← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

وتأصيل ذلك أن الجنين قبل نفخ الروح فيه مخلوق حي في طور الإعداد لاستقبال الروح الإنسانية، والشأن في كل شيء يعد لغيره أن تتعاظم قيمته مع اقترابه من نقطة الكمال الإعدادي، كالبيت يعد لساكنه، يكون إعداده على مراحل، وكلما اقترب من لحظة التهيئة التامة كلما غلت قيمته، وكلما ابتعد عنها تناقصت؟ فالجنين في مرحلة المضغة يكون أعلى قدراً وأعظم قيمة منه في مرحلة العلقة، وهو في هذه المرحلة أعلى قدراً من مرحلة النطفة. وكل مرحلة من هذه المراحل تشتمل على درجات بحسب تقدم الجنين فيها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المصالح، وإن صنفها العلماء المسلمون إلى ثلاث رتب هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، فإن كل رتبة منها تتفاوت مصالحها في القدر؟ فليس كل الضروريات سواء وليس كل الحاجيات سواء، وكذلك التحسينيات. ولهذا فإن الدقة في التشريع لهذا الأمر تقتفي أن تقام مصالح استخدام الأجنة في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية على المراحل التطورية للجنين قبل أن تنفخ فيه الروح، ويمكن بقيام تعاون جدي بين علماء الشرع وعلماء الطب المسلمين، ودراسة متعمقة من الناحيتين العملية والنظرية، تصنيف تلك المصالح بصورة تفصيلية ودقيقة إلى فئات وزمر، على أساس ما يدفع بها من حرج عن الناس، وتصنيف مراحل الجنين على أساس ما يطرأ عليه من تغيرات هامة، ثم تقسيم فئات المصالح وزمرها على مراحل الجنين قبل نفخ الروح، بحيث لا يصح إسقاطه في مرحلة من تلك المراحل إلا بالزمرة المخصصة له من المصالح أو بالزمرة الأعلى.

стр. 9312

والذي نستطيع قوله في غيبة ذلك التصنيف المأمول إن الجنين في مرحلة المضغة، إذا استثنينا منها المدة الاحتياطية (١) (حريم الروح) ينبغي أن يراعى لجواز استخدامه في زراعة الأعضاء وإجراء التجارب العلمية أن تكون المصالح المراد تحقيقها في مرتبة الضروريات، كإنقاذ مريض من مرض مهلك أو مرض متلف لأحد الأعضاء الهامة، أو مرض مزمن يجعل حياة المريض صعبة محرجة، ولا علاج لهذه الأمراض سوى أخذ بعض أجزاء الأجنة الحية. وذلك لما يذكر الأطباء أن الجنين إذ ابلغ أول هذه المرحلة اكتمل تكوينه الجسدي، بما في ذلك دماغه، وأن ما يجري عليه بعد ذلك من التطور إنما هو من قبيل نضج الأعضاء المتكونة، ولا تحدث له إضافات جسدية جوهرية (٢) وأما في مرحلة العلقة، وهي المرحلة المتوسطة من عمر الجنين قبل نفخ الروح، ومدتها أربعون يوماً، فيمكن أن يشترط لجواز استخدام الجنين فيها لزراعة الأعضاء والتجارب العلمية، أن تكون المصالح المراد تحقيقها لا تقل عن مرتبة الحاجيات التي تنزل منزلة الضروريات؟ وذلك لأن هذه المرحلة، وإن لم يتم فيها تكون أعضاء الجنين، فإنها تتسم من أولها إلى آخرها بالنشاط التخلقي في جسد الجنين وبناء الأعضاء شيئاً فشيئاً (٣) وأما مرحلة النطفة، وبخاصة قبل علوق الجنين بجدار الرحم فيمكن الاكتفاء فيها بالحاجيات لإباحة الانتفاع به. وأما المصالح التحسينئة، وما يقترب منها من أدق درجات المصالح الحاجية، فلا نظن أنها تصلح مسوغاً لاستخدام الأجنة المجهضة. ٣ - وهنالك اعتبارات أخرى تقتضي تسييج ما ذكرنا من جواز الاستفادة من الأجنة المجهضة بشروط موضوعية وقيود تنفيذية، سنرجىء ذكرها إلى المطلب التالي؛ لأن كثيراً منها يشترك فيه حكم هذه الصورة وأحكام الصور الأخرى التي لها في الفرعين الثاني والثالث من هذا المطلب.

стр. 9313

الفرع الثاني حكم الانتفاع بالجنين الحي الذي هو خارج رحم أمه ولا يمنع مانع من غرسه فيه صورة هذه الحالة أن يحدث تكوين الجنين خارج رحم الأم بتلقيح بيضتها في أنابيب الاختبار، ولا يوجد مانع واقعي أو شرعي يحول دون غرسه في رحم أمه، ليواصل تطوره. والأصل في إتلاف هذه اللقيحة أو تركها حتى تفسد هو التحريم، ما دام الأمر كما افترضنا من عدم وجود المانع الذي يمنع من غرسها في الرحم، ولكن يمكن أن يرخص بإتلافها في سبيل تحصيل مصالح معتبرة؛ وذلك أن مفاسد إتلاف هذا الجنين تقل كثيراً عما ذكرنا من مفاسد تترتب على إسقاط الجنين في الصورة السابقة؛ فهو من جهة في أدق مراحله الإعدادية؛ لأنه في أبعد مدى عن زمن نفخ الروح. كما أن إتلافه لا يستلزم كشف العورات، ولا يتسبب بمعاناة جسدية للمرأة التي أخذت منها البيضة؛ وذلك على فرض أن عملية التلقيح الصناعي لم تجر خصيصاً لهذا الغرض، وإنما لغرض غرس اللقيحة في رحم المرأة صاحبة البيضة، ثم بدا لذوي اللقيحة أن يتبرعا بها لغرض الزراعة أو التجارب. وفي الوقت ذاته، فإن أهل الاختصاص يذكرون أن طائفة من المصالح التي ذكرت في الصورة السابقة يمكن تحصيلها أيضاً باستخدام مثل هذا الجنين (١) لذلك، فإن حكم التصرف فيها لهذا الغرض هو الجواز كما في الصورة السابقة، ما دامت المصالح التي يراد تحصيلها لا تقل عن مرتبة الحاجيات، ولا تتدانى إلى مرتبة التحسينيات أو مرتبة التزين والفضول. وذلك مع مراعاة القيود والشروط التي سنذكرها في المطلب التالي.

стр. 9314

الفرع الثالث حكم الانتفاع بالجنن الذي لم تنفخ فيه الروح إذا كان ميتاً حقيقة أو حكما سبق أن الجنين قبل نفخ الروح فيه لا يوصف بأنه آدمي، ولكنه يكون حياً إذا وجدت فيه قوة النمو والتطور، ويكون ميتاً إذا فقد تلك القوة، وقد سبق الكلام عن حكم استخدام الجنين الحي، وفي هذا الفرع نتبين حكم استخدام الجنين الميت: وما دام الجنين في هذه الصورة لم يسبق اتصال الروح به، فإن المقصود بموته صيرورة خلايا جسده عاجزة عن النمو والاغتذاء والانقسام. ومثل هذا لا يمكن أن يستفاد منه في زراعة الأعضاء، وأغلب الظن أنه غير مجد في الأبحاث أيضاً؛ لأن زراعة الأعضاء والأجزاء يستلزم أن تكون أنسجة الجنين حية، كما يرى أهل الاختصاص (١) وعلى أية حال فإنه إذا احتيج إلى مثل هذا الجنين في بعض الأبحاث، فإنه لا يوجد شرعاً ما يمنع من الاستفادة منه، ولا يشترط لذلك إلا أن يرجى النفع من البحث في خلاياه، وأن لا يكون عبثاً. وهنالك صورة أخرى تلحق بالصورة المذكورة، ولكن مجال الانتفاع بالجنين فيها أوسع، وبخاصة في التجارب العلمية، وهي أن تكون خلايا الجنين حية، ولو غرس في الرحم لنما وتطور، ولكن يوجد مانع واقعي أو ضرر يمنع من غرسه في رحم امرأة، كما في اللقائح التي تزيد عن الحاجة في مشاريع أطفال الأنابيب، ولا يمكن غرسها في رحم صاحبة البيضة لسبب من الأسباب. وكذلك الجنين الذي سقط من رحم أمه والطب عاجز عن إعادته إليه بالرغم من بقاء الحياة في خلايا جسده. فقد تقدم في مطلب سابق أن التصرف بمثل هذا الجنين بما يؤدي إلى فساد خلاياه لا يعد إتلافاً له، لأنه غير صالح لتحقيق المقصود من خلقه، وهو الوصول إلى الوضع الذي تحل الروح فيه، ومصيره المحتوم هو التوقف عن النمو قبل نفخ الروح. واستخدام الجنين في هذه الصورة لزراعة الخلايا والأنسجة وفي التجارب العلمية حكمه كحكم استخدام الجنين في الصورة السابقة، لأنه يعتبر ميتاً حكما، وإن كانت خلايا جسده حية في الحقيقة.

стр. 9315

المطلب الرابع شروط وقيود الانتفاع بالأجنة التي لم تنفخ الروح فيها في زراعة الأعضاء والتجارب العلمية لما كانت الأحكام التي توصلنا إليها مبناها في الجملة على الموازنة بين المصالح والمفاسد، ولما كان الأصل الذي رجحناه في حكم إجهاض الجنين قبل نفخ الروح، والإضرار به بأي أسلوب من غير مصلحة راجحة، هو التحريم، فإنا نرى أن القول بتلك الأحكام لا بد من أن يكون مشروطاً ببعض الشروط، ومقيداً ببعض القيود التي يفرضها التطبيق السليم لقاعدة الترجيح بين المفاسد والمصالح، وتفرضها أيضاً بعض المبادىء والقواعد الشرعية، وفيما يأتي نفصل هذا الإجمال: ١ - يشترط أولاً أن يغلب على الظن تحقيق مصالح معتبرة للآدمي الذي ينقل إليه جزء الجنين، أو للمجتمع من إجراء التجارب على الجنين، وأن يكون فوات هذه المصالح أخطر من مفسدة إتلاف الجنين بحسب المعايير التي تقدم ذكرها ولا يتحقق هذا بمجرد الشك، ولا بد من قناعة أهل الاختصاص به. ويستثنى من هذا الشرط الصورة التي يكون فيها الجنين ميتاً حقيقة بتلف خلاياه أو حكما بأن تكون خلاياه حية ويمنع من نموه وتطوره مانع واقعي أو شرير، كاللقائح الزائدة عن الحاجة في مشاريع أطفال الأنابيب. وإنما اختلفا عن الجنين الحي الذي يكون في وضع يمكنه معه التطور والنمو؟ لأن الأصل في الجنين الصالح تحريم إفساده، والإباحة فيه من باب الرخصة، وهي خلاف الأصل، ولا يصار إليها إلا عندما يغلب على الظن تحقيق مصلحة أعلى، وأما في الجنين الفاسد حكما أو حقيقة فالأصل هو الجواز؟ لأن الفعل ليس فيه إفساد ولا إتلاف، ويكفي أن يكون في استخدامه نفع معتبر. ٢ - والشرط الثاني هو أن لا توجد طريقة أخرى لتحقيق المصالح المبتغاة تكون خالية من المفاسد، أو ذات ضرر أقل مما ذكرنا؛ فإذا أمكن العلاج بغير إتلاف الجنين الحي بقي العمل غير مشروع. وكذلك إذا كان من الممكن تحقيق النتائج العلمية المرجو تحقيقها باستخدام غير جنين الآدمي، كأجنة الحيوانات. كذلك لا يجوز استخدام الأجنة الحية في مراحل عليا من تطورها إذا أمكن تحقيق المطلوب باستخدام أجنة في مراحل أدق؟ فلا يصح استخدام جنين في مرحلة المضغة إذا أمكن واقعياً وعلمياً تحقيق المقصود باستخدام جنين في مرحلة العلقة أو النطفة، ولا استخدام جنين في مرحلة العلقة إذا أمكن استخدام جنين في مرحلة النطفة، ولا استخدام جنين في مرحلة النطفة تعلق بجدار الرحم إذا أمكن استخدام جنين لم يتعلق بعد بذلك الجدار، ولا استخدام جنين في الرحم إذا أمكن استخدام لقيحة خارج الرحم، ولا استخدام لقيحة خارج الرحم يمكن غرسها في رحم الأم إذا أمكن تحصيل المصلحة المقصودة من استخدام لقائح حية لا يمكن غرسها لمانع شرعي أو واقعي.

стр. 9316

وهكذا فإن إباحة استخدام الأجنة مشروطة بهذا التدرج. وأصل هذا الشرط ما اتفق عليه العلماء من أن قاعدة الأخذ بأعظم المصلحتين مشروطة بعدم إمكان تحقيقهما جميعاً (١) وما اتفقوا عليه أيضاً من أن الضرورات والحاجات تقدر بقدرها إذا اقتضت مراعاتها ارتكاب فعل محرم في أصله (٢) ٣ - والشرط الثالث أن يكون استخدام الجنين بإذن أبويه ورضاهما كليهما. وذلك لأن الجنين إذا كان في بطن أمه استلزم استخدامه الإضرار بها، وان كان ضرراً مؤقتاً يمكن استدراكه، فلا بد من إذنها، ولا بد من إذن والد الجنين أيضاً؟ لأن في ذلك تفويت فرصة تكون الولد له. ويستذكر هنا ما أشرنا إليه في المطلب السابق من أن حاجة الإنسان إلى الولد قد ترتفع إلى رتبة الضروريات إذا كان يرغب في تحقيقها، ولا يأذن بعفويتها، فإن أذن تدنت رتبتها. وإذا كان الجنين حياً خارج الرحم، ولا مانع يمنع من غرسه فيه، فيشترط ذلك أيضاً لما ذكرنا من أهمية حاجة الإنسان إلى الولد إذا رغب فيه. وإذا كان الجنين حياً خارج الرحم، ولا يمكن غرسه في رحم صاحبة البيضة، ويمكن في رحم غيرها؟ فلان هذا الإمكان يصلح لتكون خشية في نفس الأبوين من استغلال لقيحتهما وزراعتها في رحم امرأة أخرى، وتسرب نسلهما إلى غيرهما، فهذه مفسدة معتبرة، ولكنها دون ما ذكرنا من مفاسد الصورتين السابقتين. غير أنه في هذه الحالة الأخيرة قد يتجاوز عن شرط الإذن إذا كان الأخذ من الجنين ضرورياً لتحقيق شفاء من مرض مستعص أو لإنقاذ آدمي من الهلاك؛ لأن الإذن في حالة الضرورة ليس بشرط إذا لم يكن المحظور المرتكب لدفعها، واقعاً في رتبة الضروريات أيضاً. وكذلك لا يشترط الإذن إذا امتنع جميع الناس عن السماح بإجراء التجارب العلمية على لقائح لا فائدة منها لذويها؟ لأن تحقيق المصالح التي يذكرها الأطباء لهذه التجارب من باب فروض الكفاية بالنسبة للمجتمع، فيجب العمل لتحقيقها؛ فنلغى اعتبار الإذن فيما يقع من الحالات أولاً، فإن تحققت الكفاية به عاد الأمر إلى اعتبار الإذن لتحقيق المزيد من المعارف النافعة، وإلا بقي الحال على عدم اشتراطه حتى تتحقق الكفاية.

стр. 9317

٤ - والشرط الرابع يقتضيه الاحتياط للأنساب، وهو أن يكون الجزء الذي يؤخذ من الجنين لزراعته مما لا يؤدي نقله إلى تلك المفسدة العظيمة. وبناءً على هذا الشرط يحرم أخذ خصية الجنين أو مبيضه لزراعته في شخص آخر؟ لما يقرره أهل الاختصاص من أن الحيوانات المنوية والبيضات تتكون من خلايا الخصية ذاتها، والمبيض ذاته، بحيث إذا نقلت الخصية فإن الحيوانات المنوية تتكون من خلايا تلك الخصية المنقولة، فتكون نسبتها إلى الجنين صاحب الخصية، وكذلك الحال في المبيض (١) والشرع قد حرم كل ما يؤدي إلى نسبة الولد إلى غير صاحب المنوي أو غير صاحبة البيضة، فيكون الأخذ في هذه الحالة محرماً. وأغلب الظن أن غير هذين العضوين يجوز أخذه من الجنين لزراعته في شخص آخر. حكم زراعة بعض خلايا الجهاز العصبي المأخوذة من الأجنة: قد يثار - في هذا المقام - تساؤل حول جواز نقل الخلايا العصبية المأخوذة من الجنين لعلاج بعض الأمراض المستعصية. ويغلب على ظني أن هذه الخلايا كبقية خلايا الجسد وأعضائه سوى ما استثنينا قبل قليل. ولا نظن أنه يرد هنا ما أورده بعض الباحثين من أن غرس خلايا عصبية في الجهاز العصبي أو في الدماغ قد يؤثر على شخصية المتلقي بحجة أن التفكير والعاطفة والإرادة وغيرها من المعاني مركزها في الدماغ، كما يقدر العلم التجريبي في الوقت الراهن (٢)

стр. 9318

وذلك أن علماء الإسلام قد قرروا - كما سبق بيانه - أن الذي يؤثر في الجسد الإنساني، وينتج عنه تصرفات الإنسان هو مخلوق عاقل نفخه الله في ذلك الجسد اسمه الروح، وأن كل نشاط اختيار يقوم به الإنسان من أثر من آثار الروح، وأن كل ما في العالم من الآثار الإنسانية إنما هو من تأثير الأرواح بواسطة الأبدان التي تعلقت بها؛ فالأبدان آلات للأرواج وجنود لها (١) وأما العلماء الماديون، فإنهم لا يبحثون إلا في المحسوس، ولا يعترفون إلا بنتائج هذا البحث المادي؟ فإذا أرادوا تفسير أي نشاط يقوم به الإنسان تتبعوا ما يحدث لأجزاء الجسم المحسوسة عند ممارسة هذا النشاط، ولاحظوا مختلف التطورات والأفعال وردود الأفعال المحسوسة التي تقوم بها أعضاء الجسم المختلفة، فإذا انتهى بهم المطاف إلى آخر نشاط حيوي يقع تحت آلاتهم، نسبوا ذلك إلى العضو - الذي صدر عنه هذا النشاط الأخير - التصرف الذي قام به الإنسان. وهكذا عندما اكتشفوا أن المخ هو العضو الأخير الذي ينفعل بأنواع من الانفعالات لكل تصرف يصدر عن الإنسان نسبوا إليه كل تصرف إنساني ماديا كان أو غير مادي. والحقيقة أنهم قد يكونون على حق في تفسير جميع الخطوات المادية التي تتم داخل الجسد عند قيام الإنسان بتصرف ما، فهذا مجالهم وهم أدرى به. ولكن الذي لا يقرون عليه أن ينسبوا النتائج النهائية إلى العضو المادي الذي كانت فيه خاتمة الانفعالات المادية قبل صدور ذلك التصرف، دون النظر في مدى التناسب بين ماهية ذلك العضو وخصائصه الخلقية وبين طبيعة الأنشطة التي نسبوها إليه؟ وذلك أن جميع التصرفات الإرداية الصادرة عن الإنسان فيها عنصر معنوي غير مادي هو الإرادة؛ والذي تدل عليه سنن الحياة ومعهودات الكون أن المادة لا يمكن أن تنتج المعاني، وإنما ينتج عن المادة مادة مثلها. ولا بد من أن يكون هناك مخلوق غير مادي عاقل مريد خلقه الله في جسد الإنسان، تصدر عنه جميع المعاني التي لا يمكن نسبتها إلى المادة.

стр. 9319

صحيح أن المخ وبقية أعضاء الجسد تختلف عن الأجهزة المادية الجامدة؟ بأنها تتكون من خلايا حية تنمو وتتطور وتموت، ولكن هذه الحياة غير عاقلة، وهي عينها حياة الجنين قبل نفخ الروح، وهي عينها حياة القلب النابض المقلوع من جسد الإنسان المحفوظ تحت ظروف معينة. وبناء على هذا التصور في مبدأ نشوء التصرفات الإرادية عند الإنسان، فإن أغلب ظني أن نقل بعض الخلايا العصبية إلى الدماغ أو الجهاز العصبي لا ينقل معه أي مقوم من مقومات الشخصية، كالعقائد والعواطف والفكر والإرادة والشعور، وإنما يثمر تحسنا في عمل الدماغ المستفيد، كما يثمر نقل العين تحسناً في الإبصار، فيصبح الدماغ أفضل استجابة لأوامر الروح التي خص الله بها صاحب هذا الدماغ. والدماغ في هذا كبقية أعضاء الجسد (١) ؛ لأن علاقة الجميع بالروح واحدة من حيث النوعية، وهي علاقة الجندي المطيع بالقائد الآمر الناهي، وإن كانت علاقة الدماغ بالروح أعظم من حيث الأهمية؛ لأن سيطرة الروح على الجسد كله إنما هي بوساطته. وبناء على ما تقدم فإني لا أرى مانعاً يمنع من نقل خلايا الجنين العصبية وغرسها في جهاز عصبي أو دماغ لإنسان محتاج ما دام ذلك ضمن الشروط السالفة الذكر. ٥ - والشرط الخامس يقتضيه الاحتياط أيضاً لبعض المقاصد الشرعية؟ فإنه لما كان الجنين – وان لم تنفخ فيه الروح – أصلاً للآدمي، وكان التصرف فيه في الزراعة والتجارب قد تتخذ ذريعة لأعمال تتنافى مع مقاصد الشارع، ولا يكون الهدف من ذلك التصرف ما ذكره الأطباء من المصالح المعتبرة، كأن تستعمل أجزاء الجنين للتجارة، مما يتنافى مع كرامة الآدمي بامتهان أصله ومادته، وكأن تستعمل اللقائح الزائدة في مشاريع أطفال الأنابيب استعمالاً يؤدي إلى اختلاط الأنساب، كأن يزرع في رحم امرأة أجنبية، وقد تباع لأجل هذا الغرض. وكأن تستعمل تلك اللقائح في بحوث غير جادة ولا هادفة، ولا حاجة إليها. لما كانت هذه الاستعمالات وغيرها مما يتنافى مع مقاصد الشرع ممكنة الوقوع، فإن إباحة استخدام الأجنة في مجال زراعة الأعضاء والتجارب العلمية ينبغي أن تحاط بجملة من القيود التنفيذية؟ فلا يسمح بذلك الا لمراكز محددة ومتخصصة ومراقبة بأجهزة فعالة، بحيث لا يدخلها شيء من الأجنة ولا يخرج منها إلا أن يكون تحت نظر المراقبين.

стр. 9320

المطلب الخامس ما ينبغي أن يكون عليه حكم الانتفاع بالأجنة عند من ينكرون الروح تقدم أن الذين ينكرون الروح أو يعترفون بها وينكرون آثارها يعتبرون الجنين إنساناً من أول لحظة يتكون فيها، فإن كان فيه حياة التطور والنمو فهو إنسان حي عندهم، فإن ذهبت منه تلك الحياة كان آدمياً ميتاً. وتقتضي هذه النظرة للجنين أن يكون التصرف فيه بما يذهب منه حياته الطبيعية عملاً غير جائز؛ لأنه يكون قتلاً لآدمي حي، وقتل الآدمي لا مسوغ له إلا في حالة العقاب، والجنين ليس محلاً للعقاب مطلقأ. وينبغي أن لا يختلف هذا الحكم عند أصحاب تلك النظرة بين لقيحة عمرها لحظات وجنين عمره تسعة أشهر، حيث يزعمون أن الجنين يكتسب إنسانيته بمجرد تكونه. فإذا كان الجنين قد فقد حياته التي يتمكن بها من النمو والتطور وجب على أصحاب ذلك التصور أن يعتبروه إنساناً ميتأ، وينبغي عندئذ أن يعامل معاملة الآدمي الميت. بل إن هذا التصور يقتضي أن لا يسمح بتلقيح بيضات تزيد عن الحاجة، كما يصنع الآن في مشاريع أطفال الأنابيب، حيث يلقح في المعمل أكثر من ثلاث بيضات، فيغرس بعضها، ويبقى الزائد احتياطاً لعدم نجاح العملية، فإن نجحت بقيت اللقائح الزائدة ليس لها مصير إلا فقدان الحياة، فيكون هذا تسبباً في قتل آدمي بناءً على تلك النظرة. بل ذهب بعض العلماء الغربيين إلى أنه لا يجوز تجميد اللقائح في البرادات؟ لأنها كائنات بشرية، ولا يجوز سجنها بهذه الطريقة وتعريض حياتها للخطر؟ فقد جاء في صحيفة الشرق الأوسط (العدد ٣٩١٠ - عام ١٩٨٩ م) ما نصه: (اعتبر مدير المعهد الوطني الفرنسي للأبحاث العلمية البروفيسور جيروم لوجون أن وضع كائنات بشرية صغيرة في مكان شديد البرودة وحرمانهم من الوقت يضعهم في وضع حياتي معلق شبيه بأوضاع معسكرات الاعتقال) . وهذا الذي ذهب إليه هذا العالم متلائم مع تلك النظرة للجنين والإنسان، والتي لا تعترف باتصال الروح بالجسد في فترة من فترات تطور الجنين، والتي يترتب عليها اعتبار الجنين إنساناً من أول لحظة يتم فيها اتحاد المنوي مع البيضة؟ فإن الإنسان ينبغي أن يعامل معاملة واحدة لا تختلف سواء أكان صغيراً لا يرى بالعين المجردة أو كبيراً. وأما الذين لا يعترفون بالروح أو لا يرتبون على الاعتراف بها أي أثر، ويعتبرون الجنين إنساناً من بدء تكونه، ثم يجيزون تبريده، وتوقيف نموه، وإسقاطه لأخذ أعضائه، أو لإجراء التجارب عليه، ويجيزون التسبب في موته بأية وسيلة، فهؤلاء متناقضون مع أنفسهم. الدكتور محمد نعيم ياسين

стр. 9321

حكم الانتزاع لعضو من مولود حي عديم الدماغ إعداد فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول اله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد: فقد أحاطت الشريعة الآدمي - لشرفه وكرامته - بأنواع من الحفظ والصيانة لآدميته منذ كونه ماء إلى مروره بأطوار تخلقه إلى تكونه جنيناً، وأناطت بذلك أحكاماً معلومة في محلها من فقه الشريعة. وأناطت الشريعة أحكامه مولوداً بأن يولد فيستهل صارخاً فيكون حينئذ آدمياً محكوماً باستقرار حياته، فله ما للآدميين من حرمة وعصمة وإرث وهكذا.. بصرف النظر عن كونه ولد بأحسن تقويم أو ناقص الخلقة بأمر ظاهر كمخرج الأطراف أو باطن كعديم الدماغ، أو اختلال في أحشائه أو ولادته وهو: أعمى، أصم، أبكم.. فلو استقرت حياته لحظات ثم مات في أثنائها مورث له من أب أو أم لكان وارثاً شرعاً. ولوجنى عليه جان لترتبت على الجاني أحكام الجناية شرعاً كترتبها على من جنى على بالغ راشد ... وهكذا من وسائل حماية الشرع لهذه الضرورة العظمى من ضروريات الحياة (حفظ النفس) . وبناء على ذلك: فالمولود ناقص الخلقة ظاهراً أو باطناً كالوليد عديم الدماغ، ويراد بعديم الدماغ (١) "الذي يولد وليس له قبو رأس، وليس له فصان مخيان، وإنما له جذع مخ يقوم على الوظائف الحيوية الأساسية من دورة دموية وتنفس بعد الانفصال حياً بالميلاد ولكنها حياة محدودة موقوتة ثم يموت بعد ساعات أو أيام أو أسابيع ... ". هذا المولود: آدمي انفصل من بطن أمه حياً، ناقص الخلقة، واستقرت حياته فتثبت له أحكام المواليد مستوي الخلقة، سواء بسواء، طرداً لقاعدة التعايش وضروريات الحياة، وحفظ النوع الإنساني، وحرمته (آدمياً) ورعاية حرمة الشرع بتحريمه الاعتداء عليه، وينسحب عليه قول الله تعالى في [سورة المائدة: الآية ٣٢] : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ . هذا هو الأصل العام الذي تساق عليه أحكام هذا الباب في استبقاء الأنفس ورعاية الحرمات وهو من المسلمات، ومن استثنى مولودا ناقص الخلقة فقد قفى ما ليس له به علم، وأفتى بقتل الأحياء والأبرياء.

стр. 9322

وعليه: فلا يجوز لأحد والدي المولود ناقص الخلقة كعديم الدماغ الإذن لأي طبيب بانتزاع عضو منه لزرعه في طفل آخر محتاج إليه، فلا تستبقى نفس بقتل أخرى بلا ذنب. ولا يجوز لأحد أبوي هذا المولود الإذن لأي طبيب بقطع وانتزاع عضو منه تحسباً لحالة طفل مريض. ولا يجوز لوليه الإذن لطبيب بإجراء عملية تشريح لهذا المولود لصالح تعلم الطب أو اكتشاف نوع المرض. كل هذه وما جرى مجراها إذن بالجناية، ومباشرة لها تستوجب العقوبة المقدرة شرعاً وتستوجب الإثم للاعتداء بغير حق. كما يصاحب هذا محاذير أخلاقية شرعية إنسانية من ابتداء العدوان والإجهاز على آخرين بعلة نقص الخلقة، وهو تعليل ساقط يرفضه الشرع بكل قوة. شبهة وجوابها: يرد تساؤل وهو: أن الأطباء قرروا أن موت جذع المخ موت للإنسان، فيكون الحكم بموت "عديم الدماغ " من باب أولى. وأن من الفقهاء من أفتى بأن موت جذع المخ موت للإنسان، فكذلك يكون هنا؟ وجوابها: أن هذا قياس على حكم مختلف فيه، وركن القياس أن يكون (الأصل) المقيس عليه شرعياً ثابتاً بالكتاب أو السنة أو الإجماع.. والمقيس عليه هنا ليس كذلك بل هو حكم فرعي حادث مختلف فيه اختلافاً كبيرا، ولم يثبت له حكم بنص من كتاب أو سنة أو اجماع. ولذا فلا يصح القياس لاختلال ركنه، وهذا قادح مسلم به لدى الأصوليين يمنع صحة إلحاق فرع به فهو إلحاق بفرع حادث مختلف فيه. بل الأولى كما هو ظاهر العكس، فيقاس منع جعل موت جذع الدماغ علة للموت على (غياب جذع الدماغ عن المولود) الذي تستقر حياته، فإذا كان غياب جذع أصلاً تستقر معه الحياة ساعات أو أياماً أو أسابيع فهو محكوم بحياته قطعاً، فمن باب أولى من مات منه جذع الدماغ مع استمرار نبضات قلبه يكون الحكم باستمرار حياته استبقاء للأصل حتى تنقطع نبضات القلب، وتنفصل الحياة من بدنه من كل عضو بحسبه لمخالطة الحياة البدن. وقبل كتابة هذا البحث ببضعة شهور، وفي شهر رجب من هذا العام ٤٠٩اهـ، حكم جمع من الأطباء على شخصية مرموقة بالوفاة لموت جذع الدماغ لديه، وأوشكوا على انتزاع بعض الأعضاء منه، ولكن ورثته مانعوا من ذلك، ثم كتب الله له الحياة، وما زال حياً حتى تاريخه. فموت جذع الدماغ علامة ظنية على موت الإنسان وليست قطعية، إضافة إلى احتمال خطاً التشخيص، فكيف تمكن الفتيا بما حقيقته ومآله قتل الأحياء فيتأمل. والله أعلم. الدكتور بكر عبد الله أبو زيد

стр. 9323

الاستفادة من الأجنة المجهضة أو الزائدة عن الحاجة في التجارب العلمية وزراعة الأعضاء إعداد فضيلة الدكتور عمر سليمان الأشقر أستاذ الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة – جامعة الكويت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن هذا البحث معني ببيان الحكم الشرعي في المسألة موضوع البحث لمن ارتضى الشريعة ديناً وقانوناً من الأفراد والمجتمعات والأطباء، ولذلك لن يؤثر على مسار البحث تلك الفوضى التي يرزخ تحتها العالم الغربي، فالعالم الإسلامي حتى يومنا هذا بهدي من شريعة الإسلام لا يشكل الإجهاض مشكلة عنده، فالمسلم يتأثم من إسقاط جنين من غير ضرورة، بينما يشهد العالم غير المسلم إسقاط عشرات الملايين من الأجنة - التي حرم الله إسقاطها - في كل عام. ان هذه الأجنة المسقطة تجعل الأطباء في العالم الغربي يتجهون بقوة نحو الاستفادة منها بطريقة أو بأخرى، ومهما وضع من ضوابط وقيود في الديار التي يسودها الكفر، فإنها تبدو قيوداً وضوابط غير مقبولة في عالم يبيح قتل الجنين بإسقاطه، ولو التزم حكم الشرع لما وجد العلماء هذا الكم الضخم من الأجنة، ولما كانت المشكلة بهذا الحجم. ان الفوضى التي يعيشها العالم غير المسلم في هذا الأمر لن يكون لها أثر في مسار البحث لأن الحكم الشرعي يعطى لمن عنده الاستعداد للقبول به والالتزام به. إن الإسلام غرس في أعماق المسلم احترام الإنسان وتوقيره منذ أن يكون نطفة في رحم الأم إلى أن يفارق الحياة، والإنسان بعد الموت له احترامه وتوقيره، فقد جاء في الأحاديث النهى عن الجلوس على القبور. وجعلت الشريعة العدوان على الجنين وإسقاطه جريمة يجازى مرتكبها بغرامة مالية تبلغ عشر قيمة عبد في الوقت الذي وقع فيه العدوان على الجنين، وهذا الاحترام الذي يجده المسلم في أعماقه نحو الإنسان في كل مراحل أطواره هو أكبر عاصم من الفوضى التي تجتاح الغرب - اليوم - والتي نقل لنا الأطباء صورة عنها في أبحاثهم المقدمة في هذا الموضوع.

стр. 9324

إن مخافة الله وخشيته وتقواه هي العاصم الأعظم الذي يعصم الإنسان من الزلل في كل ما يأخذ ويدع، فإذا زال هذا العاصم فإن الهوى يضل الإنسان، وتصبح المنافع والمضار هي الميزان الذي يحكم مسار الإنسان، وكثير مما يعده الإنسان منافع ومضار لا تكون كذلك، وقد تتداخل المنافع والمضار وتختلط بحيث لا يستطاع تمييزها، كما لا يستطاع ترتيبها في سلم الأولويات، ويبقى حكم الشرع الذي لا يخضع للهوى والمصلحة الموهومة هو العاصم في خلق جهلهم أكثر من علمهم، وخطؤهم أكثر من صوابهم. إن عنوان البحث يعطينا منهجية السير في البحث، فالعنوان يقرر أن الأجنة نوعان: الأول: الأجنة الفائضة عن الحاجة. والثاني: الأجنة المجهضة. والعنوان يوجه أيضاً إلى أن البحث في كل واحد من هذين النوعين يمضي في مسارين: الأول: إجراء التجارب العلمية على الجنين. والثاني: الاستفادة من أعضاء الجنين بغرسها لطفل أو إنسان آخر. وأحب أن أبادر إلى القول بأن أكثر نقاط البحث أثيرت في ندوات سابقة، وبحثت وبينت أبعادها، وصدرت بشأنها قرارات وتوصيات. فالأجنة الفائضة عن الحاجة في علاج العقم بالتلقيح الصناعي، وهو الذي اشتهر باسم طفل الأنابيب، بحث في الندوة السابقة التي أقامتها هذه المنظمة تحت عنوان "الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية"، وجاء في التوصية المتعلقة بهذا الموضوع: "إن الوضع الأمثل في موضوع (مصير البويضات الملقحة) هو أن لا يكون هناك فائض منها، وذلك بأن يستمر العلماء في أبحاثهم قصد الاحتفاظ بالبويضات غير الملقحة مع إيجاد الأسلوب الذي يحفظ لها القدرة على التلقيح السوي فيما بعد، وتوصي إلا يعرض العلماء للتلقيح إلا العدد الذي لا يسبب فائضاً، فإذا روعي ذلك لم يحتج إلى البحث في مصير البويضات الملقحة الزائدة. أما إذا حصل فائض، فإن الأكثرية ترى أن البيضات الملقحة ليس لها حرمة شرعية من أي نوع، ولا احترام لها قبل أن تنغرس في جدار الرحم، وأنه لذلك لا يمتنع إعدامها بأي وسيلة، وبرى البعض أن هذه البيضة الملقحة هي أول أدوار الإنسان الذي أكرمه الله تعالى. وفيما بين إعدامها أو استعمالها في البحث العلمي أو تركها لشأنها للموت الطبيعي يبدو أن الاختيار الأخير أخفها حرمة إذ ليس فيه عدوان إيجابي على الحياة" (١)

стр. 9325

إن أكثر المشاركين في الندوة السابقة أجازوا إجراء التجارب على البويضات الفائضة عن الحاجة قبل التلقيح وبعده، ومثل ذلك الاستفادة منها، وفيما توصل إليه المشاركون في تلك الندوة كفاية، فإن إعادة بحث الموضوع لن يجمع كلمة الباحثين فيه، فقلما يتفق الباحثون في شأن هذه الموضوعات. ولكن إجراء التجارب يجب أن يقيد بقيد أشارت إليه توصيات ندوة (الإنجاب في ضوء الإسلام) وأكدته ندوة (الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية) ، وهذا القيد هو عدم تغيير فطرة الله، والابتعاد عن استغلال العلم للشر والفساد والتخريب (١) وعدم الانضباط بهذا الضابط يخالف مبدءاً شرعياً قررته الأصول والقواعد الإسلامية، ويحرف مسار البحث العلمي، وفي النهى عن هذا التوجه يقول الحق ﵎: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ . [سورة الروم: الآية ٣٠] . والمعنى لا تبدلوا خلق الله. وقال تعالى مبيناً الجرائم التي يضل الشيطان بها الإنسان: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . [سورة النساء: الآيتان ١١٨ - ١١٩] . إن الأبحاث التي ترمي إلى تغيير خلق الله في البويضة الملقحة أو الجنين المسقط ضلال في الفعل كما هو ضلال في القصد، والأبحاث التي تجري على الجنين بقصد الإفساد والتدمير والتخريب - وهي اليوم كثيرة - هي كذلك جرائم في ميزان الشرع، فالله لا يحب الفساد، وإفساد النسل من أعظم الفساد، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة: الآيتان ٢٠٤ - ٢٠٥] .

стр. 9326

ولا أحب أن أنتقل من هذه المسألة قبل أن أشير إلى أن جعل البويضات الملقحة داخلة تحت اسم الأجنة غير سديد كما أشار إليه بعض السادة الأطباء، فالجنين من الاجتنان وهو الاستتار، ولا يسمى بهذا الاسم ما لم يكن في رحم أمه، يقول ابن منظور في هذا: (جن الشيء يجنه جناً: ستره. وكل شيء ستر عنك فقد جن عنك، وجنه الليل يجنه جناً وجنوناً ... ستره ... وفي الحديث: "جن عليه الليل" أي ستره. وبه سمي الجنين جنيناً لاستتاره في بطن أمه) (١) الأجنة المجهضة: لا مجال للبحث في الاستفادة من الأجنة المجهضة عمداً لهذا الغرض، لأن الشريعة الإسلامية لا تبيح الإجهاض المتعمد إلا لسيب ضروري ضرورة لا يمكن تجنبها، وقد بحث هذا الموضوع في ندوة (الإنجاب في ضوء الإسلام) وجاء في التوصيات الصادرة عن هذه الندوة بخصوص موضوع الإجهاض المتعمد: "استعرضت الندوة آراء الفقهاء السابقين وما دلت عليه من فكر ثاقب ونظر سديد، وأنهم أجمعوا على تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح، أي بعد أربعة أشهر، وأن آراءهم في الإجهاض قبل نفخ الروح اختلفت، فمنهم من حرم بإطلاق أو كراهة، ومنهم من حرم بعد الأربعين يوما، وأجازه قبل الأربعين على خلاف في وجوب العذر.

стр. 9327

وقد استأنست الندوة بمعطيات الحقائق العلمية الطبية المعاصرة، والتي بينتها الأبحاث والتقنية الطبية الحديثة، فخلصت إلى أن الجنين حي من بداية الحمل، وأن حياته محترمة في كافة أدوارها، خاصة بعد نفخ الروح، وأنه لا يجوز العدوان عليها بالإسقاط إلا للضرورة الطبية القصوى، وخالف بعض المشاركين فرأى جوازه قبل تمام الأربعين، وخاصة عند وجود الأعذار" (١) فالحكم في مثل هذه المسألة في غاية الوضوح، العدوان على الجنين وتعمد إسقاطه جريمة في حكم الشرع، وعلى المسلمين أن يأخذوا على أيدي الذين يفعلون ذلك، فإنه من إهلاك النسل، وهو من الفساد الذي لا يحبه الله تعالى. وتبقى الأجنة المجهضة لضرورة طبية، أو المجهضة بسبب لا يعود إلى اختيار الإنسان، فهذه لا بأس من إجراء التجارب عليها والاستفادة منها بأخذ بعض الأعضاء أو الأنسجة لمن يحتاجون إليها من المرضى، ويطبق عليها في هذه الحال ما يطبق على الإنسان غير الجنين، وقد استقر الأمر على جواز أخذ أعضاء الإنسان بعد وفاته إذا أذن في ذلك قبل وفاته أو أذن فيه وليه، ويجوز في حياته (إذا كان لا يؤدي أخذ ذلك العضو إلى الهلاك أو عاهة بينة، وبشرط أن لا يأخذ المتبرع مالأ ... إلى آخر الشروط التي قررت في ندوات كثيرة عقدت بخصوص هذا الموضوع. فالاستفادة من الجنين كالاستفادة من الإنسان غير الجنين حكمها واحد، بشرط أن يأذن ولي أمر الجنين فيه. الدكتور عمر سليمان الأشقر

стр. 9328

زراعة الأعضاء من الأجنة المجهضة إعداد فضيلة الشيخ محمد عبده عمر باحث بالمركز اليمني للأبحاث الثقافية عدن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وسلم.. وبعد: فهذا بحث في زراعة الأعضاء من الأجنة المجهضة أو الفائضة عن الحاجة، مقدم إلى الدورة السادسة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي - جدة. وقبل الدخول في مقدمة البحث يجب التنبيه على أن مسار البحث يقتضي الإشارة إلى أن الأجنة المجهضة عمداً كعملية تجارية كما هو اليوم في غالب الغرب الرأسمالي أو حتى بدون عملية تجارية ليست داخلة في بحثنا كونها معلومة التحريم من الدين بالضرورة. وإنما الذي يدخل في بحثنا هذا إنما هي الأجنة التي تعطى حكم انعدام الحياة بالضرورة ويكون إجهاضها من الأمور الطبيعية التي لا دخل فيها للإنسان قطعا لباب سد الذرائع، فهذا هو مناط البحث ومتعلقه؛ وهذا أوان الشروع: المقدمة: نظراً لكون الموضوع من الأمور المستجدة بعد أصحاب المذاهب الأربعة حيث لا يوجد فيها - حسب علمي - نص من كتاب ولا سنة ولا قول إمام من أئمة علماء الإسلام. بالإضافة إلى كونه من المواضع التي قد تلتبس أبعاده وغاياته الشرعية. لذا فلا بد من بسط الموضوع في هذه المقدمة تطبيقاً للقاعدة الأصولية التي تقول: الحكم على الشيء فرع عن تصوره. من هنا يمكننا أن نتصور إنساناً قد تعرض لحادث مفجع وخرج منه مجدوع الأنف مقطوع الأذن مكسور الرأس مبتور الذراع والساق مفقوء العين مهشم الأسنان والفكين مشلولا في أحد الطرفين فاقداً لبعض دمائه وجلده وعظامه إلى آخر هذه العاهات التي تترك بصماتها وتشوهاتها على الإنسان المصاب. ولو فرضنا بأن هذا الإنسان يمكنه أن يعيش، فإنه عندئذ سيكون أشبه بحطام كائن حي لا فائدة فيه ولا مأرب في حياته؟ ما رأي الإسلام وشريعته الخالدة بعد أن تجاوز العلم هذه الصورة المأساوية التي كانت في الماضي لا علاج لها إلا الموت؟ لكنها لن تكون كذلك في عصرنا الحاضر أو المستقبل، حيث أصبح العلم اليوم يصلح عيوبه ويرمم ما تهدم منه، وبالتالي تختفي كل إصابة حلت به ويعود إلى الحياة بدون عاهات. لقد كانت هذه المنجزات العلمية بالماضي أضغاث أحلام أو شطحات خيال، لكنها أصبحت في عالم اليوم حقيقة بفضل التقدم المذهل الذي حققته وتحققه العلوم التجريبية خاصة فيما يتعلق بقطع الغيار البشري التي بدأت تغزو أسواق العالم وتنتشر فيها كتجارة رابحة تدر آلاف ملايين الدولارات كل عام.

стр. 9329

فلم يعد الطبيب أو الجراح أو الصيدلي هو المسؤول الوحيد عن مشاكل الجسم البشري بل دخلت في ميدانه تخصصات أخرى جديدة لم يكن أحد يسمع بها أو عنها من قبل ذلك، لقد أثبت العلم بأن الجسم البشري ينطوي على أسرار مذهلة وأحكام متقنة، وكأنما هو قد جمع في داخله كل أساسيات العلم أو التكنولوجيا الحديثة، ولكي ندرك كيف يشتغل فلا بد أن نتعلم منه الشرائع والأحكام والقوانين التي تهيئ له من أمره رشداً، ولا شك بأن ذلك يستلزم جيشا متكاملاً من العلماء ومن كل التخصصات حتى لكأنما هذا الجسم قد أصبح كوناً قائما بذاته أو كأنما ينطبق عليه قول المتصوف الإسلامي محيي الدين بن عربي: أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟ تلك نظرة تصوفية شاعرية صحيحة ولا شك أنها قد سبقت زمانها، ذلك أن البعض ينظر إلى الجسم كآلة حية على درجة هائلة من التعقيد والكفاءة والتنظيم وبحيث يتعلم منها العلماء كل يوم جديد فيرون فيها آيات من الخلق المذهل الذي يستحق الإعجاب والتأمل والدراسة، ولا يختلف في ذلك المتخصصون في العلوم الطبية أو البيولوجية من علماء الكيمياء أو الفيزياء والهندسة والكهربة والإليكترونيات، وعلى علماء الرياضيات الذين يحاولون استنباط المعادلات أن يعلموا بأن فن صناعة الجسم البشري والأسرار العلمية التي لا زالت مجهولة فيه والمودعة في كيانه والتي لو وصل العلم إليها لاحتارت عقول علماء كنا نعدها رائدة في هذا المجال، عليهم أن يعلموا بأن هذا الجسم هو من صناعة العليم الخبير الذي أتقن كل شيء صنعاً، والقائل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ علهم يدركون بمعادلاتهم التنسيق المتقن والتوازن المقدر بحيث يضعون أمام تخصصاتهم الأخرى نتائج معادلاتهم التي قد تنبئهم بما خفي عليهم من أسرار في داخل الجسم الإنساني. ولا غرو إذاً أن تظهر في عصرنا الحديث علوم عديدة يجتمع فيها أكثر من تخصص ليخدم بعضها بعضأ، وبهذا تنجز ما لا يمكن أن ينجزه تخصص واحد، فخرجت إلى الوجود تخصصات جديدة تعرف بأسماء شتى إلا أن هدفها واحد هو خدمة الجسم البشري في أمراضه وعاهاته وتشوهاته وبهذا أصبحنا نسمع اليوم عن درجات علمية تمنحها المعاهد والجامعات لخيرة أبنائها.

стр. 9330

كل هذا وغيره تكون فيما بينه فريقاً متألفاً من العلماء ليتعاونوا فيما بينهم فتأتي ثمرات هذا التعاون بتطورات طبية عظيمة لم تكن تحلم بها الإنسانية من قبل وتمخض عن ذلك قطع غيار بشرية لتحل محل الأجهزة الطبيعية التي توقفت عن العمل. فأصبحنا نسمع عن عدسات وعيون صناعية أو تلفزيونية وقلوب ورئات وكلى صناعية وتوصيلات إلكترونية ومفاصل وأطراف صناعية وسبائك معدنية وغير ذلك من أجهزة ومواد تدخل في الجسم البشري كبدائل لتحل محل أعصابه ولحمه وعظمه ومرافقه الحيوية التي يؤدي عطبها إلى موت أكيد، لكن قطع الغيار البشرية أو الصناعية التي أخذت من أسلاك ومعادن وأجهزة كهربائية قد تقوم بوظيفة الجزء المعطوب وتدفع بالجسم إلى مواصلة الحياة وتبعث الأمل في نفوس الملايين من المرضى والمعذبين، وقد جرت سنة الله أن كل شيء يبدأ متواضعاً ثم يتطور إلى الأحسن دائما. وذلك بفضل الأفكار الخلاقة وتقدم فروع العلم المختلفة والتعاون المثمر بين علماء من تخصصات متباينة. ففي بداية القرن العشرين ظهرت إلى حيز الوجود محاولات جادة لإنتاج أسنان صناعية وعيون صناعية وأرجل صناعية وما شابه ذلك إلا أن النوعيات كانت متواضعة ثم تطورت الأمور إلى الأحسن وتحولت اهتمامات العلماء إلى إنتاج قطع الغيار للأعضاء الداخلية الحيوية وتم فعلاً إنتاج أول كلية صناعية في الأربعينات من هذا القرن وتبعها في أوائل الخمسينات أول إنتاج لقلب ورئة صناعيين يستخدمان أثناء إجراء العمليات الجراحية في القلب لفترة محدودة ثم الاستعاضة عن المفاصل الطبيعية التالفة بأخرى معدنية أو خزفية. والآن ظهرت إلى حيز الوجود شركات طبية آخذة بالتنافس لتطوير تلك الأعضاء وجعلها أكثر كفاءة وأطول عمراً وأقل تكلفة وأتقن أداة وواقع الأمر يجد المتتبع لتطور العلوم الطبية في هذا المجال بأن بحوث قطع الغيار البشرية تسير في طريقين إلا أنهما في النهاية يخدمان نفس الهدف، أي تغيير العضو المعطوب بأجزاء أخرى سليمة، فطريق منها يستخدم الأنسجة والأعضاء الطبيعية السليمة من إنسان لزرعها في إنسان آخر يحتاج إليها، والطريق الآخر يعتمد على تصنيع قطع الغيار من خامات مختلفة بحيث تؤدي نفس الهدف ولأطول فترة ممكنة.

стр. 9331

وطبيعي بأن الطريقين اللذين يسلكهما العلماء في التعامل مع قطع الغيار الطبيعية والصناعية تعترضهما عقبات شتى وعويصة، وأكبر مشكلة تواجه زراعة الأعضاء الطبيعية هي مقاومة الجسم الحي لأي نسيج أو عضو غريب حيث إن الجسم لا زال يستخدم أسلحة المناعة في ضرب الجزء المزروع حتى يلفظه أو يبيده من ميدانه ولم يتغلب العلماء على مقاومة الجسم أو تعطيل أسلحته الدفاعية إلا أنهم حققوا بعض النجاح في هذا الميدان خاصة في زارعة الكلى وصمامات القلب وبعض الأنسجة، ولكي تعيش فإنما يعتمد ذلك على من يعطي هذا العضو أو يهبه، فالعقبة هنا هي عدم توافر هذه الأعضاء الطبيعية لكل من يطلبها. من أجل هذا لجأ العلماء إلى فكرة تصنيع بدائل عن الأنسجة والأعضاء البشرية، وعلى الرغم من أنهم قد حققوا في هذا المجال أهدافاً رائعة إلا أن الشيء الصناعي لا يقارن بالشيء الطبيعي لا في كفاءته ولا في تحمله أو حجمه أو وزنه وتكلفته. لو أخذنا الكلية الصناعية - على سبيل المثال - نجد أن المصاب بالفشل الكلوي المزمن ترتبط حياته بجهاز معقد وكبير ومكلف، ويحتاج إلى رعاية طبية طالما كان أسير هذا الجهاز الذي يزوده مرتين أو ثلاثاً في الأسبوع وتظل دورته الدموية تدور في هذا الجهاز لمدة تتراوح ما بين ٤ - ٦ ساعات في كل مرة حتى يتمكن تخليص دمه من السموم والنفايات التي تجمعت فيه لو قورنت بالكلية الطبيعية التي لا يزيد وزنها عن ١٥٠ جرام وهي مزودة بحوالي مليون وحدة ترشيح دقيقة وكفاءتها لا يعلى عليها لدرجة أن نصف أو حتى ربع كلية طبيعية سليمة تكفي لتخليص الجسم من نفاياته الذائبة في دمائه وتلك نعمة كبرى لا يشعر بها حقاً إلا كل من افتقدها وما أكثر النعم التي زودت بها أجسامنا ولا نقدرها حق قدرها ولمعظم أجزاء الجسم التالفة الآن قطع غيار كثيرة تم تصنيعها من مواد مختلفة. وبحوث قطع الغيار البشرية لازالت تقدم لنا كل عام علم جديد بحيث يصبح الإنسان في المستقبل القريب أو البعيد يجمع في تكوينه أجهزة طبيعية من شحم ودماء وعظام وأخرى من بلاستيك ومعادن وخزف وتوصيلات كهربائية ... إلخ.

стр. 9332

فهناك الآن عشرات من قطع الغيار البشري الصناعية التي يمكن أن تحل محل الأجهزة التالفة، فالقلب وحده له أكثر من قطعة غيار، وهناك الآن مئات الألوف من البشر أو ربما الملايين قد عطبت أجزاء من قلوبهم لسبب أو لآخر وهم يعيشون الآن بعد تغيير الأجزاء المعطوبة بأخرى طبيعية أو صناعية، فالمنظم الطبيعي لنبضات القلب عقدة عصبية صغيرة قد يفشل في إمداد القلب بالشحنة الكهربائية التي تجعله ينبض باستمرار وانتظام وبمعدلات أكبر عند بذل المجهودات الجسدية، وقد أمكن استبداله بمنظم صناعي صغير يزرع تحت الجلد ويشتغل ببطارية دقيقة، وهناك الآن عشرات الألوف يعيشون بمنظمات قلوب صناعية ولسنين طويلة خاصة بعد أن أدخل العلماء تحسينات أساسية على البطاريات لتعيش لأطول فترة ممكنة كما حدثت أيضاً تطورات في التوصيلات الكهربية الدقيقة التي تصل البطاريات بعضلة القلب، إذ كانت في الماضي تنهار بفعل التآكل والتفاعل الحاد بينها وبين الجسم. إلا أن عملية الانهيار الآن أصبحت غير واردة بعد اختراع مادة جديدة من المطاط السيليكوني الرملي الذي يستخدم الآن كثيراً في أغراض طبية شتى، إضافة إلى تحسين آخر حدث أضيف إلى هذا المنظم وأصبح مبرمجاً عن طريق حاسب إليكتروني وليس معنى ذلك أن البحوث لن تتناول مرافق الجسم الحيوية الأخرى بحيث لن يكون لمن قطعت يده أو ذراعه أو ساقه أمل في استعادتها، بل هناك أمل. ذلك أنه أمكن التوصل إلى إنتاج بنكرياس صناعي ليمد الجسم بالأنسولين وبداية كبد صناعي ليقوم بكثير من وظائف الكبد وأذن صناعية تسمع الأصم ونواة عين صناعية تجعل الأعمى بصيراً وطرف يتحرك بإيحاء من المخ ... إلخ. هذه الإنجازات الهامة والمثيرة في عالم العلوم الطبية التجريبية يعطي المؤشر نحو مستقبل العلم في هذا المجال الحيوي الهام، وأن ما قد نفشل فيه اليوم قد ننجح فيه غداً خاصة وأن الأفكار والبحوث والكشوفات تتطور بسرعة مذهلة، وقد قصدت بهذه المقدمة ما أشرت إليه في بدايتها، وهو أيضاح أبعاد الموضوع لكون الحكم أو الفتوى لا تكون إلا في موضوع واضح، وهذا ما قصدت من الإسهاب فيه وسوف نثبت مراجع النقل في قائمة المراجع.

стр. 9333

البحث الشرعي في الموضوع: لا شك بأن تصدي مجمع الفقه الإسلامي لمثل هذه المواضيع المستجدة وبيان حكم الشرع فيها يعتبر خطوة جبارة لها وزنها العلمي والحضاري في عالم اليوم ولبنة جديدة في صرح الفقه الإسلامي الشامخ الذي اعتصرت فيه عقول جهابذة العلماء من السلف والخلف - رضوان الله عليهم أجمعين -. لقد تقدمت الإشارة إلى أن هذه النازلة من النوازل التي لم يرد بشأنها نص من كتاب أو سنة. ومن هنا أطلق علماء الأصول على أمثال هذه الحالة اسم المصالح المرسلة: وعرفوها بأنها "كل مصلحة غير مقيدة بنص من الشارع يدعو إلى اعتبارها أو عدم اعتبارها، وفي اعتبارها مع هذا جلب نفع أو دفع ضرر" والشارع الإسلامي هو الذي يستهدف في أحكامه تحقيق مصالح الناس ودفع المفاسد عنهم وهو أيضاً الذي يقدر ما إذا كان عملاً معيناً يحقق لهم مصلحة، أي يجلب لهم نفعاً أو يدفع عنهم ضرراً والمصالح التي أدخلها الشارع في اعتباره قسمها الأصوليون إلى ثلاثة أقسام: مصالح معتبرة، أي قام الدليل على اعتبارها. مصالح ملغاة، أي قام الدليل على إلغائها. مصالح مرسلة، أي لم يقم دليل على اعتبارها أوإلغائها، وهذ االقسم الثالث - أي المصالح المرسلة - هو الذي ينطبق على موضوعنا لكننا قبل أن نلج الموضوع نشير هنا بإيجاز إلى الصنفين السابقين - أي المصالح المعتبرة والمصالح الملغاة - حتى يتجلى صلب البحث للمصالح المرسلة. فنقول: بأن المصالح المعتبرة تنقسم على نفسها إلى ثلاثة أقسام: ا - مصالح ضرورية: وهي التي تتوقف عليها حياة الناس في الدنيا والآخرة، وبدونها تتوقف الحياة وتنحصر في المحافظة على خمسة أمور، هي: الدين، النفس، العقل، النسل، المال. وهي ما يعرف عند الفقهاء بالكليات الخمس. ٢ - مصالح حاجية: وهي التي لا تحقق مصلحة ضرورية، ولكنها تدفع الحرج والمشقة عن الناس، مثل: إباحة بعض صور المعاملات. ٣ - مصالح تحسينية: وهي التي لا تستهدف المحافظة على مصلحة ضرورية ولا حاجية، ولكنها تستهدف الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق والوصول بالمجتمع إلى الكمال الإنساني. ومصالح ملغاة: أي قام الدليل على إلغائها مثل قوله ﵊: ((لا رهبانية في الإسلام)) .

стр. 9334

أما المصالح المرسلة: فهي التي تعتبر دليلاً مستقلاً تبنى عليه الأحكام عند القائلين بها إذا كانت تحقق نفعاً للناس أو تدفع عنهم ضرراً. ويتبين من التعريف السابق بأن المصالح التي شهد لها الشارع بحكم معين لا تعتبر من قبيل المصالح المرسلة، بل يعتبر حكمها ثابت بنص الشارع. كما أن الأسباب التي تدعونا إلى الاعتماد على قاعدة المصالح المرسلة في استحداث الأحكام الشرعية يمكن إجمالها في أربع قواعد، هي: جلب المصالح، درء المفاسد، سد الذرائع (أي منع الطرق التي تؤدي إلى إهمال الأحكام الشرعية والتحايل عليها) تغير الزمان (وهو ما يعبر عنه بالقاعدة الشهيرة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان) والمصالح المرسلة؛ وإن كانت تتفق مع الاستحسان في الغاية إلا أنهما يختلفان من حيث إن الاستحسان صوروه على أنه استثناء من القواعد التي يوجبها القياس، وخاصة استحسان الضرورة كما نص الأصوليون على ذلك. أما المصالح فهي أعم من ذلك لأنها تشمل الاستحسان، وتشمل أيضاً الحالات التي توجب المصلحة إقرارها، ولا يقوم دليل من الشارع على اعتبارها أو عدم اعتبارها، فتكون المصلحة هنا هي الدليل الوحيد الذي تبنى عليه الحكم. ومن هنا اعتبرها المالكية أصلاً مستقلاً بذاته تبنى عليه الأحكام. ذلك أن المصلحة المرسلة عند المالكية تطبق في حالتين: الأولى: إلا يكون في الموضوع قياس محمول على نص وحينئذ تكون المصلحة هي الدليل وحدها. والحالة الثانية: هي ما إذا كان اطراد القياس يؤدي إلى الوقوع في حرج أو ينافي مصلحة ظاهرة، فحينئذ يترك القياس لهذا النفع المجتلب، ولذلك الضرر المجتنب وإن سمي هذا النوع الذي قوبل بالقياس استحسانا، ومن هنا نجد جوهر الاستحسان عند الحنفية والقائلين به يتفق مع جوهر المصالح المرسلة عند المالكية والقائلين به أيضاً. غير أن المالكية بنوا نظريتهم في المصالح المرسلة في تاريخ لاحق لنظرية الاستحسان عند الحنفية، فجاءت نظرية المالكية أوفى وأوسع وحظيت بصياغة فنية دقيقة برزت في مذهبهم واشتهروا بها، وواقع الأمر أن الحنفية عندما سلموا بالاستحسان الذي يقضي بالعدول عن القواعد القياسية إلى الأخذ بما هو الأوفق للناس وأيسر لهم والالتفات إلى المصلحة والعدل قد اعتمدوا على المصالح المرسلة في تقدير هذه الاستثناءات وإن سموا هذا الاستنباط استحساناً، وهو أيضاً الذي يسميه بعض الأصوليين باستحسان الضرورة. أما المالكية فلم يقفوا في الاعتماد على المصالح المرسلة عند حد ترك القياس الذي يؤدي اطراده إلى خلاف المصلحة، بل جاوزوا ذلك النطاق إلى حد اعتبار المصلحة المرسلة دليلاً مستقلاً تبنى عليه الأحكام، فتكون هي الدليل عندما لا يوجد دليل سواها.

стр. 9335

شروطها: اشترط الفقهاء القائلون بالمصلحة المرسلة كمصدر للتشريع عدة شروط أجملها الشاطبي في ثلاثة: أحدها: الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلاً من أصوله ولا دليلاً من أدلته. الثاني: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول فلا مدخل لها في التعبدات وما يجري مجراها من الأمور الشرعية لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل. والثالث: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين. ويتبين من ذلك بأن القائلين بالمصلحة المرسلة كمصدر من مصادر التشريع الإسلامي قد اشترطوا لاعتبارها كذلك شروطاً، منها: أن يكون ذلك في مجال المعاملات لا العبادات، لأن هذه الأخيرة ثابتة لا تتغير فضلاً عن أنه لا يجوز إعمال العقل والفكر فيها؛ ومنها: أن يستهدف بناء التشريع على المصلحة جلب نفع أو دفع ضرر؛ ومنها: أن تكون المصلحة التي يشرع من أجلها حقيقة وكلية، ومن ثم تستبعد المصلحة المتوهمة وتستبعد الجزئية، فلا يشرع حكم بناء على مصلحة خاصة بفرد معين بغض النظر عن بقية الناس، بل لا بد أن تشمل المصلحة أكبر عدد من الناس فتجلب لهم النفع وتدفع عنهم الضرر؛ ومنها: إلا يعارض التشريع الذي بنى على المصلحة مقصداً من مقاصد الشريعة ولا دليلاً من أدلتها. والمتتبع لأحكام الشريعة يجد أنها قد رتبت هذه المقاصد وما شرع لها من أحكام على أساس أن الضروريات تأتي في المرتبة الأولى ثم تليها الحاجيات ثم التحسينيات. وبالتالي ترتب على ذلك أن كل مصلحة تختلف درجة طلبها قوة وضعفا تبعاً لقوة وضعف ما تحققه من مقاصد بحسب موقعها من الأقسام الثلاثة سالفة الذكر، ويتدرج الحكم من الوجوب إلى الندب إلى الإباحة وكل فعل ينافي مقصداً من المقاصد الثلاثة يعتبر مفسدة ينهى عنها الشرع، وتتوقف درجة المنع على نوع المقصد الشرعي الذي تخل به ويتدرج الحكم من التحريم إلى الكراهية، ومن المعلوم أن كل فعل من أفعال الناس يتضمن تحقيق مصلحة أو وقوع مفسدة أن يحقق نفعا أو يجلب ضرراً واعتبار الفعل مشروعاً أو ممنوعاً يتوقف على رجحان نفعه أو ضرره. وتقدير ذلك متروك للشارع وليس لأهواء الناس ومقياس الصلاح والفساد يستفاد من قواعد الشريعة ومقاصدها.

стр. 9336

إن حفظ الكليات الخمس واجب شرعاً عند العلماء، ومن ذلك حفظ النفس بإنقاذ حياة نفس أخرى أو سلامة عضو من أعضائه بنقله من حي أو ميت بحيث يقدمان صورة متكاملة من المعالجة التشريعية الدقيقة لهذا الموضوع وفقاً لأحكام الشريعة. قال الإمام الشاطبي: لما كانت المصالح الدنيوية لا يتخلص كونها مصالح محضة، وإنما تكون على مقتضى ما غلب، فإن كانت المصلحة هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتبار فهي مقصودة شرعاً، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد. وقريب من ذلك ما ذكره العز بن عبد السلام في قواعده حيث قال: وما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه كقطع اليد المتآكلة حفظاً للروح إذا كانت الغالبة السلامة، فإنه يجوز قطعها. وهكذا كان الحكم صراحة في جواز قطع عضو إنسان لضمان استمرار سلامة البدن ونظيره شق بطن المرأة على الجنين المرجو حياته لأن حفظ حياة الجنين أعظم مصلحة من مفسدة انتهاك حرمة أمه. فالمصلحة ما دامت هي المقصودة من التصرف لا تمنع بمجرد وقوع المفسدة مادام أن المصلحة هي الراجحة. ويقول العز بن عبد السلام: ربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها لا لكونها مفاسد بل لكونها مؤدية إلى المصالح المحققة. والشريعة الإسلامية إنما تهدف بالجملة إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وحيثما تكون المصلحة راجحة، فثم شرع الله تعالى. والنفس البشرية معصومة ومحترمة، ولذا تعلق بها حق الله تعالى حتى لا يبلغ بها أصحابها في وقت من الأوقات أو في بلد من البلدان إلى مرتبة السلعة تباع وتشترى ولا يخفى ما في ذلك من إهدار الآدمية الإنسانية وهدم لبنيان الرب كما جاء في الأثر: الجسم بنيان الرب، ملعون من هدمه: أي ظلما وعدواناً من غير وجه حق. ومما تقدم نخلص إلى القول بأن الإيصاء بعضو من الأعضاء في حال الحياة على أن يفصل من الموصي بعد الوفاة لينتفع به آخر تتوقف حياته عليه، أو عضو من أعضاء الجنين في موضوع البحث الذي أجهض بدون أي اعتداء على حياته بقصد الاستفادة منه، سواء أكان ذلك الجنين ميتاً أو فيه حياة أثبت الطبيب الشرعي بأن الحياة التي فيه في حكم العدم، وأن من مثله لا يمكن أن يعيش. فإن مما يرتبط بهذا المبدأ عدم جواز المتاجرة بأعضاء الإنسان، والبعد عن كل ما يؤدي إلى التشويه والمثلة والمحافظة على حياة الإنسان والتنديد بكل ما يضره ويؤذيه وترتيب الأجزية الرادعة على كل عدوان عليه بقتله، أو إتلاف عضو من أعضائه مما هو معروف في أحكام القصاص والديات، وأن مما ينسجم مع هذا المبدأ جواز الانتفاع بعضو الإنسان الآخر إذا كان يحفظ حياة المنتفع به دون أن يضر بالمنتفع منه، وأن ذلك لا يجوز في حالة الإضرار بالمنتفع منه أو تسبب هلاكه، لأن حق الحياة في الناس في نظر الشريعة واحد، والضرر لا يزال بالضرر ولا بمثله، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

стр. 9337

ولا شك بأن الشريعة الإسلامية قد حثت على التداوي ودعت إليه، وبينت أن لكل داء دواء، وما على الإنسان إلا أن يبحث وينقب ليكشف المرض والعلاج؛ والأحاديث النبوية في ذلك معروفة. إن من مقاصد الشريعة وأهدافها السامية والأساسية في المجتمع الإنساني رعاية المصالح وتحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وأن هذه الرعاية للمصالح تقوم على نظر متكامل يقدم الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينيات، بل إنها في إطار الضروريات تقيم نسقاً دقيقاً للمفاضلة بين المصالح عندما تتعارض: - الضرورات تبيح المحظورات؛ والضرورة تقدر بقدرها؟ والحاجة تنزل منزلة الضرورة.. إلى غير ذلك. وأن إقراره ﵊ بأن لكل داء دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، يفتح باب العلاج على مصراعيه ويمهد السبل أمام الباحثين لاستكشاف الأدواء وما لم يعلم بالأمس ربما يعلم اليوم أو غداً هذا مع أن الإسلام جاء لعلاج الأرواح من ظلمات الأخلاق والسلوكيات التي تجعل الجسم يعيش معتلاً. وهذا ما يصلنا إلى الاستدلال في هذا الموضوع بعموم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وبعد ذلك القواعد الفقهية والمبادىء العامة التي استنبطها الفقهاء المسلمون من تلك العموميات والإطلاقات لنفرع عليها من الأحكام في موضوعنا، وسوف نشير إلى بعض تلك الآيات والأحاديث في صفحة واحدة ملحقة بهذا البحث كمؤيدات على وجه العموم للمعنى الفقهي الواسع وتوحيداً لنظرية التطابق مع القواعد الأصولية التي سقناها في صلب الموضوع كنظرية تبنى عليها الأحكام الشرعية عندما لا يوجد دليل غيرها كدليل ينص على مأخذ الحكم الشرعي من الدليل. علما بأن إحياء النفوس مطلب شرعي صرحت به الآية الكريمة. قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٣٢] . لقد استبط الفقهاء قواعد فقهية وضوابط أصولية تعتبر بمثابة الأصول لمسائل تفرعت عليها الأحكام، ومن ذلك قولهم: المشقة تجلب التيسير: وهي القاعدة الرابعة من قواعد الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي. ويخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته، وعد منها المرض ومن رخصة التداوي بالنجاسات وبالخمر على أحد القولين وتخرج على هذه القاعدة قولهم: الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق. وسوف نشير إلى بعض هذه القواعد العامة في المؤيدات بعد الإشارة إلى الآيات والأحاديث النبوية وبعض الأقوال الفقهية في نهاية البحث إن شاء الله.

стр. 9338

إن تنويه الإسلام بقدسية الإنسان وكرامته ورعاية الشريعة الإسلامية المطهرة لذلك في سائر الأحكام الشرعية حقيقة ثابتة لا يرتاب فيها باحث أو فقيه يتمتع بملكة فقهية تؤهله لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية حتى يظهر له بأن رعاية الكرامة الإنسانية داخلة دخولاً أولياً في المقاصد أو المصالح التي هي محور الشرع الإسلامي الحنيف. ومن هنا أيضاً فإن إنقاذ حياة الإنسان أو تمتعه بعضو أصيل في جسمه أصبحت ضرورة راجحة في سلم المصالح المعتبرة شرعاً. وتأسيساً على هذه القواعد الأصولية والفقهية المترابطة والآخذة بعضها بحجز البعض الآخر، والتي يدور محورها على مقصد الشرع في ضرورة حفظ النفس، وبما أن أوسع هذه القواعد شمولاً وأرسخها في البنيان الفقهي الإسلامي هي قاعدة المقاصد الخمس والترتيب الذي صنفت من حيث الأمية على وفقه، وهي: مقاصد: الدين، فالحياة، فالعقل، فالنسل، فالمال. وبما أن ما وصل إليه الطب في عالم اليوم يرقى إلى درجة استعادة مقومات الحياة بعد فقدها أو بعد الإشراف على فقدها، فإن جواز العلاج بالأجنة المجهضة أو الفائضة عن الحاجة بشروطها الشرعية يدخل في دائرة الجواز في إنجاز أهم المقومات الضرورية لمصلحة الحياة، ويدخل حكمها في دائرة القاعدة الأولى من القواعد أو الكليات الخمس الضرورية، وهي: الحياة: أي الكلية الثانية إذا ما أخذ الترتيب بعين الاعتبار، وهي: الدين، الحياة، العقل، النسل، المال. والله أعلم. المؤيدات للبحث الشرعي في الموضوع: النصوص من الكتاب الكريم. لقد أرست بعض الآيات الكريمة القواعد التي تحفظ على النفس البشرية حياتها، والتي تنهى عن تعريضها للهلاك. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [سورة النساء: الآية ٢٩] . وفي قصة نبي الله أيوب ﵇ لما أصابه السقيم وأعياه المرض نادى ربه "أني مسني الشيطان بنصب وعذاب " فأمره تعالى بما كان سبباً في شفائه، وهو القادر على أن يشفيه بلا سبب. قال تعالى: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وشَرَابٌ﴾ [الآيتان ٤١ و٤٢ من سورة ص] . وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٩٥ ا] .

стр. 9339

كما أن لجذور هذه المسألة مستنداً أصيلاً من السنة النبوية الشريفة، بالإضافة إلى القواعد الفقهية التي تشكل أساس الاجتهاد في هذه المسألة كما أشرنا إلى ذلك. فقد ثبت بالسنة أن أعرابياً قال: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: " نعم، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله " رواه أحمد. وفي رواية: "نعم يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا داء واحد " قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: (الهرم) . وفي لفظ: "إلا السام"، وهو الموت. قواعد دفع الضرر ورفع المشقة: (١) الضرر يزال، (٢) الضرورات تبيح المحظورات، (٣) يرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما، (٤) يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، (٥) الضرورة تقدر بقدرها، (٦) المشقة تجلب التيسير، (٧) الأمر إذا ضاق اتسع. ثم الضرورات إذا حصلت فإن الضرر يزال. والضرورة تبيح المحظور. والمشقة تجلب التيسير. وتأسيساً على هذه الفواعد المترابطة الآخذة بعضها بحجز بعض جالت أنظار العلماء المتقدمين في عدد من الفروع الفقهية في غذاء الآدمي عند الاضطرار أو دوائه وأشياء أخرى. كلها واردة على مقصد الشرع في ضرورة حفظ النفس بين الجواز والمنع والقبول والكراهة. ٤ - اتفق الفقهاء على أن وصل الجسد بعظم من حيوان طاهر للتداوي به أو للاستعاضة به عن عضو أو عظم فقده صاحبه جائز، وإن وصل بعظم نجس مع وجود الطاهر أو بدون ضرورة تدعو إلى ذلك، فهو غير جائز ويجب نزعه عند الجمهور في هذه الحالة، إلا إن خيف من هلاك أو عطب. أما إن تعين العظم النجس فلا مانع من الاستفادة منه عند الضرورة. ٥ - إن الطب الحديث قد بلغ اليوم شأواً بعيداً عما كان عليه بالأمس فقد تجاوز مرحلة تثبيت أنف أو أنملة أو سن اصطناعي أو وصل الجسم بعظم إنسان أو حيوان آخر تجاوزه إلى زراعة كلية مكان أخرى، وتركيب قلب مكان قلب آخر، وإلى استبدال عين سليمة بأخرى تالفة. وهو بهذا التقدم الذي بلغه اليوم إنما يعيد الأمل إلى الإنسان ويضع في الوقت نفسه أسمى امتحانات التعاون والإيثار.

стр. 9340

خلاصة البحث إجمالاً ا - بعد استعراض آيات وأحاديث الأحكام من الكتاب والسنة وأمهات مراجع الكتب الفقهية وجدت حشداً كبيراً من نصوص الكتاب والسنة، ومن القواعد والأدلة الفقهية قد استعرضت في البحوث التي قدمت إلى المجمع في مواضيع زراعة الأعضاء من حي إلى حي أومن ميت إلى حي ... إلخ. ونظراً لكون تلك الأدلة من باب العموميات على الموضوع محل البحث، فقد وجدت بأن استعراض تلك الأدلة من باب التكرار الذي لا يضاف إليه جديد، اللهم إلا إذا كان ذلك من باب المؤيدات للأدلة الأخرى التي تكون أقرب إلى مدرك الحكم الشرعي، وقد أشرت إلى ذلك. ٢ - عرضت موضوع البحث وأوضحت أبعاده وغاياته الشرعية، وأن الطب قد بلغ اليوم شأواً بعيداً عما كان عليه بالأمس، وأن التقدم الذي بلغه الطب في عالم اليوم إنما يعيد الأمل بعد استيئاس الإنسان. ويضع في الوقت نفسه أسمى امتحانات التعاون والإيثار. ٣ - عرضت المصالح المرسلة ووجه الدلالة منها، حيث لا يوجد دليل من الكتابة والسنة والإجماع والقياس دليل مباشر على مدرك الحكم الشرعي في الموضوع. ٤ - إن الشرع الإسلامي قد رتب المصالح وجعل الحفاظ على الحياة ثاني الكليات الخمس الضرورية تبنى عليها الأحكام الشرعية. ٥ - ان الاستدلال بالمصالح المرسلة وجعلها دليلاً مستقلاً بذاته حيث لا يوجد دليل غيرها هو الذي يمد الفقه الإسلامي بمعين لا ينضب من الأحكام التي تتطلبها مستجدات الحياة في شتى الميادين. ٦ - جواز الانتفاع بالأجنة المجهضة بالشروط المعتبرة شرعاً والمستندة إلى عدالة الطبيب الشرعي. والله الهادي إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. محمد عبده عمر ١٩٦٨

стр. 9341

أهم المراجع ١ - القرآن الكريم. ٢ - السنة المطهرة. ٣ - قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام. الجزء الأول، ص ٨٤ - ٩٩. ٤ - المغني، لابن قدامة. الجزء التاسع، ص ٤١٥ - ٤٢٠. ٥ - محمد يوسف موصى: المدخل، ص ١٨. ٦ - محمد زكريا البرديس: أصول الفقه، ص ٢١ وما بعدها. ٧ - الإمام الشاطبي: الاعتصام، الجزء الثاني، ص ١١١ - ١١٤. ٨ - مصطفى الزرقاء: المدخل، ص ٨٨ - ٨٩. ٩ – شفاء التباريح لليعقوبي. ص ٤٥ -٧٤. ١٠ - ابن نجيم الحنفي: الأشباه والنظائر، ص ٨٨. ١١ - الدكتور محمد علي البار: خلق الإنسان بين الطب والقرآن. ١٢ - الدكتور محمد علي البار: طفل الأنبوب والتلقيح الصناعي. ١٣ - الدكتور محمد أيمن صافي: غرس الأعضاء في جسم الإنسان. ١٤ – الشيخ خليل محيي الدين الميس: انتفعاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً. ١٥ - الدكتور محمد سعيد البوطي: انتفاع الإنسان بأعضاء إنسان آخر حياً أو ميتاً.

стр. 9342

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم (٥٨/ ٧/ ٦) بشأن "استخدام الأجنة مصدراً لزراعة الأعضاء " ان مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤ – ٠ ٢ آذار (مارس) بعد اطلاعه على الأبحاث والتوصيات المتعلقة بهذا الموضوع الذي كان أحد موضوعات الندوة الفقهية الطبية السادسة المنعقدة في الكويت من ٢٣ إلى ٢٦ ربيع الأول ١٤١٠ هـ الموافق ٢٣ – ٢٦/ ٠ ١/ ١٩٩٠ م، بالتعاون بين هذا المجمع وبين المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، قرر: ا - لا يجوز استخدام الأجنة مصدراً للأعضاء المطلوب زرعها في إنسان آخر إلا في حالات بضوابط لا بد من توافرها: (أ) لا يجوز إحداث إجهاض من أجل استخدام الجنين لزرع أعضائه في إنسان آخر، بل يقتصر الإجهاض عل الإجهاض الطبيعي غير المتعمد والإجهاض للعذر الشرير ولا يلجاً لإجراء العملية الجراحية لاستخراج الجنين إلا إذا تعينت لإنقاذ حياة الأم. (ب) إذا كان الجنين قابلاً لاستمرار الحياة فيجب أن يتجه العلاج الطبي إلى استبقاء حياته والمحافظة عليها، لا إلى استثماره لزراعة الأعضاء، وإذا كان غير قابل لاستمرار الحياة فلا يجوز الاستفادة منه إلا بعد موته بالشروط الواردة في القرار رقم (١) للدورة الرابعة لهذا المجمع. ٢ - لا يجوز أن تخضع عمليات زرع الأعضاء للأغراض التجارية على الإطلاق. ٣ - لا بد أن يسند الإشراف على عمليات زراعة الأعضاء إلى هيئة متخصصة موثوقة.

стр. 9343

حكم إعادة ما قطع بحد أو قصاص إعداد فضيلة الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد رئيس مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد: فقد علم من مدارك الفقه في أحكام أفعال العباد أن يبحث عن فقه المسألة في كلام العلماء فيحرر ويقابل بين أدلته ليتم الترجيح حسب الدليل وإن لم يكن لها ذكر كانت من النوازل المستجدة فينزل بيان حكمها على قواعد الشريعة وأصولها، وعليه: فعن حكم إعادة العضو المقطوع في حد أو قصاص شرعي إلى مكانه قلبت النظر في عدد من مدونات الفقهاء وكتب الأثر، فوقفت في مذهب الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - كما في مسائل ابنه أبي الفضل صالح، عنه ٣ /٦٤، ٧٤، برقم ١٣٤٧، ١ ١٣٧، قال صالح لأبيه - رحمهما الله تعالى: (قلت: قطع عضو من الجسد؟؟ قال: لا بأس أن يعيده مكانه، وذاك أن فيه الروح، مثل الأذن تقطع فيعيدها بطرائها) . اهـ. ومنه أيضاً عن أبيه: (الأسنان تسقط فيضع فيها من كبر سنه سن الغنم لا بأس به، فسنه يعيدها من الرأس لا بأس به، يكره سن غيره) . اهـ. وفقهاء المذهب يذكرون هذه الرواية في (باب اجتناب النجاسة) من كتب الفقه في المذهب كما في: الروايتين والوجهين لأبي يعلى ١/٢٠٢، والإنصاف ١/٤٨٩، وكشاف القناع ١/٣٤، وشرح منتهى الإرادات ١/١٥٥.. وغيرها. مبينين: هل هذا العضو المعاد طاهر تصح الصلاة به لأنه جزء من جملته فحكمه حكمه؟ ومنهم من يذكر رواية أخرى عن الإمام أحمد – رحمه اله تعالى – بالمنع من الإعادة السن نفسه لأنها نجسة. لكن هذا التفريع الفقهي ظاهره فيما سقط من الإنسان أو قطع منه في غير حد أو قصاص شرعي. وهذا ليس مما هنا.

стр. 9344

وعليه: فإن النظر في حكم إعادة عضو قطع في حد أو قصاص شرعي يصار فيه إلى القواعد الشرعية وبالتأمل يظهر تحريم إعادة عضو قطع بحد أو قصاص لأمور: * الأول: في هذا استدراك على الشارع في حكمه وهذا أمر لا يجوز أصلاً. * الثاني؟ بدن الإنسان، وإن جرى الخلاف هل هو ملك له؟ أم ملك الله تعالى؟ أم مشترك فيه حق الله وحق لعبده؟. فإن الذي استقرت عليه كلمة التحقيق اجتماع الحقين، حق الله في الاستعباد، وحق العبد في الاستعمال والانتفاع في حدود الشرع. لكن هذا العضو المقطوع بحد تمحض حقاً الله تعالى والمقطوع بقصاص تمحض حق الله تعالى وحقاً لعبد آخر وبهذا: ارتفعت حقوق المقطوع منه عن ذلك العضو شرعاً. * الثالث: الحياة مخالطة للبدن، وحياة كل عضو بحسبه فالشرع حين حكم بقطع اليد حداً في السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية. فهذا الحكم بالقطع لها شامل لجرمها وحياتها فصلاً لها عن البدن على التأبيد. وعليه: فإن إعادتها فيه افتيات على الشرع في حكمه.

стр. 9345

* الرابع: جاء النص عن النبي ﷺ بحسم يد السارق بعد قطعها كما في حديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: ((اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه)) . والحسم لأجل سد منافذ الدم حتى لا يؤدي إلى تلف النفس، فرتب النبي ﷺ الحسم على القطع، ولدى علماء الأصول: (أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر) . وعليه: فليس ثمة بعد القطع إلا الحسم فحسب، ولذا فإن إعادة العضو استدراك على الشرع من هذا الوجه. * الخامس: ثبت من حديث فضالة ﵁ ((أن النبي ﷺ أتي بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه)) رواه أصحاب السنن وغيرهم. فتعليق اليد في عنق السارق حكم شرعي من العقوبة الحدية والقول بإعادتها فيه تفويت لاستكمال الحد وتمامه. * السادس: في خصوص القصاص فإنه حياة للأمة، وعدل في مماثلة العقاب، وشفاء للبدن الموتور بفوات عضو منه عدواناً، ففي إعادة العضو المقطوع قصاصاً تفويت لهذه المعاني، وفي إعادة العضو المقطوع بحد إعادة لحياته وقد أهدر استقرار حياة الأمة، ففي هذا نقص فيم الجزاء والنكال، والله يقول في حق السارق والسارقة: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ . وفي حق العقوبات: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ . وفي خصوص القصاص: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ . فإذا أعيد العضو المقطوع بقصاص لم تكن العقوبة مثلية على الدوام. تنبيه: وبما أن الحدود الإتلافية شرعاً لا تطبق في العالم الإسلامي إلا ما ندر كالمملكة العربية السعودية فأرى عدم بحث هذا الموضوع لأنه فرع عن أصله وأصله لا يقام شرعاً في كل العالم الإسلامي، فليطو البحث فيه ولا ينبغي تمييع الأحكام الشرعية والوثبة عليها من كل جانب. وإن كنا نحسن الظن - ولله الحمد - في مثل هذا البحث لكنه والحال ما ذكر يكون من باب الفقه التقديري وبلسان العصر (الترف العلمي) ... فلنبذل الجهد فيما له صفة العموم في العالم الإسلامي. والله الموفق والمعين. بكر بن عبد الله أبو زيد

стр. 9346

زراعة عضو استؤصل في حد أو قصاص إعداد فضيلة حجة الإسلام محمد علي التسخيري عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تحرير المسألة: فهل يجوز شرعاً أن نزرع عضواً - كاليد مثلاً - استؤصل بحد أو قصاص لتعود إلى حالتها السابقة سليمة من أي نقص، وهو أمر ممكن؟ وهذه الحالة يمكن تصورها على أنحاء: منها إعادة نفس اليد المقطوعة، ومنها وضع يد أخرى من ميت آخر، ومنها أيضاً ترميم العضو المقتص منه بنقل قسم آخر من نفس البدن إليه. وعلى أي حال فما هو الحكم الشرعي في الموضوع؟ ضرورة بحث المسألة: ولا نرى صحة الغض عن هذه المسألة بحجة أن الحدود لا تطبق في كثير من البلاد الإسلامية، ذلك أن هذه المسألة ما دامت واقعة حتى في مورد واحد وجب علينا أن نستنبط حكمها الشرعي (وما من واقعة إلا ولله فيها حكم) ، فكيف بنا ونحن نواجه شوقاً إسلامياً عاماً لتطبيق الإسلام على كل مجالات الحياة، ومن أهم أجزاء النظام الإسلامي قانون العقوبات الإسلامية. وبعد تقدم العلم لم يعد هذا الموضوع نادراً، بل أصبح أمراً عادياً، ومن هنا فمن الضروري بحث المسألة ومعرفة الرأي الشرعي فيها. هل المسألة مستحدثة؟ يمكن القول بأن المسألة غير مستحدثة فقد تعرض لها بعض الفقهاء قديماً، بل لها جذور تطبيقية في عمر صدر الإسلام – كما سنرى – إلا أنها لما لم تكن حالة طبيعية متكررة نتيجة ضعف مستوى الطب فلم تشكل ظاهرة تستوجب البحث العلمي والفقهي فيها.. ونحن نشهد الإمام الشيخ الطوسي وهو من أئمة القرن الرابع الهجري ينقل قول الإمام الشافعي في موضوع مطالبة المجني عليه بقطع أذن الجاني بعد عمل هذا الأخير على إعادتها إلى محلها بعد أن اقتص منه بقطعها (١) ثم يرد عليه مستنداً إلى الإجماع، مما يكشف عن طرح المسألة آنذاك على بساط البحث!

стр. 9347

وقبل بحث مسألتنا هذه يطرح بعض الفقهاء، مسألة أخرى وهي ما لو افترضنا قيام المجني عليه بإلصاق أذنه المقطوعة في جانبه حتى برئت، فهل له المطالبة بالقصاص أم لا؟ ويجيبون عادة ببقاء حق المطالبة، إذ أن وقوع الجريمة كان مقتضياً للعقاب وثبوت الحق بالمطالبة بالقصاص، والإلصاق الطارىء لا ينفي بقاء ذلك الحق. ولسنا بهذا الصدد حتى نتبين الحق فيه فلنركز على موضوع المسألة إذن لنعرف ما هو الموقف؟ الأقوال المتصورة في المسألة ثلاثة، هي: أولاً: المنع من إعادة العضو مطلقاً ولو أعيد قطعه الحاكم. ثانياً: الجواز مطلقاً. ثالثاً: التفصيل بين حقوق الآدميين فلا يجوز وحقوق الله فلا مانع فيها، وعلى هذا فتجب ملاحظة أدلة كل قول ثم اختيار القول الأقرب للقواعد الشرعية. * القول الأول: المنع المطلق من إعادة العضو المبان بحد أو قصاص، وقد استدل لهذا - أو يمكن أن يستدل له - بالأدلة التالية: ا - إن في التجويز استدراكاً على حكم الشارع، وهذا لا يجوز. ٢ - إن المقطوع قد تمحض حقاً لله وليس للمقطوع منه فيه حق شرعي. ٣ - إن العضو المقطوع قد حكم الشرع بقطعه نتيجة جرمه وبالتالي فهو يفصل عن البدن أبداً. ٤ - إن الشارع حكم بحسم اليد المقطوعة لسد منافذ الدم وسكت عما وراءه مما يفيد الحصر إذا كان في مقام البيان. ٥ - إن إعادة اليد فيه تفويت لاستكمال الحد بعد أن حكم الشارع بتعليق اليد في عنق السارق.

стр. 9348

٦ - إن فيه نقضاً للجزاء والنكال الوارد في حق السارق والسارقة. ٧ - كون القطعة المضافة من الميتة النجسة التي تمنع من صحة الصلاة، الأمر الذي يدعو الحاكم لإزالتها من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. ٨ - فيه نفي للماثلة في الشين، وقد جاء في الرواية اعتباره، وهي على النحو التالي: محمد بن الحسن الطوسي بإسناده، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسين بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه ﵉ : أن رجلاً قطع من بعض أذن رجل شيئاً فرفع إلى علي ﵇ ، فأقاده فأخذ الآخر ما قطع من أذنه فرده على أذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الآخر إلى علي ﵇ ، فاستقاده فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت وقال ﵇ : "إنما يكون القصاص من أجل الشين " (١) ٩ - الإجماع. هذا مجمل الأقوال التي ذكرت أو يمكن أن تذكر في البين (٢) قال في جواهر الكلام: وفي محكي الخلاف: إذا قطع أذنه قطعت أذنه فإن أخذ الجاني أذنه فألصقها فالتصقت كان للمجني عليه أن يطالب بقطعها وإبانتها. وقال الشافعي: ليس له ذلك، لكن وجب على الحاكم أن يجبره على قطعها، لأنه حامل نجاسة. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم. وفي محكي المبسوط: "لو قال المجني عليه قد ألصق أذنه بعد أن اقتطعها أزيلوها روى أصحابنا أنها تزال ولم يعللوا ".

стр. 9349

وفي التنقيح: "لا خلاف في جواز إزالتها، لكن اختلف في العلة فقيل ليتساويا في الشين، وقيل لكونه ميتة ويتفرع على الخلاف أنه لو لم يزلها الجاني ورضي بذلك كان للإمام إزالتها على القول الثاني لكونه حامل نجاسة فلا تصح الصلاة مع ذلك" (١) * ثانياً - أدلة القول بالجواز مطلقاً: ويستند القائلون به - أو يمكن أن يستدل لهم - بأنه لم يثبت دليل على المنع فيبقى الأمر على إباحته حيث الأصل هو (الإباحة) . ذلك أن الأمر الصادر بالإبانة قد تم امتثاله لأنه يتعلق بطبيعتها وتتحقق الطبيعة بامتثال أول حصة منها، وحينئذ يسقط الأمر، كما قرر ذلك الأصوليون - بحق - وبالنسبة للرواية ذكروا أن فيها ضعفاً في السند. يقول الإمام الخميني ﵀ بهذا الصدد: "وفي الرواية ضعف" (٢) أما الإجماع فهو منقول وغير محصل ولا يكشف عن شيء. وأما دليل النجاسة فهو منتف موضوعاً لاتصالها بالبدن الحي وصيرورتها حية. وعليه فقد أفتوا بعدم جواز إبانتها بعد وصلها إذا صارت حية. يقول الإمام الخميني: "ولو صارت بالإلصاق حية كسائر الأعضاء لم تكن ميتة وتصح الصلاة معها، وليس للحاكم ولا لغيره إبانتها، بل لو أبانها شخص فعليه القصاص لو كان عن علم أو عمد وإلا فالدية) (٣) * ثالثاً - القول بالتفصيل بين حقوق الناس وحقوق الله: وخلاصة الاستدلال لهذا القول أن الاستحسان والمصلحة الضرورية أو الحاجية وغيرها من أصول الاستدلال لا تمنع من القول بإعادة اليد بحجة مصادمتها للنصوص الشرعية، لأن إعمال النص قد تحقق بقطع اليد أو بالقصاص وما وراء ذلك يكون على أصل الإباحة.

стр. 9350

هذا ما يقوله العلامة الدكتور الزحيلي في بحثه القيم حول الموضوع والمقدم إلى المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت، إلا أنه يستثني من ذلك ما لو تحول العلاج إلى ظاهرة عامة تؤدي إلى تجرؤ اللصوص والمحاربين. كما يستثني ما لو كان الحد من حقوق العباد وثبت بالشهادة إلا إذا أذن المجني عليه ورضي بذلك، وبدون ذلك ينتفي عنصر المماثلة ويؤدي ذلك إلى مفاسد لا تحمد عقباها، فالعلة في الاستثناء هو المنع من الضغائن. وفيما عدا ذلك فالحكم هو الجواز، أما في حقوق العباد وقد تم الإثبات بالإقرار فإعادته إليه رجوع عن الإقرار. وأما في حقوق الله كحد السرقة والحرابة فقد رجح الجواز لأن النص قد استوفى نصيبه ولا سلطان للحاكم بعد تنفيذ الحد، وقد تحققت أهدافه المادية والمعنوية ولا مانع من زراعة العضو من إنسان آخر كما قرر المجمع الفقهي ولأن التوبة تسقط الحدود في مذهب الحنابلة، ولأن في ذلك مصلحة ضرورية، ولأن حقوق الله مبنية على الدرء والإسقاط والمسامحة، وبعد ذلك لا مناص من الرجوع إلى عدالة الإسلام وسماحته. تقويم الآراء والأدلة: وإذا شئنا أن نقوم الآراء والأدلة السابقة وصولاً إلى الرأي الحق أمكننا بعد التأمل أن نلاحظ النقاط التالية: * النقطة الأولى: من الملاحظ أن بعض الأدلة التي سيقت من أنصار هذا الرأي أو ذاك هي أدلة استحسانية محضة ولا تنهض مطلقاً كدليل شرعي على الرأي وفقاً لقواعد الاستثناء، وهي من قبيل: (١) الاستدلال على المنع من إعادة العضو بأن هذا العمل استدراك عل حكم الشارع وهذا لا يجوز. ذلك أن كونه استدراكاً واعتراضاً وإلغاء لحكم الشارع هو أول الكلام إن أريد منه معنى الإلغاء، أما لو أريد منه مجرد عدم الانسجام الأدبي مع الحكم الشرعي فهو مجرد استحسان لا دليل عليه.
следующие страницы →