والأجنة - في مرحلتها الأولى - ليس لها مظهر إنساني، إنما هي بويضة ملقحة في طريقها إلى العلق، ويقال علمياً إن ٣٠ % إلى ٤٠ % فقط من هذا النوع من الأجنة لو أتيحت لها الفرصة لواصلت النمو ليكون طفلاً، وهناك ثلاث وجهات نظر في حرمة هذه المرحلة توصل إليها لجان القيم والأخلاق والعلم في العالم الغربي:
ا – تعتبر هذه المرحلة - مرحلة ما قبل الجنين - مرحلة حياة إنسانية، ولها كل حقوق الحياة الإنسانية، وبالتالي فإن من حق كل هذه الأجنة في هذه المرحلة أن تنقل إلى رحم أمهاتها، ويمنع أي إجراء يؤذيها، ولا مانع من معالجتها بالتجميد والحفظ، ولا مانع من البحث عن مكوناتها إن كان البحث للاستدلال على وجود خلل خلقي بها من عدمه!!
٢ - وجهة النظر الأخرى، تقول: إن هذه المرحلة - مرحلة ما قبل الجنين - لا حرمة لها، وإنما مثلها مثل أي نسيج من الجسم البشري، وبالتالي فإنه - وبموافقة أولياء أمرها - يمكن التصرف فيها كيفما نشاء!
٣ - والرأي الثالث.. وهو الأكثر تداولاً.. فقد اتخذ أصحابه موقفاً وسطاً، ويقول: إن الجنين في هذه المرحلة يجب أن يحترم، وأن يكون له حقوق أكثر من النسيج المأخوذة من الجسم (Human Tissue) ، ولكن يجب أن لا يعامل معاملة الإنسان (Person ودليلهم في ذلك أن الجنين في هذه المرحلة له من الصفات والخصائص أكثر مما للنسيج، ولكنه أيضاً لم يصل - في تكوينه بعد - إلى خصائص الإنسان. عن محضر (The Ethic Committee of American Fertility Society ١٩٨٦) .
(بعد الأسبوع الأول) :
وبعد الأسبوع الأول، فإن الجنين يكون جنيناً متكاملاً قابلاً إلى مواصلة الحياة وإنتاج إنسان، وهو في هذه المرحلة أكثر تعقيداً، وخلاياه أكثر تخصصاً، لذا - وفي عرف لجان القيم والأخلاق والعلم الغربية - له حرمة وحقوق، ولكن حقوقه وحرمته تقل عن حرمة الطفل أو الشخص البالغ.
стр. 9242
وأقر بعضهم إجراء التجارب عليه إلى ما قبل الرابع عشر من عمره، حيث تظهر على الجنين بعد ذلك بداية الجهاز العصبي، أي ما يسمى (Premittive Stuk) ، أما بعد ذلك فسيكون للجنين جهاز عصبي.. يحس من خلاله، وقد يتألم.
الاستفادة من الأجنة الفائضة:
مما تقدم، يتضح أن الأجنة الفائضة (الفائضة عن عملية التلقيح الاصطناعي) ، هي: عبارة عن (سلة) من الخلايا عمرها أسبوع وأكثر قليلاً، وهي في مرحلة التكون، ولم يصل النمو فيها إلى مرحلة تكوين أعضاء.. مثل الكلى أو القلب الكامل أو الأطراف، حيث إنه لم يحصل إلى الآن أن نما أو نبت جنين في المعمل إلى مرحلة متقدمة.. وقد لا يحدث ذلك، فالأجنة في المعمل تنمو إلى مرحلة (٨ -٣٢) خلية فقط، ثم تنقل إلى أرحام الأمهات، أو تحفظ مجمدة في الثلاجة.
لذا، فإني: لا أرى - في الوقت الحاضر على الأقل - إمكانية الاستفادة من الأجنة الفائضة في عملية زراعة الأعضاء لعدم وجود أعضاء قابلة للنقل، ولكن قد يمكن الاستفادة من نقل بعض من خلايا تلك الأجنة الفائضة.
فكما ذكرت سابقاً: إن كل خلية من تلك الخلايا النامية تحمل في طياتها القدرة الكاملة على تكوين أنسجة الإنسان، فقد يكون في نقلها إلى الإنسان نوع من المعالجة لبعض معاناته وأمراضه، وإذا تم ذلك، فإنه سوف يكون له مردود علمي كبير على الإنسان.
وفي رأيي: إن الاستفادة من تلك الأجنة الفائضة - في مثل هذه الأمور - (نقل بعض الخلايا وزراعتها في إنسان آخر) أفضل بكثير من إتلاف تلك الأجنة، ففي إتلافها أو قتلها نوع من الوأد لها!!
فمن مشاكل الأجنة الفائضة أو المجمدة، أنها إذا لم تستعمل فقد تكون عرضة لإجراء التجارب عليها أو إتلافها.
стр. 9243
إجراء التجارب على الأجنة:
طرحت، وتطرح هذه القضية على مختلف الهيئات الدولية العلمية العالمية،
فإجراء التجارب على الأجنة (الإنسانية) مجال جدل كبير، لما لها من نتائج علمية، والرأي السائد عالمياً (في أمريكا وبريطانيا وغيرهما) هو الموافقة على (استخدام الأجنة في البحث العلمي حتى اليوم الرابع عشر من نموها أو من عمرها) ، باعتباره في بداية لتكوين الجهاز العصبي، حيث يظهر - منذ ذلك اليوم، كما ذكرنا سابقاً – ما يسمى (Primitive Stuk) ، الذي هو بداية الميزاب العصبي.
وعل ما ذكر لم تصدر فتوى شرعية فيما يختص بإجراء التجارب على الأجنة الإنسانية، ولكن بالنسبة لي: ليس في الأمر غموض كبير، فالإسلام قد كفل حرمة الأجنة منذ تعلقها بالرحم، ولا شك أن التجارب العلمية على الأجنة تعد نوعاً من الإتلاف للأجنة أو القضاء عليها.. والجدير بالذكر أن المالكية والإمام الغزالي من الشافعية وابن رجب الحنبلي يحرمون الاعتداء على الأجنة حتى وهي نطفة، ويعتبرون هذه المرحلة أول مراتب الوجود، مما تجدر الإشارة إليه أنه لا توجد في الأديان الأخرى نصوص تدل أتباعها على حرمة الأجنة.. وبداية الحياة الإنسانية.. ومتى تحل الروح ... الخ.
إذن، فإجراء التجارب على الأجنة الحية - أو الأنسجة التي بها حياة - (حيث إجراء التجارب على الأجنة الميتة أو الأنسجة عديمة الحياة.. لا يفيد.) ، يعد نوعاً من الإتلاف أو القضاء عليها.. وهو - بالتالي - اعتداء على حرمتها.
والله من وراء القصد.
أ. د / عبد الله حسين باسلامة
стр. 9244
(أ) استخدام الأجنة في البحث والعلاج
(ب) الوليد عديم الدماغ
مصدراً لزراعة الأعضاء الحيوية
إعداد
الدكتور حسان حتحوت
المركز الإسلامي لجنوب كاليفورنيا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أ) استخدام الأجنة في البحث والعلاج
يخطىء من يظن أن الرأي في هذا الموضوع قد استقر أو أوشك على الاستقرار، وعلى الرغم من أنه قد دخل حيز التطبيق في مجالات كثيرة إلا أن حرارة النقاش حوله لم تخمد، لأن الاعتبارات التي تكتنفه تبدو متعارضة باختلاف التطبيق، فله ما يدعو إليه في باب حفظ النفس وعلاج المرض والوفاء بمصالح الناس المرسلة، إلا أن له كذلك محاذير لدى من يأخذون بالنظرة القيمية لا المنفعية ويدينون بحرمة اللحم الإنساني حياً أو ميتاً.
ولعل من أول استعمالات أنسجة الأجنة وأبعدها عن الخلاف استزراع سلالات خلوية باستنبات قطعة ضئيلة من الجنين وامتدادها أجيالاً متعاقبة بل دائمة، وقد كان لذلك مردود إيجابي كبير في مجال أبحاث الفيروسات واستنباط اللقاحات الواقية منها ومن أمثلتها اللقاح الواقي من مرض شلل الأطفال.
ثم عاد الموضوع إلى بؤرة الاهتمام عندما اكتشف بعض العلماء مؤخراً أن لبعض أنسجة الجنين فوائد علاجية مباشرة في بعض الأمراض. ومن أمثلة ذلك وضع النسيج العصبي الذي يكون قشرة الغدة الكظرية في مكان معين من مخ المريض بمرض باركنسون، فإن المادة التي يفرزها هذا النسيج تجبر نقصاً وتصلح خللاً وتفضي إلى انحسار أعراض المرض وإطالة معدل حياة المريض، ومن الأمراض المقترحة كذلك لهذا المنحى من التداوي مرض السكر، بزرع خلايا البنكرياس والدمار الإشعاعي لنخاع العظام الذي يعتمد في أصناف من سرطانه، فربما كان العلاج أفتك من الداء لولا محاولة زرع نخاع جديد من جنين طازج، وإنما فضل الجنين مصدراً لأن خلاياه ناشطة النمو ماهرة التكيف عديمة الإثارة لردود الفعل المناعية الرافضة أو قاب ذلك.
وإلى هنا يبدو في ظاهر الأمر أن الموضوع لا يعدو أنه نوع من زراعة الأعضاء وأنه لذلك أهل لعرض من أهل الشريعة ومن غير أهلها على السواء، وكاد ذلك يصح لولا أن المصدر هنا هو الإجهاض، وأن الأغلبية الغالبة من تلك الأجنة اجتلبت بطريق التجهيض الجراحي العمد، وارتفعت أصوات الذين يحرمون التجهيض شرعاً أو إنسانياً، ثم أصوات الذين خشوا أن تشيع تجارة الإجهاض، فتحمل المرأة بقصد أن تجهض فتبيع جنينها أو تهبه لعلاج قريب أو مبتاع، وهو منحنى خطير في السلوك الإنساني، فإن الطبيعي أن المرأة إن قصدت إلى الحمل برضاها فإنما تنوي الميلاد لا الإجهاض، وإنشاء الحياة بقصد قتلها مرفوض – ولا ريب - وأثبتت الوقائع أن هذه المحاذير قد ولغ فيها من ولغ سواء من الأطباء الذين يعالجون بأنسجة الجنين، أو الأطباء الذين يقترفون الإجهاض، أو النساء بائعات أجنتهن.
стр. 9245
من أجل سد هذه الذرائع وتوقي تلك المحاذير قامت هيئات ولجان تحاول أن تضبط هذه الممارسة بضمانات وشروط تحول دون سوء استغلالها على ما ورد، فكان من أهم تلك الضمانات ما يلي:
ا - تحريم عملية التجهيض إن كان القصد منها استعمال الجنين، ونرى أنه تحريم لا عبرة به ولا جدوى منه في بلاد تبيح للمرأة أن تنال الإجهاض بدون إبداء أسباب على أنه حق لها.
٢ - تحريم عملية البيع أو أية استفادة مادية للأم صاحبة الجنين.
٣ - تحريم أن يقوم الطبيب المجهض بإزالة الأعضاء أو الأنسجة المطلوبة.
٤ - تحريم الاشتراك في البحث العلمي بين الطبيب المجهض والطبيب المداوي أو ظهور اسميهما معاً في المنشورات العلمية في هذا الباب.
٥ - لا يقبل من امرأة تطلب الإجهاض أن تطلب استعمال جنينها لعلاج مريض بذاته.
٦ - اقتراح بإنشاء هيئة مستقلة تتلقى المجاهيض من أطباء الإجهاض وتتولى توزيعها على الأطباء الذين يحتاجونها للبحث أو العلاج دون اتصال مباشر بين الفريقين. وارتفعت أصوات تقول إن نسبة الإجهاض التلقائي غير المفتعل تبلغ عشرة إلى عشرين بالمائة من حالات الحمل عامة، وتنادي بأن في ذلك ما يفي بحاجة العلاج الطبي أو البحث العلمي من الأجنة، وتنادي بقصر هذا الباب على الأجنة المجهضة تلقائياً، ولكن يبدو أن هذا الرأي المنطقي في ظاهره رأي معيب، فمن المعروف أن نسبة الأخطاء (الكروموزدمية) عالية في حالات الإجهاض التلقائي، ولعلها هي التي أفضت إلى الإجهاض، وهي تصيب خمسين بالمائة من الأجنة الساقطة تلقائياً خلال الأشهر الثلاثة الأولى وعشرين بالمائة من الإسقاطات التلقائية فوق هذا العمر، كذلك وجد أن الإسقاط التلقائي مصحوب في نسبة عالية منه بتلوثات جرثومية يحرم من أجلها أن تستعمل في العلاج وأن تودع أنسجتها أبدان المرضى.
стр. 9246
ورغم هذا الخلاف الجذري بين الفريقين، فقد ظلت بينهما مساحة مشتركة وإن كانت كالشريط الضيق، فإن عملية الإجهاض العمد إن كان القصد منها انقاذ حياة الأم من خطر يتهددها إن استمر الحمل، فهو تجهيض مباح ومشروع ولا بأس إذن ولا ضير من استعمال أنسجة هذا الجنين في العلاج أو في البحث العلمي، وفي كافة الأحوال فهناك إجماع على وجوب معاملة اللحم البشري بالاحترام اللائق به، فلا يهان ولا يلقى في القمامة، وإنما يستر ويوارى كما يليق بالإنسان، ونرى أنه إن كان بلغ مرحلة نفخ الروح زدنا على ذلك غسله وكفنه والصلاة عليه.
على أن واقع الحال أقسى فيما يبدو من كل من هذين الفريقين على بعد الشقة فيما بينهما، فما زالت مسيرة عالمنا المعاصر تتجه إلى اعتماد المنافع ولو فرطت في القيم، وعندما يكون القصد إبراء جسم الإنسان من أمراضه وعلله، فإن التعلل بحرمة الإنسان حياً وميتاً يبدو أمراً عاطفياً بعيداً عن الواقع، وجنوحاً إلى معتقدات بالية آن أن تزول، مع أن الاستقراء يعلمنا أن المجتمع الإنساني لو تشبع بفكرة حرمة الإنسان لكان من آثار ذلك تقليص الجريمة والعزوف عن العدوان الفردي أو الجماعي سواء في المجال الاجتماعي أو السياسي أو العسكري، ولكن من سمات هذا العصر أن النتائج السريعة والمحسوسة أكثر جاذبية من النتائج التي لا تؤتي ثمارها إلا على المدى الطويل وبالتدريج الذي لا يصاحبه بريق، إن عصرنا يتميز بأن الإنسان برع في التكتيك وضل في الاستراتيجية، ونعود إلى موضوعنا وهو استعمال الأجنة في البحث والعلاج فنقول برغم الضوابط والتحفظات فإن أرض الواقع شهدت عجباً، فهناك بالفعل تجارة واسعة وخفية في الأجنة المجهضة تقوم بها جهات محترمة، وهي تجارة محلية ودولية، وكانت إزاحة الستار عنها بالصدفة عندما لاحظ قسيس على أطراف الأرض التي تقوم عليها كنيسته صندوقين كبيرين ظل أياماً، ويظهر أنهما وضعا هنالك بالخطأ وأنهما كانا يخصان معهداً للأبحاث مجاوراً له وفتحهما ليجد فيهما عدة مئات من الأجنة البشرية المحنطة، وعلم بالأمر أحد رجال الصحف فالتقط طرف الخيط وتحرى الأمر ليعلم أن هناك اتفاقاً تجاريا مع متعهد في إحدى دول جنوب شرق آسيا ليشحن لهم دفعات من الأجنة لزوم الأبحاث، واتسعت تحرياته فكان من طريف ما وجده أن مستشفيات محترمة في أمريكا تعتمد في مخصصات الشاي والحلوى للأطباء أو ربما دعوة أستاذ زائر لإلقاء محاضرة على الريع الآتي من بين ما يجهض فيها من أجنة.
стр. 9247
وأجريت تجارب على الأجنة الحية في أرحام أمهاتها اللاتي كن ينوين الإجهاض بسبب أو لآخر، وعللوها بأنه ما دامت الأم قررت الإجهاض على أية حال وأن الجنين محكوم عليه إذن بالإعدام، فقد حقنت السيدات بمواد دوائية وكيميائية لمعرفة تركيزها في الجنين وآثارها عليه بدراسته بعد إجهاضه. والقياس هنا ظالم لأنه لو حكم على إنسان بالإعدام لما جاز أن يباح للتجارب قبل اعدامه بحجة أنه آيل إلى موت على أية حال.
وقامت تجارب على أجنة حية بعد إجهاضها وبقائها أو استبقائها على قيد الحياة لفترة من الزمن فعرضت للإشعاعات لدراسة آثارها، وعرضت للسموم لدراسة مفعولها، بل ان إحدى الشركات التي تصنع مستحضرات التجميل كانت تدرس مفعول المواد الكيميائية على الجلد البشري مستخدمة الإسقاطات أو الإجهاضات الحية.
واستخدمت المجاهيض الحية فور إجهاضها في تجارب تقتضي إجراء جراحات لها وهي حية وبغير مخدر، منها ما أخذت قشرته الكظرية، ومنها ما أدخلت إبرة في قلبه النابض، ومنها ما حقن بالمستحضرات لرؤية آثارها على أجهزته، مع أنها أجنة متقدمة تشعر بالألم وإن لم تستطع له دفعاً.
كل هذا مبرر بأنه من أجل الإنسانية ومن أجل البحث العلمي الهادف إلى شفاء الأمراض، وما دامت الغاية نبيلة فالوسيلة مبررة وما دامت المعركة ضد المرض فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
يبقى بعد ذلك أن نشير إلى أمر آخر وأخير. وهو أمر الأجنة الباكرة في هيئة بويضات ملقحة، أو الجنين ذي العدد المحدود من الخلايا والتي تبقى فوائض عن الحاجة أثر عمليات الإخصاب خارج الرحم وهو ما اشتهر بأطفال الأنابيب، ذلك أن الطبيب يسحب عديداً من البويضات من المبيض، ثم يعرضها للمني فلا يعلم كم منها يلقح، ثم يودع منها الرحم عدداً ولا يعلم كم يعلق، وقد تبقى بعد ذلك فوائض تختزن لإعادة التجربة في دورة قادمة إن لم تسفر الأولى عن حمل، فإن حملت السيدة فالباقيات فوائض زوائد لا يحتاج إليها لانه كان في الإمكان حفظها حية لفترات طويلة بعملية تبريد خاصة.
стр. 9248
وهنا كان من المنطقي أن ينظر الفهم العلمي والشغف التجريبي إلى هذه الأجنة بفهم جديد، فمن طول ما كشفت التجارب من أن النتائج والمشاهدات في أجنة الحيوانات قد لا تكون بالضرورة مطابقة لما يحدث في الإنسان، تهلل الباحثون فها هو ذا جنين الإنسان نفسه وفي أبكر أطواره وغير محتاج إليه وهو بين أيديهم وفي خزائنهم، إنها إذن الفرصة الثمينة لدراسة النمو الباكر والتكون السوي وغير السوي وأثر الكيماويات والإشعاعات وتناول المادة الوراثية بالحذف منها أو الإضافة لها من مواد الوراثة في الإنسان أو الحيوان، هذا إذن بشير كنز من المعارف عن التخلق السوي وأسباب العيوب الخلقية ومحاولات إحداثها أو مداواتها دراسة مباشرة على الإنسان لا استقراء من الحيوان قد لا يصدق على الإنسان، وتحمس لهذه الفكرة قوم وتحمس ضدها قوم آخرون، أصحاب المدى السريع يرون باباً للوقاية من مرض، ومعارضوهم يرون على المدى الطويل أن استخدام الإنسان حيوان تجارب وخامة بحوث يطفىء الهالة من حوله وينال من الحرمة التي ينبغي أن تصونه - وإن فتش العلماء في قواميسهم عن معنى كلمة حرمة فلم يجدوا للكلمة أصلاً – وتوسطوا في بريطانيا فأوصت لجنة وارنوك بجواز التجارب في الأيام الأربعة عشر الأولى على اعتبار أن تكون الجهاز العصبي يبدأ بعدها، ولكن بقي الأمر يفور ويمور حتى بتت فيه ألمانيا الغربية حديثاً جداً بقرارها الذي صك أسماع العالم، فقد قررت ألمانيا الغربية حظر جميع التجارب على جنين الإنسان، أما بالنسبة للأجنة الفائضة في عمليات أطفال الأنابيب فإنها لم تكتف بمنع التجارب عليها فقط، وإنما حظرت إنشاءها أصلاً فعلى الطبيب ألا يعرض للمنويات إلا البويضات التي ينوي فعلاً إيداعها الرحم اذا افترض وأخصبت جميعاً ولا يتجاوز هذا العدد، فإن كان أكبر عدد يودعه الرحم أربعاً، فلا يعرض للإخصاب إلا أربعاً، فإن أخصب منها شيء أودعها جميعاً وإن هافت جميعاً أعاد المحاولة في الدورة التالية وهكذا، والذي يختزنه بالتبريد هو البويضات غير الملقحة إذن ليسحب منها، ولكن ليس الأجنة الباكرة حتى لا يكون الإنسان في أبكر أدواره حبيس المبرد إن لم يحتج إليه أو شهيد الإلقاء في البالوعة أو مادة للتجربة العلمية كما تكون حيوانات التجارب.
ولعل ألمانيا الغربية كانت أسبق إلى هذا القرار من فرط حساسيتها بشأن التجارب الطبية التي كانت تمارس على الأسرى والمعتقلين أيام الحكم النازي، فأكسبتها السوابق إحساساً خاصاً بقيمة الإنسان وحرمته، ولا ندري إن كانت ستتبعها دول أخرى فلا تخلو دولة من المنادين بمثل ذلك، ولكن قرارها يظل جريئاً ولو وحيداً وأرى نفسيتي الإسلامية والإنسانية تستريح إليه. والله أعلم.
стр. 9249
(ب) الوليد عديم الدماغ
مصدراً لزراعة الأعضاء الحيوية
مثلما يحتاج الكبار إلى زراعة عضو حيوي في حالات مرضية بعينها كذلك يحتاج الأطفال الصغار ممن يولدون بعيوب خلقية في عضو حيوي فلا أمل في النجاة والحياة إلا باستبدال عضو جديد بالعضو التالف، وكان التقدم العلمي والتقني في فن جراحة الأطفال حافزاً على خوض غمار عمليات زراعة الأعضاء لهؤلاء المواليد، وكان النجاح فيها مغرياً بالمزيد منها، لولا أن حال دون ذلك شح المصادر وندرة المطلوب بالقياس إلى الطلب على هذه الأعضاء الصغيرة، وجرب الأطباء استخدام أعضاء الحيوانات من قلوب وكلى وأكباد اعتماداً على أن الجهاز المناعي لدى المواليد لم يكتمل بعد فاحتمالات لفظ الزرعة أقل، ولكن التجارب لم تسفر عن النجاح المطلوب والأمل المنشود.
من أجل ذلك بدت فكرة استخدام الوليد عديم الدماغ فرجاً من ضيق ومخرجاً من هم، وبدا أنها سد حاجة وسداد رأي، فهو آدمي كالمريض المستقبل لأعضائه، وهما متشابهان في حجم العضو المنقول، والوليد عديم الدماغ مقضي عليه بالموت إن عاجلاً وإن آجلاً فلا أمل له في حياة ممدودة، وهيأته أن ليس له قبو رأس وليس له فصان مخيان، وإنما له جذع مخ يقوم على الوظائف الحيوية الأساسية من دورة دموية وتنفس بعد الانفصال حيا بالميلاد، ولكنها حياة محدودة موقوتة ثم يموت بعد ساعات أو أيام أو أسابيع، فجذع المخ المكشوف للهواء عرضة للعدوى المتلفة فضلاً عن التلف الناتج عن انضغاطه خلال رحلة الميلاد، وغياب الغدة النخامية وهي جزء من المخ الغائب يفضي إلى انهيار هرموني عام، فالنخامية هي سند الغدد الهرمونية الأخرى، وهو عرضة لعيوب خلقية أخرى قد تكون مستورة ولكنها قتالة، فلا يلبث حتى ينهار جهازه التنفسي والدوري ويفارق الحياة.
стр. 9250
والمرأة التي يولد لها مثل هذا المولود تحس ولا شك بالفجيعة وتندب حظها العاثر، ولكن موته ليس فجيعة في عزيز غال كما لو فقدت وليداً صحيحاً سوياً، وربما وجدت الأم بعضاً من عزاء إن أفهمت أن وليدها بطبيعة الحال لا رجاء فيه ولكنها إن أذنت أن يؤخذ عضو من أعضائه لزرعه في طفل آخر محتاج إليه فهو رجاء في دفع موت واستبقاء حياة، وتستجيب أمهات لذلك وما يسري عنهن أن طفلهن عديم الدماغ لم يمت كله بل ظل له عضو حي في جسم طفل آخر، وإن الحمل لم يضع سدى وإنما ساهم في شفاء مريض وإنقاذ حياة.
لكن التجربة - وليس كالتجربة من معلم - سرعان ما كشفت عن أن الأمر في واقعه ليس على ما ينبىء ظاهره من بساطة واستقامة، وبدأت المحاذير الأخلاقية والعملية تبدو واحدة إثر أخرى، فإن شرط موت المخ الذي لا يجوز اقتلاع عضو حيوي إلا به ينص تعريفه على أنه: التوقف الكامل لوظائف المخ بكامله، والوليد الذي نحن بصدده ما زال لديه جذع مخ يؤدي وظيفته، فهو إذن غير ميت فلا يجوز بالتالي اقتلاع قلبه مثلاً، فإذا ترك ليموت تلقائياً فسرعان ما يدب التلف إلى أعضائه الحيوية فلا تعود تصلح للزرع وكذلك الحال إذا ولد ميتاً.
وكان المحذور الأول أن قام من بين الأطباء من يدعو لجعل غياب المخ مساوياً لموت المخ حتى وإن كانت منطقة الجذع حية، ولكن قام الاعتراض على ذلك لأن أخذ عضو حيوي من إنسان حي يعتبر قتلاً فضلاً عن أنه إن شاع بين الناس العلم به فسيفقدون ثقتهم في الأطباء، وسيكف الناس عن الوصية بأعضائهم ويكف الأهالي عن السماح بأخذ عضو من فقيدهم حذر أن يفعلها الأطباء وما زال على قيد الحياة، مما سيكون ضربة لبرامج زراعة الأعضاء من ضحايا الحوادث استناداً إلى تشخيص موت المخ ما دام هذا التشخيص أصبح محل شك الجمهور.
كذلك تبين أن تشخيص موت المخ في الوليد عديم الدماغ من الصعوبة بمكان، فليس في الإمكان القياس الكهربائي لنشاط المخ كما في الكبار، فإن الفصين المخيين غير موجودين، أما الاعتماد على غياب المنعكسات العصبية للعين وهو في الكبار حاسم فلا يعتمد عليه هنا نظراً لتفشي اختلالات شبكية العين والعصب البصري في هذه المواليد لتبدو النتيجة كما في الموت وإن كان على قيد الحياة.
стр. 9251
وزاد الأمر تعقيداً أن التشريح الدقيق أثبت وجود بقايا نسيج مخي متلبسة بجذع المخ، وأن جذع المخ في بعض الأحيان يكتسب القدرة على القيام ببعض وظائف المخ الغائب.
وتنادى بعض الأطباء بالسماح بأخذ الأعضاء من ذلك المولود ولو حياً ما دام أنه وشيك على الموت، ولكن أنى ذلك، والمريض حتى في النزع له حرمته فمن قتله ولو قبل موته بلحظات كان قاتلاً.
وطالب آخرون بأن تعتبر هذه المواليد بذاتها هدراً مباحاً أي أنه ليس لها أهلية وجوب ناقصة كسائر الأجنة ولا هي كسائر المواليد، ولكن ذلك لم يجد سنداً من شريعة أو قانون، فضلاً عن أن التساهل في هذا الأمر قد يكون بداية منزلق، فقد يوسع تحت إلحاح الحاجة إلى الأعضاء ليشمل مواليد أخرى بعاهات أقل فداحة أو بأمراض يتوسم أن تكون، وقد يفضي إلحاح الحاجة أيضاً إلى الفكرة الشيطانية لإقامة مزارع لتفريخ الأجنة عديمة الدماغ بأن يتم التلقيح تحت تأثير مادة كيميائية تنتج هذه العاهة وتندب من تقبل إيواء هذا الحمل في رحمها لحين الميلاد لقاء أجر أو لقاء شكر.
وإزاء كل تلك المحاذير تفتقت أذهان الجراحين في جامعة لومالند بولاية كاليفورنيا عن فكرة جديدة - لن يطالبوا بتغيير التعريف القانوني لموت المخ ولن يمارسوا الغش فيه - إذا قاربت الحامل بالجنين عديم الدماغ موعد ولادتها نقلت إلى المستشفى، وتم توليدها بالجراحة القيصرية ثم يوضع الوليد الحي فوراً بأجهزة الإنعاش ويتم فحصه دوريا حتى يدركه الموت ويكون تشخيص الموت - وموت المخ - إذن صادقا وإن أبقت أجهزة الإنعاش على ظواهر الحياة في جثته، وهنا يكون أخذ أعضائه مباحاً وفي نطاق القانون. وقد أجروا تحت تلك الظروف عملية نقل قلب من وليد عديم الدماغ إلى وليد مصاب بعاهة في قلبه، وكان لهذه العملية صيتها وضجتها على الصعيدين المحلي والعالمي، ونجحت العملية في بادىء الأمر ولكنه كان نجاحاً موقوتاً فقد مات الطفل الذي تلقى القلب بعد فترة من الزمن.
стр. 9252
ومع ذلك فقد أعلن رئيس فريق جراحي الأطفال في لومالند إيقاف هذا البرنامج وتخلى عن الجنين عديم الدماغ مصدراً لأعضاء الزراعة، لقد تغلب على المحاذير الأخلاقية والتعقيدات التقنية، ولكنه راجع حساباته من الناحية العملية فوجد أن الصفقة في مجملها لن تقدم الحل الوافي أو الكافي، وأن مردودها العملي أضأل من أن يسد الحاجة القائمة بدرجة تبرر ما تستدعيه من جهد ونفقة، فقد وجدوا بالحساب أنه حتى لو لم توجد محاذير أخلاقية أو قانونية:
- فإن نسبة المواليد عديمة الدماغ بين سائر المواليد تضاءلت إلى واحد كل أربعة آلاف وما زالت آخذة في التضاؤل، ومعنى هذا أن بلداً كالولايات المتحدة يشهد ثلاثة ملايين وثلاثة أرباع المليون ولادة سنوياً ينتج ١١٢٥ جنين عديم الدماغ.
- فإذا قدرنا أن عشرين بالمائة من الحوامل يشملهن المسح التشخيصي بالموجات فوق الصوتية والتحليلات الكيميائية التي تشخص هذه العاهة في مرحلة الحمل الأولى وأن خمساً وتسعين بالمائة من اللاتي يحملن جنيناً مصاباً يختزن الإجهاض فالباقي ٩١١ وليد عديم الدماغ.
- وإذا علمنا أن ثلثي تلك الأجنة تولد ميتة فلا تصلح أعضاؤها للزرع بقي لنا ٣٠٤ وليد.
- من هذه يولد نحو الثلثين قبل الأوان وبحجم صغير مما يجعل أعضاءها غير قابلة للزراعة، فإن تماثل الحجم في أعضاء المصدر والمتلقي مهم في جراحة الأطفال، وإذن ينزل العدد إلى ١٢٢ وليد صالح.
- ولكن أكثر من ثلث الأمهات ترفض أخذ عضو من وليدها مما يهبط بالعدد إلى ٨١.
- وزيادة على ذلك فليست كل الأعضاء الصالحة للزراعة تستعمل:
* فحيث يراد القلب نجد أن ١٥ % من الأجنة عديمة الدماغ معيبة القلب.
* وحيث يراد الكبد نجد أن ٢٥ % منها معيبة الكبد.
* أما الكلى فقد وجد أن النتائج أفضل كثيراً لو بقي الطفل على عملية غسيل الكلى سنوات وبعد ذلك تزرع له كلوة.. وآنذاك تكون الكلوة التي يحتاج إليها أكبر كثيرا من كلوة وليد حديث الميلاد.
- ثم تأتي بعد ذلك مسألة تطابق الفصائل بين المعطي والمتلقي.
- ومسألة الفاصل الزمني بين وجود المعطي والمتلقي بسبب الفاصل المكاني..
- ونسبة نجاح العملية وهي خمسون بالمائة للقلب وعشرون بالمائة للكبد وقدر أن اعتماد الجنين عديم الدماغ مصدراً لزراعة الأعضاء يكتنفه من الإشكالات الأخلاقية والعملية والمادية ما يحول دون الأخذ به والاستمرار فيه ونميل إلى التوصية بتبني هذا الحكم وإن كنا نرى جوازه من حيث المبدأ شرط أن يتم أخذ العضو بعد موت المخ فعلاً وليس قبله.
الدكتور حسان حتحوت
стр. 9253
(أ) حقيقة الجنين وحكم الانتفاع به في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية.
(ب) حكم زراعة خلايا الدماغ والجهاز العصبي.
إعداد فضيلة الدكتور محمد نعيم ياسين
رئيس قسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية.
بكلية الشريعة – جامعة الكويت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(أ) حقيقة الجنين وحكم الانتفاع به
في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية.
تقديم وتقسيم:
القضية المطروحة للبحث في الواقع العملي هي مدى مشروعية أخد أجزاء من الجنين، واستعمالها في علاج أمراض معينة يمكن أن يقع الإنسان فريسة لها، ومدى مشروعية اتخاذ الجنين محلا للتجارب العلمية بهدف التوصل إلى الكشف عن حقائق علمية تفيد في تقويم صحة الإنسان علاجاً ووقاية.
وهذه مسألة مستجدة بلا ريب، فلا يتناولها بصورة مباشرة نص من كتاب ولا سنة، ولم يبحث فيها علماء المسلمين القدامى؛ لأنها وليدة مراحل كثيرة من التقدم العلمي في مجال الطب، ولا نظن أن لها مثالاً مطابقاً من الوقائع التي بت فيها الشرع بحكم معين.
ومنهج الباحث المسلم في مثل هذه المسألة أن يستقصي جوانب الخير والمصلحة وجوانب الشر والمفسدة في موضوعها، ثم يستنبط الحكم بناءً على ما عهد في الشرع من طلب لمصالح العباد ودفع للمفاسد عنهم، وجعل العبرة في ذلك للغالب منهما، وإيجاب تحصيل أعظم المصلحتين المتعارضتين، ودفع أعظم المفسدتين عند تعذر الجمع بين تحصيل المصالح كلها ودفع المفاسد كلها.
وإذا كان تبين المصالح والمفاسد في موضوع هذا البحث أمراً يمكن تحقيقه بالرجوع إلى أهل الاختصاص في صنعة الطب، فإن عملية الموازنة بينها هي الأكثر خفاءً والأشد صعوبة على الباحث المسلم؛ وذلك أن أساس هذه العملية هو معرفة القيم الحقيقة لتلك المصالح والمفاسد في ميزان الشرع. وليس مجرد معرفة حجمها من حيث الكثرة والقلة؛ فرب مفسدة لعمل ما أعظم في ميزان الشرع من عشرات الفوائد التي يمكن نسبتها لذلك العمل، والعكس ممكن أيضاً. والأصل في ذلك كله هو التصور السليم (المطابق للواقع) لحقيقة التصرف المراد معرفة حكمه.
وفي موضوع هذا البحث فإن حقيقة التصرف بالجنين في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية لا يمكن تحديدها إلا بمعرفة حقيقة المحل الذي يقع عليه ذلك التصرف وهو الجنين ذاته: هل هو في نظر الشرع آدمي من أول لحظة يتكون فيها، أم أنه ليس كذلك أم أنه يكون آدمياً في مرحلة من مراحل الاجتنان ولا يكون كذلك في مرحلة أخرى؛
стр. 9254
فإذا كان الشرع يعتبر الجنين آدمياً في جميع مراحله فإن ذلك التصرف يكون في أغلب الأحيان قتلاً له أو إيذاءً له في جسده بما دون القتل. وإيذاء الآدمي بالقتل أو بما هو أقل منه كبيرة من الكبائر، ولا مسوغ له أبداً؛ إذ القتل وإيقاع الأذى على جسد الآدمي لا يكون أي منهما مشروعاً في الإسلام إلا أن يكون عقوبة على أفعال حددها الشرع، ولا يتصور وقوع ذلك من الجنين، فلا يسوغ قتله أو إيذاءه في جسده أية منفعة يمكن تحقيقها من جراء ذلك، وإن كانت إحياء شخص آخر، أو كانت مكاسب علمية ذات أثر فعال في مكافحة الأمراض والعاهات، ولا مجال هنا للقياس على تبرع الإنسان العاقل البالغ ببعض أعضائه، لأن التبرع من الجنين لا يتصور، والتبرع من وليه غير مشروع؛ لما هو معلوم أن النيابة الشرعية مقيدة بتحقيق المصلحة.
وهكذا فإن اعتبار الجنين آدمياً من اللحظة الأولى يسد الباب تماماً في وجه أي تصرف في جسده يضره ولا ينفعه.
وأما إذ لم يكن الجنين آدمياً في مرحلة من مراحله، وإنما هو مخلوق آخر أقل رتبة في ميزان الشرع من الإنسان، فإن ذلك يفتح مجالاً للنظر عندما يكون إتلافه سبباً في تحقيق مصالح معتبرة للآدمي ودفع مفاسد حقيقية عنه.
وأغلب الظن عندي أن البحث عن حقيقة الجنين والوقت الذي يكتسب فيه إنسانيته وهويته الآدمية ينبغي أن يكون المنطلق لأي بحث يقصد منه معرفة حكم أي تصرف في جسده، ثم يأتي بعد ذلك اعتبار المصالح والمفاسد المترتبة على ذلك التصرف في ضوء ما يسفر عنه البحث عن تلك الحقيقة.
ومما تقدم يتضح وجه اختيار عنوان البحث "حقيقة الجنين وحكم الانتفاع به "، ويدرك العذر لما سيرى من الإطالة في البحث عن حقيقة الجنين، والوقت الذي يكتسب فيه هويته الآدمية؛ لأن ذلك يعتبر كالأساس بالنسبة للبحث عن أحكام ما يقع على جسد الجنين من التصرفات، ولا يمكن بدونه الاطمئنان لأية نتيجة في هذا الموضوع.
стр. 9255
وبناء على ما سبق فإن البحث سينقسم إلى مبحثين:
* المبحث الأول - في حقيقة الجنين، ويتضمن خمسة مطالب هي:
المطلب الأول - معنى الجنين في اللغة والاصطلاح.
المطلب الثاني - تطور الجنين.
المطلب الثالث - التطور الذي يغير حقيقة الجنين هو نفخ الروح وبرهان ذلك من العقل والشرع.
المطلب الرابع - وقت نفخ الروح في الجنين.
المطلب الخامس - حقيقة الجنين بعد نفخ الروح وقبله.
. المبحث الثاني - حكم الانتفاع بالأجنة في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية، ويتضمن خمسة مطالب هي:
المطلب الأول - حقيقة الانتفاع بالأجنة في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية.
المطلب الثاني - الحكم الشرعي للانتفاع بالجنين بعد نفخ الروح.
المطلب الثالث - الحكم الشرعي للانتفاع بالجنين قبل نفخ الروح فيه، ويتضمن هذا المطلب ثلاثة أفرع:
الفرع الأول - حكم الانتفاع بالجنين في بطن أمه.
الفرع الثاني - حكم الانتفاع بالجنين الحيي الذي هو خارج البطن ويمكن غرسه في رحم أمه.
الفرع الثالث - حكم الانتفاع بالجنين الميت واقعاً أو حكما.
المطلب الرابع - شروط وقيود الانتفاع بالأجنة الآدمية في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية.
المطلب الخامس - ما ينبغي أن يكون عليه حكم الانتفاع بالأجنة الآدمية عند من ينكرون الروح.
стр. 9256
المبحث الأول
حقيقة الجنين
المطلب الأول
معنى الجنين في اللغة والاصطلاح
الجنين في اللغة هو الولد في البطن، والجمع أجنة وأجنن، وهو مشتق من جن، أي استتر، وسمي جنيناً لاستتاره في بطن أمه.
وجنين الآدمي هو المخلوق الذي يتكون في رحم المرأة نتيجة تلاقح بيضتها مع الحيوان المنوي الذي يحتوي عليه ماء الرجل، ويطلق اسم الجنين على هذا المخلوق ما دام في رحم أمه، لتحقق استتاره فيه، فيشمل جميع مراحله من حين تكونه إلى وقت ولادته (١)
ويستعمل الفقهاء المسلمون لفظ الجنين بمثل ما يستعمل في اللغة، غير أن بعضهم قصره على الحمل الذي يتبين منه شيء من خلق الآدمي، ولم يطلقه على ما دون ذلك (٢)
وأما عند الأطباء فيطلق بعضهم لفظ الجنين على الولد في بطن أمه عندما يظهر عليه الطابع الإنساني بتكون الأجهزة المعروفة للإنسان، ويكون ذلك فيما بين الشهر الثالث من الحمل إلى حين الولادة، ويقصره بعضهم على الولد في بطن أمه إذا اكتملت بنيته، وكان بإمكانه أن يعيش إذا نزل حياً من بطن أمه، ويكون هذا في الفترة الواقعة بين بداية الشهر السابع إلى وقت الولادة (٣)
ومن علماء الأجنة من يطلق الجنين على الفترة الواقعة بين انغراز البيضة الملقحة في جدار الرحم ونهاية الأسبوع الثامن، ثم يطلقون عليه بعد ذلك اسم "حميل " إلى أن يولد (٤)
ولا مشاحة في الاصطلاحات، وإنما العبرة بحقيقة الحمل في كل مرحلة من مراحل تطوره، وما يترتب على تحديدها من أحكام.
وموضوع هذا البحث يدخل فيه الحمل بجميع أطواره ومراحله، من وقت تكونه بتلقيح البيضة إلى وقت ولادته، وسواء أحصل ذلك التلقيح داخل الرحم أم خارجه في أنابيب الاختبار ثم أعيد إلى الرحم ليكمل رحلته بعناية ربه ورعايته.
стр. 9257
المطلب الثاني
تطور الجنين
لا نقصد من الكلام عن تطور الجنين هنا بيان ما يحدث له في رحم أمه من تصوير وتخليق ونمو وهدم وبناء وغيرذلك؛ فإن هذا من شأن أهل صنعة الطب وعلماء الأجنة. ولكن الذي يعنينا في هذا البحث هو معرفة المراحل الأساسية التي تتعاقب على الجنين، ويكتسب في كل مرحلة منها خصائص ومؤهلات جديدة يمكن أن تكون مناطاً للأحكام الشرعية التي تحكم تعاملنا مع جسده، فيستعان بها على معرفة الحلال والحرام من أشكال ذلك التعامل.
ولا شك في أن الأصل في معرفة مناطات الأحكام هو الرجوع إلى الشرع نفسه نصوصاً ومبادىء، ولا ينكر في هذا المقام دور المعارف البشرية المحصلة بالحس والمشاهدة والتجربة مما توصل إليه أهل الصنعة في هذا المجال.
والذي يدل عليه هذان المصدران أن الجنين قد أخضعه ربه خلال فترة الحمل لنوعين من التطور:
أحدهما: تطور مادي محسوس يمكن أن يلاحظ بالمشاهدة من أهل الاختصاص. وموضوعه العناصر المادية التي يتكون منها الجنين، وما يتعاقب عليها من نمو وتخليق وتسوية وتعديل وغير ذلك.
والثاني: تطور غير محسوس، ولا يخضع في ذاته لحس ولا مشاهدة ولا تجربة، وموضوعه مخلوق روحاني جمع الله تعالى بينه وبين تلك العناصر المادية من الإنسان في لحظة من اللحظات، وجعله مصدراً للأنشطة الإنسانية المتميزة، والتي ميز بها الإنسان عن سائر الأحياء، كالتصور والتعقل والتخيل والإرادة والتفكير وغير ذلك. وقد سمى الله ورسوله ﷺ هذا المخلوق بالروح.
стр. 9258
وقد وردت الإشارة إلى كلا النوعين من التطور في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [سورة الحج: الآية ٥] ؛ ففي هذه الآية بيان لمعالم التطور المادي الذي يتقلب فيه الجنين بالانتقال من صورة إلى صورة.
وقاد سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآيات ١٢ - ٤ا] ؛ وقد نقل كثير من المفسرين عن ابن عباس ﵄ وغيره من الصحابة والتابعين أن المقصود بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ هو نفخ الروح بعد استكمال تخليقه وتصويره (١)
وقال : ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [سورة السجدة: الآيات ٦ - ٩ [؛ ففي هذه الآيات أيضاً إشارة إلى النوعين أيضاً.
وفي السنة أحاديث صحيحة ذكرت أطوار الجنين الجسمانية، وما يطرأ عليه من
تعلق الروح بجسده، وأشهرها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ حيث قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)) (٢) ؛ ففي هذا الحديث ذكر للمعالم الرئيسية لتطور الجنين المادي المحسوس، وتحديد للزمن الذي تنفخ فيه الروح.
стр. 9259
ووردت أحاديث أخرى فيها بيان لبدء تصوير الجنين وتخليقه منها قوله ﷺ : ((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليه ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ... )) (١)
ولم يرد في النصوص الشرعية تفصيلات ما يحدث للجنين من تطور مادي سوى ما ذكر من الإشارة إليها في معرض التذكير بقدرة الله تعالى وقدره. ولكن هذا النوع من التطور لما كان موضعه ما يطرأ على خلايا الجنين من نمو وتكاثر وتشكل، وما يتبع ذلك من ظهور أعضاء وأجهزة وأعصاب وغير ذلك، فإن الوقوف على تفصيلاته أمر يقدر عليه الإنسان؛ لأنه مشاهد ومحسوس، وقد عرف منه العلماء المسلمون قدراً معتبراً، ووصفوه وصفاً جيداً (٢) وإن لم يصلوا في دقة الوصف إلى ما تحصل لأهل صنعة الطب المعاصرين.
وأما علماء الأجنة المعاصرون فقد استطاعوا بما اكتشف من الآلات والأجهزة الدقيقة أن يتابعوا التطور الجنيني المادي في معظم مراحله يوماً بيوم وأسبوعاً بأسبوع وشهراً بشهر.
وأما النوع الثاني من التطور الجنيني، وهو ما يحدث بإذن الرب جل وعلا من نفخ الروح في بدن الجنين، وما يكتسبه بذلك من شخصية جديدة هي حقيقة الشخصية الإنسانية، فإن ذلك لا يقع في اختصاص الأطباء وعلماء الأجنة، ولا يتوقع أن يتوصلوا إلى تحديد وقته بوسائلهم المادية ولا سبيل لهم إلى ذلك؛ لأن العنصر الجديد الذي يخلقه الله في الجنين ليس جسما مادياً ولا تناله الحواس مهما كانت الوسائل المعينة لها. وإنما السبيل إليه هو إخبار الذي خلقه عن طريق الوحي إلى رسوله ﷺ ، ولو لم يرد في ذلك ما ذكر من النص لظل مبدأ تعلقه بالبدن مطوياً في علم الغيب، ولكن الباري أوحى بذلك إلى النبي ﵊، ونقل الرسول إلينا ما أوحي إليه وعلمنا أن الروح تنفخ في الجنين بعد مائة وعشرين يوماً من تكونه.
стр. 9260
وهذه المعارف الشرعية لا تتعارض مع معارف أهل الصنعة التي حصلوها بالتجربة والحس والمشاهدة فلا يقتضي التسليم بإحداهما نفي الأخرى؛ فإن التسليم بتطور الجنين في عناصره المادية المحسوسة لا ينفي تطوره باستقبال عنصر روحاني لطيف في فترة من فترات قراره داخل الرحم. فموضوع كل من النوعين السابقين من المعارف يختلف عن الآخر، ووجهة البحث في كل منهما مختلفة، وكذلك وسائل تحصيلها (١)
وإذا تبين أن وسائل العلم المادية لا تستطيع أن تدرك من نوعي التطور الذي يقع على الجنين سوى النوع الأول، فإنها أيضاً لا تستطيع أن تنفي وقوع التطور الآخر الذي أخبر عنه الرسول ﷺ بنفخ الروح في الجنين؛ لأن وسائل تحصيل المعرفة لا يقتصر على التجربة والمشاهدة، فإن هذه إحداها، والاقتصار عليها في إثبات الموجودات يعد قصوراً في البحث، وبخاصة إذا كان المبحوث عنه أمراً لا يحس ولا يشاهد. وإن من وسائل المعرفة التي لا ينكرها العقلاء الخبر الصادق عمن عنده علم عن الموضوع محل البحث، والمحاكمة العقلية السليمة التي قد تنطلق من المشاهد المحسوس، وقد تنطلق من الخبر الصادق أيضاً؛ وقد أشار كتاب الله تعالى إلى هذه الوسائل المعتبرة في الوصول إلى الحقائق والمعارف في قوله : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦] ؛ فأشار سبحانه إلى تلك المصادر بذكر آلاتها التي رزقها للإنسان من أذن تسمع وعين ترى وفؤاد يعقل.
стр. 9261
المطلب الثالث
التطور الذي يغير حقيقة الجنين هو نفخ الروح
لا شك في أن حقيقة كل مخلوق تتحذ بما يتميز به ذلك المخلوق عن غيره من القوى والملكات والخصائص الذاتية التي توجد فيه ولا توجد في سواه، وأما ما يشترك به مع المخلوقات الأخرى من تلك القوى والخصائص فلا يحدد حقيقته؛ وفي ذلك يقول ابن مسكويه: (كل موجود من حيوان ونبات وجماد ونار وهواء وأرض وماء وأجرام علوية له قوى وملكات وأفعال بها يصير ذلك الموجود هو ما هو وبها يميز عن كل ما سواه. وله أيضاً قوى وملكات وأفعال بها يشارك ما سواه. ولما كان الإنسان من بين الموجودات كلها هو الذي يلتمس له الخلق المحمود والأفعال المرضية، وجب أن لا ننظر في هذا الوقت في قواه وملكاته وأفعاله التي بها يشارك سائر الموجودات؛ إذ كان ذلك من حق صناعة أخرى وعلم آخر يسمى العلم الطبيعي، وأما أفعاله وقواه وملكاته التي يختص بها من حيث هو إنسان وبها تتم إنسانيته فهي الأمور الإرادية التي بها تتعلق قوة الفكر والتمييز ٠٠٠) (١)
ولذلك فإن العلماء المسلمين يرون أن حقيقة الإنسان لم تتحدد بهيكله المخصوص بما يحتوي عليه من عناصر مادية وما يتكون منها من أعضاء وأجزاء. وإنما تحددت بروحه التي نفخت فيه والتي هي مصدر إرادته وقوته العاقلة؛ يقول الشيخ مخلوف: (على أن حقيقة الإنسان هي النفس الناطقة المتعلقة ببدنه تعلق التدبير والتصرف (٢) والهيكل المخصوص خارج عن حقيقته، فلو وجدت الروح الإنسانية الناطقة في حيوان لما كان حيواناً، بل كان إنساناً في صورة حيوان. والنفس الإنسانية من أخص أوصافها النطق الفكري الذي يتأهب الإنسان به إلى النطق البياني، ويخوض به غمار البحث عن حقائق الأشياء وأحوالها ليتكمل به علما وعملاً، وذلك ليس بموجود في الحيوان مهما اهتدى إلى أي عمل من الأعمال) (٣)
стр. 9262
وإذا كانت حقيقة الإنسان تتحدد بما ذكرنا من إسكان الروح في بدنه فإن هذا يلزمنا القول: إن التطور الذي يقع للجنين، فينقله من حقيقة إلى أخرى، فيجعله آدمياً بعد أن لم يكن إنما هو نفخ الروح فيه.
وأما التطور البدني الذي يحدث للجنين فإنه لا يغير حقيقته التي نشأ بها عند تكونه من ماء الرجل وماء المرأة، وإن نوع الحياة التي تسببه - بإرادة الله واحد لا يتغير؛ فتلك الحياة هي التي أجرى الله بها انقسام الخلية الواحدة التي تنشأ عند ذلك التكون، وتوليد خلايا جديدة وكثيرة، وهي التي ينشاً عنها كل ما ينشاً بعد ذلك للجنين من أعضاء وأجهزة وأعصاب ودم وعظم وشعر وغير ذلك، وتبقى مع الإنسان في جميع أطواره، قبل ولادته وبعدها، وبها تتجدد خلايا جسده، وتعوض ما يفنى منها، وتغذيها، إلى أن يحين أجله. وقد تبقى هذه الحياة مع بعض أجزاء الإنسان بعد وفاته، وخروج روحه ومفارقتها لتلك الأجزاء؛ فإن أهل صنعة الطب قد قرروا أن أعضاء الجسد تظل محتفظة بهذا النوع من الحياة بعد موت الدماغ، وذلك لمدد متفاوتة، فبعضها تبقى فيه تلك الحياة لدقائق وبعضها لساعات وبعضها لأيام، هذا إذا تركت دون تدخل صناعي من أهل الاختصاص، وأما مع تدخلهم بأجهزة صناعية ابتكرت في هذه الأيام صار من الممكن زيادة الفترات التي تظل معها تلك الحياة في أعضاء الجسد الذي مات دماغ صاحبه (١) ومع أن هذه الزيادة ما زالت محدودة بالساعات والأيام والأسابيع، لكن مجرد النجاح فيها ينبىء عن تقدم علمي يمكن بوساطته الحفاظ على تلك الحياة في أعضاء الموتى إلى مدد أطول قد تصل إلى السنين دون أن تكون في خدمة روح آدمية، ودون أن يكون في مقدورها ممارسة وظائفها التي كانت تمارسها في أجساد أصحابها تحت إمرة أرواحهم؛ فلا اليد تتحرك فضلاً عن أن تبطش، ولا العين ترمش فضلاً عن أن تبصر، ولا الأذن تسمع، ولا الرجل تمشي. ومع ذلك فإن نوع تلك الحياة التي بدأت مع الخلقة الأولى من جسد الآدمي ما زالت موجودة. فإذا ما وضعت هذه الأعضاء التي ما زالت تحتفظ بتلك الحياة في خدمة روح جديدة، فزرعت في جسد آدمي فيه روح استعملتها هذه الروح الجديدة، وأدت هذه الأعضاء وظائفها بالفاعلية نفسها التي كانت تؤديها عند انفصالها عن جسد صاحبها الأول (٢)
стр. 9263
فهذه الأعضاء الحية احتفظت بما أودع الله فيها من الحياة في جسد الأول تحت خدمة روحه، وفي جسد الثاني تحت خدمة روحه، وظلت هذه الحياة موجودة فيها في المرحلة الوسطى بعد الانفصال عن الجسد الأول وقبل الاتصال بالجسد الثاني. وهذه المرحلة الوسطى صار العلم يتدخل فيها بإطالة مدتها بواسطة التبريد بطرق فنية متقدمة. وإذا ذكرنا في هذا المقام ما أسفر عنه التقدم العلمي من التمكن من تبريد اللقيحة (وهي الجنين في مبدأ تكونه) إلى مدة طويلة تقدر بالسنوات، ثم إعادتها إلى وضعها الذي كانت عليه قبل التبريد وغرسها في رحم المرأة لتواصل نموها حتى تكتمل جنيناً ثم مولوداً (١) إذا ذكرنا ذلك أدركنا وجه الشبه بين هذه اللقيحة قبل أن تقترن بحياة الروح وبين أعضاء الجسد الأدمي بعد وفاة صاحبه وخروج روحه، التي أمكن تبريدها أيضاً والحفاظ على الحياة فيها أيضاً مدة من الزمن.
إن هذه الكشوف العلمية فيها أبلغ الدلالة على أن الإنسان الحي مخلوق استودعه الله نوعين من أنواع الحياة: إحداهما مخدومة هي الأصل والمقصودة من خلقه، والأخرى خادمة للأولى، جمع بينهما بأسلوب معجز لا يعلم حقيقته الأ الله تعالى. وأن الحياة الخادمة تخلق قبل المخدومة، بحيث تعد لاستقبال سيدها. وأن شخصية الإنسان تبدأ في هذه الدنيا عندما تجتمع الحياتان، وأنها تنتهي عندما تفترقان. وأن مجرد وجود الحياة الخادمة لا يستلزم وجود الحياة الإنسانية، وأن الحياة الحاملة للإنسان المنتجة لآثاره الإرادية، ليست هي إلا الحياة المخدومة، حتى إذا ما رحل مصدرها (وهو ما أسماه القرآن والسنة بالروح) انتهت حياة الإنسان في هذه الدنيا، وإن بقي بعد ذلك شيء من الحياة الخادمة في بعض أجزاء الجسد الآدمي.
стр. 9264
اعتراض وجواب:
وقد يعترض على ما تقدم بأن بقاء نوع من الحياة في بعض أجزاء الجسد بعد وفاة صاحبه، لا يدل على أكثر من وجود نوعين من الحياة كانتا مجتمعتين في الإنسان الحي، إحداهما أرقى من الأخرى، وقد ذهبت الأولى وبقيت الأخرى. ولا يلزم أن مصدر الأولى مخلوق آخر حي عاقل جمع مع بدن الإنسان في طور من أطواره؛ وذلك أن هذا الذي ذهبتم إليه هو أحد احتمالين يقبلهما العقل. وأما الاحتمال الآخر فهو أن مصدر الحياة الأرقى كان هو الدماغ، وأنه هو الذي يفرز ما يميز الإنسان من إدراك وفكر ومشاعر، كما تفرز الكبد الصفراء والكلى البول، فلما مات الدماغ ذهبت تلك الحياة المميزة للإنسان، وهذا يقتضي أن التطور الذي يطرأ على الجنين ويكسبه مؤهلات تميزه عن غيره هو اكتمال دماغه، وليس خلق حياة جديدة في بدن الجنين.
وأساس هذا الاحتمال أن الأنشطة الإنسانية المتميزة إنما يقترن تخلفها مع تعطل الدماغ، وأن عجز الأعضاء وأجهزة الجسد الآدمي يقع دائما عند انقطاع صلتها بدماغ حي.
والجواب عن هذا الاعتراض أن مبناه - كالاحتمال الأول - على الإقرار بأن حياة الجنين تبدأ عند تكونها مجردة من المصدر الذي تصدر عنه حياة الفكر والإرادة؛ لأنه ينسب هذه الحياة العاقلة للدماغ، والدماغ، كما هو معلوم عند أهل الاختصاص، لا يتكون مع الجنين من أول لحظة، وإنما يبدأ تكونه بعد تلقيح البييضة بأسابيع، ويكتمل في الأسبوع الثاني عشر (١)
والمادة التي يتكون منها الدماغ هي عين المادة التي تنشاً منها بقية أعضاء الجسد. ونوع الحياة الذي يتسبب في نشوء الجميع واحد؛ فإن أصل الجنين خلية واحدة، تنقسم وتنقسم أقسامها وأقسام أقسامها ... وهكذا، ثم يحدث تخلق الأعضاء من تكتل الخلايا الناتجة عن عمليات الانقسام، وبفعل عمليات حيوية متعددة فإذا كان الأمر كذلك فإن هذا يقتضي أن تكون الوظائف التي تقوم بها مختلف أعضاء الجسم من جنس واحد، وإن اختلفت تخصصاتها، وهي وظائف غير إرادية ولا فكرية، لأنها كلها نشأت من أصل واحد، هو الخلية الأولى والخلايا المتولدة منها، وهذا الأصل الذي نشأت منه جميع الأعضاء مجرد عن الفكر والإرادة، كما يقضي به احتمال المعترض، ويستحيل بحسب سنن الكون وموجوداته أن يتولد بصورة آلية المريد من غير المريد، والمفكر من غير المفكر. وإنما يتصور ذلك عندما يضاف إلى المتولد المجرد عن الفكر والإرادة مصدر آخر مريد ومفكر بذاته، وذلك بتدخل خارجي. ولا يتصور أن يكون المتدخل هنا سوى الله عزوجل؛ فإنه سبحانه هو المختص بالخلق المباشر، ولا يقدر على ذلك سواه، ومع هذا اللزوم يتحول الاحتمال الذي أورده المعترض إلى احتمال قريب من الاحتمال الآخر ومؤكد له.
стр. 9265
وأما ما يؤثر عن بعض العلماء الماديين من أن الإرادة والفكر والشعور وغيرها من الأنشطة الإنسانية الاختيارية إنما تنشاً عن الدماغ نتيجة تفاعلات كيميائية وفيزيائية، فهذا رأي لا يؤيده النظر، ويؤدي إلى نتائج غير مقبولة لا عقلياً ولا واقعياً؛ وذلك أن كل تفاعل لا بد له من عامل أو مؤثر يتسبب به، وهذا المؤثر إما أن يكون خارج الإنسان أو داخله، فإن كان خارج الإنسان، فمعنى ذلك أن أفكار كل إنسان وأنشطته الإرادية ومشاعره المختلفة كل ذلك ثمرات إلزامية لأمور لا يد له فيها، وغاية ما في الأمر أنه كان وعاءً جرى فيه التفاعل بتأثير غيره، وكل ما على وجه الأرض من الإنجازات العلمية والكشوف والعلوم ليست إلا ردود فعل لمؤثرات خارجية، ولا دخل لأصحابها فيها، ولا يستحقون عليها جزاء ولا شكوراً، وهذا اتجاه لتجريد الإنسان من الإرادة في كل ما يقوم به، وهو ينافي تماماً ما نشعر ونحس به، ويؤول في الوقت ذاته إلى إعفائه من مسؤولية أعماله، وهو تفسير للحياة الإنسانية بالفوضوية؛ لربط أنشطتها كلها بمصادر غير إرادية، ومع هذه النتائج الشاذة التي يؤدي إليها هذا الرأي إلا أنه مبهم وغير مفهوم في ضوء ما عرف من سنن الكون وموجوداته، إذ كيف يمكن لمؤثر خارج دماغ الإنسان أن يكون سبباً مباشراً في إجراء تفاعل مادي كيميائي أو فيزيائي داخل الدماغ؛ فهل عهد في مختلف أصناف التفاعلات، وما تجري عليه من العناصر خارج الكيان الإنساني أن تؤثر الأمور المعنوية في إجراء تفاعل كيميائي أو فيزيائي؛ ولماذا لا يستطيع العلماء الماديون أن يرتبوا - ولو مرة واحدة - تجربة توضع فيها العناصر والمركبات في أنابيب الأختبار، ثم يدفعوها إلى التفاعل بالتأثيرات المعنوية بدلاً من العوامل المادية المعهودة؟
هذا على فرض أن المؤثر في إجراء التفاعل المزعوم في الدماغ البشري كان من خارج الإنسان، وأما على افتراض أنه كان من داخله فما هو؛ هل هو مجرد احتكاك الخلايا والأعصاب أم هو مجرد وصول الدماء إلى عروق الدماغ أم هو شيء آخر؛ فليكن أي شيء، فلماذا تتعدد وتختلف نتائج ذلك التفاعل الكيميائي المزعوم باختلاف الأشخاص من جهة، وباختلاف الأزمان والساعات والأحوال في الشخص الواحد من جهة أخرى؛ إن محتويات الأدمغة واحدة في الأشخاص وفي الأزمان، وأنشطتها المادية واحدة، فلماذا تتعدد إذن نتائج التفاعلات التي تحدث فيها؛ فتتعدد الأفكار وتتعدد المشاعر والأحاسيس، وتتعدد الاكتشافات وتتعدد المواهب عند الأشخاص، بل وتتعدد عند الشخص الواحد: فتجده في الساعة الواحدة يتقلب من حال إلى حال، في مشاعره وأحاسيسه وأفكاره، فلماذا تكون النتائج مختلفة لمعادلة كيميائية واحدة، عناصرها واحدة، ومؤثراتها واحدة؛ ألا يدل ذلك على وجود مصدر آخر غير الدماغ وما يزعم من تفاعلات تجري فيه؛ الجهاز واحد هو الدماغ، وهو عند أبناء آدم متشابه في مكوناته المشاهدة المحسوسة ولا يختلف سوى في الوزن أو في الشكل ونحو ذلك، ومن المؤكد علمياً أن هذه الأمور غير مؤثرة في اختلاف وظائف الأدمغة عند البشر، ودماغ الشخص الواحد لا يختلف في تكوينه وعناصره ومحتوياته كلها بين آن وآن، ولا حال وحال، ولا مكان ومكان، ومع ذلك فإن منتجات صاحب هذا الدماغ من الأنشطة الإرادية والأفكار والمشاعر والخواطر والخيالات وغير ذلك مختلفة ومتعددة تعدداً لا نظير له.
خذ أي عدد من الناس كثر أو قل، ثم اجمعهم في قاعة واحدة، وأنشىء لهم دافعاً واحداً للتفكير، فاسألهم سؤالاً يحتاج في جوابه إلى النظر والاجتهاد أو اطلب منهم أن يكتبوا موضوعاً معيناً، ثم انظر ماذا ترى؛ فمع أن المؤثر واحد ومع أن لكل منهم دماغاً، وكل دماغ يشبه الآخر في تركيبه العضوي، مع كل ذلك فإن النتائج ستكون مختلفة، ومنتجات الأدمغة ستكون متعددة، وسيظهر بينها اختلافات واضحة. فلماذا هذا التفاوت في منتجات الأدمغة بين هؤلاء الناس مع تشابه أدمغتهم في تكوينها؛ إن تشابه التكوين واتحاد المؤثر لم يؤد إلى تشابه النتائج مع أنه كان ينبغي أن يؤدي إلى نوع واحد من التفاعلات المزعومة.
стр. 9266
ثم إنك تجد الشخص الواحد يفكر في موضوع معين، وتجد أن رأيه فيه قد يختلف باختلاف الزمان، والدماغ المستعمل واحد، وخلاياه واحدة، فلماذا لم تتشابه نتائج التفكير في هذا الدماغ مع وحدة خلاياه وعدم تغيرها؟
هل هناك من تفسير لتعدد منتجات هذا الجهاز المسمى بالدماغ واختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان سوى تفسير واحد هو أن هذا الجهاز لا يقوم بتلك الأنشطة بذاته، وإنما يوجد وراءه مخلوق حي مريد بذاته يستعمل ذلك الجهاز بأساليب متعددة وهيئات مختلفة، وهو في ذاته مختلف بين شخص وشخص؛ لا سبيل إلى تفسير أنشطة الإنسان الإرادية والفكرية بغير هذا. ونسبتها إلى الدماغ لا ينبغي أن تتعدى نسبة المصنوع إلى آلة الصانع الحقيقي، وأما الصانع الحقيقي فهو ذلك المخلوق الحي المريد العاقل الذي سماه الشرع روحاً أو نفساً.
وأما ارتباط وجود العمل الإرادي والفكري بوجود الدماغ، وعدم إمكانه بغيره في هذه الحياة الدنيا (إن صح عند أهل الاختصاص على إطلاقه) ، فنرى أنه لا ينقض ما تقدم برهانه من وجود مخلوق حي مريد بذاته وراء الدماغ ينشىء ذلك العمل. وإنما يضيف إليه إضافة جديدة مفادها أن ذلك المخلوق الحي العاقل المريد قد جعل الخالق قيامه بوظائفه في هذه الدنيا عن طريق الدماغ، فجعله مخزناً لمعلوماته وإدراكاته ومجمعاً لاتصالاته إرسالاً واستقبالاً؛ فمن خلال الدماغ يؤثر ذلك المخلوق في الجسد، فإذا تعطل هذا الجهاز المسمى بالدماغ انقطع اتصال ذلك المخلوق المريد العاقل بالجسد، وانقطع عن تأثيره فيه، فيكون وجود الدماغ شرطاً لبقاء ذلك المخلوق في جسد الإنسان وتأثيره فيه. وبالتالي يكون شرطاً لبقاء الحياة الإنسانية الإرادية، وليس سبباً في وجودها؛ بمعنى أن عدمه يستلزم انعدام تلك الحياة ورحيل مصدرها عن الجسد وحصول الموت. ولكن وجود الدماغ لا يستلزم وجود تلك الحياة من الناحية النظرية. وإذا كانت التجارب العلمية تمكنت من أثبات الشطر الأول من هذه المقولة، ولم تستطع الوصول إلى أثبات الشطر الثاني منها، فإن ذلك لا يدل على بطلان هذا الشطر. بل إن النظر العقلي الذي قدمناه يثبت صحته ويؤكده؛ لأن الدماغ بتكوينه المعروف ونوع الحياة التي تكون منها لا يتصور أن يكون في ذاته مصدراً للأنشطة الإرادية والفكرية التي يقوم بها الإنسان، وإنما يجب أن تكون تلك الأنشطة متولدة عن مصدر حي مريد عاقل في ذاته. وإذا لوحظ الارتباط الواقعي المستمر بين وجود الدماغ ووجود الحياة الإرادية الفكرية، فإن هذا لا ينقض ما يحكم به النظر العقلي، وإنما يدل على عجز التجارب وأهلها عن مواصلة البحث إلى مداه، وذلك أن الاتصال بين حياة الجسد المجردة عن الإرادة والفكر وحياة الروح وعدم وجود صورة الانفصال بينهما في هذه الدنيا لا يرجع إلى كون الأولى مولدة للثانية، وإنما يرجع إلى سبب آخر، وهو أن الحياة الأولى المجردة من الفكر والإرادة ليست مقصودة لذاتها، وإنما خلقت لتكون مركباً لحياة الفكر والإرادة التي مصدرها الروح. وليس من المتصور في واقع هذه الدنيا أن يخلق اله جسداً بكامل أعضائه، ولا يمزج معه حياة الفكر والإرادة؛ لأن هذا يتنافى مع الحكمة من خلق الإنسان، وهو الابتلاء بإعمار الأرض وفق المناهج الإلهية، والعقل لا يمنع أن ينفصل المصدر الذي تنبثق منه حياة الفكر والإرادة عن مصدر الحياة الأخرى عندما يموت الإنسان، وهو ما قررته الشرائع الإلهية. ولكن العقل لا يتمكن من رصد ذلك المصدر منفصلاً عن الجسد بعد رحيله عنه بالموت، ولا يمكنه ذلك أثناء الحياة ما دام الجسد كله صالحاً وغير مستعص على تعلق ذلك المصدر به، وصلاح الجسد للتعلق بذلك المصدر مرهون بصلاح الدماغ، لأنه حلقة الوصل بين ذلك المصدر وبين بقية أعضاء الجسد.
стр. 9267
إن ما تقدم من النظر العقلي والتقليب الفكري يدل على أنه يحدث للجنين قبل ولادته تطور ينقله من حال إلى حال مختلفة، ومن طبيعة إلى طبيعة مباينة، ومن حياة مجردة عن قوة الفكر والإرادة إلى حياة مشتملة على مصدر هذه القوة. وأن هذا التطور في الجنين لا يحدث إلا بعد تخلق الدماغ، وصيرورته صالحاً لاستقبال الحياة الجديدة والامتزاج بها. وأن هذه الحياة الجديدة ليست متولدة من الحياة السابقة لها بصورة آلية، لا من الدماغ ولا من غيره، وأنها إنما تنشاً بخلق مباشر من الله تعالى في بدن الجنين بعد استكمال خلق أعضائه. وأنها مادامت غير متولدة مما سبقها لم يلزم أن يكون وجود مصدرها بعد تمام تكون الدماغ مباشرة. وأن العقل بمفرده لا يستطيع أن يحدد الوقت الذي يخلق فيه ذلك المصدر بيقين.
تلك هي النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها العقل البشري بالنظر في الواقع وفي معطيات العلم الحديث، بمعزل عن المعارف الشرعية التي يمكن أخذها من نصوص القرآن والسنة وأفهام الصحابة وعلماء المسلمين لتلك النصوص.
وهي نتائج ليست كلها قطعية ويقينية، والقطعي منها هو حدوث تطور في الجنين ينقله من حقيقة إلى حقيقة وحياة إلى حياة أعلى منها ومغايرة لها أشد المغايرة. وما سوى ذلك فقد يدخل عليه بعض الاحتمالات وهي وإن كانت ضعيفة لكنها تذهب القطع واليقين في الأمر.
وأما الشرع فقد جاء بما يقطع به العقل، وزاد عليه تفصيلات أدق وأوفى، وأسقط تلك الاحتمالات الضعيفة. ولولا أن المقصود بتلك المناقشات المنطقية هو الرد على أولئك الماديين الذين لا يؤمنون بالروح، ويزعمون أن الإنسان مادة فقط، وأن أنشطته المختلفة لا تعدو أن تكون إفرازات لما يبصره أهل الاختصاص من أجزاء الجسد، وأن الجنين لا يقع عليه أي تطور سوى التطور الذي يشاهده الأطباء وعلماء الأجنة، ولولا أن هذا الاتجاه المادي في بيان حقيقة الإنسان وتطوره قد ألقى ظلالاً مادية على بعض الباحثين المسلمين، فآمنوا بالروح إيماناً يقترب من إنكارها، بأن آمنوا بوجودها، وأنكروا كل أثر لها، لولا ذلك لما كان لذلك الجهد المضني في التفكير أية فائدة سوى ترويض العقل على النظر.
وذلك أن المتدبر لنصوص القرآن والسنة وما أثر عن الصحابة وعلماء المسلمين يستطيع أن يصل في هذا الموضوع إلى نتائج أكثر دقة وتفصيلاً وتحديداً بجهد أقل:
فإن رسول الله ﷺ أخبرنا فيما تقدم ذكره من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ أن الله يأمر بنفخ الروح في الجنين، وحدد موعد ذلك بأنه يكون بعد تمام أربعة أشهر من تكون الجنين في بطن أمه.
стр. 9268
ثم وجدنا كتاب الله يذكر الروح بأنها المخلوق الذي جعله الله سبباً لاكتساب أبي البشر آدميته، فاستحق بذلك التكريم، وتأهل به للعلم والإدراك اللذين هما مناط الابتلاء في هذه الدنيا فقال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩، سورة ص: الآية ٧٢] . ووجدنا فيه أيضاً ذكر الروح ينفخها في سلالة آدم بعد أن يسويهم في بطون أمهاتهم، قال سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [سورة السجدة: الآيات ٧ - ٩] . ووجدنا فيه ما يدل على أن الله تعالى بعد أن ينقل بدن الجنين من طور إلى طور، ينشئه بعد تمام أطواره الجسمانية خلقاً آخر مغايراً لما تقدم من أطواره، فيقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآيات ١٢ - ١٤] .
ويصلنا بعد ذلك بيان من ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أن المقصود بهذا الخلق الآخر هو نفخ الروح (١) وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (إذا أتت على النطفة أربعة أشهر بعث الله إليه ملكاً فنفخ فيه الروح في ظلمات ثلاث، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ ، يعني نفخنا فيه الروح) . ومثل ذلك روي عن أبي سعيد الخدري ومجاهد وعكرمة والشعبي والضحاك والحسن البصري (٢)
ومع أن تلك النصوص لم تذكر بصراحة أن الروح التي يأمر الله بخلقها في الجنين هي ما تكون بها حياة ابن آدم، لكن هذا مستفاد من نصوص قرآنية ونبوية أخرى.
стр. 9269
ففي القرآن ما يدل على أن الموت إنما يفع للإنسان بخروج نفسه، وهي روحه، عندما يأمر الله تعالى ملائكته بإخراجها، فقال : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [سورة الزمر: الآية ٤٢] ، والأنفس هي الأرواح (١) وقال أيضاً: ﴿ولَوْ تَرَى إذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ والْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٣] ؛ فبين سبحانه في هذه الآية حال الظالمين وهم في غمرات الموت، وأن الملائكة يبسطون أيديهم لانتزاع أرواحهم (٢) وقال أيضاً: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الواقعة: الآيات ٨٣ –٨٧] ، والمقصود بذلك الروح وهي في طريقها إلى الخروج من الجسد، فتخرج منه، ولا يستطيع أحد ردها إليه (٣) وقال سبحانه: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [سورة القيامة: الآية ٢٦] ، أي بلغت الروح التراقي (٤)
وفي السنة الصحيحة ما يؤكد ما دلت عليه نصوص القرآن من أن الموت يقع بخروج الروح من الجسد الذي نفخت فيه من قبل. وفي بعضها إشارة إلى أن دخول الروح في الجسد هو الذي يبعث فيه الحياة، وأن خروجها هو الذي ينقله من الحياة إلى الموت، ومن هذه الأحاديث:
- ما رواه البراء بن عازب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد،
فأتانا النبي ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير، وهو يلحد له، فقال: ((أعوذ بالله من عذاب القبر)) (ثلاث مرات) ، ثم قال: ((إن العبد إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة كأن وجوههم الشمس، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقا، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها....)) ، ثم قال ﷺ : ((إن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح (٥) فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، أخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها ... )) (٦)
وفي رواية أخرى عن البراء قال: كنا في جنازة رجل من الأنصار، ومعنا رسول الله ﷺ ، فقال: ((إن المؤمن إذا احتضر أتاه ملك الموت في أحسن صورة وأطيبه ريحاً، فجلس عنده لقبض روحه ... فاستخرج ملك الموت روحه من جسده رشحاً ... )) (٧)
стр. 9270
وفي الحديث الصحيح قول الرسول ﷺ : ((إن الروح إذ اقبض تبعه البصر)) (١) ؛ فهذا أيضاً وصف الرسول للروح بأنه يقبض. وفي الصحيح أيضاً أن النبي ﷺ أخبر عن الشهداء أنهم لما سئلوا: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل فيك مرة أخرى (٢) ؛ فانظر إلى مفهوم الحياة والقتل في هذا الخبر، وأن الحياة رد الروح إلى الجسد، وأن القتل إخراجها.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك. قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض صل الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه ٠٠. (٣) فوصف أبو هريرة الروح بالخروج معبراً عن موت صاحبها. وتدبر قوله: (جسد كنت تعمرينه) ، فإنه تعبير واضح عن التصور الإسلامي لعلاقة الروح بالجسد، وأن الجسد مسكن الروح والروح تعمره بما تشيع فيه من الحياة.
وصح عن الرسول ﵊ أنه كان يقول إذا أراد النوم: ((باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسى فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ عبادك الصالحين)) (٤) ففسر الموت بإمساك الروح عن العود إلى الجسد.
والأحاديث التي ذكرت هذا المعنى كثيرة ومتفرقة في مواضع كثيرة من كتب الحديث، وهي متضافرة على ما ذكرنا من أن الموت إنما يكون بخروج الروح من الجسد.
فيدل على ما تقدم من النصوص وما في معناها أن الروح التي أخبر عنها الرسول ﷺ أنها تنفخ في جسد الجنين بعد مائة وعشرين يوماً هي التي تكون بها حياة الإنسان، وهي التي يترتب على مفارقتها لجسده موته كما يدل على أنها جوهر مستقل، وليست جزءاً من بدنه ولا عرضاً من أعراضه، ولا صفة من صفاته؛ لأن الأعراض لا يمكن أن توصف بالدخول والخروج والقبض والأخذ والرد وغير ذلك مما ورد في أحاديث الرسول ﷺ .
стр. 9271
وهذا هو الذي فهمه علماء المسلمين من تلك النصوص وأشباهها، فصرحوا في كتبهم أن الروح التي تنفخ في جسد الإنسان وهو جنين في بطن أمه هي ما تكون به حياة الإنسان، وما يكون مفارقتها لبدنه سبباً في وفاته، وأن الروح ذات مستقلة عن الجسد وإن كانت سارية فيه، وليست متولدة عنه ولا عرضاً من أعراضه، وإنما هي مبدعة بأمر الله تعالى، قال لها: كوني فكانت من غير تحصل من أصل ولا تولد من مادة (١) كما فهموا من تلك النصوص ونصوص نسبت إلى الروح التعارف والتناكر والحب والكره والاطمئنان والسرور وغير ذلك، فهموا منها أن الروح هي مصدر الشعور والفكر وجميع الأنشطة الإرادية التي تصدر عن الإنسان. وفيما يأتي نذكر بعض أقوالهم الواردة في هذا الموضوع:
ا - يقول ابن تيمية: (الروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت) . ثم استدل على هذه المقدمة ببعض ما ذكرنا من النصوص وزاد عليها (٢)
ويقول في موضع آخر: (النفس التي هي الروح المدبرة لبدن الإنسان هي من باب ما يقوم بنفسه، فهي جوهر وعين قائمة بنفسها، وليست من باب الأعراض التي هي صفات قائمة بغيرها ... وإنها يشار إليها وتصعد وتنزل وتخرج من البدن وتسل منه كما جاءت بذلك النصوص ودلت عليه الشواهد العقلية) (٣)
٢ - ويقول ابن قيم الجوزية: (الروح جسم مخالف لهذا الجسم المحسوس، وهو جنس نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيه سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكاً لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية. وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح. وهذا القول هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواه باطلة، وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة ... ) ، ثم ساق على قوله هذا مائة وستة عشر دليلاً من الكتاب والسنة والمعقول. وأجاب عن الأقوال الأخرى لبعض الطوائف والفلاسفة بعشرات الأجوبة (٤)
стр. 9272
ويقول في موضع آخر: (وأما الروح التي تتوفى وتقبض فهي روح واحدة وهي النفس) (١)
ويقول تعقيباً على حديث الرسول ﷺ : ((إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء)) : - (فهذه الروح المقبوضة هي النفس التي يتوفاها الله حين موتها وفي منامها، وهي التي يتوفاها ملك الموت ... وهي التي يجلس الملك عند رأس صاحبها ويخرجها من بدنه كرهاً، ويكفنها بكفن من الجنة أو النار، ويصعد بها إلى السماء، فتصلي عليها الملائكة أو تلعنها، وتوقف بين يدي ربها، فيقضي فيها أمره، ثم تعاد إلى الأرض، فتدخل بين الميت وأكفانه، فيسأل ويمتحن ويعاقب وينعم، وهي التي تجعل في أجواف الطير الخضر تأكل وتشرب من الجنة، وهي التي تعرض على النار غدواً وعشياً، وهي التي تؤمن وتكفر وتطيع وتعصي، وهي الأمارة بالسوء، وهي اللوامة، وهي المطمئنة إلى ربها وأمره وذكره، وهي التي تعذب وتنعم وتسعد وتشقى وتحبس وترسل وتصح وتسقم وتلذ وتألم وتخاف وتحزن ٠٠٠) (٢)
٣ – ويقول الفخر الرازي: (انه تعالى ذكر مراتب الخلقة الجسمانية فقال: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ ، ولا شك أن جميع هذه المراتب اختلافات واقعة في الأحوال الجسمانية. ثم إنه تعالى لما أراد أن يذكر نفخ الروح قال: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ ، وهذا تصريح بأن ما يتعلق بالروح جنس مغاير لما سبق ذكره من التغيرات الواقعة في الأحوال الجسمانية، وذلك يدل على أن الروح شيء مغاير للبدن ٠٠٠) (٣)
وقال في موضع آخر: (واعلم أن الأحاديث الواردة في صفة الأرواح قبل تعلقها بالأجساد وبعد انفصالها من الأجساد كثيرة، وكل ذلك يدل على أن النفس شيء غير هذا الجسد، والعجب ممن يقرأ الآيات الكثيرة الواردة في النفس، ويروي تلك الأخبار الكثيرة في صفات الأرواح ثم يقول: توفي رسول الله ﷺ وما كان يعرف الروح، وهذا من العجائب والله أعلم) (٤) وساق في موضع آخر عدة حجج عقلية على وجود الروح وتميزها عن البدن (٥)
стр. 9273
٤ - ويقول ابن رشد الجد: (أكثر أهل العلم، أن الروح والنفس اسمان لشيء واحد ... والمراد به ما يحيا به الجسم، وهو الذي يتوفاه ملك الموت ويقبضه فيدفعه إلى ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ... وإنما قلنا إنه ما يحيا به الجسم ولم نقل: إنه الحياة الموجودة بالجسم؛ لأن الحياة الموجودة معنى من المعاني، والمعاني لا تقوم بأنفسها، ولا يصح عليها ما وصف الله ﵎ به الأنفس والأرواح في كتابه وعلى لسان رسوله من القبض والإخراج والرجوع والطمأنينة والصعود والتنعيم والتعذيب. فمعنى قولنا: ما يحيا به الجسم، أي ما أجرى الله تعالى بأن يحيا الجسم بكونه ويميته بإخراجه منه) (١) ٥ – وقال الفراء: (الروح هو الذي يعيش به الإنسان) ، وقال ابن الأثير: (وقد تكرر ذكر الروح في الحديث كما تكرر في القرآن ووردت فيه على معان، والغالب منها أن المراد بالروح الذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة) (٢) وقال الفيومي: (مذهب أهل السنة أن الروح هي النفس الناطقة المستعدة للبيان وفهم الخطاب، ولا تفنى بفناء الجسد، وأنه جوهر لاعرض؛ ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ، والمراد هذه الأرواح) (٣)
٦ - وقال الكفوي: (الروح ما به حياة البدن، والأرواح عندنا أجسام لطيفة غير مادية خلافاً للفلاسفة، فإذا كان الروح غير مادي كان لطيفاً نورانياً غير قابل للانحلال سارياً في الأعضاء للطافته، وكان حيا بالذات؛ لأنه عالم قادر على تحريك البدن. وقد ألف الله بين الروح والنفس الحيوانية وجعل بينهما تعاشقاً، فما دام الروح في البدن كان البدن بسببه حياً ... وان فارقه بالكلية فالبدن ميت. ٠٠) (٤)
٧ - ويقول عضد الدين الإيجي: (تعلق النفس بالبدن ليس تعلقاً ضعيفاً يسهل زواله بأدنى سبب مع بقاء المتعلق بحاله كتعلق الجسم بمكانه، وإلا تمكنت النفس من مفارقة البدن بمجرد المشيئة من غير حاجة إلى أمر آخر. وليس أيضاً تعلقاً في غاية القوة بحيث إذا زال التعلق بطل المتعلق مثل تعلق الأعراض والصور المادية بمحالها، لما عرفت أنها متجردة بذاتها غنية عما تحل فيه، بل هو تعلق متوسط ... ومن ثم قيل: هو تعلق العاشق بالمعشوق عشقاً جبلياً إلهامياً، فلا ينقطع ما دام البدن صالحاً لأن تعلق به النفس؛ ألا يرى أنها تحبه ولا تمد مع طول الصحبة وتكره مفارقته؛ وذلك لتوقف كمالاتها ولذاتها العقلية والحسية عليه ٠٠٠) (٥)
стр. 9274
٨ - وقال السبكي: (الروح هي التي أجرى الله تعالى العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان حياً، فإذا فارقته مات) (١) ونقل مثل هذا القول عن العز بن عبد السلام (٢) كما نسب إلى عبد الله بن مسعود ﵁ (٣)
٩ - وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف: (دلت نصوص الشريعة الإسلامية كتاباً وسنة وإجماعاً على وجود الروح الإنسانية، وأنها نفخت في الجنين وهو في بطن أمه، وأجمع الِملِّيون وغيرهم على وجود الروح الإنسانية، وأن هناك شيئاً مغايراً لأعضاء البدن بالذات يسمى روحاً، وهو مصدر التصور والتعقل والتخيل والإرادة والفكر. ٠٠) (٤) ثم قال: (ولا يعبأ بشرذمة من الماديين أنكروا وجود الأرواح البشرية زاعمين أن القوة العقلية في الإنسان مصدرها الدماغ، وأن الشعور والفكر وظيفة عضوية نسبتها إلى الدماغ كنسبة الصفراء إلى الكبد والبول إلى الكلى، وأن الإنسان آلة مادية تعرض له التأثيرات الخارجية، وعند الموت يتلاشى منه كل شيء، وينطفىء فيه نور الشعور والفكر. فإن هذا قول باطل ومذهب عاطل، أصبح بنور العلم قديمه وحديثه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. ونصوص الشرع جمعاء وأبحاث مشاهير العلماء الذين اعتنقوا مذهب الروحانية من الغربيين وغيرهم، بل والذين تعمقوا في علم الفزيولوجيا أسفرت عن وجود الروح الإنسانية، وتميزها عن قوى المجموع العصبي ووظيفته. فلا يلتفت لمثل هذا المذهب بعد انعقاد إجماع المسلمين وغيرهم على خلافه) .
стр. 9275
ويقول في موضع آخر: (نحن لا ننفي نوع الحياة التي يثبتها الأطباء للجنين قبل نفخ الروح، ولا ما يترتب عليها من نمو. وإنما نقول: إن هذه الحياة المنبثة في الجنين قبل نفخ الروح حياة طبيعية محضة تشبه حياة النبات، ليس لها ظاهرة سوى خاصة حركة النمو والتغير في كم البدن وكيفيته، وهي ما تسميه الحكماء حياة التغذية والتنمية والتوليد أو الحياة الطبيعية. وبعد نفخ الروح الإنساني في البدن وسريانها فيه يتحصل نوع آخر من الحياة تندمج فيه الحياة الطبيعية للجنين، بحيث يكون مصدراً لظاهرة الحس والحركة الإرادية، ومبدأ مصححاً للعلم بالفكر والروية وغير ذلك من الأثار اللائقة بنوع الإنسان، وهو ما يسمونه حياة الحس والحركة والعلم والتمييز. فالحياة الأولى حياة حيوانية مترتبة على أرواح وقوى طبيعية، والحياة الثانية حياة إنسانية مترتبة على ما ذكر وعلى الروح الإنساني ...
وأهل الطب والتشريح يستندون في كثير من مباحثهم إلى التجربة والمشاهدة والفكر. وأهل الشرع يتمسكون مع ذلك بصريح النقل. ومن هنا مع تباين الاصطلاحات قد يتوهم خلاف بين ما جاءت به الشريعة الغراء في هذا الباب ونحوه وبين ما يذكره أرباب الصناعة في ذلك. وفي الحقيقة لا خلاف، وإنما هو اختلاف في النظر ووجهة البحث (١) ولوعني أصحاب الصناعة الحديثة بما ورد به الشرع في هذا الباب وأمثاله وفهموه على وجهه، وما أثبتته النظريات الصحيحة والتجربة الكافية، وأعطوه جانباً من العناية والتصرف الفكري، كما كان عليه الأوائل من أرباب هذه الصناعة في كثير من مباحثهم كالشيخ الرئيس ابن سينا وصاحب التذكرة، لاتسع لهم نطاق العلم ومجال الفهم وخرجوا عن كثير من المضايق الفنية التي تعترضهم أثناء تطبيق العلم على العمل. ٠٠) (٢)
стр. 9276
ويقول في موضع آخر تكلم فيه عن معنى الحياة والموت: (والمعنى المبحوث عنه هنا هو الحياة التابعة لتعلق الروح الإنساني بالبدن وأجزائه، وهي المعبر عنها في تعريف النفس بالضوء المنتشر في قول الإمام الرازي وغيره. والنفس عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوء في جميع الأعضاء، فذلك الضوء المنتشر هو الحياة الإنسانية. فالحياة أمهر فائض عن تعلق الروح بالبدن منتشر في سائر أعضائه، وكل عضو يصل إليه نور الروح يتحول من الجمادية إلى الحياة، ففي النشأة الأولى إذا تكون وتم استعداده، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أنفذ الله فيه الروح الإلهي داخل أعضائه نفاذ النار في الفحم والماء في الورد فأحياه بعد موته، وذلك قوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ؛ فإن النفخ عبارة عن اشتعال نور الروح في الجسم بعد تسويته باستعداده، وذلك النور المنتشر في سائر الأعضاء هو الحياة الإنسانية) (١)
تلك هي أقوال العلماء المسلمين القدامى، وإنما استزدنا منها وأطنبنا في ذكرها لأن المسألة خطيرة يتوقف عليها معرفة حقيقة الإنسان وحقيقة الجنين ومعنى الحياة الإنسانية ومتى تبدأ ومتى تنتهي، وهي مفتاح الحل في البحث عن أحكام التصرف بالجنين في مختلف مراحله، سواء بالانتفاع بأعضائه أو بإجراء التجارب عليه أو غير ذلك كما أشرنا إليه في مقدمة هذا البحث.
وتلك المعاني التي حرصنا على نقل نصوص العلماء فيها متفق عليها بينهم، وأبرزها أن بدء الحياة الإنسانية يكون عند نفخ الروح في الجنين، وأن الروح هي سبب اكتسابه الهوية الآدمية، وأن الروح ليست هي الدماغ ولا صفة من صفاته ولا جزءاً من الجسد. ولم نشاً أن ننقل جميع أقوالهم في الروح؛ فإن لهم ما وراء ذلك الحد المتفق عليه تفصيلات كثيرة، وفيها كثير من الاختلاف، ولا تفيدنا في هذا المبحث. وفيما اتفقوا عليه كفاية لما نحن فيه.
стр. 9277
المطلب الرابع
وقت نفخ الروح في الجنين
وكما اتفق علماء الإسلام على النتائج السابقة المتعلقة بنفخ الروح اتفقوا أيضاً على وقت حدوث هذا النفخ، لحديث عبد الله بن مسعود الذي ذكرناه سابقاً، والمتفق على صحته؛ حيث حدد فيه الرسول ﷺ ذلك باليوم، وأنه يكون بعد مائة وعشرين يوماً من تكون الجنين.
وقد اشتهر هذا التحديد بين العلماء المسلمين القدامى، والتزموا بما دل عليه الخبر الصحيح، وتلقوه بالقبول. ولم أعثر فيما رجعت إليه من كتب المفسرين وشراح الحديث والفقهاء وكل من تكلم في الروح ووقت نفخها من خرج عن ذلك التحديد. بل نقل غير واحد منهم إجماع العلماء على ذلك وعدم اختلافهم فيه؛ فقال القرطبي: (لم يختلف العلماء أن نفخ الروح في الجنين يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس - كما بيناه بالأحاديث - وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام) (١)
وقال ابن عابدين: (نقل بعضهم أنه اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، أي عقبها ... ولا ينافي في ذلك ظهور الخلق قبل ذلك، لأن نفخ الروح إنما يكون بعد الخلق) (٢)
وقال النووي: (واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر ... ) (٣)
وقال الأبي في شرحه على صحيح مسلم: (لم يختلف العلماء في أن النفخ يكون لتمام أربعة أشهر والدخول في الخامس، وذلك موجود بالمشاهدة وعليه يعول فيما تحتاج إليه الأحكام في الاستلحاق عند التنازع وفي وجوب النفقة على حمل المطلقة ٠٠٠) (٤)
وقال ابن رجب الحنبلي: (فأما نفخ الروح فقد روي صريحاً عن الصحابة ﵃ أنه إنما ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود) (٥)
ونقل ابن حجر القول باتفاق العلماء على أن نفخ الروح لا يقع إلا بعد أربعة أشهر عن أكثر من واحد: فنقل عن الفاضل علي بن المهذب قوله: (اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يقع إلا بعد أربعة أشهر) (٦) ٢وقال ابن حجر: (وحديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يوماً في ثلاثة أطوار كل طور منها في أربعين، ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح) (٧) وقال في موضع آخر: (ثم يكون للملك فيه تصور آخر وهو وقت نفخ الروح فيه حين يكمل له أربعة أشهر كما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر) . ونقل عن القاضي عياض في موضع آخر أنه قال: (اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع ولم يختلف في أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك بعد تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام) (٨)
стр. 9278
وكل من تعرض لشرح حديث ابن مسعود ﵁ الذي رواه البخاري ومسلم - أخذ بالتحديد المذكور في الحديث، وحمله على ظاهره، ولم يؤوله تأويلاً آخر. ولم ينقل أي واحد من شراح ذلك الحديث قولاً مخالفاً لعالم من علماء المسلمين (١)
وبالرغم من هذا الاتفاق الذي لم تخرمه مخالفة أحد من علماء المسلمين القدامى فقد وجد من الباحثين المعاصرين من قال بأن نفخ الروح يكون بعد الأربعين الأولى من مبدأ تكون الجنين في بطن أمه. وربما تأثروا في ذلك بما يقرره الأطباء من بدء تخلق الجنين في مرحلة مبكرة، واكتمال أعضائه الرئيسة قبل أربعة أشهر بأربعين يوماً تقريباً، وظناً منهم أن علماء المسلمين كانوا يجهلون هذه الحقيقة الطبية، وأنهم كانوا معذورين في حمل حديث ابن مسعود على ظاهره؛ لعدم معرفتهم بحالة الجنين في واقع الأمر. ولما كان هذا الرأي مخالفاً لظاهر الحديث المذكور أخذوا يبحثون عن تأويلات له تتفق مع الاتجاه الذي اتخذوه فمنهم من زعم أن رواية ابن مسعود رواية شاذة. ومنهم من سلم بصحتها، ولكنه رأى أنها لا تفيد أن نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وأن المراحل التي ذكرت فيه كلها تقع في أربعين يوما، والتمس لتوجيه رأيه بعض الاختلاف في اللفظ بين رواية البخاري ورواية مسلم؛ وذلك أن رواية مسلم وردت هكذا: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ... "؛ فزعم أن الإشارة الأولى تعود إلى "الأربعين يوماً" ولا تعود إلى بطن الأم، فيكون علقة ومضغة في الأربعين الأولى، فرتب على ذلك أن نفخ الروح يكون بعد أربعين يوماً وليس بعد مائة وعشرين يوماً. ثم رأى أن هذا التأويل ينبغي أن يصار إليه للتوفيق بين رواية ابن مسعود وروايات أخر ذكر فيها أن الملك الذي نسب إليه نفخ الروح في حديث ابن مسعود وكتب القدر من رزق وأجل وشقاوة وسعادة وغير ذلك، إنما يرسل إلى الجنين بعد أربعين يوماً (٢)
وهذا الاتجاه في تأويل حديث ابن مسعود، المتفق على صحته، والذي بلغ حد الشهرة وتلقته الأمة بالقبول (٣) فيه تكلف ظاهر، ولي لأعناق النصوص، وتقويم غير سليم لها، لما يأتي:
ا - الروايات التي ذكر فيها نفخ الروح ليس فيها أي نوع من التعارض، بل جاء ذكر نفخ الروح فيها بعد مائة وعشرين يوماً من تكون الجنين. وأما التعارض الموهوم فإنما جاء بين أحاديث أخرى لم تتعرض لذكر الروح، وإنما سيقت لبيان القدر المكتوب على الإنسان، فاختلفت في وقت كتابة القدر ولم تختلف في وقت نفخ الروح؛ لأنها لم تتعرض لذكره أصلاً، فإقحام نفخ الروح في الروايات المتعارضة غير صحيح. ومع ذلك فقد وجد من العلماء القدامى من جمع بين تلك الروايات المتعارضة في الظاهر من حيث وقت كتابة القدر، دون المساس بما ورد في حديث ابن مسعود عن وقت نفخ الروح (٤)
стр. 9279
٢ - كل من تعرض لشرح حديث ابن مسعود من شراح الحديث لم يشكك في التوقيت الزمني الوارد فيه، ولم يتجاوز ظاهر النص فيما يتعلق بذلك قيد أنملة، سواء في ذلك من شرح صحيح البخاري ومن شرح صحيح مسلم. بل سبق أن طائفة من العلماء نقلوا الاتفاق على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام الأربعة الأشهر من عمر الجنين ودخوله في الشهر الخامس.
٣ - ومن جهة أخرى فإن حديث ابن مسعود قد جاء متفقاً مع ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ . [سورة المؤمنون: الآيات ١٢ - ١٤] .
وذلك أن كثيراً من المفسرين وغيرهم نقلوا عن ابن عباس أن المقصود بالخلق الآخر نفخ الروح، ونقلوا مثل ذلك عن غيره من الصحابة والتابعين، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، وإذا كان كذلك فإن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام الخلق والتصوير بمقتضى نص القرآن الكريم. وهذا في اعتقادي مما يؤيده النظر في الآية على ضوء ما يعرف من تطور الجنين ونشوء عظامه، واكتسائها بالعضلات؛ وذلك أن الآية الكريمة تقرر أن الجنين في مرحلة من مراحله ينشاً خلقاً آخر، أو ينشاً له خلق آخر هو الروح كما يقول بعض المفسرين، وأن هذه المرحلة التي تتضمن المغايرة لما سبقها لا تكون إلا بعد خلق العظام وكسوتها باللحم بفترة؛ كما تدل عليه لفظة "ثم". ومن المعلوم أن ذلك لا يكون في الأيام الأربعين الأولى من عمر الجنين، وإنما يكون بعدها، ولا يحدث في يوم أو يومين أو أسبوع، فثبت بذلك أن نفخ الروح في الجنين بحسب نص القرآن لا يمكن أن يكون فور تمام الأسبوع السادس من عمر الجنين ولا بعد ذلك بأيام، وإنما ينبغي أن يكون بعد تكون العظام وكسوتها بالعضلات، وأن يكون بعد ذلك أيضاً بفترة تناسب اللفظة القرآنية المستعملة في العطف وهي لفظة "ثم" التي تقتصي التراخي.
стр. 9280
٤ - وأما ما ذكره بعض الباحثين المعاصرين من أن رواية ابن مسعود شاذه، فهذه دعوى تحتاج إلى برهان، والبرهان قائم على ضدها؛ فقد ذكر ابن حجر في الفتح أن أحداً من رواة الحديث عن ابن مسعود لم يتفرد به عن شيخه؛ فقد رواه عن سليمان الأعمش عشرات ورواه مع الأعمش عن زيد بن وهب أكثر من واحد، ورواه مع زيد عن عبد الله بن مسعود أكثر من واحد أيضاً (١) ؛ فأين الشذوذ؛ وأين الرواية التي تفوق رواية ابن مسعود لموضوع الحديث؛ بل يقول ابن الصلاح - وهو من علماء الحديث - (أعرض البخاري عن حديث حذيفة بن أسيد، إما لكونه من رواية الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئما مع حديث ابن مسعود، وحديث ابن مسعود لا شك في صحته) (٢) فإذا كان حديث ابن مسعود كما وصفه علماء الحديث، فالأولى إيراد الشك على ما لا يلتئم معه، على أن أكثر العلماء لم يروا تعارضاً بين الحديثين وجمعوا بينهما بطريقة أو بأخرى دون المساس بما اتفق عليه من وقت النفخ الوارد في حديث ابن مسعود.
٥ - وأما ما قيل من تأويل حديث ابن مسعود في رواية مسلم ليتفق مع ما ذهبوا إليه، بجعل المراد من اسم الإشارة الأول في قول الرسول ﷺ : ((ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك)) الأربعين المذكورة قبله، وليس إلى "بطن أنه "، فإن هذا التأويل - فضلاً عن أنه لم يقل به أحد ممن شرح صحيح مسلم - لا يجد له أي سند من الناحية اللغوية، ولاً يستقيم به الكلام النبوي أبداً، وبيان ذلك:
أن العبارة المشار إليها فيها اسمان للإشارة، وينبغي أن يكون لكل منهما عائد يعود إليه، ولا يجوز الوقوف عند أحدهما في تحديد عائده حتى يعرف ما يعود إليه اسم الإشارة الأخر. وقبل الكلام في هذا الأمر لا بد من التنويه إلى أن جميع الروايات الصحيحة عن ابن مسعود لم يذكر فيها لفظ "النطفة"، وإنما وقع ذكرها في رواية واحدة عند "أبي عوانة" فقط، وقد وضعت بين لفظ "أحدكم" ولفظاً "الأربعين"؛ يعني هكذا: "إن أحدكم يجمع نطفة في بطن أمه أربعين يوماً" (٣)
فإذا عدنا إلى البحث عن مرجع اسمي الإشارة: فأما رواية أبي عوانة التي ذكر فيها لفظ "نطفة" بين كلمة "أحدكم" وكلمة "أربعين"، فلا سبيل فيها إلى إعادة اسم الإشارة الأول إلى الظرف الزماني؛ لأن النص في هذه الرواية واضح في دلالته على أن الذي يجمع أربعين يوماً هو النطفة، ولا يمكن أن يدخل في مفهومها العلقة والمضغة.