← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

ويقول في موضع آخر تكلم فيه عن معنى الحياة والموت: (والمعنى المبحوث عنه هنا هو الحياة التابعة لتعلق الروح الإنساني بالبدن وأجزائه، وهي المعبر عنها في تعريف النفس بالضوء المنتشر في قول الإمام الرازي وغيره. والنفس عبارة عن جوهر مشرق روحاني إذا تعلق بالبدن حصل ضوء في جميع الأعضاء، فذلك الضوء المنتشر هو الحياة الإنسانية. فالحياة أمهر فائض عن تعلق الروح بالبدن منتشر في سائر أعضائه، وكل عضو يصل إليه نور الروح يتحول من الجمادية إلى الحياة، ففي النشأة الأولى إذا تكون وتم استعداده، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أنفذ الله فيه الروح الإلهي داخل أعضائه نفاذ النار في الفحم والماء في الورد فأحياه بعد موته، وذلك قوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ؛ فإن النفخ عبارة عن اشتعال نور الروح في الجسم بعد تسويته باستعداده، وذلك النور المنتشر في سائر الأعضاء هو الحياة الإنسانية) (١) تلك هي أقوال العلماء المسلمين القدامى، وإنما استزدنا منها وأطنبنا في ذكرها لأن المسألة خطيرة يتوقف عليها معرفة حقيقة الإنسان وحقيقة الجنين ومعنى الحياة الإنسانية ومتى تبدأ ومتى تنتهي، وهي مفتاح الحل في البحث عن أحكام التصرف بالجنين في مختلف مراحله، سواء بالانتفاع بأعضائه أو بإجراء التجارب عليه أو غير ذلك كما أشرنا إليه في مقدمة هذا البحث. وتلك المعاني التي حرصنا على نقل نصوص العلماء فيها متفق عليها بينهم، وأبرزها أن بدء الحياة الإنسانية يكون عند نفخ الروح في الجنين، وأن الروح هي سبب اكتسابه الهوية الآدمية، وأن الروح ليست هي الدماغ ولا صفة من صفاته ولا جزءاً من الجسد. ولم نشاً أن ننقل جميع أقوالهم في الروح؛ فإن لهم ما وراء ذلك الحد المتفق عليه تفصيلات كثيرة، وفيها كثير من الاختلاف، ولا تفيدنا في هذا المبحث. وفيما اتفقوا عليه كفاية لما نحن فيه.

стр. 9277

المطلب الرابع وقت نفخ الروح في الجنين وكما اتفق علماء الإسلام على النتائج السابقة المتعلقة بنفخ الروح اتفقوا أيضاً على وقت حدوث هذا النفخ، لحديث عبد الله بن مسعود الذي ذكرناه سابقاً، والمتفق على صحته؛ حيث حدد فيه الرسول ﷺ ذلك باليوم، وأنه يكون بعد مائة وعشرين يوماً من تكون الجنين. وقد اشتهر هذا التحديد بين العلماء المسلمين القدامى، والتزموا بما دل عليه الخبر الصحيح، وتلقوه بالقبول. ولم أعثر فيما رجعت إليه من كتب المفسرين وشراح الحديث والفقهاء وكل من تكلم في الروح ووقت نفخها من خرج عن ذلك التحديد. بل نقل غير واحد منهم إجماع العلماء على ذلك وعدم اختلافهم فيه؛ فقال القرطبي: (لم يختلف العلماء أن نفخ الروح في الجنين يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس - كما بيناه بالأحاديث - وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام) (١) وقال ابن عابدين: (نقل بعضهم أنه اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر، أي عقبها ... ولا ينافي في ذلك ظهور الخلق قبل ذلك، لأن نفخ الروح إنما يكون بعد الخلق) (٢) وقال النووي: (واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر ... ) (٣) وقال الأبي في شرحه على صحيح مسلم: (لم يختلف العلماء في أن النفخ يكون لتمام أربعة أشهر والدخول في الخامس، وذلك موجود بالمشاهدة وعليه يعول فيما تحتاج إليه الأحكام في الاستلحاق عند التنازع وفي وجوب النفقة على حمل المطلقة ٠٠٠) (٤) وقال ابن رجب الحنبلي: (فأما نفخ الروح فقد روي صريحاً عن الصحابة ﵃ أنه إنما ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود) (٥) ونقل ابن حجر القول باتفاق العلماء على أن نفخ الروح لا يقع إلا بعد أربعة أشهر عن أكثر من واحد: فنقل عن الفاضل علي بن المهذب قوله: (اتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يقع إلا بعد أربعة أشهر) (٦) ٢وقال ابن حجر: (وحديث ابن مسعود بجميع طرقه يدل على أن الجنين يتقلب في مائة وعشرين يوماً في ثلاثة أطوار كل طور منها في أربعين، ثم بعد تكملتها ينفخ فيه الروح) (٧) وقال في موضع آخر: (ثم يكون للملك فيه تصور آخر وهو وقت نفخ الروح فيه حين يكمل له أربعة أشهر كما اتفق عليه العلماء أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر) . ونقل عن القاضي عياض في موضع آخر أنه قال: (اختلفت ألفاظ هذا الحديث في مواضع ولم يختلف في أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوماً، وذلك بعد تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام) (٨)

стр. 9278

وكل من تعرض لشرح حديث ابن مسعود ﵁ الذي رواه البخاري ومسلم - أخذ بالتحديد المذكور في الحديث، وحمله على ظاهره، ولم يؤوله تأويلاً آخر. ولم ينقل أي واحد من شراح ذلك الحديث قولاً مخالفاً لعالم من علماء المسلمين (١) وبالرغم من هذا الاتفاق الذي لم تخرمه مخالفة أحد من علماء المسلمين القدامى فقد وجد من الباحثين المعاصرين من قال بأن نفخ الروح يكون بعد الأربعين الأولى من مبدأ تكون الجنين في بطن أمه. وربما تأثروا في ذلك بما يقرره الأطباء من بدء تخلق الجنين في مرحلة مبكرة، واكتمال أعضائه الرئيسة قبل أربعة أشهر بأربعين يوماً تقريباً، وظناً منهم أن علماء المسلمين كانوا يجهلون هذه الحقيقة الطبية، وأنهم كانوا معذورين في حمل حديث ابن مسعود على ظاهره؛ لعدم معرفتهم بحالة الجنين في واقع الأمر. ولما كان هذا الرأي مخالفاً لظاهر الحديث المذكور أخذوا يبحثون عن تأويلات له تتفق مع الاتجاه الذي اتخذوه فمنهم من زعم أن رواية ابن مسعود رواية شاذة. ومنهم من سلم بصحتها، ولكنه رأى أنها لا تفيد أن نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وأن المراحل التي ذكرت فيه كلها تقع في أربعين يوما، والتمس لتوجيه رأيه بعض الاختلاف في اللفظ بين رواية البخاري ورواية مسلم؛ وذلك أن رواية مسلم وردت هكذا: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ... "؛ فزعم أن الإشارة الأولى تعود إلى "الأربعين يوماً" ولا تعود إلى بطن الأم، فيكون علقة ومضغة في الأربعين الأولى، فرتب على ذلك أن نفخ الروح يكون بعد أربعين يوماً وليس بعد مائة وعشرين يوماً. ثم رأى أن هذا التأويل ينبغي أن يصار إليه للتوفيق بين رواية ابن مسعود وروايات أخر ذكر فيها أن الملك الذي نسب إليه نفخ الروح في حديث ابن مسعود وكتب القدر من رزق وأجل وشقاوة وسعادة وغير ذلك، إنما يرسل إلى الجنين بعد أربعين يوماً (٢) وهذا الاتجاه في تأويل حديث ابن مسعود، المتفق على صحته، والذي بلغ حد الشهرة وتلقته الأمة بالقبول (٣) فيه تكلف ظاهر، ولي لأعناق النصوص، وتقويم غير سليم لها، لما يأتي: ا - الروايات التي ذكر فيها نفخ الروح ليس فيها أي نوع من التعارض، بل جاء ذكر نفخ الروح فيها بعد مائة وعشرين يوماً من تكون الجنين. وأما التعارض الموهوم فإنما جاء بين أحاديث أخرى لم تتعرض لذكر الروح، وإنما سيقت لبيان القدر المكتوب على الإنسان، فاختلفت في وقت كتابة القدر ولم تختلف في وقت نفخ الروح؛ لأنها لم تتعرض لذكره أصلاً، فإقحام نفخ الروح في الروايات المتعارضة غير صحيح. ومع ذلك فقد وجد من العلماء القدامى من جمع بين تلك الروايات المتعارضة في الظاهر من حيث وقت كتابة القدر، دون المساس بما ورد في حديث ابن مسعود عن وقت نفخ الروح (٤)

стр. 9279

٢ - كل من تعرض لشرح حديث ابن مسعود من شراح الحديث لم يشكك في التوقيت الزمني الوارد فيه، ولم يتجاوز ظاهر النص فيما يتعلق بذلك قيد أنملة، سواء في ذلك من شرح صحيح البخاري ومن شرح صحيح مسلم. بل سبق أن طائفة من العلماء نقلوا الاتفاق على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام الأربعة الأشهر من عمر الجنين ودخوله في الشهر الخامس. ٣ - ومن جهة أخرى فإن حديث ابن مسعود قد جاء متفقاً مع ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ . [سورة المؤمنون: الآيات ١٢ - ١٤] . وذلك أن كثيراً من المفسرين وغيرهم نقلوا عن ابن عباس أن المقصود بالخلق الآخر نفخ الروح، ونقلوا مثل ذلك عن غيره من الصحابة والتابعين، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، وإذا كان كذلك فإن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام الخلق والتصوير بمقتضى نص القرآن الكريم. وهذا في اعتقادي مما يؤيده النظر في الآية على ضوء ما يعرف من تطور الجنين ونشوء عظامه، واكتسائها بالعضلات؛ وذلك أن الآية الكريمة تقرر أن الجنين في مرحلة من مراحله ينشاً خلقاً آخر، أو ينشاً له خلق آخر هو الروح كما يقول بعض المفسرين، وأن هذه المرحلة التي تتضمن المغايرة لما سبقها لا تكون إلا بعد خلق العظام وكسوتها باللحم بفترة؛ كما تدل عليه لفظة "ثم". ومن المعلوم أن ذلك لا يكون في الأيام الأربعين الأولى من عمر الجنين، وإنما يكون بعدها، ولا يحدث في يوم أو يومين أو أسبوع، فثبت بذلك أن نفخ الروح في الجنين بحسب نص القرآن لا يمكن أن يكون فور تمام الأسبوع السادس من عمر الجنين ولا بعد ذلك بأيام، وإنما ينبغي أن يكون بعد تكون العظام وكسوتها بالعضلات، وأن يكون بعد ذلك أيضاً بفترة تناسب اللفظة القرآنية المستعملة في العطف وهي لفظة "ثم" التي تقتصي التراخي.

стр. 9280

٤ - وأما ما ذكره بعض الباحثين المعاصرين من أن رواية ابن مسعود شاذه، فهذه دعوى تحتاج إلى برهان، والبرهان قائم على ضدها؛ فقد ذكر ابن حجر في الفتح أن أحداً من رواة الحديث عن ابن مسعود لم يتفرد به عن شيخه؛ فقد رواه عن سليمان الأعمش عشرات ورواه مع الأعمش عن زيد بن وهب أكثر من واحد، ورواه مع زيد عن عبد الله بن مسعود أكثر من واحد أيضاً (١) ؛ فأين الشذوذ؛ وأين الرواية التي تفوق رواية ابن مسعود لموضوع الحديث؛ بل يقول ابن الصلاح - وهو من علماء الحديث - (أعرض البخاري عن حديث حذيفة بن أسيد، إما لكونه من رواية الطفيل عنه، وإما لكونه لم يره ملتئما مع حديث ابن مسعود، وحديث ابن مسعود لا شك في صحته) (٢) فإذا كان حديث ابن مسعود كما وصفه علماء الحديث، فالأولى إيراد الشك على ما لا يلتئم معه، على أن أكثر العلماء لم يروا تعارضاً بين الحديثين وجمعوا بينهما بطريقة أو بأخرى دون المساس بما اتفق عليه من وقت النفخ الوارد في حديث ابن مسعود. ٥ - وأما ما قيل من تأويل حديث ابن مسعود في رواية مسلم ليتفق مع ما ذهبوا إليه، بجعل المراد من اسم الإشارة الأول في قول الرسول ﷺ : ((ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك)) الأربعين المذكورة قبله، وليس إلى "بطن أنه "، فإن هذا التأويل - فضلاً عن أنه لم يقل به أحد ممن شرح صحيح مسلم - لا يجد له أي سند من الناحية اللغوية، ولاً يستقيم به الكلام النبوي أبداً، وبيان ذلك: أن العبارة المشار إليها فيها اسمان للإشارة، وينبغي أن يكون لكل منهما عائد يعود إليه، ولا يجوز الوقوف عند أحدهما في تحديد عائده حتى يعرف ما يعود إليه اسم الإشارة الأخر. وقبل الكلام في هذا الأمر لا بد من التنويه إلى أن جميع الروايات الصحيحة عن ابن مسعود لم يذكر فيها لفظ "النطفة"، وإنما وقع ذكرها في رواية واحدة عند "أبي عوانة" فقط، وقد وضعت بين لفظ "أحدكم" ولفظاً "الأربعين"؛ يعني هكذا: "إن أحدكم يجمع نطفة في بطن أمه أربعين يوماً" (٣) فإذا عدنا إلى البحث عن مرجع اسمي الإشارة: فأما رواية أبي عوانة التي ذكر فيها لفظ "نطفة" بين كلمة "أحدكم" وكلمة "أربعين"، فلا سبيل فيها إلى إعادة اسم الإشارة الأول إلى الظرف الزماني؛ لأن النص في هذه الرواية واضح في دلالته على أن الذي يجمع أربعين يوماً هو النطفة، ولا يمكن أن يدخل في مفهومها العلقة والمضغة.

стр. 9281

وأما على الروايات الأخرى، وهي التي لم يذكر فيها كلمة نطفة، فلا سبيل أيضاً إلى إعادة اسم الإشارة الأول إلى الظرف الزماني؛ إذ لو فعلنا ذلك لتعذر علينا معرفة مرجع اسم الإشارة الثاني الوارد في العبارة السابقة؛ لأن المشار إليه عندئذ لا يعدو أن يكون أمراً ذكر سابقاً، والأمور التي ذكرت قبل اسم الإشارة الأول هي الظرف الزماني "أربعين يوماً" والظرف المكاني "بطن الأم"، ونائب الفاعل للفعل "يجمع" وهو خلق الإنسان، والإنسان ذاته المعبر عنه بقوله "أحدكم". فأيها يصلح أن يكون مرجعاً لتلك الإشارة الثانية على فرض أن مرجع اسم الإشارة الأول الظرف الزماني؛ فأما الظرف الزماني فلا يمكن أن يكون مرجعاً للإشارتين في آن واحد. وأما الظرف المكاني فلا يمكن أيضاً؛ لأن المعنى يصير هكذا: "ثم يكون خلق أحدكم في تلك الأربعين مثل بطن أمه"، وهو غير مستقيم. وكذلك لا يصح أن يكون مرجعه نائب الفاعل؛ لأن المعنى يصبح هكذا: "ثم يكون خلق أحدكم في تلك الأربعين مثل خلق أحدكم " وهو غير سليم أيضاً. وكذلك الحال في إرجاع الإشارة إلى "أحدكم". بقي أن يقال: ألا يمكن أن يكون المرجع هو المصدر المفهوم من قوله "يجمع خلقه"؟ والجواب أن ذلك غير ممكن أيضاً؛ لأنه يؤدي إلى التناقض بين معنى العبارة الأولى: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً" وبين العبارة التي تليها؛ إذ يصبح المعنى هكذا: (ثم يكون خلق أحدكم في تلك الأربعين علقة مثل ذلك الجمع) ، والمعنيان لا يلتقيان؛ وبيانه أن المراد بجمع الخلق أحد أمرين هما: الأول ما ورد عن ابن مسعود ﵁ من تفسيره بأن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله أن يخلق منها بشراً طارت في جسد المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين يوماً، ثم تنزل دماً في الرحم فذلك جمعها (١) وقد قيل عن هذا التفسير إئه ليس لابن مسعود وإنما هو لأحد رواة الحديث، نقله عنه بعضهم وأدرجه في الحديث حتى أوهم أنه من كلام ابن مسعود (٢) والتفسير الثاني للجمع ذكره ابن قيم الجوزية، وهو أقرب لكلام الأطباء في الماضي والحاضر، وهو أن المراد به تخطيط أعضاء الجنين وتصويرها تصويراً خفياً (٣)

стр. 9282

فأما المعنى الأول لجمع الخلق، فإن كان هو المعتمد لدى أولئك الباحثين، فإنه صريح بأن الذي يستغرق أربعين يوماً هو ذلك الجمع المنقول عن ابن مسعود أو عن بعض الرواة عنه، ولا يدخل فيه العلقة ولا المضغة. وأما المعنى الثاني لجمع الخلق الوارد في الحديث، فإن كان هو المراد، فإن معنى الشطر الأول من الحديث أن التخطيط الخفي يستغرق أربعين يوماً. فإذا كانت العلقة أمراً مختلفاً عن ذلك الجمع، فكيف توضع في ذلك الظرف الزماني الذي يملؤه كله جمع الخلق، فإنها لو وضعت معه لما صح أن جمع الخلق يستغرق أربعين يوماً، بل ينبغي أن يكون أقل من ذلك حتى يكون هناك متسع للعلقة والمضغة؛ وأصل ذلك أن الظرف سواء أكان زمانياً أم مكانياً لا بد له من متعلق، ولا يوجد أدق شك في أن متعلق الظرف المكاني "بطن الأم " والظرف الزماني "أربعين يوماً هو الفعل "يجمع "، فإذا كان كذلك تعين أن تكون الأربعون يوماً ظرفاً زمانياً لفعل الجمع، وأن هذا الفعل يستغرق جميع تلك المدة. فإن كان معناه ما ذكر آنفاً لم يكن مجال لأن يشترك معه تصير الجنين علقة وتصيره مضغة، إلا أن يحمل النص النبوي ما لا يحتمله. فإن قيل: إن تصيير الجنين علقة وتصييره مضغة داخل في مفهوم الجمع، فالجواب: أن هذا ترده صيغة البيان النبوي في الحديث الشريف؛ حيث عطف هذا التصيير على جمع الخلق بثم؛ وهذا الأسلوب قطعي في دلالته على أن ذلك التصيير يحدث بعد جمع الخلق مرتباً عليه، وليس داخلاً فيه. ولو كان داخلاً فيه لاستعمل الرسول ﷺ الحرف الذي وضع في لغة العرب للتفسير والتفصيل وهو الفاء، وذكر قبله المجمل وبعده التفسير المفصل لمراحل الجنين الثلاث بأن قال: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً: فيكون فيها نطفة ثم علقة ثم مضغة)) . وأما "ثم" فإنه حرف عطف يفيد مغايرة المعطوف للمعطوف عليه، ولا يحتمل دخول الأول في الثاني دخول الجزء في الكل، وما دام الظرف الزماني في الحديث، وهو الأربعون يوماً، قد ذكر بعد المعطوف عليه وقبل المعطوف بثم، فإنه يكون ظرفاً للمعطوف عليه، ولا يكون ظرفاً للمعطوف.

стр. 9283

ولذلك فإن ابن القيم بعد أن فسر جمع الخلق الوارد في أول الحديث بالتصوير الخفي صرح بأن ذلك الجمع إنما يحدث في الأربعين الأول، ولم يدخل فيه مرحلة العلقة ومرحلة المضغة، وإنما يتم كل طور من هذين الطورين بانصرام أربعين يوماً على نهاية المرحلة التي قبلها، ثم يكون نفخ الروح في بداية الأربعين الرابعة (١) ٦ - كان العلماء المسلمون يدركون تمام الإدراك أن الجنين ينمو ويتخلق ويكتمل تصويره وتخليقه قبل تمام الأشهر الأربعة، وكان هذا معروفاً لديهم في الشرع وفي الطب: فأما في الشرع فقد صح من حديث الرسول ﷺ قوله: ((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ... )) (٢) ؛ فهذا خبر واضح في أن تصوير الجنين وخلق كافة أعضائه يكون بعد ستة أسابيع من عمره في بطن أنه. وأما طبياً فقد نقل أكثر من فقيه مسلم عن أطباء عصرهم أن الجنين يستكمل أعضاءه قبل تمام الأشهر الأربعة، وأن ذلك لا يتعارض مع ما جاء به الشرع من حقيقة تأخر نفخ الروح إلى ما بعد تمام تلك الأشهر الأربعة، بل يقتضيه ويتلاءم مع مقتضى الحكمة؟ فإن مقتضاها أن الروح لا تتعلق بالجنين إلا بعد تمام خلقه لا قبله؟ لأن البدن مركب لها، وآلة تستعملها في تحقيق ما خلقت من أجله، والحكمة تقتضي إعداد المركب وتحضير الآلة قبل خلق الراكب المستعمل لها، وفيما يلي أذكر نصوصاً لعلمائنا توضح ذلك: يقول ابن قيم الجوزئة: (إذا اشتمل الرحم على المني ولم يقذف به إلى خارج استدار على نفسه وصار كالكرة، وأخذ في الشدة إلى تمام ستة أيام، فإذا اشتد نقط فيه نقطة في الوسط، وهي موضع القلب، ونقطة في أعلاه، وهي نقطة الدماغ، وفي اليمين، وهي نقطة الكبد. ثم تتباعد تلك النقط ويظهر بينها خطوط حمر إلى تمام ثلاثة أيام أخر، ثم تنفذ الدموية في الجميع بعد ستة أيام أخر، فيصير ذلك خمسة عشر يوماً، ويصير المجموع سبعة وعشرين يوما، ثم ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطراف عن الضلوع، والبطن عن الجنبين، وذلك في تسعة أيام، فتصير ستة وثلاثين يوماً، ثم يتم هذا التمييز بحيث يظهر للحس ظهوراً بينا في تمام أربعة أيام، فيصير المجموع أربعين يوماً تجمع خلقه ... وهذا مطابق لقول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: ((ان أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً)) . واكتفى النبي ﷺ بهذا الإجمال عن التفصيل. وهذا يقتضي أن الله قد جمع فيها خلقها جمعاً خفياً. وذلك الخفي في ظهور خفي على التدريج، ثم يكون مضغة أربعين يوماً أخرى، وذلك التخليق يتزايد شيئاً فشيئاً إلى أن يظهر للحس ظهوراً لا خفاء به كله، والروح لم تتعلق به بعد؛ فإنها إنما تتعلق به في الأربعين الرابعة بعد مائة وعشرين يوماً، كما أخبر به الصادق، وذلك مما لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي، إذ ليس في الطبيعة ما يقتضيه، فلذلك حار فضلاء الأطباء وأذكياء الفلاسفة في ذلك، وقالوا: إن هذا مما لا سبيل إلى معرفته إلا بحسب الظن البعيد ... وحقيقة العلم فيه عند الله تعالى، لا مطمع لأحد من الخلق في الوقوف عليه) ، ثم قال ابن القيم: (قد أوقفنا عليه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بما ثبت في الصحيحين: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً ... الخ) (٣)

стр. 9284

فهذا ابن القيم يصف التطور الجسماني للجنين بما لا يبتعد في مجمله عما توصل إليه الطب المعاصر (١) ويقرر أن التصوير والتخليق يحدث قبل أربعة أشهر بمدة طويلة، ومع ذلك فإنه يقرر أيضاً أن نفخ الروح لا يقع إلا بعد أربعة أشهر تمسكاً بحديث المصطفى ﷺ . بل يذهب إلى أكثر من ذلك، وهو أن أية حركة تصدر عن الجنين قبل ذلك الوقت فإنها لا تكون حركة ذاتية إرادية، بل لعلها حركة عارضة بسبب الأغشية والرطوبات ثم قال: (ولكن الذي نقطع به بأن الروح لا تتعلق به إلا بعد الأربعين الثالثة، وما يقدر من حركة قبل ذلك إن صحت لم تكن بسبب الروح) (٢) وقد نقل ابن حجر عن الأطباء في عصره ما هو قريب مما ذكره ابن القيم، وكذلك ابن رجب الحنبلي. وهما أيضاً قد صرحا بأن نفخ الروح لا يقع إلا بعد مائة وعشرين يوماً ونقلا الاتفاق على ذلك كما تقدم (٣) كما تقدم النقل عن ابن عابدين أن ظهور الخلق قبل أربعة أشهر لا ينافي نفخ الروح بعدها؛ لأن الروح إنما يكون بعد الخلق. وقال النووي – مع تأكيده اتفاق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر – (لأن نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام صورته) (٤) وأكد الشيخ داود الأنطاكي - وهو من علماء عصره في الطب - أن الروح التي تكسب الجنين الحياة الإنسانية إنما تنفخ بعد مائة وعشرين يوماً، كما جاء به الشرع، وسماه الروح النفساني، وأن ما يذكره الأطباء من حياة قبل ذلك فهي خالية من هذه الروح الإنسانية، وسببها ما سماه الروح الطبيعي (٥)

стр. 9285

وقال الشيخ محمد حسنين مخلوف: ( ... ولما كان الغالب على الجنين في الطور الأول أعراض النطفة، وفي الأربعين الثانية أعراض العلقة، وفي الأربعين الثالثة أعراض المضغة ورد الحديث على هذا البيان طبقاً للظاهر المحسوس، وان كان خلق الجنين وتصويره قد تم قبل ذلك، فإن الروح الإنساني مستدع لتمام خلقه وتصويره؟ كيف والروح هي اللطيفة الربانية المتعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصرف، وذلك يستدير تمام الخلقة والتصوير) (١) وقال في موضع آخر: (وإنما اختص طور العظام بنفخ الروح في البدن وتعلقها به لأنه الطور الذي صلبت فيه المضغة حتى صارت عظاماً مقومة للهيكل الإنساني، قابلة للآثار الروحية والأفاعيل المختلفة، فهو الحد الذي يصلح فيه البدن لقبول الآثار الفائضة عليه من عالم التدبير. ٠٠) (٢) فيتبين مما تقدم أن العلماء المسلمين القدامى كانوا يعلمون أن الجنين يتخلق قبل نفخ الروح، وأن ذلك كان مشتهراً في أوساطهم الطبية، ولم يمنعهم ذلك من الأخذ بظاهر حديث ابن مسعود، بل اتفقوا على الأخذ به، ورأوا أن منطق الأشياء يقتضي تأخير نفخ الروح إلى وقت تكون فيه أعضاء الجنين الرئيسة قد اكتملت، ولم يتأثروا بما كان قد عرف في الأوساط الطبية من وجود نوع من الحياة أو الحركة السابقة على نفخ الروح، ولم يروه مناقضاً للحديث الشريف ولا مستدعياً لتأويله، بل رأوه مناسباً له ومؤكداً لحكمة مدلوله.

стр. 9286

المطلب الخامس حقيقة الجنين قبل نفخ الروح الجنين الذي بلغ أربعة أشهر من عمره، ونفخت فيه الروح، يكون إنساناً بحسب مختلف التصورات، وعند جميع الطوائف والعلماء: أما في الإسلام، فلأن الروح هي أصل الحياة الإنسانية، ومصدر الإرادة والشعور والتفكير - كما تبين مما سبق تفصيله - وباتصالها بالجسد الجنيني يصبح الجنين إنساناً، ويكون حياً بالحياة الإنسانية، ويظل كذلك ما دام جسده، وروحه متحدين، فإن افترقا حل به الموت. وأما عند الذين لا يؤمنون بالروح، أو يؤمنون بها ولكن لا يجعلون لها أي أثر؟؛ فلأن الجنين ينبغي أن يعتبر عندهم إنسانا بمجرد تكونه من الحيوان المنوي وبيضة المرأة؛ إذ لا يوجد في مسار التطور الجسدي الجنيني نقطة تصلح لاعتبارها مبدأ لتكون الإنسان أهم من لحظة ذلك التكون؛ فهي أوضح نقطة في ذلك المسار، وفيها يصبح الجنين قادراً على التدرج في مدارج النمو الجسماني حتى يفضي إلى التخلق الكامل ثم الولادة. وقبلها لا يمكن أن يدخل في ذلك التدرج، ولأنه تكتمل الحصيلة الإرثية لجنس الإنسان من تلك اللحظة (١) وهكذا، فإنه مع إنكار اتصال الروح بالجسد في زمن لاحق لتكون الجنين لا يوجد مبدأ أهم من ذلك التكون يصلح أن ينسب إليه وجود الإنسان، وإذا كان كذلك فإن الجنين الذي بلغ من عمره أربعة أشهر لا شك في اعتباره إنساناً عند هذا الفريق أيضاً. والنتيجة أنه لا يخالف أحد في وصف الجنين بالإنسانية بعد بلوغه أربعة أشهر ودخوله في الخامس. وأما قبل نفخ الروح فينبغي أن تختلف النظرة فيه ببن علماء الإسلام وبين أولئك الذين لا يؤمنون بالروح أو يؤمنون بها ولا يرتبون أي أثر عليها، ولا يعترفون بفاعليتها في تكوين الإنسان: فأما حقيقته في الإسلام، وكما يراها علماء المسلمين القدامى، فهو أنه مخلوق أودع الله فيه نوعاً من الحياة، بمجرد تكونه من ماء الرجل وماء المرأة، وجعل فيه قوى النمو والتطور البدني والاغتذاء ليصل إلى وضع جسماني يكون فيه صالحاً لنفخ الروح. وهو في هذه الفترة لا يكون آدمياً ولا يوصف بالإنسانية، ولا يكون حياً بالحياة الإنسانية (المتميزة عن جميع أنواع الحياة في هذا الوجود) . وكذلك لا يوصف بأنه آدمي ميت؛ لأن هذا الوصف لا يطلق إلا على الجسد الذي حلته الروح في وقت ما ثم فارقته. وهذا لم تحل فيه الروح أصلاً، فلا يوصف بأنه حي بالحياة الإنسانية، ولا يوصف بأي وصف يدل على أنها كانت فيه. فلا سبيل إلى تعريفه بغير ما ذكرنا من أنه مخلوق حي بحياة النمو والاغتذاء والتطور جعله الله أصلاً للآدمي الذي تنفخ فيه الروح.

стр. 9287

ومع أن ما قدمنا من النصوص القرآنية والنبوية وأقوال العلماء في الروح وآثارها ووقت اتحادها مع جسد الجنين فيه دلالة كافية على نظرة الإسلام وعلمائه إلى الجنين قبل نفخ الروح فيه، لكننا هنا نستزيد من أقوال العلماء الصريحة في أن الجنين في هذه المرحلة لا يعتبر آدمياً ولا حياً بالحياة الإنسانية، ولا يوصف بأنه إنسان حي ولا ميت، سواء أكانت فيه حياة الاغتذاء والنمو أم كان فاقداً لها؟ وذلك لخطورة هذا الموضوع، وتأثيره بشكل أو بآخر في كثير من الأحكام العملية لتصرفات يكون الجنين موضوعها: ١ - يقول القرطبي في تفسير قوله ﷺ : ((ينفخ فيه الروح)) (إن النفخ سبب خلق الحياة الإنسانية في الجنين، وأن هذا يحدث بإحداث الله تعالى) (١) ٢ - وبقول ابن قدامة الحنبلي بصدد كلامه عن أحكام السقط (وأما قبل نفخ الروح فلا يكون الجنين نسمة، فلا يصلى عليه كالجمادات والدم) (٢) ٣ - ونقل الشوكاني عن الشافعي أنه كان يرى أن الجنين قبل أربعة أشهر لا يكون حياً ولذلك لا يغسل ولا يصلى عليه، ثم قال: (وقد رجح المصنف رحمه الله تعالى هذا واستدل له فقال: قلت: وإنما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح، وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فأما إن سقط لدونها فلا؛ لأنه ليس بميت إذ لم ينفخ فيه روح) (٣) ٤ – ويرى ابن قيم الجوزية أن للجنين حياتين: الأولى كحياة النبات تكون معه قبل نفخ الروح وبعدها، ومن آثارها حركة النمو والاغتذاء غير الإرادية، والثانية حياة إنسانية، وتحدث في الجنين بنفخ الروح فيه، ومن آثارها الحس والحركة الإرادية (٤) ٥ – وقال فقهاء الحنفية بحسب ما ينقل عنهم ابن عابدين: (إنما يباح للمرأة استنزال الجنين قبل نفخ الروح؛ لأنه ليس بآدمي) (٥) ٦ – وقال ابن رشد الحفيد: (واختلفوا من هذا الباب في الخلقة التي توجب الغرة ... والأجود أن يعتبر نفخ الروح فيه، أعني أن يكون تجب فيه الغرة إذا علم أن الحياة كانت وجدت فيه ٠٠٠) (٦)

стр. 9288

٧ - كان ابن عباس ﵄ يقول: خلق ابن آدم من سبع ثم يتلو هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ، وسئل عن العزل، فقرأ هذه الآية ثم قال: فهل يخلق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة؟ وفي رواية عنه قال: وهل تموت نفس حتى تمر على هذا الخلق؟ وروي عن رفاعة بن رافع قال: جلس إلي عمر وعلي والزبير وسعد ونفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكروا العزل، فقال: لا بأس به، فقال رجل: إنهم يزعمون أنها الموؤودة الصغرى، فقال علي ﵁: لا تكون موؤودة حتى تمر على التارات السبع: تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاماً ثم تكون لحما، ثم تكون خلقاً آخر، فقال عمر ﵁: صدقت أطال الله بقاءك (١) فهذا مفهوم الوأد "وهو نوع من القتل" عند الصحابة رضوان الله عليهم لا يتحقق إلا إذا أنشىء الجنين خلقاً آخر بعد تعاقب الأطوار الأخرى عليه، كما ذكرت الآية الكريمة. وقد تقدم أن الصحابة ومنهم ابن عباس وعلي كانوا يفسرون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ﴾ بأنه نفخ الروح. ٨ - وقال الشوكاني في معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ : ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه فهو المخلقة، وهو الذي ولد لتمام، وما سقط كان غير مخلقة، أي غير حي بإكمال خلقته بالروح (٢) ٩ - - وقال البيجوري: وأما السقط، وهو الذي لم تتم له ستة أشهر، فإن ألقي بعد نفخ الروح فيه أعيد بروحه ويصير عند دخول الجنة كأهلها في الجمال والطول، وإن ألقي قبل نفخ الروح فيه كان كسائر الأجسام التي لا روح فيها كالحجر، فيحشر ثم يصير ترابا (٣) ١٠ - ويقول ابن حزم الظاهري في معرض الرد على من يجعل غرة الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح للورثة: أما قولهم: إن الغرة دية فهي كحكم الدية، وقد صح أن الدية موروثة على فرائض المواريث فالغرة كذلك، فإن هذا قياس باطل؟ لأن الجنين الذي لم ينفخ فيه الروح لم يقتل قط، فقياس دية من لم يقتل على دية من قتل باطل لو كان القياس حقاً؛ لأنه قياس الشيء على ضده، فبطل. وأما نحن فإن القول عندنا هو: ان الجنين إن تيقناً أنه قد تجاوز الحمل به مائة وعشرين ليلة فإن الغرة موروثة لورثته، وإن لم يوقن أنه تجاوزها فالغرة لأمه فقط؛ برهاننا على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ . وقال رسول الله ﷺ : ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقاد وإما أن يودى)) .

стр. 9289

فصح بالقرآن والسنة أن دية القتيل في الخطأ والعمد مسلمة لأهل القتيل، والقتيل لا يكون إلا في حي نقله القتل عن الحياة إلى الموت بلا خلاف من أهل اللغة التي نزل بها القرآن، وبها خاطب الرسول. والجنين بعد مائة وعشرين ليلة حي بنص خبر الصادق المصدوق، وإذ هو حي فهو قتيل قد قتل بلا شيء ... وأما إذا لم يوقن أنه تجاوز مائة وعشرين ليلة فنحن على يقين من أنه لم يحي قط ولا كان له روح بعد ولا قتل، وإنما هو ماء أو علقة من دم أو مضغة من عضل أو عظام ولحم، فهو في كل ذلك بعض أمه؛ فإذا ليس حياً بلا شك، فلم يقتل؛ لأنه لا يقتل موات ولا ميت، وإذ لم يقتل فليس قتيلاً، فليس لديته حكم دية القتيل (١) هذه النصوص التي ذكرناها لبعض علماء الإسلام، وتلك النصوص التي ذكرناها في المطلب السابق لعلماء آخرين، والتي تدل على ارتباط الحياة الإنسانية بنفخ الروح، والتي استند فيها أولئك العلماء إلى ما ورد في الكتاب والسنة من نصوص حول الروح وآثارها، كل ذلك يدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن الجنين قبل نفخ الروح لا يوصف بأنه إنسان حي ولا ميت، سواء أكانت فيه حياة الاغتذاء والنمو أم زالت عنه. ومن الجدير بالذكر أنني لم أجد في مصنفات العلماء المسلمين القدامى من صرح بخلاف ما ذكرنا من نفي الحياة الإنسانية عن الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح، سواء في ذلك علماء التفسير وعلماء الحديث وعلماء الفقه وغيرهم. بل إن أسلوب من تعرض لهذا الموضوع وبحث فيه يوحي بأن هذه القضية مسلم بها، وليس حولها شك. ولا يتعارض مع هذا أن كثيراً من علماء الإسلام قد رتبوا بعض الأحكام العملية على وجود الجنين مهما كان عمره في بطن أمه؟ فإنها عند التدقيق فيها يتبين أن مبنى تلك الأحكام لا يقوم على نفخ الروح ووجود الحياة الإنسانية في الجنين، وإنما مبناه على أمور أخرى: من ذلك تحريم إجهاضه ووضع حد لنموه وتطوره؟ لأن هذا العمل إتلاف لمخلوق لو ترك لنما وتشكل وصار أهلاً لنفخ الروح فيه، واكتساب الهوية الآدمية، ولا شك في أن إتلاف ما هذا شأنه لا يجوز، فإن إتلاف الأشياء النافعة أو التي يتوقع نفعها لذويها حرام إلا لمصلحة راجحة. ولهذا السبب أيضاً حرم الشرع إقامة الحد المهلك أو الذي يغلب على الظن أن يتضرر منه الجنين.

стр. 9290

ومن الأحكام التي تتعلق بالجنين وان لم ينفخ فيه الروح انتهاء العدة بسقوطه، فإن ذلك غير مرتبط بنفخ الروح؟ حيث ربط الشارع انتهاء عدة الحامل بوضع حملها، وحكمة العدة – وهي استبراء الرحم – تحصل بالوضع مهما كان الجنين. ومنها أيضاً حجز نصيب من الميراث لحساب الجنين إذا تبين الحمل بغض النظر عن نفخ الروح فيه؟ لأن الغالب تطور الجنين ليصل إلى مرحلة نفخ الروح فيه وصيرورته إنساناً وولادته حياً، فلابد من النظر له، ولكن ما يحجز له لا يكون حقاً له قبل صيرورته إنساناً وولادته حياً، حتى لو سقط قبل ذلك لم يورث عنه ما حجز له. فهذه الأحكام لا تدل على أن العلماء المسلمين قد خالفوا ما نصوا عليه بصراحة من أن الجنين قبل نفخ الروح لا يكون آدمياً؛ لأنها، كما يرى، غير متربطة بنفخ الروح ولا بإنسانية الجنين، وإنما ارتباطها بمعان أخرى. ويرد هنا تساؤل يستحسن الإجابة عنه، وهو أن الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح إذا لم يكن آدمياً فهل يمكن اعتباره جزءاً من آدمي هو أمه؟ وفي الجواب لابد من الإشارة إلى أن بعض الفقهاء المسلمين قد ورد في كتبهم ما يدل على أن الجنين يعامل معاملة العضو من الأم في بعض الأحكام (١) غير أن أغلب الظن عندي أن الجنين مخلوق مستقل عن أمه، سواء أنفخت فيه الروح أم لم تنفخ، وان كان له نوع اتصال بها، وأن بعض الفقهاء إنما اعتبره كالعضو من الأم من الناحية الحكمية لغرض ترتيب بعض الأحكام المتعلقة بالتعويض الواجب على إسقاطه (٢) وتوجيه ظننا في هذا الموضوع أن جسد الآدمي مركب الروح وآلتها بحسب التصور الإسلامي الذي بيناه فيما سبق. وهذا المركب مكون من أجزاء كلها تقع في موقع الخدمة للروح بأساليب وصور شتى. ومن خصائص تلك الأجزاء مصاحبة الروح من وقت نفخها إلى وقت رحيلها، وعدم مفارقتها لها بصورة آلية؛ لما جعل الله تعالى بين الروح والجسد من عشق جبلي لا ينقطع بدون سبب قوي؛ فالعين والأذن والقلب والدماغ والأطراف وكل عضو من أعضاء الجسد لا يفارق الروح المختصة به بصورة ذاتية إلا أن يوجد عارض قوي ينسب بتلك المفارقة، فالروح لا تلفظ اليد والرجل والعين والأعضاء التي خصها الله بها، ولا هذه الأعضاء تنسلخ عن الروح وإنما يمكن أن تنتزع منها انتزاعاً بسبب من الأسباب.

стр. 9291

والجنين في بطن أمه، سواء قبل نفخ الروح أو بعدها لا يتصف بشيء مما ذكرنا من خصائص الأعضاء، فهو لا يخدم روح الأم، ولا يأتمر بأوامرها (١) ولا يتوقف عليه صلاح أي عضو من أعضاء جسدها، وتنحصر علاقته بجسدها في الأخذ دون العطاء، وهو أشبه ما يكون بالرضيع الذي يأخذ لبن أمه بعد ولادته، ولكنه لما كان قبل الولادة غير قادر على الأخذ بطريقة الوليد رتب له ربه ﵎ طريقة أخرى تناسب طبيعته. وهو بعد ذلك صائر إلى الانفصال عن جسد الأم بصورة ذاتية. بل إن ذلك الجسد لا يقبله أكثر من المدة المعهودة للحمل، وروح الأم المسيطر على ذلك الجسد لا يطيق وجوده أكثر من تلك المدة. وكل ذلك يدل على أنه كيان مستقل عن أمه وعارض عليها، وليس جزءاً منها. فنخلص مما تقدم إلى أن الجنين قبل نفخ الروح في التصور الإسلامي، ليس ادمياً ولا جزءاً من آدمي، وإنما هو مخلوق في طور الإعداد لاستقبال الروح التي تصيره آدمياً. وأما الجنين عند الذين لا يؤمنون بالروح من العلماء الماديين، ومن تأثر بهم فأقر بوجودها وجردها من آثارها، فإن مقتضى عقيدتهم هذه أن حقيقته واحدة من أول لحظة يتكون فيها باتحاد مني الرجل ببييضة المرأة، وأن آدميته تولد معه في هذه اللحظة، ولا يطرأ عليها ما يغيرها في مختلف مراحله الخلقية حتى يتوفى بهلاك جسده؛ وذلك أن حقائق الأشياء لا تتغير بصغرها وكبرها، ولا بثقلها وخفتها، وإنما تتمايز باختلاف جوهرها. والحياة عندهم تنشأ مع الجنين من تلك اللحظة، وتبقى معه متصفاً بها حتى يفقدها بسبب من الأسباب ويفنى ذلك الجسد. ونعتقد أن أي تغير في جسد الجنين المادي المحسوس من تعلق بجدار الرحم ونمو وكبر حجم وزيادة وزن وظهور طلائع الجهاز العصبي والأجهزة الأخرى وغير ذلك من التغيرات الجسمانية لا يصلح أبداً مستنداً للقول بتغير حقيقة الجنين؟ لأن جميع هذه التغيرات إنما هي ثمرات لنوع الحياة الذي وجد مع الخلية الأولى من خلايا جسد الجنين المتكون؛ فعند تكون الجنين بخليته الأولى ينشأ فيه ذلك النوع من الحياة، ويكون سبباً في كل ما يطرأ عليه من تحولات وإضافات وتشكلات وغير ذلك، فإن حقيقة الحياة التي وجدت في الخلية الأولى ومكنتها من رحلتها التطورية لا تختلف عنها في أي طور، بل هي عينها الحياة التي تكون فيه مهما كان عمره ووزنه وطوله وشكله، بل هي عين الحياة التي تكون معه بعد ولادته، والتي يكون من آثارها نموه في الطول والعرض وترميم أعضاء الجسم التالفة، ومقاومة الجراثيم الدخيلة، ولأم الجروح، ونمو الشعر والظفر، وهي عين الحياة التي تبقى فترة قصيرة من الزمن في الأعضاء بعد الموت الدماغي للإنسان.

стр. 9292

وهكذا فإن إنكار الروح وإنكار انضمامها إلى جسد الجنين في لحظة من لحظات عمر الجنين يلزم القائلين به والممالئين لهم ممن اعترفوا بالروح وأنكروا آثارها، وآثروا إهمالها عند البحث في حقيقة الجنين، يلزمهم بأن يعتبروا الجنين إنساناً من أول لحظة يتكون فيها باتحاد المني مع البييضة. ومع أن هذا هو مقتضى تلك النظرة لكننا نجد كثيراً من أصحابها يرون أن موت الإنسان يقع بموت دماغه بعد نشوئه وقيامه بوظائفه (١) والذي يتفق مع نظرتهم تلك إلى حقيقة الجنين بصورة خاصة والإنسان بصورة عامة أن يكون موت الإنسان بذهاب تلك الحياة التي صاحبته منذ تكونه لا بمجرد موت دماغه؟ وإلا فإن الجنين قبل تكون دماغه وقيامه بوظائفه يعتبر بناء على نظرتهم تلك إنساناً حياً، فالقول بحياته يتعارض مع قولهم بأن الموت هو موت الدماغ، وتحديد الموت بموت الدماغ يتناقض مع القول بحياة الجنين قبل نشوء دماغه، ولا يخلصهم من هذا التناقض إلا القول بوجود نوعين من الموت: أحدها موت الجنين قبل نشوء دماغه ويكون بذهاب الحياة الموجودة في خلاياه وتوقفها عن النمو والتشكل والاغتذاء، والثاني موت الإنسان الذي تكون له دماغ ومارس هذا الدماغ وظائفه، ويكون بموت هذا الدماغ موتاً نهائياً، على أن هذا المخرج يلزم القائلين به الاعتراف بوجود نوعين من الحياة يتعاقبان على الجنين: النوع الأول قبل نشوء دماغه، والثاني بعد نشوئه؛ لأن الموت نقيض الحياة ووجود نوعين من الموت يقتضي وجود نوعين من الحياة، حتى يصدق على كل واحد منهما أنه نقيض الموت الذي يقابله، وهذه النتيجة تقترب إلى حد ما - وإن لم تطابق - مع نظرة علماء الإسلام في تحديد حقيقة الجنين قبل نفخ الروح وبعده. والفرق بينهما اعتبار نفخ الروح مصدراً للحياة الثانية في النظرة الإسلامية ونشوء الدماغ مصدراً لها في النظرة الأخرى. وقد تقدم ما يبعد معه كون الدماغ سبباً لإحداث نوع جديد من الحياة، وذلك عند الكلام عن تطور الجنين وأثره في تحديد حقيقته.

стр. 9293

المبحث الثاني حكم الانتفاع بالأجنة في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية تقدم أن البحث عن حكم تصرف ما لا يستقيم إلا بالبدء من معرفة حقيقة ذلك التصرف، وأن هذا التصرف إن كان عملاً يقوم به الإنسان في شيء ما، ويترك آثاراً بليغة في هذا الشيء، فإن تصوره يتوقف على معرفة ذلك الشيء الذي يقع عليه. وقد أفضنا - في المبحث الأول - في بيان حقيقة الجنين، وخرجنا بنتيجة محددة في ذلك، وفيما يأتي سنتخذ تلك النتيجة أساساً في البحث عن حقيقة التصرف في الجنين بأخذ بعض أعضائه لزراعتها أو بجعله محلاً للتجارب العلمية. ومن ثم ننتقل إلى بيان حكم هذا التصرف من وجهة النظر الشرعية، وقيود ذلك ونختم المبحث - إن شاء الله تعالى - ببيان ما ينبغي أن يكون عليه حكم هذا التصرف عند من ينكرون الروح. المطلب الأول حقيقة الانتفاع بالأجنة في زراعة الأعضاءوالتجارب العلمية ليس من غرضنا في هذا المطلب بيان حقيقة التصرفات التي تقع على الجنين، ولا تتسبب إلى أي نوع من الإضرار بجسده، أو تلك التي يقصد بها معالجة الجنين، سواء أكانت نتائجها إيجابية أم سلبية؛ فإن حقيقة هذه التصرفات أنها أعمال نافعة أو يقصد بها تحقيق مصالح معتبرة للبشرية عامة أو للجنين محل التصرف خاصة، وهي إما أن تكون سالمة تماماً من أي ضرر يقع على الجنين، كتلك الأبحاث التي تجرى على الجنين وتعتمد على ملاحظته داخل بطن أمه أو خارجه دون التسبب له بأية مضاعفات، وإما أن يكون الضرر الناشىء عنها غير مقصود وإنما جاء نتيجة لمحاولات طبية يراد بها إنقاذ الجنين من الهلاك أو من خلل جسدي (١) فمثل ذلك لا شبهة في تحديد حقيقته، ولا شك في جوازه شرعاً وعقلاً، وقد يقع على الإنسان المولود، كبيراً كان أو صغيراً.

стр. 9294

وإنما نقصد من هذا المطلب بيان حقيقة التصرف بالأجنة مما يسبب لها الضرر، فيهلكها كلياً أو جزئياً دون أن يكون الهدف الأصلي منها إنقاذ الجنين أو معالجته، وذلك بأخذ بعض أجزائه لزراعتها في جسد إنسان مريض، أو بإجراء التجارب العلمية عليه مما يقتضي تفتيته أو تغيير أوضاع الخلقة الأصلية التي خلق عليها ونحو ذلك. ومن وجهة النظر الإسلامية لا شك في أن تحديد حقيقة تلك التصرفات يختلف باختلاف المرحلة التي يكون فيها الجنين: مرحلة ما قبل نفخ الروح ومرحلة ما بعده، كما يختلف باختلاف حال الجنين إن كان حياً أو كان ميتاً. وأما من وجهة النظر الأخرى التي لا تعترف بالروح، ولا تقر إلا بنوع واحد من الحياة يكون فيه الجنين في جميع أطواره، فإن حقيقة تلك التصرفات لا تختلف إلا من حيث وجود الحياة في جسد الجنين أو عدم وجودها. حقيقة تلك التصرفات من وجهة النظر الإسلامية: إذا كان الجنين قد استقبل الروح بانصرام مائة وعشرين يوماً على تكونه، ولم ترحل عنه، فهذا آدمي حي بحياة الروح كما ذكرنا، وأخذ أحد أعضائه أو إخضاعه للتجارب العلمية في المختبرات مما يتسبب في مفارقة روحه لجسده، يكون قتلاً له بالمعنى الاصطلاحي الدقيق للقتل. فإن نجا من ذلك كان ذلك التصرف إيذاء لجسد آدمي حي على أقل تقدير. وهذا لا يختلف سواء أكان الجنين في بطن أمه أو سقط منه أو أسقط، ما دام حياً بحياة الروح، ويعرف ذلك بصدور أية حركة إرادية عن الجنين أو بتبين صلاحية دماغه وعدم موته؛ لأن الروح إنما تسيطر على الجسد بواسطة الدماغ، كما أسلفنا، ولا ترحل عنه إلا بتلفه تلفاً كليا. ولا يؤثر على ذلك كون الجنين قد سقط من بطن أمه في زمن لا يعيش فيه مثله، وأن مصيره إلى الموت وحدوث مفارقة روحه لجسده؛ لأن العبرة بوجود الروح في الجسد، وليس بما سيؤول إليه الوضع، وقد يتمكن أهل صنعة الطب من توفير الظرف المناسب للجنين الذي يسقط في وقت مبكر بعد نفخ الروح، فيظل على قيد الحياة (١)

стр. 9295

وأما إذا فارقت الروح جسد الجنين بوفاة دماغه، سواء أكان في البطن أم خارجه، فإنه يصبح آدمياً ميتاً. ويكون أخذ عضو منه أو إجراء التجارب عليه تصرفاً بجسد آدمي كان مسكناً للروح، ولا يكون ذلك قتلاً له. وهذا كله إذا كان الجنين قد جاوز في عمره مائة وعشرين يوما أو بلغها. وأما قبل ذلك، حيث لم تنفخ فيه الروح بعد، فإن التصرف فيه بأخذ جزء منه أو بإجراء التجارب عليه على النحو الذي بيناه لا يعد قتلاً لآدمي، وإن أدى ذلك إلى فقدانه قابلية النمو والاغتذاء والتطور؛ لأن القتل بمعناه الاصطلاحي الفقهي الدقيق هو فعل من الأدمي يؤدي إلى إزهاق روح آدمي آخر، فلا توجد حقيقة القتل إلا إذا كان محله آدمياً فيه روح (١) وهذا لم تنفخ فيه الروح بعد. نعم، قد يطلق على هذا الفعل قتلاً، لأنه أدى إلى إيقاف نوع من الحياة، ولكن لا يراد به عندئذ المعنى الاصطلاحي للقتل، وإنما يراد به إفساد الجنين بوقفه عن التطور والتغذي والتخلق، ومنعه من الوصول إلى كمال هذه المرحلة ببلوغ الحد الصالح لنفخ الروح. على أنه ينبغي التمييز بين حالتين: إحداهما يكون فيها التصرف في الجنين قبل نفخ الروح فيه بأخذ جزء منه أو بإجراء التجارب عليه إفساداً له. والثانية لا يعتبر ذلك فيها إفسادا له: فأما الحالة الأولى فتكون عندما يقع ذلك التصرف على جنين لو ترك على حاله الذي هو فيه لنما وتخلق وتطور، ليصل إلى الوضع الذي يصبح فيه صالحاً لنفخ الروح. والصورة الوحيدة المعروفة حالياً لهذه الحالة أن يكون الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح موجوداً في بطن أمه، وفيه حياة النمو والاغتذاء. فإذا أسقط من بطن أمه لغرض أخذ جزء منه أو لغرض التجارب الطبية كان ذلك إفساداً له. وأما الحالة الثانية فهي أن يكون الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح في وضع لوترك فيه لتوقف عن النمو والتطور وفقد الحياة التي تسبب ذلك فيه، ويكون هذا عندما يكون الجنين خارج بطن الأم، ولا يمكن في الواقع أو في الشرع أن يجعل في وضع يتمكن فيه من النمو والتطور ليتأهل لنفخ الروح. ويقصد بعدم الإمكان في الواقع أن يكون أهل الصنعة عاجزين عن توفير الوضع الذي يجعل ذلك الجنين يواصل مسيرته التطورية، بحيث تستيقن أنه سيفقد الحياة التي تمكنه من النمو والتخلق قبل أن تنفخ فيه الروح، كما لو سقط الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح، وعجز الأطباء عن إعادته وعن توفير الرحم الصناعي البديل. ففي هذه الحالة يعتبر الجنين فاسداً حكما. وإذا كان كذلك فإن ما يقع عليه من أخذ بعض أجزائه، أو إجراء التجارب عليه لا تعد إفساداً له. والفرق في هذه الحالة بينه وبين جنين نفخت فيه الروح أن الحياة المودعة في الجنين قبل نفخ الروح ليست مقصودة لذاتها، وإنما جعلت فيه لتوصله إلى الوضع الذي يصلح فيه لاستقبال الروح، ولتكون خادمة لحياة الروح بعد نفخها، فإذا تيقن من عدم التمكن من الوصول إلى ذلك الوضع، فقدت تلك الحياة حكمتها وفائدتها. وأما حياة الروح فهي مقصودة لذاتها، لا لغيرها، فلا تعتبر فاسدة ما دامت الروح موجودة في الجسد، وإن كان يقطع من الناحية الواقعية بأنها سترحل عن الجسد بعد فترة قصيرة جداً.

стр. 9296

ويقصد بعدم الإمكان في الشرع أن لا يسمح الشرع بوضع الجنين في الظرف الذي يمكنه من التطور، ويكون ذلك في اللقائح الزائدة عن الحاجة في مشاريع أطفال الأنابيب، إذا استحال من الناحية الواقعية غرسها في رحم الزوجة صاحبة البيضة، كما لو توفيت بعد تلقيح بيضتها في المختبر بمنوي زوجها، أو خيف عليها الهلاك من الحمل ونحو ذلك، فلا يجوز شرعاً غرس تلك اللقائح في رحم امرأة أخرى، فإذا اجتمع مع ذلك عجز الطب عن توفير الرحم الصناعي الذي يمكن أن توضع فيه اللقيحة لتواصل تطورها، اعتبرت أيضاً في حكم الفاسدة ولا يعتبر التصرف فيها إفساداً لها، لما ذكرنا. هذا ومن نافلة القول أن يذكر هنا أن التصرف بالجنين الذي لم تنفخ فيه الروح والذي فقد حياة النمو والتطور، بأخذ جزء منه أو بإجراء التجارب عليه لا يعد إفسادا له، وإن كان في بطن أمه، لأنه فاسد حقيقة، ولا يعتبر ذلك أيضاً اعتداء " على جثة آدمي ميت، لما سبق أنه ليس بآدمي. حقيقة تلك التصرفات من وجهة نظر الذين لا يؤمنون بالروح: ذلك كله من وجهة النظر الشرعية، وأما عند الذين لا يؤمنون بوجود الروح، وكذلك بعض الباحثين المعاصرين الذين يثبتون وجودها ولكنهم ينفون أن يكون لها أي تأثير في حقيقة الجنين والإنسان، فإن مقتضى هذا التصور أن يكون أي تصرف بالجنين يفقده صفة الحياة الموجودة فيه قتلاً لإنسان حي، سواء أكان عمره ساعة واحدة أم كان عمره تسعة أشهر، ما دام فيه الحياة التي تمكنه من النمو والتخلق، وأفقده ذلك التصرف تلك الحياة. كما يقتضي هذا التصور أن يعتبر التصرف بالجنين الذي فقد تلك الحياة تصرفاً بجثة آدمي ميت.

стр. 9297

المطلب الثاني الحكم الشرعي للانتفاع بالجنين بعد نفخ الروح فيه سبق أن الجنين الذي بلغ من العمر أربعة أشهر ونفخت فيه الروح آدمي حي. وأن الانتفاع بأخذ أجزائه أو بإجراء التجارب عليه إذا تسبب في إزهاق روحه يكون قتلاً لآدمي حي. وقتل الآدمي في الإسلام لا يحل إلا أن يكون عقوبة على معاص حددها الشرع، ولا يوجد مسوغ له غير ذلك، وهو لا يتصور من الجنين بلا شك. ولا يسوغ إزهاق روح الآدمي كونه سبباً في إحياء روح آدمي آخر (١) ؛ لأن الأرواح الآدمية في ميزان الإسلام سواء ما دام أصحابها لم يرتكبوا من المعاصي ما يستوجب إهدار أرواحهم. وهذا الحكم لا يختلف سواء أكان الجنين في بطن أمه، أم كان قد سقط منه بسبب من الأسباب ما دامت روحه باقية فيه، ولم تخرج من جسده؟ فلا يحل في شرع الله تعالى أن يمس بأي أذى، وإن كان ذلك بإذن الأبوين أو بناء على تبرعهما نيابة عن الجنين؟ لأن النيابة مقررة لمصلحة المنوب عنه، وليس لأي نائب أن يتصرف بما يتسبب بالضرر لمن ينوب عنه. وأما إذا كان الجنين ميتاً بأن فارقته الروح بعد نفخها فيه، فحاله كحال الآدمي المولود الذي فارقته الروح، وحقه في الشرع أن يكرم بغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه وعدم التمثيل بجثته. والأصل أنه لا يحل أن يؤخذ شيء من جسد الأدمي الميت أو يجرى عليه من التجارب ما يغير خلقته إلا بإذن صدر من ذلك الميت قبل وفاته. والإذن من الجنين قبل وفاته غير متصور، ومقتضى القواعد الشرعية أن لا يقبل إذن أبويه؛ لأن إذن الإنسان في غير ما يملك لا قيمة له، وهما لا يملكان أن يتبرعا بشيء من جسد الجنين، لا عن طريق الإرث، ولا عن طريق النيابة الشرعية؛ أما الأول فلأن الإرث لا محل له بالنسبة لجسد الميت، وأما النيابة فلأنها تنتهي بالموت، ولأنها مقيدة في الشرع بعدم الضرر كما تقدم.

стр. 9298

ولكن يحتمل القول بجواز الأخذ من جسد الجنين في حالة الضرورة بمعناها الاصطلاحي الدقيق؟ بأن يترتب على ذلك إنقاذ آدمي مشرف على الموت، أو إنقاذ طرف من أطراف إنسان آخر أو حاسة من حواسه، ويمكن قياس ذلك على ما ذهب إليه فريق من الفقهاء المسلمين من جواز أكل المضطر من جثة آدمي ميت (١) وإذا كانت الضرورة هي مستند هذا الاتجاه، فلا بد عندئذ من مراعاة شروطها بأن لا يكون هنالك سبيل آخر لدفعها، وأن تكون حالة، بأن يكون الضرر واقعاً أو على وشك الوقوع، وأن يكون الأخذ من الجنين الميت والزرع في المريض المشرف على الهلاك الكلي أو الجزئي موصلاً إلى النجاة أو الشفاء في غالب الظن. وبغير هذه الشروط الثلاثة لا يجوز الأخذ من الجنين الميت. ومقتضى قاعدة الضرورة أن لا يشترط استئذان الوالدين في ذلك، ولا شك في أن أخذ إذنهما وتطييب خاطرهما أمر مستحسن.

стр. 9299

المطلب الثالث الحكم الشرعي للانتفاع بالجنين قبل نفخ الروح فيه الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح له أربع صور: الأولى - أن يكون في بطن أمه حياً. الثانية - أن يكون خارج البطن حياً ويمكن في الواقع والشرع غرسه في رحم أمه. الثالثة - أن يكون خارج البطن حياً ويمنع تطوره مانع واقعي أو شرعي. الرابعة - أن يكون ميتاً فقد ما أودع فيه من قوى النمو والتطور سواء كان في البطن أو خارجه. وقد تبين من المطلب الذي عقدناه لبيان حقيقة الانتفاع بالجنين أن الصورة الثالثة تلتحق بالصورة الرابعة؛ من حيث إن الجنين في كل منهما فاسد، فهو في الرابعة فاسد حقيقة، وهو في الثالثة فاسد حكما. لذلك فإن هذا المطلب سيتفرع إلى ثلاثة أفرع: الفرع الأول حكم الأنتفاع بالجنين الحي في بطن أمه الانتفاع بالجنين الحي الموجود في رحم أمه، بأخذ عضو منه أو بإجراء التجارب عليه - على النحو الذي بيناه في المطلب الأول من هذا المبحث - يقتضي إسقاطه من بطن أمه. والبحث عن حكمه مرتبط بمعرفة حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح؛ وفيما يأتي نبين باختصار أقوال الفقهاء في ذلك والرأي الراجح: حكم الإجهاض قبل نفخ الروح: اختلف فقهاء الإسلام في حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح فيه على عدة أقوال: القول الأول - إباحة الإجهاض في أي وقت قبل نفخ الروح. وقد قال بهذا القول معظم فقهاء الحنفية وجمهور الشافعية (وهو المعتمد عندهم) وابن عقيل من الحنابلة (١)

стр. 9300

الفول الثاني - تحريم الإجهاض في جميع مراحل الجنين قبل نفخ الروح، وهو قول معظم فقهاء المالكية، وبعض فقهاء الحنفية والغزالي من فقهاء الشافعية وابن الجوزي من فقهاء الحنابلة (١) وصرح بعض هؤلاء أن التحريم مقيد بعدم وجود العذر، فإن وجد عذر أبيح الإجهاض (٢) القول الثالث - إباحة الإجهاض في مرحلتي النطفة والعلقة (أي في الأيام الثمانين الأولى من عمر الجنين) ، وتحريمه في مرحلة المضغة، (أي في الأيام الأربعين السابقة لنفخ الروح) ، وهو قول بعض الشافعية (٣) القول الرابع - إباحة الإجهاض في مرحلة النطفة (أي في الأيام الأربعين الأولى) ، وتحريمه في مرحلتي العلقة والمضغة، وهو قول معظم فقهاء الحنابلة واللخمي من فقهاء المالكية (٤) ويظهر أن حجة الفريق الأول والثالث تقوم على أن الجنين قبل نفخ الروح لا يكون آدمياً (٥) وأن هذا النفخ لا يقع إلا بعد مائة وعشرين يوماً من تكون الجنين. وإنما استثنى الفريق الثالث الأربعين الأخيرة منها احتياطاً لما قد يقع من الخطأ في تحديد عمر الجنين، فجعلها حريماً للروح (٦) وأما القائلون بالتحريم في جميع المراحل فحجتهم أن الجنين قبل نفخ الروح مخلوق فيه قابلية لأن يصبح آدمياً وأنه أصل للآدمي، فيحرم إتلافه، كالمحرم لا يحل له أن يكسر بيض الصيد؛ لأن البيض أصل الصيد، فكذلك لايحل إتلاف أصل الأدمي (٧) وأما أصحاب القول الأخير، فيظهر من أقوال بعض علمائهم أنهم إنما قصروا الإباحة على الأربعين؟ لأنهم كانوا يظنون أن الجنين لا ينعقد قبل ذلك (٨)

стр. 9301

والراجح – حسبما يغلب على ظني – أن الأصل هو تحريم الإجهاض قبل نفخ الروح، ولكنه تحريم غير مطلق، وإنما يخضع لقاعدة الضرورات، والقاعدة التي توجب الأخذ بأعظم المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين. وليس كتحريم الإجهاض بعد نفخ الروح الذي هو تحريم مطلق لا يخضع لقاعدة الضرورة، ولا يدخل في الموازنة عند التعارض مع مصالح أخرى. فأما توجيه الحكم الأصلي، وهو التحريم، فهو ما ذكرنا في حقيقة الجنين قبل نفخ الروح، وأنه مخلوق نافع يتدرج في مدارج التأهيل لاستقبال الروح واكتساب الهوية الآدمية في مرحلة معينة، وذلك ما دامت فيه حياة النمو والتطور، ولا يمنع من تطوره مانع واقعي أو مانع شرعي بحسب ما وضحناه فيما سبق، فيكون إفساده عملاً ضاراً محرما. وأما توجيه عدم الإطلاق في تحريمه، وخضوعه لقواعد الضرورة والمصلحة؟ فلأنه ليس ادمياً، وإيقاف حياته لا يعتبر قتلاً لآدمي، على التحقيق الذي سبق، وإنما هو إتلاف لمخلوق نافع. وإفساد ما ليس بأدمي من الأشياء النافعة قد ينتقل إلى دائرة الإباحة إذا غلب على الظن تحقيق مصالح أعلى من المصالح التي تفوت بإتلافه، أو دفع مفاسد أعظم من المفاسد التي تقع بإتلافه. وهذه النتيجة التي توصلنا إليها في حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح تسلمنا إلى البحث في مصالح التصرفات التي نبحث عن حكمها ومفاسدها، والموازنة بينها. مفاسد تلك التصرفات: ا - المفسدة الأولى المتبادرة من استخدام الأجنة في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية هي مفسدة إتلاف الجنين؟ بمعنى أن ذلك يمنع من تمام إعداده ليكون مركباً صالحاً للروح. ٢ - والمفسدة الثانية التي تترتب على تلك التصرفات هي المعاناة التي تصيب أم الجنين من. جراء إسقاطه. ٣ - والمفسدة الثالثة هي كشف عورة المرأة التي يراد أخذ الجنين منها. ٤ - والمفسدة الرابعة هي المساس بكرامة الآدمي؛ وذلك من جهتين: الأولى: جعل مادة جسده محلاً للقطع والتشريح والتجارب. والثانية: أن تلك التصرفات يمكن أن تتخذ ذريعة للمتاجرة بأعضاء الأجنة، واستعمالها لأغراض لا تليق بكرامة الإنسان.

стр. 9302

مصالح تلك التصرفات: يذكر الأطباء مصالح كثيرة تترتب على زراعة أعضاء الأجنة، وإجراء التجارب عليها، يعود معظمها إلى علاج أمراض مستعصية، أو الوقاية منها، إما مباشرة باستعمال بعض أجزاء الجنين أو خلاياه، وإما بصورة غير مباشرة، بالتوصل إلى معارف طبية تمكن الأطباء من العلاج والوقاية. ومما ذكره الأطباء من المنافع التي يمكن تحصيلها في هذا المجال: ١ - معالجة بعض الأنواع من الأمراض العصبية الخطيرة، وبعض أمراض المناعة، وبعض الأنواع من مرض السكري، وبعض أنواع العقم عند الرجال، وبعض أنواع الحروق. ٢ - الوقاية من الإجهاض التلقائي، ومن بعض العيوب والأمراض الوراثية. ٣ - استخراج أنواع من العقاقير والأدوية واللقاحات المفيدة في العلاج والوقاية. ٤ - الوصول إلى معارف تشريحية عن الإنسان تساعد بصورة فعالة في اكتشاف كثير من الأمراض وعلاجها. وهنالك فوائد أخرى يذكرها الأطباء، ويمكن الرجوع إليها في كتبهم وأبحاثهم (١)

стр. 9303

الموازنة بين مفاسد تلك التصرفات ومصالحها: تقتضي عملية الموازنة بين مفاسد تصرف ما ومصالحه نصب ميزان له كفتان، يوضع في إحدى كفتيه ما يراد وزنه من مفاسد أو مصالح، ويوضع في الكفة الأخرى المعايير التي توزن بها تلك المفاسد والمصالح، ثم يقارن بين النتائج، ليعرف أيهما أعظم أثراً على الإنسان، ثم يحكم بعد ذلك على التصرف بالنظر إلى نتائج المقارنة، فلنبدأ بتحديد المعايير التي يوزن بها: هنالك معياران يتخذهما أهل العلم والاجتهاد لمعرفة قيم المصالح والمفاسد: معيار نوعي هو الأهم، ومعيار كمي: فأما الأول فهو تحديد نوع المقصد الشرير الذي تتعلق به المفسدة أو المصلحة، هل هو ضروري أم حاجي أم تحسيني. وأما الثاني فهو تحديد كمية المتضررين من الناس من جراء وقوع المفسدة أو ترك المصلحة، وكمية المنتفعين من جراء دفع الأولى وتحقيق الأخرى. وذلك بالنظر إلى عدد الناس المتضررين والمنتفعين إن كان محصوراً أو غير محصور. المعيار الأول: يرى علماء الشريعة أن أحكامها ترجع إلى تحقيق مقاصد الشارع في الخلق وحمايتها. وأن هذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية. ويقول الشاطبي في تحديد مفاهيم هذه الأقسام: (الضرورية معناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين ... ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل ... وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين - على الجملة - الحرج والمشقة ... كإصابة الصيد والتمتع بالطيبات مأكلاً ومشرباً وملبساً ومسكناً ومركباً وما أشبه ذلك ... وأما التحسينيات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق) (١)

стр. 9304

وبالنظر في الأساس الذي بنى عليه العلماء ذلك التقسيم يتبين أنه مقدار الحرج الذي يقع على الإنسان بسبب فقد المصلحة أو وقوع المفسدة؟ فما فوت الحياة أو أفسد نظامها كان متعلقاً برتبة الضروريات، وما أدى إلى حرج أقل من ذلك أو مشقة لاحقة كان متعلقاً برتبة الحاجيات، وما لم يترتب عليه حرج، وإنماا فوت على الملكف وضعاً أحسن كان متعلقاً برتبة التحسينيات. المعيار الثاني: يقوم هذا المعيار على أساس النظر إلى عدد الناس المتضررين من ترك المصلحة أو وقوع المفسدة، وقد قرر العلماء أن ما كان من المصالح والمفاسد أعم وأشمل كان أولى بالاعتبار طلباً أو دفعاً (١) كما قرروا أن الحاجة إذا عمت صارت في منزلة الضرورة (٢) وبعد تحديد المعايير التي توزن بها المصالح والمفاسد، نشرع في وزنها في ضوء ما سبق: وزن المفاسد: أعظم مفسدة تذكر لاستخدام الأجنة في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية هي مفسدة إتلاف الجنين. فما قيمتها إذا وضعناها في الميزان في ضوء المعيارين السابقين؟ وفي الجواب عن هذا السؤال لا بد أن نشير أولاً إلى ما دل عليه الشرع واتفق عليه علماء الشريعة حسبما أسلفنا من أن إتلاف الجنين قبل نفخ الروح فيه لا ينطوي على إزهاق روح، ولا على إفساد جزء من جسد تستخدمه روح آدمية، لأن الجنين في هذه المرحلة لا روح فيه، ولا يعتبر آدمياً؛ فهذا العمل إذن ليس قتلاً لآدمي، ولا إيذاء لآدمي في ذاته، ومن هذه الجهة لا يعتبر تفويتاً لحياة إنسانية، ولا يترتب عليه حرج غير محتمل، ولا يجعل حياة الأم والأب فاسدة أو مختلة؛ نظراً لأن هذا الأمر يكون برضاهما، ولا يسمح به إلا بهذا الشرط كما سيأتي، وإذنهما هنا من أهم الأمور في تحديد قيمة هذه المفسدة؟ لأن الحاجة إلى الولد نسبية، وتختلف قيمتها باختلاف الناس، وباختلاف شوقهم ورغبتهم في تحقيقها، ويتدخل في تحديدها ظروف الزوجين كليهما، وقد لا تكون لهما حاجة في الولد، لكثرة أولادهما أو لأسباب أخرى، وإنما يعبر عن تلك الحاجة الرغبة المشتركة بين الطرفين، فإن أذنا بإسقاط الجنين من أجل تحقيق مصلحة صحية لشخص آخر أو للناس عامة دل ذلك على أن حاجتهما إلى الولد ضعيفة أو منعدمة. وأما إجبارهما على ذلك فقد يكون فيه تفويت لضرورة من الضرورات؟ فليست هذه الصورة مما نتكلم عنه.

стр. 9305

ومما تقدم يتبين أن إتلاف الجنين الذي لم تنفخ فيه الروح إذا كان بإذن أبويه ليس فيه تفويت لمصلحة ضرورية ولا حاجة تخص الجنين أو والديه. وأما مفسدة كشف عورة المرأة المتبرعة، فتحديد مرتبتها أيسر من سابقتها؟ وذلك أن كلمة العلماء متفقة على أن ستر العورة يقع في رتبة التحسينيات، ومفسدة كشفها أقل في رتبتها من مفاسد كثير من الأمراض العادية، فضلاً عن الأمراض المستعصية؟ حتى أذن الشارع بتحملها للعلاج، ولأعذار أخرى (١) وأما مفسدة المساس بكرامة الآدمي فأغلب الظن أنها مفسدة مبالغ فيها إذأ صيغت على النحو السابق؛ لأن الجنين في هذه المرحلة ليس آدمياً ولا جزءاً من آدمي، كما بينا في المطلب الأول من هذا المبحث. وأصل كرامة الآدمي ما نفخ فيه من روح، هي الذات الحية العاقلة التي تمنحه جميع خصائصه المتميزة، مما جعل مكانته في قمة مراتب المخلوقات. ومن جهة أخرى فإن معنى المساس بالكرامة الآدمية يتوقف وجوده على القصد من الأفعال التي فعل بالآدمي؛ حتى إن الفعل الواحد قد يوصف بأنه مهين للإنسان ومسيء إلى كرامته، وقد لا يوصف بذلك، تبعاً لقصد فاعله وغايته من فعله، فإن كان قصده التمثيل والتشنيع والإهانة كان عملاً مسيئاً للكرامة الآدمية، وإن تجرد قصده عن ذلك، واتجه إلى تحقيق مصالح معتبرة لبني آدم لم يكن في ذلك اساءة للكرامة الإنسانية؟ ألا يرى أن الاجتهاد المعاصر قد استقر على جواز التبرع ببعض أعضاء الآدمي، وأجاز إجراء التجارب والبحث على الدم والمني وتشريح الجثث الآدمية لأغراض علمية وغيرها، ولم يقف معنى الكرامة حائلا دون ذلك الاتجاه. وأما مفسدة فتح الباب أمام الاستغلال وإساءة التصرف في أجزاء الأجنة، فهذا أمر لا ينشاً عن ذات التصرف محل البحث، وإنما عن الانحراف في ممارسته، وكل مباح يمكن أن يساء استعماله، فلا يكون ذلك سبباً في التحريم، وإنما يكون حافزاً على أخذ الاحتياطات العملية عند التنفيذ، فإن أحداً لا يستطيع أن يزعم بأن الأعمال الطبية، وهي أعمال موضوعها الجسد الإنساني، كلها محرمة، مع أنها في معظمها يمكن أن يساء استعمالها، فالنساء يلدن في المستشفيات والاحتمال قائم في اختلاط المواليد، والمرأة تمرض وتحتاج إلى العلمية الجراحية، والاحتمال قائم في استغلالها وأخذ بيضاتها وهي تحت التخدير لا تدري شيئاً، والحيوانات المنوية تؤخذ من الرجال لإجراء الفحص عليها في كثير من الحالات المرضية مع قيام الاحتمال باستعمالها في أغراض محرمة، ولا يكاد عمل من أعمال الأطباء الذي يكون محله الآدمي إلا ويدخله احتمال الاستغلال وإساءة التصرف، ولا أحد يقول بتحريم العلاج وإجراء العمليات الجراحية ونحو ذلك. والمخرج في ذلك كله هو تقييد المباحات التي تحتمل الاستغلال، والاحتياط لها في الواقع بالقيود التنفيذية، والمراقبة الفعالة، ومنع التعرف في ممارستها بالتشريعات الدقيقة الجامعة المانعة، وإلا فإن هذا يدخل كل باب ويؤول إلى التضييق على العباد.

стр. 9306

ولو أن إجراء عمليات أخذ الأعضاء وزرعها، والاختبارات التي يكون محلها الجنين وأجزاء الإنسان، لو أن ذلك ضبط من حيث المراكز التي تقوم به، ومنع من ممارسته في غير هذه المراكز، وخصص لها من أجهزة الرقابة المكونة من أهل الشرع وأهل الاختصاص، وكان ذلك على مستوى مقبول من الجدية والشمول، لما وقعت تلك المفاسد الناشئة عن الاستغلال واساءة الاستعمال. كذلك يغلب على ظني أن تحريم مثل تلك التصرفات لن يحول دون تلك الممارسات الخاطئة. وخلاصة الرأي في قيمة ما ذكر من مفاسد التصرفات محل البحث أن شيئاً منها لا يعدو مرتبة التحسينيات، وأن بعضها موهوم أو مبالغ فيه. تلك هي قيمة المفاسد بحسب المعيار الأول، وأما بحسب المعيار الثاني، فإن الضرر في المفسدة الأولى وهي إتلاف الجنين وتفويت فرصة تكون الولد إنما يقع على الأبوين، والمفروض أنهما أذنا بذلك. والمفسدة الثانية تختص بالأم، وكذلك الثالثة. وأما المفسدة الرابعة في شقها الأول، وهي ما قيل من الإساءة إلى كرامة الآدمي بالتصرف في مادة جسده بالقطع والتشريح، فقد تقدم أنها مفسدة موهومة، ولا مجال لوصفها بالعموم أو بالخصوص. وكذلك هي في الشق الثاني منها، لما تقدم أنها لا تنشاً عن التصرف ذاته، وأنه يمكن الاحتياط لها وسد بابها أو التخفيف منها. وزن المصالح: المصالح التي ذكرها الأطباء لاستخدام الأجنة في زراعة الأعضاء في التجارب العلمية، والتي سبقت الإشارة إليها، يقع بعضها في رتبة الضرورات، وبعضها في رتبة الحاجيات، وبعضها في رتبة التحسينيات، وبعضها أقل من ذلك، ويقع في مرتبة الزينة أو مرتبة الفضول (١) ومثال الأولى ما يذكرونه من علاج بعض الأمراض المستعصية الخطيرة، كبعض الأمر اض العصبية العويصة، مثل مرض الشلل الرعاشي (الباركنسونزم) ، ومرض الخرف المبكر (الزهايمر) ، ومرض رقص هنتنجتون (٢) ؛ فإن هذه الأمراض تسبب لأصحابها حرجاً عظيما، وتفسد عليهم حياتهم، وإن لم تفوتها بالكلية. وبالرغم من عدم إطلاعنا على التفصيلات الكافية لإبراز خطورة بعض الأمراض الأخرى التي يمكن معالجتها بأجزاء الأجنة المجهضة، كبعض الأمراض التي تصيب جهاز المناعة في الصغار، وبعض أنواع مرض السكري، وبعض أنواع الحروق، وغيرها، فإنا لا نستبعد أن تصل في خطورتها إلى مرتبة الضروريات، ولا نظن أنها تتدانى عن مرتبة الحاجيات.

стр. 9307

وكذلك فإنا نظن أن ما يذكره الأطباء من أنواع المعارف التي يحصلون عليها من إجراء التجارب على الأجنة، وتكون سبباً في الوقاية من بعض الأمراض والعيوب. التي تنغص على الإنسان حياته، تلك المعارف لا تقل عن مرتبة الحاجيات وقد تنزل منزلة الضروريات بسبب اتصافها بصفة الشمول، وعموم نفعها على جنس الإنسان. ومثال ذلك ما يذكرونه من تحصيل المعارف المؤدية إلى الوقاية من الإجهاض التلقائي وبعض أنواع العقم عند الرجال، وبعض المعارف التي توصل إلى طرق لتعجيل اكتشاف الأمراض الوراثية والتشوهات الخلقية الخطيرة، فتمكن الأطباء من معرفة وجودها في الجنين قبل نفخ الروح فيه، فإن تلك الآفات شديدة الخطورة، وتتسبب في موت المولود بعد الولادة بأيام أو أشهر، وإن عاش معها أكثر من ذلك عاش حياة متخلفة سقيمة، وتشخيص حالاتها في الوقت الراهن لا يمكن أن يتم إلا بعد الأسبوع السادس عشر، كما يقول أهل الاختصاص (١) أي بعد نفخ الروح أو قبله بقليل، والراجح جواز إسقاط الأجنة المصابة بها إذا عرفت قبل نفخ الروح، ويمتنع المفتون - بحق - عن الإفتاء بجواز إسقاطها بعد نفخ الروح؛ فإن الآفات المذكورة تفوت على قطاع كبير غير محصور من البشر حاجات كبيرة، وتسبب لهم حرجاً شديداً، وإنقاذهم منها تلبية لتلك الحاجات ودفع لذلك الحرج. وكذلك يمكن أن يقال فيما ذكره الأطباء من تحصيل بعض العقاقير واللقاحات والمضادات المفيدة في العلاج والوقاية من أمراض تنتشر بين الناس، ولا ترجى الوقاية منها بغير ذلك. نعم يذكر بعض الأطباء أن الأجنة المجهضة قد تستعمل لتحصيل منافع تقل في قيمتها عما تقدم، وربما كانت من التحسينيات، أو أقل منها، وربما كانت من باب التوسع في تلبية شهوة البحث العلمي ، ولا تؤدي إلى منافع عملية، وربما كانت من قبيل التوسع في طلب مشتهيات الإنسان، كاستخراج يعض مستحضرات التجميل من الأجنة (٢) فهذه لا شك في أنها منافع هابطة القيمة، ومصالح ملغاة، ولا تستحق أن توضع في كفة الميزان في مقابلة ما ذكرنا من مفاسد اجهاض الأجنة التي لم ينفخ فيها الروح.

стр. 9308

تلك هي قيمة المصالح المذكورة بحسب المعيار الأول. وأما بحسب معيار العموم وعدمه، فإن طائفة منها مصالح خاصة - بلا شك - ولكنها كما ذكرنا قد تكون في مرتبة الضرورات أو الحاجيات، وكثير منها مصالح عامة يستفيد منها أناس غير محصورين، وبعض منها تافه من حيث نفعه للإنسان، وإن اصطبغ بصبغة الشمول. نتيجة الموازنة: بالنظر في مؤشر الميزان الذي نصبناه لوزن المفاسد والمصالح التي تذكر لاستخدام الأجنة المجهضة في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية، ومقارنة ما أشار إليه في كل منهما، يتبين أن مصالح هذا التصرف تتفوق على مفاسده من حيث الجملة. وأما من حيث التفصيل فينبغي أن ينظر إلى كل حالة بخصوصها، وإلى قيمة المصالح التي هي مظنة لتحقيقها، ومقارنتها بما سبق ذكره من المفاسد؟ لما تقدم ذكره من تفاوت مصالح ذلك التصرف بحسب الحالات والأهداف، واقتصار بعض حالات استخدام الأجنة على مصالح تحسينية، أو منافع قليلة الأهمية لا تخدم أي مقصد شرعي. فإن كانت الحالة واقعة في هذا التصوير الأخير كانت مفاسدها أعظم من المنافع التي تحققها، وكانت مستثناة من تلك القراءة الإجمالية لمؤشر الميزان. ولذلك نرى أن الحكم الشرعي لذلك التصرف ينبغي أن يأخذ ذلك المنحى، فيقال بجواز استخدام الأجنة التي لم تستقبل الروح بعد في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية، وجواز إسقاطها لهذا الغرض من حيث الجملة، مع ضرورة النظر إلى كل حالة على حدة ليستبعد من هذا الجواز الحالات التي تقتصر على مصالح تحسينية أو أقل منها. ومع هذا ينبغي أن يتفطن إلى أمر آخر عندما يراد معرفة حكم شرعي عملي مبناه على أساس شرعي نظري، وهو وجود بعض الأمور والاعتبارات الواقعية التي تفرض نفسها على الباحث عن ذلك الحكم العملي، وتوجب عليه مراعاتها؟ وذلك من باب طلب الدقة والاحتياط. ومن ذلك: ا - الأساس النظري الذي بنينا عليه تحديد المفاسد وقيمتها هو ما توصلنا اليه من حقيقة الجنين قبل نفخ الروح، وأنه ليس آدمياً، وأنه مخلوق فيه نوع في الحياة تختلف عن الحياة التي تفيضها الروح على الجسد بعد اتصالها به، فتجعله إنسانا. وأن هذا الاتصال بين جسد الجنين والروح الإنسانية إنما يحدثه الله تعالى بعد تمام مائة وعشرين يوماً من تكون الجنين. فاقتضى ذلك من الناحية النظرية أن يكون محل ما ذكرناه من الحكم الإجمالي هو الجنين الحي بذلك النوع من الحياة، الذي لم يبلغ من عمره ذلك الزمن. وهذا يقتضي أن يعرف بيقين أن الجنين لم يبلغ بعد مائة وعشرين يوماً.

стр. 9309

ولكن جميع الطرق المعروفة اليوم لتحديد عمر الجنين ما زالت تقريبية، سواء ما اعتمد منها على إخبار الحامل ببدء حملها وحصول إلقاحها، أو بتاريخ آخر حيض رأته، وما اعتمد منها على القياسات الطبية، فإن ذلك كله يدخله احتمال الخطأ (١) ؛ لذلك وجب أن تجعل فترة احتياطية قبل تمام المائة والعشرين يوماً تكون حريماً للروح، وسياجاً زمنياً لها، بحيث تعطى الجنين فيها حكم الجنين الذي قطع بنفخ الروح وأما تحديد هذه المدة باليوم أو بالأسبوع ونحو ذلك، فإني غير مؤهل له بلا شك، ولكن يمكن تقييدها بقيدين اثنين، وعلى ضوئهما يمكن لأهل الاختصاص تحديدها: القيد الأول: أن يستبعد من وسائل تقدير عمر الجنين تلك الطرق التي تعتمد على إخبار المرأة، لما قد يرد عليه من احتمالات الخطأ والتضليل، وإنما ينبغي أن تعتمد على أدق الوسائل العلمية في تحديد ذلك، ولا بأس بأن يستأنس بإخبار المرأة دون الاعتماد عليه. القيد الثاني: أن لا يكون خلاف بين أهل الاختصاص في عدم إمكان وقوع خطأ في تقدير عمر الجنين يساوي الفترة الاحتياطية المقترحة أو يزيد عليها؛ فلو ذهب معظم أهل الاختصاص من الأطباء إلى أن الخطأ في تقدير عمر الجنين في الأشهر الأربعة الأولى قد يصل إلى عشرين يوماً ولا يتجاوزها، ورأى بعضهم أن الخطأ قد يتجاوز ذلك، وجب أن لا يؤخذ بها لتحديد فترة حريم الروح، ولكن يجب أن يؤخذ بالحد الأعلى الذي لا خلاف حوله. وقد يقال: إن الأحكام العملية تبنى على غلبة الظن كما قرر علماء الأصول (٢) والوسائل العلمية الدقيقة مع المعلومات التي تعطيها الأم عن بدء الحمل تكفي لتوليد غلبة ظن قوي بصحة عمر الجنين، وينبغي أن تبنى عليها الأحكام، وأن لا ينظر إلى الحالات الشاذة التي قد يحدث فيها الخطأ. والجواب أن مجال الأرواح البشرية من المجالات التي تراعى فيها الشبهات، ويكون لها أثر في تغيير الأحكام لصالح الإبقاء على تلك الأرواح، والخطأ في تقدير عمر الجنين في هذا المقام قد يؤدي إلى إزهاق روح نفخت في ذلك الجنين الذي وقع الخطأ في تقدير عمره. ووجود احتمال هذا الخطأ مهما كان ضعيفاً يعتبر شبهة محرمة. ومن المعلوم أن مبدأ اعتبار الشبهات في الأحكام مبدأ مسلم به في باب العقوبات الشرعية المقدرة، حيث تقوم فيها غلبة الظن على وقوع موجباتها، فيهدرهذا الظن القوي ويعتبر فيها الاحتمال الضعيف، ويدرأ العقاب الشديد عن المجرم. فإذا كان كذلك فإن الأخذ بهذا المبدأ والاحتياط لروح الجنين أولى؟ لأن الجنين هنا على فرض وقوع الخطأ في تقدير عمره، وسبق نفخ الروح فيه، إنسان معصوم، ولم يرتكب شيئاً يستوجب العقاب، فالاحتياط له أولى، فلا ينبغي أن يقال بجواز إسقاط الجنين لأي عذر أو مصلحة إلا إذ احصل اليقين بأن الروح لم تتصل بجسده بعد، وأنه لم يبلغ مائة وعشرين يوماً، وحيثما قال الأطباء: إن هنالك احتمالاً – مهما كان ضعيفاً – ببلوغ الجنين ذلك العمر، فيجب استثناؤه من حكم الجواز.

стр. 9310

هذا وقد انتبه أحد فقهاء الشافعية لهذا المعنى، وهو بصدد الكلام عن حكم الإجهاض، ورأى أن الأصل وإن كان إباحة الإجهاض قبل نفخ الروح، فإنه ينبغي أن يحرم في الأيام الأربعين السابقة لنفخ الروح، واقتصر في الاستدلال لذلك بأن هذه الفترة ينبغي أن تعتبر حريماً للروح (١) فإذا اتفق أهل الاختصاص على تحديد المدة الاحتياطية أضيفت هذه المدة إلى عمر الجنين الذي تدل عليه الوسائل العلمية، فإذا بلغ الناتج مائة وعشرين يوماً عومل هذا الجنين معاملة الآدمي الحي، وحرم إسقاطه واستخدامه في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية. وأما إذا لم تتفق الأوساط الطبية على تحديد مدة الاحتياط، فإنا نميل إلى ما ذهب إليه ذلك الفقيه الشافعي من اعتبار مرحلة المضغة كلها حريماً للروح، ومعاملة الجنين فيها كما لو بلغ مائة وعشرين يوماً بالفعل، وتحريم مساسه بأي أذى ومهما كان في هذا التحديد من المبالغة، فإنه خير من وقوع خطاً واحد تذهب فيه روح آدمي؟ فإنه من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا. والخطأ في تفويت المصالح التي يتوقع تحقيقها من استخدام الأجنة في الزراعة والتجارب أهون في ميزان الله تعالى من الخطأ في ازهاق روح الآدمي. ٢ - ومن الأمور الواقعية التي تستحق أن يأخذها الباحث بعين الاعتبار، وهو يبحث عن الحكم الشرعي لاستخدام الجنين في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية، المرحلة التطورية التي يكون الجنين قد وصل إليها بحسب إفادة الأطباء، بحيث تكون المصالح التي توضع في مقابلة إسقاط الجنين متناسبة مع المرحلة التي وصل إليها في تطوره الجسدي، وقربه أو بعده من لحظة كمال التخلق حيث تتصل به الروح مباشرة بحسب سنة الله عزوجل، فينبغي أن تكون المصالح التي تبيح إسقاط الجنين في مراحله القريبة من لحظة نفخ الروح قبل الدخول في مدة حريمها في مرتبة أعلى من تلك التي تبيح إسقاطه في المراحل البعيدة عن تلك اللحظة.

стр. 9311

وتأصيل ذلك أن الجنين قبل نفخ الروح فيه مخلوق حي في طور الإعداد لاستقبال الروح الإنسانية، والشأن في كل شيء يعد لغيره أن تتعاظم قيمته مع اقترابه من نقطة الكمال الإعدادي، كالبيت يعد لساكنه، يكون إعداده على مراحل، وكلما اقترب من لحظة التهيئة التامة كلما غلت قيمته، وكلما ابتعد عنها تناقصت؟ فالجنين في مرحلة المضغة يكون أعلى قدراً وأعظم قيمة منه في مرحلة العلقة، وهو في هذه المرحلة أعلى قدراً من مرحلة النطفة. وكل مرحلة من هذه المراحل تشتمل على درجات بحسب تقدم الجنين فيها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المصالح، وإن صنفها العلماء المسلمون إلى ثلاث رتب هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، فإن كل رتبة منها تتفاوت مصالحها في القدر؟ فليس كل الضروريات سواء وليس كل الحاجيات سواء، وكذلك التحسينيات. ولهذا فإن الدقة في التشريع لهذا الأمر تقتفي أن تقام مصالح استخدام الأجنة في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية على المراحل التطورية للجنين قبل أن تنفخ فيه الروح، ويمكن بقيام تعاون جدي بين علماء الشرع وعلماء الطب المسلمين، ودراسة متعمقة من الناحيتين العملية والنظرية، تصنيف تلك المصالح بصورة تفصيلية ودقيقة إلى فئات وزمر، على أساس ما يدفع بها من حرج عن الناس، وتصنيف مراحل الجنين على أساس ما يطرأ عليه من تغيرات هامة، ثم تقسيم فئات المصالح وزمرها على مراحل الجنين قبل نفخ الروح، بحيث لا يصح إسقاطه في مرحلة من تلك المراحل إلا بالزمرة المخصصة له من المصالح أو بالزمرة الأعلى.

стр. 9312

والذي نستطيع قوله في غيبة ذلك التصنيف المأمول إن الجنين في مرحلة المضغة، إذا استثنينا منها المدة الاحتياطية (١) (حريم الروح) ينبغي أن يراعى لجواز استخدامه في زراعة الأعضاء وإجراء التجارب العلمية أن تكون المصالح المراد تحقيقها في مرتبة الضروريات، كإنقاذ مريض من مرض مهلك أو مرض متلف لأحد الأعضاء الهامة، أو مرض مزمن يجعل حياة المريض صعبة محرجة، ولا علاج لهذه الأمراض سوى أخذ بعض أجزاء الأجنة الحية. وذلك لما يذكر الأطباء أن الجنين إذ ابلغ أول هذه المرحلة اكتمل تكوينه الجسدي، بما في ذلك دماغه، وأن ما يجري عليه بعد ذلك من التطور إنما هو من قبيل نضج الأعضاء المتكونة، ولا تحدث له إضافات جسدية جوهرية (٢) وأما في مرحلة العلقة، وهي المرحلة المتوسطة من عمر الجنين قبل نفخ الروح، ومدتها أربعون يوماً، فيمكن أن يشترط لجواز استخدام الجنين فيها لزراعة الأعضاء والتجارب العلمية، أن تكون المصالح المراد تحقيقها لا تقل عن مرتبة الحاجيات التي تنزل منزلة الضروريات؟ وذلك لأن هذه المرحلة، وإن لم يتم فيها تكون أعضاء الجنين، فإنها تتسم من أولها إلى آخرها بالنشاط التخلقي في جسد الجنين وبناء الأعضاء شيئاً فشيئاً (٣) وأما مرحلة النطفة، وبخاصة قبل علوق الجنين بجدار الرحم فيمكن الاكتفاء فيها بالحاجيات لإباحة الانتفاع به. وأما المصالح التحسينئة، وما يقترب منها من أدق درجات المصالح الحاجية، فلا نظن أنها تصلح مسوغاً لاستخدام الأجنة المجهضة. ٣ - وهنالك اعتبارات أخرى تقتضي تسييج ما ذكرنا من جواز الاستفادة من الأجنة المجهضة بشروط موضوعية وقيود تنفيذية، سنرجىء ذكرها إلى المطلب التالي؛ لأن كثيراً منها يشترك فيه حكم هذه الصورة وأحكام الصور الأخرى التي لها في الفرعين الثاني والثالث من هذا المطلب.

стр. 9313

الفرع الثاني حكم الانتفاع بالجنين الحي الذي هو خارج رحم أمه ولا يمنع مانع من غرسه فيه صورة هذه الحالة أن يحدث تكوين الجنين خارج رحم الأم بتلقيح بيضتها في أنابيب الاختبار، ولا يوجد مانع واقعي أو شرعي يحول دون غرسه في رحم أمه، ليواصل تطوره. والأصل في إتلاف هذه اللقيحة أو تركها حتى تفسد هو التحريم، ما دام الأمر كما افترضنا من عدم وجود المانع الذي يمنع من غرسها في الرحم، ولكن يمكن أن يرخص بإتلافها في سبيل تحصيل مصالح معتبرة؛ وذلك أن مفاسد إتلاف هذا الجنين تقل كثيراً عما ذكرنا من مفاسد تترتب على إسقاط الجنين في الصورة السابقة؛ فهو من جهة في أدق مراحله الإعدادية؛ لأنه في أبعد مدى عن زمن نفخ الروح. كما أن إتلافه لا يستلزم كشف العورات، ولا يتسبب بمعاناة جسدية للمرأة التي أخذت منها البيضة؛ وذلك على فرض أن عملية التلقيح الصناعي لم تجر خصيصاً لهذا الغرض، وإنما لغرض غرس اللقيحة في رحم المرأة صاحبة البيضة، ثم بدا لذوي اللقيحة أن يتبرعا بها لغرض الزراعة أو التجارب. وفي الوقت ذاته، فإن أهل الاختصاص يذكرون أن طائفة من المصالح التي ذكرت في الصورة السابقة يمكن تحصيلها أيضاً باستخدام مثل هذا الجنين (١) لذلك، فإن حكم التصرف فيها لهذا الغرض هو الجواز كما في الصورة السابقة، ما دامت المصالح التي يراد تحصيلها لا تقل عن مرتبة الحاجيات، ولا تتدانى إلى مرتبة التحسينيات أو مرتبة التزين والفضول. وذلك مع مراعاة القيود والشروط التي سنذكرها في المطلب التالي.

стр. 9314

الفرع الثالث حكم الانتفاع بالجنن الذي لم تنفخ فيه الروح إذا كان ميتاً حقيقة أو حكما سبق أن الجنين قبل نفخ الروح فيه لا يوصف بأنه آدمي، ولكنه يكون حياً إذا وجدت فيه قوة النمو والتطور، ويكون ميتاً إذا فقد تلك القوة، وقد سبق الكلام عن حكم استخدام الجنين الحي، وفي هذا الفرع نتبين حكم استخدام الجنين الميت: وما دام الجنين في هذه الصورة لم يسبق اتصال الروح به، فإن المقصود بموته صيرورة خلايا جسده عاجزة عن النمو والاغتذاء والانقسام. ومثل هذا لا يمكن أن يستفاد منه في زراعة الأعضاء، وأغلب الظن أنه غير مجد في الأبحاث أيضاً؛ لأن زراعة الأعضاء والأجزاء يستلزم أن تكون أنسجة الجنين حية، كما يرى أهل الاختصاص (١) وعلى أية حال فإنه إذا احتيج إلى مثل هذا الجنين في بعض الأبحاث، فإنه لا يوجد شرعاً ما يمنع من الاستفادة منه، ولا يشترط لذلك إلا أن يرجى النفع من البحث في خلاياه، وأن لا يكون عبثاً. وهنالك صورة أخرى تلحق بالصورة المذكورة، ولكن مجال الانتفاع بالجنين فيها أوسع، وبخاصة في التجارب العلمية، وهي أن تكون خلايا الجنين حية، ولو غرس في الرحم لنما وتطور، ولكن يوجد مانع واقعي أو ضرر يمنع من غرسه في رحم امرأة، كما في اللقائح التي تزيد عن الحاجة في مشاريع أطفال الأنابيب، ولا يمكن غرسها في رحم صاحبة البيضة لسبب من الأسباب. وكذلك الجنين الذي سقط من رحم أمه والطب عاجز عن إعادته إليه بالرغم من بقاء الحياة في خلايا جسده. فقد تقدم في مطلب سابق أن التصرف بمثل هذا الجنين بما يؤدي إلى فساد خلاياه لا يعد إتلافاً له، لأنه غير صالح لتحقيق المقصود من خلقه، وهو الوصول إلى الوضع الذي تحل الروح فيه، ومصيره المحتوم هو التوقف عن النمو قبل نفخ الروح. واستخدام الجنين في هذه الصورة لزراعة الخلايا والأنسجة وفي التجارب العلمية حكمه كحكم استخدام الجنين في الصورة السابقة، لأنه يعتبر ميتاً حكما، وإن كانت خلايا جسده حية في الحقيقة.

стр. 9315

المطلب الرابع شروط وقيود الانتفاع بالأجنة التي لم تنفخ الروح فيها في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية لما كانت الأحكام التي توصلنا إليها مبناها في الجملة على الموازنة بين المصالح والمفاسد، ولما كان الأصل الذي رجحناه في حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح، والإضرار به بأي أسلوب من غير مصلحة راجحة، هو التحريم، فإنا نرى أن القول بتلك الأحكام لا بد من أن يكون مشروطاً ببعض الشروط، ومقيداً ببعض القيود التي يفرضها التطبيق السليم لقاعدة الترجيح بين المفاسد والمصالح، وتفرضها أيضاً بعض المبادىء والقواعد الشرعية، وفيما يأتي نفصل هذا الإجمال: ١ - يشترط أولاً أن يغلب على الظن تحقيق مصالح معتبرة للآدمي الذي ينقل إليه جزء الجنين، أو للمجتمع من إجراء التجارب على الجنين، وأن يكون فوات هذه المصالح أخطر من مفسدة إتلاف الجنين بحسب المعايير التي تقدم ذكرها ولا يتحقق هذا بمجرد الشك، ولا بد من قناعة أهل الاختصاص به. ويستثنى من هذا الشرط الصورة التي يكون فيها الجنين ميتاً حقيقة بتلف خلاياه أو حكما بأن تكون خلاياه حية ويمنع من نموه وتطوره مانع واقعي أو شرير، كاللقائح الزائدة عن الحاجة في مشاريع أطفال الأنابيب. وإنما اختلفا عن الجنين الحي الذي يكون في وضع يمكنه معه التطور والنمو؟ لأن الأصل في الجنين الصالح تحريم إفساده، والإباحة فيه من باب الرخصة، وهي خلاف الأصل، ولا يصار إليها إلا عندما يغلب على الظن تحقيق مصلحة أعلى، وأما في الجنين الفاسد حكما أو حقيقة فالأصل هو الجواز؟ لأن الفعل ليس فيه إفساد ولا إتلاف، ويكفي أن يكون في استخدامه نفع معتبر. ٢ - والشرط الثاني هو أن لا توجد طريقة أخرى لتحقيق المصالح المبتغاة تكون خالية من المفاسد، أو ذات ضرر أقل مما ذكرنا؛ فإذا أمكن العلاج بغير إتلاف الجنين الحي بقي العمل غير مشروع. وكذلك إذا كان من الممكن تحقيق النتائج العلمية المرجو تحقيقها باستخدام غير جنين الآدمي، كأجنة الحيوانات. كذلك لا يجوز استخدام الأجنة الحية في مراحل عليا من تطورها إذا أمكن تحقيق المطلوب باستخدام أجنة في مراحل أدق؟ فلا يصح استخدام جنين في مرحلة المضغة إذا أمكن واقعياً وعلمياً تحقيق المقصود باستخدام جنين في مرحلة العلقة أو النطفة، ولا استخدام جنين في مرحلة العلقة إذا أمكن استخدام جنين في مرحلة النطفة، ولا استخدام جنين في مرحلة النطفة تعلق بجدار الرحم إذا أمكن استخدام جنين لم يتعلق بعد بذلك الجدار، ولا استخدام جنين في الرحم إذا أمكن استخدام لقيحة خارج الرحم، ولا استخدام لقيحة خارج الرحم يمكن غرسها في رحم الأم إذا أمكن تحصيل المصلحة المقصودة من استخدام لقائح حية لا يمكن غرسها لمانع شرعي أو واقعي.
следующие страницы →