(و) سندات الخزينة المخصصة للاستثمار الإسلامي:
وقدم الدكتور سامي حمود هذه الفكرة وأسس فكرة إصدارها على القواعد التالية:
١- إصدار سندات الخزينة للمشاركة في المشاريع المنتجة للدخل، وذلك على أساس بيع المشروع المعين، وجملة من المشروعات مقابل إعطاء سندات تمثل حصص امتلاك، وانتفاع بريع المشروع أو المشروعات المعينة.
٢- إصدار الخزينة الإيجارية لمشاريع مملوكة لمؤسسات وشركات مساهمة ذات نفع عام، وذلك باعتبار أن هذه السندات تمثل حصص امتلاك قابلة للتأجير.
٣- إصدار سندات الخزينة البترولية بطريق السلم، وذلك على أساس بيع الإنتاج المستقبل مع تنظيم بيوع السلم الأول، والبيوع الموازية من أجل الموازنة بين الكميات المسلم فيها بالبيع، والمطلوبة بالشراء.
ويقول الدكتور سامي: " وتعتبر هذه الإدارة واحدة من أنجح الوسائل الملائمة للدول البترولية حيث يساعد الإنتاج البترولي الضخم على اجتذاب آلاف الملايين من الدراهم والدنانير والريالات التي لا تجد طريقها للمشاركة في التنمية الوطنية (١) .
غير أن هذه السندات (أو الصكوك أو الشهادات) لا بد من ملاحظة القواعد الشرعية فيها من حيث المشاركة وعدم ضمان المصدر لرأس المال (أي وجود المخاطرة) وعدم تحديد أية نسبة من الفوائد، وإنما ربطها بالأرباح الحقيقية، إضافة إلى شروط عقد السلم من حيث المواصفات، ومن حيث تسليم الثمن في مجلس العقد عند الجمهور، أو في خلال ثلاثة أيام عند مالك (٢) .
стр. 9767
(ز) صكوك المرابحة:
وقد طرح هذه الفكرة الدكتور سامي حمود في ندوة البركة الثانية التي عقدت بتونس بين ٤ – ٧ نوفمبر ١٩٨٤م وقال: " وقد كان بيع المرابحة من أبرز الأمثلة المختارة لبيع الحصص الاستثمارية باعتبار أن بيع المرابحة بعد أن يتم يمكن فيه تمامًا معرفة الربح وموعد تحققه، ونسبة ما يستحق من الزمن، وما يتبقى لما هو باق من الأيام، وإذا كانت الديون بحد ذاتها لا تباع إلَّا مثلًا بمثل فإن هذه الديون إذا كانت جزءًا من موجودات مختلطة مع النقود والأعيان فإنها تصبح قابلة للبيع، ولذا جاز في المخارجة " (١) .
وقد كانت هذه الفكرة متمثلة في إنشاء شركة تابعة لبنك البركة الإسلامي في البحرين تكون متخصصة في تمويل المرابحة، وتكون أسهمها قابلة للبيع والشراء وفق أسعار معلنة مقدمًا على أساس محسوب تبعًا للعمليات المنفذة، والأرباح المستحقة في بيوع المرابحة القائمة، وذلك باعتبار أن السهم في الشركة التابعة يمثل جزءًا شائعًا في موجودات الشركة بكاملها، وقد صدر قرار وزاري بالبحرين لإنشاء شركة إسلامية مساهمة تمارس الإصدارات المختلفة في صناديق المرابحة، والإيجار والسلم، والمشروعات، وإيجاد أدوات مالية إسلامية تتمتع بالسيولة، والربحية، والقابلية للتسويق المنظم على أساس السعر المعلن والمكشوف (٢) .
(ح) صكوك السلم، وبيع الآجل:
كذلك يمكن إصدار صكوك بعقد السلم تنظم فيه مسائله حيث إنه يعالج العقود التي ترد على السلع المستقبلية، كما أن بيع الآجل يعالج الأثمان الآجلة.
(ط) صكوك الاستصناع:
وهذا النوع في نظري أهم الأنواع في علاج كثير من الموضوعات المعاصرة، ومع ذلك لم يول عناية مناسبة، لذلك سيكون بحثنا الخاص بالاستصناع منصبًّا على هذا الجانب بشكل تأصلي إن شاء الله.
стр. 9768
التعامل بالأسهم والسندات عن طريق الأسواق المالية (البورصة) :
لا يجوز التعامل بالسندات المالية (التي هي قروض بفوائد) لا عن طريق الأسواق المالية (البورصة) ولا عن طريق غيرها، كما سبق.
وأما الأسهم التي لا تزاول شركاتها نشاطًا محرمًا، وليس لها امتياز مالي – على التفصيل السابق – فحكم التعامل بها وتداولها عن طريق البورصة على التفصيل الآتي حيث نذكر أولًا أنواع العمليات، ثم نذكر كيفية البيع والشراء من حيث الدفع.
أولًا: أنواع العمليات في البورصة:
١- العمليات العاجلة التي تتم في سوق العاجل، وذلك بأن يلتزم كل من العاقدين بتنفيذ عقودهما، ويسلم البائع الأوراق المالية، والمشتري ثمنها حالًا، أو في مدة لا تتجاوز ٤٨ ساعة، وحينئذ يحتفظ المشتري بها، ويستفيد من أرباحها، ويتحمل خسارتها كذلك وتقوم السوق (البورصة) بإتمام الصفقة بصفة الوكيل عن الطرفين ويرسل الأوراق للطرفين للتوقيع عليها.
فالتعامل بِالأسهم بهذه الطريقة حلال – ما دامت بقية الشروط والضوابط التي يفرضها الشرع متوفرة (١) ولكن المشتري الجديد لا يبيع أسهمه إلَّا بعد استقرار ملكه عليها من خلال القبض حتى ولو كان حكيمًا ما دامت الأسهم تمثل السلع – أي غير النقود والطعام (٢) .
والخلاصة إذا كان البيع حالا وباتا، ولم يكن قائمًا على الاختيارات – كما ستأتي – ولم يكن فيه محظور شرعي آخر فإن هذه المعاملة عن طريق البورصة أيضًا جائزة، وكذلك التعامل في هذه الأسهم جائز بعد استقرار الملك فيها، ولكن دون أن يكون العقد الثاني على أساس ما تسميه البورصة بالمضاربة وهي تعني بها: عملية بيع وشراء صوريين، حيث تباع العقود، وتنتقل من يد إلى يد، وغاية العاقدين الاستفادة من فروق الأسعار (٣) ، بينما المضاربة في الفقه الإسلامي معروفة تعني العمل من جانب، والمال من جانب آخر.
стр. 9769
٢- العمليات الآجلة، التي يلتزم بمقتضاها العاقدان على تصفيتها في تاريخ آجل معين يتم فيه التسليم والتسلم، وقد يتفقان على تأجيل خاص وشروطه وكيفية التعويض.
وتجري التصفية في كل شهر مرة فتسوى الصفقات نهائيًّا، ويتم دفع الثمن وتسلم الأوراق المالية خلال عدة أيام من تاريخ التصفية (١) .
ثم إن هذه العمليات الآجلة تتم على إحدى الصور الآتية:
(أ) العمليات الباتة القطعية: وهي التي يحدد تنفيذها بموعد ثابت لاحق ويسمى موعد التصفية، الذي يدفع فيه الثمن، وتسلم فيه الأوراق المالية موضع الصفقة، وتسمى: الباتة لأن العاقدين ليس لهم حق الرجوع في تنفيذ العملية، ولكن لهم الحق في تأجيل موعد التصفية النهائية إلى موعد آخر.
وتنفيذ هذا النوع يؤدي بلا شك إلى خسارة أحد الطرفين إلَّا إذا كان سعر الأسهم (أو غيرها) معادلًا لسعر البيع نفسه، ففي الغالب يخسر أحد الطرفين، والآخر يربح حسب زيادة سعرها، أو نقصه عند التصفية فلا كسب لأحدهما إلَّا على حساب الآخر.
وقد يشترط المشتري وحده خيار التنازل لنفسه عن حق الآجل فيلجأ إليه عندما يلاحظ هبوط سعر تلك الأسهم، وحينئذ يطلب من البائع تسليم الأوراق المالية المتفق عليها، وحينئذ يضطر البائع لشرائها من السوق بسعر العاجل، وحينئذ يحق للمشتري أن يبيعها قبل موعد التصفية عن طريق وسيط، ويسجل رصيد العملية إذا اقترنت بربح في رصيد دائن (٢) .
وهذا النوع من العمليات كما رأينا لم يتم فيه تسليم المعقود عليه، لا الثمن ولا المثمن، بل اشترط تأجيلهما، فعلى ضوء ذلك لا يجوز، لأنه من الضروري لصحة العقود أن يتم فيها تسليم أحد العوضين – كما هو معروف أو لا يشترط تأجيل الاثنين.
стр. 9770
وذهب أحد الباحثين (١) إلى صحة هذا النوع ما دامت الأوراق المالية جائزة التعامل فيها، ويملك المشتري المبيع، والبائع الثمن، حيث يكون ملك المشتري للمبيع بمجرد عقد البيع الصحيح، ولا يتوقف على التقابض، وإن كان للتقابض أثره في الضمان.
وقد استند في قوله هذا على ما جاء في الموسوعة الفقهية، حيث تقول: " ولا يمنع من انتقال الملك في المبيع، أو الثمن كونهما ديونًا ثابتة في الذمة إذا لم يكونا من الأعيان... " (٢) .
غير أن كلام الموسوعة في " الدين " الذي هو مقابل للعين، وهو مصطلح فقهي لا يعني التأجيل، وإنما يعني به: ما لا يتعين بالتعيين ولذلك أوردت الموسوعة مثالًا بعد هذا الكلام مباشرة، فقالت: " كما لو اشترى مقدارًا معلومًا من كمية معينة من الأرز، فإن حصته من تلك الكمية لا تتعين إلَّا بعد التسليم، وكذلك الثمن إذا كان دينًا في الذمة " فليس في الموسوعة أية إشارة إلى جواز عقد يشترط فيه تأجيل الثمن والمثمن إلى وقت التصفية.
ثم استند الباحث على ما أجازه المالكية والحنابلة من جواز اشتراط تأجيل الحق إلى مدة، اعتمادًا على حديث جابر (٣) .
ولكن هؤلاء الفقهاء لم يقولوا – حسب علمنا – بجواز اشتراط الثمن والمثمن معًا، وهذا هو محل النزاع، بل إن المالكية أنفسهم صرحوا بأنه لا يجوز بيع الدين إلَّا إذا كان الثمن نقدًا، وأجازوا للحاجة تأخير رأس مال السلم ثلاثة أيام فقط (٤) أما الحنابلة فقد اشترطوا قبض الثمن في المجلس.
ثم إننا لا نسلم اعتبار الباحث الأسهم من الديون التي لا تتعين بالتعيين، وإنما التحقيق أنها معتبرة بما تمثله من أصول الشركة فهي حصص مشاعة من موجودات الشركة ومعتبرة بها دينًا وعينًا.
стр. 9771
لذلك فالذي نرى رجحانه هو عدم جواز شراء الأسهم وغيرها عن طريق العمليات الباتة القطعية، وذلك لاشتراط تأجيل التسلم والتسليم إلى وقت مستقبلي، إضافة إلى أن هذا الوقت وإن كان قد حدد لكن إعطاء الحق للعاقدين في صلب العقد تأجيل موعد التصفية إلى موعد آخر جعل المدة مجهولة غير محددة ولا معلومة.
ولذلك دخلت فيه الجهالة من أوسع أبوابها، فيدخل في باب الغرر المنهي عنه في الحديث الصحيح (١) .
ثم إن هذا النوع فيه إضرار بأحد الطرفين – في الغالب كما سبق – حيث لا يكسب أحدهما الربح إلَّا على حساب الآخر، مما فيه رائحة القمار وشبهته بوضوح، إضافة إلى خيار التنازل وما يترتب عليه، حيث يعطي للمشتري حق المطالبة بالتعجيل.
هذا إذا كانت الأسهم (أو البضاعة) موجودة فعلًا، فيرد على كيفية التعاقد عن طريق هذا النوع ما سبق، أما إذا كانت غير موجودة فعلًا، وإنما سوف يمتلكها البائع في المستقبل فهذا يدخل في بيع المعدوم الذي لا يحل شرعًا بالإجماع، كما نقل ذلك ابن المنذر والنووي وغيرهما (٢) اعتمادًا على الحديث الثابت: ((لا تبع ما ليس عندك)) (٣) . وهذا النوع هو الغالب في مثل هذه الصفقات الآجلة.
стр. 9772
البدائل الشرعية:
لهذه العملية بدائل شرعية تحقق الغرض المقصود والمعقول العادل وهي:
البديل الأول: السلم، وهو بيع الموصوف بالذمة فيكون ثمن حالًا، وأجازه المالكية، أن يؤدّى خلال ثلاثة أيام، وأما المسلم فيه فيكون مؤجلًا لأجل معلوم، وبمواصفات محددة (١) .
البديل الثاني: تأجيل الثمن مقسطًا أم بدون تقسيط (أي البيع الآجل) ودليل مشروعيته الحديث الصحيح الدال على أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعه (٢) وقد أجمعت الأمة على جواز ذلك (٣) .
البديل الثالث: الاستصناع، وهو أن يطلب شخص من الصانع أن يصنع له شيئًا بثمن معلوم (٤) وقال ابن عابدين: " هو بيع عين موصوفة في الذمة لا بيع عمل " (٥) .
وهو عقد مستقل عند الحنفية، أما غيرهم – من المالكية والشافعية والحنابلة (٦) ، فلم يعترفوا به كعقد مستقل، بل أدخلوا بعض مسائله في السلم، ورفضوا بعضها الآخر. (ليس هذا مجال تفصيله) .
فهذه البدائل تحل معظم الحالات التي فيها تأجيل للثمن والمثمن، ولكليهما، فالسلم يحل مشاكل السلع والأشياء غير الموجودة والتي ستسلم فيما بعد لكن الثمن فيه حال، أو إلى ثلاثة أيام.
وبيع الأجل يحل مشكلة ما إذا كان الثمن غير متوفر ولكن البضاعة متوفرة.
стр. 9773
وأما عقد الاستصناع فيحل لنا المشكلة بشكل أكبر حيث لا يشترط فيه تعجيل الثمن ولا المثمن، حيث يكيف بأنه عقد خاص فيه بعض مواصفات البيع، وبعض مواصفات الإجارة (١) .
ويمكن أن تصدر بهذه العقود شهادات وصكوك تؤصل فيها الشروط والضوابط.
(ب) العمليات الآجلة بشرط التعويض:
وهي أن يلتزم البائع والمشتري بتصفية العمليات التي تمت بينهما آجلًا، في تاريخ معين، لكن يشترط أحدهما لنفسه الخيار في عدم تنفيذ العملية، وذلك مقابل تخليه عن مبلغ من المال يتم عليه الاتفاق مسبقًا ليكون بمثابة تعويض عن عدم تنفيذ العملية.
ويسمى اليوم السابق لتاريخ التصفية بيوم جواب الشرط فإما أن ينفذ من له الخيار الصفقة، فيرفع عنه التعويض، أولا فينفذ التعويض، وتتضمن هذه العمليات ثلاثة عناصر مهمة هي السعر، ومقدار التعويض، وأجل التصفية وهي نوعان:
١- العمليات الشرطية للمشتري، حيث يكون مخيرًا بين استلام الصكوك، وبين التخلي عن التعويض.
٢- العمليات الشرطية للبائع، حيث يحق له في يوم جواب الشرط تنفيذ الصفقة، أو التنازل عن تنفيذها مقابل دفع تعويض متفق عليه مسبقًا (٢) .
وحكم هذا النوع مثل النوع السابق في أن العقد لم يتم من الناحية الشرعية، لأنه لم يتم فيه التسلم لا للثمن، ولا للمثمن، بل اشترط فيه تأخير الاثنين معًا، فلذلك لا يجوز. وسبب ذلك لا يعود إلى خيار الشرط لأن ذلك جائز، وإنما إلى عدم تحقق أركان العقد، إضافة إلى اشتراط التنازل عن جزء من المال دون أن يربط بضرر فعلي محقق، فهذا أيضًا لا يجوز.
стр. 9774
وذهب بعض الباحثين (١) . إلى جواز هذه العملية إذا كان الخيار فيها للمشتري، وشبهها ببيع العربون (٢) الذي أجازه الحنابلة معتمدين على قضاء عمر (٣) .
وبيع العربون مختلف فيه ولم يقل بصحته جمهور الفقهاء (٤) بناء على أنه من أكل أموال الناس بالباطل المنهي عنه بنصوص الآيات القرآنية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .
واعتمادًا على نصّ خاص صريح بهذا الصدد وهو ((أن النبي ﷺ نهى عن بيع العربان)) (٥) إضافة إلى ما فيه من غرر، لأنه بمنزلة الخيار المجهول (٦) .
ومع قطع النظر عن هذا الخلاف الجاري في بيع العربان، فإن مسألتنا هذه تختلف عنه كثيرًا حيث قد يتم في بيع العربون تسليم المبيع، وجزء من الثمن بينما لا يتم في هذا النوع أي تسلم للمعقود عليه لا الثمن ولا المثمن إلَّا في فترة يتفق عليها المتعاقدان، ومن هنا فلا يدخل في بيع العربون، بل أعتقد أن قياسه عليه قياس مع الفارق، ناهيك عن هذا النوع من البيوع الآجلة قد يتم على معقود عليه لم يتحقق بعد، أما أن السوق (البورصة) لا تشترط وجود المعقود عليه أثناء العقد، وإنما المطلوب تحققه عند حلول المدة، أو دفع التعويض.
أما إذا كان الخيار للبائع فإنه لا يجوز لما سبق، حتى عند الباحث السابق لكنه ذكر أن السبب يعود إلى أنه حينئذ يدخل في صفقتين في صفقة واحدة (٧) .
стр. 9775
(ج) البيع مع خيار الزيادة للمشتري أو البائع:
حيث يكون لمن له الخيار الاستزادة عند حلول الأجل المتفق عليه، فإذا كان الخيار للمشتري يحق له طلب تسلم ضعف الأوراق المشتراة أو أكثر، لكن الشراء يعتبر باتا في الكمية المتفق عليها مسبقًا، واختياريًّا في الزائد، وتكون أسعارها الفعلية أكثر من أسعارها في السوق الباتة، وكذلك الأمر بالنسبة لو كان الخيار للبائع، حيث يسلمه المشتري كمية من المتفق عليه، وبسعر أكثر من سعرها في السوق الباتة، وكذلك فالكل يوازن بين الأسعار الباتة، والأسعار الآجلة بشرط الزيادة، وأسعار السوق في موعد التصفية محاولًا الحصول على أكبر قدر ممكن من الربح، والتفادي من الوقوع في خسارة (١) .
فحكم هذا النوع إضافة إلى عدم توفر أركان العقد فإنه يتضمن نوعًا من المغامرة التي تسمى في أعراف البورصة بالمضاربة، وذلك لأن من له حق الخيار على الزيادة، كما يرى، بالإضافة إلى أنه يتضمن في ظاهره بيعًا متضمنًا بوعد، بل يتضمن بيعًا آخر فيكون داخلًا في النهي عن صفقتين في صفقة واحدة (٢) .
(د) العمليات الآجلة بشرط الانتقاء:
وذلك بأن يكون للبائع والمشتري حق الاختيار بين سعرين، حيث يكون لهما الحق في إبرام الصفقة في موعد التصفية بأي من السعرين، وذلك لأن المتعاملين في سوق الأوراق المالية يفتقدون حدوث تغير كبير من أسعارها صعودًا أم هبوطًا بينما يعتقد بائعو هذه الأوراق عدم طروء أي تغيير يذكر (٣) .
فهذه العملية بهذه الصورة لا تعتبر بيعًا في نظر الشريعة الغراء وذلك لأن من الشروط الأساسية له تحديد الثمن، إضافة إلى عدم تحقق أركان العقد، بل واشتراط تأجيل الثمن المخير والمثمن، ولا أرى لها وجهًا شرعيًّا لجوازها وصحتها.
стр. 9776
(هـ) المرابحة والوضعية:
هما في الفقه الإسلامي معروفان، إذ المرابحة بيع السلعة بعد تملكها إلى شخص آخر مع إضافة نسبة من الربح، والوضعية تعني بيعها مع خصم نسبة معلومة من ثمنها الذي اشتريت به (١) بينما المرابحة في (البورصة) تعنى طلب تأجيل موعد تسوية الصفقة حتى موعد التصفية اللاحق، وذلك يحدث عندما يشعر المتعاملون في السوق بأنهم لن يستطيعوا تنفيذ الصفقة التي عقدوها نظرًا لتطور الأسعار خلافًا لتقديراتهم فيلجأون إلى المرابحة، والوضعية.
فلنضرب لذلك مثالًا لتوضيح هذه العملية وهو أن زيدًا – مثلًا – اشترى في ١/١/١٩٩٠ مائة سهم من شركة (جنرال موتور) بسعر مائة دولار للسهم الواحد مضاربًا على ارتفاع الأسعار حتى موعد التصفية القادم في ١/١/١٩٩١، وعندما يحين هذا الموعد يكون أمامه أحد احتمالين:
الاحتمال الأول: ارتفاع الاسعار حسب تقديرات المشتري، كأن يبلغ سعر الورقة المالية (السهم) ١٢٠ دولار، وحنيئذ يعمد المشتري إلى تنفيذ الصفقة، لأن ربحه فيها ألفا دولار.
الاحتمال الثاني: انخفاض الأسعار خلافًا لتقديرات المشتري، كأن ينخفض سعر السهم وقت التصفية (في المثال السابق) بنسبة ٢٥ % - مثلًا – أي أنه يخسر ٢٥٠٠ دولار، وحينئذ يقرر المشتري تأجيل موعد التصفية إلى موعد آخر على أمل تحسن سعر الورقة المالية المعنية، لكنه يبحث عن ممول يخرجه من ورطته مقابل زيادة، فيسمى هذا العمل بالمرابحة، حيث يقبل الممول شراء الأسهم شراء باتًّا في موعد التصفية ويبيعها له ثانية بيعًا مؤجّلًا حى موعد التصفية المقبل، وذلك لقاء فائدة يدفعها المشتري للممول تسمى فائدة التأجيل، أو المرابحة، وتتم هذه العملية بناء على سعر للأوراق المالية تقدره لجنة السوق (٢) .
стр. 9777
فعدم شرعية هذه العمليات واضحة، فلم يتوفر فيها أركان البيع، ولا البت فيها، إضافة إلى أنها عملية قريبة من بيع " العينة " فهذه الزيادة في الواقع بمثابة قرض ربوي مقابل التأجيل (١) .
وأما الوضعية في البورصة فتعني أن البائع حينما يعرف بأنه سيخسر خسارة كبيرة حيث الأسعار قد ارتفعت، يطلب تأجيل تنفيذ الصفقة بالوضيعة، وحينئذ ينبغي عليه أن يجد متعاملًا يتملك النوع المطلوب من الأوراق المالية، فيشتريها منه، ثم يبيعها له مرة أخرى على أساس موعد التصفية التالي.
فهذه العملية أيضًا مثل سابقتها في عدم الصحة والجواز، وهي بمثابة إعارة الأوراق لقاء فائدة ربوية، أو قرض ربوي (٢) .
(ز) العمليات المركبة:
وهي العمليات التي تتركب من أكثر من نوع كالآتي:
١- شراء عاجل مقابل بيع بشرط التعويض (الخيار للمشتري) .
٢- شراء بات مقابل بيع بشرط التعويض.
٣- شراء بشرط التعويض مقابل بيع بات.
٤- شراء بشرط التعويض مقابل بيع بشرط التعويض (٣) .
فحكم هذا العمليات المركبة عدم الصحة والجواز لما ذكرنا، إضافة إلى اشتمالها على صفقتين في صفقة واحدة، وهذا منهي عنه كما سبق.
стр. 9778
ثانيًا – كيفية البيع والشراء من حيث الدفع في البورصة:
١- الشراء بكامل الثمن: حيث يدفع المستثمر كامل قيمة الأوراق المالية التي يشتريها من البائع.
وهذا النوع ليس كثيرا في الأسواق المالية؛ إذ الغالب عليها التأجيل، فالذي يجري في أكثر تلك الأسواق هو أن يفتح المستثمر حسابًا مع السمسار شبيه بالحساب المصرفي (أي مثل الحساب الجاري في البنك) يودع فيه المستثمر القدر الذي يرغب في أن يستخدمه السمسار للشراء لصالحه، ويودع فيه السمسار ما يتحقق للمستثمر من أرباح أسهم أو فوائد سندات، أو أثمان بيع.. ويستطيع صاحبه أن يسحب منه النقود متى شاء، كما للسمسار هذا الحق لشراء الأوراق المالية باسم العميل، كما يفتح له حسابًا آخر يمكن للمستثمر أن يحصل منه على قرض أتوماتيكي شبيه بالسحب على المكشوف في البنوك (١) . وحكم هذا النوع إذا كان الشراء بكامل الثمن، وكان محل العقد حلالا – أي حسب الضوابط الشرعية السابقة – فإن العقد صحيح، لكنه إذا كان المثمن موجودًا فإنه بيع صحيح، وإذا كان موضوعًا في الذمة بالمواصفات المطلوبة في عقد السلم، فإن سلم صحيح، وإذا كان محل العقد النقود فإنه يجب التسلم والتسليم في مجلس العقد، حسب قواعد الصرف – وما يعد اليوم قبضًا أم لا - (٢) .
وأما إذا كان الثمن غير كامل فإن كان المبيع حلالًا ولم يكن من الصرف والطعام، ولم يكن فيه شرط تأجيله فإن العقد صحيح، أما الأموال الربوية فلا بد فيها من القبض، والسلم لا بد فيه من تسليم الثمن بالكامل خلال المجلس، أو ثلاثة أيام عند المالكية – كما سبق -.
стр. 9779
٢- الشراء بجزء من الثمن، أو الشراء بالهامش، حيث يدفع المشتري جزءًا من الثمن، ويستدين الباقي من السمسار الذي يكون دوره مقترضًا من المصارف، وتخضع نسبة القرض من مجمل القيمة لقوانين صارمة، ويتغير تبعًا للظروف الاقتصادية، حيث تشترط السلطات المالية أحيانًا هامشًا كبيرًا عند ما ترغب في تقليل المضاربات المحمومة في السوق، قد يزيد في الولايات المتحدة الأمريكية عن ٦٠ % أي تبقى نسبة القرض ٤٠ % تقريبًا، ولكن عندما ترغب السلطات المالية في زيادة نسبة التعامل فإنها تسمح بهامش أقل (أي النقد) ، لأنها تعطي بذلك الفرصة لمن لا تتوفر لديهم موارد مالية كبيرة بالدخول في السوق عن طريق الاقتراض، وأكثر ما تستخدم هذه الطريقة في شراء الأسهم (١) .
وهذه الطريقة لها مخاطرها الكبيرة، حيث يعتقد الكثيرون أن أحد أهم أسباب انهيار سوق البورصة عام ١٩٢٩م هو التوسع في الشراء بجزء من الثمن، ولذلك شددت القوانين الأمريكية على الهامش الابتدائي (٢) الذي يستخدم لأغراض المضاربات السريعة.
فمثلًا اشترى شخص مائة سهم (لإحدى الشركات) بخمسين دولارًا ودفع للسمسار ثلاثة آلاف فقط، واقترض منه الباقي ٢٠٠٠ دولار بفائدة وحينئذ يحتفظ السمسار بالأسهم رهنًا مقابل القرض، فالهامش الابتدائي هو ٦٠ % ثم انخفضت أسعارها فأصبحت ٤٠ دولارًا للسهم الواحد أي صارت القيمة ٤٠٠٠، ونسبة السمسار ارتفعت إلى ٥٠ % والهامش ٥٠ % فإذا استمرت في الانخفاض سارع السمسار لبيعها ضمانًا لقرضه.
فهذه الصورة بهذا الواقع الربوي لا تقبلها الشريعة الغراء إذ مخالفتها لها واضحة جدًّا، ولكن لها بديل من خلال بيع الآجل ونحوه.
стр. 9780
٣- البيع القصير، والبيع الطويل: يستعمل في أسواق البورصة استخدام لفظ " طويل " و " قصير " كثيرًا وليس المراد به الطول، أو القصر من حيث الزمن وإنما له علاقة بالهدف من الاستثمار (١) .
فالمراد بالطول: شراء الأسهم والاحتفاظ بها للحصول على الربح، أو بيعها للحصول على الزيادة في أسعارها.
وأما القصير فيتعلق بالمغامرة على انخفاض أسعارها، وذلك بأن يتوقع شخص أن أسعار إحدى الشركات سوف تنخفض، فيعمد إلى عملية بيع قصير عن طريق اقتراض عدد من أسهمها من سمسار يحتفظ بهذه الأسم لضمان السداد، ثم يبيعها المقترض بالسعر السائد، ثم يعيد شراءها عند انخفاض الأسعار، ثم يقوم بتسديد القرض أي يرجع الأسهم إلى صاحبها، ويحتفظ لنفسه بالفرق الذي تحقق له من خلال هذه العمليات التي تتم من خلال سماسرة متخصصين (٢) .
فالمستثمر يستفيد من الفرق بين السعرين، والسمسار حقق عائدًا من استخدام النقود وحصل على أرباح الأسهم التي توزعها الشركة المصدرة للأسهم في هذه الفترة كما في القوانين الأمريكية، إضافة إلى حصوله على مقابل خدماته الإدارية.
وهذا القرض (أي اقتراض الأسهم) قرض حال، وغير محدد بمدة زمنية، حيث يستطيع المستثمر إعادة الأسهم في أي وقت يشاء، كذلك يستطيع السمسار استرجاعها في أي وقت يريد، ولذلك قد يضطر المستثمر إلى اقتراضها من جهة أخرى إذا كان الوقت لم يحن بعد لإيقاف العملية.
والغرض الأساسي من عمليات البيع القصير هو استغلال توقعات المضارب بأن الأسعار سوف تنخفض، ولذلك إذا خابت توقعاته، وارتفعت الأسعار فإنه يخسر كثيرًا، ولذلك نجد أن بعض البورصات (كبورصة نيويورك) تمنع عمليات البيع القصير إذا كان اتجاه سهم الشركة الذي يجري تداوله نحو الانخفاض، لأن انتشار هذا النوع قد يؤدي إلى انهيار السوق (٣) .
وحكم البيع الطويل إذا كان محله أسهمًا حلالًا الجواز، لكن حكم البيع القصير هو عدم الصحة والجواز، حيث أن فيه عدة مخالفات شرعية منها الفوائد، ومنها أن هذا العقد قائم على المغامرة، إضافة إلى عملية التسلم والتسليم – كما سبق -.
стр. 9781
التعامل بغير الأسهم والسندات في البورصة:
وذلك يشمل النقود المختلفة، والذهب والفضة، والطعام وغيرها من السلع.
(أ) فبخصوص النقود توجد عدة أسواق وأنواع لكيفية التعامل فيها نوجزها فيما يأتي:
أولًا: سوق الصرف العاجل: حيث يتم التعامل فيها عن طريق الشراء النقدي لمختلف العملات، وعن طريق التحويلات البرقية والبريدية والسفاتج (الحوالات) العاجلة (١) .
ومعظم التعامل في سوق الصرف يتم من خارجها، وبالتالي يتطلب دفع ثمن العملة الأجنبية، بالإضافة إلى تكلفة الإرسال (برقيًّا أو لاسلكيًّا) ويلاحظ أن العملة الأجنبية لا تصل إلى الطرف الآخر في الحال، بل يحتاج إلى بعض الوقت يطول أو يقصر حسب نوعية وسيلة الاتصال والإرسال، ومن هنا قد يستفيد من هذا المبلغ المصرف المرسل (٢) .
وحكم هذا النوع أنه إذا كان شراء نقدًا فلا غبار عليه، لأن شرط التقابض " يدًا بيد " قد تحقق، وأما إذا كان عن طريق الحوالة الشيكية، فإن استلام الشيك بمثابة القبض، بل هو ائتمان في نظر الاقتصاديين (٣) وتأصليه الفقهي معروف من خلال ما يسمى بالسفتجة التي كانت سائدة في عصر الصحابة والتابعين حتى أن عبد الله بن الزبير في مكة حينما يأتي إليه شخص ويعطيه نقودًا هو يسافر إلى العراق كان يعطيه سفتجه (ورقة بالحوالة) فيأخذ بها الدائن بقدر نقوده من أخي عبد الله: مصعب بالعراق (٤) بالإضافة إلى حديث ابن عمر حيث قال: " كنت أبيع الإبل بالبقيع.. فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله: رويدك أسألك: إني أبيع الإبل بالبقيع – بالباء: المقبرة المعروفة، وبالنون واد جنبها – فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله ﷺ : ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء)) (٥) .
стр. 9782
وكذلك يعتبر أخذ الورق (الفاتورة) – الذي سجل فيه العقد ومقابله من العملة الأخرى، حيث يسجل فيه عادة السعر، ويثبت فيه المقابل – بمثابة القبض.
فهذه التحويلات سواء أكانت عن طريق الخطاب العادي، أو البرق أو التلكس، أو الفاكس تكيف على أساس " السفتجة " التي قال بها جماعة من الفقهاء (١) .
ويمكن تخريجها كذلك على أساس الصرف والوكالة، حيث أن البنك يقوم بعملية صرف العملة إلى العملة التي يريد العميل تحويلها إلى الجهة المطلوبة، ثم يصبح المصرف وكيلًا لتحويلها إليها وإعطاء الأمر بتسليم المبلغ إلى الشخص الآخر، أو الجهة المطلوبة (٢) .
ومن هنا يحق للبنك أن يأخذ أجرة (عمولة) على التحويل، إذ الوكيل له الحق أن يأخذ الأجر – كما هو معروف في الفقه - (٣) .
وأما الشيكات سواء كانت مصرفية، أم سياحية فإنها عند الاقتصاديين نقود كما سبق، أو بمثابة النقود، ومن هنا يتم العقد.
стр. 9783
ثانيًا: سوق الصرف الآجل: تعتمد سوق الصرف الآجل على نوعين هما:
١- تبادل سفاتج الصرف الآجلة، أي الحوالات الآجلة التي تتضمن أمرًا من طرف أول (ساحب) إلى طرف ثان (مسحوب عليه) ليدفع مبلغًا من العملة الأجنبية إلى طرف ثالث في تاريخ معين.
وتستعمل هذه السفاتج كوسيلة لتمويل التجارة الخارجية، إذ يمكن للمصدر أن يسحب سفتجة على المستورد بقيمة البضاعة، وبعملة بلد المستورد قابلة للدفع في تاريخ معين، ويقدمها للمستورد الذي يوقعها بالقبول محددًا المصرف الذي تصرف الحوالة لديه وحينئذ يحتفظ المصدر بالحوالة إلى أن يحين أجلها، أو يودعها لدى مصرفه لتحصيلها في وقتها (١) .
وهذه السفاتج تتميز بأن تظهيرها من جانب الطرف الثالث يجعلها تلقائيًّا قابلة للبيع، وتقبل الدفع بعد مرور ٣٠ يومًا أو ١٢٠ يومًا، ويختلف سعر الصرف عليها بما يساوي معدل الفائدة السائد في بلد الطرف الأول (٢) .
وحكم هذا النوع واضح حيث لا يجوز التعامل فيه لوجود ربا النسيئة وربا الفضل، وهو ما يؤخذ من الفوائد على التأخير، وعدم تحقق القبض الشرعي حيث يشترط بالنصّ والإجماع تحقق المماثلة واليد باليد (أي القبض الشرعي في المحلين) عند اتحاد الجنس، ووجوب القبض يدًا بيد عند اختلافه (٣) .
٢- العقود المؤجلة وهي شراء أو بيع عقد ينص على تسليم كمية محددة من العملة بسعر صرف متفق عليه سلفًا، حيث يتم دفع كل من الثمن وتسليم العملة في تاريخ مؤجل محدد.
وتستخدم سوق العقود كثيرًا من قبل المصارف لإجراء الصفقات الوقائية خوفًا من تقلب الأسعار، ولتغطية أرصدتها المستقبلية من العملات المطلوبة في حينها، حيث تستخدم جزءًا من القروض في شراء تلك العملة التي يجب عليها تسليمها في الوقت اللاحق شراءً منجزًا ثم يقرضونها بالخارج إلى موعد تسليمها بفائدة، أو بالعكس (٤) .
والخلاصة أن النقود لا يجوز بيعها وشراؤها إلَّا يدًا بيد، ومن هنا فهذه العملية غير جائزة شرعًا إطلاقًا لما تشتمل من ربا الفضل والنسيئة.
ثالثاً- سوق النقد الآجل للأجل القصير:
стр. 9784
وهي نوعان:
١- سوق النقد للأجل القصير، حيث يتعامل فيها بالسندات الحكومية قصيرة الأجل، وقروض سماسرة الأوراق، والقبول المصرفي والأوراق التجارية، والأموال فيما بين المصارف وشهادات الوديعة الآجلة القابلة للتداول.
٢- سوق رأس المال، أو سوق الأوراق المالية (١) ، والقاعدة الفقهية في هذه المسألة هي أن التعامل في النقود وما في حكمها بالبيع والشراء (الصرف) لا يجوز إلَّا إذا تم القبض الشرعي (يدًا بيد) والتماثل في النقود المتحدة جنسًا، والقبض الشرعي فقط فيما لو اختلفت، مع مراعاة ما ذكرنا من أحكام الشيكات ونحوها.
(أ) وأما الحوالة في النقود، والقرض فيها فجائزان على ضوء القاعدة العامة للشريعة القاضية بعدم وجود الربا فيها.
(ب) أما الذهب والفضة والطعام فحكم التعامل فيه هو وجوب التماثل والقبض في المجلس (يدًا بيد) في جنس واحد، مثل الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والحنطة بالحنطة (٢) .
(ج) وأما إذا اختلفت الأجناس فيشترط التقابض في المجلس، غير أنه يجوز بيع الطعام بالذهب أو الفضة أو النقود إلى أجل للحديث الصحيح الدال على ((أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل فرهنه درعه)) (٣) .
(د) التعامل في غير الأنواع الثلاثة السابقة من السلع. فهذه يجوز التعامل فيها إذا توفرت الأركان والشروط الشرعية لكل عقد، ومن أهمها كون المعقود عليه حلالًا، وعدم اشتراط عدم تسليم الثمن والمثمن معًا.
وقد توسعت الشريعة فذكرت وأقرَّت أنواعًا كثيرة من العقود والمعاملات منها البيع، والسلم، والبيع بالأجل، والاستصناع ونحوها، كما أن ذكر هذه الأنواع الموجودة في الفقه الإسلامي ليس للحصر، فالأصل في العقود والتصرفات والشروط هو الإباحة (٤) .
(هـ) وأما التعامل بالسلع في الأسواق المالية (البورصة) فيتم التعامل فيها على ضوء ما يأتي:
стр. 9785
أولاً- سوق السلع الحاضرة: حيث يتم التعامل فيها بكميات محددة، وبمواعيد وشروط تسليم معينة، وليس للسوق أنماط معينة لا يجوز تجاوزها، وإنما يعود الأمر في العقود الجارية فيها إلى الشروط المتفق عليها بين المشتري، أو البائع، والسوق وحسبما يحقق مصلحة العاقد (١) .
ومن أساليب التعامل الشائعة: الشراء على العقد، وهو أن يتعاقد المشتري على شراء حاجياته خلال فترة معينة وفقًا لجدول تسليم معين طبقًا للأسعار السائدة في أوقات التسليم.
وقد وضعت السوق بعض الضوابط العرفية وتفصيلات لكل نوع من أنواع التسليم، مثل التسليم بالمخازن، والتسليم مع التأمين والشحن، والتسليم على ظهر السفينة، والتسليم إلى جانب السفينة، فيختار المشتري من هذه الأنواع بشروطها مع ما يتناسب مع إمكانياته ومصلحته في نظره (٢) .
ثانيًا – سوق العقود السلعية: التي يتم فيها تبادل السلع عن طريق عقود نمطية خاصة، تذكر فيها الشروط والمواصفات، ولا يختلف بعضها عن بعض إلَّا من حيث بيان الأسعار ومواعد التسليم المتفق عليهما، لذلك تتصف السلع التي يتم تداولها عن طريق هذه العقود بتجانس وحداتها، وقابليتها للتداول بكميات كبيرة، وللفرز، إضافة إلى عدم قابليتها للتقلبات السريعة، وللتلف نسبياً (٣) .
وهذه العقود قد تكون ناجزة، وقد تكون مؤجلة، وفي حالة التأجيل ينص العقد على المكان والزمان اللذين يحددهما البائع، كما يودع كل من العاقدين نسبة معينة من قيمة المبيع كضمان لتنفيذ العقد، كما تحدد قواعد السوق فروق الجودة المستخدمة عند التسليم من خلال أسلوب الفروق الثابتة المحددة سلفًا من قبل السوق، أو أسلوب الفروق المتغيرة التي تحتسب على أساس الفروق بين متوسط الأسعار اليومية بمختلف درجات الجودة في السوق الحاضرة.
стр. 9786
وإذا حلَّ زمن الاستلام فإن العقد ينتهي من خلال الطرق الثلاث:
١- طريقة التبادل الفعلي بين البائع والمشتري.
٢- المقاصة التي تقوم بها بيوت المقاصة حيث تتداخل عند الحاجة في إنهاء عقود المتعاقدين مقابل عقود أخرى مثل أن يكون أحمد قد باع لمحمد قمحًا يكون تسليمه في شهر كذا، واشترى محمود قمحًا من حمد، فإن قيام حمد بتسليم القمح إلى محمد (بعد قبض الثمن من أحمد) قد أنهى العقدين معًا، وقد تقوم بيوت المقاصة من خلال حلولها محل المشترين والبائعين في التزاماتهم لتصفية العقود بعضها مقابل بعض.
٣- المصالحة عن طريق إدارة السوق في حالات خاصة، فتلجأ فيها إلى التحكيم لتحديد السعر العادل الذي يتصالح عليه (١) .
وحكم هذا النوع إن كان تسليم السلعة والثمن يتمّان دون اشتراط تأجيلهما معًا فإن هذا النوع صحيح إذا خلا من بقية المحرمات الشرعية، أما إذا كان فيه تأخير لأحدهما (السلعة، أو الثمن) فهذا أيضًا جائز بمواصفات وشروط السلم في حالة تأجيل السلعة، وشروط بيع الأجل في حالة تأجيل الثمن.
أما إذا كان فيه اشتراط تأجيل الثمن والمثمن فإن كان ذلك العقد قد صيغ على مواصفات عقد الاستصناع فهذا جائز، وإلاَّ فلا يجوز – كما سبق تفصيل هذه البدائل -.
стр. 9787
سوق الاختيارات أو الخيارات:
الخيارات: جمع خيار، وهو في عرف الفقه الإسلامي عبارة عن حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه لظهور مسوغ شرعي، أو بمقتضى اتفاق عقدي، وهو يصل إلى ثلاثة وثلاثين نوعًا (١) . والاختيارات جمع اختيار، وهو يعني طلب خير الأمرين، والإصفاء والإيثار والانتقاء والتفضل هذا في اللغة، أما معناه في الاصطلاح الشرعي فقد عرفه الحنفية بأنه " القصد إلى أمر متردد بين الوجود والعدم داخل قدرة الفاعل بترجيح أحد الأمرين على الآخر " (٢) ، ولخص هذا التعريف ابن عابدين بقوله: " الاختيار هو: القصد إلى الشيء وإرادته" (٣) ، وعرفه الجمهور بأنه " القصد إلى الفعل وتفضيله على غيره بمحض إرادته " (٤) .
أما الاختيار – أو الخيار – في عرف الاقتصاد المعاصر، وفي الأسواق المالية فيراد به: حق شراء، أو بيع سلعة ما في تاريخ محدد بسعر متفق عليه سلفًا، ولا يترتب على مشتري الخيار التزام بيع، أو شراء وإنما مجرد حق يستطيع أن يمارسه، أو يتركه، ويصبح المضارب (المجازف) مالكًا للخيار بمجرد دفع قيمته، فالاختيار اتفاق بين طرفين يتعهد بموجبه الطرف الأول (البائع) أن يعطي الطرف الثاني (المشتري) الحق – وليس الإجبار – لشراء، أو لبيع أوراق مالية، أو سلع حسب شروط منصوص عليها في العقد (٥) .
وقد تطورت أسواق الاختيارات تطورًا كبيرًا وأصبحت تشمل معظم السلع والأوراق المالية، ولا سيما بعد إنشاء سوق شيكاغو لتداول اختيارات الشراء على الأسهم سنة ١٩٧٣م، كما تمَّ تأسيس أسواق مماثلة في أمريكا منذ سنة ١٩٧٦م غير أنه منذ بداية الثمانينات تمَّ إدراج أنواع جديدة من الاختيارات تشمل الأسهم، وسندات الخزينة الأمريكية والأجنبية والسلع والبضائع، ومؤشرات قياس الأداء في أسواق الأسهم (٦) .
لا تختلف الخيارات في أوروبا عما في أمريكا إلَّا في نقطة واحدة، وهي أن المشتري له الحق في أمريكا أن يمارس حقه خلال مدة الخيار قبل الساعة الثامنة مساء من آخر يوم فيه، بينما لا يجوز له أن يمارس حق خياره في الأسواق المالية الأوروبية إلَّا في آخر المدة المحددَّة أي في الساعات الأخيرة من تلك الفترة (٧) .
стр. 9788
أنواع الاختيارات:
للاختيارات في الأسواق المالية أنواع كثيرة نذكر أهمها:
(أ) أنواع الاختيارات من حيث المصدر هي:
١- الخيار الذي تمنحه الشركات لبعض العاملين لديها من كبار المدراء، حيث تمنحهم حق شراء عدد من أسهمها بسعر محدد سلفًا (أدنى من السعر السائد غالبًا) والهدف هو تشجيعهم على العمل المخلص الجاد لأن الأرباح تعود إليهم.
غير أن الشخص الذي منح له هذا الحق يقوم ببيع الاختيار فقط دون الأسهم (١) .
فحكم هذا النوع هو أن منح الشركات حق شراء ذلك وعد لا حرج فيه شرعًا، لكن المانع الشرعي يكمن في بيع الخيار وحده منفصلًا عن الأسهم، وهذا لا يجوز شرعًا لأن المعقود عليه حق محض دون أن يكون له وجود، إضافةً إلى أن نية المتعاقدين في هذه المسألة هي الاستفادة من فروق الأسعار وليس امتلاك الأسهم، ثم إن هذه الأسهم التي وعدت بها الشركة ستكون أسهمًا جديدة وليست قديمة، ولذلك لا يتوفر في نظر الشرع المعقود عليه، فيصبح بيع الخيار باطلًا لا يجوز.
٢- الاختيار الذي تبيعه الشركة لمستثمرين جدد، حيث يكون لهم حق شراء مجموعة من أسهمها بسعر محدد (أقل من السعر السائد) خلال مدة محددة، ثم يقوم هؤلاء، أو بعضهم ببيع هذا الحق الذي هو قابل للتداول، والشركة تصدر هذا النوع من الاختيارات لأغراض متعددة (٢) .
وحكمه مثل السابق، يضاف إليه حرمة السندات التي غالبًا تصاحب هذه الخيارات (٣) .
стр. 9789
٣- الاختيار الذي تصدره سلطة السوق المالية يعطي حامله الحق في شراء أو بيع عدد من الأسهم خلال فترة محددة، ثم يقوم ببيع هذا الحق، وكذلك الخيارات التي يصدرها السماسرة والمتعاملون في السوق التي تشكل أهم نشاطات أسواق البورصة في البيوع الآجلة في العصر الحاضر، وإذا جرى تداول هذا الخيارات في أسواق البورصة الرئيسية فإن عقودها نمطية متشابهة من جميع النواحي ما عدا السعر، حيث تحدد سلطة السوق مدة العقد ووقت انتهاء صلاحيته، وعدد الأسهم إذا كان الخيار لها.
والسوق تكون ضامنة لوفاء الأطراف بتعهداتهم، أو هي تحدد جهة متخصصة، ولذلك فلا حاجة إلى وجود علاقة مباشرة بين العاقدين، أما إذا جرى تداول هذه الخيارات خارج (البورصات) فإن شروط الخيارات التي تصدرها السوق تكون خاضعة للتفاوض (١) .
٤- الخيار الذي تمنحه الشركة لحاملي أسهمها لمدة شهر أو شهرين، وذلك من خلال إعطائهم حق الحصول على أسهم في إصدار جديد بسعر أقل عن السعر السائد، والهدف منه تشجيعهم على المزيد من التماسك، وخلق صعوبات أمام من يريد شراء حصة من الأسهم المتداولة.
стр. 9790
(ب) أنواع الاختيارات باعتبار محلها:
... أو اختيارات الأسهم، أو اختيارات السندات، أو اختيارات العملة الأجنبية، أو الاختيارات على المؤشر.
هذه الأنواع كلها واضحة ما عدا الأخيرين يحتاجان إلى شرح موجز وهما:
١- الاختيارات على العملة الأجنبية، وهي تعني شهادة تصدرها الشركة تعطي صاحبها الحق في الحصول على مبلغ معين من عملة أجنبية بسعر محدد من العملة المحلية.
وهذه الفكرة بدأت في أوروبا منذ سنة ١٩٨٦م، ثم انتشرت في أسواق المال بسبب تقلبات أسعار العملات الأجنبية، ومحاولة تغطيتها.
وهي نوعان: نوع بفئات كبيرة، ومدتها طويلة (كخمس سنوات وما فوق) ، وهذا النوع تصدره المؤسسات المالية المتخصصة.
والنوع الآخر تصدره الشركات غير المالية التي يؤدِّي تعاملها في الأسواق الأجنبية إلى دخولها في أسواق الصرف الدولية، فتقوم بإصدار هذه الخيارات وبيعها على العملاء، وغالب الذين يشترونها هم صغار العملاء الذين لا يستطيعون شراء النوع الأول (١) . مثل شركة التليفون والتلغراف الأمريكية التي أصدرت خيارات عملة أجنبية بقيمة ثلاثة ملايين دولار تعطي حاملها الحق في الحصول على ٥٠ دولار بسعر
٢٥, ١٥٨ ين ياباني للدولار، فإذا ارتفع سعر الصرف بين الين والدولار فإنه سيحقق أرباحًا بقدره (٢) .
وحكم هذا النوع واضح في عدم جوازه، لأنه إن كان عقدًا فلا يجوز التعامل في النقود إلَّا يدًا بيد، وإن كان وعدًا فهو غير ملزم في نظر الشرع، وإذا ألزم به فلا يجوز في الصرف أبدًا.
стр. 9791
٢- الاختيارات على المؤشر، وهي عبارة عن نوع من الحظ والمجازفة (بل والمغامرة) فإذا كانت الاختيارات السابقة أدَّت إلى أنه لا داعي ابتداءً على امتلاك الأسهم أو السندات بل يكفي شراء وبيع الخيارات، فإن هذا النوع يعني أن المتعاملين في البورصة يعمدون إلى تصفية الخيار نقديًّا، فيدفع مصدر الخيار إلى المشتري الفرق بين السعر الجاري والسعر المتضمن في الخيار بدون الحاجة إلى بيع وشراء الأسهم ذاتها، أو السندات، فهذا النوع لا يتضمن ورقة مالية بعينها (أي سهم، أو سند شركة محددة) ولكنها تتضمن مؤشرًا، فمثلًا يعرف أنَّ مؤشرًا (ضمن المؤشرات الكثيرة المستخدمة في البورصة) يقيس التغير في سعر مائة شركة تتداول أسهمها في بورصة نيويورك (مثلًا) فعندما يصدر الخيار على المؤشر المذكور فإنه يتضمن تلك الأسهم للمائة (بدلًا من أسهم شركة واحدة) فهنا لا حاجة إلى قبض أو تسليم أي شيء، بل يكفي تصفية العقد نقديًّا عند انتهاء مدته معتمدين على اتجاه المؤشر، فإذا ارتفع، ربح من قامر على ارتفاعه، وخسر من قامر على الانخفاض.
يقول الدكتور محمد القري: " هذا العقد صورة من صور القمار الذي ينتشر في أسواق البورصة في زمننا الحاضر حتى صارت بعض الصحف المتخصصة تسمي المجتمع الأمريكي مثلًا " مجتمع صالة القمار " كناية عن هذه الظاهر، إن ما يدفعه المشتري يحصل مقابله على فرصة ربح تعتمد على الحظ والمخاطرة، ثم إن ما يتحصل عليه من عائد ليس له مصدر حقيقي... لكنه شبيه بالميسر يكسب الطرف الأول خسارة الطرف الثاني اعتمادًا على ما قامرا عليه " (١) .
ومن هنا فحكم هذا النوع واضح من حيث الحرمة، فقد حرم الله تعالى بنصوص قطعية الميسر، وأكل أموال الناس بالباطل.
стр. 9792
(ج) أنواع الاختيارات باعتبار طبيعتها حيث هي ما يأتي:
١- اختيارات غير مغطاة وهي عندما نتخذ الأوضاع الآتية، وهي شراء اختيار شراء، أو بيع، وبيع اختيار شراء، أو بيع.
٢- اختيارات مغطاة من خلال:
(أ) تكوين محفظة أوراق مالية متكونة من اختيارات من نفس النوع ولكن ذات تاريخ استحقاق مختلف، أو سعر ممارسة مختلف، ويسمى التغطية المنجزة من اختلاف الأسعار.
(ب) أو من خلال التحوط، وهو: تكوين محفظة أوراق مالية متكونة من اختيارات تخص نوعية معينة من الأسهم، ومن أسهم من نفس النوعية وذلك للتحوط من تذبذب الأسعار.
(ج) أو التغطية المركبة من اختيارات بيع واختيارات شراء تخص نفس الأسهم (١) .
ومن جانب آخر يمكن تقسيمها إلى ما يأتي:
١- عقد اختيار الطلب ويسمى اختيار الاستدعاء، وهو خيار يصدره المتعاملون في السوق يخول مشتريه حق شراء، (وليس الالتزام بالشراء) عدد محدد من أسهم شركة، أو أي أوراق مالية معينة بسعر معين خلال فترة محددة تكون غالبًا ٩٠ يومًا، يلتزم المصدر (أي البائع) بتقديم تلك الأوراق إلى المشتري عند طلبه خلال تلك المدة.
وعادة لا يشتري خيار الطلب إلَّا من يتوقع ارتفاع الأسعار، ولا يمارس حقه إلَّا في هذه الحالة ولا يشترط البائع أن يكون مالكًا – كما سبق – لكنه إذا كان مالكًا يسمى خيارًا مغطى وإلَّا يسمى خيارًا مكشوفًا (٢) .
٢- اختيار الدفع ويسمى اختيار البيع أيضًا، وهو الذي يعطي حامله الحق في بيع (وليس الالتزام ببيع) عدد معين من الأسهم أو الأوراق المالية بسعر محدد خلال فترة محددة، للشخص الآخر الذي يجب عليه قبولها إذا مارس الأول هذا الحق، فمثلًا اشترى أحمد وثيقة خيار دفع يكون من حقه أن يبيع عدد الأسهم المتضمنة فيها عند سعر محدد خلال المدة التي يسري فيها الخيار، وعادة يمارس أحمد حقه هذا عند انخفاض أسعار أسهمه، حيث يريد حماية نفسه من الخسارة المتوقعة (٣) .
٣- الاختيار المركب الذي يتضمن حقًا في الشراء، وحقًا بالبيع في الوقت نفسه، ثم قد يكون ممتدًا إذا كان متضمنًا سعرًا للشراء يزيد على سعر البيع، وحامل هذا الاختيار قد احتاط لنفسه في نظره من الجانبين فإذا وجد الأجدى له البيع مارسه، أو الشراء نفذه، وهكذا (٤) .
стр. 9793
الخُلاَصَة وَالحكم الفِقهي للاختيارات
ما ذكرناه هو ملخص في غاية من الإيجاز عن التعريف بالاختيارات وأنواعها، ولكنه يعطينا صورة واضحة من أن الفكرة الرئيسية التي تدور حولها أسواق المال (البورصة) هي كيفية تحقيق الأرباح سواءً كانت على حساب الغير، أم عن طريق الحظ والمجازفة والمقامرة أم لا.
فلم تنشأ هذه الأسواق نشأة إسلامية ولا أخلاقية، وإنما هي من نتاج الأفكار المالية الحرة التي لا تفكر إلَّا في كيفية تحصيل المال من أي طريق كان، وهذا لا يعني أننا نرفض كل هذه الأفكار، لأن الحكمة النافعة في شتى المجالات الحالية ضالة المؤمن فهو أحق بها أنّى وجدت، ولكن الذي نعنيه هو ضرورة البحث والتنقيب، والفحص الدقيق لهذه الأفكار حتى لا يبهرنا بريقها فننسحب وراءها بحجة (رفع الحرج) أو (الأصل في الأشياء الإباحية) لأن هذه القواعد كلها مقيدة بأن لا تصطدم بنصّ ثابت.
وبناءً على ما سبق فإن الاختيارات بصورتها الحالية لا ينطبق عليها ما هو مطلوب شرعًا من وجود المعقود عليه وجودًا حقيقيًّا أو موصوفًا في الذمة، ثم إن محل العقد في الاختيارات هو حق محض منفصل عن الأسهم أو الأوراق المالية التي يعطى على أساسها حق الاختيار، ولذلك أجازت السوق بيع الخيار وحده، بل هذا التداول هو الأكثر في الاختيارات ومثل هذا لا يجوز أن يكون معقودًا عليه في الفقه الإسلامي، كما أن هذه الاختيارات تقوم من حيث الغالب على المخاطرة والحظ والمقامرة، والربح على حساب الآخر، بحيث يكون ربح أحدهما على حساب خسارة الآخر، فمثل هذا يدخل في الميسر المحرم، وفي أكل أموال الناس بالباطل.
стр. 9794
ونحن هنا نذكر ما يتعلق بهذه المسألة بشيء من التفصيل على ضوء ما يأتي:
أولًا – الفرق بين الخيار الشرعي واختيارات السوق أو خياراتها:
إذا وازنا بين الخيار في الفقه الإسلامي والاختيار في الأسواق المالية نجد أن بينهما فروقًا جوهرية من أهمها:
١- أن الاختيار الذي يتعامل به الناس في أسواق المال هو عقد مستقل عن عقد البيع، حيث تتضمن الصيغة انفصال البيع عن الخيار فيكون للخيار ثمن وللسلعة أو السهم ثمن، فهو عقد منفصل مستقل يشتري فيه المستثمر حقًا يخوله البيع، أو الشراء (١) .
بينما الخيار في الفقه الإسلامي هو مجرد حق الفسخ بسبب مقتضٍ إرادي مشروط، أو بسبب آخر أثبته الشرع، فهو إذن ملحق وتبع للبيع نفسه، وليس حقًا مستقلًّا، كما أنه ليس له ثمن ولا يجوز بيعه إطلاقًا عند الفقهاء (٢) .
٢- أن محل العقد في الخيار الشرعي موجود متحقق بينما المحل في الاختيار السوقي مجرد حق وليس الأسهم، أو السلعة، لأن للأسهم، أو السلعة عقدًا آخر هو عقد بيع وليس حقًّا، إضافةً إلى ما فيه من أمور مستقبلية.
٣- الأغلب أن يبيع الاختيار السوقي من لا يملك السلعة أو الأسهم التي تكون ملكًا لآخر، بينما الخيار الشرعي لا يباع أولًا كما أنه تبع للعقد الذي تم، ومتعلق به.
٤- الاختيارات يمكن أن تصل إلى سنوات بينما في خيار الشرط الشرعي محدد بفترة محددة (٣) .
ولذلك لا ينبغي الخلط بين الخيار الشرعي، والاختيار السوقي فالأمران مختلفان من حيث الشكل والمضمون.
стр. 9795
ثانيًا – ما يمكن أن يكون أصلًا لهذه الاختيارات:
ظهر مما سبق أن عقود الاختيارات تتضمن أمرين:
الأمر الأول: محل هذه الاختبارات، وهو تلك الأسهم، أو الأوراق المالية أو العملة الأجنبية، أو نحو ذلك.
الأمر الثاني: هو حق بيع الاختيار نفسه بثمن محدد في وقت لاحق. أما الأمر الأول فيتم من خلال عقد ببيع،، أو شراء أسهم، أو أوراق مالية، أو نحوها مما سبق في وقت محدد لاحق، وبسعر معين، ولكنه لا يتم فيه دفع الثمن ولا تسليم المثمن، حيث يتم الدفع في الوقت الذي يتفق عليه العاقدان في العقد، ويكون من له الخيار بالخيار.
فهل هذا العقد مثل السلم، أو البيع بأنواعه وبيع العربون، أم هو عقد جديد؟
١- لا شك أن هذا العقد لا تنطبق عليه مواصفات السلم الذي هو بيع شيء موصوف في الذمة، ويشترط فيه تسليم الثمن في المجلس عند الجمهور، وفي حدود ثلاثة أيام عند المالكية – كما سبق – وذلك لأن هذا العقد الذي نتحدث عنه لا يتم فيه الدفع والتسليم إلَّا في مدة لاحقة مشروطة في العقد، كما أن المسلم فيه لا يجوز أن يكون نقودًا، وأثمانًا ومثله السندات.
٢- كذلك لا تنطبق عليه مواصفات البيع – بصورة عامة – وذلك لأنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، قال ابن رشد: " أجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، ومن شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بإثر عقد الصفقة " (١) فلا يجوز في البيع قطعًا اشتراط تأخير الثمن، والمثمن معًا، وإن كان اشتراط تأخير أحدهما جائزًا كما في السلم، حيث يؤخر فيه تسليم المسلم فيه، وكما في بيع الأجل حيث يؤخر فيه تأجيل الثمن (٢) .
стр. 9796
٣- كذلك لا تطبق عليه مواصفات بيع العربون – بفتح العين والراء، أو بضم العين، وسكون الراء، والعُربان بالضم. فهو أن يشتري السلعة فيدفع إلى البائع جزءًا من الثمن على أنه إن أخذ السلعة احتسب به من الثمن، وإن لم يأخذها، فهو البائع (١) .
وقد اختلف الفقهاء في صحة هذا البيع حيث ذهب الجمهور – الحنفية، والمالكية، والشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة – إلى عدم صحته، بينما ذهب أحمد إلى صحته (٢) .
ونحن هنا لسنا بصدد الأدلة والمناقشة والترجيح، وإنما الذي نذكره هنا هو أن الاختيارات لا تنطبق عليها مواصفات بيع العربون المختلف فيه، وذلك لأن العربون في بيع العربون جزء من الثمن، وأما في الخيارات فهو ثمن منفصل عن سعر الأسهم، فهو سعر للخيار نفسه، هذا إذا كان الخيار خيار الطلب حيث يوجد نوع من التشابه من حيث إنه يعطي مشتريه الحق في شراء عدد من الأسهم خلال فترة محددة شبيهة ببيع العربون من هذا الوجه فقط، وأما خيار الدفع الذي يكون لمشتريه حق بيع الأسهم فلا شبه بينه وبين بيع العربون إطلاقًا (٣) إضافة إلى أن المعقود عليه موجود مسلم في العربون على عكس الاختيار.
٤- هل هو عقد جديد؟
نعم إنه نوع جديد لكنه ليس صحيحًا في نظرنا وإن كان الراجح هو أن الأصل في العقود والشروط الإباحة، وذلك لأن هذا العقد واقع على شيء مجرد ليس له حقيقة، لأن المعقود عليه هو حق الشراء، أو حق البيع من طرف والالتزام بالشراء أو البيع من الطرف الآخر، فعلى ضوء هذا فالمعقود عليه معدوم ليس له وجود حسي، فيكون أحد أركان العقد غير موجود فيكون العقد باطلًا، وذلك لأن العقد نفسه وارد في الاختيارات على هذا الحق وحده، وأما ما يتم تبادله فيما بعد من أسهم أو سندات، أو سلع ... فإنه يأتي لاحقًا وليس له علاقة عضوية بعقد الاختيار نفسه، لأن كل واحد منهما مستقل بذاته، وله ثمنه الخاص (٤) ومن جانب آخر أن هذا العقد مركب من صفقتين هما: حق البيع والشراء (أي الاختيار) ، والأسهم ونحوها، يمكن اعتباره واردًا على مال وعلى حق محض لا يمكن اعتباره مالًا في نظر الفقهاء (٥) .
стр. 9797
الأمر الثاني: حق بيع الاختيار أو شراؤه، فكما رأينا أن هذا الحق يباع ويشتري في البورصة مستقلًّا عن الأسهم والسندات ونحوها، فهل ذلك جائز شرعًا؟
إن مسألة التصرف في الحقوق تحتاج إلى تفصيل، يمكن تلخيصه في أن الحقوق المحضة التي لا يمكن الانتفاع بها وحدها لا يجوز بيعها (١) فلا يجوز بيع مثلًا بالاتفاق، وحتى في باب الإرث، يقول الزركشي: " اعلم أن الحقوق لا تورث مجرد ابتداء، وإنما تورث تبعًا للأموال كما في الخيار ونحوه " (٢) .
فالاختيارات هي حقوق محضة لا يمكن الانتفاع بها وحدها، ومحلها – أي الأسهم ونحوها – منفصل عنها حيث لكل واحد منهما سعره وثمنه، فلا يجوز إجراء العقد على هذا الحق المحض، ثم إن ما يدفع فيه باعتبار ما يتحقق من الأرباح المستقبلية لمحلها من الأسهم ونحوها، وهو أشبه ما يكون بالاعتماد على الحظوظ، والميسر، ولولا طبيعة البورصة القائمة على بعض المعاملات القريبة من المقامرة لما كان لحق اختيار الأسهم أو نحوه أي قيمة تذكر.
وقد دلت نصوص الفقهاء على أن الحقوق المجردة لا يجوز الاعتياض عنها يقول الحصكفى: " لا يجوز الاعتياض عن الحقوق المجردة كحق الشفعة ... ، ولا الصلح بمال مع المخيرة لتختاره، وكذا لو صالح أحد زوجته لتترك لم يلزم ولا شيء لها (٣) .
стр. 9798
والملاحظ أن الحقوق التي يجوز الاعتياض عنها هي الحقوق التي نتجت عن فعل سابق مثل حق القصاص الذي يجوز الاعتياض عنه بالدية، أو التي نتجت عن عقد سابق كعقد النكاح الذي يستمر، فيجوز أخذ العوض عنه عن طريق الخلع، أما الحقوق المجردة كحق الشفعة، وحق الحضانة، والولاية، والوكالة وحق المدعي في تحليف خصمه اليمين، وحق المرأة في قسم زوجها لها كما يقسم لضرتها فلا يجوز الاعتياض عنها، لأنها حقوق أثبتها الشرع لأصحابها لدفع الضرر عنهم ... " وفي بعض تفصيل وخلاف (١) ومن هنا فحق الاختيار لا يدخل في هذا النوع الذي يجوز التعويض عنه، لأنه مختلف عنه تمام الاختلاف (٢) ، هل هو مثل بدل الخلو؟
قد يتبادر إلى الذهن أن حق الاختيار وبيعه له شبه بما يؤخذ في بدل الخلو في الإيجارات، حيث أجاز بعض الفقهاء ذلك بضوابط شرعية (٣) ووافق مجمع الفقه الإسلامي الموقر التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الرابعة بعض صوره، منها: " إذا تم الاتفاق بين المستأجر وبين المستأجر الجديد أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية فإن بدل الخلو هذا جائز شرعا ... ".
стр. 9799
وجه التشابه بينهما هو أن الاختيارات بمثابة نوع من الامتياز لهذه الأسهم التي يكون لصاحب الخيار بيعها، أو شراؤها بأقل من سعر السوق، فكأنه حق ثابت لصاحب الاختيار مثل حق الإجارة للمؤجر مع أن العين المستأجر شيء آخر كما أن الأسهم ونحوها شيء آخر مستقل.
غير أن التشابه لا يؤثر لوجود خلل في أصل العقد على عكس عقد الإجارة فهو صحيح، أما عقد المحل للاختيار نفسه فغير صحيح، - لما ذكرنا – إضافة إلى أن المستأجر إنما يتحقق له هذا الحق مقابل جهده الذي بذله في المحل التجاري أو نحوه، حتى صار محله معروفًا يرتاده الناس، وتحمل في سبيل ذلك زمنًا حيث كان المحل في بدايته مجهولًا يحتمل الخسارة، أما الآن وبعد زمن فأصبح معروفًا، أو أن المستأجر أساسًا دفع الخلو للمالك أو المستأجر سابق بينما حق الاختيار حق محض لا يعدو كونه حق الشراء – كما سبق – فلا يمكن قياسه على حق بدل الخلو. والله أعلم.
حكم اختيار العملة الأجنبية، والسندات:
سبق أن ذكرنا أن الاختيارات قد تكون للعملة الأجنبية، أو السندات.
فإذا كانت للعملة الأجنبية فإن من المتفق عليه أنه لا يجوز بيع العملات إلَّا مع تحقق شرطين عند اتحاد الجنس هما: التماثل، والقبض في المجلس، وتحقق شرط واحد عند اختلاف الجنس، وهو القبض في المجلس (١) .
وأما السندات التي تباع في البوصة (أو البنوك الربوية) فهي قروض بفوائد فلا يجوز التعامل بها وتداولها بأي تصرف أصلًا.
ومن جانب آخر قد تكون الأسهم لبنوك ربوية، أو لشركات تتعامل في المحرمات كالخمر والخنزير وحينئذٍ فلا يجوز تداولها لا بأصلها، ولا باختيارها.
وإذا سلمت الأسهم والسلع عن المحرمات فسيرد على اختياراتهما ما ذكرناه سابقًا.
стр. 9800
والخلاصة: أن الاختيارات بصورها الحالية في البورصات لا نجد لها مبررًا شرعيًّا، ولا تأصيلًا فقهيًّا، بل تصطدم بكثير من قواعد الشرع من حيث وجود المعقود عليه وجودًا حقيقيًّا، أو في الذمة ومن حيث تسليم واحد من الثمن أو المثمن – كما سبق – فهي في الحقيقة وسيلة من الوسائل التي تجذب بها السوق عملاءها من خلال الاعتماد على الحظ والمخاطرة والقمار، وذلك لأن المستثمر قد تكون نيته انتهاز فرصة سانحة له في نظره وتوقعه لحال السوق في المستقبل فيشتري حق الحصول على الأسهم، أو العملة، أو نحوهما، فقد يتحقق ما كان يصبو إليه فيربح ربحًا كثيرًا، وقد لا يتحقق فيخسر خسارة كبيرة، وقد تكون نية المستثمر حماية نفسه من خسارة متوقعة عن طريق إلقاء المخاطرة على طرف آخر وإلزامه بالشراء عند حصول الضرر بثمن يحميه من الخسارة التي نتجت عن انخفاض الأسعار، لذلك فالاختيارات لا تعتبر من العقود الصحيحة، بل هي باطلة في نظرنا لعدم وجود مال مخصوص يكون معقودًا عليه، جاء في البيان الختامي لندوة الأسواق المالية: " وواضح أن محل العقد هو التزام، أو تعهد مجرد ... وسواء سمى التزامًا شخصيًّا يترتب عليه حق شخصي، أو قلنا: إنه حق مال كالدين فإنه لا يجوز العوض عنه، فمحل العقد أو الالتزام تعهد أو التزام من طرف يبيع، أو يشتري، وثمن من الطرف الآخر ... وليس محل العقد (الشيء المبيع) هو الأوراق المالية التي تعهد أحد العاقدين بشرائها، أو بيعها وليس هناك عقد (إيجاب أو قبول) في وقت العقد على البيع أو الشراء وعلى فرض أن هناك عقدًا على هذا المحل فهو بيع (عقد تمليك) معلق على شرط ... مضاف إلى زمن مستقبل " (١) .
стр. 9801
البدائل عن الاختيارات:
لا نجد بديلًا مطابقًا لصورها التي تتعامل بها (البورصة) ولكن يمكن الوصول إلى الأهداف والنتائج المشروعة للاختيارات من خلال ما يأتي:
١- إجراء العقود بخيار الشرط (مع تحقق الشروط المطلوبة من وجود المعقود عليه ونحوه) ولا مانع من تمديد مدة خيارالشرط حسب العرف.
٢- عقد الاستصناع حيث يحل لنا مشكلة وجود المعقود عليه، وجهالة العمل، فيمكن أن ترتب عقود، وصكوك وشهادات خاصة بالاستصناع في المستقبل.
٣- عقد الجعالة أيضًا يمكن أن يعالج لنا كثيرًا من القضايا المستقبلية.
٤- عقد السلم، وبيع الأجل (بالتقسيط أو بدونه) يحلان مشكلة عدم وجود المسلم فيه في الأول، وتأجيله المشروط وعدم وجود (الثمن) وتأجيله في الثاني.
المستقبليات:
يراد بها عقود آجلة يؤجل فيها قبض المحل (سلع، أو أسهم أو سندات أو مؤشر) ويؤجل فيه أيضًا دفع الثمن ما عدا نسبة مئوية صغيرة (مثل١٠ %) لا تسلم إلى البائع، وإنما تحتفظ بها غرفة المقاصة في السوق ضمانًا للوفاء بالعقد.
وهذه العقود المستقبلية نمطية تصدر كأداة تتضمن كمية معينة من القمح.
مثلًا ذا صفة محددة تقبض في تاريخ محدد، أو عددًا من أسهم شركة بعينها، أو سندات محددة تسلم في تاريخ محدد، وتتم هذه العقود عن طريق وسيط، والتسليم قد يقع على السلعة المشتراة أولًا وقد يقع على غيرها مما هي من جنسها وأوصافها مما تجتمع لدى مركز الوساطة (غرفة المقاصة) أو السمسار، ويكون التفاوض بين العاقدين على سعرها، وتتغير النسبة التي تم قبضها من قبل الغرفة اعتمادًا على السعر، لأنه روى في تحديده أنه ضمان للوفاء بذلك السعر، ويتم تصفية جميع العمليات يوميًّا فيتضح الرابح والخاسر، وإذا سلم العاقد المعقود عليه في نفس التاريخ ينقضي التزامه (١) .
стр. 9802
فهذه العقود المستقبلية نمطية وقابلة للتداول، فلا يحتاج العاقدان أن يتصل أحدهما بالآخر، وإنما يشتري كل منهما عقدًا نمطيًّا من سلطة السوق يتضمن تسليم كمية من السلعة في موعد لاحق محدد.
والباعث وراء هذه العقود هو الخوف من تذبذب الأسعار، وعدم القدرة على توقع أسعار المستقبل بشكل دقيق، إضافة إلى البحث عن إيجاد عملاء لصاحب السلعة، وضمان تصريف الكمية التي ينتجها، ولذلك فأكثر هذه العقود في السلع الزراعية.
الفرق بين المستقبليات والاختيارات:
تختلف المستقبليات عن الاختيارات في أن الثاني يدفع فيه المشتري سعرًا يعطيه الحق في شراء السلعة، أو الورقة المالية آجلًا، ثم يشتري الأسهم بالثمن الذي حدد سابقًا، وسعر الخيار هو الذي يتحدد في العرض والطلب وليس سعر السلعة ذاتها، بينما المستقبليات تتضمن بيعًا آجلًا، والسعر الذي يجري التفاوض عليه هو سعر السلعة ذاتها (١) .
أنواع المستقبليات:
هناك أنواع كثيرة من عقود المستقبليات وهي:
النوع الأول: عقود على السلع والأوراق المالية المختلفة، حيث لا يتطلب الأمر أكثر من أن يكون البائع قادرًا على الوفاء بالتزاماته، ولا يحتاج إلى إثبات ملكية الأصل، إذ المطلوب منه بموجب العقد أن يسلم المعقود عليه في التاريخ المحدد دون الحاجة إلى إثبات ملكيته للأصل، حيث لا يشترط أن يكون مالكًا له عند العقد (٢) .
стр. 9803
حكم هذا النوع: تبين لنا من خلال العرض السابق أن هذا العقد يشترط فيه تأجيل الثمن والمثمن، وحتى النسبة ١٠ % التي تسلم هي في الواقع ضمان لتغطية الخسارة المحتملة في حال تخلف أي منهما عن الوفاء.
ولذلك فإن هذه العقود وإن كان لها شبه بالسلم من حيث إنها تصف محل البيع وصفًا دقيقًا، وتحدد لتسليمه موعدًا محددًا لاحقًا، لكن السلم بإجماع الفقهاء لا يجوز تأخير ثمنه عن ثلاثة أيام، بل الجمهور اشترطوا تسليمه في المجلس، والمالكية وحدهم أجازوا تأخيره إلى ثلاثة أيام – كما سبق – فالشريعة الإسلامية لا تجيز التبادل إلَّا إذا تضمنت الصفقة قبض أحد العوضين على الأقل، ولذلك حكم البيان الختامي لندوة الأسواق المالية (بالمغرب) بأن هذه العقود باطلة، كما أنه لا يجوز إجراء أي تصرف آخر عليها.
البدائل:
أعتقد أن البديل عن هذه المعاملة هو السلم بشروطه الشرعية وكذلك الاستصناع في السلع المصنعة، بل إن الأخير فيه مرونة أكثر من حيث تسليم العوضين، وذلك بأن توضع عقود نمطية خاصة بالسلع المصنعة، فيتفق التاجر مع المصنع عن طريق الوسيط لصنع الكمية المطلوبة، ويذكر في العقد المواصفات المطلوبة، والزمن والثمن، وحينئذٍ لا تحتاج إلى تسليم الثمن والمثمن عند العقد.
وكذلك يمكن أن نستفيد من عقد الجعالة، بأن يجعل فيه الشروط والمواصفات، ويصاغ العقد على شكل " الجعالة " بأن ينص فيه: " من أتى بكمية كذا من السلع الصناعية (كذا) في زمن (كذا) فإنه يعطى له مقابل كل طن (مثلًا) مبلغ كذا ".
стр. 9804
النوع الثاني – مستقبليات المؤشر:
وهذا النوع بدأ التعامل به منذ فبراير ١٩٨٢ في بورصة مدينة كنساس سيتي الأميريكية، حيث بدأت بإبرام عقود البيع الآجل على الأسهم المتضمنة في مؤشر (Value line) والذي يتضمن أسهم ١٧٠٠ شركة.
فهذه العقود لا تتضمن القبض والتسليم لأي شيء سوى دفع المؤشر إلى الآخر، وذلك لأن المؤشر أمر مجرد مثل درجة الحرارة، وإنما المقصود به هو التسوية النقدية بين الحالين عند أول العقد، وعند نهايته (١) .
وحكم هذا النوع واضح، وهو عدم الصحة والجواز، إذ لا يوجد المال المعقود عليه، وإنما كما يقول الدكتور محمد القري: " إن هدف المقامرة هو المحرك الأساسي لمثل هذه المعاملات، لذلك نجد أن توسعًا كبيرًا قد حصل في مستقبليات المؤشر حتى أنها أصبحت تشمل المتاجرة على مؤشر تكاليف المعيشة ... " (٢) .
النوع الثالث – مستقبليات العملات الأجنبية: حيث يتم من خلال التعاقد على تسليم قدر معين من عملة أجنبية ما في تاريخ لاحق محدد ثم يصبح بعد ذلك قابلًا للتداول، ومحققًا لعائد أو خسارة على حامله، وحكم هذا النوع أيضًا عدم الجواز، وذلك لأن التعامل في النقود (الصرف) يشترط فيه التماثل والتقابض في المجلس عند اتحاد الجنس، والتقابض في المجلس عند اختلافه، وفي هذا النوع اشترط فيه التأخير فلا يجوز – كما سبق -.
النوع الرابع – الخيارات على المستقبليات (٣) .: حيث يجمع فيها الأمران، فيكون الحكم بعدم الصحة والجواز أوضح، وذلك أن هذه الاختيارات تتجه نحو الخيار على عقد البيع الآجل، وليس على السلعة، فهذا النوع يجري فيه تركيب العقود على العقود، حتى لا يظهر منه إلَّا جانب القمار، ولذلك فالحكم بعدم جوازه واضح. والله أعلم.
стр. 9805
بيع الديون وتداولها في أسواق المال:
انتشرت في أسواق المال ١٩٦٨ فكرة تداول الديون، ولا سيما الديون الطويلة الأجل وقليلة السيولة، وذلك من خلال بيعها إلى مالك جديد يقوم بعد شرائها بقبض أقساط التسديد والفوائد المترتبة عليها، وقد أمكن عن طريق تداولها تحويل هذه الديون إلى أصول سائلة.
وفي جميع الحالات تجعل هذه الديون على شكل عقود نمطية حيث يصدرها الدائن مع فوائدها على شكل أدوات قابلة للتداول، وموزعة على مجموعات متشابهة في مقدار المخاطرة، وتواريخ استحقاقها، ومعدلات الفوائد (١) .
الحكم الشرعي لهذا النوع والبديل:
إن الحكم الشرعي لهذا النوع بصورته المالية المتضمنة للفوائد هو الحرمة، لوجود الربا فيه، وليس لأنه من باب بيع الدين بالدين، لأن هذا العقد يتضمن بيع الدين بالنقد وليس بالدين – كما سبق -.
البديل عنه:
إذا جردنا هذا النوع من الفوائد والمحظورات الشرعية، فيمكن أن يحل بعض صيغة الحوالة التي تعني نقل الدين من مدين إلى مدين آخر، وقد قال رسول الله ﷺ : ((إذا أحيل أحدكم على مليئ فليحتل)) (٢) . ولكن الحوالة – كما لا يخفى – تقتضي نقل الدين من مدين إلى آخر (٣) . وهذا العقد عبارة عن بيع من الدائن لآخر غير مدين، كما أنه يعاد بيعه في أكثر الأحوال ويتعامل معه كسلعة في السوق، ولذلك لا يمكن قياسه على الحوالة، وهل هو عقد جديد؟