بِطاقَة الائتِمان
درَاسة شرعِيَّة عَمليَّة مُوجَزة
إعدَاد
الدكتور رفيق يونس المصري
مَركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي
جامعة الملك عبد العزيز – جدّة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.
فهذه دراسة شرعية عملية موجزة لبطاقة الائتمان، أعددتها منذ أكثر من سنة، جزءًا من بحث لا يقتصر عليها. ولم تكن وقتئذٍ تحت أيدي أي دراسة شرعية أخرى لهذا الموضوع، ولا أي ورقة لمؤتمر، أو فتوى لمستفتٍ.
ولذلك لا يرى القارئ ذكرًا، في هذه الدراسة، لأي مصدر أو مرجع علمي، فأما من الناحية الشرعية فظاهر لما تقدم، وأما من الناحية الفنية فلاعتمادنا على المعرفة العملية بالبطاقة، بما يتناسب مع الإيجاز المقصود في هذه الدراسة.
استفدت قبل إعدادها من مناقشات علمية شفهية بين الباحثين في مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي، على عدد من الجلسات العلمية، واستفدت أيضًا من مشاورات مع الأخ الدكتور عبد الرحيم الساعاتي، نائب مدير المركز.
أرجو أن يكون في هذه الورقة المتواضعة ما يوطئ لاتخاذ قرار شرعي سليم في شأن هذه " المنظومة " المستحدثة، والله المستعان.
стр. 9979
تعريف:
المسافرون من رجال أعمال وغيرهم، إما أن يحملوا نقودًا أو شيكات أو شيكات سياحية أو بطاقات ائتمان، إذ يستطيع المسافر، بموجب بطاقة الائتمان، أن يشتري بعض السلع والخدمات (في محطات البنزين، والمطاعم، والفنادق، وشركات تأجير السيارات ... إلخ) ، وما عليه إلَّا أن يبرز بطاقته لدى المنشأة القابلة لها (١) ، ويوقع على بعض الفواتير التي تحصلها المنشأة من المصرف أو الشركة مُصْدرة البطاقة.
الأطراف:
ففي بطاقة الائتمان إذن ثلاثة أطراف:
١- الجهة المصدرة للبطاقة، أو وكيلها المحلي (مصرف مثلًا) .
٢- المنشأة التجارية.
٣-المستهلك حامل البطاقة.
المنافع:
ولهذه البطاقة منافع لكل من أطرافها الثلاثة:
١- للجهة المصدرة توفر بعض الإيرادات، مثل رسوم الاشتراك السنوي (١٢٠ دولارًا في السنة مثلًا لكل بطاقة) التي تتقاضاها الجهة المصدرة (أو وكيلها) من العميل. كما تتقاضى هذه الجهة أيضًا نسبة مئوية من قيمة الفواتير ٤-٦ %، تحصلها من المنشأة.
٢- للمنشأة التجارية تروج مبيعاتها، مع شعورها بالاطمئنان إلى أنها ستحصل قيمة الفواتير من الجهة المصدرة أو وكيلها، وهي جهة مليئة: مصرف.
٣- للمستهلك حامل البطاقة، توفر عليه حمل النقود ومخاطر ضياعها أو سرقتها. وربما توفر له الائتمان أي القرض، كما توفر له إمكان الحصول على حطيطة (=خصم) من المنشآت التجارية، بنسبة ٥-٣٠ %، حسب السلعة والمنشأة.
стр. 9980
التكاليف:
ولهذه البطاقة تكاليف:
١- فالمنشأة التجارية تدفع إلى الجهة المصدرة نسبة مئوية من قيمة الفواتير ٤-٦ %.
٢- والعميل يدفع رسم الاشتراك السنوي.
تأمين على الحياة:
والبطاقة، إذا اشتُريت بها تذكرة سفر، تضمنت تأمينًا حُكْميًّا لصالح العميل، حال سفره (تأمين على حياته) .
الأنواع:
والبطاقة نوعان:
١- نوع قد ينطوي على قرض ربوي، بحيث إن العميل إما أن يسدد قيمة الفواتير بالكامل نقدًا، أو يمنح بقيمتها قرضًا يسدد على نجوم (= أقساط) ، تتضمن فوائد تعويضية لقاء الأجل الأول، وفوائد تأخيرية، إذا ما تأخر عن الدفع في الأجل الأول. ومن الواضح أن هذا النوع ربوي غير جائز في الإسلام.
٢- نوع لا ينطوي على قرض، بحيث إن المصرف يسدد للمنشأة قيمة الفواتير من حساب العميل المفتوح لديه، فور تسلمها من المنشأة، ويمكن أن يتم ذلك كل يوم مرة أو أكثر.
الجوانب المالية:
وبناء على ما تقدم، يجب النظر في المعاوضات (التكاليف والإيرادات) التالية:
١- رسم الاشتراك الذي يدفعه العميل، سواء استفاد من البطاقة أو لا.
٢- الحطيطة (=الخصم) التي يحصل عليها حامل البطاقة من المنشأة.
٣- النسبة المئوية التي تسددها المنشأة، أو تتنازل عنها، للجهة المصدرة، من قيمة الفواتير.
٤- التأمين الذي يحصل عليه حامل البطاقة عند سفره.
٥- الكفالة التي تقدمها الجهة المصدرة للمنشأة لصالح العميل (الاستعداد للدفع) .
стр. 9981
المشروعية:
هل في هذه الأمور: غَرَر أو ربا أو حرام آخر؟ هل التأمين تأمين تجاري أم تعاوني أم تبرعي؟ للإجابة عن هذا نقول:
١- رسم الاشتراك ليمكن اعتباره ثمنًا للبطاقة وخدمتها، فهو بذلك جائز شرعًا.
٢- الحطيطة يمكن اعتبارها تخفيضًا للثمن، فالثمن هو الصافي بعد الخصم، وهذا جائز، لأن البائع يمكنه البيع بالثمن الذي يتفق عليه مع المشتري ويتراضيان به، ولا فرق بين أن يعقد البيع بمائة، أو بمائة وعشرين مع حطيطة عشرين.
٢- النسبة المئوية التي تسددها المنشأة للجهة المصدرة، من قيمة الفواتير، يمكن اعتبارها أجور سمسرة. فمن الجائز أن أرسل إليك زبائن، على أن أتقاضى منك أجرًا مقطوعًا عن كل زبون يصل إليك، أو عن كل زبون يشتري منك، حسب الشرط، ومن الجائز أيضًا أن يكون هذه الأجر في صورة جعالة، أي نسبة مئوية من قيمة مشتريات الزبون.
٤- التأمين الذي يستفيد منه العميل حامل البطاقة، حال سفره، يعد تأمينًا تجاريًّا، لأنه مُقابَل بجزء من الاشتراك (= القسط) السنوي، وهذا جائز عند بعض الفقهاء المعاصرين الذين أجازوا التأمين التجاري، وإذا أمكن تعديله بحيث يصبح تأمينًا تعاونيًّا، بلا أرباح، جاز عند عدد أكبر من الفقهاء المعاصرين، يضم الفقهاء الذين أجازوا التأمين التعاوني بالإضافة إلى الذين أجازوا التأمين التجاري، وإذا لم يمكن تعديله، أمكن إلغاؤه في مقابِل تخفيف مبلغ الاشتراك السنوي في البطاقة، بمقدار الجزء المقابل للتأمين.
стр. 9982
٥- الجهة المصدرة لا تعتبر كفيلًا للعميل حامل البطاقة حيال المنشأة التجارية، فلو اعتبرت كذلك لكانت كفالة بأجر، لأنها مُقابلة بالاشتراك السنوي، فهي إذن غير جائزة، لأن الكفالة في الإسلام هي كالقرض من أعمال الإرفاق (= الإحسان) .
إنما تعتبر هذه العملية حوالة، والحوالة في الإسلام جائزة، لا سيما إذا كانت على مليء. قال رسول الله ﷺ : ((إذا أُتبع أحدكم على مليء فَلْيَحْتَلْ)) [رواه الجماعة، نيل الأوطار ٥/٢٦٦] .
وهذه الحوالة هي من نوع الحوالة على مدين، وهي جائزة، ولو كانت حوالة على شخص ليس مدينًا ولا وديعًا، لصارت حوالة على مقرض، وإذن لأصبحت غير جائزة، لأنه قرض مُقابَل باشتراك، تصير فيه شبهة الربا.
الخلاصة:
والخلاصة فإن بطاقة الائتمان التي لا تتضمن قرضًا ربويًّا للعميل من الجهة المصدرة، تعتبر جائزة، إذ أن قيمة الفواتير، فور تسلمها من المصرف، تسجل في الجانب المدين من حساب العميل لدى المصرف، فهي بطاقة ائتمان مدينة، أي تنتهي إلى الطرف المدين من حساب العميل.
ويبدو أن بيت التمويل الكويتي يقدم خدمة بطاقات الائتمان، لكنه لم ينشر حولها أي فتوى. وكذلك لا نعلم حتى الآن أي دراسة شرعية أو فتوى منشورة حولها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدكتور رفيق يونس المصري
стр. 9983
المشاركة في شركات أصل نشَاطها حَلَال
إلاّ أنّهَا تتعَامل بالحَرام
إعدَاد
الشيخ عبد الله الشيخ محفوظ بن بية
أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الكريم الوهاب والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأواب وعلى آله وأزواجه والأصحاب. أسأله تعالى التوفيق وأستلهمه الصواب.
أما بعد: فإن من القضايا المعروضة على أنظار المجامع الفقهية في هذه الأيام مسألة مشاركة في شركات أصل نشاطها حلال إلَّا أنها تتعامل بالحرام فأجبت وبالله استعنت.
إن هذه الشركات لا تخلو من أن يكون نظامها ينص على تعاملها بالحرام صراحة، كأن ينص مثلًا على استثمار بعض عائداتها في البنوك الربوية للحصول على زيادة ناشئة عن القروض، أو في مصانع الخمور أو أنشطة القمار، أو أن لا ينص على ذلك صراحة، بل إنه معروف عرفًا، أو أن تكون مشغولة الحال مع أن أصل نشاطها حلال، إلَّا أنها يشرف عليها كفار أو فسقة لا يبالون بطيب الكسب.
قبل أن نرتب على هذه الفروض حكمًا ينبغي أولًا أن نوضح مفهوم الشركة دون النزول إلى تفاصيل أنواعها التي يختلف العلماء فيها حيث قسمها البعض من حيث الموضوع العام إلى ستة أقسام ... شركة في الأعيان والمنافع، وشركة في الأعيان دون المنافع، وشركة في المنافع دون الأعيان، وشركة في المباح بمنافع المباح، وشركة في حق الأبدان، وشركة في حقوق الأموال.
стр. 9984
وأما من حيث الصيغة الناشئة عن العقد في شركة خاصة فقد قسمها البعض إلى خمسة أقسام.
- شركة عنان.
- شركة مفاوضة.
- شركة أبدان.
- شركة وجوه.
- شركة مضاربة.
الذي يعنينا هنا هو تعريف الشركة بقدر ما يخدم الموضوع الذي نبحث فيه، فقد عرفها في التكملة الثانية للمجموع (بأنها ثبوت الحق لاثنين فأكثر على جهة الشيوع) (١) ، وعرفها المغني (بأنها الاجتماع في استحقاق أو تصرف) (٢) .
وعرفها خليل المالكي بقوله: (الشركة إذْنٌ في التصرف لهما مع أنفسهما) ، قال شارحه: (إنه إذْنٌ من كلٍّ منهما في التصرف في ماله لهما مع بقاء تصرف أنفسهما) ، وعرفها ابن عرفة بتعريفين: (أحدهما عام والآخر خاص، قال: الأعمية تقرير متمول بين مالكين فأكثر ملكًا فقط، والأخصية ببلا مالك كل بعضه ببعض كل الآخر موجبًا صحة تصرفهما في الجميع) (٣) .
وبعد: فإنه بدون أن ندخل في مناقشة التعريفات، جنسًا وفصلًا، والاختلاف الذي يمكن ملاحظته بينها، والناشئ عن اختلاف المذاهب في الشركة الصحيحة بين موسعٍ كالحنابلة، ومضيقٍ، كالشافعية، ومتوسط كالمالكية يمكن أن نقرر:
أن العنصر المشترك هو استواء شركاء في المسؤولية سواء عبرنا بثبوت الحق المشاع، أو الاجتماع في الاستحقاق، أو الإذن في التصرف لهما مع أنفسهما.
стр. 9985
وانطلاقًا من الملاحظة الأولى يمكن القول: إن الاشتراك في شركة تنص قوانينها على أنها تتعامل بالربا لا يجوز، وكذلك تلك التي يعرف منها ذلك ولو كان أصل مال الشريكين حلالًا والدخول في هذا النوع من الشركات حرام وباطل.
وأما تلك التي أصل مالها حلال ولا يوجد شرط ولا عرف بالتعامل بالربا، إلَّا أنها يديرها من لا يتحرج من تعاطي الربا، فهذه يُفَصَّلُ فيها: فإن كان الشريك الذي يتحرج من الربا يشارك في ناشطها ويطلع عليه بحيث يمنع من تسرب الربا إليها فهذا جائز، وإن لم يكن كذلك بل تجري معاملاته في غيبته، فإن ذلك لا يجوز بداية، ويصح عقد الشركة في النهاية. فإذا تحقق وقوع بعض المعاملات الربوية فإنه يتصدق بالربح المتعلق بتلك المعاملة وجوبًا لتطهير ماله، وإذا لم يتحقق بل شك في ذلك فإنه يندب له التصدق.
هذا حصيلة ما يفهم من كلام العلماء في مختلف المذاهب وما تدل عليه الأصول العامة للشريعة، وإليك بعض نصوص العلماء المتعلقة بالموضوع تصريحًا أو تلويحا: قال ابن قدامة: " قال أحمد يشارك اليهودي والنصراني ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه ويكون هو الذي يليه لأنه يعمل بالربا "، وبهذا قال الحسن والثوري، وكره الشافعي مشاركتهم مطلقًا لأنه روي عن عبد الله بن عباس أنه قال: " أكره أن يشارك المسلم اليهوديّ، ولا يعرف له مخالف في الصحابة، ولأن مال اليهودي والنصراني ليس بطيب فإنهم يبيعون الخمر ويتعاملون بالربا فكرهت معاملتهم "، ولنا ما روى الخلال بإسناده عن عطاء، قال: ((نهى رسول الله ﷺ مشاركة اليهودي والنصراني إلَّا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم)) ، ولأن العلة في كراهة ما خَلَوْا به، معاملتهم بالربا وبيع الخمر والخنزير وهذا منتف فيما حضره المسلم أو وليه، وقول ابن عباس محمول على هذا فإنه علل بكونهم يربون، كذلك رواه الأثرم عن أبي حمزة عن ابن عباس أنه قال: لا تشاركن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا مجوسيًّا لأنهم يربون، وأن الربا لا يحل، وهو قول واحد من الصحابة لم يثبت انتشاره بينهم وهم " الشافعية " لا يحتجون به، وقولهم: إن أموالهم غير طيبة لا يصح، فإن النبي ﷺ قد عاملهم ورهن درعه عند يهودي على شعير أخذه لأهله وأرسل إلى آخر يطلب مه ثوبين إلى الميسرة، وأضافَةُ يهوديٌ بخبز وإهالة سنخة، ولا يأكل النبي ﷺ ما ليس بطيب، وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال لاعتقادهم حلَّه، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: وَلُّوهم بيعها وخذوا أثمانها، فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة فإنه يقع فاسدًا وعليه الضمان لأن عقد الوكيل يقع للموكل والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا، وما خفي أمره فلم يعلم فالأصل إباحته وحِلَّه" (١) .
стр. 9986
هذا نص المغني بكامله واضح منه أن معاملة المرابي منهم الذي يخلو بتصرفه لا تجوز، وأن العلة هي الربا، وأن تعامل اليهودي والنصراني بما لا يجوز بعد الدخول في الشركة مع المسلم يكون فاسدًا، لأن المسلم لا يثبت ملكه على المحرمات، ولا يصح تعامله بالربا، وعقد الوكيل كعقد الموكل، هذا معنى كلامه الذي يدل بنصه وبمفهومه على أن الدخول في شركة تتعامل بالربا لا يجوز ولا يصح.
أما الشافعية فقد قال صاحب المهذب: " ويكره أن يشارك المسلم الكافر لما روى أبو حمزة عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لا تشاركن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا مجوسيًّا قلت: لم؟ قال: لأنهم يربون والربا لا يحل" (١) .
فأنت ترى الشافعية كرهوا ذلك لمجرد التهمة، أما المالكية، فقد قال الزرقاني عند قول خليل في الشركة: " وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل وخرج به شركة مسلم بكافر يتجر بغير حضور المسلم، فإنها غير صحيحة على ما لبعضهم كظاهر المصنف ولكن ظاهر المدونة المنع ابتداء وصحتها بعد الوقوع فكان على المصنف الاقتصار على القيد الأول ولذلك لم يعبر ابن شاس وابن الحاجب بالصحة وإنما عبرا بالجواز، فقال: من جاز له تصرف لنفسه جاز توكيله وتكفله إلَّا لمانع. اهـ.
وقبله ابن عرفه قائلًا: مسائل المذهب واضحة به. اهـ.
وأما شركة مسلم لكافر يتجر بحضور مسلم فجائزة وصحيحة قطعًا كما في المدونة، ثم إذا نض المال في القسم الأول، أي عدم حضور المسلم أخذ المسلم ما يخصه من رأس المال والربح إن علم سلامة الكافر من عمل الربا وتجر الخمر، فإن شك في عمله في ربا ندب للمسلم صدقته بربحه فقط لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) ، وإن شك في عمله به في خمر ندب له التصدق بربحه وبرأس المال جميعًا بوجوب إراقة الخمر ولو اشتراه بمال حلال، وإن تحقق عمله بالربا وجب التصدق بالربح فقط وإن تحقق تجره بخمر وجب على المسلم تصدقه برأس ماله وربحه معًا كذا يفيده اللخم" (٣) .
قال الزرقاني: " كذلك عند قول خليل في باب الوكالة ومنع ذمي في بيع أو شراء أو تقاض، وفي تعقب أو تقاض لدين لعدم تحفظه أي من فعل الربا" (٤) .
أما الحنفية، فقال في الدر المختار في باب الشركة تعليقًا على قول تنوير الأبصار: " وتساويا مالًا وتصرفًا ودينًا فلا تصح بين حر وعبد وصبي وبالغ ومسلم وكافر لا يخفى أن التساوي في التصرف يستلزم التساوي في الدين وأجازها أبو يوسف مع اختلاف الملة مع الكراهة "، قال ابن عابدين: " يستلزم التساوي في الدين لأن الكافر إذا اشترى خمرًا أو خنزيرًا لا يقدر المسلم أن يبيعه وكالة من جهته فيفوت شرط التساوي في التصرف ابن كمال، قوله: مع الكراهة لأن الكافر لا يهتدي إلى الجائز من العقود زيلعي" (٥) .
стр. 9987
المراد من سرد هذه النصوص ليس التدليل على صحة الاشتراك مع الكافر أو عكسه وإنما التنبيه إلى العلة التي من أجلها كرهه من كرهه ومنعه من منعه ألا وهي تعاطي البيوع الممنوعة في شكل اشتراء أعيان لا تجوز أو تعامل بالربا، فمن احتاط منع خوفًا من تهمة الربا، ومن لم يحتط فصل قائلًا: إن الجواز مختص بالمعاملات التي يحضرها المسلم، وفي حالة عدم معرفة حال الشريك فإنه إذا شك تصدق ندبًا لتطهير ماله، وإذا تحقق وجب أن يتصدق على التفصيل الذي ذكره الزرقاني، ولم نجد نقلًا يجيز الدخول معه في شركة مع العلم بأنه يتعاطى الربا، ولا نعلم أحدًا أقرّه على الاشتراك معه إذا اكتشف ذلك التعامل، لأنه لا يجوز أن يبقى المسلم متلبسًا بمعاملة الربوية ليدفع قسطًا من أرباحه تخلصًا من الحرام، وإنما يجب أن يكون دفع هذا القسط علامة على التوبة على أن لا يعود، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ (١) .
ولتأكيد وتأصيل ما ذهبنا إليه نذكر ثلاثة قواعد في شكل مبادئ:
المبدأ الأول: إن الشريك يده هي نفس يد الآخر بحيث أن أي عمل يعمله الآخر بالشركة هو عمله هو لا فرق بينهما، أشار إلى ذلك ابن قدامة في الكلام الذي نقلناه عنه آنفًا وذكر أن المعاملات المحرمة التي يقوم بها الشريك الكافر بعد الشركة تكون فاسدة.
المبدأ الثاني: هو شيوع الحرام في مال الشركة مما يجعلها متلبسة بالحرام حتى ولو أعطى قسطًا من الربا حيث يظل ماله مخلوطًا ببقية مال الشركة الذي ينتشر فيه الحرام، فإن ذلك لا يطهره لأن المعاملات الربوية هي معاملات فاسدة، وبالتالي فإن المال مرهون بمعاملات فاسدة ينتشر فيها الحرام " قال ابن القاسم: قال مالك: قال ابن هرمز: عجبًا للمرء يرزقه الله المال الحلال ثم يحرمه من أجل الربح اليسير حتى يكون كله حراما "، " قال محمد بن رشد: قوله ثم يحرمه من أجل الربح اليسير، يريد من أجل الربح الحرام الذي هو ربا، مثل أن يكون له على رجل مائة فيؤخره بها على أن يأخذ منه مائة وعشرين، وقوله حتى يكون كله حرامًا، ليس على ظاهره بأنه يحرم عليه جميعه، ولا يحل له منه شيء، لأن الواجب عليه فيه بإجماع العلماء أن يرد الربح الذي أربا فيه إلى من أخذه منه، ويطيب له سائره لقول الله : ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ... ﴾ الآية (٢) .
стр. 9988
وإنما معنى قوله حتى يكون كله حرامًا، أي حتى يكون كله بمنزلة الحرام في أنه لا يجوز له أن يأكل منه شيئًا حتى يرد ما فيه من الربا، لأنه إن أكل منه قبل أن يرد ما فيه من الربا فقد أكل بعض الربا لاختلاطه بجميع ماله وكونه شائعًا فيه" (١) .
وذكر ابن رشد خلافًا في التعامل ببيع وشراء مع المرابي بين مانع لذلك كله كابن وهب وأصبغ من أصحاب مالك، ومجيز كابن القاسم ومفرق بين الحرام اليسير والحرام الغالب باختصار يراجع فيه (٢) .
وإذا كان الأمر كذلك فكيف بالشركة معه، والخلاف في اختلاط الحرام مع الحلال أيهما يغلب معروف وكذلك في تميز الجزء الشائع أو عدمه (٣) .
المبدأ الثالث: إن الشركة كالوكالة، والوكالة لا تجوز على محرم، قال البناني بعد كلام: فجعل الإنسان غيره يقتل رجلًا عمدًا عداونًا هو أمر لا نيابة وجعله يقتله قصاصًا نيابة ووكالة (٤) .
وهو أمر لا مرية فيه، فلا يجوز ولا يصح أن توكل شخصًا ليسرق أو ليبيع بالربا، فهي وكالة باطلة وآثارها كذلك، قال السيوطي: " قاعدة من صحت منه مباشرة الشيء صح توكيله فيه غيره وتوكله فيه عن غيره وإلَّا فلا " (٥) .
стр. 9989
وقد سبق كلام المغني في جعله الشركة كالوكالة عندما قال: إن عقد الوكيل يقع للموكل، في كلامه عن الشركة.
وبعد، فإن حرمة هذا النوع من الشركات تبدو غاية في الوضوح لانطباق قواعد التحريم عليها، لأنها أحرى بالحرمة مما ذكرنا، ثم إن التحريم في هذه المسألة هو من باب تحريم المقاصد وتحريم الوسائل، وتحريم المقاصد لأنه ممارسة الربا في شكل بيوع فاسدة، وتعاطي البيع الفاسد في حد ذاته محرم مهما كانت نية المتعاطي في جبره، قال السيوطي " القاعدة الخامسة ": تعاطي البيوع الفاسدة حرام كما يؤخذ من كلام الأصحاب إلى أن قال عن الروياني في الفروق والتصرفات بالشراء الفاسد: كلها كتصرفات الغاصب، إلَّا في وجوب الحد عليه وانعقاد الولد حرًّا (١) .
وممنوعة منع الوسائل والمآلات لأنها تعاون على الإثم قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢) .
ولأنها وسيلة إلى استمراء الربا والانغماس في حمأته وقد يؤول الأمر إلى ورثة لا يهتمون حتى بإخراج الأرباح الناشئة عن المعاملات الربوية.
والله ولي التوفيق.
الشيخ عبد الله الشيخ محفوظ بن بية
стр. 9990
التعامُل مَع شركات تَقوُم بأعمال مَشروعَة
وَتتعامَل مَع البُنوُك بالفَوائد
إعداَد
فضيلة الشيخَ عبد الله الشيخ المحفوظ بن بية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
هذا البحث سنبسطه أولًا في شكل نصوص للفقهاء تمتزج فيها أقوال التحريم بالتحليل دون تبديل أو تعديل وبعد أن أرستها العراك. أتعرض في المرحلة الثانية من البحث لتحصيل الأقوال مما بسطه من الاستدلال ثم أوجه الأقوال في المرحلة الثالثة متوخيًّا تأصيل فروعها على أساس القواعد الفقهية ثم أنهي بخلاصة تبين الراجح والمنهج الواضح.
وهو ولي التوفيق.
стр. 9991
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وهو ولي الصالحين والصلاة والسلام على سيد المرسلين السراج المبين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
التعامل مع شركات تقوم بأعمال مشروعة وتتعامل مع البنوك بالفوائد:
إن ظاهر العنوان يدل على أن الشركات المشار إليها تمتلك رأس مال تتاجر فيه غير ناشئ عن القروض الربوية (وبالتالي فإن أكثر مال الشركة المعنية من أصل حلال) .
فإذا كان الأمر كذلك فإن التعامل معها جائز كما يفيده كلام جمهور العلماء، وقد صرح بعضهم بتحريمه، وقال بعضهم بكراهته، وسنوجه مختلف الأقوال بعد استعراض النقول والله ولي التوفيق.
فقد قال ابن رشد المالكي في كتابه البيان والتحصيل (١) : قال ابن القاسم قال مالك قال ابن هرمز: عجبًا للمرء يرزقه الله المال الحلال ثم يحرمه من أجل الربح اليسير حتى يكون كله حرامًا.
قال محمد بن رشد: قوله ثم يحرمه من أجل الربح يريد من أجل الربح الحرام الذي هو ربا، مثل أن يكون له على رجل مائة فيؤخره بها على أن يأخذ منه مائة وعشرين، وقوله حتى يكون كله حرامًا ليس على ظاهره بأنه يحرم عليه جميعه ولا يحل له منه شيء، لأن الواجب عليه فيه بإجماع من العلماء أن يرد الربح الذي أربى فيه إلى من أخذه منه ويطيب له سائره، لقول الله : ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢) .
стр. 9992
وإنما معنى قوله حتى يكون كله حرامًا، أي حتى يكون كله بمنزلة الحرام في أنه لا يجوز له أن يأكل منه شيئًا حتى يرد ما فيه من الربا لأنه إن أكل منه قبل أن يرد ما فيه من الربا فقد أكل بعض الربا لاختلاطه بجميع ماله وكونه شائعًا فيه، وكذلك على قوله لا يجوز لأحد أن يعامله فيه ولا أن يقبل منه هبة، لأنه إذا عامله فيه فقد عامله في جزء من الحرام لكونه شائعًا فيه، وهذا هو مذهب ابن وهب من أصحاب مالك، وهو استحسان على غير قياس، لأن الربا قد ترتب في ذمته وليس متعينًا في عين المال على الإشاعة فيه، فعلى ما يوجبه القياس تجوز معاملته فيه وقبول هبته، وهو مذهب ابن القاسم، وحرم أصبغ معاملته فيه وقبول هبته وهديته، وقال: من فعل ذلك يجب أن يتصدق بجميع ما أخذ وهو شذوذ من القول على غير قياس وبالله التوفيق.
وفرق ابن وهب بين المسلم والنصراني في نقل ابن رشد عنه حيث قال: قال (١) . وسألته (يعني ابن وهب) عن المسلم إن كان معروفًا بأكل الربا والعمل به وببيع الخمر، هل ترى أن يتسلف منه أو يقبض الدين منه؟ فقال: شأن المسلم عندي أعظم من شأن النصراني إذا كان المسلم معروفًا بأكل الربا والعمل به ويبيع الخمر، لم أر لأحد أن يتسلف منه ولا يقتضي دينه منه ولا يخالطه ولايؤاكله، قال ابن وهب قال رسول الله ﷺ : ((لا تخالطن إلَّا مؤمنًا)) .
стр. 9993
قال محمد بن رشد: قوله في المعروف بأكل الربا والعمل به وبيع الخمر إن شأن المسلم في ذلك أعظم من شأن النصراني، يريد أشد من شأن النصراني في معاملة كل واحد منهما، صحيح. وإنما كانت معاملة المسلم الذي يعمل بالربا ويبيع الخمر أشد من معاملة النصراني وهو يبيع الخمر ويعمل بالربا من أجل أنه غير مخاطب بالشرائع على الصحيح من الأقوال بدليل إجماعهم على أنه إذا أسلم يحل له ما أربى فيه في حال كفره، وثمن ما باع فيه من الخمر. وقد أمر الله أن تؤخذ الجزية (منهم) وكره مالك في كتاب الضحايا من المدونة أن يتسلف الرجل من النصراني دينارًا باع به خمرًا أو يبيع به منه شيئًا مراعاة للقول بأنهم مخاطبون بفروع الشرائع، ولم يحرمه، والقياس جوازه، لأنه لو أسلم لحل له ذلك الدينار، ولم ير في هذه الرواية ابن وهب لأحد أن يتسلف من المعروف بأكل الربا أو بيع الخمر شيئًا، ولا يقبض منه دينًا ولا يخالطه ولا يواكله، ومعناه إذا كان الغالب على ماله الحلال، وابن القاسم يجيز ذلك، وهو القياس، وأصبغ يحرمه، وهو تشديد على غير قياس، لأنه جعل ماله كله حرامًا لأجل ما خَالَطه من الحرام، فأوجب عليه الصدقة بجميعه وقال: إن من عامله فيه وجب عليه أن يتصدق بجميع ما أخذ منه، وأما إن كان قد غلب على ماله الربا وثمن ما باع من الخمر فلا يعامل ولا تقبل هديته ولا يؤكل طعامه، قيل على وجه الكراهة وقيل على وجه التحريم، ولو ورث سلعة أو وهبت له لجاز أن تشتري منه وأن تقبل منه هبة باتفاق، واختلف إن كان الربا وثمن الخمر قد أحاط بجميع ما بيده من المال في مبايعته ومعاملته على أربعة أقوال قد ذكرناها، ووجه كل قول منها في مسألة قد شخصناها في هذا المعنى حاوية لجميع وجوهها ومعانيها فتركت ذكرها هنا اختصارًا، ومعنى قوله في الحديث الذي احتج به: ((لا تخالطن إلَّا مؤمنًا)) ، أي لا تخالطن في الأخذ والإعطاء إلَّا مؤمنًا ممدوح الإيمان لتورعه عن اكتساب الحرام، وبالله التوفيق.
стр. 9994
ووجه ابن رشد أوجه الخلاف في مستغرق الذمة الذي أحاط الربا بماله، أو أحاطت التباعات به في مسألة من نوازل سحنون فقال ابن رشد: بعد حذف أول كلامه فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال (١) : أحدها: أن المستغرق الذمة بالحرام لا يجوز قبول عطيته ولا أكل طعامه ولا يسوغ لوارثه ميراثه. والثاني: أن المستغرق الذمة بالحرام يجوز قبول هديته وأكل طعامه ويسوغ لوارثه ميراثه، والثالث: أن المستغرق الذمة لا يجوز قبول هبته ولا أكل طعامه، ويسوغ لوارثه ميراثه.
وجه القول الأول أن ما عليه من الظلامات والتباعات لما كانت مستغرقة لما بيده من المال كان كمن أحاطت الديون بماله، لا تجوز هبته ولا عطيته ولا معروفه، ولا يسوغ لوارثه ميراثه، لكون ما عليه من التباعات أودى بماله، لأنها كالديون عليه، وقال الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢) .
ووجه القول الثاني أن ما عليه من الظلامات والتباعات وإن كانت مستغرقة لماله فليست متعينة فيه إذ قد ترتبت في ذمته، فساغت عطاياه لمن أعطاه إياها وساغ ماله لوارثه، وكان هو المسؤول المؤاخذ بما عليه من المظالم والتباعات إذا لم يؤدها أو لم يتصح منها في حياته.
ووجه القول الثالث أن ما عليه من المظالم والتباعات (أحق بماله لأنه مأمور بردها منه عاص لله في ترك) ذلك وتأخيره، فلا يجوز له فيه عطية ولا معروف، ولا يسوغ ذلك للمعطي فإذا لم يفعل ذلك حتى مات بقيت عليه التباعات يطلب بها في الآخرة، وساغ ماله لوارثه، إذ ليست التباعات التي عليه ديونًا لمعينين يطلبونها فيجب إخراجها من ماله قبل الميراث، وقد أفردنا للتكلم على حكم مال من خالط الحرامُ ماله في حياته وبعد وفاته مسألة حاوية لجميع وجوهها، فمن أراد الشفاء منها في نفسه طالعها وبالله التوفيق.
стр. 9995
وقد قال ابن قدامة الحنبلي في المغني (١) : فصل وإذا اشترى ممن في ماله حرام وحلال السلطان الجائر والمرابي فإن علم أن المبيع من حلال ماله فهو حلال، وإن علم أنه حرام فهو حرام، ولا يقبل قول المشتري عليه في الحكم. لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه، فإن لم يعلم من أيهما هو كرهناه لاحتمال التحريم فيه ولم يبطل البيع، لإمكان الحلال قل الحرام أو كثر، وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة الحرام وكثرته تكون كثرة الشبهة وقلتها، قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه لما روى النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: ((الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه)) ، متفق عليه. وهذا لفظ رواية مسلم، وفي لفظ رواية البخاري: ((فمن ترك ما اشتبه عليه كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على مايشك فيه من المأثم أوشك أن يواقع ما استبان)) . وروى الحسن بن علي عن النبي ﷺ أنه قال: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) ، وهذا مذهب الشافعي.
стр. 9996
(فصل) والمشكوك فيه على ثلاثة أضراب:
الأول: ما أصله الحظر كالذبيحة في بلد فيها مجوس وعبدة أوثان يذبحون فلا يجوز شراؤها وإن أمكن أن يكون ذابحها مسلمًا لأن الأصل التحريم فلا يزول إلَّا بيقين أو ظاهر، وكذلك إن كان فيها أخلاط من المسلمين والمجوس لم يجز شراؤها لذلك. والأصل فيه: حديث عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا أرسلت كلبك فخالط كلبًا لم يسم عليها فلا تأكل، فإنك لا تدري أيها قتله)) ، متفق عليه، فإما إن كان ذلك في بلد الإسلام فالظاهر إباحتها، لأن المسلمين لا يقرون في بلدهم بيع ما لا يحل بيعه ظاهرًا.
والثاني: ما أصله الإباحة كالماء يجده متغيرًا لا يعلم أبنجاسة تغير أم بغيرها، فهو طاهر في الحكم، لأن الأصل الطهارة، فلا تزول عنها إلَّا بيقين أو ظاهر، ولم يوجد واحد منهما، والأصل في ذلك حديث عبد الله بن زيد قال: " شكا إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشيء، قال: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا)) ، متفق عليه.
والثالث: ما لا يُعرف له أصل كرجل في ماله حلال وحرام، فهذا هو الشبهة التي الأوْلَى تَرْكُها على ما ذكرنا، وعملًا بما روي عن النبي ﷺ ، أنه وجد ثمرة ساقطة، فقال: ((لولا أني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها)) . وهو من باب الورع.
فعلم من هذا أن المذهب الحنبلي على الكراهة في المجهول الذي اختلط حلاله بحرامه، وفي نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٨/١٥٨: " ولا تحرم معاملة في أكثر ماله حرام ولا الأكل منه".
стр. 9997
تفصيل الأقوال:
فتحصل من كلام العلماء جملة من الأقوال:
منها القول بجواز التعامل مع المتعامل بالربا إذا لم يغلب الربا على ماله.
ومنها المنع مطلقًا غلب أو لم يغلب.
ومنها الجواز مطلقًا غلب أو لم يغلب.
ومنها القول بالكراهة.
توجيه هذه الأقوال:
وجه القول الأول: إن الحرام وإن كان شائعًا في الأصل إلَّا أن التصرف يميز الحلال من الحرام فيحمل القدر المُتَصرَّفُ فيه على أنه من الجزء الحلال وهذا على شرط القاعدة التي تقول بتَميُّزِ الجزء الشائع.
وقد أشار إليها الزقاق بقوله:
وهل تعين لجزء شاعا
عليه حالف بعتق باعا
كمستحق وزكاة وغصب
كمهر أو مرتهن ومن وهب
جواب نفري عليه جاء
بلا نعم في قابض كشراء
وثمنًا لشطره وغيره
غصب هل ينزع فيه شطره
وخرج عليها مسائل منها دار مشاعة بين رجلين اعتدى غاصب على نصيب أحدهما فغصبه مشاعًا، هل يجوز للثاني أن يبيع نصيبه أو يكريه؟ وهل يشاركه المغصوب منه في الثمن والكراء؟ فأجاب ابن أبي زيد وهو النفزي بجوابين إلَّا أنه رجح أنه لا نصيب للمغصوب قائلًا إنه أشبه بالقياس.
ويوجه أيضًا بأن الدراهم والدنانير غير متعينة بمجرد استيلاء الشخص تصبح دينًا في ذمته، وتحل لمن يتعامل معه، وقد أشار ابن رشد إلى هذا التوجيه.
стр. 9998
ويوجه أيضًا بأن الحرام إذا كثر عليه الحلال استهلكه ويصير كالعين المستهلكة كقليل اللبن يغلب عليه الماء لا ينشر الحرمة عند ابن القاسم وأبي حنيفة خلافًا لأشهب والشافعي، قال في المنهج: وهل لعين ذي اختلاط؟ تنقل مغلوبة. إلخ (١) . وذكر هذه القاعدة ابن رجب في قواعده بعنوان: العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر لها أثر فهل هي كالمعدومة حكمًا أو لا؟ فيه خلاف وذكر فروعًا كثيرة من الدراهم الحرام تختلط بالحلال وقد ذكروا قاعدة أخرى وهي أن الحرام لا يحرم حلالًا (٢) قال السيوطي: وهو لفظ حديث أخرجه ابن ماجه والدارقطني عن ابن عمرو مرفوعاً (٣) .
ووجه القول الثاني: بالمنع مطلقًا غلب الحرام أو لم يغلب: هو الشيوع، أي أن الحرام منشر غير متميز وهو الشطر الثاني في القاعدة التي ذكرناها، وهو أيضًا أن الأمر إذا دار بين الحلِّيَّة والحُرْمة غلبت الحرمة احتياطًا.
وقال السيوطي في الأشباه والنظائر:
القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام. وأورد جماعة حديثًا بلفظ: ((ما اجتمع عليه الحلال والحرام إلَّا غلب الحرام)) قال الحافظ أبو الفضل العراقي والأصل له، وقال السبكي في الأشباه والنظائر نقلًا عن البيهقي: هو حديث رواه جابر الجعفي رجل ضعيف عن الشعبي عن ابن مسعود وهو منقطع، قلت وأخرجه من هذا الطريق عبد الرزاق في مصنفه وهو موقوف على ابن مسعود لا مرفوع، ثم قال ابن السبكي: غير أن القاعدة في نفسها صحيحة، قال الجويني في السلسلة: " لم يخرج منها إلَّا ما ندر".
стр. 9999
وبنى السيوطي جملة من الفروع على هذه القاعدة: منها اشتباه محرم بأجنبيات محصورات لا تحل واحدة منهن، ومنها قاعدة " مدعجوة " ودرهم، ومنها ما أحد أبويه مأكول والأخير غير مأكول غلبت الحرمة – واشتراك المسلم مع المجوس في الذبح – وعدم جواز وطء الجارية المشتركة، ومنها لو خلط المكاس دراهم شخص على دراهم المكس ورد إليه قدرها لا يجوز عن النووي، إلَّا أنه ذكر عن ابن الصلاح لو اختلط دراهم حلال بدراهم حرام ولم تتميز فطريقه أن يفرز قدر الحرام بنية القسمة.
وذكر اتفاق أصحاب الشافعي إذا غصب زيتًا أو حنطة وخلطه بمثله قالوا: يدفع إليه من المختلط قدر حقه ويحل الباقي للغاصب، قائلًا أما ما يقوله العوام إن اختلط ماله بغيره يحرمه فباطل لا أصل له، وذكر مسألة الصفقة التي تجمع بين الحلال والحرام وفيها قول بالصحة في الحلال، والثاني البطلان في الكل وادعى في المهمات أنه المذهب (١) (مع حذف وتصرف) (٢) .
أما القول بالجواز مطلقًا فمرده إلى أن الأصل في العقود اللزوم ولاصحة لترتب الأحكام على أسبابها، وأن الحرام قد تعلق بذمة صاحبه، وقد ذكرنا طرفًا من توجيهه في كلام ابن رشد، وصح عن ابن مسعود، أنه سئل عمن له جار يأكل الربا علانية، ولا يتحرج من مآل حيث يأخذه قال أجيبوه فإنما الهناء لكم والوزر عليه، وفي رواية أنه قال: لا أعلم له شيئًا إلَّا خبيثًا أو حرامًا قال أجيبوه" (٣) .
стр. 10000
توجيه القول بالكراهة:
فلمحل الشبهة، والشبهة تنشأ من تعارض الأدلة، كما تنشأ من اختلاط الحرام بالحلال، كالتمرة الساقطة على الفراش التي أهوى عليها النبي ﷺ ، ثم رماها خشية أن تكون من تمر الصدقة (وهو في الصحيحين) (١) .
وقد اختلف العلماء هل المشتبه فيه حرام أو مكروه؟ فذهب بعضهم إلى الحرمة للزيادة التي في صحيح مسلم وفيها: ((فمن وقع في الشبهات وقع في الحرام)) وقد فسر أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام، فقال في معاملة من في ماله حرام وحلال مختلط: فإن كان أكثر ماله الحرام ينبغي أن يتجنب إلَّا أن يكون شيئًا يسيرًا أو شيئًا لا يعرف.
واختلف أصحابه هل هو مكروه أو محرم على وجهين، وإن كان أكثر ماله الحلال جازت معاملته والأكل من ماله (٢) . [نقلًا عن ابن رجب بتصرف يسير] .
وسئل (ابن لبابة) عن متاجرة أهل الغصب والربا، ومن لا يتورع: هل تجوز متاجرتهم بالدنانير والدراهم، على علم أنها من أموالهم؟ فأجاب: إن ترك ذلك تارك فهو خير له، وإن لم يتورع عن ذلك فليس بحرام حتى يعرف شيئًا بعينه فيجتنبه (٣) .
стр. 10001
خلاصة القول:
التعامل مع الشركات ذات النشاط المشروع في الأصل إلَّا أنها تتعاطى أنشطة غير مشروعة، وذلك بحصولها على قروض ربوية مما يعني أن هذه الشركات لها رأسمال ناض ناشئ عن أنشطتها المشروعة، وليس ناشئًا عن هذه القروض الربوية في الأساس، ولكن القروض التي تحصل عليها تشكل جزءًا من ثروتها.
وطبقًا لهذا التصوير فإنه يجوز التعامل مع هذه الشركات وهذا هو القول الصحيح الذي عليه جمهور العلماء، بناء على تغليب جانب الصحة في عقود المسلمين طبقًا للقاعدة وهي: (إن عقود المسلمين محمولة على الصحة) وذهب بعض العلماء إلى التحريم نظرًا لشيوع الحرام وانتشاره وعدم القدرة على تمييزه عن الحلال بناء على أن الجزء الشائع لا يتميَّز.
وهناك قول بالكراهية، وهو وسط بين قولين لمكان الشبهة والاشتباه، ينشأ عن اختلاط حلال بالحرام، والأصل في المشتبه الكراهة عند مالك، وفي رواية عند أحمد، أما الورع فهو عدم التعامل للنهي عن مخالطة أهل الفسق والركون إليهم ومساعدتهم سدًّا للذريعة ولقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) .
ومعاملة الكفار المرابين أخف من معاملة غيرهم، أما إذا كانت التبعات قد استغرقت مال المسلم ففيه الخلاف السابق إلَّا أن القول بالحرمة يتقوَّى أكثر مما لو كان الحرام يشكل جزءًا من ماله، لا يعرف بعينه، فلو عرف بعينه كحيوان مغصوب أو دار مغصوبة أو سلعة مسروقة ما جاز اشتراؤه.
الشيخ عبد الله الشيخ محفوظ بن بية
стр. 10002
الوَثائِق
الوَثيقَة رَقم (١)
بَحثٌ عَن بَطاقات الائتمان المصرفيّة
والتكييف الشرعي المعمُول به في
بَيت التمويل الكويتي
إعدَاد
مركز تطوير الخدمة المصرفيّة
بيت التمويل الكويتي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبواب البحث:
١- تمهيد، (الائتمان في بيت التمويل الكويتي) .
٢- نبذة تاريخية للبطاقات المصرفية.
٣- أنواع البطاقات المصرفية.
٤- أنواع المنظمات صاحبة التراخيص للبطاقات المصرفية.
٥- بطاقات الائتمان المصرفية ومعاملاتها.
- حالات التعامل المختلفة.
- أطراف التعامل في بطاقة " فيزا التمويل".
٦- بطاقة الفيزا في بيت التمويل الكويتي.
- الشروط الواجب توافرها في مقدم طلب بطاقة الفيزا.
- حالات التعامل المختلفة.
- أنواع البطاقات التي يصدرها بيت التمول الكويتي.
- أسلوب عمل بطاقة فيزا التمويل.
- الرسوم التي يتقاضاها بيت التمويل الكويتي.
- التكييف الشرعي لبعض الجوانب الإجرائية لبطاقة فيزا التمويل.
٧- الأسئلة الموجهة لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية في بيت التمويل الكويتي.
٨- ملحق النماذج المستخدمة في خدمة فيزا التمويل.
стр. 10003
تَمهيد
عندما بدأت المصارف الإسلامية أعمالها، كان السوق المصرفي في العالم العربي والعالم الغربي قد خطا خطوات كبيرة ومتنوعة في الصناعة المصرفية.
وقد تنامت هذه السوق وأصبحت جزءًا مهمًا من ثقافة الفرد والمجتمع الذي جعل من الأهمية العمل على إنشاء البديل الإسلامي لها.
وبما أن البديل الإسلامي يرجع مصدره إلى الشريعة الإسلامية الغراء، فلم يكن من الصعوبة وضع الأسس والدعائم للبدائل الإسلامية، إلَّا أنه وبسبب عدم تصدي القائمين على الشأن الاقتصادي بعرض هذه الأنشطة على المنهج الإسلامي خلال فترة تجاوزت الخمسين عامًا في الدول العربية قاطبة، أوجدت أشكالًا كثيرة ومتشعبة من العلاقات الاقتصادية بين الأفراد والدول، كما أوجدت أنظمة وعادات استحكمت جذورها في المجتمع الذي أوجدت فيه، أو هكذا أريد لها أن تكون.
ومع تنامي الوعي الاقتصادي الإسلامي للأفراد والمؤسسات بدأ الاهتمام بإنشاء مؤسسات مصرفية تعمل وفق المنهج الشرعي الإسلامي ووفق الأدوات المبينة في كتب الفقه من بيوع وأنشطة استثمارية مختلفة.
ومن هذه الأشكال الاقتصادية المصرفية مسألة الائتمان والأشكال التي يقدم بها، فالائتمان كما يعبر عنه في بيت التمويل الكويتي من المنظور الإسلامي، يستبعد عنصر الفائدة والربا في نشاطاته وذلك من خلال التمويل الاستثماري في كافة المجالات التي لا تخالف الشريعة الإسلامية الغراء، وكذلك تطهير المعاملات من الربا والغرر وغيرها مما حرمته الشريعة الإسلامية والمساهمة في تحقيق البنية الاجتماعية والاقتصادية وتشغيل الأموال بقصد المساهمة في تحقيق الحياة الكريمة.
стр. 10004
وتمثل الأمور التالية الأطر الرئيسية التي تقع داخلها جميع نشاطات وأعمال الائتمان في بيت التمويل الكويتي، وهي كالآتي:
* موافقة المشاريع المقدمة مع المنهج الإسلامي وقبل النظر إلى ربحية هذه المشاريع.
* تفاعل رأس المال مع العمل، وخصوصًا في حالات الكساد الاقتصادي. وتنمية أنواع المشاركات والمضاربات.
* العمل على مبدأ اتساع قطاع العملاء الذين نتعامل معهم لتنمية الطاقات وتذليل الصعوبات وخصوصًا أمام القطاع الذي لا يملك القوة المادية المحركة له.
* الثقة المتبادلة مع العميل كونه شريكًا مضاربًا.
* التسامح مع العميل في حالة الإعسار وعدم مقدرته على الوفاء تجنب كافة وسائل الاحتكار.
بينما يتميز الائتمان في البنوك الربوية بأنه إعادة إقراض المال إلى الغير بسعر فائدة أعلى من سعر الفائدة على الودائع، مما يعني إرهاقًا لكاهل الطبقة المنتجة في المجتمع وليس دعمها وتصويبها.
وقد أظهرت دراسة معهد الدراسات المصرفية الكويتي، بأنه خلال حقبة السبعينات كان ٨٠ % من الائتمان الإجمالي للبنوك والمقدم لعملائها يتألف من السحب على المكشوف والقروض الشخصية والتجارية، مما أشعر البنك المركزي بخطورة هذا الاتجاه ودعا إلى خفض هذه النسبة والتي أصبحت ٥٥ % - ٤٠ % منذ ١٩٨٢، لأن هذا الاتجاه يستنفذ دعائم الاقتصاد الوطني والقطاعات المنتجة فيه مما ينعكس سلبًا على مستوى حياة الأفراد ومستقبل الدورة الاقتصادية والاجتماعية فيه.
стр. 10005
أما الأسس التفصيلية التي يمنح على أساسها العميل الائتمان في بيت التمويل الكويتي، فهي:
* طبيعة العمل التي يزاوله العميل.
* نوع البضاعة والتخصص والوكالات التي يستورد منها.
* سمعة الشركة الأخلاقية والمهنية.
* كفاءة الإدارة البشرية فيها.
* الشركاء.
* الميزانية / المبيعات / الأداء.
* مديونيات العميل لجهات أخرى.
ومن أهم الأشكال الائتمانية التي يقدمها بيت التمويل الكويتي ما يلي:
١- بيع المرابحة.
٢- بيع الأجل.
٣- الاستصناع.
وموضوعات البطاقات المصرفية المختلفة يدخل ضمن أنواع منها منح ائتمان للعميل حامل البطاقة ... وهذا ما سنتطرق له في الصفحات اللاحقة.
стр. 10006
نَبذة تاريخيَّة للبَطاقاتِ المصرفيَّة
إن التفكير ببطاقات الاعتماد والملاءة أو بطاقات الائتمان بدأ مع مطلع هذا القرن الميلادي تقريبًا، ورغم حداثتها إلَّا أنها أثرت تأثيرًا كبيرًا في حياة ملايين البشر وخاصة في الدول المتقدمة والصناعية في أمريكا وأوربا واليابان، حيث التقدم والتطور الهائل في حقول الاتصالات والصناعات الألكترونية والحاسبات الآلية، والذي نقل البنوك إلى مرحلة جديدة ومتطورة مما كانت عليه في صناعة الخدمات المصرفية وبسبب توافر الإمكانيات والحاسبات الألكترونية المتطورة فقد تطلع المجتمع المالي إلى إيجاد نظام متطور لأعمال تمديد المديونيات والمقاصة وإنجاز التبادلات التجارية والاقتصادية.
وقد كان أول من فكر بإصدار بطاقة تسديد المدفوعات (PAYMENT CARD) هي شركة وسترن يونين (WESTERN UNION) في الولايات المتحدة الأمريكية حيث قامت عام ١٩١٤ بإصدار بطاقة معدنية تعطى لبعض العملاء المميزين للشركة والتي تمنحهم معاملة خاصة، إضافة إلى منحهم تسهيلات زمنية في دفع الالتزامات المترتبة عليهم.
وفي سنة ١٩١٧ قامت بعض الفنادق الضخمة والمحلات التجارية الكبرى وشركات النفط وشركات سكك الحديد كل منهما بإصدار بطاقات خاصة بها وعلى نطاق كبير، مما دفع بشركة جنرال بتروليوم كوربوريشن (GENERAL PETROLUM CORP) في كاليفورنيا سنة١٩٢٤ للعمل على إصدار أول بطاقة ائتمان حقيقية توزع على الجمهور لدفع قيمة البنزين المباع لهم على أن تسدد المبالغ المترتبة عليهم في تواريخ لاحقة.
стр. 10007
وفي عام ١٩٥٠ تم إنشاء " نادي الداينرز (DINER'S CLUB) والذي اتبع أسلوبًا جديدًا لدفع قيمة الفواتير والخدمات التي تترتب على أعضائه عند الشراء من المطاعم والمحلات التجارية والفنادق وذلك عندما استحدث بطاقة بلاستيكية أطلق عليها اسم بطاقة " الداينرز " والتي يستطيع حاملها أن يستخدمها وبدون تحديد مبلغ معين وعلى ضمان " نادي الداينرز " نفسه.
ونظرًا لنجاح فكرة الدفع بالبطاقات الائتمانية البلاستكية قام عام ١٩٥٩ أكبر بنك في أمريكا وهو (BANK OF AMERICA) بدخول ميدان إصدار بطاقات الائتمان وأصبحت بطاقته مقبولة في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية..
وقد تطور استخدام بطاقته مما جعله ينشئ مؤسسة منفصلة ومستقلة عن البنك، أطلق عليها اسم: (NATIONAL BANK AMERICARD CORP) . وقد شاركه في إنشائها مجموعة من البنوك بهدف تطوير نظام بطاقة المدفوعات هذه نظرًا لانتشار استخدام البطاقة ونجاحها على نطاق واسع.
وقد بدأت بعض البنوك بالتطلع لإصدار بطاقات خاصة بها تحمل اسمها، حيث تم في عام ١٩٧٧ الاتفاق بين بعض البنوك على إنشاء منظمة غير ربحية، ينضوي تحت لوائها البنوك التي ترغب بإصدار بطاقة مدفوعات خاصة بها، وتكون مهمة هذه المنظمة ما يلي:
стр. 10008
١- دراسة طلبات البنوك التي ترغب بإصدار بطاقة خاصة بها، وتقويم المراكز المالية لهذه البنوك وقبول أو رفض هذه الطلبات.
٢- تزويد البنوك الأعضاء بالخبرة الفنية والإدارية في إدارة نشاط إصدار البطاقات.
٣- تقديم الخدمات المختلفة والقيام بدور الوسيط بين الأعضاء في الحالات التالية:
** في الاتصالات والمراسلات الخاصة بالمنظمة.
** في عمليات المقاصة والتسديد.
** في عمليات التفويض.
٤- إقامة بعض شبكات الصرف الآلي في دول متفرقة في العالم لخدمة العملاء.
٥- تطوير خدمات البطاقات وملاحظة التطورات التقنية والفنية في هذا المضمار وتزويد الأعضاء بها فور توفرها.
٦- مراقبة السوق المالية وما يحدث بها من متغيرات ومراقبة المنافسة للحفاظ على قوة هذه المنظمة والبطاقة التي ترعاها.
وقد أطلق على هذه المنظمة والبطاقة التي ترعاها اسم " الفيزا " (VISA) ومع زيادة الأعضاء المنتسبين لها قامت " الفيزا " بإنشاء شعبتين الأمريكية وتسمى (VISA U. S. A) ، وتتولى الأخرى شؤون " الفيزا " لبقية دول العالم وتسمى (VISA INTERNATIONAL) ، وكلاهما يتبع منظمة (الفيزا) الأم.
ومقابل خدماتها لأعضائها، تتقاضى " الفيزا " رسوم عضوية من البنوك الأعضاء ورسوم على دورها في عمليات المقاصة والتفويض والخدمات التي تقدمها لتغطية نفقات إدارة نشاطاتها.
وقد انتشر في العالم منذ فترة قريبة العديد من هذه البطاقات، بالإضافة إلى بطاقة " الداينرز كلوب " و " الفيزا "، مثل بطاقة " الأمريكان إكسبرس (AMERICAN EXPRESS) و " الماستر كارد (MASTER CARDA) واليورو كارد (EURO CARD) والعديد من البطاقات الأخرى.
стр. 10009
أنَواع البَطاقات المصرفِيّة
تجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن أسلوب العمل والسياسة المتبعة في البطاقة المصدرة تعتمد على سياسة البنك المصدر رغم استخدام نفس النوع من البطاقات العالمية.
وهناك ثلاثة أنواع من البطاقات البلاستيكية المصرفية من حيث أسلوب العمل، هي:
١- بطاقة الخصم الفوري.
٢- بطاقة الخصم الشهري / الاعتماد.
٣- بطاقة الائتمان / التسديد بالأقساط.
١- بطاقة الخصم الفوري (DEBIT CARD) :
ومن أمثلة هذه البطاقات، بطاقة الصرف الآلي، والتي تمنح للعملاء الذين لهم حسابات لدى البنك المصدر لهذه البطاقة وذلك للخصم الفوري من حساب العميل عند استخدامها بواسطة أجهزة الصرف الآلية.
وينحصر استخدام هذا النوع من البطاقات، في الغالب، في أجهزة الصرف الآلي أو أنظمة الخصم الألكترونية الفورية والتي أكثر ما تشاهد في الجمعيات التعاونية الكبيرة، وخصوصًا في الولايات المتحدة الأمريكية والتي يطلق عليها اسم " أجهزة التحويل الألكتروني في نقاط البيع " (EFT/P. O. S.) .
وتتصف هذه البطاقة بالآتي:
* تصدر للعملاء الذين لديهم حساب دائن لدى البنك المصدر لهذه البطاقة.
* تمنح مجانًا (في الغالب) .
* تستخدم في إطار جغرافية الدولة غالبًا أو مناطق تواجد فروع البنك المربوطة بجهاز حاسب آلي متصل بقاعدة معلومات عن حساب ورصيد العميل.
* يتم الخصم من حساب العميل فور استخدامه للبطاقة. وعند تعطل أنظمة الحاسب الآلي، وأحيانًا يكون هناك سقف أعلى (بمبلغ صغير) يمكن للعميل استخدام هذه البطاقة ضمن حدود هذا السقف لحين إعادة الاتصالات بنظام الحاسب الآلي.
* تستخدم في الغالب للسحب النقدي من أجهزة الصرف الآلي أو للاستفسار عن بعض المعلومات الخاصة بالعميل أو للاستفسار أو الحصول على بعض الخدمات التي يقدمها البنك كأسعار العملات أو شراء الشيكات السياحية إضافة إلى التعرف على الرصيد أو طلب كشف حساب مختصر أو تفصيلي أو التحويل فيما بين حسابات العميل.
стр. 10010
٢- بطاقة الخصم الشهري (الاعتماد) (CHARGE CARD) :
وهي بطاقة تمكن حاملها من استخدامها في المحلات التجارية للشراء أو تلقي الخدمات في مكاتب الطيران أو الفنادق أو المطاعم ... إلخ، وكذلك يمكن للبعض منها أن تستخدم في أجهزة الصرف الآلي أو أنظمة التحويل الألكتروني (P. O. S) . ويتم خصم قيمة استخدام العميل لهذه البطاقة في موعد محدد من كل شهر.
وفي الكويت تصدر أربعة منها حتى الآن، هي:
* بطاقة " الفيزا " (VISA CARD) .
* بطاقة " الماستر كارد " (MASTER CARD) .
* بطاقة " الأمريكان إكسبرس " (AMERICAN EXPRESS) .
* بطاقة " الداينرز كلوب " (DINER'S CLUB) .
* ويمكن إيجاز أهم ما تمتاز به بطاقات الخصم الشهري السابقة كالآتي:
* يدفع العميل رسوم اشتراك ورسوم تجديد لقاء إصدار البطاقة أو تجديدها.
* يجب أن يكون للعميل حساب دائن لدى البنك صاحب البطاقة يستوفي منه قيمة استخداماته للبطاقة. (فيما عدا بطاقة " أمريكان إكسبرس " و " الداينزز كلوب " حيث لا يشترط ذلك) .
* يمكن استخدام البطاقة محليًّا ودوليًّا.
* يزود العميل بكشف حساب البطاقة كل فترة زمنية متقاربة يتضمن فيه قيمة مشترياته بواسطة البطاقة، حيث يخصم مجموع مبلغ كشف الحساب مرة واحدة من حساب العميل.
("الدينرز كلوب " ترسل كشف الحساب للعميل مرة كل شهر وتطلب فيه السداد فورًا، وبعد فترة إمهال قصيرة تبدأ باحتساب فوائد على المبالغ المتأخرة في السداد) .
* الأصل في شروط منح هذه البطاقات أن يكون في حساب العميل رصيد يكفي لتسديد قيمة المشتريات التي يقوم بها العميل، وإذا لم يكن ذلك متوفرًا تخصم البنوك قيمة الفواتير من حساب العميل الجاري وتحتسب الفوائد على رصيده المدين لحين تغطية العميل لحسابه الجاري المكشوف.
(ترسل " الأمريكان إكسبرس " كشف الحساب للعميل مرة شهريًّا وتطلب منه السداد فورًا ثم يعطى العميل مهلة زمنية بسيطة ثم يرسل له إنذار كتابي بعدها تلغى بطاقة العميل إذا لم يسدد في الفترة المحددة ويحتسب على المبالغ المستحقة عليه فوائد ربوية بعد فترة الإنذار) .
стр. 10011
٣- بطاقة الائتمان (التسديد بالأقساط) (CREDIT CARD) :
وهذه البطاقة تتميز عن بطاقة الخصم الشهري بأن التسديد فيها يكون على شكل دفعات، قد تكون منتظمة أو غير ذلك، بحيث يكون دائمًا لدى العميل قدرة على استخدام البطاقة في حدود ائتمانية متفق عليها ما دام هو منتظمًا بسداد الفوائد المستحقة شهريًّا، ولها نفس ميزات بطاقة الخصم الشهري من حيث الاستخدامات الأخرى.
وتعتمد الجهات المصدرة لهذه البطاقة في إيراداتها، بالإضافة إلى رسوم العضوية والتجديد، على الفوائد المحتسبة على الرصيد المدين. ويرسل كشف حساب لحامل البطاقة ويعطى مهلة محددة للتسديد، وفي بعض الحالات تحتسب الفائدة على العميل من يوم إصدار كشف الحساب له.
كما أن بعض البنوك ترتب عملية السداد مع العميل بحيث تكون على فترة زمنية منتظمة، فالعميل يستخدم البطاقة ضمن حدود الائتمان الممنوح له وهو يعلم أن البنك يخصم منه قسطًا ثابتًا شهريًّا ويحتسب الفوائد على هذا الأساس ومن أمثلة هذه البطاقات:
* " الفيزا " (VISA CARD) .
* " الماستر كارد " (MASTER CARD) .
* الداينرز كلوب " (DINER'S CLUB) .
* " الأمريكان إكسبرس " (AMERICAN EXPRESS) .
ونلاحظ هنا أن هذه البطاقات يمكن أن تكون بطاقات خصم شهري أو بطاقات ائتمان وذلك تبعًا لسياسة ورغبة البنك المصدر للبطاقة، ووفقًا لما يحقق مصالحه ويتوافق مع احتياجات عملائه.
стр. 10012
أنواع المَنظمّات (المؤسّسَات)
صَاحبة التّرخيص للبطاقات المصرفيَّة
لبيان الفروق فيما بين المنظمات أو المؤسسات صاحبة الترخيص أو الراعية للبطاقات المصرفية سنأخذ مثالين:
أولًا – بطاقة " الأمريكان إكسبرس " (AMERICAN EXPRESS CARD) :
من المعروف أن " الأمريكان إكسبرس " هو بنك ومؤسسة مالية كبيرة تزاول الأنشطة المصرفية فضلًا عن أنها المصدرة لبطاقات " أمريكان إكسبرس " (AMEX) .
وتشرف هذه المؤسسة المصرفية مباشرة على عملية إصدار البطاقات دون أن تمنح تراخيص إصدار البطاقات لأي بنك أو مؤسسة مصرفية أخرى، وهي التي ترتب موضوع استيفاء التجار والمؤسسات التي تقبل البطاقة لحقوقهم منها مباشرة نيابة عن حملة البطاقة، ولا تلزم حملة بطاقتها فتح حسابات مصرفية لديها أو في فروعها ويكفيها أن تتعرف على مقدار الملاءة المالية للعميل لكي تقوم وفق معايير ائتمانية تناسب سياستها بإصدار البطاقة لمن تقبلهم من المتقدمين للحصول عليها.
وأطراف التعامل في حالة بطاقات (AMERICAN EXPRESS) وهي:
١- حامل البطاقة.
٢- التاجر الذي يقبل بيع العميل مقابل استخدام البطاقة.
٣- الـ (AMERICAN EXPRESS) .
(فهنا تكون العلاقة مباشرة بين ثلاثة أطراف) .
стр. 10013
ولا تقبل " الأمريكان إكسبرس " وضع أسم أي بنك آخر على بطاقتها إلَّا في حالة نوع واحد من بطاقتها هو " الأمريكان إكسبرس الذهبي " وعلى شرط أن يكون لدى البنك المصدر لهذه البطاقة حساب العميل المطلوبة له البطاقة وأن يكون هذا البنك ضامنًا للعميل.
وتصدر الأمريكان إكسبرس ثلاثة أنواع من البطاقات، تناسب كل منها نوع العميل وحجم التسهيلات المقدمة له، وهذه الأنواع هي:
١- بطاقة الأمريكان إكسبرس الخضراء.
٢- بطاقة الأمريكان إكسبرس الذهبية: وتمنح للعملاء الذين يتمتعون بكفاءة مالية عالية، وتتميز بكون تسهيلاتها الممنوحة للعميل غير محدودة بسقف ائتماني معين.
٣- بطاقة الأمريكان الماسية.
ثانيًّا – بطاقة " الفيزا " (VISA CARD) :
منظمة " الفيزا " (VISA) ، كما أشرنا إليها سابقًا، هي صاحبة الترخيص (الامتياز) للبطاقات المصرفية التي تحمل اسم (VISA) ، وهي لا تقوم بإصدار هذه البطاقات وهي ليست مؤسسة مصرفية، بل هي مثل نادٍ يساعد البنوك الأعضاء على إدارة خدماتهم، وتتكون إدارتها من ممثلي البنوك الأعضاء.
وتخضع البطاقات الصادرة من أعضاء منظمة " الفيزا " للأنظمة التي يضعها البنك المصدر لها ووفقًا لما يتناسب مع متطلبات عملائه وأنظمته الداخلية، دون تدخل من منظمة " الفيزا ". ويمكن أن تكون البطاقة المصدرة بطاقة خصم فوري، أو بطاقة خصم شهري، أو بطاقة ائتمان، كل ذلك اعتمادًا على سياسة البنك المصدر.
ويتم تسديد قيمة ما يشتريه العميل باستخدام البطاقة إلى التجار عن طريق قيام التجار بتقديم مستندات البيع إلى بنك محدد في الدولة التي يكونون فيها والذي يعرف بـ بنك التاجر تحدده منظمة " الفيزا "، حيث يقوم بنك التاجر بمتابعة تسديد البنوك الأعضاء للديون المترتبة على استخدام بطاقاتها في الدولة التي هو فيها مقابل رسوم يأخذها من التاجر نفسه.
стр. 10014
وتكون أطراف التعامل في حالة بطاقة " الفيزا " (VISA) هي:
١- حامل البطاقة (العميل) .
٢- البنك المصدر للبطاقة.
٣- التاجر الذي يقبل بيع العميل باستخدام البطاقة.
٤- بنك التاجر الذي يقوم بمتابعة تسديد فواتير البيع للتجار مع البنوك المصدرة للبطاقة المستخدمة في عملية البيع.
٥- منظمة " الفيزا "
(العلاقة تكون بين خمسة أطراف) .
وتمنح منظمة الفيزا العالمية تراخيص إصدار ثلاثة أنواع من بطاقتها وهي:
١- بطاقة الفيزا الفضية: وهي ذات حدود ائتمانية منخفضة نسبيًّا وتمنح لأغلب العملاء، عند انطباق الحد الأدنى من المتطلبات عليهم وتوفر هذه البطاقة جميع أنواع الخدمات المتوفرة من قبل منظمة الفيزا كالسحب النقدي من البنوك أو أجهزة الصرف الآلي أو الشراء من التجار ... إلخ.
٢- بطاقة الفيزا الذهبية: وهي ذات حدود ائتمانية عالية وتمنح للعملاء ذوي الكفاءة المالية العالية، وتمنح العملاء، إضافة إلى الخدمات المتوفرة للبطاقة السابقة، تأمينًا على الحياة وخدمات أخرى دولية فريدة كأولوية الحجز في مكاتب السفر والفنادق، والتأمين الصحي، والخدمات القانونية.
٣- بطاقة فيزا الكترون: وتستخدم في أجهزة الصرف الآلي الدولية أو في الأجهزة القارئة للشريط المغناطيسي.
стр. 10015
أطراف التعاون مع بطاقة " فيزا التمويل " في حالة الشراء من التجار