسة على حدة منذ ولادته كطفل وما تعلمه في مراحل التعليم المختلفة، وما قرأه وما سمع عنه، وما تعلمه من ممارسات في الحياة، وكلما زاد المخزون من الخبرات كلما كان تقويمه وتحليله لما يقابله في الحياة أكثر دقة، ويكون قراره في النهاية أكثر حكمة واتزاناً، ويقدر ما أنبأته به الأحاسيس من احتمالات الخير أو نذر الشر، فيتأهب لها.

стр. 9190

٣- رد الفعل وتنفيذ القرار: يقوم المخ بالرد أو التجاوب والانفعال لما تثيره وصول هذه الأحاسيس في نفسه وبداهة ليستطيع المخ أن يقوم بالرد يلزمه أن يكون مسيطراً على كل إمكانيات الجسم، بما فيه من أعضاء وأنسجة وخلايا وهذه السيطرة من رد فعله منها ما هو على المستوى الواعي وتحت السيطرة المباشرة، كما في الجهاز الحركي من نشاط عضلي أو كلام أو إشارات أو أفعال ... ومنها أيضاً ما هو دون مستوى الوعي عن طريق الجهاز العصبي اللامركزي أو الجهاز السمبثاوي وغير السمبثاوي من سيطرة على ضربات القلب وحركة الأمعاء وتنظيم التنفس، كما أنه عن طريق السيطرة على الغدة النخامية يقوم بالسيطرة على الغدد المختلفة من النمو والتمثيل الغذائي والنمو الجنسي، وتنظيم الدورة الشهرية للإناث، وتنظيم الحمل. من هذا الإيجاز في شرح تركيب وعمل المخ يبدو لنا من هذا الجهاز الرقيق، المعقد التركيب، شديد الحساسية المتناثر في أنحاء الجسم مدى الصعوبة الشديدة، ولا أقول استحالة نقله، فلفظ المستحيل يصعب استعماله في هذا العصر لأن الكثير من ممكنات اليوم كانت أصلاً مستحيلات الأمس. زراعة الخلايا والأنسجة داخل المخ: منذ عدة سنوات ابتدأت فكرة زراعة خلايا وأنسجة داخل المخ من مختلف الأنواع من البحوث الأكاديمية في عمليات تجريبية على حيوانات المعامل من فئران وغيرها لتجربة تأثير عقاقير مختلفة عليها، وكذلك مراقبة تصرف هذه الخلايا في الظروف البيئية المختلفة، كذلك في مجال دراسة الأورام السرطانية وإجراء الدراسات عليها. وكان اختيار المخ بالذات كمكان للزراعة لما اكتشف له من ميزات لا تتوافر لأماكن أخرى (خلاف الغرفة الأمامية للعين) ، فهو يوفر حماية للخلايا المزروعة، والتي تكون أقل عرضة للطرد عن طريق الجهاز المناعي للجسم، وذلك لميزات معينة في طبيعة تكوين الدورة الدموية للمخ ووجود ما يسمى بالحاجز الدموي للمخ، وهو الذي يفصل بين مكونات الدم والأنسجة العصبية للمخ (Blood Brain Varner) .. وأخيراً ومع اطراد النجاح للزراعة داخل المخ أصبح التساؤل: ولم لا للزراعة للأغراض العلاجية لأمراض ومشاكل المخ المختلفة؟ توطئة للتطبيق على الإنسان فيما إذا نجحت مثل هذه التجارب على الحيوان.

стр. 9191

وقد تم ذلك بالفعل، وكانت لبلاد مثل: السويد والمكسيك وبلاد أخرى قصب السبق في هذا المجال، وصدرت عنهم المئات من التقارير والأبحاث، بل إنه قد تمت بالفعل بعض التطبيقات على الإنسان. ويمكننا الآن تقسيم هذه التجارب، والتي يقصد بها العلاج إلى اتجاهين مختلفين اعتماداً على نوع المرض، أحدهما يعتمد على العلاج الهرموني أو توفير ما يسمى بالهرمونات العصبية (Neuro Transmitie) ، مثل: الدوبامين والكولين والكاتيكولامين.. وغيرها عن طريق زراعة خلايا داخل المخ لإنتاجها، وهناك تجارب أخرى الغرض منها مختلف تماماً، وهو محاولة عبور التليفات داخل المخ والنخاع الشوكي، والتي تحدث بعد الإصابات والالتهابات، وقد أظهرت التجارب أن النتائج تختلف كثيراً اعتماداً على عوامل عدة، منها نوعيات الأنسجة المستخدمة في الزراعة ومصادرها، وكذلك أسلوب نقلها وأماكن زراعتها في المخ كما تعتمد أيضاً على عمر الخلايا المزروعة. أولاً- زراعة الأنسجة العصبية بغرض توفير الهرمونات العصبية: - ربما كان هذا هو أول الأهداف التي قصد بها الزراعة لعلاج مرض باركنسون أو الشلل الرعاش، وفكرة هذه الزراعة هو أن هناك من الخلايا العصبية ما هو مختص بإنتاج هرمون بالمخ، وأنه في هذا المرض يكون عادة المريض في سن متقدمة أو بفعل تصلب وضيق شرايين المخ، فتضمر هذه الخلايا التي تعيش أساساً في جذع المخ، فتبدأ عوارض المرض في الظهور مثل اهتزاز الأطراف والتيبس في حركة المفاصل، وهذا الهرمون يسمى بالدوبامين. هذا المرض يعالج حالياً بعقار يحتوي على المادة المطلوبة، هذا العقار ولو أنه يحسن الكثير من الجوانب المرضية، لكنه لا يحل كل المشاكل بالنسبة للمرض فضلاً عما له من آثار جانبية. وكثيراً ما يكون من الكثرة بحيث يقلل من فائدته في العلاج. وقد بدأت هذه الجراحة بزراعة خلايا من نفس الحيوان استؤصلت من الغدة فوق الكلوية الخاصة به، والتي تفرز هذا الهرمون أيضاً. وبالرغم من أن بعض هذه الحيوانات أظهرت بعض التحسن، إلا أنه وجد أن زراعة خلايا جنينية من المادة السوداء بجذع المخ (Substantia Nigra) ، تعطي نتائج أكثر إيجابية وأكثر استمراراية، وعلى أن تكون قد أخذت من أجنة ما بين الأسبوع الثامن والعاشر من الحمل.

стр. 9192

وعند نجاح هذه التجارب على الحيوانات بدرجة كبيرة، بدأ بالفعل في كل من السويد والمكسيك إجراء هذه العمليات على مرضى متطوعين في حالات متأخرة من هذا المرض. وقد تمت الجراحة أولاً باستخدام أجزاء من النسيج العصبي للغدة فوق الكلوية بعد استئصالها من جانب واحد فقط، ثم زراعة أجزاء منها داخل مخ نفس المريض. ولقد تبين منها نفس النتائج التي تم الوصول إليها بالنسبة للحيوان بعد إجراء نفس الجراحة باستخدام خلايا إنسانية جنينية، غير أنه في الحالة الأخيرة يكون العلاج في صورة عملية واحدة بدلا من عمليتين كبيرتين إحداهما لاستئصال الغدة والأخرى عملية فتح الرأس لزراعة الخلايا، ولقد تمت أولى هذه العمليات في السويد عام ١٩٨٣م. - وقد اتضح أيضاً أن نفس الهرمون العصبي "الدوبامين، عن طريق زراعته في حيوانات تجارب المعمل قد أمكنه تحسين مظاهر شيخوخة المخ. وقد أجريت التجارب على الفئران المسنة، والتي لا تستطيع أن تمشي بتوازن على عصا رفيعة ممتدة بين سطحين، وأنها تنزلق وتسقط من فوقها بخلاف الفئران الشابة التي تستطيع ذلك بسهولة. وقد أمكن لهذه الفئران المسنة أن تظهر كفاءة واتزاناً أكبر بعد زراعة الخلايا الجنينية لها. - كما أنه هناك هرمون عصبي آخر هو هرمون الكولين، وقد وجد أن الهرمون يمكنه علاج ضعف الذاكرة أيضاً في الفئران التي أتلف فيها عن عمد أجزاء من المخ ليحدث لها حالة مشابهة تصيب الإنسان وهو مرض (الزهايمر) وهو أحد أنواع عته الشيخوخة، وهذا المرض ليس له أي علاج حالياً. ففي إحدى التجارب لتعليم الفئران الطبيعية بعض الحركات التي تتطلب بعض التركيز أمكن لهذه الفئران تأديتها بنسبة مائة في المائة بعد فترة تدريب مدتها أسبوعان، ولكن إذا أعطيت بعض أجزاء المخ التي تؤدي إلى إضعاف الذاكرة، فإن هذه الفئران لا يمكنها أن تتعلم على الإطلاق.

стр. 9193

ولكن التجارب أيضاً أثبتت أن نفس الفئران يمكنها العودة إلى التعلم وتؤدي الحركات بنسبة دقيقة توازي ثمانين بالمائة إذا زرعت بها الخلايا العصبية الجنينية التي تفرز هرمون "الاستيلكولين "، وهنا يجب أن تلاحظ أنه على الرغم من أن الزراعة تنجح في بعض هذه الحيوانات، إلا أن هذا النجاح لا يؤدي إلى نفس النتيجة في كل حالة ويستنتج الباحثون بأنه ولو أن هرمون الكولين مهم لاستعادة الذاكرة، ولكن ربما هناك عناصر أخرى غير معروفة وضرورية لتكون النتائج كاملة. قام بهذه البحوث عالم يدعى جوركلند بالسويد في الأعوام القليلة الماضية، وحتى الآن لم تنشر أي تطبيقات لمثل هذه العمليات على الإنسان. وقد أُجْرِيَت أيضاً عمليات زراعة خلايا " الوِطَاء" أو (Hypothalamus) ، في بعض الحيوانات القارضة والتي تشكو من أمراض وراثية (Genetie) ، وأمكن للخلايا المنزرعة أن تسبب إفراز الهرمون الذي يحفظ أيونات الصوديوم والماء (Antiainretic H.) ، ويعالج حالات مرض السكر الكاذب. وكذلك الهرمونات المؤثرة على الغدد الجنسية، وأمكنها أن تقوم بالتبويض مرة أخرى. - وتأتي أكثر التجارب جراءة من تشيكوسلوفاكيا في أغسطس ١٩٨٨م، حيث أجريت ثلاث عمليات لزراعة خلايا بشرية جنينية على ثلاثة مرضى مصابين بمرض " الشزوفرنيا" أو مرض الفصام.. وقد جاء في تقرير الباحث أنه اعتماداً على ما لوحظ من أن نقص الهرمونات العصبية المسماة بالكاتيكولامين (Catecolmines) ، ومدى ارتباط ذلك بمنشأ مرض العظام، واعتماداً على مدى الخبرة في زراعة الخلايا الجنينية الإنسانية، فإنه قد تم زراعة ما مقداره ستة مليمترات مكعبة من هذه الأنسجة بالأسلوب الجراحي المجسم من خلال ثقب صغيرة بالجمجمة وهذه الخلايا قسمت إلى نصفين زرع كل منهما في الحاجز الأوسط لكل من النصفين الكرويين.

стр. 9194

وقد كان تعليق الباحث في النهاية على هذه الجراحات بأنها قد أدت إلى تحسين واضح في العلامات المرضية الإكلينيكية لهؤلاء المرضى، وبالذات في ناحية الذاكرة. أما من ناحية احتمال التغير في شخصية أو ذاتية أي مريض تجرى له عملية الزراعة فهو أمر ليس له أساس علمي يبرره. ولكن قد يحدث أن يتم إنتاج هرمون الدوبامين أو غيره بصورة مفرطة قد تؤدي إلى عدم توازن الشخصية وقد ينتج نفس الشيء نتيجة تلف المخ من زيادة نمو الأنسجة داخل المخ والضغط عليه. ثانياً- العلاج لعبور تلف في مجرى الألياف العصبية الناقلة للحس والحركة: كان من الأمور المسلم بها طبيًّا منذ زمن طويل أن تلف خلايا وأنسجة الجهاز العصبي المركزي (المخ والنخاع الشوكي) لا يمكن تعويضها والأعصاب التالفة لا تنمو لتصل ما انقطع، وتعيد العمل الوظيفي للجزء التالف، كما يمكن أن يحدث في الأعصاب الطرفية خارج المخ والنخاع الشوكي، وكان هذا ما يلقي ظلاً من اليأس والتشاؤم في علاج الأمراض العصبية ككل. ولقد أثبتت بعض التجارب، والتي كانت تجرى منذ مدة أنه باستخدام وزراعة بعض الأعصاب الطرفية من نفس الحيوان وزراعتها داخل المخ بجوار الجزء التالف أو المصاب، فإنه يمكن للألياف المصابة النمو من خلال أنابيب الأعصاب الطرفية المزروعة، ولكنه وحتى الآن لم يستطع جعل نهايات الأعصاب النامية أن تتشابك عصبيًّا وتؤدي إلى اتصالات وظيفية مع الأنسجة التي وجهت لها لتعوض ما نتج عن الإصابة أو التلف. ولكن ظهرت لنا الآن مقدرة الخلايا والأنسجة الجنينية أولاً للبقاء حية بعد زراعتها ثم إمكانياتها في النمو ويظهر لها تشعبات، ثم تتصل بعد ذلك بالاشتباكات العصبية مع الأنسجة العصبية المضيفة، وبالتالي يكون لها المقدرة على تأسيس وتأدية أعمال كهروفسيولوجية أو إفراز الهرمونات العصبية في نهايتها، وقد وجد أيضاً عن طريق البحث والتجربة أن الأنسجة العصبية المزروعة تكون أكثر قابلية للنجاح إذا زرعت في جوار أنسجة أخرى متجانسة معها تركيبيًّا ووظيفيًّا في المخ المضيف، وتزداد كذلك فرص النجاح إذا كان الجزء المجاور للأنسجة المزروعة قد تلف أو أصيب قبيل عملية الزراعة. ومن الممكن أن نتخيل أننا يمكن أن نستفيد من تجارب زراعة الأعصاب الطرفية داخل المخ في نفس الوقت بجوار الأنسجة الجنينية لاحتمال إمكان نقل أطراف الأعصاب الجنينية لتتشابك عصبياً مع الأجزاء المستهدفة من العلاج في الجهاز العصبي المضيف، على سبيل المثال النقل من قشرة المخ الحركية إلى ألياف الحركة في النخاع الشوكي بعيداً عن المرور داخل تشابكات معقدة داخل المخ.

стр. 9195

كل ما سبق ذكره قد تم بالفعل أو يمكن أن يتم على مستوى حيوانات التجارب داخل المعامل، فهل يعني هذا بارقة أمل في علاج أمراض عصبية مستعصية لا يوجد لها علاج حتى الآن؟ ... إن مرضى التليف العصبي المنتشر (D. S.) ، وجلطات المخ التي تؤدي إلى تلف الألياف العصبية الناقلة للحس والحركة، وينتج عنها الشلل لا أمل لها في علاج أو شفاء.. وكذلك إصابات المخ في الحوادث، وإصابات النخاع الشوكي مع كسر الفقرات في حوادث السيارات وغيرها.. يقضي على آلاف الشباب أن يمضي ما بقي له من حياة على الكراسي المتحركة.. هل معنى ما وصلنا إليه الآن أن الطب سيتمكن أخيراً أن يفعل شيئاً في هذا المجال، ويعيد الأمل إلى الملايين؟ ... ثم هناك تساؤل آخر بل هو حلم للبشرية الذي طالما داعب خيالها من مئات الأجيال وهو: هل لهذه الجراحات المقدرة على إعادة الصحة والشباب، فتعالج المخ الذي هرم، والجسد الذي وهن؟ وهل يمكن للمرأة العجوز أن تعود إلى نضارتها والى إنجاب الأولاًد من جديد؟ إنها تساؤلات اليوم، ربما نجد الإجابة عليها بعد سنوات قليلة ... ولن أدهش إذا كان هناك في مكان ما من العالم من يملك الإجابة عليها الآن. القيم والسلوكيات الطبية في زراعة الأنسجة العصبية: بعد أن رأينا أن الكثير من التجارب التي تتطلب زراعة خلايا عصبية على مستوى حيوانات معامل الأبحاث، قد انتهت إلى نتائج مشجعة، وقد بدأ الباحثون فعلاً في التفكير في المضي قدماً في استكمال أبحاثهم على بني الإنسان، قد تكون هناك بعض العقبات أو المشاكل التي تحتاج لبعض الحلول، ولكن أين هذا من المارد العلمي الذي يكتسح في طريقه المشاكل والعقبات؟. لقد وضح من الأبحاث والتجارب أن الخلايا العصبية الجنينية هي الأساس في هذا النوع من الجراحة، وبدونها تهدم كل الآمال التي تتعلق بهذا الحلم في شفاء كل ما هو مستعص من الأمراض، والسبب في ذلك أن الخلايا العصبية تامة النمو لا يمكنها الانقسام، ولا يمكنها أن تمتد وتتفرع وتكون نقط الاشتباك العصبية (Synapses) مع خلايا أنسجة الأهداف، وتؤدي ما هو مطلوب من هذه الجراحة.

стр. 9196

وقد وجد أن الخلايا الجنينية المطلوبة هي التي تتواجد في الأجنة قبل بلوغها الاثني عشر أسبوعاً، أي قبل اكتمال نمو مخ الجنين (سلسلة مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية - يناير ١٩٨٥ م - الجزء الثاني- ميلاد المخ ٦٢- ٧٣) . والأغلب يفضل ما بين الأسبوع العاشر والحادي عشر وألا يكون قبل ذلك، لأن الخلايا العصبية قبل ذلك لا تكون قد ابتدأت في التميز من ناحية العمل المستقبلي، فخلايا الدوبامين قد تختلط بغيرها ويكون تركيزها بعد النضوج أقل مما هو مطلوب في العينة المطلوب زراعتها.. والمشكلة الرئيسية في هذا المجال هي كيفية الحصول على هذه الخلايا من الجنين، إن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الحصول عليها من الأجنة المجهضة في هذا الوقت.. وعدد هذه الحالات ليست قليلة، فحالات الإجهاض القهرية (Inevitable abosiion) ، تكثر باقتراب الشهر الثالث، ولكن هنا يجب أن نعلم أن هذا الجنين الذي يقرب حجمه من تسع سنتيمترات طولاً، قد تمضي فترة بين إجهاضه وانفصاله عن الأم، وبين الحصول عليه لاستخراج الأنسجة المطلوبة، ونحن نعلم مدى تأثير الدقائق على حرمان المخ من الأوكسجين واحتمال بدء التحلل للأنسجة مما يؤثر على حيويتها واحتمال نجاح زراعتها. من هذا يتضح أهمية الحصول على الأنسجة فور الإجهاض مباشرة، ويصل البعض في التشدد للحصول على هذه الأنسجة في حالة جيدة بأن ينصح بالإجهاض بجراحة يشق فيها الرحم ويحصل على الخلايا والجنين في رحم أمه ... ولكن أليس الوصول إلى هذا الحد في العلاج هو أكثر مما تطيقه القيم والممارسات الأخلاقية في الطب؟ وهل يعيد هذا إلى الأذهان قصص الخرافات القديمة عن دراكولا، مصاص الدماء، الذي يحظى بالحياة الأبدية بامتصاص دماء الأبرياء؟. وإذا افترضنا أن مثل هذه الجراحات قد عمت وانتشرت، فهل سيكون هناك انعكاسات تجارية.. لذلك؟ ليس فقط بازدياد حالات الإجهاض، وإنما أيضاً بازدياد حالات الحمل التي يقصد منها إنتاج هذه الأنسجة المطلوبة؟.

стр. 9197

إن ما نناقشه الآن هو من سبيل استقراء المستقبل، فإن حالات زراعة الأنسجة العصبية قد تم منها حتى الآن حوالي مائة حالة في المكسيك والصين والسويد والولايات المتحدة، وفيها تم أخذ الأنسجة من الغدد فوق الكلوية لنفس المرضى، أما الحالات التي استخدمت فيها أنسجة عصبية جنينية، فهي نحو خمس حالات تمت في مكسيكو سيتى وستوكهولم ولندن. وحتى يكون عرضنا للأمور واضحاً في كل جوانبه، ونحن نعلم أيضاً أن الأجنة التي تستخدم هي أجنة مجهضة في الأسبوع الحادي عشر، وهي فترة المضغة.. أي قبل نفخ الروح. فإن تقويم القيم في الممارسات الطبية تبنى عادة على شروط ثلاثة: أولاً: أن يحترم الإنسان وتحترم ذاته في كل مراحل أي عمل من الأعمال. ثائياً: أن يؤدي العمل المطلوب فائدة تبرره وأن تكون احتمالات الفائدة قوية وواضحة. ثالثاً: إلا يؤدي هذا العمل إلى ضرر أو أذى يصحب أحد الأطراف، وفي حالة الأضرار البسيطة يمكن التغاضي عنها في سبيل فائدة أعم وبموافقة الطرف المضار. وفي كثير من بلاد الغرب يعتبر الإجهاض من شؤون المرأة الحامل، ولها القرار فيه، فهي التي تعتبر أضيرت في هذا المجال. وفي إحصاء من الولايات المتحدة نشر: بأن عدد حالات الإجهاض الاختياري تصل كل عام إلى مليون وثلاثمائة ألف حالة اجهاض، وتكون الحالات التي تقل عن اثني عشر أسبوعاً حوالي ثلاثة أرباع العدد. وحيث إن عمليات الإجهاض هناك تتم بأكثر الطرق أماناً وهي طريقة الإجهاض بالشفط وفيها تتحطم أجزاء الجنين أثناء مرورها في أنابيب الشفط، وفي هذه الأجزاء يمكن العثور على الأنسجة المطلوبة في حالة من كل عشر حالات، ويمكن استعمالها في الزراعة بطريقة معقمة.. وعليه فإن في الولايات المتحدة يمكن توفير أنسجة للزراعة لنحو ٩٠ ألف عملية زراعة بالسنة، وهي ما تكفي احتياجاتهم وتزيد.

стр. 9198

ويرى البعض أن عملية الزراعة في هذه الحالة من حطام الأجنة لا تشكل مشكلة قيم وأخلاق لأنها توازي تماماً عملية زراعة الأعضاء البشرية من متوفين حديثاً. ويرى البعض الآخر أن هذا العمل يضفي على القائمين به مسحاً من القسوة والوحشية، وإن كان ليس هناك في الواقع ما ينم عن أن هؤلاء العلماء والأطباء والممرضات القائمين بهذا العمل قد تدنى إحساسهم بقيمة الحياة الإنسانية، كما أنه لا يوجد ما يرغم إنساناً على عمل ضد رغبته الشخصية. وفي إحدى مجلات القيم والسلوك في الولايات المتحدة سؤال عن موقف الأطباء من سيدة تطلب الإجهاض والتبرع بالأنسجة لعلاج شخص ما، وهل يجوز لهم رفض هذا الطلب؟ بينما هم أنفسهم يقبلون إجراء الإجهاض ذاته بناء على طلب السيدة التي تريد أن تحدد نسلها. ويبدو أن الأمر سينتهي بالولايات المتحدة إلى تحريم بيع الأنسجة الجنينية أو التبرع بها لشخص محدد، وهو ما يتم هناك بالنسبة للمتبرعين بالأعضاء البشرية. ومن جانب آخر يجب إلا ينسى أنه بالنجاح المتزايد في استعمال عقار السيكلوسبورين، والذي أدى وبدرجات كبيرة إلى إمكان زراعة أنسجة من فصائل مختلفة عن الإنسان- كالقرد مثلاً- بتقليل رفض الجسم لها، فهل يمكن زراعتها بدلاً من الخلايا الجنينية الإنسانية؟ وقد ينشاً حل وسط فيما نشر عن إمكان استزراع الخلايا الجنينية الإنسانية في صورة مزارع خلوية إنسانية على نطاق واسع، وذلك بعد الحصول عليها من جنين حي، ولمرة واحدة في البداية فقط، وربما أيضاً إنشاء بنوك لهذه الخلايا يمكن الأخذ منها بل والاختيار منها لما هو أنسب لكل مريض. وتؤخذ الأنسجة الأولى من حالة تستدعي إجراء الإجهاض شرعاً، فتكفي هذه الحالة مئات أو آلاف المرضى. الدكتور مختار المهدي

стр. 9199

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم (٥٦/ ٥/ ٦) بشأن "زراعة خلايا المخ والجهاز العصبي" إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤ – ٢٠ آذار (مارس) بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من ٢٣ إلى ٢٦ ربيع الأول ١٤١٠ هـ الموافق ٢٣ – ٢٦/١٠/١٩٩٠م، بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، وفي ضوء ما انتهت إليه الندوة المشار إليها من أنه لا يقصد من ذلك نقل مخ إنسان إلى إنسان آخر، وإنما الغرض من هذه الزراعة علاج قصور خلايا معينة في المخ عن إفراز مادتها الكيميائية أو الهرمونية بالقدر السوي فتودع في موطنها خلايا مثيلة من مصدر آخر، أو علاج فجوة في الجهاز العصبي نتيجة بعض الإصابات، قرر: ا - إذا كان المصدر للحصول على الأنسجة هو الغدة الكظرية للمريض نفسه وفيه ميزة القبول المناعي لأن الخلايا من الجسم نفسه، فلا بأس من ذلك شرعاً. ٢ - إذا كان المصدر هو أخذها من جنين حيواني، فلا مانع من هذه الطريقة إن أمكن نجاحها ولم يترتب على ذلك محاذير شرعية. وقد ذكر الأطباء أن هذه الطريقة نجحت بين فصائل مختلفة من الحيوان ومن المأمول نجاحها باتخاذ الاحتياطات الطبية اللازمة لتفادي الرفض المناعي.

стр. 9200

٣-إذا كان المصدر للحصول على الأنسجة هو خلايا حية من مخ جنين باكر (في الأسبوع العاشر أو الحادي عشر) فيختلف الحكم على النحو التالي: (أ) الطريقة الأولى: أخذها مباشرة من الجنين الإنساني في بطن أمه، بفتح الرحم جراحياً وتستتبع هذه الطريقة إماتة الجنين بمجرد أخذ الخلايا من مخه، ويحرم ذلك شرعاً إلا إذا كان بعد إجهاض طبيعي غير متعمد أو إجهاض مشروع لإنقاذ حياة الأم وتحقق موت الجنين، مع مراعاة الشروط التي سترد في موضوع الاستفادة من الأجنة في القرار رقم (٥٩ /٨/ ٦) لهذه الدورة. (ب) الطريقة الثانية: وهي طريقة قد يحملها المستقبل القريب في طياته باستزراع خلايا المخ في مزارع للإفادة منها ولا بأس في ذلك شرعاً إذا كان المصدر للخلايا المستزرعة مشروعاً، وتم الحصول عليها على الوجه المشروع. ٤ - المولود اللادماغي: طالما ولد حياً، لا يجوز التعرض له بأخذ شيء من أعضائه إلى أن يتحقق موته بموت جذع دماغه، ولا فرق بينه وبين غيره من الأسوياء في هذا الموضوع، فإذا مات فإن الأخذ من أعضائه تراعى فيه الأحكام والشروط المعتبرة في نقل أعضاء الموتى من الإذن المعتبر، وعدم وجود البديل وتحقق الضرورة وغيرها مما تضمنه القرار رقم (١) من قرارات الدورة الرابعة لهذا المجمع. ولا مانع شرعاً من إبقاء هذا المولود اللادماغي على أجهزة الإنعاش إلى ما بعد موت جذع المخ (والذي يمكن تشخيصه) للمحافظة على حيوية الأعضاء الصالحة للنقل توطئة للاستفادة منها بنقلها إلى غيره بالشروط المشار إليها.

стр. 9201

إجراء التجارب على الأجنة المجهضة والأجنة المستنبتة إعداد سعادة الدكتور محمد علي البار مستشار قسم الطب الإسلامي بمركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز وعضو الكليات الملكية للأطباء بالمملكة المتحدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: إن إجراء التجارب والأبحاث على الأجنة الإنسانية أمر قديم قد عرفته البشرية منذ عهود طويلة. وقد فحص جالينوس وأبقراط مجموعة من الأجنة المجهضة.. وقام لينواردو دافنشي (الإيطالي الطبيب العالم الموسيقي الرسام الفلكي الرياضي) في القرن الخامس عشر بدراسة بعض الأجنة. وكانت الدراسة تتمثل في معرفة تشريح الجنين وكيفية بنيته وتطورها مع تقدم الحمل، حتى تمكن العلماء من معرفة هذه المراحل المتطورة بدقة. وكانت هذه المعرفة نبراساً لمعرفة منشأ مختلف الشذوذات في التكوين التي يلاحظها الأطباء للأطفال عند الولادة وما بعدها، كما أن هذه الدراسات أدت إلى معرفة وثيقة لتشريح جسم الإنسان وكيفية تكون أنسجته وأعضائه مرحلة بعد مرحلة، وكيف يمكن أن تتوقف عملية النمو عند مرحلة معينة مؤدية إلى عيوب خلقية خطيرة أو يسيرة. وفي العصر الحديث تم استخدام أنسجة الأجنة لدراسة فروع مختلفة من العلوم، فعلى سبيل المثال في مجال دراسة السرطان تمت دراسة مستضدات الأورام الجنينية (Oncofetal Antigens) ، في كثير من أعضاء الأجنة مثل الدماغ والكبد والبنكرياس والغدة الثيموبية (السعترية) . وفي مجال دراسة الفيروسات استخدمت أعضاء الأجنة مثل الكبد والرئتين والكلى لعزل الفيروسات ولإنتاج اللقاحات الفيروسية المختلفة.. وفي مجال الغدد الصماء استخدمت غدد الأجنة وخاصة الغدة الكظرية لإنتاج الهرمونات، وفي مجال كيمياء علم الموروثات الحيوي (Biochemical Genetics) تم استخدام الكبد والرئة والدماغ والمشيمة من الأجنة وذلك لمعرفة الأنزيمات المعينة ولمعرفة عيوب الاستقلاب الوراثية (Inborn errors of Metabolism) ، وفي مجال علم الدم (Haematology) استخدمت أعضاء الجنين مثل الكبد والطحال ونخاع العظام دراسة كيفية تكوين عناصر الدم المختلفة (Haemopoiesis) ، وفي حقل البيوليجيا بفروعها المختلفة استخدمت الأجنة لمعرفة فصائل الدم وتكوين الجنس والغدد التناسلية ودراسة الخلايا وتحضير الرسول الريبي (Messenger ribonucleic acid) ودراسة خصائص الخلايا الآكلة في تكوين الغشاء المشيمي. واتسعت الدراسة في مجال علم المناعة (Immunology) لتشمل الأجنة ولتحضير مضادات الأجسام ومستضدات وحيدات النسيلة (١) (Monoclonal antigens and antibodies) لأجنة وإجراء التجارب عليها.

стр. 9202

وفي خلال ربع القرن الأخير بدأت الأبحاث تتجه إلى محاولة استخدام أنسجة الجنين لعلاج بعض الأمراض المزمنة وبداً بذلك عهد نقل الأنسجة الجنينية إلى منعطف جديد، ملتحقاً بذلك بما يعرف بزرع الأعضاء. ومنذ فترة ليست بالقصيرة تمكن العلماء من استخراج الهرمون المنمي للغدة التناسلية (القند) (chorionic gonado trophins) من المشيمة. كما أنهم يستخدمون غشاء السلى (amniotic membrane) والأغشية المحيطة بالجنين لمعالجة الحروق وغيرها من الأمراض. ولا بد لنا لكي نفهم موضوع استخدام الأجنة أن نلقي الضوء أولاً على موضوع الإجهاض باختصار: الطرح والإجهاض ويسمى أيضاً الإسقاط والإملاص وإن كان الأطباء في الآونة الأخيرة يقصرون لفظ الإملاص على ولادة الطفل الميت (Still birth) (١) وهناك نوعان أساسيان من الإجهاض: ا- الإجهاض التلقائي: وهو الذي يحدث بدون سبب ظاهر. ويحدث تلقائياً دون أن يقوم شخص ما بإحداثه، وله أسباب عديدة نتيجة خلل في البويضة الملقحة بسبب خلل في الصبغيات (الكروموسومات) أونتيجة وجود خلل في جهاز المرأة التناسلي مثل عيوب خلقية في الرحم، أو نتيجة أمراض عامة في الأم مثل مرض البول السكري والزهري وأمراض الكلى أو نقص هرمون البروجسترون لدى الأم. ويحدث الإجهاض التلقائي عادة في فترة مبكرة من الحمل، وقد أوصلها بعض الباحثين إلى نسبة ٧٨ بالمئة من جملة حالات الحمل المبكر جداً (٢) ومما لا شك فيه أن ما لا يقل عن ٢٠ بالمئة من حالات الحمل تجهض تلقائياً. ويقسم الإجهاض التلقائي إلى عدة أنواع حسب المرحلة التي يمر بها مثلا لإجهاض المنذر والإجهاض المحتم والإجهاض المختفي والإجهاض المتكرر ... إلخ.

стр. 9203

٢- الإجهاض المحدث (Induced Abortion) : وهو الذي كان يطلق عليه في الماضي الإجهاض الجنائي (Criminal Abortion) ، لأن القوانين كانت تعتبره جريمة يعاقب عليها القانون.. وقد تخلت معظم الدول الرأسمالية والاشتراكية عن هذه القوانين وأباحت الإجهاض. ولذا أصبح يدعى الإجهاض الاختياري (Electtive Abortion) ، وفي العالم اليوم ما لا يقل عن خمسين مليون حالة إجهاض محدث (جنائي) ؟ ٢٥ مليوناً منها تتم في الدول النامية و ٢٥ مليوناً أخرى تتم في الدول الاشتراكية والرأسمالية، ففي اليابان يتم إجهاض مليوني امرأة سنوياً، وفي الاتحاد السوفييتي ما بين مليونين إلى ثلاثة، وفي الولايات المتحدة ٦. ١ مليون، وفي أسبانيا والبرتغال مليون حالة إجهاض سنوياً. وفي بقية دول أوروبا الغربية مليون ونصف المليون ... إلخ. وتقول دائرة المعارف البريطانية (١) : "إن خمسين بالمئة من جميع حالات الحمل تسقط (تجهض) بفعل فاعل، سواء كان بموافقة القانون أو بغير موافقته في فرنسا واليابان، وأن ٢٥ بالمئة من جميع حالات الحمل تجهض في ألمانيا الغربية وهولنده والدنيمارك ". ويقول كتاب ممارسة منع الحمل (٢) إن استخدام وسائل منع الحمل تسير جنباً إلى جنب مع الإجهاض وتنتشران معاً.. وفي كوريا الجنوبية يعتبر الإجهاض مسؤولاً عن ٣٣ بالمئة من انخفاض نسبة المواليد، بينما ساهمت وسائل منع الحمل في ٦٧ بالمئة من هذه النسبة". ويقول كتاب (The Pirl) : "يتم قتل ٤٠ مليون جنين كل عام في العالم بواسطة الإجهاض المحدث، نصفهم على الأقل بصورة غير قانونية. ويؤدي ذلك إلى وفاة مائتي ألف امرأة وإصابة مئات الالآف بأمراض مختلفة وجعل عدد كبير منهن يعانين من العقم الدائم" (٣) من هذا كله يتبين لنا أن عدد الأجنحة المجهضة تلقائياً أو جنائياً يعد بالملايين وربما زاد عن مائة مليون جنين سنوياً..

стр. 9204

استخدام الأجنة في زرع الأعضاء: لهذا كله فإن الاستفادة من هذه الأجنة التي مآلها أن ترمى أو تحرق أو تدفن (وهو أمر نادر) أمر يبدو، في ظاهره على الأقل، عمل إنساني مثمر. ومنذ بداية الستينات (١٩٦٠ وما بعدها) تم استخدام خلايا نقي العظام (Bone Marrow) لمعالجة بعض الأمراض النادرة المتميزة بنقص الخلايا المناعية. ومنذ بداية الثمانينات بدأت عمليات زرع خلايا من الغدة الكظرية أو من خلايا الدماغ التي تؤخذ من الأجنة وتزرع في المرضى الذين يعانون من مرض الشلل الرعاش الباركنسونزم (Parkinsonism) . وقام الجراحون في مستشفى كارولينسكا (Karolinska) في مدينة ستوكهلم (Stockholm) في السويد بأول عملية من هذا النوع في ٣٠ مارس ١٩٨٢ " (١) وتضمنت العملية نقل خلايا جنينية من الغدة الكظرية وزرعها في دماغ مريض يعاني من مرض الباركنسونزم وتم وضع هذه الخلايا المزروعة في النواة الذيلية (Caudate nucle) ، وقد أدى ذلك إلى تحسن ملحوظ خلال أسبوع واحد فقط. ولكن التحسن اختفى وعاد المريض إلى حالته الأولى. وفي العام التالي (٥ مايو ١٩٨٣) قام الجراحون في نفس المستشفى المذكور بإجراء عملية مماثلة لمريض آخر يبلغ من العمر ٤٦ عاماً. وتحسنت حالة المريض بشكل مذهل في اليوم التالي لإجراء العملية ولكن التحسن لم يستمر بنفس الصورة. ومع ذلك كانت حالة المريض بعد مرور عدة أشهر أفضل بكثير عما كانت عليه قبل العملية. وانتشرت هذه العملية في السويد وفي المكسيك وفي بعض المراكز في الولايات المتحدة منذ ذلك الحين. صحيح لا تزال العملية تعتبر ضمن حقل التجارب، إلا أنها قد حققت نجاحاً طيباً يجعلها تنطلق إلى آفاق أرحب لمعالجة أمراض أخرى في الجهاز العصبي مثل مرض الخرف المبكر (Presenile Dementia) المعروف باسم الزهايمر (Alzheimer) أو لمعالجة أمراض مزمنة عويصة مثل رقص هنتنجتون (Huntington chorea) .

стр. 9205

التنظيمات والقوانين المتعلقة باستخدام الأجنة في الأبحاث الطبية: بما أن استخدام الأجنة في الأبحاث انتشر في الآونة الأخيرة، وبما أن الإجهاض المحدث كذلك في ازدياد، تكونت لجان طبية قانونية لدراسة هذا الموضوع وإبداء الرأي فيه حتى لا تحدث تجاوزات، ويتم حمل مخصوص لإجهاضه واستخدامه في مرحلة من مراحل نموه من أجل الأبحاث، أو من أجل زرع الأعضاء. وقد ذكرت مجلة الأبحاث الطبية (Clinical Research) في عددها الصادر في أبريل، ١٩٨٨ (١) ملخصاً لهذه الدراسات واللجان المنبثقة عنها نوجزها فيما يلي: ا- تقرير لجنة بيل (Peelcommittee) : من المملكة المتحدة عام ١٩٧٢. ٢- تقرير الوكالةالوطنية: من الولايات المتحدة الصادر في ٢٥ يولية ١٩٧٥. ٣- تقرير المجلس الاستشاري لأخلاقيات الطب عن تنظير الجنين: من الولايات المتحدة الصادر في ٢٣ فبراير ٩٧٩ ١. ٤- تقرير اللجنة الأخلاقية للأبحاث الطبية في أستراليا عن استخدام الأجنة في الأبحاث وزراعة الأعضاء الصادر في أكتوبر ١٩٨٣. ٥- تقرير اللجنة الأخلاقية الوطنية الفرنسية الصادر في ٢٢ مايو ١٩٨٤. ٦- تقرير المجلس الأوروبي في اجتماع البرلمان بالتوصية رقم ١٠٤٦ الصادر في ٢٤ سبتمبر ١٩٨٦. وقد ظهرت عشرات المقالات والأبحاث في هذا الموضوع الحيوي الهام. كما صدر باللغة الإنجليزية كتابان هامان يتناولان هذا الموضوع هما: "أخلاقيات إجراء الأبحاث على الجنين " (The Ethics of Fetal Research) ، تأليف بول رامزي (عام ١٩٧٥) (٢) (٣) (The Foetus as Transplant Doner) .

стр. 9206

وقد أحصى الدكتور والترز (Walters) أكثر من خمسين بحثاً علمياً في المجلات المتخصصة صدرت في الفترة ما بين عام ٩٧٣ ١ و ٩٨٧ ١ عن موضوع استخدام الأجنة في الأبحاث وزع الأعضاء.. وقد تركز الاهتمام حول استخدام الأجنة القابلة للحياة أو الأجنة التي تنزل حية ثم تموت أو يتم قتلها بعد. وقد لا يتصور الإنسان خارج الحقل الطبي هذه القضية، فالإجهاض الذي يجري في الثلث الثاني والثالث من الحمل (١) يؤدي إلى إجهاض أجنة حية وبعضها يكون قابلاً للحياة. فالجنين بعد ستة أشهر (٢٤ أسبوع) قابل للحياة إذا استخدمت الوسائل الحديثة لإنعاشه. ويتوقع العلماء أن يتمكنوا من إنقاذ أجنة أصغر عمراً وحجما ووزناً مع اضطراد تقدم الوسائل الطبية الحديثة.. وربما تمكنوا من إنقاذ أجنة عمرها عشرين أسبوعاً أو ما حولها في المستقبل القريب.. وعادة ما يتم الإجهاض في الثلث الثاني والثالث بشق الرحم (Hysterotomy) ، واستخدام محرضات الولادة مثل البروستاجلاندين والأوكسيتوسن. والواقع أن ما يتم هو عملية ولادة قبل الموعد، ورغم أن هذا النوع من الإجهاض المتأخر نادر الحدوث نسبياً، إلا أن القوانين الوضعية في كثير من البلاد الاشتراكية. والرأسمالية تبيحه. فالإجهاض يمكن أن يتم حتى الأسبوع الثامن والعشرين في بريطانيا وحتى الأسبوع الرابع والعشرين في الولايات المتحدة.. كذلك تبيح معظم الدول الاشتراكية إجراء الإجهاض حتى الأسبوع الثامن والعشرين من الحمل. وفي هذه الحالات ينزل الجنين حياً، بل ويكون قابلاً للحياة. ويعتبر قتله جريمة قتل كاملة مع سبق الإصرار والترصد. ولكن القوانين الوضعية تقع في اضطراب كبير عندما تبيح إجراء الإجهاض المتأخر. لهذا بدأت اللجان المختصة تراجع هذه القوانين. وتم إصدار قوانين تعدل ما هو موجود، فعلى سبيل المثال لا يباح الإجهاض في كندا بعد الأسبوع العشرين من الحمل. وأخذت بعض الدول الأخرى بهذا المبدأ. وفي الولايات المتحدة دعوة قوية حالياً لخفض الحد الأعلى المسموح به للإجهاض إلى عشرين أسبوعاً.

стр. 9207

وحتى لو تم خفض الأجل المضروب لإجراء الإجهاض إلى عشرين أسبوعاً، فإن ذلك لن يحل المشكلة حيث إن الجنين ينزل حياً. ولكنه سرعان ما يموت. الواقع أن المشكلة ليست متعلقة بإجراء الأبحاث أو باستخدام الأنسجة من هذه الأجنة، ولكن المشكلة الحقيقية هي في القوانين التي تبيح الإجهاض. وتنتج المشاكل العويصة بسبب إباحة الإجهاض حسب الطلب أو لأسباب اجتماعية، فإذا كانت الأم هي السبب في قتل هذا الجنين فهل يحق لها أن تتبرع باستخدامه في حقل الأبحاث الطبية؟ فإذا كان ذلك لا يحق للأم التي قامت بقتله فمن هو الذي يستطيع أن يتبرع بالنيابة عن الجنين المقتول؟ وبما أن الإسلام لا يبيح الإجهاض بعد ١٢٠ يوماً من بداية الحمل (التلقيح) مهما كانت الأسباب، (إلا في حالة تعرض الحامل لخطر الموت إذا استمر الحمل وهو أمر نادر الحدوث جداً. وفي هذه الحالة يتم توليد المرأة وإنقاذ الجنين وهي ولادة قبل الموعد ولا تسبب في الغالب وفاة الجنين) ، فإن هذه المشكلة لا يمكن أن تقوم في مجتمع إسلامي يطبق التعاليم والأحكام الشرعية. كذلك لا يسمح الفقهاء الأجلاء بإجراء الإجهاض (قبل ١٢٠ يوماً من التلقيح إلا إذا كان هناك سبب طبي قوي، وبعضهم لا يبيح ذلك إلا في الأربعين الأولى فقط.. وبعضهم لا يبيح الإجهاض مطلقاً إلا إذا تعرضت حياة الحامل لخطر موت محقق سببه استمرار الحمل. وهكذا نجد أن قفل باب الإجهاض وحصره في الأسباب الطبية البحتة الداعية لذلك. ومنع الإجهاض مهما كان السبب بعد ١٢٠ يوماً من التلقيح، يؤديان إلى اختفاء كثير من المشاكل المتعلقة باستخدام الأجنة.

стр. 9208

أما إذا كان الإجهاض تلقائياً، فإن الأم تستطيع أن تتبرع بهذا الجنين الميت للأبحاث الطبية دون وجود حرج، وغالباً ما يكون ذلك في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل. ولا ريب أن أصحاب الأبحاث والذين يريدون استخدام الأنسجة في زرع الأعضاء يرغبون أن يستخدموا أنسجة حية لا أنسجة ميتة، لذلك تراهم يحرصون على استخدام الأجنة الحية أو التي فارقت الحياة بلحظات فقط. ومما لا شك فيه أن استخدام الأنسجة التي مضى على موتها وقت طويل لا فائدة ترجى منها في هذا الصدد وخاصة في مجال زرع الأعضاء أو زرع الأنسجة. لهذا لا بد أن تكون الأنسجة حية. ويمكن أن تكون الأنسجة حية إذا نزل الجنين حياً أو أن الفرق بين موته وأخذ الأنسجة المطلوبة محدود بدقائق معدودة. ويتم ذلك بإنزال الجنين بواسطة الشفط (Vacuum) أو بواسطة تحريض الولادة أو بشق الرحم. وقد أكد تقرير اللجنة الأخلاقية للأبحاث الطبية في أستراليا عدم جواز أخذ الأنسجة من الجنين لغرض زرعها أو لإجراء الأبحاث عليها إلا بعد وفاة الجنين. وبما أن وفاة الجنين لا تعني بالضرورة وفاة الأنسجة، فإن ذلك يسمح للأطباء والعلماء بإجراء أبحاثهم في فترة زمنية محدودة هي الفارق الزمني بين وفاة الجنين وموت الأنسجة. وناقش تقرير اللجنة الفرنسية استخدام الأجنة المبكرة (قبل الأسبوع العشرين) والأجنة المتقدمة (بعد الأسبوع العشرين) للأبحاث ولنقل الأنسجة وزرعها، فقرر أن استخدام الأجنة المبكرة مباح في كل وقت، وأن استخدام الأجنة المتقدمة في العمر لا يمكن استخدامها لهذه الأغراض إلا بعد موتها. وفي هذه الحالات لا يمكن تعريف موت الدماغ بل يستخدم توقف القلب والتنفس دليلاً على حدوث الموت.

стр. 9209

وصيغ قرار المجلس الأوروبي الصادر عام ١٩٨٦ على غرار قرار اللجنة الفرنسية لاستخدام الأجنة الصادر عام ١٩٨٤. وقد اتفقت اللجان المختلفة على تقسيم الأجنة المجهضة إلى ثلاث مراحل: ا- أجنة غير قابلة للحياة (Non Viable) وهي ما قبل الأسبوع العشرين، وهذه الأجنة يسمح باستخدامها للأبحاث ولنقل الأعضاء أو الأنسجة بشرط موافقة الأبوين على ذلك حتى لو كانت حية. ٢- أجنة قابلة للحياة: وهي الأجنة التي وصلت الأسبوع الرابع والعشرين وما بعد، ووزنها يتراوح ما بين ٤٠٠- ٥٠٠ جم. وهذه الأجنة قابلة للحياة المستقلة خارج الرحم ويمكن إنقاذها.. وهذه الأجنة لا يسمح باستخدامها أو أخذ أنسجة منها إلا بعد وفاتها، وفي هذه الحالة لا بد أن تكون الوفاة طبيعية. وينبغي أن تقدم لهذه الأجنة وسائل الإنعاش المتاحة. وهذا الموقف يشكل عقبة كأداء لمن أجرى الإجهاض. اذ أن الغرض من الإجهاض هو قتل الجنين والتخلص منه لا الاحتفاظ بطفل مبتسر خداج. وقد أباحت اللجان المختصة التي نظرت في هذا الموضوع استخدام هذه الأجنة في الأبحاث عند وفاتها وفاة طبيعية. ولا بد أيضاً في هذه الحالة من موافقة الأبوين، أو موافقة الأم على الأقل (في حالة عدم وجود أب وهو أمر شائع) . ٣- الأجنة التي تنزل حية ولكنها غير قابلة للحياة المستقلة خارج الرحم: والتي يتراوح عمرها ما بين عشرين أسبوعاً وأربعة وعشرين أسبوعاً.. وهذه الأجنة معضلة بالنسبة لرجال القانون.. وقد اتخذت اللجنة الأسترالية وبعض اللجان الأخرى قرارها بالسماح باستخدام الأجنة التي تزن ٣٠٠ جرام فما دونها، وعدم السماح باستخدام الأجنة التي تزن أكثر من ثلاثمائة جرام حتى تتبين وفاتها.. وتحدد الوفاة بتوقف القلب والتنفس لا بموت الأنسجة والخلايا.. وبهذه الطريقة يمكن استخدام الأنسجة الحية في الجنين الميت لأغراض زرع الأعضاء وإجراء الأبحاث. ولا شك أن الوقت المتاح ما بين وفاة الجنين وموت أنسجته ضيق ولا يعدو بضع دقائق بالنسبة لخلايا الجهاز العصبي وأكثر من ذلك قليلاً للأنسجة الأخرى، ما عدا الجلد والعظام التي يمكن أن تبقى لما يقارب ١٢ ساعة أو أكثر.

стр. 9210

هذه المعضلة لم تقم حتى الآن في البلاد الإسلامية للأسباب التالية: ا- أن الأبحاث في مجال الأجنة محدودة جداً بالدراسة التقليدية للأجنة الميتة. ٢- لا توجد مشاريع أبحاث متقدمة لزراعة الأنسجة. ٣- لا تسمح القوانين في البلاد الإسلامية بالإجهاض إلا لسبب طبي فقط. وعادة ما يتم الإجهاض في فترة مبكرة من الحمل. وهناك بلدان يسمحان بالإجهاض لأسباب اجتماعية هما تونس واليمن الجنوبية.. وتتأرجح تركيا بين الإباحة والحظر. ولكن هذه المشكلة لم تقم أيضاً في هذه البلاد لأن الأبحاث المتقدمة ليست متاحة حتى الآن. بهذه العجالة نتعرف على مشكلة إجراء الأبحاث على الأجنة واستخدامها في زرع الأعضاء ولكن يبقى موضوعان هامان متعلقان بالأبحاث حول الأجنة، ويمكن أن يكون لهما علاقة بالوضع الحالي في البلاد الإسلامية عربية وأعجمية. وأولهما: موضوع أطفال الأنابيب وما يتعلق به من الأجنة المجمدة. وثانيهما: الجنين المولود بدون دماغ. وسنتناول كلاً منهما فيما يلي بالبحث بصورة موجزة: الأجنة المجمدة (Frozen Embryoes) : لقد انتشرت مراكز ما يسمى "أطفال الأنابيب" في البلاد العربية في الآونة الأخيرة لعدة أسباب منها المكاسب المالية الكبيرة التي يحصل عليها القائمون على هذه المشاريع، والشهرة، واهتمام الإعلام بهذه القضية، ووجود عدد ليس بالقليل يعاني من العقم ويشعر بالإحباط نتيجة فشل الوسائل الأخرى ولذا يتجه إلى أي علاج يتوسم فيه الأمل في حل معضلته المزمنة. وعلى سبيل المثال في جدة ثلاثة مراكز لمشاريع "أطفال الأنابيب" كلها تجارية بحته، وفي عمان مركزان تجاريان ولست أدري كم هو عدد المراكز في القاهرة وغيرها من العواصم والمدن العربية. وبما أن الأطباء يحرضون المبيض على إفراز أكبر عدد ممكن من البييضات بواسطة العقاقير (الكلوميد والبرجونال) فإن الطبيب قد يحصل على عدد وفير من البييضات. وقد ذكر الأستاذ الدكتور عبد الله باسلامه في بحثه (الاستفادة من الأجنة المجهضة والفائضة في زراعة الأعضاء وإجراء التجارب، المقدم للمجمع الفقهي الموقر للدورة السادسة أنه أمكن استخراج خمسين بييضة من امرأة واحدة. وأن أحد مراكز أطفال الأنابيب كان لديه ٢٠٨ ١ جنين فائض أودعت الثلاجة وجمدت من ٤٣٢ امرأة أجريت لهن عملية "طفل الأنبوب ".
следующие страницы →