١٣ - ما يتعلق بزراعة خلايا الدماغ:
لا يهمنا إن ثبتت إمكانية ذلك على الصعيد العلمي أو أن ذلك ضرب في الخيال وإنما الذي يهمنا الحكم الفقهي، وقد افترض فقهاؤنا الأقدمون ﵏ مسائل شتى لم تقع في عصرهم بل وقعت في عصرنا، لهذا فإننا نميل إلى بحث هذه الأمور التي لم تثبت علميا حقيقتها، فإن ثبتت فإن حكمها ثابت قبلها، والفتوى التي نتحمل مسؤوليتها أمام الله تعالى متعلقة بعلة ومعلول لأن الدماغ له تأثير مباشر على مدركات الإنسان كما نعلم إلا أن علمنا ليس كعلم الأطباء المختصين، فإن قال الأطباء المختصون المستقيمون بأن نقل الدماغ أو نقل أجزاء من خلاياه يؤثر على مدركات المنقول إليه فهذا ليس بجائز والفتوى المعتمد عليها هي الحرمة في نقل الدماغ أو نقل أجزاء منه كما أفتينا في نقل الخصيتين أو المبيضين لأن المسلم قد يصير كافرا إذا نقل دماغ كافر إليه أو جزء منه. العذراء الطاهرة قد تصير عاهرة إذا نقل إليها جزء من خلايا دماغ امرأة فاجرة، وهكذا دواليك كلما كان لنقل العضو أثر مباشر على تفكير الإنسان كان ذلك النقل حراماً، وإذا كان نقل الدماغ أو نقل أجزاء من خلاياه كنقل الأذن أو العين أو اليد بلا أثر على المدركات فهذا يعد جائزاً شرعاً والفيصل الأطباء المستقيمون، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ، ولا يجوز البتة الإفتاء بنقل الدماغ من الحي لأن هذا ضرر محض بالمتبرع أو البائع والإضرار المقصود بالنفس أو بالجسد لا يجوز البتة أبداً، وإن كان بموافقة المتضرر شرعا ولهذا كان المنتحر أشد اثما من قاتل غيره وإتلاف المال حرام واتلاف الجسد أشد حرمة لأنه أعز منه. وقد اطلعنا على بحث الأستاذ الدكتور مختار المهدي ومع توجيه شكرنا له نتمنى لو أبدى آثار نقل الدماغ على مدركات الإنسان كما فعلت الأستاذة الفاضلة الدكتورة صديقة العوضي إذ بينت آثار نقل الخصيتين والمبيضين على اختلاط الأنساب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور خالد رشيد الجميلي
стр. 9487
نقل وزراعة الأعضاء التناسلية
إعداد
فضيلة الدكتور محمد سليمان الأشقر
باحث بالموسوعة الفقهية الكويتية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد عبده ورسوله الأمين وعلى اله وأصحابه الطاهرين.
يحتاج هذا النوع من زراعة الأعضاء لأمور، ثم يقصد من يطلب الزراعة كل هذه الأمور أو بعضاً منها:
الغرض الأول - تحصيل النسل:
فقد تكون المرأة غير منجبة بسبب عضوي كتلف المبيضين أو تعطلهما لمرض لا يمكن علاجه، أو انسداد القناتين الناقلتين للبويضات، أو تلف في الرحم يحوج إلى إبداله أو كونه قد أزيل بالجراحة.
وقد يكون الرجل كذلك غير منجب لسبب عضوي كتلف الخصيتين أو عجز ما أو كونهما مقطوعتين، أو عنة الذكر أو انقطاعه، أو انسداد القناة الحاملة للمني من البربخ إلى الخارج.
стр. 9488
الغرض الثاني - الاستمتاع:
والحاجة إليه تقوم في حالات التلف المتقدم بيانها كلها: كتلف المبيضين، فإنه ينقص أو يعدم الاستمتاع بالبطء لدى المرأة، وكذا إن كان الرحم تالفاً لأن له دوراً في الاستمتاع، كما أشار إليه بعض الأطباء.
ولم نر أحداً من الأطباء تعرض لزرع البظر، وفقدانه ينقص الاستمتاع.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرجل، فإنه إن كانت الخصيتان تالفتين أو غير موجودتين، ينقص الاستمتاع وان أمكن الوطء، وان كان الذكر عنيناً أو مقطوعاً انعدم الاستمتاع بالوطء.
الغرض الثالث - الجمال أو التجميل:
وأريد بالجمال أن المبيضين يفرزان بالإضافة إلى البويضات هورمون الأنوثة الذي يضفي على المرأة صفات الجمال الأنثوي، من نعومة الجلد وصفائه ونعومة الصوت ورقة الشعر، وتوزيع الشحوم على الجسم.
وكذا الخصيتان يفرزان - بالإضافة إلى المني هورمون الذكورة الذي يضفي على الرجل صفات الذكورة من غلظ الصوت، ونبات شعر الوجه، وخشونة الشعر، والقوة البدنية، وغير ذلك.
وفي كلتا الحالتين - حالتي المرأة والرجل - بالإضافة إلى فقدان كل منهما للصفات المناسبة له، وفقدان الجمال تبعاً لذلك. ينشاً في الغالب حالات نفسية صعبة، تدخل في حيز المرض، وربما أثر ذلك على الوضع الاجتماعي للشخص.
ومن ناحية أخرى فإن نقص الجمال ينقص الاستمتاع من كل من الطرفين بالنسبة للآخر، فيعود ذلك بتأكيد الغرض الأول.
وكل ذلك يؤمل القضاء عليه بالعلاج لسبب المشكلة.
стр. 9489
وأما التجميل: فالمراد به العودة بالصورة الظاهرة للبدن إلى حالتها الطبيعية، ويحتاج إليه هنا في حالة كون الذكر من الرجل مقطوعاً أو ضامراً ضموراً شيناً. وتتصور الحاجة إليه أيضاً في زراعة ركب المرأة وهو العضو الظاهر.
الأعضاء التي يحتاج إلى زرعها وتصنيفها:
الأعضاء الجنسية التي يحتاج إلى زرعها نوعان:
* النوع الأول: ما له دخل في نقل الخصائص الوراثية للإنسان، وهو شيئان:
أولهما: الخصيتان، فإنهما المسؤولتان عن صناعة المني، وهو البذرة التي منها تنتقل خصائص الرجل وخصائص أصوله إلى ذريته.
وثانيهما: المبيضان. وهما المسؤولان عن صناعة البويضة، وهي بذرة المرأة التي منها تنتقل خصائصها وخصائص أصولها إلى ذريتها.
* النوع الثاني: ما ليس له دخل ني نقل الخصائص الوراثية، وذلك كالذكر بالنسبة للرجل فإنه مجرد أداة لنقل المني، وكقناتي فالوب فإنهما مجرد طريق لنقل البويضات بعد تلقيحها، وكذلك الرحم فإنه مجرد محضن.
стр. 9490
ما وصل الطب في عصرنا الحاضر إلى النجاح في نقله وزراعته من الأعضاء الجنسية والغدد الجنسية
مما اطلعت عليه من الأبحاث المقدمة من الأخوة الأطباء (الدكتور محمد علي البار، الدكتور طلعت أحمد القصبي) .
ومن بعض الأبحاث التي اطلعت عليها في الصحافة:
تلخص لدينا ما يلي:
ا - زرع الخصية: نجح بعض الأطباء في إعادة زرع الخصية من الرجل نفسه. أو من رجل إلى أخيه التوأم المماثل.
ولم نطلع على قول لأحد الأطباء يقرر أنه أمكن نجاح عملية زرع للخصية في سوى هاتين الصورتين.
وأكد الدكتور سعيد عبد العظيم بجامعة عين شمس ذلك، ونفى أنه قد حصل أي نجاح لزرع الخصية في غير هاتين الحالتين.
٢ - زرع الذكر: أفاد الدكتور محمد علي البار أن هذا لا يزال مجرد خيال علمي ولم يتحقق على أرض الواقع.
زرع المبيضين والرحم والقناتين:
أفاد الدكتور القصبي أنه أمكن - في بعض الحيوانات - زرع المبيضين وقناتي فالوب والرحم. وأنه أمكن نقل (رحم وملحقاته) من امرأة إلى ابنتها بنجاح لكن لم يحدث حمل. وأنه من الناحية الفنية يمكن التغلب على المشكلات التي قد تحول دون ذلك.
زرع الفرج (الركب والمهبل) ؟
لم نجد أحداً تعرض لهذا الأمر ولا يبعد أن يكون ممكناً في حالات الجراحات التجميلية الخارجية على الأقل.
المحاذير الشرعية التي يمكن تصورها في عمليات زرع الأعضاء الجنسية:
المحاذير التي يمكن أن تصور أنها تحول شرعاً دون زرع الأعضاء التناسلية نرى أنها تنحصر فيما يلي:
* المحذور الأول: ان عملية زراعة الأعضاء من حيث العموم، بنقل عضو من إنسان إلى إنسان آخر فيها إهانة للمأخوذ منه، وتتضمن محاذير شرعية من الإضرار بالمأخوذ منه إن كان حياً.
стр. 9491
ولو أذن فليست أعضاؤه ملكاً له حتى يكون إذنه مبيحاً لأخذ شيء من أعضائه، فإنه لو أذن في قتل نفسه لم يكن ذلك مبيحاً للقتل. وإن كان ميتاً وأذن وليه فالإذن باطل لأنه إذن فيما فيه ضرر على الميت لا فيما هو من مصلحته.
ولأن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى التجارة بالأعضاء الإنسانية وهي تجارة محرمة شرعاً.
وقد يؤدي ذلك إلى أن يتمكن الأغنياء بثرواتهم من التمتع بأعضاء الفقراء بعد حرمانهم منها، فلا بد من إغلاق هذا الباب.
* المحذور الثاني: أن زراعة الأعضاء الجنسية المقصود بها إما تحصيل النسل أو تكميل الاستمتاع أو التجميل، وكلها مقاصد تكميلية أو حاجية وليست من قبيل الضرورات، ولذا لا يستباح بها ما يستباح لأجل الضرورة من كشف العورات وانتهاك حرمة الموتى أو الأحياء.
* المحذور الثالث: في حال زراعة ما به تنتقل الخصائص الوراثية، وهو الخصية أو المبيض، فإن البذرة الناتجة عن ذلك تكون منسوبة للمصدر، وهو الشخص المنقول منه.
وهذا يقتضي أن يكون الطفل المولود ابناً للرجل المنقولة خصيته أو للمرأة المنقول منها المبيض، وليس للمتلقي إذ لا يزيد المتلقي عن أن يكون حاضناً، أو حاملاً، للجهاز الصانع للبذرة بدليل أن الخصائص الوراثية للوليد، تنتقل إليه عن المصدر، ولا ينتقل إليه عن المتلقي شيء. فالماء ماء المصدر.
وحينئذ يكون ذلك من قبيل نكاح الاستبضاع الذي جاء الشرع الإسلامي بتحريمه. وتؤدي إجازته إلى اختلاط الأنساب.
وحتى لو قلنا بأن العضو المزروع منسوب لحامله وهو المتلقي، فإن الصلة بالمصدر لن تكون منقطعة، بل ستبقى منبعاً للقلق، ويكون لها تأثير نفسي شديد على المصدر، وعلى المتلقي نفسه، وعلى الوليد عند كبره.
وسينشأ عن ذلك إزعاج ومشكلات من نواحي مختلفة نفسية واجتماعية لهؤلاء الأطراف الثلاثة ولغيرهم ممن له بهم علاقة.
стр. 9492
وسوف يكون ذلك كله منبعاً لمشكلات عدة من جهة النسب والنفقة والميراث والعلاقات الأسرية بين الوليد وأسرتي المصدر والمتلقي. وسيكون ذلك مصدراً لنزاعات لا تنتهي بين هؤلاء الأطراف مما يزعزع كيان المجتمع، وسوف تنزعج السلطات القضائية بتلك المنازعات بدرجة كبيرة.
وهناك ناحية أشار إليها بعض الأطباء، هي أبلغ في هذا المعنى، وهي أنه عند نقل الخصية، قد تكون حاوية لنطفة تكونت قبل نزع الخصية من مصدرها، فإذا انتقلت هذه النطفة إلى رحم المرأة، كان ذلك - بالإضافة إلى كونه محرماً شرعاً - سبباً للعلوق بنطفة غير زوج المرأة وحينئذ ينبغي أن ينسب الولد إلى صاحب النطفة.
وكذا عند نقل المبيض، قد يكون محتوياً على بيضات جاهزة سبق تكونها في جسد المرأة المصدر، فينبغي أن ينسب إليها الولد وكل هذا محرم.
وقد اتخذت ندوة الإنجاب قرارها بأن تلقيح بيضة المرأة بماء رجل غير زوجها محرم شرعاً واستقر الأمر على ذلك، فهذه المسألة داخلة قطعاً فيما تقرر في الندوة المذكورة أنه محرم.
* المحذور الرابع: في حال نقل الذكر أو الفرج يكون الوطء اللاحق لذلك من قبيل الوطء المحرم، شبيهاً بالزنا المحرم فإنه في حالة زرع الفرج يكون الرجل قد وطىء فرجاً لا يملكه لكونه فرج غير امرأته، وفي حالة زرع الذكر تكون المرأة قد وطئت بذكر غير زوجها.
وحتى لو قلنا بأن العضو المزروع منسوب شرعاً للمتلقي دون المصدر، فإن مجرد الإحساس بنسبته إلى مصدر مغاير قد يولد نفوراً، أو إحساساً بالذنب، وقد يتولد عن ذلك أمراض نفسية أو شقاق بين الزوجين.
стр. 9493
* المحذور الخامس: في حال نقل الرحم من امرأة إلى أخرى يكون ذلك شبيهاً بالرحم المؤجر، الذي أنكره الفقهاء وصدرت قرارات ندوة الإنجاب، وقرارات مؤتمر المجمع الفقهي بمنعه.
بل إن نقل الرحم ينبغي أن يكون أبلغ في المنع من إجارة الرحم لأن جميع محاذير إجارة الرحم موجودة في نقل الرحم، وفيه زيادة استمتاع الرجل برحم غير امرأته، والقذف فيه كما تقدم.
الحكم الشرعي التكليفي لنقل الأعضاء الجنسية:
إن الأهداف المبتغاة من نقل الأعضاء الجنسية، والتي حصرناها في ثلاثة أنواع، هي مصالح معتبرة شرعاً، فتحصيل النسل مطلوب شرعاً والرغبة فيه رغبة طبيعية محترمة شرعاً، وقد قال الله تعالى: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) قال المفسرون: ما كتب الله لكم "هو الولد "، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ (٢) فأمن الله تعالى على عباده بذلك. والغرض الثاني - وهو الاستمتاع - غرض صحيح محترم شرعاً ما دام في الحدود المشروعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾ (٣)
وقال النبي ﷺ ((في بضع أحدكم صدقة)) ، وقال: ((الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة)) .
والغرض الثالث وهو تحصيل الجمال وإزالة الهيئات القبيحة في البدن غرض صحيح كذلك، وقد أذن في تحصيله بالأدوية المباحة، وهو من جملة ما يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٤) قال النبي ﷺ : ((إن الله جميل يحب الجمال)) وقوله: ((تداووا عباد الله فإن الله تعالى جعل لكل داء دواء)) وكان هو ﷺ يتداوى مما يصيبه من الأمراض.
стр. 9494
فهذه المصالح المشروعة: الرغبة فيها والسعي إليها فطري في طبيعة البشر، وهي أساسية في بناء الأسرة واستقامة حياتها، وفقدانها يؤدي إلى تنغيص حياة أعضاء الأسرة، وقد يؤدي إلى الشقاق أو إلى الفراق وتصدع كيان الأسرة.
وأما المحاذير التي ذكرت فهي غير كافية لمنع هذه العمليات.
وبيان ذلك كما يلي:
(أ) أما المحذور الأول: وهو ما يتعلق بزرع الأعضاء على وجه العموم: فقد تكفلت الندوات التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وبعض ندوات مجمع الفقه الإسلامي، ومجمع البحوث الإسلامية بمعالجة هذا الأمر ووصلت فيه إلى أن الحكم الشرعي الجواز من حيث الجملة. ثم وضعت قاعدة تبين الحكم الشرعي الاجتهادي في ذلك وتضمنت القاعدة شروطاً وضوابط للسيطرة على المحاذير التي يخشى من وقوعها في بعض الحالات.
فما ذكر من شأن هذا المحذور الأول أمر قد تجاوزه نظر الفقهاء المعاصرين، وفرغوا منه، ورأوا أنه لا يجوز أن يحول دون نقل وزراعة الأعضاء والاستفادة مما وصل إليه التقدم الجراحي في هذا المجال.
(ب) أما المحذور الثاني: وهو أن المصالح المبتغاة من زراعة الأعضاء الجنسية لا تدخل في باب الضرورات، فهذا غير مسلم، وقد ذكرنا آنفاً وجه دخوله فيها في بعض الصور، وأما باقي الصور فإن زراعة هذه الأعضاء تكون من قبيل الحاجيات، والحاجات تنزل منزلة الضرورة، حتى لو كان الغرض مجرد التجميل فليس التجميل في هذا الباب من قبيل التكميليات بل هو من قبيل الحاجيات، لأن الحاجي هو ما يكون الإنسان بفقده في ضيق وحرج، وأي ضيق وأي حرج أشد من أن يكون الإنسان فاقداً لعضو من أعضائه، أو فاقدا للغدة التي تنشر الجمال والتناسب على سائر أعضائه، وبفقدانها تنقلب صورته إلى أن يقترب من الجنس الآخر ويفقد خصائص جنسه فإن هذا يجعله في حرج دائم وضيق مستمر ملازم ينغص عليه كل دقائق حياته.
стр. 9495
(ج) وأما المحذور الثالث والمحذور الرابع والخامس: فإن الجواب عنها ينبنى على الجواب عن سؤال أهم من ذلك وهو:
- ما الحكم الشرعي في الأعضاء المزروعة كالعين والأذن والقلب والكلية وغيرها ... هل هي أعضاء خاصة بالملتقي ولا شأن للمصدر فيها لانقطاع تعلقه بها، أم هي أعضاء خاصة بالمصدر المأخوذة منه؟..
فواضح أننا إن قلنا إنها تابعة للمصدر ومختصة به ورد على عملية الزرع المحاذير الثلاثة المذكورة. وكان كل منها سبباً كافياً لتحريم النقل.
وإن قلنا إنها تابعة للمتلقي ومختصة به، لم ترد المحاذير المذكورة، اذ تكون نسبة الولد إلى المتلقي نسبة صحيحة تامة، والعضو المنقول عضو المتلقي، وقد انقطعت عنه النسبة إلى المصدر، فلا ضير ولا حرمة في استعماله، كالعضو الأصيل.
ونحن نرى أن الوجه الثاني هو الصحيح، وأن العضو المزروع يكون عضواً للمتلقي مختصاً به، وقد انقطعت علاقته بالمصدر انقطاعاً كلياً، بحيث لا ينبني على كونه مصدراً له حكم شرعي.
وإنما صححنا هذا الوجه لأمور:
* الأول: أن العضو المزروع متصل بالمتلقي اتصالاً عضوياً، فهو يأتمر بالأوامر الواصلة إليه من دماغه، ويتألم الشخص بألم ذلك العضو، ويلتذ بلذته، ويصح بصحته، ويمرض بمرضه ويحس بما يطرأ عليه من العوارض، وهو الذي يتضرر بقطعه لو قطع، أو جرحه لو جرح.
أما المصدر فبخلاف ذلك، فلا يأتمر العضو المزروع بأوامر دماغه، ولا يتألم هو بألم ذلك العضو، ولا يلتذ بلذته، ولا يحس بما يطرأ عليه من العوارض، ولا يتضرر بقطعه لو قطع، ولا يمرض بمرضه، ولا يصح بصحته.
стр. 9496
* الثاني: أن المفروض أن عملية النقل كانت برضا المنقول منه إن كان حياً أو برضا أوليائه إن كان ميتأ، وعلى كل حال فإن ذلك يعتبر تنازلاً عن جميع ماله من الحق في ذلك العضو، سواء قلنا إن الأعضاء ملك لصاحبها أوهي ملك لله مختصة بصاحبها، ففي كلتا الحالتين قد زال اختصاصه بتنازله، لأنه إما هبة مقبوضة تم قبضها بالنقل والالتحام. أو مجرد اختصاص تنازل عنه صاحبه، فما كان من الحق للمصدر انتقل للمتلقي انتقالاً كاملأ، بحيث لو اعتدى المصدر على ذلك العضو عمداً كان المتلقي مستحقاً عليه القصاص لو أمكن. أو الدية، وكذا لو قطع ذلك العضو طرف ثالث، فإن الذي يستحق القصاص أو الدية هو المتلقي دون المصدر، والعضو المؤثر هو عضو المتلقي، أما عضو المصدر فلا أثر له (١)
* الثالث: أن المصدر قد يكون ميتاً، والميت إن كان رجلاً لا يقال إنه يقع منه جماع أو إحبال أو استمتاع، وكذا إن كان امرأة لا ينسب إليها مثل ذلك.
* الرابع: أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالعضو المنقول لا تلزم المصدر بل تلزم المتلقي:
فمن ذلك أن المتلقي لليد مثلاً هو الذي يغسلها في وضوئه، ولو توضأ المصدر فليس عليه غسل لليد التي تبرع بها.
ومن ذلك أنه لو طلقت المرأة المتلقية للرحم مثلاً، فإنها هي التي تعتد ولا عدة على المرأة مصدر الرحم.
وأيضاً لو حصل بالجماع الحاصل بعد نقل العضو حمل، فلا تعتد المرأة المنقول منها العضو لو طلقت عدة حامل، فكذا لا ينسب الولد إليها، ولا ترثه ولا يرثها بحال من الأحوال، ولا ينفق عليها ولا تنفق عليه، بل كل تلك الأحكام مرتبطة بالمتلقية.
(لكن لا يعني ذلك جواز أن يتزوجها ذلك الوليد إن كان الرحم في الأصل رحمها أو كان المبيض مبيضها، لأن حرمة الزواج تثبت بأدنى سبب، كما ثبتت بالرضاع، وقد رأى بعض الأئمة أن المصة الواحدة من الرضاع تحرم، فهذا أولى، فحرمة الزواج لها شأن خاص، فليست كغيرها من الأحكام، وذلك أنها من باب المنع بالشبهة، بخلاف العدة والنسب والميراث والنفقة والولاية فإنه لا بد فيها من صحة السبب المثبت) .
стр. 9497
وإذ اثبت أن العضو المزروع مهما كان نوعه يكون جزءاً من جسد المتلقي حقيقة وأن صلته تنقطع انقطاعاً تاماً بمصدره، فإن الغدة بعد غرسها في جسد المتلقي تكون جزءاً من أجزائه وما يتولد فيها من الحيوانات المنوية، أو البيضات، فهو ناشىء من ذات جسد المتلقي حقيقة شرعية وينسب المولود إليه نسبة صحيحة شرعية.
وبناء على ذلك لا يصح ما قد يقال من أن ماينشأ من الحمل عن ذلك هو من قبيل الحمل الناشىء من نكاح الاستبضاع، (أو استخدام بذرة شخص ثالث غير الزوجين) ولا ما قد يقال من أن المتلقي يطأ زوجته بذكر غيره، أو يطأ الرجل من زوجته المتلقية فرج امرأة أخرى، أو أن الرحم المنقول هو من قبيل الرحم المؤجر (بل هو رحم المتلقية نفسها) فلا مجال للقول بشيء من ذلك كله، إذ لابد لنا ما دمنا قد أجزنا نقل الأعضاء وزراعتها بين الآدميين بالضوابط المعلومة من القول بأن العضو المنقول هو عضو المتلقي حقيقة، وأنه لا صلة له بمصدره من الناحية الشرعية بوجه من الوجوه.
وأما كون الخصائص الوراثية تتبع مصدر الخصية، أو مصدر المبيض، فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر في الحكم الشرعي في ذلك، فإن النسب ونحوه لا يتبع هذه الخصائص الوراثية، بل كما في الحديث "الولد للفراش"، فالأب شرعاً هو زوج تلك المرأة التي حملت وولدت، والنسب لاحق به، وهو الذي يتمتع بجميع الحقوق وتلزمه جميع التكاليف الناشئة عن ذلك.
استدراك:
غير أن الأمر الذي نبه إليه بعض الأطباء، وهو احتمال أن تكون الخصية المنقولة محتوية على مني تكون أثناء وجودها في جسم المصدر، وأنه ينبغي التحقق من زوال ذلك، وكذا في البيضات، فهو تنبيه صحيح، يجب أخذه بعين الاعتبار.
والأمر هنا يختلف عن الحيوانات المنوية والبييضات المتولدة في الغدتين بعد زرعهما في جسم المتلقي أو المتلقية، لأن ما تولد فيهما بعد ذلك إنما حصل بعد صيرورتهما جزءاً من الجسم المتلقي.
стр. 9498
ولذا يجب بعد زرع الخصية أو المبيض (غسل) كل من الغدتين قبل التمكين من الجماع، أو مضي فترة كافية لزوال الحيوانات المنوية والبيضات من الغدتين. ويقدر هذه المدة أهل الخبرة من الأطباء، وربما كانت فترة البرء من الجراحة نفسها كافية لذلك إذا قرر ذلك أهل الاختصاص.
وأما العوارض النفسية التي ستصحب هذا النوع من زراعة الأعضاء وتنشأ عنها، فإنه إذا صدرت الفتوى الصريحة بشأن ذلك، وعلمت وتضمنت الحكم في ذلك القوانين المصرحة بالحكم، وجرى العمل عليها، وتعارفها الناس، فإن تلك العوارض النفسية ينقطع سبب نشوئها، لأنها إنما تنشاً من الأعراف الجارية.
وكذلك ما يخشى منه من حصول النزاعات وتضرر المجتمع من ذلك، فإنه لا يكون له وجود بعد العلم بالفتوى وجريان العمل عليها، وصدور القوانين الحاسمة في ذلك.
تنبيه:
بقي أنه لا بد من الإشارة إلى أن المحاذير التي ذكرت - وإن لم تكن كافية لصدور الفتوى بالتحريم - غير أن لها وزناً معتبراً.
والمسألة مسألة اجتهاد يترجح فيه القول بالجواز، فهو جواز محفوف بالشبهة، فيكون من باب الكراهة.
ولذا لا ينبغي أن يصار إلى نقل الأعضاء الجنسية إلا في الحالات التي يبقى فيها المحتاج إلى تلقي العضو في مشقة من أمره إن لم يتم زراعة العضو، أما لو لم يكن في مشقة من أمره، أو كان في مشقة وأمكن درؤها بوسيلة أخرى مما لا شبهة فيه، فلا ينبغي له المصير إلى طلب الزراعة.
وهذا حيث يكون الأمر مشتبهاً، كما في نقل المبيض أو الخصية أو الذكر أو الفرج أو الرحم، أما غير ذلك، كالقنوات الناقلة، فالأمر فيه يسير ولا تنبني على نقلها شبهة. والله أعلم..
стр. 9499
تنبيه أخر:
إن الأحكام الشرعية للأعضاء المزروعة - هي من حيث العموم - مثار خلاف لتردد النظر فيها.
- فهل إذا تمت زراعة يد بشرية بدل اليد المقطوعة يسقط حق القصاص أو الدية في اليد المقطوعة أم لا؟
والعضو المزروع إذا تم التحامه ثم جنى عليه جان فقطعه..
- هل يستحق به قصاص أو دية، أو لا يستحق إلا الأرش؟
وكذلك القصاص والدية والأرش في العضو الذي يعاد في موضعه بعد قطعه فيلتحم، أو ينقل من جهة إلى جهة أخرى من بدن الشخص نفسه.
- ما حكم الجناية الأولى - هل يسقط القصاص فيها أم لا وكذلك الدية؟
- وما الحكم إن جني عليه مرة أخرى ثم رد فالتحم أو لم يلتحم؟
وإذا كان حكم الجناية على العضو المزروع والذي سبق أن قطع فالتحم يختلف عن حكم الجناية على العضو الذي لم يسبق له شيء من ذلك بل هو باق على أصل الخلقة. فما الحكم في الدعاوى التي قد تنشأ بناء على ذلك؟ بأن يدعي الجاني بأن ما قطعه ليس عضواً أصلياً بل هو مزروع مثلاً إلى غير ذلك من الأحكام.
ولذا أقترح على المجمع الموقر طرح هذه المسائل للبحث في دوراته القادمة، وهي مسائل من خصوصيات الفقه الإسلامي، لأن القوانين الوضعية لا تعترف بالقصاص أو الدية، بل فيها التعزير والأرش لا غير، وهو أمر لا يحوج إلى كثير نظر.. والله أعلم ...
الدكتور محمد سليمان الأشقر
стр. 9500
زرع الغدد التناسلية والأعضاء التناسلية
إعداد
سعادة الدكتور محمد علي البار
مستشار الطب الإسلامي بمركز الملك فهد
للبحوث الطبية – جامعة الملك عبد العزيز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
إن موضوع غرس الأعضاء ليس جديداً على البشرية. فقد أوضحت الحفريات القديمة أن قدماء المصريين قد عرفوا زرع الأسنان، ثم أخذها عنهم اليونان والرومان ثم اشتهر بها الأطباء المسلمون في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ، وعرف الهنود القدماء عمليات زرع الجلد وإصلاح الأنف المتآكلة والأذن المقطوعة وذلك منذ ٢٧٠٠ عام على الأقل كما يدل على ذلك كتاب (سرسوتا سانهيتا) الذي وصف هذه العمليات بدقة وتفصيل والذي كتب قبل ٢٧٠٠ عام.
وقد أعاد الرسول ﵌ عين قتادة بعد أن ندرت حدقته يوم بدر، وقيل يوم أحد إثر سهم أصابها فكانت أحسن عينيه وأحدهما بصراً وهذه أول إعادة زرع للأعضاء.
وقد ذكر الفقهاء الأجلاء في السابق موضوع زرع العظام، قال الإمام النووي في منهاج الطالبين: "ولو وصل عظمه بنجس لفقد طاهر فمعذور "، وفصل في ذلك الإمام الشربيني في مغني المحتاج. وتحدث الفقهاء الأجلاء منذ أزمنة متطاولة عن زرع العظام من إنسان لإنسان ومن حيوان لإنسان وقد ذكر القزويني في عجائب المخلوقات أن من خواص عظم الخنزير أنه يوصل بعظم الإنسان ويلتئم سريعاً ويستقيم من غير اعوجاج!! ...
نخلص من ذلك كله إلى أن زرع الأعضاء أمر ليس جديداً على البشرية، وأن فقهاء الإسلام قد تحدثوا في بعض أنواعه منذ تسعة قرون تقريباً.
стр. 9501
ولا شك أن القرن العشرين شهد زخماً علمياً لم تشهده البشرية من قبل، وأدى ذلك إلى زرع أعضاء لم يكن في استطاعة أحد أن يفكر في زرعها، وذلك مثل زرع الكلى والقلب والرئتين والكبد والبنكرياس وأخيراً الدماغ والأعضاء التناسلية.
ومنذ أن انتشر استخدام نقل الدم أصدر الفقهاء الأجلاء فتاواهم بإباحة ذلك، كما أباحوا تشريح الجثث ثم ظهرت الفتاوى العديدة من دار الإفتاء المصرية التي تبيح زرع الجلد وزرع القرنية وزرع الأعضاء وفي ٥ صفر ١٤٠٠هـ، أصدرت لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف قرارها رقم ٣٢/ ٧٩ بإباحة زرع الأعضاء من المتبرع الحي أو الميت. وفي ٦/ ٤٠٢/١١ اهـ صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بإباحة زرع الأعضاء وأصدر المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة ٤٠٧اهـ قراره بإباحة زرع الأعضاء.
ولم يتعرض الفقهاء حتى عام ٤٠٥اهـ لموضوع موت الدماغ. وكانت الفتاوى السابقة الصادرة بإباحة أخذ الأعضاء من الموتى مبنية على أن الشخص المتبرع قد مات وتوقف قلبه عن العمل تماماً.
ومنذ ذلك العام بداً المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ببحث تلك المسألة، ثم بحثها مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. وقد بحثها في دورته الثانية عام ١٤٠٦ هـ، ثم في دورته الثالثة عام ٤٠٧اهـ، وأصدر قراره التاريخي رقم (٥) باعتبار موت الدماغ مساوياً لموت القلب.
وقام مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة ٤٠٨اهـ ببحث موضوع زرع الأعضاء وأصدر قراره رقم (١) د ٤/٠٨/٨٨، بإباحة زرع الأعضاء وذلك بإباحة الزرع الذاتي، كما أباح الزرع من شخص آخر حي بشرط تبرعه بذلك وأن لا يلحقه ضرر وأن يكون المتبرع كامل الأهلية، كما أباح المجمع الزرع من الموتى بشرط أن يكون قد أذنوا قبل ذلك أثناء حياتهم أو أذن ورثتهم بذلك أو أذن ولي أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية أولا ورثة له وذلك كله بشرط عدم بيع الأعضاء.
стр. 9502
وقد أجل الفقهاء الأجلاء النظر في المواضيع التي طرحتها في بحثي المقدم إلى الدورة الرابعة إلى دورة قادمة.
وكنت قد تقدمت في نهاية بحثي ذلك بعدة أسئلة إلى الفقهاء الأجلاء بعد مداولات مع لفيف من الزملاء الأطباء.. كان من ضمن تلك الأسئلة المواضيع المطروحة للدورة السادسة:
زراعة الأعضاء من الأجنة المجهضة أو الفائضة عن الحاجة.
زراعة الغدد التناسلية والأعضاء التناسلية.
زراعة خلايا الجهاز العصبي وخاصة الدماغ.
زراعة عضو استؤصل في حد مثل إعادة اليد بعد قطعها في حد السرقة.
كما كنت قد تقدمت في الدورة الثانية والثالثة لمجمع الفقه الإسلامي ببحث عن التلقيح الاصطناعي الداخلي والخارجي وفيه وضعت سؤالا لم يبحث في تلك الدورات عن موضوع إجراء التجارب على الأجنة المجهضة والأجنة المستنبتة الفائضة عن الحاجة. وفيما يلي بحث عن زرع الغدد التناسلية والأعضاء التناسلية حسب ما تيسر لي من مراجع قليلة:
стр. 9503
زرع الغدد التناسلية والأعضاء التناسلية
إن للغدة التناسلية وظيفتين:
الأولى: افراز النطفة (البيضة بالنسبة للمرأة أو الحيوان المنوي بالنسبة للرجل) .
الثانية: وظيفة إفراز الهرمونات وهي في الأنثى أشد تعقيداً من الذكر وهي السبب في التغييرات التي تحدث في بطانة الرحم مؤدية إلى حدوث الطمث، كما تؤثر على جميع أجهزة الجسم أما بالنسبة للذكر فهي مسؤولة عن الصفات الثانوية للذكورة مثل نمو شعر العانة بصورة خاصة مختلفة عن الأنثى ونمو الشعر على الوجه (العارضين والذقن والشنب ... الخ) ، وتغير الصوت من نعومة صوت الطفل إلى خشونة صوت الرجل وبناء العظام وتوزيع الدهن في الجسم وإيجاد الرغبة الجنسية.
стр. 9504
وقد استخدم الأطباء في الماضي خصى الحيوانات لأغراض شتى وفي العصر الحديث استخرج الأطباء من هذه الخصى هرمونات الذكورة واستخدموها لمعالجة ضعف الباءة، كما استخدمت لمعالجة بعض الأمراض الأخرى وخاصة في الشيخوخة ... وقد تم تصنيع هرمونات مماثلة مع اختلاف في بعض الوظائف وتستخدم هذه الهرمونات لأغراض شتى بما في ذلك معالجة بعض أنواع سرطان الثدي.
أما هرمونات المبيض فهي الآن كذلك تصنع ولها مشتقات كثيرة وتستخدم لأغراض كثيرة في الطب لمعالجة اضطرابات الدورة الشهرية وحبوب منع الحمل وأخرى لمداواة بعض أنواع الإجهاض، كما أن نوعاً منها يستخدم لمعالجة سرطان الموثة (البروستاته) عند الرجال.
زرع الخصية:
أثارت الصحف وخاصة مجلة المسلمون موضوع زرع الخصية وزعم طبيب من إحدى المستشفيات الخاصة أنه مستعد لإجراء هذه العملية فورا لسهولتها ويسرها، ولكنه ينتظر فتوى الفقهاء وسرعان ما اتصلت المسلمون ببعض الفقهاء الذين أصدروا فتاواهم على الهاتف بإباحة زرع الخصية وثارت ضجة في الصحافة استفادت منها المسلمون في الترويج والبيع.
والمشكلة أن زرع الخصية لا يزال في حقل التجارب وقد بحثت في المجلات الطبية والكتب التي صدرت عن زرع الأعضاء وذهبت إلى لندن في الصيف الماضي (مايو ٩٨٨ام) ، واشتريت مجموعة من الكتب الحديثة الصادرة عن زرع الأعضاء وللأسف لم أجد أي بحث عن هذا الموضوع وفي هذه السنة بحثت في مكتبة كلية الطب ومكتبة جامعة الملك عبد العزيز عن أبحاث أو مقالات طبية علمية عن هذا الموضوع فلم أجد وأرسلت بواسطة مكتبة جامعة الملك عبد العزيز إلى المراكز الأوسع في الرياض ووعدت بإرسال أربعة أبحاث لم أستلمها بعد، ثم بحثت عن طريق زميل مهتم بهذا الموضوع بحث فيه عن طريق شبكة عالمية فوجدنا ١٤ مقالاً نشرت في المجلات العلمية من عام ٠ ٩٧ام حتى بداية عام ٩٨٨ام حول موضوع زرع الخصية. وكانت هذه المقالات جميعاً ما عدا واحدة تتحدث عن إعادة زرع خصية في طفل بقيت خصيته في البطن في مكان عال.
стр. 9505
ومن المعلوم أن الخصية (الغدة التناسلية) تتكون في الحدبة التناسلية وتبدأ في الظهور في الأسبوع الخامس والسادس في الجنين ... ثم تتمايز في نهاية الأسبوع السادس وبداية السابع إلى خصية أو مبيض لأنها تكون قبل ذلك غير متمايزة ويكون موقعها موقع الكلى في الإنسان بعد ولادته بينما تتكون الكلى في منطقة الحوض ... ويرتفع موقع الكلى لتقع في الخاصرة بين الصلب والترائب بينما تنزل الغدة التناسلية من موقعها في الخاصرة بين الصلب والترائب حتى تصل إلى الحوض.
وفي الأنثى تتوقف هناك بينما في الذكر تواصل نزولها في الشهر السابع، لتدخل القناة الأربية (Inginal canal) ، ثم تصل إلى كيس الصفن قبل الولادة. وفي بعض الأحيان يتأخر نزول الخصية وتبقى في القناة الأربية ويمكن إنزالها جراحياً ولكن في بعض الحالات تكون موجودة في الحوض أو في البطن، وفي هذه الحالات لا بد من إعادة زرع لتلك الخصية..
وقد نجحت بعض هذه العمليات كما فشلت نسبة كبيرة منها لأن إعادة زرع الخصية أيضاً عمل غير يسير.
ووجدت بحثاً منشوراً في مجلة Fertility-Sterility ١٩٧٨ (Aug) ٣٠ (٢) : ١٨١-٧، نشره د. سيلبر (Silber S.J.) عن زرع خصية من شخص لأخيه التوأم وكان هذا التوأم من نوع التوائم المتماثلة (Identical twins) أي أنهما نتجا عن تلقيح بويضة واحدة بحيوان منوي واحد (Monozygotic twins) وهما من الناحية المناعية كأنهما شخص واحد، وقد نجحت هذه العملية واستطاعت الخصية المزروعة أن تفرز حيوانات منوية سليمة كما استطاعت أن تفرز هرمونات الذكورة (Testesterone) .
وهذا هو البحث الوحيد الذي وجدته والذي تعرض فيه الباحث لزرع الخصية من شخص إلى آخر وإن كان الشخص المزروع فيه يعتبر من الناحية المناعية مماثلاً للشخص المتبرع، ولهذا لا يحدث رفض للغريسه (Implant graft) .
وقد ذكر بعض الزملاء من الأطباء المختصين أن الصين الشعبية تجري أبحاثاً في زرع الخصية.
стр. 9506
التعليق؟
إن إعادة الزرع أمر لا إشكال فيه إذ أنه يحدث من نفس الشخص فلا يوجد ما يمنعه من الناحية الدينية والمسألة كلها تندرج في باب المهارة التقنية المطلوبة ... وللأسف لم تصل بعد في هذا المجال لتحقيق نجاح كبير.
أما الزرع من أخ مماثل توأم فعلى الرغم من أن الشخصين يعتبران من الناحية المناعية وكأنهما شخص واحد إلا أنهما من الناحية القانونية والشرعية شخصان منفصلان تماماً ولكل واحد منهما أهليته القانونية والشرعية ولهذا فإن زرع الخصية من شخص لآخر يعني انتقال الحيوانات المنوية من المتبرع (Donner) إلى المتلقي (Recepient) ، ومن المعلوم أن الصفات الوراثية الموجودة في الحيوانات المنوية الناتجة من الخصية المزروعة إنما تتبع الشخص المتبرع (Donner) لا الشخص المتلقي (Recepient) ، وبالتالي يشبه ذلك دخول طرف ثالث في موضوع الإنجاب وإذا أبيح ذلك فينبغي أن يباح أيضاً استخدام مني من متبرع لتلقيح امرأة متزوجة من رجل عقيم.. وهذه الطرق تشبه ما كان موجودا في الجاهلية قبل الإسلام مما عرف باسم نكاح الاستبضاع، حيث كان الرجل يعتزل زوجته حتى إذا طهرت ذهبت إلى رجل قوي شجاع كريم ... إلخ، فيتصل بها فإذا حملت المرأة وتبين ذلك الحمل أتاها زوجها إن شاء ... يفعل ذلك رغبة في إنجابة الولد كما قالت السيدة عائشة في حديثها الذي أخرجه البخاري في كتاب النكاح من صحيحه.
ولا تتغير الصفات الوراثية الموجودة في الخصية بعد زرعها بحيث إنها تعود إلى الشخص المتلقي، بل تبقى تلك الصفات الوراثية تعود إلى الشخص المتبرع. ذلك لأن المورثات (الجينات) تكون مبرمجة منذ البداية ... ورغم أنها انتقلت في بيئة جديدة وتتغذى من مصادر مختلفة عما كانت عليه إلا أن برنامج المورثات يبقى على ما كان عليه. وبالتالي تعود الصفات الوراثية إلى المتبرع (Donner) وليس للمتلقي في ذلك من الأمر شيء.
стр. 9507
أما إفراز الهرمونات فأمر ثانوي وإن كان مهما. ولا يشكل ذلك خطرا على المورثات ويمكن بسهولة تعاطي هذه الهرمونات إما على شكل أقراص أو على شكل حقن (زرق) في العضل وهي متوفرة في الصيدليات ويكتبها الأطباء عند الحاجة لها.
زرع المبيض:
قام الدكتور شيرمان سيلبر (S.Silber) في عام ٩٨٥ام بنقل مبيض مع قناة فالوب التابعة له من امرأة إلى أختها التوأم التي تعاني من العقم نتيجة إصابة مبايضها (١)
وقد قام الدكتور شيرمان سيلبر نفسه بزرع خصية من شخص لأخيه التوأم وهي العملية التي سبق أن ذكرناها.
وبما أن هذه التوائم متماثلة وأصلها لقيحة واحدة (من حيوان منوي واحد وبيضة واحدة) ، فإن هذه التوائم لا تشكل أي عقبة من ناحية المناعة ورفض الأعضاء المزروعة.
وقد صرح الجراح الأمريكي الذي يعمل في مستشفى سانت لوك في مدينة سانت لوي بالولايات المتحدة بأن هذه العملية دقيقة جداً ونسبة نجاحها محدودة وستبقى منحصرة في الوقت الحاضر في التوائم المتماثلة ... وأنها لا يمكن أن تعتبر ذات قيمة في حل مشكلة العقم، على الأقل في الوقت الراهن لأنها عملية معقدة ومحدودة النجاح ولا تجرى حتى الآن إلا في بعض مراكز الأبحاث المتقدمة ولا تزال مقصورة على التوائم المتماثلة فقط.
وتمثل نفس المشاكل الموجودة في زرع الخصية إذ أن البيضة تعود إلى المتبرعة (Donner) وليست للمتلقية (Recepient) التي زرع فيها المبيض، وبالتالي فإن حدوث حمل سيؤدي إلى وجود مشاكل كبيرة فمن تكون الأم أهي التي حملت وولدت أم صاحبة البيضة؟
وقد ثار هذا الجدل بين الفقهاء عند تعرضهم للرحم الظئر (الرحم المستأجر) (Surrogate mother) .
стр. 9508
وانقسموا إلى فريقين: أحدهما يرى أن الأم هي التي حملت وولدت والآخر يرى أن الأم الحقيقية هي صاحبة البيضة، وقد ذكر كتاب ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام، إصدار المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ما دار من نقاش حافل حول هذه النقطة وقد نقلت أيضاً ما دار من نقاش في المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي حول هذه النقطة في كتابي "طفل الأنبوب والتلقيح الاصطناعي" وكتابي "أخلاقيات التلقيح الاصطناعي ".
الخلاصة في موضوع زرع الغدة التناسلية (الخصية أو المبيض) :
إن هذا الموضوع لا يزال في دور التجارب في المراكز المتقدمة في الولايات المتحدة وأوروبا وبعض المراكز في الصين الشعبية ... وحتى الآن فإن نسبة النجاح مرتبطة بإجراء هذه العمليات لنفس الشخص، كما في الخصية الموجودة في البطن وإنزالها إلى كيس الصفن أو إجرائها بين توأمين متماثلين تماماً.
وهذا ببساطة يعني أنها ليست أحد الحلول المطروحة لمعالجة مشكلة العقم.
كما أنها تنطوي على مشاكل خطيرة من ناحية النسب وارتباط الصفات الوراثية بالشخص المتبرع لا بالشخص المتلقي.
стр. 9509
وهو أمر قد فنده الفقهاء الأجلاء عند بحثهم لموضوع التلقيح الاصطناعي وأكدوا حرمة دخول طرف ثالث بين الزوجين في عملية الإنجاب والمقصود بالطرف الثالث:
نطفة ذكرية (حيوان منوي) من متبرع أو مانح،
نطفة أنثوية (بيضة) من متبرعة أو مانحة،
لقيحة جاهزة (جنين مجمد) من متبرعين،
رحم ظئر من متبرعة.
وبالتالي فإن زرع الغدة التناسلية أمر ليس له ما يبرره إذا كان بين شخصين مختلفين.
أما إذا كان من نفس الشخص فلا غبار عليه من الناحية الدينية ويبقى العائق الوحيد فيه مقدرة الجراح ومهارته.
زرع الأعضاء التناسلية:
لم أجد فيما لدي من المصادر العلمية في ذكراً لزرع الأعضاء التناسلية وقد قرأت عن فيلم سينمائي أنتجته هوليود موضوع قصته زرع القضيب من شاب قوي طويل فارع الطول إلى عجوز قد أصابه الوهن فانقلب كيانه وأصبح يقع في مشاكل كثيرة بسبب العراقة التي حصل عليها من العضو المزروع.
الموضوع لا يزال قيد الخيال العلمي والقصص والأفلام أما من الناحية العملية فهناك وسائل كثيرة أخرى تجرى لمساعدة المجبوب أو الضعيف الانتصاب حيث تزرع وسائل ميكانيكية يمكن أن تقوم بالمهمة ... وقد وجدت بعض الدراسات والمقالات في المجالات العلمية التي تتحدث عن زرع آلة لمساعدة الصبي في التبول واقفاً لأن هذا هو الأمر المعتاد لدى الذكور في الغرب ولا يتبول جالساً عندهم إلا الإناث. ومن العار على الصبي أو الفتى أن يتبول جالساً إذ لا بد له من التبول واقفا ولذا اخترعوا جهازاً يساعد الأطفال الذين يعانون من صغر القضيب أو يجرون عمليات جراحية لإصلاح فتحة مجرى البول التي قد تكون في جذر القضيب بدلاً من طرفه النهائي (Hypospadis) ، وهناك وسائل متعددة جراحية لإيجاد فرج ومهبل صناعي لمن يطلبه من المخنثين الذين تجب ذكرانهم ويصنع لهم فروج ويركبون كما تركب النساء وهو أمر شائع في الغرب وقد حدث في مصر في قصة سالي: طالب طب الأزهر الذي أثارت قضيته المجتمع العربي.
стр. 9510
وفي تونس والمغرب بعض الأطباء من الفرنسيين الذين يجرون هذه العملية (المسخ) لمن أراد من المخنثين الذين يفدون إلى تونس والمغرب في صورة سياح.
أما نقل وزرع الأعضاء التناسلية الباطنة مثل الرحم فلم يحدث بعد، حسب ما لدي من المصادر.
ولا أظن أن زرع الرحم إذا تم سيكون مشكلة من الناحية الفقهية لأنه لا يتعلق به نسب الجنين على عكس موضوع زرع المبيض أو الخصية.
وكذلك، فإن زرع القضيب لا يؤثر على النسب، ولكني أستبعد أن يرضى رجل بأن يجامع زوجته بقضيب شخص آخر (ميت بطبيعة الحال) وأظن أنه سيفضل المساعدات الميكانيكية الأخرى على أن يأتي أهله بعضو رجل آخر.
ثم من الناحية الفقهية ألا يشكل ذلك مشكلة؟
الخلاصة:
إن موضوع زرع الأعضاء التناسلية لم يدخل بعد مجال الممارسة الطبية اليومية وهو لا يزال في مجال التجارب أو الخيال العلمي وهو لا يحل مشكلة عقم ولا مشكلة عنة، وإنما يسبب المشاكل لمجتمعات تنوء بالمشاكل.
والناس في العالم الإسلامي لم يحصلوا بعد على الرعاية الصحية الأولية ويقعون فريسة الأمراض الناتجة عن عدم وجود ماء نظيف للشرب وعدم وجود نظام للمجاري وعدم تمنيع (تطعيم) الأطفال وعدم إرضاعهم من أمهاتهم ووجود مشكلة التدخين ... الخ.
وهذه المشاكل الصحية حلولها ميسورة والأجدى أن تهتم الدول الفقيرة بمشاكل الملايين الذين يعانون من سوء التغذية والإسهال والملاريا والبلهارسيا والسل ... إلخ، بدلاً من الاهتمام بمشاكل أفراد محدودين يبحثون عن وسيلة غريبة شاذة لقضاء وطر أو للحصول على ذرية بطرق يأبى أكثرها الشرع الحنيف كما تأباها الفطر السليمة.
الدكتور محمد علي البار
стр. 9511
زراعة الغدد التناسلية أو زراعة
رحم امرأة في رحم امرأة أخرى
إعداد
الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين
مكلف بمهمة بالديوان الملكي – بالرباط
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في إطار تعامل الإنسان مع مستجدات الحياة، نبهه الباري جل وعلا، بأنه سيفاجأً من حين لآخر بمظهر من مظاهر انفراد رب الكون، وخالقه، بإبراز الدليل على عظمته من خلال ما يبديه للعقل البشري من كنوز معرفته، ويسمح له بأن يصل إليه في فترة ما، من فترات تعاقب الأجيال على درب مرور الإنسانية بساحة هذه الحياة الفانية.
لقد أتى هذا التنبيه واضحاً في آيات قرآنية، منها: قول الله :
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) وقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) إنما يملأ الكون من تطور ظل يثبت أن الله يخلق في كل فترة ما لا يعلم أسلاف من على قيد الحياة، وهذه نعم من الله على عباده، وهي تجعلهم تحت محك الاختبار الدائم لمعرفة مدى تحكم الإيمان في نفوسهم، ومدى استعدادهم لتفهم كتاب الله، وتدبرهم لآياته وتعاملهم مع آيات عظمة الله وانعكاس ذلك على مدى تحكم الإيمان في نفوسهم.
ولله در عمنا الشيخ محمد الإمام، من علماء المغرب، حين قال:
أما أخو الإيمان إن ير آية
تزد لديه قوة الإيمان
أما الذي في قلبه مرض فقد
يزداد خسراناً على خسران
من هذه المبادىء العامة نتخلص إلى محاولة الدخول في صلب موضوع هذا البحث الأقرب إلى تساؤلات عن أوجه الحكم في إمكانية: زرع الغدد التناسلية، والأعضاء التناسلية من رحم امرأة إلى أخرى.
стр. 9512
والحقيقة أنه، وكما أشار الكثيرون قبلي، فإن أحكام هذه المواضيع ستبقى اجتهادية في مجملها، نتيجة تقدم العلم اليوم ودهشة العلماء أنفسهم أمام النتائج التي توصلهم إليها تجاربهم من حين لآخر.. وهي نتائج لا بد من الإشادة بها، فهي مشرفة للتقدم الفكري للإنسانية بصفة عامة، إلا أنها مهما كانت سامية، فينبغي أن لا تكون حافزاً على محاولة إرغام المبادىء الإسلامية على تقبل كل آثارها، لأن العلماء أنفسهم أثناء تجاربهم لا تهمهم إلا الظاهرة العلمية البحتة، حتى إذا ما توصلوا إلى النتيجة تدخلت القواعد الأخلاقية والزجرية لمحاولة إمكانية الملاءمة بين الإخترإع وضوابط هذه القواعد التي أصبحت مع الأسف الشديد في كثير من المجتمعات اسما بدون مسمى، نظراً لاستخفاف إنسان اليوم بقيم أمس الدينية، والاجتماعية، وحتى الإنسانية.
وبناء على ذلك، فإن التقدم العلمي، إذا كان الإسلام حث عليه، وابتكر كثيراً من قواعده، وأمر بتدبر القرآن لاستخراج أحكام شريعة الله من هديه حسب استطاعة كل جيل، وذلك بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [الآية ٢٤ من سورة محمد] ، وقوله جل وعلا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الآية ٨٥ من سورة الإسراء] ، وقوله ﷻ : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الآية ١٠٩ من سورة الكهف] .
فالأولى حثت على طلب الفهم، واستخدام العقل لاستخراج ما يصلح به الإنسان دينه ودنياه من هذا الكتاب الذي جمع علم الأولين والآخرين بكل تطوراته، واختراعاته، ولكن ليس بمستطاع البشر مهما بلغ أن يحيط بكل معانيه.
والثانية توضح الواقع الذي ظلت الحياة تثبته، فكل أمة أو شعوب تواجدوا على البسيطة في فترة من فترات الحياة اكتشفوا سراً من أسرار الكون يبرز مظهراً من مظاهر عظمة الخالق، ما اهتدى إليه أسلافهم، ومن ثم أصبح المتداول من العلوم قليلاً إذا ما قيس بالخفي والمجهول منها.
стр. 9513
والثالثة أوضحت بأن أسرار كلمات الله أعظم من أن يحيط بها المخلوق الضعيف العاجز عن تحصين نفسه مما خلقت مهددة به من مرض، وموت وعقم.
ومن هنا يكون من حسنات المؤسسات الإسلامية العلمية اليوم ملاحقة المستجدات العصرية، التي تبرز للإنسان باستمرار اختراعات علمية تجنبه كثيراً من الأمراض والعاهات والأضرار.
إلا أنه من واجب علماء الإسلام في كل مكان الوقوف بشجاعة وحزم أمام ما لا يتقيد بأوامر الله منها، ومن هنا وجب علينا الشكر الجزيل للمجمع الفقهي بجدة وللمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، على تنظيم هذه الندوة للنظر في حالات أصبحت شائعة، من حيث التجارب العلمية، دون أن يعرف الكثيرون حكم الله في بعضها. ولا بد من القول بأن أحكام الكثير منها لا بد أن تبقى اجتهادية بسبب جدة الواقعة نفسها، وهذا أيضاً يسوق إلى القول بضرورة فتح باب الاجتهاد من جديد، لأن أسباب فتحه في الماضي توفرت اليوم، فأيام دولة الإسلام المشرقة خلفت للإنسانية تراثاً علمياً رائعاً أتى نتيجة غناء تعاليم الإسلام وعمق نظرياته وصلاحيتها لكل زمان ومكان وأيضاً بعد اختلاط الأجناس، وامتزاج الحضارات مع بعضها البعض في تلك الفترة عقب انتشار الإسلام، واختلاطه، بالحضارات الأجنبية عليه، وما تبع ذلك من مواجهة مشكلات لم تحفظ نصوص في شأنها، مما حمل العلماء على الاجتهاد، واستخدام شتى وسائل المعرفة والعقل، والحكمة والتبصر حتى استخرجوا لها أحكاماً من فحوى خطاب الشرع، هذه حقائق نعتز بها نحن المسلمين، لأنها مكنتنا من التعمق في فهم كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.. وبذلك أدرك المسلمون المعاني البعيدة على عقول البشر، لحظة نزول قول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الآية ٣٨ من سورة الأنعام] ، وقوله ﷻ : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الآية ١٠٩ من سورة الكهف] .
стр. 9514
من هذه المقدمة العامة نتخلص إلى البحث في شأن نقل بعض الأنسجة، أو خلايا الرحم، أو هو كله، من إنسان إلى إنسان؟ لنقول بأنه حرام، في نظرنا، ولا ينسجم مع روح قداسة الإنسان في الشريعة الإسلامية. وما دامت الآراء فيه ما زالت شخصية بحسب استنباطات كل مهتم على حدة، فإن ذلك يتطلب التأني، والبحث الدقيق، حتى لا تهدر أحكام الشريعة من جهة، ومن جهة ثانية لما في التريث من فرصة تمكن من استفسار المراجع، والتعمق في الفهم حسب تجدد الوقائع، ليدرك البشر بناء عليها ما كان بعيداً عليهم من المعاني السامية لكتاب الله، فبناء على هذا كله تستطيع الجهات العلمية في الأمة الإسلامية أن تفتي بالموقف الشرعي الصحيح.
ومن هنا، فإن هذا الذي أكتبه، أضعه بين يدي أساتذتنا العلماء، لتصحيح ما فيه من خطأ لا يخدم الشريعة الإسلامية، لأكون أنا أول من يبرأ منه، وليؤخذ ما هو ملائم لروح النصوص الإسلامية، ليسهم ولو إسهاماً ضعيفاً في القرار الذي يتخذه العلماء - جزاهم الله خيراً - في شأن هاته المستجدات، التي ستصبح في يوم ما بفضل التقدم العلمي المطرد، من السهولة بمكان ومن الكثرة والانتشار ما لم يخطر على بال أحد اليوم.
إن نقل بعض أنسجة الرحم من امرأة إلى امرأة، أو بعبارة أصح الجهاز التناسلي من إنسان إلى إنسان، ما زال البحث فيه مبكرأ، والآراء فيه فردية، والنصوص لم تستخدم كما ينبغي لإخراج الحكم الصحيح منها، لذا فما يكتب فيها يبقى مجرد رأي حتى يبت المجمع الفقهي فيه برأي إسلامي موحد.
وما أقدمه في هذا الموضوع، قد أعتمد فيه على آية من كتاب الله وحديث مجمع على صحته، إضافة إلى إشارت يعثر عليها الباحث في حنايا كثير من المراجع الإسلامية لمختلف المذاهب، وعليه فسيكون هذا البحث يتمحور حول المواضيع التالية:
أولاً: تغيير خلق الله.
ثانياً: الإخصاء.
ثالثاً: خاتمة نستخلص منها التبريرات التي اعتمدناها لما رأيناه حكما شرعياً في الموضوع.
стр. 9515
المبحث الأول
تغيير خلق الله والحكم بحرمته
قال الله ﷻ ؟ ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [الآية ١١٩ من سورة النساء] . قال الطبري عند تفسيره لقول الله : ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ، قال بعضهم: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله بالإخصاء.
قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال هو: الإخصاء (١)
لقد ورد في هذا الأثر الإخصاء بصفة عامة.
إذن فعملية استئصال الغدد التناسلية لا يمكن أن تخرج عن نوع من الإخصاء، وتغيير خلق الله.
قال الإمام الطبري في تفسيره لهذه الآية ما ملخصه أنها إخبار عن محاولة الشيطان لصد جماعة من عباد الله عن اتباع أحكام الله، واتباع الهوى والأماني فيحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم اتباعاً للشيطان، فيشرعون غير الذي شرع الله باتباعهم الشيطان ومخالفتهم الله ﷻ .
ثم أوضح حالات تغيير الخلق في البهائم، ومنها: البتك، وهو القطع ومثل له بالبحيرة (التي تقطع أذنها) ، وإذا حرم الشارع هذا في البهائم ففي الإنسان من باب أحرى.
ولا بد من الإشارة إلى أن البتك في الآية ورد على صيغة العموم، وأن التفسير هو الذي مثل بالبحيرة.
كما أورد قضية ابن مسعود مع المرأة التي أتته متسائلة عن اللعنة التي دعا بها على المغيرات لخلق الله بتقشير الوجه، فقال لها: كيف لا ألعن من لعن الله؟ فقالت: إني مررت على ما بين اللوحين فلم أجد ما قلت، قال لها: إن كنت قرأت ما بين اللوحين فقد مررت على ما قلت في قول الله : ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، والرسول ﷺ قال: ((لعن الله الواشمة والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة)) ، وفي رواية بالجمع المغيرات لخلق الله كما سيأتي قريباً بحول الله. وبعد تحليل طويل لجميع التأويلات المفسرة لخلق الله قال بالحرف:
وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك: قول من قال: معناه ولأمرنهم فليغيرن خلق الله، قال: دين الله، وذلك لدلالة الآية الأخرى. على أن ذلك معناه، وهي قوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ . وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه، من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهي عن وشمه ووشره، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كل ما أمر الله بتركه لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمره نصيبه المفروض من عباد الله، بتغيير ما خلق الله من دينه (٢)
стр. 9516
ومن مختلف الأقاويل التي أوردها يعلم أن كل تغيير يحذف شيئاً من الجسم، ويضيف إليه شيئاً آخر هو تغيير لخلق الله، وإذا حصل التغيير في الشعر والأظافر والأسنان، فما بالك بجهاز حساس، من مواضع المقاتل، ومن خلايا تكوين الإنسان. وبصرف النظر عن الخطر والتهلكة التي يسببها والمحرمة بحكم قول الله عر وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ .
فإنه حرام من جهتين:
أولاهما: تبديل خلق الله في المرأة التي استؤصل رحمها، وتسببها في العقم بصفة عمدية، وجعل حد لإمكانية الإنجاب بصفة أبدية.. وهذا حرام، وسبق للمجمع الفقهي أن أصدر قراراً يحرم التسبب في العقم الأبدي والذي ليس هو تنظيم النسل. فصاحبة الرحم الصالح للإنجاب وتلفي المني، ارتكبت محرمات، منها:
ا - تبديل خلقة جسمها نقصاً بنقل أحد الأجهزة المهمة منه.
٢ - عرضت نفسها للعقم الأبدي باختيار وعمد وتصميم فهي مغيرة خلق الله، وتابعة للشيطان بحكم قول الله : ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [الآية ١١٩ من سورة النساء] .
وقد قال الإمام الطبري كما مر أنه يحرم تغيير الأجسام بأية طريقة وقع التغيير، ولأي سبب من غير الحدود. وقد ارتكبت محرماً ثالثاً بتعريض نفسها للهلاك بصفة محتملة جداً، إذ الطب ما زال يحكم بصعوبة هذا النوع من العمليات، التي تعيش مراحلها الأولى، مما يصعب التحكم في نتائجها، على الباذلة، وعلى المتلقية وأقل درجات مضارها، بأن تعد نوعاً من الإخصاء، وذلك أمر مجمع على تحريمه بالنسبة للإنسان، خصوصاً وأن جميع أصحاب التفاسير رجحوا بأن من بين تغيير خلق الله الخصاء، والحديث صريح في قوله المغيرات خلق الله، والتغيير يأتي من قبيل الزياده والنقص على حد سواء.
وهذا العمل محاولة استدراك الإنسان على فعل الله في عباده، وهو أمر مستحيل، إضافة إلى ما يمكن أن ينتج عن الاستئصال من واحدة والزرع في الأخرى من مشاكل اجتماعية كثيرة، ومن بينها اختلاط الأنساب في بعض الحالات، وما يصاحبه من الأزمات النفسية التي تصاحب صاحبة الرحم المزال هي وأهلها وزوجها، علما بأن المتلقية لن تكون أكثر ارتياحاً.
стр. 9517
وأيضاً فلا يمكن أن يحسب هذا العمل إلا من باب الاستخفاف بحرمة أوامر الله الذي كرم الإنسان وحرم النيل من عرضه أو جسمه، وأيضاً إلا يحق لنا أن نتساءل عن إمكانية إيجاد الملاءمة بين عملية استئصال الرحم أو بعض الغدد التناسلية منه، وبين إجراء عملية للعقم المتعمد؟
إن هذا النوع من العمليات لا ينسجم وتقسيم الله العادل في الأرحام، وإذا كان بدون شك مظهراً من مظاهر التقدم العلمي، فإنه سيجر إلى مشاكل بشرية من المصلحة التخلي عنها سداً للذرائع، وما يمكن أن تجر إليه من انتهاك تغيير خلق الله في البشرية. لقد اعتبر الطبري كل التغييرات التي تجري على جسم الإنسان حراماً ولا تجوز، إلا في الحدود المحدودة شرعاً، ورأى أن كل عمل يمس الأجسام من غير ذلك يعتبر كبيرة، واستند في ذلك على الأحاديث الكثيرة، التي وردت بصيغة لعنة المغيرات خلق الله، وإذا جرى خلاف في علة تلك اللعنة، هل هي لعلة التدليس، أم الغش أم الزور، فإن الإجماع حاصل بلعنة من فعلت ذلك.
ونص الحديث بالعموم الذي ورد عليه لا يترك مجإلا للشك في أن كل عمل حقير أو جليل استهدف تغيير خلق الله في الآدمي استوجب فاعله لعنة الله بحكم دعاء سيد الوجود محمد ﷺ ، فقد أخرج البخاري ومسلم: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة)) ، واللفظ لمسلم. ووصل المرأة شعرها هو أن ينضاف إليه شيء آخر يكثر به، والواصلة هي التي تفعل ذلك، والمستوصلة هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها.
والمزروع فيها الرحم لا شك أنها داخلة في لعنة الواصلة، فقد غيرت خلق الله بنزع خلية في جسمها، واستبدالها بأخرى من غيره، ثم هي واصلة لأنها ضمت جسما غريبا عن جسمها إليه، والوصل في اللغة ضم شيء إلى شيء، وتغيير الخلق لا يعني ما ظهر من الجسم فقط، بل إنما يعني ما قاله الطبري بأنه كل عمل نتج عنه تغيير خلق الله أصبح فاعله تابعاً للشيطان ضالا بحكم الآية الكريمة.
стр. 9518
ولمزيد من الإيضاح نعرف بالوصل في اللغة والتغيير ليسهل تتبع الأصول، والقواعد في شأنهما.
قال الفيروزابادي في القاموس: (وصل) الشيء بالشيء وصلاً وصلة - بالكسر والضم - ووصله لامة، ووصلك الله - بالكسر - لغة والشيء وإليه وصولاً ووصلة وصلة بلغه وانتهى إليه وأوصله واتصل لم ينقطع والواصلة المرأة تصل شعرها بشعر غيرها والمستوصلة الطالبة بذلك ووصلة وصلاً وصلة وواصلة مواصلة ووصإلا كلاهما يكون في عفاف الحب ودعارته، والوصلة بالضم الاتصال وكل ما اتصل بشيء فما بينهما وصلة) .
وفي البخاري: عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: "لعن الله النساء الواصلات والموصلات، والواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات المغيرات خلق الله تعالى "، فأتته أم حبيب، وكانت تقرأ القرآن فقالت: ما هذا الذي بلغني عنك؟ فقال: ما لي لا ألعن من لعن الله في كتابه، فقالت: لقد مررت على ما بين اللوحين فلم أجد ما قلت، فقال: إن كنت مررت عليه فقد وجدته، أما قرأت قول الله : ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية، فاقتنعت (١)
стр. 9519
وقال البخاري بالحرف: "عن عائشة أن جارية تزوجت فمرضت وتساقط شعرها، فأرادوا أن يصلوا شعرها بشعر آخر، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك، فقال: ((لعن الله الواصلةوالمستوصلة)) .
قال القسطلاني في إرشاد الساري، وتابع المحاملي هذه الرواية، فقال في أماليه عن عائشة أم المؤمنين ﵂، وساق نفس الرواية وأوردها بسند آخر عن فضيل بن سليمان، حدثنا منصور بن عبد الرحمن، حدثتني أمي صفية عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أن ((امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إني أنكحت ابنتي ثم أصابها شكوى فتمزق شعرها وزوجها يستحثني بها أفأصل رأسها؟ فسب رسول ﷺ الواصلة والمستوصلة)) وفيه أن معاوية سماه الزور، ثم قال: وسمى رسول الله ﷺ وصل الشعر زوراً لأنه كذب وتغيير لخلق الله تعالى، والأحاديث صريحة في الوصل مطلقاً وهو الظاهر المختار.
قال القسطلاني أيضاً وقد فصله أصحابنا فقالوا: إن وصلت بشعر الآدمي فهو حرام بلا خلاف، لأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته (١)
ولما وصل لتغيير خلق الله قال: " المغيرات خلق الله " وحكى قصة ابن مسعود المتقدمة، ثم قال: "وسبب لعن المذكورات أن فعلهن تغيير لخلق الله وتزوير وتدليس وخداع، ولو رخص فيه لاتخذه الناس وسيلة إلى أنواع الفساد، ولعله قد يدخل في معناه صنعة الكيمياء، فإن من تعاطاها يروم أن يلحق الصنعة بالأجسام والخلقة فهو خطر عظيم يجر كثيراً من المفاسد (٢)
وقال النووي على شرح مسلم ما ملخصه بحرمة تغيير الخلق، وساق قصة الأنصارية التي أرادت أن توصل شعر ابنتها، مع استحسان الزوج لذلك، فأجابها النبي عليه صلاة الله وسلامه بلعنة من تفعل ذلك، ومضى في شرح الوصل المتقدم إلى أن قال: " لأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزاء جسمه" (٣)
وفي الأبي على شرح صحيح مسلم أيضاً بعد أن ساق لفظ حديث الوصل المتفق عليه في جميع كتب الحديث، قال: لا يجوز للمرأة أن تغير شيئاً من خلقها، بزيادة فيه أو نقص منه قصد التزوج أو غيره " (٤)
وعندما ساق الترمذي الحديث في صحيحه تحت باب ما جاء في مواصلة الشعر، قال الأحوذي ما نصه: ((عن عمر، لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ... )) : الحديث.
قال ابن العربي: "هذا الحديث صحيح ثابت من طرق في كل كتاب شرط الصحيح أو لم يشترطه، وذلك حرام بإجماع الأمة " (٥) يعني الوصل، وساق رواية ابن مسعود عن المرأة التي قالت له: سمعت عنك رواية ... وقد تقدم تفصيل ذلك. ومضى في هذا السياق إلى أن قال: " إن الله خلق الصور فأحسنها في ترتيب الهيأة الأصلية ثم فاوت في الجمال بينها، فجعلها مراتب، فمن أراد أن يغير خلق الله فيها، ويبطل حكمته بها فهو ملعون، لأنه أتى ممنوعاً ".
وقد أورد الإمام أحمد في مسنده هذا الحديث بروايتين عن عائشة وبأخرى عن أسماء بنت أبي بكر، ولكنه لم يذكر: المغيرات خلق الله (٦)
стр. 9520
المبحث الثاني
الإخصاء
أورد الطبري في تفسيره، والقرطبي، وابن العربي؟ وكذلك شراح الحديث كشرح ابن حجر للبخاري المسمى فتح الباري، وشرح القسطلاني المسمى إرشاد الساري، وحاشية الأحوذي على صحيح الإمام الترمذي، كلهم قالوا بأن من بين معاني الآية الكريمة: ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ الآية المتقدمة، هو: الخصاء، وعزاه ابن العربي لابن عباس.
وبعد أن استعرض الإمام الطبري كثيراً من التفاسير بالمأثور للآية الكريمة المتقدم ذكرها آية تغيير الخلق، قال: "وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه، ووشره وغير ذلك من المعاصي " (١)
إلى أن قال: (وبعضهم وجد معنى هذا إلى الخصاء والوشم دون غيرهما، وإنما فعل ذلك أن معناه عنده كل ما يتعلق بتغيير الأجسام) .
قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن بنفس الأقوال التي ساقها الطبري في تأويله لمعنى الآية الكريمة، وبين أن التغيير كل عمل يجعل هيأة الجسم على غير الحالة التي خلقه الله عليها، وحكم بأن من يفعل ذلك، قد عرض نفسه للعنة الله.
وعند تفسيره لقول الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الآية ٣٠ من سورة الروم] .
قال القرطبي: "يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليما من الآفات، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملاً بريئاً من العيوب، لكن يتصرف فيه فيجدع أذنه ويوسم وجهه فتطراً عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان وهو
تشبيه واقع ووجه صحيح وواضح " (٢)
стр. 9521
وقد أورد في تفسيره لهذه الآية نفس الكلام الذي قاله في تفسيره للآية ١١٩ من سورة النساء، وخصوصاً ما أورده تحت النقطة الخامسة، حيث قال:
" الخامسة: وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة، فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته عكس المحيوان، وانقطع نسله، وخالف قول النبي ﵊: ((تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)) ، وفي رواية: ((فإني مكاثر بكم الأمم)) . ثم إن فيه أمراضاً كثيرة، وألماً وخطراً ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك، فيكون فيه تضييع مال وإذهاب نفس وكل ذلك منهي عنه، ثم هذه مثلة وقد نهى النبي ﷺ عن المثلة وهو صحيح، وقد كره جماعة من فقهاء الحجازيين والكوفيين شراء الخصي من الصقالبة وغيرهم، وقالوا: لو لم يشتروا منهم لم يخصوا، ولم يختلفوا أن إخصاء ابن آدم لا يحل ولا يجوز لأنه مثلة وتغيير لخلق الله تعالى وكذلك قطع سائر أعضائه في غير حد ولا قود. قاله أبو عمر ".
وأقل درجات استئصال خلية جهاز الولادة من امرأة وزرعها لأخرى أن يكون إخصاء للمزال منها، وتغييراً ووصلاً عند المزروع فيها، إضافة إلى اختلاط الأنساب التي يؤدي إليها في بعض الحالات حسب الدراسات التي أتحفنا بها الأساتذة الأطباء، جزاهم الله عن الإسلام والعلم خيراً.
стр. 9522
الخاتمة
قال الباجي في المنتقى على الموطأ: "عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يكره الإخصاء ويقول فيه المس بتمام الخلقة، ولعله قال أبو الوليد كان يعنى من البهائم ما لم تكن فيه منفعة وحرم مالك إخصاء الآدمي بأية طريقة لما فيه من انقطاع النسل، وكره شراء الخصي من الصقالبة، وقال: إذا لم يشر من عندهم فلن ينزلوا به تلك العملية، وروى الباجي أيضاً أن عبد الله بن عباس فسر قول الله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ، فقال: هو الإخصاء. وقال أنس بن مالك وعبد الله بن مسعود: هو الوشم. وقال مجاهد والنخعي: فليغيرن خلق الله دين الله " (١)
وفي المنتقى أيضاً حديث المغيرات خلق الله.
وفي الأبي أن المرأة التي كانت ستوصل شعر ابنتها كان ذلك بعلم زوجها، وقد منعت منه، مما يحرم زرع الرحم حتى ولو رضي الزوج، لأن اللعنة واضحة والحرمة صريحة، فلم توقف على شرط ولم يرد فيها استثناء، خصوصاً وأن الأمر تعلق بتبيين الحكم من رسول الله ﷺ فلا مجال بعد قوله المغيرات خلق الله، لأي تبرير يبيح إجراء تعديلات على جسم المرأة.
وهنا كلاهما غيرت خلق الله، فصاحبة الرحم المزال غيرت خلق الله بنقص جسمها وإزالة أهم أجهزة أنوثتها منه.
والمتلقية واصلة، وصلت جزءاً من جسمها بجهاز غريب عليه، ستظل مؤثراته النفسية والصحية تصاحبها حتى الموت.
وفي المنتقى أيضاً أن من تعاطى الكيمياء يريد تغيير الخلقة، فقد ارتكب مفسدة عظيمة (٢) إن تعبيره بتغيير الخلقة كان متقدماً على زمانه.
والحال أن تقدم الطب اليوم أصبح قادراً على تغيير الكثير وإجراء تعديلات جوهرية على جسم الإنسان، حتى أصبحنا نسمع من حين لآخر بأن الرجل يحاول التخلي عن ذكوريته، ليصبح أنثى، وهي تفعل مثل ذلك أيضاً.
стр. 9523
وإذا فتح المسلمون الباب لمثل هذا النوع من العمليات الحساسة في تغيير الخلقة، وأعني نقل الغدد التناسلية، فما عليهم إلا أن يستعدوا لتفشي كثير من هذه العمليات التي تغير خلق الله.
فعندما قال الله: ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ، منح البشر إمكانية مباشرة ذلك، فلم ينف إمكانية وصول العلم إلى تغيير الخلق، ولكنه جعل فعله مما يقود إليه الشيطان، ويستوجب صاحبه لعنة الله.
وإذا كنا لا نجاري أبا الوليد في موقفه من التجارب الكيميائية، فإننا نقول برأيه فيما يرجع للإقدام على التجارب العلمية لمحاولة تغيير خلق الله في الإنسان.
وبالتالي فلا نستطيع أن نقيس زرع الغدد التناسلية أو الجهاز التناسلي على غيره من عمليات زرع الأطراف الجسمية الأخرى، أو غيرها من سائر الأعضاء المكونة لجسم الإنسان.
لأن لعنة الرسول ﷺ أتى اللفظ فيها عاماً حين قال: الواصلة، والمستوصلة.. إلى قوله: المغيرات خلق الله، في كثير من الروايات.
فأية امرأة أقدمت على ذلك حتى ولو كان بإذن الزوج تعتبر واصلة، ومغيرة لخلقة الله تعالى، فالشعر الذي كان سيوصل به إذا كنا نجهل عنه كل شيء حسب اطلاعي المتواضع فإنه لا يعدو أن يكون جزءاً من إنسان أريد تركيبه لإنسان آخر، ومن ثم يسهل القول بأن الوصل على هذا الشكل يمكن أن يقاس على وصل الشعر لتشابه العلة من حيث إيصال جزء غريب على الإنسان بجسمه، ومن حيث ما فيه من صور تغير الخلق.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإننا لا نعارض الفتاوى الصادرة من دور الإفتاء، سواء بمصر أو السعودية أو المجمع الفقهي، في المواقف التي صدرت منهم في شأن زرع بعض الأعضاء مثل القلب والكلية، ولسنا ضد عمليات الطب في هذا المضمار، لأنه حقيقة تقدم علمي مشرف للإنسانية، وإنقاذ روح بشرية من الموت، والله قال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .
стр. 9524
إلا أن التبريرات التي يمكن أن تعطى لذلك لا بد أن "تلف في نظرنا من حالة إلى أخرى، ومن عضو إلى عضو.. فالمتبرع بكليته مثلاً، أو يده، أو عينه، أو أذنه، أو أحد الأعضاء المزدوجة في الجسم البشري؟ إنما يعتبر قدم به عملاً إنسانياً وحسنة خالدة، وجهداً مشكوراً، لأنه أعطى ما ينفع غيره، وينقذه، ولا يعرض حياته للخطر، أو صحته لعاهة مستديمة؟ إذ يستطيع الحياة والعمل بالطرف الذي بقي عنده، ويصبح المتلقي متمتعاً بجزء مهم من حياته، وإمكانية الاستفادة الدائمة من العضو المزروع، وهذا خير وعمل صالح وإنقاذ نفس.
لقد كان المجمع الفقهي حذراً في فتواه الصادرة في عام ١٤٠٨ هـ عندما أجاز زرع الأعضاء لذات الشخص التي انفصلت عنه، وأجاز نفس الزرع إن تبرع شخص بعضو منه، إذا كان هذا الشخص كامل الأهلية، ولا يضره العضو المبتور ليزرع في الشخص المتلقي، إلى بقية الشروط المتعلقة بزرع الأعضاء من ميت إذا كان قد تبرع بها في حياته، أو أذن أهله، أو ولي الأمر بالنسبة لمجهولي الهوية.
وقولي بأن المجمع كان حذراً، قصدت به نص القرار على عدم مضرة صاحب العضو المزال إذ اشترط عدم المضرة.
إن الله ﵎ شجع على إنقاذ الإنسان من أي خطر يهدد حياته وأمنه، فقال الله : ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .
وإن إدخال البهجة والسرور على العقيم من الجنسين بصفة مشروعة خدمة لا يمكن أن تقدر بثمن، أجر لا يعدله أجر.
إلا أن أي عمل يفضي إلى ذلك يجب أن ينسجم مع الأوامر الصريحة للكتاب والسنة، وعدم تناقضه مع غاية المشرع الإسلامي في بعض الحالات، التي تعرضت إليها النصوص بصفة مجملة لغاية استخدام العقل البشري مدعما بزاد العلم والفهم، ليستخلص منها أحكام الشارع، حسب كل زمان ومكان، لتبقى شريعة الله هي النظام ولتدوم نظم الإسلام تلبي حاجات الإنسان مهما بلغ من التطور إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلم يفرط الله في كتابه من شيء: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
стр. 9525
إن نقل الجهاز التناسلي من امرأة إلى أخرى لم تحصل لحد الآن في شأنه نتائج تقنية مشجعة لأولئك الذين لا تهمهم الناحية الشرعية، ولذا فيجب في نظري إصدار فتوى إسلامية بتحريمه على كل مسلم يؤمن بالله وبرسوله للأسباب المبينة وللمضار التي تنجم عنه ففي الحالات التي يتم نقل الأنسجة التي لا تؤدي إلى أية صفات وراثية، فإنها تؤدي إلى التهلكة سواء فيما يرجع لمضاعفات الأدوية في المرأة والجنين أو فيما يرجع لصعوبة العملية، وقلة من يستطيع القيام بها، وهذه حالات تستوجب التروي في الحكم.
إضافة إلى أنها لا تحل مشكلة الأسرة التي حاولت الإنجاب عن طريقها، إذ العقم سينتقل، إما إلى الأم، أو إلى الأخت. وإذا كانت النتائج الطبية التي أتحفنا بها الأساتذة الباحثون علماء الطب أفادت بأن نقل الأنبوبة لا يؤدي إلى نقل الصفات الوراثية، وبالتالي لا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، فإن النتائج الصحية، وما يسببه من عقم للمرأة المزال منها، كل ذلك ناتج عن عملية تشبه الإخصاء بالنسبة للرجل فيحرم تعاطيه، في نظرنا المتواضع، على كل مسلم بسبب هذه المبررات.
والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.
الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين