وقد أحصى الدكتور والترز (Walters) أكثر من خمسين بحثاً علمياً في المجلات المتخصصة صدرت في الفترة ما بين عام ٩٧٣ ١ و ٩٨٧ ١ عن موضوع استخدام الأجنة في الأبحاث وزع الأعضاء..
وقد تركز الاهتمام حول استخدام الأجنة القابلة للحياة أو الأجنة التي تنزل حية ثم تموت أو يتم قتلها بعد.
وقد لا يتصور الإنسان خارج الحقل الطبي هذه القضية، فالإجهاض الذي يجري في الثلث الثاني والثالث من الحمل (١) يؤدي إلى إجهاض أجنة حية وبعضها يكون قابلاً للحياة. فالجنين بعد ستة أشهر (٢٤ أسبوع) قابل للحياة إذا استخدمت الوسائل الحديثة لإنعاشه. ويتوقع العلماء أن يتمكنوا من إنقاذ أجنة أصغر عمراً وحجما ووزناً مع اضطراد تقدم الوسائل الطبية الحديثة.. وربما تمكنوا من إنقاذ أجنة عمرها عشرين أسبوعاً أو ما حولها في المستقبل القريب..
وعادة ما يتم الإجهاض في الثلث الثاني والثالث بشق الرحم (Hysterotomy) ، واستخدام محرضات الولادة مثل البروستاجلاندين والأوكسيتوسن.
والواقع أن ما يتم هو عملية ولادة قبل الموعد، ورغم أن هذا النوع من الإجهاض المتأخر نادر الحدوث نسبياً، إلا أن القوانين الوضعية في كثير من البلاد الاشتراكية. والرأسمالية تبيحه. فالإجهاض يمكن أن يتم حتى الأسبوع الثامن والعشرين في بريطانيا وحتى الأسبوع الرابع والعشرين في الولايات المتحدة.. كذلك تبيح معظم الدول الاشتراكية إجراء الإجهاض حتى الأسبوع الثامن والعشرين من الحمل.
وفي هذه الحالات ينزل الجنين حياً، بل ويكون قابلاً للحياة. ويعتبر قتله جريمة قتل كاملة مع سبق الإصرار والترصد. ولكن القوانين الوضعية تقع في اضطراب كبير عندما تبيح إجراء الإجهاض المتأخر.
لهذا بدأت اللجان المختصة تراجع هذه القوانين. وتم إصدار قوانين تعدل ما هو موجود، فعلى سبيل المثال لا يباح الإجهاض في كندا بعد الأسبوع العشرين من الحمل. وأخذت بعض الدول الأخرى بهذا المبدأ. وفي الولايات المتحدة دعوة قوية حالياً لخفض الحد الأعلى المسموح به للإجهاض إلى عشرين أسبوعاً.
стр. 9207
وحتى لو تم خفض الأجل المضروب لإجراء الإجهاض إلى عشرين أسبوعاً، فإن ذلك لن يحل المشكلة حيث إن الجنين ينزل حياً. ولكنه سرعان ما يموت.
الواقع أن المشكلة ليست متعلقة بإجراء الأبحاث أو باستخدام الأنسجة من هذه الأجنة، ولكن المشكلة الحقيقية هي في القوانين التي تبيح الإجهاض.
وتنتج المشاكل العويصة بسبب إباحة الإجهاض حسب الطلب أو لأسباب اجتماعية، فإذا كانت الأم هي السبب في قتل هذا الجنين فهل يحق لها أن تتبرع باستخدامه في حقل الأبحاث الطبية؟
فإذا كان ذلك لا يحق للأم التي قامت بقتله فمن هو الذي يستطيع أن يتبرع بالنيابة عن الجنين المقتول؟
وبما أن الإسلام لا يبيح الإجهاض بعد ١٢٠ يوماً من بداية الحمل (التلقيح) مهما كانت الأسباب، (إلا في حالة تعرض الحامل لخطر الموت إذا استمر الحمل وهو أمر نادر الحدوث جداً. وفي هذه الحالة يتم توليد المرأة وإنقاذ الجنين وهي ولادة قبل الموعد ولا تسبب في الغالب وفاة الجنين) ، فإن هذه المشكلة لا يمكن أن تقوم في مجتمع إسلامي يطبق التعاليم والأحكام الشرعية.
كذلك لا يسمح الفقهاء الأجلاء بإجراء الإجهاض (قبل ١٢٠ يوماً من التلقيح إلا إذا كان هناك سبب طبي قوي، وبعضهم لا يبيح ذلك إلا في الأربعين الأولى فقط.. وبعضهم لا يبيح الإجهاض مطلقاً إلا إذا تعرضت حياة الحامل لخطر موت محقق سببه استمرار الحمل.
وهكذا نجد أن قفل باب الإجهاض وحصره في الأسباب الطبية البحتة الداعية لذلك. ومنع الإجهاض مهما كان السبب بعد ١٢٠ يوماً من التلقيح، يؤديان إلى اختفاء كثير من المشاكل المتعلقة باستخدام الأجنة.
стр. 9208
أما إذا كان الإجهاض تلقائياً، فإن الأم تستطيع أن تتبرع بهذا الجنين الميت للأبحاث الطبية دون وجود حرج، وغالباً ما يكون ذلك في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل.
ولا ريب أن أصحاب الأبحاث والذين يريدون استخدام الأنسجة في زرع الأعضاء يرغبون أن يستخدموا أنسجة حية لا أنسجة ميتة، لذلك تراهم يحرصون على استخدام الأجنة الحية أو التي فارقت الحياة بلحظات فقط.
ومما لا شك فيه أن استخدام الأنسجة التي مضى على موتها وقت طويل لا فائدة ترجى منها في هذا الصدد وخاصة في مجال زرع الأعضاء أو زرع الأنسجة.
لهذا لا بد أن تكون الأنسجة حية. ويمكن أن تكون الأنسجة حية إذا نزل الجنين حياً أو أن الفرق بين موته وأخذ الأنسجة المطلوبة محدود بدقائق معدودة. ويتم ذلك بإنزال الجنين بواسطة الشفط (Vacuum) أو بواسطة تحريض الولادة أو بشق الرحم. وقد أكد تقرير اللجنة الأخلاقية للأبحاث الطبية في أستراليا عدم جواز أخذ الأنسجة من الجنين لغرض زرعها أو لإجراء الأبحاث عليها إلا بعد وفاة الجنين.
وبما أن وفاة الجنين لا تعني بالضرورة وفاة الأنسجة، فإن ذلك يسمح للأطباء والعلماء بإجراء أبحاثهم في فترة زمنية محدودة هي الفارق الزمني بين وفاة الجنين وموت الأنسجة.
وناقش تقرير اللجنة الفرنسية استخدام الأجنة المبكرة (قبل الأسبوع العشرين) والأجنة المتقدمة (بعد الأسبوع العشرين) للأبحاث ولنقل الأنسجة وزرعها، فقرر أن استخدام الأجنة المبكرة مباح في كل وقت، وأن استخدام الأجنة المتقدمة في العمر لا يمكن استخدامها لهذه الأغراض إلا بعد موتها.
وفي هذه الحالات لا يمكن تعريف موت الدماغ بل يستخدم توقف القلب والتنفس دليلاً على حدوث الموت.
стр. 9209
وصيغ قرار المجلس الأوروبي الصادر عام ١٩٨٦ على غرار قرار اللجنة الفرنسية لاستخدام الأجنة الصادر عام ١٩٨٤.
وقد اتفقت اللجان المختلفة على تقسيم الأجنة المجهضة إلى ثلاث مراحل:
ا- أجنة غير قابلة للحياة (Non Viable) وهي ما قبل الأسبوع العشرين، وهذه الأجنة يسمح باستخدامها للأبحاث ولنقل الأعضاء أو الأنسجة بشرط موافقة الأبوين على ذلك حتى لو كانت حية.
٢- أجنة قابلة للحياة: وهي الأجنة التي وصلت الأسبوع الرابع والعشرين وما بعد، ووزنها يتراوح ما بين ٤٠٠- ٥٠٠ جم. وهذه الأجنة قابلة للحياة المستقلة خارج الرحم ويمكن إنقاذها..
وهذه الأجنة لا يسمح باستخدامها أو أخذ أنسجة منها إلا بعد وفاتها، وفي هذه الحالة لا بد أن تكون الوفاة طبيعية. وينبغي أن تقدم لهذه الأجنة وسائل الإنعاش المتاحة.
وهذا الموقف يشكل عقبة كأداء لمن أجرى الإجهاض. اذ أن الغرض من الإجهاض هو قتل الجنين والتخلص منه لا الاحتفاظ بطفل مبتسر خداج. وقد أباحت اللجان المختصة التي نظرت في هذا الموضوع استخدام هذه الأجنة في الأبحاث عند وفاتها وفاة طبيعية.
ولا بد أيضاً في هذه الحالة من موافقة الأبوين، أو موافقة الأم على الأقل (في حالة عدم وجود أب وهو أمر شائع) .
٣- الأجنة التي تنزل حية ولكنها غير قابلة للحياة المستقلة خارج الرحم: والتي يتراوح عمرها ما بين عشرين أسبوعاً وأربعة وعشرين أسبوعاً.. وهذه الأجنة معضلة بالنسبة لرجال القانون.. وقد اتخذت اللجنة الأسترالية وبعض اللجان الأخرى قرارها بالسماح باستخدام الأجنة التي تزن ٣٠٠ جرام فما دونها، وعدم السماح باستخدام الأجنة التي تزن أكثر من ثلاثمائة جرام حتى تتبين وفاتها..
وتحدد الوفاة بتوقف القلب والتنفس لا بموت الأنسجة والخلايا..
وبهذه الطريقة يمكن استخدام الأنسجة الحية في الجنين الميت لأغراض زرع الأعضاء وإجراء الأبحاث.
ولا شك أن الوقت المتاح ما بين وفاة الجنين وموت أنسجته ضيق ولا يعدو بضع دقائق بالنسبة لخلايا الجهاز العصبي وأكثر من ذلك قليلاً للأنسجة الأخرى، ما عدا الجلد والعظام التي يمكن أن تبقى لما يقارب ١٢ ساعة أو أكثر.
стр. 9210
هذه المعضلة لم تقم حتى الآن في البلاد الإسلامية للأسباب التالية:
ا- أن الأبحاث في مجال الأجنة محدودة جداً بالدراسة التقليدية للأجنة الميتة.
٢- لا توجد مشاريع أبحاث متقدمة لزراعة الأنسجة.
٣- لا تسمح القوانين في البلاد الإسلامية بالإجهاض إلا لسبب طبي فقط.
وعادة ما يتم الإجهاض في فترة مبكرة من الحمل.
وهناك بلدان يسمحان بالإجهاض لأسباب اجتماعية هما تونس واليمن الجنوبية.. وتتأرجح تركيا بين الإباحة والحظر. ولكن هذه المشكلة لم تقم أيضاً في هذه البلاد لأن الأبحاث المتقدمة ليست متاحة حتى الآن.
بهذه العجالة نتعرف على مشكلة إجراء الأبحاث على الأجنة واستخدامها في زرع الأعضاء ولكن يبقى موضوعان هامان متعلقان بالأبحاث حول الأجنة، ويمكن أن يكون لهما علاقة بالوضع الحالي في البلاد الإسلامية عربية وأعجمية.
وأولهما: موضوع أطفال الأنابيب وما يتعلق به من الأجنة المجمدة.
وثانيهما: الجنين المولود بدون دماغ.
وسنتناول كلاً منهما فيما يلي بالبحث بصورة موجزة:
الأجنة المجمدة (Frozen Embryoes) :
لقد انتشرت مراكز ما يسمى "أطفال الأنابيب" في البلاد العربية في الآونة الأخيرة لعدة أسباب منها المكاسب المالية الكبيرة التي يحصل عليها القائمون على هذه المشاريع، والشهرة، واهتمام الإعلام بهذه القضية، ووجود عدد ليس بالقليل يعاني من العقم ويشعر بالإحباط نتيجة فشل الوسائل الأخرى ولذا يتجه إلى أي علاج يتوسم فيه الأمل في حل معضلته المزمنة.
وعلى سبيل المثال في جدة ثلاثة مراكز لمشاريع "أطفال الأنابيب" كلها تجارية بحته، وفي عمان مركزان تجاريان ولست أدري كم هو عدد المراكز في القاهرة وغيرها من العواصم والمدن العربية.
وبما أن الأطباء يحرضون المبيض على إفراز أكبر عدد ممكن من البييضات بواسطة العقاقير (الكلوميد والبرجونال) فإن الطبيب قد يحصل على عدد وفير من البييضات. وقد ذكر الأستاذ الدكتور عبد الله باسلامه في بحثه (الاستفادة من الأجنة المجهضة والفائضة في زراعة الأعضاء وإجراء التجارب، المقدم للمجمع الفقهي الموقر للدورة السادسة أنه أمكن استخراج خمسين بييضة من امرأة واحدة. وأن أحد مراكز أطفال الأنابيب كان لديه ٢٠٨ ١ جنين فائض أودعت الثلاجة وجمدت من ٤٣٢ امرأة أجريت لهن عملية "طفل الأنبوب ".
стр. 9211
وهذه الأجنة تسمى كذلك تجاوزاً وإلا فهي مرحلة ما قبل الجنين وتتكون من ٤- ٨ خلايا تقريباً مجمدة بالنتروجين السائل.
وهذه اللقائح يمكن استنباتها وجعلها تنمو. وقد وافقت لجنة وارنك البريطانية على استنباتها وتنميتها إلى اليوم الرابع عشر الذي يظهر فيه الشريط الأولي (Prinitive Streak) الذي يعتبر البداية الأولية للجهاز العصبي لإجراء التجارب على هذه الأجنة الفائضة عن الحاجة بشرط أن يوافق الأبوان على ذلك (١)(٢)
وكذلك وافقت اللجنة الأخلاقية لدراسة استخدام الأجنة المجمدة في الولايات المتحدة على استخدام الأجنة المستنبتة حتى اليوم الرابع عشر من نموها (٣)
وقد تحدد اليوم الرابع عشر باعتباره بداية ظهور الشريط الأولي (Primitive Streak) الذي يتكون منه الميزاب العصبي (Neural Groove) .
ولكن الجدل لا يزال محتدماً حول المدة التي يمكن أن يسمح بها لتنمية هذه الأجنة لاستخدامها في مجال الأبحاث أو الاستفادة منها في استخدام الأنسجة الجنينية.. ويحاول بعض العلماء والأطباء تمديد هذه المدة لتتجاوز اليوم الرابع عشر. وهناك اتجاه للإباحة لدى كثير من الدوائر العلمية ولكن لا يزال الموقف القانوني غير واضح حتى الآن في هذا المجال.
ويجادل كثير من الأطباء والعلماء حول أهمية هذه الاستخدامات لأن في ذلك معرفة للأمراض الوراثية المختلفة، كما يمكن أن توفر أنسجة الجنين مصدراً غنياً ثرياً للأعضاء، لأن أنسجة الجنين قابلة للنمو والانقسام وربما تكون أفضل من الناحية الوظيفية من الأعضاء التي تؤخذ من الموتى أو الأحياء المتبرعين.
стр. 9212
ويقول الدكتور إدواردز (أول من قام بمشروع أطفال الأنابيب مع د. ستبتو) : إذا كانت القوانين في البلاد الغربية وغيرها تبيح الإجهاض حسب الطلب، وبالتالي تقتل أجنة حية قد يكون عمرها بضعة أشهر، فالأحرى بهذه القوانين أن تسمح بإجراء التجارب العلمية على هذه الأجنة المجمدة والتي ستعود بالفائدة على البشرية (١)
ولا يقتصر استخدام الأجنة الفائضة على إجراء التجارب أو استخدامها في زرع الأعضاء (أنسجة الجهاز العصبي لعلاج مرض الباركنسونزم وخلايا جزر لانجرهان من البنكرياس لمعالجة البول السكري) ، وانما يمتد إلى آفاق أرحب لمعالجة أمراض العقم لمن يعانون منه. حيث يتم تنازل الوالدين عن الجنين الفائض لمن تعافي من العقم. كما يمكن استخدام الأجنة المجمدة في رحم مستأجرة. وهذه الوسائل للإنجاب قد بحثها السادة الفقهاء في المجمع الفقهي في دورتيه الثانية والثالثة، وقد أوضحوا حرمة استخدامها لأنها تدخل طرفاً ثالثاً في عملية الإنجاب.
وقد ذكر أصحاب الفضيلة الفقهاء في تلك الدورة أن على الأطباء الذين يعملون في مراكز "أطفال الأنابيب، في البلاد الإسلامية أن لا يلقحوا أكثر من بويضتين أو ثلاث، ثم تعاد هذه البويضات الملقحة إلى الرحم. وبذلك يسد باب اللقائح الفائضة أو الأجنة الفائضة.
الجنين بدون دماغ (Anencephaly) :
إن هذه التسمية ليست دقيقة، فالواقع أن هذه الأجنة أو الأطفال المولودين خداجاً أو في موعدهم لديهم جزء يسير من الدماغ هو جذع الدماغ. وبما أن مراكز اليقظة والتنفس والتحكم في الوظائف الأساسية للحياة موجودة في جذع الدماغ، فإن هؤلاء الأطفال يولدون وتكون لهم القدرة في أغلب الأحيان على التنفس الطبيعي الذاتي. كما أن قلوبهم تنبض ودورتهم الدموية سليمة. ولكن المشكلة الأساسية بالنسبة لهؤلاء الأطفال أن المناطق المخية العليا غير موجودة، ولذا ليست لديهم القدرة مطلقاً للإدراك أو حتى للإحساس بالألم..
стр. 9213
وتتوفى معظم هذه الحالات في خلال بضعة أيام بعد الولادة. ولكن هناك حالات عاشت أربعة أسابيع. وهناك تقارير تدعي أن بعض هؤلاء الأطفال عاشوا لمدة سبعة أشهر وهناك تقرير يدعي أن طفلاً عاش سنة ونصف (١)
المشاهد والمعروف لدى عامة الأطباء أن هؤلاء الأطفال لا يعيشون سوى بضعة أيام ثم يتوفون.
وبما أن هناك طفلاً بدون دماغ من كل ألفي ولادة تقريباً، فهناك عدد كبير من هؤلاء الأطفال في البلاد ذات الكثافة السكانية العالية.
الجنين أو الطفل المولود بدون دماغ:
إن هذه الحالة الشاذة والخطيرة تحدث بنسبة مولود واحد لكل ألف أو ألفي ولادة، ورغم أن هذه الحالة نادرة إلا أن مجموع الحالات المولودة بهذا الشكل في البلاد ذات الكثافة السكانية العالية غير قليل. ففي مصر على سبيل المثال حيث تتم ولادة مليون طفل كل عام، يتوقع أن يكون هناك ألف إلى ألفي طفل مولود بدون دماغ سنويا..
بعض العيوب الخلقية:
стр. 9214
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
* طفل حديث الولادة فاقد لنصف دماغه وقبوة الرأس ونصف الجمجمة ليس لدى هذا المخلوق من الدماغ إلا المخيخ والنخاع المستطيل الذي بواسطته يستطيع التنفس.. ومع ذلك فلا يستطيع العيش إلا لسويعات فقط وإن كان بعض هذه الحالات الشاذة قد عاش لعدة أيام.
стр. 9215
حالة مشابهة للصورة العليا.. طفل مولود بدون رأس تقريباً وبدون دماغ ما عدا النخاع المستطيل المسؤول عن المناطق الحيوية.. لقد عاش هذا الطفل عدة أيام بعد ولادته.
ورغم أن هؤلاء الأطفال فاقدون للمخ (cerebrun) إلا أن جذع الدماغ موجود، ولذا يتنفس معظم هؤلاء تنفساً طبيعياً، كما أن قلوبهم تنبض وعروقهم تتدفق فيها الدماء.
وبما أن هناك آلاف الأشخاص الذين ينتظرون زرع الكلى أو زرع الكبد أو زرع القلب ولا يوجد لهم أعضاء، إذ أن عدد المحتاجين للأعضاء أكثر بكثير من عدد الأعضاء المتوفرة (عن طريق الموتى أو المتبرعين من الأحياء بالكلى) .
стр. 9216
ونتيجة للنقص الشديد في الأعضاء المطلوبة للزرع لإنقاذ آلاف الأشخاص اتجه بعض الأطباء لمحاولة الاستفادة من هؤلاء الأطفال الذين لن يعيشوا سوى بضعة أيام على أكثر تقدير.
وواجهت هؤلاء الأطباء مشكلة عويصة، اذ لا تبيح القوانين والأعراف قتل إنسان حي بكل المقاييس، فقلب هذا الطفل ينبض ودورته الدموية يتدفق فيها الدم إلى كل الأجهزة والأعضاء وجذع دماغه لا يزال يعمل والتنفس طبيعي، فكيف يمكن أن يقدم شخص على قتل مثل هذا الطفل؟ إنها جريمة منكرة. وتنادى الأطباء والعلماء ورجال القانون ورجال الدين لدراسة هذه المشكلة.
وحاول بعض الأطباء أن يوجد مفهوماً جديداً لموت الدماغ، وهو موت المخ (ويقصد بالمخ (Cerebrun) المناطق المخية الموجودة في نصف الكرة من الدماغ والتي يوجد بها المراكز المخية العليا) . وعدم اعتبار جذع الدماغ. وهو أمر مناقض تماما لما تم الاتفاق عليه من قبل على اعتبار موت الدماغ بكامله ومن ضمنه موت جذع الدماغ كأساس لتعريف الموت.
وظهرت محاولات لجعل الطفل بدون دماغ (Anencephaly) يختلف عن حالات تعريف موت الدماغ وإخراجه من ذلك التعريف على اعتبار أنه حالة خاصة.
واحتدم الجدل لأن ذلك منزلق خطير جداً حيث تعتبر الحالات المماثلة لأناس عاشوا، ثم أصيبت المناطق العليا من أدمغتهم وأدى ذلك إلى أن يبقوا في حالة نباتيه مستمرة (persistent Vegetative State) ، وهي حالة يكون فيها الشخص فاقداً للوعي والإدراك فقداناً دائما ولكنه يستطيع أن يتنفس تلقائياً كما أن قلبه ينبض بالدم بدون أي مساعدة خارجية.
стр. 9217
وقد امتلأت المستشفيات بمثل هذه الحالات وأصبحت تشكل عبئاً كبيراً على اقتصاديات تلك البلدان ففي الولايات المتحدة يتم إنفاق ألف مليون دولار سنوياً على مثل هذه الحالات التي تعيش سنوات طويلة مؤلمة لأهلها وأقاربها. وقد تم تسجيل حالات موفقة عاشت بضعاً وثلاثين سنة.
وتم انعقاد عدة مؤتمرات لبحث هذه المعضلات وآخرها مؤتمر عالمي عقد في أوتوا بكندا في ٠ ٢- ٢٥ أغسطس ٩٨٩ ١ لمناقشة المشاكل الأخلاقية الناتجة عن مشاريع زرع الأعضاء بما فيها موضوع زرع الأعضاء من الأجنة وزرع الأعضاء من الأطفال بدون أدمغة، وقد حضرت هذا المؤتمر وشاركت فيه ببحث. ولم يصل المؤتمرون إلى قرار موحد في هذه القضية الشائكة، كما هو متوقع.
وكانت معظم الآراء تميل إلى اعتبار الطفل بدون دماغ مثل أي إنسان حي من حيث حرمة الاعتداء عليه. وبالتالي لا يجوز نزع أعضائه إلا بعد التيقن من وفاته، وبشرط أن يسمح والداه بذلك. ولكن المشكلة تأتي من أن تشخيص موت الدماغ في هذه الحالات ليس يسيراً، بل تكتنفه صعوبات جمة لأن عيوباً خلقية قد تكون موجودة في الأذن أو العين تمنع إجراء هذه الفحوص.
ولكن أهم هذه الفحوص على الإطلاق هو توقف التنفس. وهذا ما يتم إجراؤه بالفعل. فإذا ما توقف التنفس أسرع الأطباء إلى إجراء التنفس الاصطناعي وقاموا بنزع الأعضاء المطلوبة.
ويمكن اتخاذ إجراء آخر للمحافظة على الكلى مثلاً. وذلك بإدخال قسطرة إلى الشريان الكلوي لتغذية الكلية بمحلول خاص مثلج، ويستمر ذلك حتى تتبين أول علامة من علامات الموت وهي توقف التنفس فيسرع الأطباء بعملية التنفس الاصطناعي وأخذ الأعضاء المطلوبة.
قد يبدو لبعض الناس أن هذا الموضوع نظري أو على الأقل لا يزال بعيداً عنا في الولايات المتحدة وأوروبا.
ولكن سيفاجأ كثير من القراء بأن أقول لهم إن هذه العملية قد تم إجراؤها في جدة أربع مرات. وقد تم ذلك في مستشفى الشاطىء بجدة وأجرى هذه العملية الدكتور نبيل نظام الدين وهو أحد الجراحين المهتمين بزرع الكلى في المملكة العربية السعودية.
стр. 9218
وقد نشر بحثه ذلك في مجلة (Transplantation Proceedings ١٩٨٩, ٢١, ١٩٣٤-٢٩٣٥: (١.
وقد نجحت هذه العملية لدى خمسين بالمئة من حالاته. ولا شك أن مزيداً من الخبرة في هذا الميدان سيحقق نجاحاً أكبر.
ويجادل الدكتور نبيل نظام الدين بأن استخدام الأطفال بدون دماغ بعد التحقق من موتهم بالطريقة التي وصفناها سيوفر حوالي ألف كلية في مصر. وبالتالي يمكن زرعها في ألف مريض مدنف يعاني من الفشل الكلوي.
وإن اجراء عملية زرع الكلى من هؤلاء الأطفال غير معقدة، ويمكن لجراحي نقل الأعضاء اجراؤها بسهولة معقولة.. وقد لاحظوا أن هذه الكلى تنمو نمواً سريعاً في الشخص المنقولة إليه.
إن هذا الموضوع تكتنفه صعوبات جمة وأولها وأهمها التحقق من موت هذا الطفل إذ أن الفحوصات التي تجرى لإثبات موت الدماغ يصعب إجراؤها على مثل هذا الطفل ما عدا فحص توقف التنفس.
لهذا لا بد من أن يعلن الوفاة فريق آخر من الأطباء لا علاقة له بموضوع زرع الأعضاء على الإطلاق.
ولا بد أن يدرك الطبيب إدراكاً تاماً أن هذا الكائن المشوه أمامه إنسان حي له كافة حقوق الحياة المحترمة في الإنسان الحي. ولا يجوز لذلك الاعتداء على حياته أو تعجيل موته لأي سبب من الأسباب.
الأغراض التي تستخدم فيها الأجنة:
ا- أبحاث متعلقة بسلامة الجنين: وهذه تجرى والجنين لا يزال في رحم أمه. وغرضها إنقاذ حياة هذا الجنين ومداواة أمراضه. وهذا النوع من الأبحاث لا خلاف في إباحته بل في الندب إليه. لأنه يحقق مصلحة راجحة وهي إنقاذ حياة هذا الجنين أو مداواته من أمراضه الوبيلة.
٢- أبحاث متعلقة بنمو الأجنة وتركيبها ومعرفة وظائفها: وهذه تجرى من أجل العلم ومعرفة تركيب جسم الإنسان ووظائفه العديدة. ولا تجرى إلا على الأجنة الميتة.
٣- أبحاث تجرى على الأنسجة والأجنة لمختلف فروع العلم مثل علم الفيروسات وعلم المناعة وعلم الغدد الصماء وعلم البيوليجيا الجزيئية وعلم الجينات (المورثات) ... إلخ، وهذه تجرى على الأجنة الميتة وإن كانت بعض الأنسجة لا تزال حية. ويمكن في بعض الأحيان زرع أنسجة تتكاثر بدون توقف. وفي هذه الحالة على الأقل لا بد من إذن الوالدين.
стр. 9219
٤- أبحاث متعلقة باستخراج عقاقير وأدوية من المشيمة وكيس السلى والغشاء الكوريوني (المشيمي) واستخدامها ذاتها كعلاج للحروق وغيرها.. ولا يبدو أن هناك اعتراضاً على مثل هذا التصرف حيث تؤخذ الأجنة التي تم إسقاطها تلقائياً أو بسبب طبي. وإذا كان هناك من اعتراض فهو على إجراء الإجهاض بدون وجود سبب طبي. وهو موضوع آخر يتعلق بقضية الإجهاض.
٥- أبحاث متعلقة بزرع الأنسجة والأعضاء من الأجنة. وقد تمكن العلماء بالفعل من زرع خلايا لانجرهان من البنكرياس لعلاج مرض البول السكري (المتقدم) وزرع خلايا نقي العظام (Bone Marrow) لعلاج بعض أمراض نقص المناعة الوراثية وغير الوراثية وزرع خلايا الغدة الكظرية لعلاج مرض الباركنسونزم (الشلل الرعاش) . وكذلك نقل خلايا من الأنوية القاعدية في الدماغ (Basal Ganglia) لعلاج مرض الباركنسونزم.. كما تمت محاولات عدة لزرع خلايا من الجهاز العصبي لعلاج العديد من الأمراض الخطيرة مثل مرض الزهايمر (Al Zeheimer Disease) والذي يحدث فيه خرف مبكر (في سن الخمسين وما بعدها) ومرض رقص هنتنجتون (Huntington chorea) ، وهو مرض وراثي يظهر في سن الأربعين تقريباً ويزحف حثيثاً ليقضي على المريض في خلال بضع سنوات ولا علاج له حتى الآن.
وهذه الأبحاث تحتاج إلى وقفة لأن الأطباء يحتاجون إلى أنسجة حية لا إلى أنسجة ميتة لا نفع فيها.
ويمكن أن تكون الأنسجة حية في الجنين في الحالات التالية:
(أ) إذا تم الإجهاض بواسطة الشفط الخوائي (Suction by Vacuum) .
(ب) إذا تم تحريض الولادة بالبروستاجلاندين والأوكسيتوسن.
(ج) إذا تم شق الرحم (Hysterotomy) .
وفي هذه الحالات قد يكون الجنين حياً وقابلاً للحياة (٢٤ أسبوعاً فأكثر) فينبغي في هذه الحالة محاولة انقاذه وإنعاشه وتوفير كل الوسائل الممكنة للإبقاء على حياته. وهو أمر معاكس تماماً لغرض الإجهاض الذي تم.. ويشكل هذا الأمر معضلة قانونية وأخلاقية كبرى في الدول الغربية.. ولا يزال الجدل محتدماً بينهم حوله. ولكنهم متفقون على حرمة المساس به قبل موته. وخلافهم يندرج حول وجوب إنقاذه وإسعافه أو تركه ليموت.
стр. 9220
وقد يكون الجنين حياً عند خروجه من الرحم، ولكنه غير قابل للحياة المستقلة لأنه دون ٢٤ أسبوعاً ووزنه أقل من ٤٠٠ جرام مثلا.. وفي هذه الحالة اختلف أهل القانون والدين والطب في الغرب حول المساس بهذا الجنين واستخدامه في الأغراض العلمية واجراء الأبحاث ونقل الأعضاء. فمنهم من سمح باستخدامه ولو كان حياً. ومنهم من أصر على تركه حتى يموت ثم تستخدم أنسجته الحية لأغراض البحث العلمي وزرع الأعضاء.
وأما إن كان الجنين أقل من ٢٠ أسبوعاً فلا خلاف لديهم في السماح باستخدامه وأخذ أنسجته وأعضائه سواء كان به رمق حياة أم لم يكن به.
وكل ذلك بشرط موافقة الوالدين المسبقة على إجراء الأبحاث وزرع الأنسجة والأعضاء من جنينهم المطروح.
ونحن نرى أن الإجهاض الاختياري المحدث هو سبب في هذه المأساة، وقفل باب الإجهاض الاختياري (Elective Abortion) سيحد من وجود هذه الأجنة. وستبقى الأجنة المطروحة تلقائياً أو تلك التي طرحت بسبب طبي وهي محدودة نسبياً وأغلبها في مرحلة مبكرة من الحمل.. ولذا يمكن استخدامها للأغراض العلمية وإجراء الأبحاث وزرع الأنسجة إن أمكن بشرط موافقة الوالدين المسبقة على ذلك.. ولا يجوز مطلقاً بأي حال من الأحوال الاعتداء على جنين حي سواء كان قبل عشرين أسبوعاً أو بعدها ما دامت علامات الحياة فيه ظاهرة من نبضات القلب ودوران الدم وحدوث التنفس، فإذا توقف ذلك كله فهو ميت. ويعامل معاملة الميت.
٦- بالنسبة للقائح المجمدة (الأجنة المجمدة تجاوزاً) : لا ينبغي الاحتفاظ بأي أجنة فائضة من مشاريع أطفال الأنابيب. وإنما ينبغي استخراج ثلاث بييضات فقط وتلقيحها وإعادتها إلى رحم المرأة صاحبة البييضة والملقحة بماء زوجها. باختصار ينبغي التأكد من عدم وجود طرف ثالث في عملية الإنجاب، ونعني بالطرف الثالث:
(أ) نطفة ذكرية (حيوان منوي) .
(ب) نطفة المرأة (البييضة) .
(ج) اللقيحة الجاهزة والتي تدعى أحياناً الجنين المجمد.
(د) الرحم المستأجر (Surrogate mother) .
٧- بالنسبة للاطفال المواليد بدون أدمغة ينبغي أن يعلن موتهم بواسطة فريق طبي لا علاقة له بمشروع زرع الأعضاء قبل أن يمكن الاستفادة من أعضائهم التي تبرع بها ذووهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خاتم النبيين واله وصحبه أجمعين.
الدكتور محمد على البار
стр. 9221
الاستفادة من الأجنة المجهضة أو الزائدة عن الحاجة
في التجارب العلمية وزراعة الأعضاء
إعداد
سعادة الدكتور مأمون الحاج علي إبراهيم
رئيس قسم أمراض النساء والولادة
بمستشفى الولادة – الكويت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غاية هذا البحث هي دراسة مدى إمكانية الاستفادة من الأجنة الفائضة عن الاستنبات أو المجهضة في التجارب العلمية أو أخذ أعضاء منها لزراعتها في الآخرين. سأتناول هذا الأمر بعون من الله في مقدمة ومبحث وخاتمة. مقدمة نعرف فيها معنى كلمتي الإجهاض والأجنة ثم ما حرمة هذه الأجنة الفائضة والمجهضة من الناحيتين الشرعية والطبية؟ ثم بعد ذلك نتناول موضوع الحاجة للتجارب العلمية والحاجة العلاجية لنقل الأعضاء من هذه الأجنة، ثم نخلص إلى خاتمة البحث بإيجاز.
كلمة إجهاض: كما وردت في معاجم اللغة أو كما استعملها الفقهاء هي إلقاء الحمل ناقص الخلق أو ناقص المدة سواء كان من المرأة أو غيرها، وقد أطلق مجمع اللغة العربية كلمة إجهاض على خروج الجنين قبل الشهر الرابع وكلمة إسقاط على إلقائه ما بين الشهر الرابع والسابع، في هذا البحث نستخدم كلمة إجهاض بمعناها الطبي لتعني المعنيين المذكورين مع استثناء للجنين الذي تبدو عليه علامة من علامات الحياة أو ما دل على حياة في العرف والعادة من استهلال أو حركة أو سعال أو تنفس أو حركات غير ظاهرة كدقات القلب يثبتها أهل الخبرة من الأطباء والمتخصصين، فمثل هذا الجنين يكون مولوداً ناقص النمو فإن مات تجرى عليه أحكام الموتى ومنها ما تقتضيه الضرورة كالتشريح أو أخذ الأعضاء للنقل وهذا يحتاج إلى موافقة الوالدين، أما الإجهاض فحرمته أقل وعادة لا تحتاج إلى الموافقة لإجراء الفحص عليه. أرجو أن أشير هنا أنه في كثير من حالات الإجهاض نتحصل فقط على بقايا متفتتة من الأنسجة والخلايا لا تصلح للاستنبات ولا هي بالأعضاء الصالحة للنقل.
أما كلمة الأجنة: فتدل على الاستتار وتعني الاستتار داخل الرحم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (الآية. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ الآية. ومنها الجن والجنون واستعمالنا لها في هذا البحث يكون استعمالا مجازياً لتشمل البييضات الملقحة في المختبر، وربما تكون كلمة بييضة ملقحة أو كلمة مضغة أكثر دقة وأرى أن من الضروري الإشارة إلى هذه المعاني عند كتابة التوصيات، وقد جاء في توصيات ندوة الرؤيا الإسلامية لبعض الممارسات الطبية أن البييضات الملقحة ليس لها حرمة شرعية من أي نوع ولا احترام لها من قبل أن تنغرس في جدار الرحم وأنه لذلك لا يمنع إعدامها بأي وسيلة، وبناء على هذه التوصية نقوم الآن بإعدام هذه البييضات الملقحة الزائدة عن الحاجة أو الفاسدة، ونعتقد أن هنالك ضرورة لإجراء البحث العلمي عليها بدلاً من إعدامها ورميها لأن الضرورة في النهاية ضرورة علاجية ولأن البحث العلمي والعلاج أمران متلازمان ولابد أن يسبق البحث العلاج لتحديد نوع هذا العلاج ومدى الاستفادة منه وعدم الضرر من تناوله.
стр. 9222
فما هي الحاجة لإجراء البحث العلمي على الأجنة المجهضة أو الفائضة؟:
* أولاً- الإجهاض:
نحن الأن نقوم بإجراء البحث عليه لمعرفة أسبابه والتي ربما تكون متعلقة بالعوامل الوراثية كقصور الجينات أو عدم انفصالها أو ناتجة من أحوال بيئية كالإصابة ببعض الأمراض في الشهور الأولى من الحمل أو التعرض للأشعة السينية أو المواد الكيميائية السامة وغير ذلك، وعادة ما يتم البحث بواسطة التشريح لبقايا الإجهاض أو استنبات بعض من خلاياه وإجراء الفحص المخبري عليها لتحديد مدى القصور ونوعه ولتلافي حدوثه إن أمكن في أحمال لاحقة. ويعرف طبياً أن التشوهات الخلقية أو الولادية هي السبب الرئيسي للإجهاض في الشهور الأولى للحمل، وقد اقتضت حكمة الحكيم الخبير التخلص من هذه الأجنة المشوهة في وقت باكر من الحمل.
* ثانياً- إجراء البحث على البييضات المخصبة الفائضة:
وهي كما تعلمون نتاج لتقنية الإخصاب خارج الرحم المتعارف عليها باسم طفل الأنبوب.
وأود أن أشير هنا إلى أنه لولا البحث العلمي الدؤوب والمتواصل في هذا المجال ما توصلنا إلى هذا الكشف العلمي الذي أصبح مفخرة للطب والذي استفاد ويسفيد منه الآلاف في بلادنا وغيرها من بلاد الله والذي يسر علاج حالات كثيرة من حالات العقم المستعصية وقبولنا بشرعية هذه الوسيلة العلاجية يعني إقرارنا لما سبقها من جهد وبحث وما حرم فعله حرم طلبه وما حرم أخذه حرم إعطاؤه. والبحث العلمي في البداية ركز على شيئين أساسيين:
أولهما: تطوير وإجادة هذه التقنية نفسها من إعطاء الهرمونات للزوجة وشفط للبييضات من المبيض ثم في المجال المخبري من تهيئة الوسط الكيميائي والحراري والغازي المطلوب ليتم التقاء الحيوان المنوي مع البييضة ثم الإخصاب والانشطار والنمو وبعد ذلك إرجاع البييضات المخصبة المنقسمة إلى رحم الأم.
ثانيهما: البحث للتأكد من سلامة الإخصاب وعدم حدوث التشوهات الخلقية. والضرورة العلمية لإجراء مثل هذه البحوث ما زالت قائمة وقد ذكرت هذا في بحث سابق وأوجزها الآن في ما يلي:
ا- إن نسبة النجاح في تقنية الإخصاب خارج الجسم مازالت متدنية وهي حوالي ١٥ % فقط من عدد المرضى تحت العلاج في معظم المراكز وإذا أردنا رفع هذه النسبة فلابد من إجراء البحث العلمي وعلى وجه الخصوص للتركيز على معرفة فشل البييضات المخصبة المعادة إلى داخل الرحم في العلوق ونسبة النجاح عالية في الخطوات السابقة وأعني بها تحفيز المبيض على التبييض ثم شفط البييضات وإخصابها. كما أننا نسعى لدراسة طرق حفظ البييضات أو البييضات المخصبة حتى يستفاد منها في دورات طمثية قادمة وهذا يتم بواسطة التجميد، ونود أن نجري البحوث اللازمة لنطمئن على أن هذه الفترة الطويلة من التجميد والتدفئة لم تحدث خللاً في هذه البييضات ربما يؤدي إلى تشوهات خلقية بعد إخصابها وقد أثبتت التجارب في الحيوانات المخبرية أن فرص الإخصاب بأكثر من حيوان منوي تزداد بعد تجميد البييضات وحفظها لمدة طويلة.
стр. 9223
٢- البحث في العقم عند الذكور: وقد دلت الدراسات على أنه يشكل نسبة ٢٥- ٤٠ % من حالات العقم علما بأن نسبة العقم عند الزوجين قد تصل إلى ١٧ % ووسائل التشخيص المتاحة لمعرفة عقم الرجال غير دقيقة مقارنة بوسائل تشخيص عقم النساء، إذ أننا لا نستطيع حتى الآن أن نتبين على وجه الدقة ما يمنع بعض الحيوانات المنوية من التلقيح وما السبب أحياناً في اختراق أكثر من حيوان منوي للبييضة؟ وهذا في حالة حدوثه تصبح البييضة فاشلة فإن نمت فإنها تتحول إلى حمل عنقودي أو سرطاني وكلاهما يهدد حياة الأم. هنالك أيضاً حالات عقم الرجال الناتج عن قلة شديدة في عدد الحيوانات المنوية أو ضعف في حركتها وتجرى البحوث الآن لحقن هذه الحيوانات داخل البييضة بعد إحداث شرخ في جدارها، ويتم ذلك تحث المجهر لملاحظة الالتئام بين نواتي الحيوان المنوي والبييضة ثم تتبع النمو بعد ذلك ... أود أن أشير إلى أنه في الدول الأخرى تعالج مثل هذه الحالات من عقم الرجال بوساطة التلقيح الصناعي من بنوك المني، وبما أن شرعنا لا يجيز التلقيح الصناعي من غير الزوج كما أن نسبة عقم الرجال عندنا عالية فإنني أرى أنه من الواجب إجراء مثل هذه الأبحاث وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٣- دراسة حالات الإجهاض المتكرر: وهنا نلاحظ أن الإجهاض المتكرر يعتبر من المشاكل الطبية المستعصية وقد يكون نتاجاً لقصور في جينات البييضة الملقحة التي تتحكم في عوامل النمو أو عوامل العلوق في جدار الرحم، لأننا أحياناً نشاهد تحت المجهر بييضات تتخصب ولكن بعضها ينمو نمواً غير طبيعي من البداية فتضمر وتنكمش وتتفتت وهنالك ضرورة في مثل هذه الحالات لإجراء البحث لمعرفة أسباب ذلك.
٤- دراسة الصفات الوراثية في حامض النوييك (DNA) في البييضة المخصبة لتشخيص الأمراض الوراثية لمحاولة علاجها في المستقبل وهنالك مثلاً بعض هذه الأمراض تصيب الذكور دون الإناث- والذي يحدث الآن هو أن تؤخذ بعض خلايا المشيمة خلال الشهور الأولى للحمل وتجرى عليها التحاليل، فإن دلت النتائج على وجود مرض وراثي تم إجهاض للجنين إن كان ذلك مباحاً - وأرى أن من الأفضل أن تؤخذ عينات من البييضات المخصبة وهي في المختبر ليتم استنباتها ثم تجرى عليها التحاليل لاستبعاد تلك التي يثبت فيها مرض وراثي ويعاد إلى رحم الأم تلك التي ليس بها مرض وراثي، أضف إلى ذلك أن الأمل معقود في المستقبل بإذن الله لمعرفة الجين المسؤول عن كل مرض وراثي وإصلاحه بما يسمى بالهندسة الجينية والتي أرى أن مجال أبحاثها سيتركز في البييضات المخصبة في المختبر قبل إعادتها إلى داخل الرحم.
стр. 9224
٥- دراسة التشوهات الخلقية الناتجة من العوامل البيئية والتي ذكرت منها على سبيل المثال سابقاً الإصابة ببعض الأمراض أو التعرض للأشعة السينية أو المواد الكيميائية السامة أو عوامل أخرى كثيرة لا نعلمها والبحث في البييضات المخصبة قد يؤدي إلى معرفة هذه العوامل الكثيرة المجهولة فتنصح الحامل أو التي في نيتها الحمل بالابتعاد عنها.
هنالك مجالات أخرى متعددة يمكن الاستفادة منها من إجراء البحث على البييضات المخصبة الزائدة عن الحاجة كمجالات تحديد النسل وطرق منع العلوق ودراسة حالات الحمل المتعدد وطرق انقسام البييضة الملقحة التي ينتج منها الحمل التوأمي المطابق وغيرها.
أما الناحية العلاجية فتتركز إمكانية الاستفادة منها في المجالات الآتية:
ا- الأجنة المجهضة: وهي غالباً ما تكون متفتتة وغير صالحة للإفادة منها، كما ذكرت سابقاً، أما حالات الإجهاض المتقدم أو السقط فيمكن الاستفادة من بعض أعضائها ونقلها إلى حي، ونحن نعلم أن الفتوى الشرعية أجازت نقل أعضاء الميت إلى الحي وفي هذا إبقاء لها في استدامة الحياة لحي، وحيث إن الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف فالأولى الأخذ من الجنين المجهض، وهذا ضرر أخف ويستفاد الآن من بعض أعضاء الأجنة المجهضة مثل غدة البنكرياس في علاج حالات مرض البول السكري والنقي العظمي في حالات سرطان الدم، ويلاحظ أنه لم تنجح حتى الآن عمليات نقل الأعضاء كالكلى والكبد والقلب لصغر حجمها.
٢- إمكانية الاستفادة العلاجية من البييضات المخصبة: وهي إن تركت في المختبر ولم تستنبت عادة لا تنمو لأكثر من خمسة إلى ستة أيام وعندها تبدأ الخلايا في الانقسام إلى خلايا مشيمية وخلايا جنينية، أما في اليوم الثاني عشر فتظهر خلايا الجهاز العصبي وخلايا الجهاز الدوري من قلب وأوعية دموية. وخلايا الجنين في هذه الأطوار ليست بها خاصية وجود المستضدات علما بأن المستضدات إن وضعت في جسم غريب أثارته لإنتاج الأضداد التي تقضي عليها. فخلايا الجنين في الأطوار الأولى لا ترفضها الأجسام وبالتالي يمكن أخذها بعد مرور أسبوعين أو ثلاث من إخصابها ونقلها إلى أطفال أو كبار يشكون من عاهات في أجسامهم على سبيل المثال حالات الشلل النصفي أو الشلل الرباعي الناتج عن وجود فجوة أو ثغرة في النخاع الشوكي يمكن معالجته بخلايا من الجهاز العصبي الجنيني فتنمو هذه الخلايا وتشكل ضفائر عصبية وتصبح جسراً يسد تلك الفجوة أو الثغرة.
وخلايا غدة البنكرياس للأطفال المصابين بمرض السكري وخلايا الكلى لمرضى الفشل الكلوي وكل هذه الآن في أطوار البحث والأمل معقود على نجاح هذه الأبحاث.
وفي الختام أرجو أن أخلص إلى مجالات الاستفادة من الأبحاث على الأجنة الفائضة والمجهضة كثيرة والفائدة العلاجية المرجوة منها كبيرة، ولا أرى فيما يبدو لي حرمة شرعية أو طبية أو عقلية تمنع مثل هذه الأبحاث، بل أرى أن من الواجب تشجيع مثل هذه الأبحاث والحث عليها وذلك لفائدتها الطبية.
وبالله التوفيق.
الدكتور مأمون الحاج إبراهيم
стр. 9225
حكم الاستفادة من الأجنة المجهضة
أو الزائدة عن الحاجة
إعداد
فضيلة الدكتور عبد السلام داود العبادي
عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم المبعوث رحمة للناس أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن التزم بشرعه إلى يوم الدين.. وبعد:
(١) فإن التوجه لدراسة القضايا الطبية المعاصرة بنظر شرعي أصيل يستحق كل دعم وتشجيع، لأنه يحدد الحكم الشرعي في هذه القضايا، ويعيد البحث العلمي إلى أطر أخلاقية تصونه من الانفلات والإضرار بالحياة الإنسانية.
ورغم التقدم الطبي الهائل الذي تحقق في العقود الأخيرة إلا أنه يلاحظ قدر كبير - من الخروج على الأطر الخلقية والدينية في مجالات البحث والتجارب والعلاج- يهدد مسير الحياة الإنسانية ويعرضها لأفدح الأخطار.
فلا بد أن تعلو الصيحات والتحذيرات وتهتم اللقاءات والقوانين والدراسات بتأصيل المسيرة الطبية الإنسانية على هدي من الإلتزام بأحكام الله تعالى وقواعد الأخلاق التي ما كانت إلا لخير الإنسان ومصلحته في الدنيا والآخرة.
والإسلام إذ يدعو إلى النظر في الكون والحياة والإنسان ويشجع كل بحث علمي مفيد يهتم في الوقت نفسه بالمحافظة على حياة الإنسان وصيانتها، ويندد بكل أنواع الاعتداء عليها، بهدف صيانة كرامة الإنسان والاهتمام بحق الحياة في كل إنسان، والاحترام لسائر أعضائه ومكوناته، والحرص على منع الاختلاط بين الأنساب والحماية للأسرة والمجتمع من كل ما يعود عليها بالإفساد والضرر.
ويعالج هذا البحث حكم الاستفادة من الأجنة في التجارب العلمية والعلاج وزراعة الأعضاء ... وهو موضوع يظهر فيه بكل وضوح التقاء البحث العلمي المبدع والتقدم الطبي الفذ مع نماذج من التفلت من أحكام الشريعة الإسلامية بخاصة وتوجيهات الأديان بعامة وقواعد الأخلاق والقوانين، ويتمثل ذلك في الاعتداء على الأجنة وانتزاع الأعضاء منها لأغراض علاجية، وفي الحصول على الولد بصرف النظر عن أي اعتبار تلزم به القيم والمبادىء والأخلاق ... بل ودون رقابة كافية تمنع الفساد والانحراف حتى وصل الأمر إلى استنبات الأجنة واستيلادها لغرض الحصول على أعضائها تجارة غير مشروعة في حياة الإنسان.
стр. 9226
لذا فإن من الأمور التي يجب أن يهتم بها في المؤتمرات والندوات واللقاءات التي تبحث مثل هذه المواضيع هو الخروج بتوصيات عملية محددة تحفظ مسيرة الحياة الإنسانية وتصونها من العبث والانحراف سواء أكان ذلك بمعالجة الأمور من النواحي العلمية أو التشريعية أو الاجتماعية أو عن طريق الاتفاقات الدولية أو في إطار المؤسسات والمنظمات القائمة محلية وإقليمية ودولية.
تقسيم:
(٢) وواضح أن هذا البحث يدور على تصرفين في مجالين.
أما التصرفان فهما:
ا- الاستفادة من الأجنة بأخذ أجزاء أو أعضاء منها لمصلحة إنسان آخر لأغراض علاجية.
٢- الاستفادة من الأجنة بإجراء التجارب عليها لأغراض علمية.
والمجالان هما:
ا- الأجنة التي حملت بها المرأة لفترة ثم أجهضت.
٢-الأجنة الفائضة من الاستنبات في المختبر لأغراض عمليات أطفال الأنابيب.
ونبين فيما يلي حكم كل من التصرف في كل مجال من المجالين على حدة.
أولاً- حكم الاستفادة من الأجنة المجهضة:
(٣) المقصود بالجنين هنا الحمل المستكن في الرحم في أي مرحلة كانت قبل الولادة، والمقصود بالإجهاض إخراج أو إلقاء الحمل ناقص الخلق أو ناقص المدة أو هو إسقاط الحمل بعد استقراره في الرحم قبل التخلق، وبعده (١) وميز مجمع اللغة العربية في المعجم الوسيط بين الإسقاط والإجهاض، فجعل الإجهاض في خروج الجنين قبل الشهر الرابع والإسقاط بين الشهر الرابع والشهر السابع، أما بعد ذلك فخروج الجنين يسمى ولادة، وهناك ثلاث مراحل رئيسة يمر بها الجنين في رحم أمه قبل الولادة:
ا- المرحلة السابقة لتخلق الجنين.
٢- مرحلة تخلق الجنين وتصوره.
٣- مرحلة اكتمال نمو الجنين قبل الولادة.
стр. 9227
(٤) والإجهاض قد يكون تلقائياً أو طبيعياً، وقد يكون غير تلقائي أو غير طبيعي، والمقصود بالإجهاض التلقائي أو الطبيعي خروج الجنين من الرحم لعدم قدرته على النمو والاستمرار لأسباب طبيعية بحتة، فالله يقول: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [سورة الحج: الآية ٥] .
فدلالة الآية واضحة على أنه ليس كل جنين يتكون في الرحم يستمر ليخرج طفلاً.
وأما الإجهاض غير الطبيعي أو غير التلقائي فهو الإجهاض الذي يعود لأسباب خارجة عن نمو الجنين نفسه واستمراره في الرحم، إنما يعود لأسباب خارجة أي بفعل فاعل، وهذا الإجهاض قد يتم خطاً وقد يتم عمداً وعدواناً، وهو عندما يتم عمداً وعدواناً قد يكون لغرض الاستفادة من الجنين وقد يكون للاعتداء عليه أو على أمه فحسب.
(٥) والواقع أنه عند التدقيق في مسألة الاستفادة من الأجنة المجهضة فإن الحكم يختلف باختلاف نوع الإجهاض من الأنواع السابقة، وباختلاف المرحلة التي جرى فيها الإجهاض من حياة الجنين في رحم أمه.
فإذا كان الجنين المجهض غير مخلق فلا تتصور الاستفادة من هذا الجنين في مجال زراعة الأعضاء، إنما تتصور الاستفادة منه في العلاج الطبي وفي إجراء التجارب العلمية، أما الجنين المخلق أو المكتمل نموه فإن صور الاستفادة الثلاث متصورة.
فإذا كان الإجهاض قد تم عمداً لأغراض الاستفادة من الجنين في صورها أعلاه فإن الإجهاض نفسه محرم، والاستفادة من الجنين محرمة سداً للذريعة ودرءاً للفساد وتفويتاً لقصد الجاني، وحماية لحياة الجنين.
وأما إذا كان الإجهاض قد تم تلقائياً " أو خطأ أو عمداً" بقصد الاعتداء عليه أو على أمه فحسب دون قصد الاستفادة (١) فلا بد من النظر إلى المرحلة التي وصلها نمو الجنين: فإن كان مكتمل النمو وخرج حياً فلا يجوز المساس به أو الاعتداء عليه وتهديد حياته بأي صورة من الصور وكل فعل من ذلك يعتبر قتلاً له أو شروعاً في قتله، وهو حرام قولاً واحداً.
стр. 9228
وأما إذا كان مكتمل النمو ولم يخرج حياً أو كان غير مكتمل النمو (مخلقاً أو غير مخلق) وهناك قطع طبي باستحالة حياته فيجوز الاستفادة منه لأغراض العلاج الطبي الموثوق للأحياء وضمن الشروط المقررة لجواز الاستفادة من أعضاء جسم الإنسان لمصلحة إنسان آخر مثل ضرورة موافقة الولي وأن يكون ذلك دون مقابل مادي، وأن تتعين هذه الاستفادة لصيانة حياة المستفيد أو وظيفة أساسية من وظائف الجسم على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعاً، أما الاستفادة من هذه الأجنة لأغراض إجراء التجارب العلمية فإن ذلك يجوز في حدود الضرورة تحقيقاً للمصالح الشرعية المعتبرة، ودون مثلة أو اعتداء على كرامتها الإنسانية، أما إجراء التجارب لأغراض الترف العلمي أو دون هدف مشروع واضح فإنها لا تجوز حماية لكرامة الإنسان وحرصاً على الاستعجال في دفنها كما هو مقرر شرعا.
حكم الاستفادة من الأجنة الفائضة عن الحاجة في عمليات أطفال الأنابيب:
(٦) المقصود بالأجنة الفائضة عن الحاجة في عمليات أطفال الأنابيب كما بين ذلك الأطباء المختصون: الأجنة التي تم الحصول عليها بالتلقيح الاصطناعي خارج الرحم ذلك أن عملية طفل الأنبوب تتطلب استخراج عدد من البويضات من مبيض المرأة، وتلقيحها خارج الرحم بالحيوانات المنوية وتتراوح في العادة من ٤- ٨ بويضات وقد تجاوز ذلك، ثم يقوم الأطباء بنقل ثلاثة من هذه اللقائح إلى الرحم بعد أن تبدأ في النمو، وأما الفائض فيحتفظ به بعد تبريده وتجميده انتظاراً لنتيجة الزرع في الرحم: هل ستنجح أم لا؟ فإذا لم تنجح تكرر العملية وبعد ذلك وفي العادة تظل هذه الأجنة مجمدة أو تتلف.
وموضوع الاستفادة من الأجنة الفائضة في غير زرعها في رحم الأم قضية مهمة ينظر لها من زوايا عديدة طبية وشرعية وقانونية واجتماعية.
(٧) ويتعلق بموضوع الأجنة الفائضة عن الحاجة بحث الأمور التالية:
ا- حكم استنبات العدد الزائد.
٢- حكم تنميتها في غير رحم الأم.
٣- حكم الاستفادة منها في التجارب العلمية.
٤- حكم الاستفادة منها في أغراض العلاج الطبي.
والواقع أن النقطتين الأولى والثانية ليستا من مشتملات هذا البحث المباشرة، ولكنهما وثيقتا الصلة به ... فأساس البحث في مشروعية الاستفادة من هذه الأجنة: هو القول بجواز استنبات العدد الزائد، أو أن هذا الزائد تمليه ضرورات هذه العملية، وهو محل البحث في النقطة الأولى: وعلى أساس القول بجواز الاستمرار بتنمية هذه الأجنة خارج الرحم وهو محل البحث في النقطة الثانية يرد البحث في موضوع الاستفادة من هذه الأجنة في مراحل نموها المختلفة وبخاصة بعد تكون الأعضاء.
стр. 9229
(٨) وقد كنت نبهت في مناقشات موضوع أطفال الأنابيب في الدورة الثانية لمجمع الفقه الإسلامي التي عقدت في جدة سنة ١٤٠٧ هـ- ١٩٨٦م إلى ضرورة بحث حكم الأجنة الفائضة عن الحاجة، فقلت في أثناء المناقشة (في الواقع لا أريد أن أكرر ما دار من نقاش، فقط أحب أن أشير إلى موضوع لم يوقف عنده في المناقشة، وهو الأمر الذي يجري الآن بالنسبة لأطفال الأنابيب بأخذ أكثر من بويضة وإعداد أكثر من جنين لتسهيل عملية الحصول على الولد، والتي تسمى الأجنة المجمدة: ما وقفنا عند هذه القضية ... وهي موضوع بداية الحياة ... هناك كثير من الآراء الفقهية الآن خاصة في موضوع الحديث عن الإجهاض تصر على أن بداية الحياة هي من لحظة اتحاد الحيوان المنوي بالبويضة، وبالتالي إذا أخذنا اللقيحة الأولى المرشحة ووضعناها في الرحم وتم الإنجاب، تلك ستتلف أو ستذهب إلى الاختبارات العلمية: فما هو حكم الإجهاز عليها؟ هل هذا يرشح قيداً جديداً على الذين أجازوا (أي عملية أطفال الأنابيب) بأن تتم العملية بالتدريج، بويضة بحيوان منوي، فإذا فشلت بدأنا بالعملية من جديد، وأنه لا يجوز أن تحضر مجموعة كبيرة من الأجنة، نقتل غير الناجح منها أو غير ما تم زرعه في الرحم وتم منه الولد، خاصة أن عملية الإجهاض الآن عملية نعاني منها معاناة كبيرة، وأيضاً تسبب محاذير كثيرة، فإذا أجزنا عملية قتل الأجنة في هذه الحالة بعد أن نأخذ منها واحداً (أو أكثر) وتتم عملية الولادة فإننا يجب أن. نأخذ هذا المنحى أيضاً في موضوع الإجهاض، أنبيح عملية قتل الأجنة في المراحل الأولى، وهو ما يتحفظ بعض العلماء عليه كثيراً في هذه الأيام؟) (١)
والواقع أن القرار قد صدر في الدورة الثالثة في موضوع أطفال الأنابيب دون إشارة لموضوع الأجنة المجمدة ... وقد قلت في الدورة الرابعة منبهاً إلى ضرورة بحث أو وضع بعض القيود على القول بالجواز بخصوص أطفال الأنابيب (بالإضافة إلى ما قرر من شروط) : قضية اللقائح المرشحة- وهذا تحفظ كنت أشرت إليه في بحث أطفال الأنابيب (في الدورة الثانية ولم ينبه عليه في الدورة الثالثة) - لا بد من إضافة قيد: أن لا يكون هنالك ترشيح لعدد كبير من اللقائح، لأنه حتى لو لم نستخدم منها في زرع الأعضاء فإننا قد ندخل في دائرة القتل فيما إذا سمحنا للأطباء بعد ذلك أن يتلفوها، أو لابد أن تكون اللقائح المرشحة بالقدر الذي يفي بعملية أطفال الأنابيب حتى لا تتولد عنها لقائح فيها الحياة، ثم بعد ذلك نقتلها أو نتيح للأطباء أن يفكروا في عملية الاستفادة منها في زرع الأعضاء (٢)
ذلك أن احترام الحياة الإنسانية يقتضي باتخاذ الإجراءات الطبية اللازمة لمنع ظاهرة الأجنة الفائضة بحيث لا يلقح من البويضات إلا ما سوف يزرع في الرحم.
стр. 9230
(٩) ويبين الأطباء (١) أن الأجنة الفائضة عن الحاجة في هذه الأيام وعلى ضوء التقدم الطبي الذي تم على ثلاثة أنواع:
الأول: لقائح قبل مرحلة تكون الجنين وتشكله وتكون اللقيحة دون مظهر إنساني، فهي عبارة عن مجموعة خلايا تصل إلى ٨ أو ١٦ خلية ولكل خلية قدرة كاملة على مواصلة الحياة وتكوين إنسان كامل.
الثاني: مرحلة بدء تصور الجنين وتشكله حيث تبدأ الخلايا باكتساب خصائص معينة ترتبط بأدوار هذه الخلايا في الجسم الإنساني مستقبلاً، وهي تبدأ من بلوغ مجموع الخلايا ٣٢ خلية فأكثر.
الثالث: مرحلة بداية تكون الجهاز العصبي في الجنين الذي يحس من خلاله وقد يتألم وهي تبدأ بعد مرور أسبوعين على الجنين في الغالب، وهذه المرحلة الثالثة من النادر ترك الأجنة للنمو إليها، فقد اقترحت لجنة وارنك البريطانية المكونة من أطباء ورجال دين وقانونيين السماح بتنمية هذه الأجنة إلى اليوم الرابع عثر وذلك قبل ظهور الشريط الأولي والميزاب العصبي في الجنين، وذلك لأن الجهاز العصبي هو البداية الإنسانية الواضحة المعالم للإنسان (٢) لذا فإن عملية زرع الأعضاء غير متصورة من هذه الأجنة، لعدم وجود أعضاء قابلة للنقل ولكن قد يستفاد من نقل بعض خلايا من تلك الأجنة لأغراض العلاج الطبي.
(١٠) والسؤال الآن بخصوص هذه الأجنة (٣) ما حكم الاستفادة منها لأغراض العلاج الطبي أو في مجال إجراء التجارب العلمية؟ الواقع أن إجابة هذا السؤال ترتبط بأمرين:
الأول: حكم استنبات العدد الزائد وهو ما أشرنا إليه سابقاً، فإن انتهينا بمنعه أو تحريمه فلا يجوز الاستنبات الزائد ولا يجوز الاستقاله منها حتى لا يقع الاستنبات الزائد لهذا الغرض، ولكن إذا قلنا بجواز الاستنبات الزائد لضرورات عملية أطفال الأنابيب فقط فهل يجوز الاستفادة منها؟ الإجابة على هذا السؤال ترتبط بالأمر الثاني.
стр. 9231
الثاني: هل لهذه الأجنة حرمة باعتبار كونها إنساناً مآلاً؟ فهل يجوز إتلافها وقتلها؟ وهل تجوز الاستفادة مها قبل ذلك أم أن اللازم هو انتظار زرعها في رحم الأم حتى تحين الفرصة المناسبة؟
(١١) لم يتعرض علماؤنا لحكم القتل أو الإتلاف لهذه اللقائح أو الأجنة لأنها من القضايا الحادثة ولكنهم تعرضوا لما هو مثلها من الأجنة وهي الأجنة التي تتكون في رحم الأم في المراحل الأولى. فقد بين فقهاؤنا حكم الاعتداء عليها، واختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب:
الأول: أن الجنين إذا أسقط بضرب ونحوه مضغة كان أو علقة أو ما يعلم أنه ولد ففيه الغرة ... والغرة باتفاق الفقهاء (١) هي الواجب في الجناية على الجنين الذي ترتب عليها انفصال الجنين عن أمه ميتاً عمداً كان أو خطأ، ومقدارها نصف عشر الدية الكاملة، مما ليس هنا مجال تفصيله.
الثاني: أن الجنين إذا أسقط لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه شيء.
الثالث: أن الجنين إذا أسقط لا شيء فيه حتى تنفخ فيه الروح، وذلك إذا بلغ عمره (١٢٠ يوماً) ، وقد ذهب إلى المذهب الأول جمهور المالكية، وذهب إلى المذهب الثاني الشافعية والحنبلية وجمهور الحنفية، وذهب إلى المذهب الثالث ابن رشد من المالكية وبعض الحنفية (٢) وفيما يلي ذكر لبعض النصوص التي توضح هذه المذاهب:
(أ) قال ابن قدامة في المغني: (فإن أسقطت- أي الأم- ما ليس فيه صورة آدمي فلا شيء فيه لأنا لا نعلم أنه جنين، وإن ألقت مضغة فشهد ثقات من القوابل أن فيه صورة خفية ففيه غرة، وإن شهدن أنه مبتدأ خلق آدمي لو بقي تصور ففيه وجهان: أحدهما: لا شيء فيه لأنه لم يتصور، فلم يجب فيه كالعلقة، ولأن الأصل براءة الذمة فلا نشغلها بالشك، والثاني فيه غرة لأنه ابتداء خلق آدمي فأشبه ما لو تصور ... وهذا يبطل بالنطفة والعلقة) (٣)
(ب) وقد أوضح القرطبي المذهبين الأول والثاني فقال: (النطفة ليست بشيء يقيناً، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة إذا لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل ... فإذا طرحته علقة فقد تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال ما يتحقق به أنه ولد، وعلى هذا فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل تبرأ به الرحم وتنقضي به العدة، وهذا مذهب مالك ﵁ وأصحابه، وقال الشافعي: لا اعتبار بإسقاط العلقة وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط، فإن خفي التخطيط وكان لحما، فقولان بالنقل والتخريج. والمنصوص أنه تنقضي به العدة) (٤)
стр. 9232
(ج) وقال ابن العربي بعد استعراض بعض الأحكام التي تثبت للجنين إذا أسقط: (لا يرتبط به شيء من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقاً) (١) وقال أيضاً: (وما لم يتبين خلقه فلا وجود له) (٢) والمقصود الوجود الشرعي بحيث نرتب عليه الأحكام المقررة للجنين من صلاة عليه وتسمية وتغسيل وتكفين.
(د) وقال ابن رشد في بداية المجتهد مرجحاً المذهب الثالث: (واختلفوا في هذا الباب في الخلقة التي توجب الغرة، فقال مالك: كل ما طرحته من مضغة أو علقة مما يعلم أنه ولد ففيه الغرة) . .. وقال الشافعي: ... لا شيء فيه حتى تستبين الخلقة: والأجود أن يعتبر نفخ الروح فيه، أعني أن يكون تجب فيه الغرة إذا علم أن الحياة قد كانت وجدت فيه (٣)
(هـ) وفي حاشية ابن عابدين عن عدد من الفقهاء (أن الغرة لا تجب إلا باستبانة بعض الخلق، ولا تأثم المرأة في الإجهاض إذا لم يستبن بعض خلقه) (٤)(١٢) وقد وردت بعض الأحاديث النبوية التي تتحدث عن بداية تكون الجنين في مرحلة ما قبل التخلق ومرحلة ما قبل نفخ الروح:
(أ) فعن حذيفة بن أسيد الغفاري: ((إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يارب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ... الخ)) (٥)
(ب) وعن عبد الله بن مسعود، قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: ((أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)) (٦)
قال ابن رجب هذا الحديث متفق على صحته وتلقته الأمة بالقبول (٧) وقال:
(فهذا الحديث يدل على أنه يتقلب في مائة وعشرين يوماً في ثلاثة أطوار: في كل أربعين يوماً منها يكون في طور. فيكون في الأربعين الأولى نطفة، ثم في الأربعين الثانية علقة، ثم في الأربعين الثالثة مضغة، ثم بعد المائة وعشرين يوماً ينفخ فيه الملك الروح) (٨)
стр. 9233
(١٣) وقد أشار عدد من الآيات الكريمة إلى ذلك، نذكر منها:
(أ) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآيات ١٢ – ١٤] .
(ب) وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [سورة غافر: الآية ٦٧] .
(ج) وقال جل من قائل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [سورة الإنسان: الآية ٢] . ذهب كثير من المفسرين أن معنى نطفة أمشاج أي أخلاط بين ماء الرجل وماء المرأة (١)
(د) وقال سبحانه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [سورة عبس: الآيات ١٧ – ١٩] .
(هـ) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [سورة الحج: الآية ٥] .
(و) وقال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦] .
(ز) وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ [سورة القيامة: الآية ٣٨] .
(ح) وقال سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [سورة العلق: الآية ٢] .
(ط) وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [سورة فاطر: الآية١١] .
فهذه الآيات تشير إلى مراحل الخلق وتوضح أن مراحل النطفة والعلقة والمضغة قبل مرحلة خلق الإنسان وهو ما يعنيه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ ، وقد استدل ابن حزم بالحديثين السابقين على أن العلقة هي أول خلق الولد قائلاً: (معناه خلق الجملة التي تنقسم بعد ذلك سمعاً وبصراً وجلداً ولحما وعظاماً - فصح أن أول خلق الولد كونه علقة لا كونه نطفة وهي الماء) (٢) ويبين العلماء أن نفخ الروح يكون بعد المائة والعشرين يوماً قال القرطبي: لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوماً (٣) وقال النووي واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر (٤)
стр. 9234
قال الجصاص: وإنما ذكرنا أنه خلقنا من المضغة والعلقة، كما أخبر أنه خلقنا من النطفة ومن التراب ... ومعلوم أنه حين أخبرنا أنه خلقنا من المضغة والعلقة فقد اقتضى ذلك أن لا يكون الولد نطفة ولا علقة ولا مضغة، لأنه لو كانت العلقة والمضغة والنطفة ولداً لما كان الولد مخلوقاً منها إذ أن ما قد حصل ولداً لا يجوز أن يقال قد خلق منه ولد، وهو نفس ذلك الولد، فثبت بذلك أن المضغة التي لم يستبن فيها خلق الإنسان ليس بولد (١)(١٤) فإذا كان الخلق الإنساني لم يتم في مرحلة النطفة والعلقة والمضغة فما وضع اللقائح قبل نفخ الروح؟
هذا، وقد ذكر ابن القيم في التبيان في أقسام القرآن وابن حجر العسقلاني في فتح الباري أن علامة نفخ الروح في الجنين هو ظهور الإحساس والحركات العضلية الإرادية، ولا يكون ذلك إلا بتكوين الجهاز العصبي، ولا تظهر بوادره إلا في اليوم الأربعين أو الثاني والأربعين من عمر الجنين (٢)
فابن القيم يقول: (فإنه قيل الجنين قبل نفخ الروح فيه هل كان فيه حركة وإحساس أم لا؟ قيل: كان فيه حركة النمو والاغتذاء كالنبات، ولم تكن حركة نموه واغتذائه بالإرادة. فلما نفخت (الروح) انضمت حركة حسيته وإرادته إلى حركة نموه واغتذائه) (٣)
وقال ابن حجر: (ولا حاجة له (أي الجنين) حينئذ إلى حس ولا حركة إرادية لأنه حينئذ بمنزلة النبات، وإنما يكون له قوة الحس والإرادة عند تعلق النفس به) . فالعلماء يميزون بين الحياة النباتية والحياة الإنسانية، فالأولى فيها النمو والاغتذاء والثانية تتميز بوجود الحس والإرادة أي بتكون الجهاز العصبي.
(١٥) ولكن هل الحياة النباتية محترمة كالحياة الإنسانية؟ لقد بين العلماء أن احترام الحياة الإنسانية أهم وأولى من احترام الحياة النباتية، ولكن هذا لا يعني أن الحياة النباتية غير محترمة.
стр. 9235
يقول الإمام الغزالي: (وليس هذا (أي العزل) كالإجهاض والوأد، لأن ذلك جناية على موجود حاصل، والوجود له مراتب، وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت نطفة فعلقة كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشاً ... ومنتهى التفاحش في الجناية هي بعد الانفصال حياً) .
(وإنما قلنا مبدأ سبب الوجود من حيث وقوع المني في الرحم لا من حيث الخروج من الإحليل لأن الولد لا يخلق من مني الرجل وحده بل من الزوجين جميعاً) (١)(١٦) وعدم القول بالغرة لا يعني جواز الاعتداء، لأن الغرة تتعلق بوجود الإنسانية وفي هذه المراحل المتقدمة لم تبدأ الإنسانية، لذا لم تفرض دية الجنين وإن كان الاعتداء حراماً، فجماهير العلماء على تحريم الإجهاض، بمعنى إسقاط الجنين في أي فترة من فترات نموه سواء كان ذلك قبل نفخ الروح أم بعده إلا إذا كان هناك عذر قاهر.
وخالف بعض الحنفية وبعض الشافعية فأجازوا للأم اسقاط ولدها قبل الأربعين يوماً الأولى أي قبل أن يستبين، وقيل قبل المائة والعشرين يوماً الأولى أي قبل نفخ الروح، جاء في حاشية ابن عابدين: (قال في النهر: هل يباح الإسقاط بعد الحمل؟ نعم يباح ما لم يتخلق فيه شيء ولن يكون ذلك إلا بعد المائة والعشرين يوماً، ثم ناقش هذا وذكر أقوال العلماء بكراهية إسقاطه في هذه الفترة، فإن الماء بعدما وقع في الرحم مآله حياة إنسان وبين جواز الإسقاط لعذر ما دام الحمل مضغة أو علقة ولم يخلق له عضو، وقدروا تلك المدة بمائة وعشرين يوماً، وذكر أنه جاز لأنه ليس بآدمي وفيه صيانة الآدمي (٢)
стр. 9236
وبعد هذا الاستعراض لأقوال العلماء في موضوع إتلاف الأجنة في مراحلها الأولى فقد اتجه العلماء المعاصرون إلى التأكيد على ما ذهب إليه جماهير العلماء من المنع والتحريم لاعتبارات أخرى - في هذه الأيام - حماية للأسرة وصيانة للأخلاق، ولكن لا بد من القول هنا انه إذا كان من جملة التشديد في هذا العصر على تحريم الإجهاض اتخاذه وسيلة لتسهيل الزنا والاعتداءات الجنسية المحرمة حيث يخفي الإجهاض آثار ذلك فإن هذا الأمر غير متصور في الأجنة الزائدة عن الحاجة.
والواقع أن القضية في رأيي ترجع إلى أصل المسألة، فإذا أمكن منع هذه الظاهرة أصلاً فهذا أولى وأجدر بحيث لا تكون أجنة زائدة عن الحاجة إبقاءً لاحترام الحياة الإنسانية ومنعاً للأطباء الذين لا يلتزمون بالمبادىء والقيم الدينية والخلقية من العبث في هذه الحياة.
ولكن إذا وجدت هذه الأجنة الزائدة عن الحاجة لسبب أو لآخر، فيجب أن يكون طريقها ما خلقت له وهو العلوق في رحم أمها إذا فشلت عملية الزرع الأولى، وإذا نجحت فليتم زرع جديد في الوقت المناسب، ولكن لا يجوز قتلها ولا الاستفادة منها ما دامت أنها ستكون إنساناً كاملاً ولو احتمالاً. فهذه الأجنة مستقبلة للحياة ومستعدة لها بخلاف الأجنة المجهضة إذا قطع باستحالة حياتها.
وأخيراً أرجو من الله أن تتمكن الندوة من الوصول إلى الرأي السليم في هذا الموضوع الشائك على ضوء البحوث الأخرى والمناقشات التي ستجرى. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
"وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين".
الدكتور عبد السلام العبادي
стр. 9237
الاستفادة من الأجنة المجهضة والفائضة
في زراعة الأعضاء وإجراء التجارب
إعداد
سعادة الأستاذ الدكتور عبد الله حسين باسلامة
رئيس المجلس العربي لاختصاص أمراض النساء والولادة
ورئيس قسم أمراض النساء والولادة بكلية الطب جامعة الملك عبد العزيز – جدة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أولاً: الأجنة المجهضة
تقديم:
إذ تتبعناً مصير حمل حدث في رحم سيدة.. نجد أن مصير حوالي ٢٠ % من الأجنة للإجهاض التلقائي أو الطبيعي.. وإذا ما تتبعنا نسبة الإجهاض العام - أي نسبة الإجهاض الطبيعي والإجهاض الجنائي أو المتعمد - نجد أن النسبة ترتفع، وقد تصل إلى حوالي ٤٠ % من كل حمل!
وتجدر الإشارة هنا إلى أن في أمريكا وحدها قد تم إجهاض أكثر من ٢٥ مليون حمل في عام واحد، كما أوردت مجلة (Human Rights) عام ١٩٨٣م، وأشارت منظمة الصحة العالمية في تقريرها عام ١٩٨٤م أن حالات الإجهاض الجنائي أو المتعمد قد بلغت أكثر من ٢٥ مليون حالة سنوياً.
والإجهاض - الآن - إما أن يكون تلقائياً - أي طبيعياً - بمعنى أن الأرحام (تمج) تخرج ما بداخلها.. ويكون ذلك عادة لكون الجنين أو البويضة الملقحة غير قادرة على النمو والاستمرار.. وهذا مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ . [سورة الحج: الآية ٥] . ولقوله ﷺ : (اذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة مجتها الأرحام دماً) .
فالمضغة غير الصحيحة تمجها الأرحام.. وهو أكثر أنواع الإجهاض التلقائي.
وإما أن يكون الإجهاض إجهاضاً جنائياً أو متعمداً.. وفي هذه الحالة فإن نمو الجنين داخل الرحم يكون طبيعياً واستمرار الحمل يكون عادياً، ولكن لأسباب من صنع الأسرة أو المجتمع أو الطبيعة.. يجهض هذا الحمل.. أي أن الإجهاض يكون عادة لنطفة مخلقة.
إذن فالأجنة المجهضة تكون على نوعين:
(أ) نوع غير مخلق، وبالتالي ليس مكتمل النمو، وفي أغلب الأحيان ليس بها أولها أعضاء يمكن نقلها أو الاستفادة منها.
(ب) النوع الآخر، أجنة مخلقة، وهي قد تكون قد وصلت إلى مراحل من النمو، وتكون لها أوبها أعضاء قابلة للنقل والزراعة في الغير.
стр. 9238
إمكانية الاستفادة من الأجنة المجهضة:
إذا تجاوزنا السبب الذي أدى إلى الإجهاض (حيث إن بعض الأجنة المجهضة التي يمكن الاستفادة من بعض أعضائها.. والتي نتحدث عنها الآن في معظم المراكز الطبية، هي الأجنة المجهضة جنائياً أو متعمداً) .
فإنه طبياً، يمكن أن يقال: إن بعض تلك الأجنة يمكن الاستفادة منها.. ولكن الاستفادة من أعضاء الأجنة تتوقف - إلى حد كبير - على مدى نمو ذلك العضو في الجنين، فكما هو معروف أن الجنين في الأسابيع الثمانية الأولى من الحمل (طور النطفة والمضغة والعلقة) ليس له أعضاء أو أنسجة يمكن الاستفادة من نقلها.. وبعد تلك الفترة - أي بعد مرور ٦ -٨ أسابيع (شهرين من الحمل) - تأخذ أعضاء الجنين وأطرافه في النمو.. ويستمر النمو إلى مراحل متقدمة من الحمل، وكلما كان عمر الجنين عند إجهاضه كبيراً أو متقدماً في الحمل، كلما كانت أعضاؤه أكثر نمواً، والاستفادة منها أكبر.. بمعنى أن الأجنة المجهضة في الأشهر الأولى من الحمل لا تكون صالحة كثيراً لزراعة الأعضاء، ولكن الأجنة التي تستخرج من الرحم بعد الشهر الرابع أو أكثر - أي بعد مرحلة نفخ الروح - تكون أكثر فائدة في عملية نقل الأعضاء.
والخلاصة:
يمكن أن نوجز القول بالتالي: ان زراعة الأعضاء من الأجنة المجهضة ممكن طبيعياً ومفيد علمياً، ولكن لكي نحصل على الفائدة المرجوة، لا بد أن يكون الجنين المجهض قد وصل من النمو داخل الرحم إلى مرحلة كبيرة.. أي قد تعدت في نموه داخل الرحم مرحلة نفخ الروح (أربعة شهور) .. والمطلوب فيه أن يظل حياً أو أن تظل أنسجته حية إلى حين نقلها أو فصلها أو تجميدها.
والأسئلة التي تطرح نفسها في هذا الموضوع هي:
ا - من يملك حق التصرف في هذه الأجنة؟ الأبوان؟ أو المركز الطبي؟ أم أن هذا الجسد (جسد الجنين) ملك لله وليس لأحد الحق في التصرف فيه؟
٢ – هل الوسيلة التي تم بها إجهاض الجنين تؤثر في مشروعية الاستفادة منه؟ لأنه قد تتخذ عملية الاستفادة من نقل أعضاء الأجنة ذريعة لعملية الإجهاض؟!
٣ – الأعضاء التي تؤخذ للزراعة يجب أن تؤخذ من أجنة حية أو أجنة خرجت من بطون أمهاتها حية، وفي هذه الحالة نقل الأعضاء من الأجنة قد يؤذي تلك الأجنة أو بعضاً من حياتها.
стр. 9239
ثانياً: الأجنة الفائضة
لا شك أن عملية طفل الأنابيب – أو علاج العقم بالتلقيح الاصطناعي الخارجي - التي تتم الآن في مراكز كثيرة من العالم الإسلامي وغير الإسلامي، ينتج عنها أجنة فائضة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نتج من عملية طفل الأنابيب التي أجريت لـ (٤٣٢) امرأة في مركز واحد، نتج من تلك العمليات (٢٠٨ ١) جنين فائض أودع الثلاجة أو جمد!
وفي كل مركز من مراكز طفل الأنابيب الآن يوجد العديد من الأجنة الفائضة، حيث إن عملية طفل الأنابيب تتطلب الآن استنبات العديد من البويضات من المبيض عند المرأة تصل في عددها في المتوسط ما بين (٤ -٨) بويضات، وفي بعض الأحيان وصل عدد تلك البويضات إلى أكثر من ٥٠ بويضة.. وفي العادة تسحب كل تلك البويضات عن المبيض وتلقح في المعمل، وينقل منها ٣ أجنة فقط إلى رحم الأم، والفائض من تلك الأجنة يحتفظ به بعد تبريده وتجميده.
وبالتالي أصبح مصير الأجنة الفائضة يشكل قضية طبية وفقهية وشرعية مهمة، يضيق نطاق البحث - هنا - عن الخوض في كل أوجه تلك المشكلة، ولكن نكتفى بأن نشير إلى جانب واحد منها، وهو إمكانية الاستفادة من تلك الأجنة الفائضة في التجارب العلمية أو أخذ أعضاء منها لزراعتها، وقبل ذلك يجب أن نعرف من هو ذاك الجنين، أو من هي الأجنة الفائضة التي سوف تستفاد منها؟
من هو الجنين.. أو: ما صفات الأجنة الفائضة؟
بعد استخراج البويضة الناضجة من المبيض.. وإضافة الحيوانات المنوية إليها في أنبوبة الاختبار، ينتج عن ذلك بويضة ملقحة، نصف خلاياها من الأم والنصف الآخر من الأب.. وبعد ساعات (٤ – ٦ ساعات) تأخذ هذه البويضة الملقحة في الانقسام فتتحول الخلية الواحدة إلى خليتين ثم أربع ثم ثماني خلايا، وهكذا. وعلمياً أثبت أنه لو أخذت من هذه الخلايا خلية واحدة في هذه المرحلة لأمكن لهذه الخلية وحدها أن تتكاثر وينتج عنها شخص متكامل.. إذن في هذه المرحلة (المرحلة الأولى) من الحياة الإنسانية في المعمل يمكن أن نستخلص من البويضة الملقحة المنقسمة في هذا الطور، يمكن أن نحصل على ٨ أشخاص بدلاً من شخص واحد.
وأثبت علمياً أيضاً، أنه لو أخذت خلية من هذه المرحلة - من جنين – وضمت إليها خلية من جنين آخر لنتج عن ذلك شخص بالغ كامل..!
стр. 9240
إذن، فالجنين في مرحلته الأولى هو عبارة عن سلة بها خلايا متشابهة كل خلية منها لها القدرة الكاملة على النمو، وبعد تلك المرحلة - أي بعد مرحلة ٨ خلايا في الجنين - تتكاثر الخلايا وتتحول من ٨ إلى ١٦ و ٣٢ خلية، وهكذا ... وعندما تصل إلى هذه المرحلة من التكاثر تفقد الخلايا تلك الخواص الكامنة، أي القدرة على صنع شخص.. وتصبح لتلك الخلايا تخصصات، فكل خلية يصبح لها دور في صناعة الإنسان، أو الشخص الناتج.
وأطلق على تلك المرحلة من النمو (مرحلة التكاثر من خليتين، إلى أربع، إلى ثمان، إلى اثنين وثلاثين) .
مرحلة ما قبل الجنن (Preembryo) :
وهي مرحلة الأسبوع الأول من الحياة. وبعد الأسبوع الأول من الحياة، وبعد أن يصل عدد الخلايا داخل الجنين ٣٢ خلية، تأخذ الكتلة البشرية أو الجنين في التشكل، وتظهر داخله فراغات وتكتلات في الخلايا، ويصبح لتلك الخلايا خصائص وتخصصات، وتكرر هذه المرحلة - في الأسبوع الثاني من الحياة - وفي هذه المرحلة يطلق على الناتج اسم الجنين (Embryo) ، هذه التسمية هي السائدة في العرف الطبي الغربي.
إذن فالأجنة الفائضة، إما أن تكون في:
ا - مرحلة ما قبل الجنين (Preembryo) ، والتى هي عبارة عن مجموعة من الخلايا تصل إلى ٨ أو ١٦ خلية، ولكل خلية قدرة كاملة على مواصلة الحياة وأن تكون شخصاً كاملا.
٢ - مرحلة الجنين، وبها حوالي (٣٢ خلية) أو أكثر، وهي مرحلة ما يسمى: الجنين.
стр. 9241
والأجنة - في مرحلتها الأولى - ليس لها مظهر إنساني، إنما هي بويضة ملقحة في طريقها إلى العلق، ويقال علمياً إن ٣٠ % إلى ٤٠ % فقط من هذا النوع من الأجنة لو أتيحت لها الفرصة لواصلت النمو ليكون طفلاً، وهناك ثلاث وجهات نظر في حرمة هذه المرحلة توصل إليها لجان القيم والأخلاق والعلم في العالم الغربي:
ا – تعتبر هذه المرحلة - مرحلة ما قبل الجنين - مرحلة حياة إنسانية، ولها كل حقوق الحياة الإنسانية، وبالتالي فإن من حق كل هذه الأجنة في هذه المرحلة أن تنقل إلى رحم أمهاتها، ويمنع أي إجراء يؤذيها، ولا مانع من معالجتها بالتجميد والحفظ، ولا مانع من البحث عن مكوناتها إن كان البحث للاستدلال على وجود خلل خلقي بها من عدمه!!
٢ - وجهة النظر الأخرى، تقول: إن هذه المرحلة - مرحلة ما قبل الجنين - لا حرمة لها، وإنما مثلها مثل أي نسيج من الجسم البشري، وبالتالي فإنه - وبموافقة أولياء أمرها - يمكن التصرف فيها كيفما نشاء!
٣ - والرأي الثالث.. وهو الأكثر تداولاً.. فقد اتخذ أصحابه موقفاً وسطاً، ويقول: إن الجنين في هذه المرحلة يجب أن يحترم، وأن يكون له حقوق أكثر من النسيج المأخوذة من الجسم (Human Tissue) ، ولكن يجب أن لا يعامل معاملة الإنسان (Person ودليلهم في ذلك أن الجنين في هذه المرحلة له من الصفات والخصائص أكثر مما للنسيج، ولكنه أيضاً لم يصل - في تكوينه بعد - إلى خصائص الإنسان. عن محضر (The Ethic Committee of American Fertility Society ١٩٨٦) .
(بعد الأسبوع الأول) :
وبعد الأسبوع الأول، فإن الجنين يكون جنيناً متكاملاً قابلاً إلى مواصلة الحياة وإنتاج إنسان، وهو في هذه المرحلة أكثر تعقيداً، وخلاياه أكثر تخصصاً، لذا - وفي عرف لجان القيم والأخلاق والعلم الغربية - له حرمة وحقوق، ولكن حقوقه وحرمته تقل عن حرمة الطفل أو الشخص البالغ.
стр. 9242
وأقر بعضهم إجراء التجارب عليه إلى ما قبل الرابع عشر من عمره، حيث تظهر على الجنين بعد ذلك بداية الجهاز العصبي، أي ما يسمى (Premittive Stuk) ، أما بعد ذلك فسيكون للجنين جهاز عصبي.. يحس من خلاله، وقد يتألم.
الاستفادة من الأجنة الفائضة:
مما تقدم، يتضح أن الأجنة الفائضة (الفائضة عن عملية التلقيح الاصطناعي) ، هي: عبارة عن (سلة) من الخلايا عمرها أسبوع وأكثر قليلاً، وهي في مرحلة التكون، ولم يصل النمو فيها إلى مرحلة تكوين أعضاء.. مثل الكلى أو القلب الكامل أو الأطراف، حيث إنه لم يحصل إلى الآن أن نما أو نبت جنين في المعمل إلى مرحلة متقدمة.. وقد لا يحدث ذلك، فالأجنة في المعمل تنمو إلى مرحلة (٨ -٣٢) خلية فقط، ثم تنقل إلى أرحام الأمهات، أو تحفظ مجمدة في الثلاجة.
لذا، فإني: لا أرى - في الوقت الحاضر على الأقل - إمكانية الاستفادة من الأجنة الفائضة في عملية زراعة الأعضاء لعدم وجود أعضاء قابلة للنقل، ولكن قد يمكن الاستفادة من نقل بعض من خلايا تلك الأجنة الفائضة.
فكما ذكرت سابقاً: إن كل خلية من تلك الخلايا النامية تحمل في طياتها القدرة الكاملة على تكوين أنسجة الإنسان، فقد يكون في نقلها إلى الإنسان نوع من المعالجة لبعض معاناته وأمراضه، وإذا تم ذلك، فإنه سوف يكون له مردود علمي كبير على الإنسان.
وفي رأيي: إن الاستفادة من تلك الأجنة الفائضة - في مثل هذه الأمور - (نقل بعض الخلايا وزراعتها في إنسان آخر) أفضل بكثير من إتلاف تلك الأجنة، ففي إتلافها أو قتلها نوع من الوأد لها!!
فمن مشاكل الأجنة الفائضة أو المجمدة، أنها إذا لم تستعمل فقد تكون عرضة لإجراء التجارب عليها أو إتلافها.
стр. 9243
إجراء التجارب على الأجنة:
طرحت، وتطرح هذه القضية على مختلف الهيئات الدولية العلمية العالمية،
فإجراء التجارب على الأجنة (الإنسانية) مجال جدل كبير، لما لها من نتائج علمية، والرأي السائد عالمياً (في أمريكا وبريطانيا وغيرهما) هو الموافقة على (استخدام الأجنة في البحث العلمي حتى اليوم الرابع عشر من نموها أو من عمرها) ، باعتباره في بداية لتكوين الجهاز العصبي، حيث يظهر - منذ ذلك اليوم، كما ذكرنا سابقاً – ما يسمى (Primitive Stuk) ، الذي هو بداية الميزاب العصبي.
وعل ما ذكر لم تصدر فتوى شرعية فيما يختص بإجراء التجارب على الأجنة الإنسانية، ولكن بالنسبة لي: ليس في الأمر غموض كبير، فالإسلام قد كفل حرمة الأجنة منذ تعلقها بالرحم، ولا شك أن التجارب العلمية على الأجنة تعد نوعاً من الإتلاف للأجنة أو القضاء عليها.. والجدير بالذكر أن المالكية والإمام الغزالي من الشافعية وابن رجب الحنبلي يحرمون الاعتداء على الأجنة حتى وهي نطفة، ويعتبرون هذه المرحلة أول مراتب الوجود، مما تجدر الإشارة إليه أنه لا توجد في الأديان الأخرى نصوص تدل أتباعها على حرمة الأجنة.. وبداية الحياة الإنسانية.. ومتى تحل الروح ... الخ.
إذن، فإجراء التجارب على الأجنة الحية - أو الأنسجة التي بها حياة - (حيث إجراء التجارب على الأجنة الميتة أو الأنسجة عديمة الحياة.. لا يفيد.) ، يعد نوعاً من الإتلاف أو القضاء عليها.. وهو - بالتالي - اعتداء على حرمتها.
والله من وراء القصد.
أ. د / عبد الله حسين باسلامة
стр. 9244
(أ) استخدام الأجنة في البحث والعلاج
(ب) الوليد عديم الدماغ
مصدراً لزراعة الأعضاء الحيوية
إعداد
الدكتور حسان حتحوت
المركز الإسلامي لجنوب كاليفورنيا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أ) استخدام الأجنة في البحث والعلاج
يخطىء من يظن أن الرأي في هذا الموضوع قد استقر أو أوشك على الاستقرار، وعلى الرغم من أنه قد دخل حيز التطبيق في مجالات كثيرة إلا أن حرارة النقاش حوله لم تخمد، لأن الاعتبارات التي تكتنفه تبدو متعارضة باختلاف التطبيق، فله ما يدعو إليه في باب حفظ النفس وعلاج المرض والوفاء بمصالح الناس المرسلة، إلا أن له كذلك محاذير لدى من يأخذون بالنظرة القيمية لا المنفعية ويدينون بحرمة اللحم الإنساني حياً أو ميتاً.
ولعل من أول استعمالات أنسجة الأجنة وأبعدها عن الخلاف استزراع سلالات خلوية باستنبات قطعة ضئيلة من الجنين وامتدادها أجيالاً متعاقبة بل دائمة، وقد كان لذلك مردود إيجابي كبير في مجال أبحاث الفيروسات واستنباط اللقاحات الواقية منها ومن أمثلتها اللقاح الواقي من مرض شلل الأطفال.
ثم عاد الموضوع إلى بؤرة الاهتمام عندما اكتشف بعض العلماء مؤخراً أن لبعض أنسجة الجنين فوائد علاجية مباشرة في بعض الأمراض. ومن أمثلة ذلك وضع النسيج العصبي الذي يكون قشرة الغدة الكظرية في مكان معين من مخ المريض بمرض باركنسون، فإن المادة التي يفرزها هذا النسيج تجبر نقصاً وتصلح خللاً وتفضي إلى انحسار أعراض المرض وإطالة معدل حياة المريض، ومن الأمراض المقترحة كذلك لهذا المنحى من التداوي مرض السكر، بزرع خلايا البنكرياس والدمار الإشعاعي لنخاع العظام الذي يعتمد في أصناف من سرطانه، فربما كان العلاج أفتك من الداء لولا محاولة زرع نخاع جديد من جنين طازج، وإنما فضل الجنين مصدراً لأن خلاياه ناشطة النمو ماهرة التكيف عديمة الإثارة لردود الفعل المناعية الرافضة أو قاب ذلك.
وإلى هنا يبدو في ظاهر الأمر أن الموضوع لا يعدو أنه نوع من زراعة الأعضاء وأنه لذلك أهل لعرض من أهل الشريعة ومن غير أهلها على السواء، وكاد ذلك يصح لولا أن المصدر هنا هو الإجهاض، وأن الأغلبية الغالبة من تلك الأجنة اجتلبت بطريق التجهيض الجراحي العمد، وارتفعت أصوات الذين يحرمون التجهيض شرعاً أو إنسانياً، ثم أصوات الذين خشوا أن تشيع تجارة الإجهاض، فتحمل المرأة بقصد أن تجهض فتبيع جنينها أو تهبه لعلاج قريب أو مبتاع، وهو منحنى خطير في السلوك الإنساني، فإن الطبيعي أن المرأة إن قصدت إلى الحمل برضاها فإنما تنوي الميلاد لا الإجهاض، وإنشاء الحياة بقصد قتلها مرفوض – ولا ريب - وأثبتت الوقائع أن هذه المحاذير قد ولغ فيها من ولغ سواء من الأطباء الذين يعالجون بأنسجة الجنين، أو الأطباء الذين يقترفون الإجهاض، أو النساء بائعات أجنتهن.
стр. 9245
من أجل سد هذه الذرائع وتوقي تلك المحاذير قامت هيئات ولجان تحاول أن تضبط هذه الممارسة بضمانات وشروط تحول دون سوء استغلالها على ما ورد، فكان من أهم تلك الضمانات ما يلي:
ا - تحريم عملية التجهيض إن كان القصد منها استعمال الجنين، ونرى أنه تحريم لا عبرة به ولا جدوى منه في بلاد تبيح للمرأة أن تنال الإجهاض بدون إبداء أسباب على أنه حق لها.
٢ - تحريم عملية البيع أو أية استفادة مادية للأم صاحبة الجنين.
٣ - تحريم أن يقوم الطبيب المجهض بإزالة الأعضاء أو الأنسجة المطلوبة.
٤ - تحريم الاشتراك في البحث العلمي بين الطبيب المجهض والطبيب المداوي أو ظهور اسميهما معاً في المنشورات العلمية في هذا الباب.
٥ - لا يقبل من امرأة تطلب الإجهاض أن تطلب استعمال جنينها لعلاج مريض بذاته.
٦ - اقتراح بإنشاء هيئة مستقلة تتلقى المجاهيض من أطباء الإجهاض وتتولى توزيعها على الأطباء الذين يحتاجونها للبحث أو العلاج دون اتصال مباشر بين الفريقين. وارتفعت أصوات تقول إن نسبة الإجهاض التلقائي غير المفتعل تبلغ عشرة إلى عشرين بالمائة من حالات الحمل عامة، وتنادي بأن في ذلك ما يفي بحاجة العلاج الطبي أو البحث العلمي من الأجنة، وتنادي بقصر هذا الباب على الأجنة المجهضة تلقائياً، ولكن يبدو أن هذا الرأي المنطقي في ظاهره رأي معيب، فمن المعروف أن نسبة الأخطاء (الكروموزدمية) عالية في حالات الإجهاض التلقائي، ولعلها هي التي أفضت إلى الإجهاض، وهي تصيب خمسين بالمائة من الأجنة الساقطة تلقائياً خلال الأشهر الثلاثة الأولى وعشرين بالمائة من الإسقاطات التلقائية فوق هذا العمر، كذلك وجد أن الإسقاط التلقائي مصحوب في نسبة عالية منه بتلوثات جرثومية يحرم من أجلها أن تستعمل في العلاج وأن تودع أنسجتها أبدان المرضى.