← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذكر الأحاديث الدالة على أن الصلاة بمسجد مكة أفضل من الصلاة في غيره من المساجد: روينا في ذلك أحاديث من حديث أنس بن مالك وجابر بن عبد الله الأنصاريين وعبد الله بن الزبير بن العوام وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأبي الدرداء وأم الدرداء وعائشة ﵃، وقد أخرجنا هذه الأحاديث في أصل هذا الكتاب بأسانيدها، ونقتصر هنا على عَزْوِها لكتب أهل العلم. فأما حديث أنس وجابر ﵄ ففي سنن ابن ماجه١، وإسناده في حديث جابر صحيح، على ما قال ابن جماعة في منسكه، وحديث ابن الزبير في مواضع يأتي ذكرها. وحديث ابن عمر وأبي هريرة ﵄ في مسند ابن حنبل٢، وحديث أبي الدرداء ﵁ في "المعجم الكبير" للطبراني بسند حسن على ما قال بعض مشايخنا٣، وحديث أم الدرداء ﵂ في الإتحاف لابن عساكر، وحديث عائشة ﵂ في "المعجم الأوسط" للطبراني، وحديث ابن الزبير ﵄ عندي أعلاها، وقد أخبرني به إبراهيم بن محمد الصوفي سماعا بمكة، أن أحمد بن أبي طالب الصالحي أخبره عن ابن اللتي وابن بهروز قالا: أخبرنا أبو الوقت، قال: أخبرنا الداودي، قال: أخبرنا الحموي، قال: أخبرنا إبراهيم بن حزيم، قال: حدثنا عبد بن حميد الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة" ٤. وأخبرنيه أعلى من هذا علي بن محمد الخطيب عن أبي بكر الوشتي، قال: أخبرنا الحافظ ابن خليل، قال: أخبرنا الرازي، قال: أخبرنا الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن فارس، قال: أخبرنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا الربيع بن صبيح، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: بينما ابن الزبير يخطبنا إذ قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تفضل بمائة صلاة" ٥.

стр. 107

قال عطاء: فكانت مائة ألف، قال قلت: يا أبا محمد هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم، فإن الحرم كله مسجد، ورأيناه في "إتحاف الزائر" لأبي اليمن ابن عساكر من حديث شبابة بن سواد، عن الربيع بن صبيح به، إلا أن فيه: "وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف". ورأيناه في مسند ابن حنبل والبزار ومعجم الطبراني الكبير بألفاظ مختلفة. ويتحصل من طرق حديث ابن الزبير ثلاث روايات، أحدها: أن الصلاة بالمسجد الحرام تفضل على الصلاة بمسجد المدينة بمائة صلاة كما في مسند عبد بن حميد وابن حنبل والبزار، وإحدى روايتي الطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح. والرواية الأخرى: أن الصلاة في المسجد الحرام تفضل على الصلاة بمسجد المدينة بألف صلاة كما في مسند الطيالسي وإتحاف ابن عساكر، وحديث ابن الزبير من رواة حماد بن زيد أخرجه ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان عن محمد بن عبد الله بن حسان عن حماد بن زيد١، فوقع لنا عاليا، وقد روي موقوفا على ابن الزبير، ومن رفعه فهو أحفظ وأثبت من جهة النقل على ما قاله ابن عبد البر، وصحح هذا الحديث وقال: إنه الحجة عند التنازع، وإنه نص في موضع الخلاف، قاطع عند من ألهم رشده ولم تمل به عصبيته...... انتهى. وحديث كل من أنس وجابر وأبي الدرداء ﵃ في الصلاة في المسجد الحرام يقتضي تفضيل الصلاة بالمسجد الحرام على الصلاة بمسجد المدينة كحديث ابن الزبير الذي في "مسند الطيالسي" وإتحاف ابن عساكر، وحديث ابن عمر ليس في بيان ما تفضل الصلاة به في المسجد الحرام على الصلاة في غيره، وإنما يقتضي أن الصلاة فيه أفضل من غيره، وحديث أبي هريرة يقتضي أن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجد المدينة بمائة صلاة، هذا مقتضى حديث ابن عمر وأبي هريرة في كتاب الفاكهي٢. وقد ورد في فضل الصلاة بالمسجد الحرام ثواب أكثر من هذا، لأن الفاكهي قال: حدثني عبد الله بن منصور عن عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من صلى في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام في جماعة خمسة وعشرين مرة، كتب الله له مائة ألف صلاة، ومن صلى في المسجد الحرام أو في بيته أو في الحرم، كتب الله له مائة ألف صلاة، قيل له، أو قال

стр. 108

رجل من التابعين: أَعَنْ رأيك هذا يا ابن عباس، أو عن رسول الله ﷺ ، قال: بل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١....... انتهى، وعبد الرحيم ضعيف. وقال الفاكهي أيضا: وحدثني محمد بن صالح البلخي، قال: حدثنا أبو مطيع الحكم بن عبد الله القرشي، قال: حدثنا المسيب، عن المبارك بن حسان، عن الحسن ومعاوية بن قرة قالا: الصلاة في المسجد الحرام بألف ألف صلاة وخمسمائة صلاة، والصلاة في الحرم كله بمائة ألف صلاة٢ ... انتهى. وروينا عن الجندي في كتاب "فضائل مكة" له، قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد بن مغفل، عن وهب بن منبه، قال: وجدت مكتوبا في التوراة: من شهد الصلوات الخمس في المسجد الحرام كتب الله له بها اثنا عشر ألف ألف وخمسمائة ألف صلاة. وروى الجندي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] حديثا يقتضي أن المراد بذلك الصلوات الخمس جماعة في المسجد الحرام، ولفظه: حدثنا عبد الله بن أبي غسان، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِين﴾ . ثم قال: "هي الصلوات الخمس في الجماعة في المسجد الحرام". ولنذكر فوائد تتعلق بحديث ابن الزبير ﵄، وما شابهه. منها: أن ابن كنانة المالكي وغيره من المالكية قالوا في قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". كما في الصحيحين٣: أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة خلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجده ﷺ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف ليستقيم لهم بذلك ما رووا من تفضيل الصلاة بالمدينة على الصلاة بمكة، وحديث ابن الزبير وما شابهه من الأحاديث التي ذكرناها يدفع هذا التأويل، لأنها تقتضي تفضيل الصلاة بمكة على الصلاة بالمدينة، والله أعلم. ومنها: أن النقاش المفسر حسب الصلاة بالمسجد الحرام على مقتضى حديث: "إن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف صلاة"، فبلغت صلاة واحدة

стр. 109

بالمسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة وهي خمس صلوات في المسجد الحرام عمر مائتي سنة وسبعة وتسعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال ... انتهى. قلت: رأيت لشيخنا بالإجازة الإمام بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن الصاحب المصري الإشاري١ كلاما حسنا في هذا المعنى، لأنه قال فيما أنبأنا به: إن كل صلاة بالمسجد الحرام فرادى بمائة ألف صلاة كما ورد في الحديث، وكل صلاة فيه جماعة بألفي ألف صلاة وسبعمائة ألف صلاة، والصلوات الخمس فيه بثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة صلاة، وصلاة الرجل منفردا في وطنه غير المسجدين المعظمين، كل مائة سنة شمسية بمائة وثمانين ألف صلاة، وكل ألف سنة بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة، فتلخص من هذا: إن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة يفضل ثوابها على ثواب من صلى في بلده فرادى، حتى بلغ عمر نوح ﵇ نحو الضعف، وسلام على نوح في العالمين. وهذه فائدة تساوي رحلة. ثم قال: هذا إذا لم تضف إلى ذلك شيئا من أنواع البر، فإن صام يوما، وصلى الصلوات الخمس جماعة، وجعل فيه أنواعا من البر قلنا بالمضاعفة، فهذا مما يعجز الحساب عن حصر ثوابه٢ ... انتهى. ومنها: أن للعلماء المالكية وغيرهم خلافا في هذا الفضل: هل يعم الفرض والنفل، أو يختص بالفرض؟ وهو مقتضى مشهور مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، والقول بالتعميم مذهب الشافعي على ما صرح به النووي. ومنها: أن للعلماء خلافا في المراد بالمسجد الحرام، فقيل: مسجد الجماعة الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه، حكاه المحب الطبري، وذكر أنه يتأيد بقوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"، والإشارة بمسجده إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك ... انتهى. وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم كله، قال المحب الطبري٣: ويتأيد بقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ [الحج: ٢٥] . أو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] . وكان ذلك من بيت أم هانئ ... انتهى.

стр. 110

وقيل: المراد بالمسجد الحرام الكعبة خاصة، ذكره المحب الطبري١ عن بعضهم وأُبْهِم له، قال: واختاره بعض المتأخرين من أصحابنا، وذكر أنه يتأيد بحديث أبي هريرة ﵁: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا الكعبة". أخرجه النسائي٢ ... انتهى باختصار. وذكر بعض الحفاظ من أصحابنا أن في بعض طرق هذا الحديث إلا "مسجد الكعبة"، وعلى هذا فلا تستقيم الدلالة بالحديث الذي ذكره المحب الطبري١ على أن المراد بالمسجد الحرام الكعبة خاصة، والله أعلم. ومنها: هذا التضاعف بالنسبة إلى الثواب لا بالنسبة إلى إسقاط الفوائت كما يتخيله كثير من الجهال، ولذلك نبهنا عليه. وممن صرح بذلك النووي في شرح مسلم، وقد ظهر بما ذكرناه من الأحاديث وكلام العلماء تفضيل مكة على سائر البلاد، وأن ثواب الصلاة فيها أفضل من ثوابها في غيرها، وجاء أحاديث تدل على تفضيل ثواب الصوم وغيره من القربات بمكة على ثواب ذلك في غيرها، إلا أنها في الثبوت ليست كأحاديث فضل مكة والصلاة فيها، وحديث تفضيل الصوم بمكة على غيرها. رويناه في مسند ابن ماجة٣، وفي تاريخ الأزرقي، وفي "المجالس المكية" للميانشي٤، من حديث ابن عباس ﵄ وعنه ورد تضاعف حسنات الحرم على غيرها، لأنا روينا عن زاذان عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إليها كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. فقال بعضهم لابن عباس: وما حسنات الحرم؟ قال: كل حسنة بمائة ألف حسنة". انتهى. رواه البيهقي بسنده إلى عيسى بن سوادة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زاذان، وقال: تفرد به عيسى بن سوادة، وهو مجهول٥ ... انتهى. قلت: لم ينفرد به عيسى بن سوادة كما ذكر البيهقي، لأنا رويناه في الأربعين المختارة لخطيب مكة: الحافظ ابن مسدي، وغيرها من حديث سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد الذي رواه عنه ابن سوادة. وقال ابن مسدي: هذا حديث حسن غريب ... انتهى.

стр. 111

ورواه الحاكم١ من الوجه الذي رواه البيهقي وصحح إسناده، وقال المحب الطبري بعد أن أخرج هذا الحديث: وهذا الحديث يدل على أن المراد بالمسجد الحرام في فضل تضعيف الصلاة الحرم جميعه، لأنه عم التضعيف في جميع الحرم، وكذلك حديث تضعيف الصلاة عمن في جميع مكة، وحكم الحرم ومكة في ذلك سواء باتفاق، إلا أن يخص المسجد بتضعيف زائد على ذلك، فيقدر كل صلاة بمائة ألف صلاة فيما سواه والصلاة فيما سواه بعشر حسنات فتكون الصلاة فيه بألف ألف حسنة، والصلاة في مسجد النبي ﷺ بمائة ألف حسنة، ويشهد لذلك ظاهر اللفظ٢، والله أعلم. قال: وعلى هذا تكون حسنة الحرم بمائة ألف حسنة وحسنة مسجده، إما مسجد الجماعة، وإما الكعبة على اختلاف القولين بألف ألف، ويقاس بعض الحسنات على بعض أو يكون ذلك خصيصا للصلاة، والله أعلم ... انتهى. وروينا عن الحسن البصري ما يقتضي تضاعف الحسنة بمكة إلى مائة ألف حسنة، لأنه قال: صوم يوم بمكة بمائة ألف، وصدقة درهم بمائة ألف، وكل حسنة بمائة ألف ... انتهى. وذكر المحب الطبري أن فيما تقدم من أحاديث مضاعفة الصلاة والصوم بمكة دليلا على إطراد التضعيف في جميع الحسنات إلحاقا بهما. قال: ويؤيد ذلك قول الحسن٢ ... انتهى.

стр. 112

الباب السادس: ذكر المجاورة بمكة: المجاورة بمكة مستحبة عند أكثر العلماء، منهم: الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، وابن القاسم صاحب مالك، لأنه قال: إن جوار مكة مما يتقرب به إلى الله، كالرباط، والصلاة، نقل ذلك عنه ابن الحاج المالكي في "منسكه". واستحبها أيضا أحمد بن حنبل، لأنه روي عنه أنه قال: ليت أني الآن مجاور بمكة. وممن كره المجاورة بمكة: أبو حنيفة، وفهم ذلك ابن رشد المالكي من كلام وقع لمالك. وسبب الكراهة عند من رآها من العلماء على ما قال المحب الطبري في "القرى": خوف الملل وقلة الاحترام لمداومة الأنس بالمكان، وخوف ارتكاب ذنب هنالك، فإن المعصية ليست كغيرها، وتهيج الشوق بسب الفراق١. وقال أبو عمرو الزجاجي: من جاور بالحرم وقلبه متعلق بشيء سوى الله تعالى فقد ظهر خسرانه. وقال المحب أيضا: ولم يكره المجاورة أحمد بن حنبل في خلق كثير، وقالوا إنها فضيلة، وما يُخاف من ذنب فيقابل بما يُرجى لمن أحسن من تضعيف الثواب.

стр. 113

وقد نزل بها من أصحاب رسول الله ﷺ ، أربعة وخمسون رجلا سردهم المحب في "القرى"١. وذكر النووى في "الإيضاح": أن المختار استحباب المجاورة بمكة، وعلل كراهة من كرهها من العلماء بنحو مما قال المحب، ثم قال: وأما من استحبها، فلما فيها من تضاعف الحسنات والطاعات، وقد جاور بها مما يقتدى به من سلف الأمة وخلفها خلائق لا يحصون ... انتهى. قلت: يدل لاستحباب المجاورة بمكة: رغبة النبي صلى الله عليه في سكناها، كما في حديث عبد الله بن الحمراء، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر ﵃. وتمنى بلال ﵁ العود إلى أماكن بعضها بمكة وبعضها حولها، حيث يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل تبدون٢ لي شامة وطفيل هكذا رويناه في تاريخ الأزرقي٣. وفي البخاري: بوادٍ، عوض قوله بفخ. وقد سبق أن الإذخر نبت معروف طيب الرائحة، والجليل: النمام، وقيل: النمام إذا جل، وفخ: هو وادي الزاهر، لأن ياقوتا في "معجم البلدان"٤ قال لما ذكر فخ: قال السيد على بن وهاس العلوي: فخ وادي الزاهر، فيه قبور جماعة من العلويين قتلوا فيه في وقعة كانت لهم مع أصحاب موسى الهادي بن المهدي بن المنصور في ذي الحجة سنة تسع وستين ومائة، وللشعراء فيها مراثٍ كثيرة ... انتهى٥. وعلي بن وهاس هذا من فضلاء مكة ممن أخذ عن الزمخشري، ولأجله صنف "الكشاف" على ما قيل، ومدحه الزمخشري في "الكشاف". وسيأتي في الباب الأربعين إن شاء الله تعالى ذكر مجنة، وشامة، وطفيل، ويدل لذلك قول عائشة ﵂ لولا الهجرة لسكنت مكة، إني لم أر السماء بمكان

стр. 114

أقرب إلى الأرض منها بمكة، ولم يطمئن قلبي ببلد قط ما اطمأن بمكة، ولم أر القمر بمكان قط أحسن منه بمكة. وروينا ذلك في تاريخ الأزرقي١. ويدل لذلك ما رويناه عن الجندي في "فضائل مكة" له، قال: حدثنا أبو صالح محمد بن زنبور قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن مطر، عن أبي الطفيل قال: قال ابن عباس ﵄ أقم بمكة وأن أكلت بها العضاة، يعني الشجر. ويدل لذلك أمور أخر ذكرناها في أصل هذا الكتاب مع أشياء أخر تتعلق بحكم المجاورة بمكة، وفيما ذكرناه هنا من ذلك كفاية.

стр. 115

ذكر شيء مما جاء في الموت بمكة: روينا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ فذكر أحاديث ثم قال: "ومن مات بمكة فإنما مات في سماء الدنيا"١ إسناده ضعيف. وروينا عن الحسن البصري في رسالته المشهورة أن النبي ﷺ قال: "من مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا" ٢. وروينا في "فضائل مكة" للجندي، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن النبي ﷺ قال: "من مات بمكة بعثه الله في الآمنين يوم القيامة" ٣. وروينا فيه من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعا من جملة حديث يتعلق بالكعبة قال فيه: "إن آدم ﵇ سأل ربه فقال: يا رب، أسألك من حج هذا البيت من ذريتي لا يشرك بك شيئا أن تلحقه بي في الجنة، فقال الله تعالى: يا آدم من مات في الحرم لا يشرك بي بعثته آمنا يوم القيامة". وروينا فيه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة في الآمنيين" ٤.

стр. 116

وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من مات بمكة أو في طريق مكة بعث من الآمنين" ١ ذكره ابن جماعة في "منسكه". قال: ويروي أن سيدنا رسول الله ﷺ سأل الله تعالى عن ما لأهل بقيع الغرقد؟ فقال: لهم الجنة. فقال: يا رب ما لأهل المعلاة؟ قال: يا محمد سألتني عن جوارك فلا تسألني عن جواري ... انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر شيء من فضل مقبرة المعلاة في الباب الحادي والعشرين. وروينا في مسند الطيالسي، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زارني كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، ومن مات بأحد الحرمين بعثه الله تعالى من الآمنيين يوم القيامة" ٢. وروى خاطب بن أبي بلتعة، عن النبي ﷺ أنه قال: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين بعث في الآمنين يوم القيامة" ٣. أخرجه هكذا ابن الحاج المالكي في "منسكه". وعن سلمان الفارسي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي، وكان يوم القيامة من الآمنين" أخرجه ابن جماعة٤.

стр. 117

ذكر شيء مما جاء في فضل أهل مكة: روينا في كتاب "النسب" للزبير بن بكار قاضي مكة، وفي غيره من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: بعث رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة فقال له: "هل تدري إلى من أبعثك؟ أبعثك إلى أهل الله" ١. وروينا في تاريخ الأزرقي مرسلا عن النبي ﷺ من حديث ابن أبي مليكة ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال لعتاب: "أتدري على ما استعملتك؟ استعملتك على أهل الله، فاستوص بهم خيرا" يقولها ثلاثا.

стр. 118

وروينا في تاريخ الأزرقي أن عمر بن الخطاب ﵁ عزل عامله نافع بن عبد الحارث الخزاعي لاستعماله على أهل مكة مولاه عبد الرحمن بن أبزي واشتد عليه غضبه لذلك، ولم يسكن غضبه عنه إلا عندما أخبره أن ابن أبزي قارئ لكتاب الله تعالى١. ووجدت بخط بعض أصحابنا فيما نقله من خط الشيخ أبي العباس الميورقي ورد أن: "سفهاء مكة حشو الجنة". واتفق يبن عالمين في الحرم منازعة في تأويل الحديث وسنده، فأصبح الذي طعن في الحديث ومعناه، قد طعن أنفه واعوج، وقيل له: إي والله وسفهاء مكة من أهل الجنة، سفهاء مكة من أهل الجنة، سفهاء مكة من أهل الجنة فأدركه روع وخرج إلى الذي كان يكابره في الحديث من علماء عصره، وأقر على نفسه بالكلام فيما لا يعنيه، وفيما لا يحيط به خبرا ... انتهى باختصار. وبلغني أن الرجل المنكر للحديث هو: الإمام تقي الدين محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني الشافعي نزيل مكة ومفتيها، وبلغني أنه كان يقول: إنما الحديث: أَسْفَى -مكة أي المحزونون فيها على تقصيرهم- والله أعلم. ومن الأخبار الواردة في فضل أشراف مكة. ما ذكره الشيخ جمال الدين أبو محمد عبد الغفار ابن القاضي معين الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحميد الشهير بابن نوح الأنصاري الخزرجي الأقصري المولد، القوصي الدار، في كتابه "المنتقى من كتاب الوحيد في سلوك طريق أهل التوحيد والتصديق والإيمان بأولياء الله تعالى في كل زمان"، لأنه قال: وأخبرتني الحاجة أم نجم الدين بنت مطروح -وكانت من الصالحات، وكانت زوجة القاضي سراج الدين- قالت: حصل لنا غلاء بمكة شرفها الله تعالى وأكل الناس الجلود، وكنا ثمانية عشر نفرا، فكنا نعمل ما مقداره نصف قدح حسوة، فبينما نحن كذلك إذ جاءنا أربعة عشر قطعة دقيق، وجاء خلفها أهل مكة شرفها الله تعالى فاقتطعت منها أربع قطع وقلت له: أنت تريد تقتلنا بالجوع، وفرق العشر القطع على أهل مكة، فلما كان الليل قام من منامه مرعوبا وربما قالت: فبكى فقلت له ما بالك؟ قال: رأيت الساعة أو رأيت في منامي فاطمة بنت النبي ﷺ ﵂ وهي تقول: يا سراج تأكل البر وأولادي جياع! فقام وفرق الأربع قطع على الأشراف، وبقينا بلا شيء، وما كنا نقدر على القيام من الجوع ... انتهى. وروينا في أصل هذا الكتاب من تاريخ الأزرقي وغيره أخبارا أخر تدل على فضل أهل مكة، تركنا ذكرها هنا اختصارا.

стр. 119

ذكر شيء من فضل جدة ساحل مكة وشيء من خبرها: قال الفاكهي: حدثنا عبد الله بن منصور، عن سليم بن مسلم، عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "مكة رباط، وجدة جهاد" ١. حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف، حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: إنما جدة خزانة مكة، وإنما يؤتى به إلى مكة ولا يخرج به منها٢. حدثنا ابن أبي يوسف قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن جريج قال: مكة رباط: وجدة جهاد٣. قال ابن جريج: إني لأرجو أن يكون فضل مرابط جدة على سائر المرابط، كفضل مكة على سائر البلدان. حدثنا محمد بن علي الصايغ، حدثنا خليل بن رجاء قال: حدثنا مسلم أبو يونس قال: حدثني محمد بن عمر، عن ضوء بن فجر قال: كنت جالسا مع عباد بن كثير في المسجد الحرام فقلت: الحمد لله الذي جعلنا في أفضل المجالس وأشرفها، قال: وأين أنت عن جدة؟ الصلاة فيها بسبعة عشر ألف ألف صلاة، والدرهم فيها بمائة ألف. وأعمالها بقدر ذلك، يغفر للناظر فيها مد بصره. قال: قلت: رحمك الله، مما يلي البحر؟ قال: مما يلي البحر. ثم قال الفاكهي: حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف: قال: حدثنا يحيى بن سليم قال: سمعت عبد الله بن سعيد بن قنديل قال: جاءنا فرقد السنجي بجدة فقال: إني رجل أقرأ هذه الكتب، وإني لأجد فيما أنزل لله من كتبه: جدة أو جديد يكون بها قتلى وشهداء، لا شهيد يومئذ على ظهر الأرض أفضل منهم. وقال بعض أهل مكة: إن الحبشة جاءت في سنة ثلاث وثمانين في مصدرها، فوقعوا بأهل مكة، فخرج الناس من مكة إلى جدة وأميرهم عبد الله بن محمد بن إبراهيم، فخرج الناس غزاة في البحر، واستعمل عليهم عبد الله بن

стр. 120

محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي. وجدت هذا في كتاب أعطانيه بعض المكيين عن أشياخه يذكر هذا١ ... انتهى. وإبراهيم جد عبد الله بن محمد أمير مكة هذا هو إبراهيم المعروف بالإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أخو السفاح. والمنصور، حفيده عبد الله هذا، ولى مكة للرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي، وعلى هذا فسنة ثلاث وثمانين المشار إليها في هذا الخبر سنة ثلاث وثمانين ومائة٢. وفي بعض الكتب أن اسم عبد الله هذا: عبيد الله، والله أعلم بالصواب. وجدة هي الآن ساحل مكة الأعظم. وعثمان بن عفان ﵁ أول من جعلها ساحلا، بعد أن شاور الناس في ذلك، لما سئل فيه في سنة ست وعشرين من الهجرة، وكانت الشعيبة ساحل مكة قبل ذلك٣. وذكر ابن جبير أنه رأى بجدة أثر سور محدق بها، وذكر أن بها مسجدين ينسبان لعمر بن الخطاب ﵁ وأن أحدهما يقال له: مسجد الأبنوس، لساريتين فيه من خشب الأبنوس، وهذا المسجد معروف إلى الآن، والمسجد الآخر غير معروف، ولعله والله أعلم المسجد الذي تقام الجمعة فيه بجدة، وهو من عمارة الملك المظفر صاحب اليمن على ما بلغني. وذكر ابن جبير أيضا أنه كان بجدة موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنها منزل حواء أم البشر زوج آدم عليهما السلام٤ ... انتهى. ولعل هذا الموضع هو الموضع الذي يقال له: قبر حواء، وهو مكان مشهور بجدة، إذ لا مانع من أن تكون نزلت فيه ودفنت فيه، والله أعلم. وأستبعد أن يكون قبر حواء بالموضع المشار إليه لكون ابن جبير لم يذكره، وما ذاك إلا لخفائه عليه، فهو فيما عليه، وهو من الزمن أخفى، والله أعلم. وروى الفاكهي بسنده إلى ابن عباس ﵄ أن قبر حواء بجدة ... انتهى باختصار. وبها دور كثيرة.

стр. 121

ذكر شيء من فضل الطائف وخبره: أخبرني أبو هريرة ابن الحافظ الذهبي بقراءتي عليه في الرحلة الأولى بغوطة دمشق، أن يحيى بن محمد بن سعد الأنصاري أخبره سماعا وتفرد بالسماع منه قال: أنبأنا أبو المنجا بن اللتي وغيره قال: أنبأنا أبو حفص عمر بن عبد الله الحربي، قال: أنبأنا أبو غالب محمد بن عبيد لله العطار قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد البزار قال: أنبأنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي قال: أنبأنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي١ قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي القرشي، ثم الأسدي قال: حدثنا عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزومي قال: حدثني محمد بن عبد الله بن إنسان، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن الزبير بن العوام ﵁ قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من "لية" قال الحميدي: مكان بالطائف حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله ﷺ عند طرف القرن الأسود حذوها، فاستقبل "نَخِبا" قال الحميدي: مكان بالطائف يقال له نخب- ببصره، ثم وقف حتى اتفق الناس، ثم قال: "إن صيد وَجّ وعضاهه حرم محرم الله "، وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا. روينا هذا الحديث هكذا في الأول من مشيخة الفسو عن الحميدي، وهو في سنن أبي داود، ومسند ابن حنبل٢، وإسناده ضعيف على ما قال النووي، وقال: قال البخاري: لا يصح. وقال في "الإيضاح": ويحرم صيد وج٣، وهو واد بالطائف، لكن لا ضمان فيه ... انتهى. وذكر المحب الطبري في تحريم صيد وَجّ احتمالين، لأنه قال: وتحريمه يحتمل أن يكون على وجه الحمى له وعليه العمل عندنا. ويحتمل أن يكون حرمه في وقت ثم نسخ. قال: ونخب بفتح النون وكسر الخاء المعجمة، واد بالطائف، وقيل: هو واد بأرض هذيل.. قال: والقرن جبل صغير، ورأسه مشرف على وهدة. قال: ووَجّ بفتح الواو وتشديد الجيم، قيل: هو أرض الطائف نفسه، يسمى بوج بن عبد الحق من العمالقة ٤.... انتهى.

стр. 122

ووح بالحاء: ناحية نعمان. ذكره الحازمي من الأماكن فيما حكى عنه النووي١، وذكر أن وجا بالجيم ربما اشتبه بوح بالحاء. قال: وقال الحازمي: وج اسم لحصون الطائف، وقيل: لواحد منها، قال: وقال في "التهذيب": هو واد بالطائف ... انتهى. وقال صاحب المطالع: هو وادي وج على يومين من مكة ... انتهى. قال المحب الطبري: وقد جاء في الحديث أن وجًّا مقدس٢ ... انتهى. وروى الفاكهي: حديثا من رواية خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن آخر وطأة وطئها الله تعالى بوج" ٣. وقال الفاكهي: قال سفيان يعني ابن عيينة في تفسيره: آخر غزاة غزاها رسول الله ﷺ : غزوة الطائف، لقتاله أهل الطائف وحصاره ثقيف ... انتهى. وذكر الشيخ أبو العباس الميورقي ما يوافق هذا التفسير ويزيده، إيضاحا، لأنه قال: وروي في "الصحاح" للجوهري: آخر وطأة وطئها الله بوج. وأحسن ما قيل في ذلك ما كان شيخنا أبو محمد محمد بن الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذر يقول: آخر غزوة وطأ الله بها أهل الشرك: غزوة الطائف بإثر فتح مكة شرفها الله تعالى. ذكر ذلك الميورقي في جزء ألفه سماه: "بهجة المهج في بعض فضائل الطائف ووج"، وفيه أسئلة غريبة. ومما ذكره في فضل الطائف: وروي في قوله : ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك﴾ أي بفتح مكة والطائف أهم البلاد عليه وأحبها إليه. وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾ ٤ [الزخرف: ٣١] قالوا: هما مكة والطائف، فقرن الله ﷻ الطائف ببيته، وفي ذلك غاية الفخر الذي تعجز العبارة عن كنهه وقدره وماهيته ... انتهى.

стр. 123

وقال الفاكهي في الآية الآخيرة: إنها نزلت في مكة والطائف فيما يقال، وحكى في الرجل قولين١: أحدهما: أنه عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، والآخر: أنه مسعود بن معتب الثقفي. قال: وأما الطائف فهي من مخاليف مكة، وهي بلد طيب الهواء بارد الماء، كان له خطر عند الخلفاء فيما مضى، وكان الخليفة يوليها رجلا من عنده، ولا يجعل ولايتها إلى صاحب مكة ... انتهى. وبالطائف آثار تنسب للنبي ﷺ ، منها: السدرة التي انفرجت له نصفين حتى جاز بينهما، وبقيت على ساقين، وذلك لما اعترضته في طريقه، وهو سائر وسنان ليلا في غزوة الطائف، على ما ذكره ابن فورك٢، فيما حكاه عنه القاضي عياض في "الشفا"، وبعض هذه السدرة باق إلى الآن، والناس يتبركون به. ومنها: مسجد ينسب للنبي ﷺ في مؤخر المسجد الذي فيه قبر عبد الله بن عباس ﵄، لأن في جداره القبلي من خارجه حجرا مكتوبا فيه: أمرت السيدة أم جعفر بنت أبي الفضل٣ أم ولاة عهد المسلمين أطال الله بقاءها بعمارة مسجد رسول الله ﷺ بالطائف، وفيه أن ذلك سنة اثنتين وتسعين ومائة٤. والمسجد الذي فيه قبر ابن عباس ﵄ أظن أن المستعين العباسي عمره مع ضريح ابن عباس ﵄ واسمه مكتوب في المنبر الذي في هذا المسجد، واسم الملك المظفر صاحب اليمن مكتوب في القبة التي فيها ضريح ابن عباس ﵄ بسبب عمارته لها. وبالطائف مواضع أخر تنسب للنبي ﷺ معروفة عند أهل الطائف. وذكر الحافظ أبو محمد القاسم ابن الحافظ أبي القاسم على ابن عساكر خبرا في فضل أهل الطائف، نقله عن المحب الطبري في "القرى"، ونص ذلك على ما في

стр. 124

"القرى" عن عبد الملك بن عباد بن جعفر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول من أشفع له يوم القيامة من أمتي: أهل المدينة وأهل الطائف" ١ ... انتهى. واختلف في سبب تسمية الطائف بالطائف، فقال السهيلي: ذكر بعض أهل النسب أن الدمون بن الصدف واسم الصدف: مالك بن مالك بن مربع بن كندة- من حضرموت، أصاب دما من قومه، فلحق ثقيفا فأقام بها وقال لهم: ألا أبني لكم حائطا يطيف ببلدكم، فبناه فسمي به الطائف٢، ذكره البكري٣، واعترض عليه السهيلي فيما ذكره في نسب الدمون. وأفاد شيئا من خبره وخبر ولده، وذكر ابن الكلبي ما يوافق هذا القول. وقيل في تسمية الطائف: أن جبريل ﵇ طاف به حول الكعبة على ما ذكر بعض المفسرين لأنه قال في تفسير قوله تعالى في سورة "ن": ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩] : أن جبريل ﵇ اقتلعها من موضعها. فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها الله تعالى حيث الطائف اليوم، فسميت باسم الطائف الذي طاف عليها وطاف بها ... انتهى باختصار من كتاب السهيلي٤. ونقل الميورقي عن الأزرقي: أن الطائف سمي الطائف لطواف جبريل ﵇ به سبعا حول البيت لما اقتلعه من الشام، لدعوة الخليل إبراهيم ﵇ حيث يقول: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦] الآية، والله أعلم بالصواب. وقد أتينا على جملة من فضل الطائف وخبره. ومن غريب خبره: ذكر الميورقي، عن الفقيه أبي محمد عبد الله بن حموا النجاري، عن شيخ الخدام بالحرم النبوي بدر الشهابي: أنه بلغه أن ميضاه وقعت في عين الأزرق في الطائف، فخرجت بعين الأزرق بالمدينة على ساكنها السلام.

стр. 125

الباب السابع في أخبار عمارة الكعبة المعظمة ... البابع السابع: في أخبار عمارة الكعبة المعظمة: لا شك أن الكعبة المعظمة بنيت مرات، وقد اختلف في عدد بنائها، وتحصل من مجموع ما قيل في ذلك أنها بنيت عشر مرات منها: بناء الملائكة ﵈. ومنها: بناء آدم ﵇. ومنها: بناء أولاده. ومنها: بناء العمالقة. ومنها: بناء جرهم. ومنها: بناء قصي بن كلاب. ومنها: بناء قريش. ومنها: بناء الخليل إبراهيم ﵇. ومنها: بناء عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي ﵁. ومنها بناء الحجاج بن يوسف الثقفي وإطلاق العبارة بأنه بنى الكعبة تجوز؛ لأنه لم يبن إلا بعضها كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولم أذكر ذلك إلا لكون السهيلي والنووي ذكرا ذلك في عدد بناء الكعبة١. ووجدت بخط عبد الله بن عبد الملك المرجاني أن عبد المطلب جد النبي ﷺ بنى الكعبة بعد قصي وقبل بناء قريش، ولم أر ذلك لغيره، وأخشى أن يكون وهما، والله أعلم.

стр. 126

فأما بناء الملائكة للكعبة: فذكره الأزرقي في تاريخه١ وذكر أن ذلك قبل خلق آدم ﵇ واستدل على ذلك بخبر رواه عن زين العابدين، وذكر من حديث ابن عباس ﵄ أيضا ما يدل لبناء الملائكة للكعبة. وذكر النووي في "تهذيب الأسماء واللغات"٢ بناء الملائكة للكعبة، وعد ذلك أول بنائها، ولم يذكر بناء آدم للكعبة، وذلك عجيب منه، لأن بناء آدم في الشهرة كبناء الملائكة أو أشهر، وإن كانا غير ثابتين، وكلا البنائين على تقدير صحتهما تأسيس، والله أعلم. فأما بناء آدم ﵇ فروينا فيه خبرا مرفوعا في كتاب "دلائل النبوة" للبيهقي، ولفظه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال: حدثنا أبو صالح الجهني قال: حدثني ابن لهيعة، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتا، فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب حتى أجابه الماء فنودي من تحته: حسبك يا آدم، فلما بنياه أوصى الله إليه أن طوف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت" ثم تناسخت القرون حتى حجة نوح ﵇، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا. وذكر الأزرقي بناء آدم للكعبة واستدل له بخبرين رواهما عن ابن عباس ﵄ في أحدهما أنه بناه من خمسة أجبل: لبنان، وطور زيتا، وطور سيناء، والجودي، وحراء، حتى استوى على الأرض، وفي الآخر: كان آدم ﵇ أول من أسس البيت وصلى فيه٣. وفي "مصنف" عبد الرزاق": أن آدم ﵇ بنى البيت من هذه الخمسة الجبال، وأن ربضه كان من حراء. قال المحب الطبري: والمربض هنا هو الأساس المستدير بالبيت. وذكر الأزرقي بسنده إلى ابن إسحاق ما يدل لبناء آدم الكعبة في أثناء خبر بناء الخليل ﵇ للكعبة٤. واختلف هل بناء الملائكة قبل بناء آدم أو بناء آدم قبل الملائكة؟ وذكر الأزرقي ﵀ ما يشهد للقولين. وذكرنا ذلك في أصل هذا الكتاب.

стр. 127

ذكر البيت المعمور الذي أنزله الله على آدم وشيء من خبره: روينا في "تاريخ الأزرقي" عن مقاتل يرفع الحديث إلى النبي ﷺ في حديث حدث به: آن آدم ﵇ قال: أي رب إني أعرف شقوتي، إني لا أرى شيئا من نورك يتعبد فيه، فأنزل الله عليه البيت المعمور على عرض البيت وموضعه، من ياقوتة حمراء، ولكن طولها كما بين السماء والأرض وأمره أن يطوف بها، فأذهب الله عنه الغم الذي كان يجد قبل ذلك، ثم رفع على عهد نوح١. وأما بناء بني آدم للكعبة: فذكره الأزرقي، لأنه روى بسنده إلى وهب بن منبه قال: لما رفعت الخيمة التى عرى الله بها آدم ﵇ من حلية الجنة حين وضعت له بمكة في موضع البيت ومات آدم ﵇ فبنى بنو آدم من بعده مكانها بيتا بالطين والحجارة، فلم يزل معمورا يعمرونه هم ومن بعدهم، حتى كان زمن نوح ﵇ فنسفه الغرق وغير مكانه حتى بُوِّئَ لإبراهيم ﵇ ... انتهى. وقال الحافظ أبو القاسم السهيلي في الفصل الذي عقده لبنيان الكعبة: وكان بناؤها في الدهر خمس مرات، الأولى حين بناها شيث بن آدم ﵇ ... انتهى. قلت: هذا يخالف ما تقدم في من بنى الكعبة أولا هل هو الملائكة أو آدم؟ ولعل السبب عند من قال إن شِيثًا أول من بنى الكعبة: كون بنائه كان بيتا بالطين والحجارة، بخلاف بناء آدم ﵇ فإنه كان بناء لأساس البيت كما في خبر بنيانه، وأنزل الله عليه من الجنة البيت الذي كان يطوف به، وهو البيت المعمور كما سبق، ولعله الخيمة المشار إليها في خبر وهب بن منبه، والله أعلم. ولعل سبب نسبة هذا البناء لشيث بن آدم كونه: كان وصي ابنه، كما يروى عن وهب بن منبه، والله أعلم. وأما بناء الخليل ﵇ فهو ثابت كما في القرآن العظيم والسنة الشريفة، وهو أول من بنى البيت على ما ذكر الفاكهي عن علي بن أبي طالب ﵁ وجزم به الشيخ عماد الدين بن كثير في تفسيره، وقال: لم يجئ خبر عن معصوم، أن البيت كان مبنيا قبل الخليل٢...... انتهى.

стр. 128

وروينا في تاريخ الأزرقي عن ابن إسحاق: أن الخليل ﵇ لما بنى البيت جعل طوله في السماء تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عنده الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي اثنين وعشرين ذراعا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعا، وجعل عرض شقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، وجعل بابها بالأرض غير مبوب، وحفر جبا في بطن البيت على يمين من دخله يكون خزانة للبيت، وكان يبني وإسماعيل ينقل له الحجارة على رقبته١. وذكر ابن الحاج المالكي في "منسكه" شيئا من خبر بناء إبراهيم ﵇ للكعبة فقال: وكان صفة بناء إبراهيم ﵇ للبيت أنه كان مدورا من ورائه، وكان له ركنان وهما اليمانيان فجعلت قريش حين بنوه أربعة أركان ... انتهى. وروينا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أما والله ما بنياه يقصب ولا مدر٢، ولا كان معهما من الأعوان والأموال ما يسقفانه، ولكنهما أعلياه وطافا به. وروينا عن عثمان بن ساج أنه بلغه: أن الخليل ﵇ بنى الكعبة من سبعة أجبل. وروينا عن أبي قلابة: أنه بناه من خمسة أجبل: حراء، وثبير، ولبنان، والطور، والجبل الأحمر. وروينا عن قتادة قال: ذكر لنا أنه يعني الخليل ﵇ بناه من خمسة أجبل: من طور سيناء وطور زيتا٣، ولبنان، والجودي٤، وحراء. قال: وذكر لنا أن قواعده من حراء ... انتهى. ويروى أنه أسس البيت من ستة أجبل: من أبي قبيس، ومن الطور، ومن القدس، ومن ورقان، ومن رضوى، ومن أحد ... انتهى. قلت: هذا يعكر على الحكمة التي ذكرها السهيلي في كون الخليل بنى الكعبة من خمسة أجبل، على ما قيل، لأنه قال بعد أن ذكر أن الخليل ﵇ بنى الكعبة من خمسة أجبل هي: طور زيتا، وطور سيناء، والجودي، ولبنان، وحراء: وانتبه الحكمة.

стр. 129

الله تعالى كيف جعل بناءها من خمسة أجبل: فشاكل ذلك معناها، إذ هثي قبلة الصلوات الخمس وعمود الإسلام، وقد بني على خمس١ ... انتهى. وأما بناء العمالقة وجزهم للكعبة: فذكره الأزرقي، لأنه روى بسنده عن علي بن أبي طالب رضي لله عنه قال في خبر بناء إبراهيم ﵇ للكعبة ثم انهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته قبيلة من جرهم، ثم انهدم فبنته قريش٢ ... انتهى. وذكره الفاكهي، لأنه روى بسنده عن علي ﵁ قال: أول من بنى البيت إبراهيم، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم هدم البيت فبنته العمالقة، ثم هدم فبنته قريش٣. قلت: هذا يقتضي أن جرهما بنت البيت قبل العمالقة، والخبر الأول يقتضي أن العمالقة بنته قبل جرهم، وبه جزم المحب الطبري في "القرى"، والله أعلم. وذكر المسعودي ما يقتضي أن الذي بنى الكعبة من جرهم هو الحارث بن مضاض الأصغر، لأنه لما ذكر خبرهم قال فيه: إن الحارث هذا زاد في بناء البيت ورفعه كما كان عليه من بناء إبراهيم٤ ... انتهى. والله أعلم بحقيقة ذلك. وأما بناء قصي بن كلاب: فذكره الزبير بن بكار قاضي مكة في كتاب "النسب"، لأنه قال: وقال غير أبي عبيدة من قريش ابن عبد العزى بن عمران العنبسي: أخذ قصي في بنيان البيت وجمع نفقته، ثم هدمها فبناها بنيانا لم يبن أحد ممن بناها مثله، وجعل، وهو يبنيها يقول: ابني وبيتي الله يرفعها ... وليبن أهل وراثها بعدي بيتا بها وتمامها وحجابها ... بيد الإله وليس بالعبد فبناها وسقفها بخشب الدوم الجيد وبجريد النخل، وبناها على خمسة وعشرين ذراعا، فلذلك يقول أعشى بكر بن وائل: فإني وثوبي راهب اللج والذي ... بناها قصي وحده وابن جرهم لئن شب نيران العداوة بيننا ... لتركلن مني على ظهر شيهم وذكر الزبير بن بكار في مواضع أخر ما يشهد له، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكره في خبر قصي. ونقل ذلك كله عن الزبير: الفاكهي في كتاب "أخبار مكة" وقال بعد ذكره لخبر عبد العزيز بن عمران: يعني بالشيهم: القنفذ.

стр. 130

وذكر الفاكهي بناء قصي عن غير الزبير، لأنه قال في خبر قصي: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة، حدثنا عبد الله بن يزيد، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود قال: بلغني أن قصي بن كلاب بنى البيت بعد بناء إبراهيم، ثم بنته قريش١ ... انتهى. وذكر أبو عبد الله محمد بن عائذ الدمشقي في "مغازيه": أن قصي بن كلاب بنى البيت. وجزم به الماوردي في "الأحكام السلطانية"، لأنه قال: فكان أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم ﵇ قصي بن كلاب، وسقفها بخشب الدوم وجريد النخل٢ ... انتهى. ولم يذكر ذلك الأزرقي ﵀ والله أعلم بحقيقة ذلك. وأما قول عبد العزيز بن عمران في الخبر الذي ذكره الزبير بن بكار: وبناها على خمسة وعشرين ذراعا، ففيه نظر، لأنه إن أراد به أن قصيا جعل ارتفاع الكعبة خمسة وعشرين ذراعا كان مخالفا لما اشتهر في الأخبار من أن الخليل ﵇ جعل طولها تسعة أذرع، وأن قريشا زادت في طولها تسعة أذرع، وإن أراد أن قصيا جعل عرضها خمسة وعشرين ذراعا: فالمعروف أن عرضها من الجهة الشرقية والغربية لا ينقص عن ثلاثين ذراعا في بناء الخليل لها، بل يزيد على خلاف في مقدار الزيادة، وإذا أراد عرضها من الجهة الشامية واليمانية: فعرضها في هاتين الجهتين ينقص عن خمسة وعشرين ذراعا ثلاثة أذرع أو أزيد. وكل من بنى الكعبة بعد إبراهيم ﵇ لم يبنه إلا على قواعد، غير أن قريشا استقصرت من عرضها في الجهة الشرقية والغربية أذرعا عن أساس إبراهيم- ﵇ لأمر اقتضاه الحال، وصنع ذلك الحجاج بعد ابن الزبير عنادا، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وأما بناء قريش الكعبة: فهو ثابت كما في السنة الشريفة الصحيحة عن النبي ﷺ ، وحضره ﷺ ، وهو ابن خمس وثلاثين سنة، كما جزم به ابن إسحق وغير واحد من العلماء، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة كما جزم به موسى بن عقبة في "مغازيه" وابن جماعة في "منسكه"٣، ونقله مغلطاي عن تاريخ يعقوب بن سفيان، وقيل: ابن ثلاثين سنة حكاه ابن خليل في "منسكه" وجزم به، وهذا القول غير معروف، وأظنه سقط من كتابه لفظة: "خمس" بين "ابن" وبين "ثلاثين"، والله أعلم.

стр. 131

وقيل: إنه ﷺ كان حين بناء قريش للكعبة غلاما، ذكر هذا القول الأزرقي، لأنه قال في ترجمة ترجم عليها بقول: "ذكر ما كان عليه ذرع الكعبة حين صار إلى ما هو عليه إلى اليوم من خارج وداخل": ثم بنتها قريش في الجاهلية، والنبي ﷺ يومئذ غلام١ ... انتهى. وذكر الفاكهي ما يوافق ذلك، وفيما ذكره بيان لسن النبي ﷺ حين كان غلاما، لأن الغلام يقع على الصبي من حين يولد إلى حين يبلغ، وما ذكره الفاكهي في ذلك مذكور في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ذكر ما كانت عليه الكعبة في عهد إبراهيم ﵇ من الطوال والعرض إلى يومنا هذا" لأنه قال: ثم بنتها قريش في الجاهلية، وقد كتبنا بناءها في موضع بناء قريش الكعبة، والنبي ﷺ يومئذ قد ناهز الحلم٢...... انتهى. وهذا القول، والقول الذي ذكره ابن خليل غريبان، لمخالفتهما المشهور في سنه ﷺ حين بنت قريش الكعبة، وهو ما ذكره ابن إسحاق أو ما ذكره ابن عقبة، ولم أر من ذكر ذلك القول الذي ذكره ابن خليل، والله أعلم. وهو ﷺ الذي وضع الحجر الأسود موضعه من الكعبة حين اختلفت قريش في ذلك، وكان سبب بنائهم لها توهنها من الحريق الذي أصابها حين جمرت، والسيل العظيم الذي دخلها وصدع جدرانها بعد توهنها بالحريق، وجعلوا ارتفاعها من خارجها من أعلاها إلى الأرض ثمانية عشر ذراعا، منها: تسعة أذرع زائدة على طولها حين عمرها الخليل ﵇ واقتصروا من عرضها أذرعا جعلوها في الحجر، لقصر النفقة الحلال التي أعدوها لعمارة الكعبة عن إدخال ذلك فيها، ورفعوا بابها ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، وكبسوها بالحجارة، وجعلوا في داخلها ست دعائم في صفين، ثلاث في كل صف من الشق الذي يلي الحجر إلى الشق اليماني، وجعلوا في ركنها الشامي من داخلها درجة يصعد منها إلى سطحها، وجعلوها سطحا، وجعلوا فيها ميزابا يصب في الحجر، هذا ملخص بالمعنى مختصر مما ذكره الأزرقي في خبر بناء قريش، وقد ذكرناه بكماله في أصل هذا الكتاب، مع ما ذكره الأزرقي في خبر بناء قريش، وقد ذكرناه بكماله في أصل هذا الكتاب، مع ما ذكره ابن إسحق في ذلك بفوائد٣ أخر تتعلق بذلك. وذكر الأزرقي والفاكهي في القدر الذي زادته قريش في طول الكعبة على بناء الخليل ﵇ أمرا يستغرب أما الأزرقي فإنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ما جاء في ذكر بناء قريش الكعبة في الجاهلية": حدثني جدي عن داود بن

стр. 132

عبد الرحمن العطار قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم القاري، عن أبي الطفيل..... فذكر خبرا في بنيان قريش للكعبة، وفيه: ثم هدموها وبنوها عشرين ذراعا طولها١ ... انتهى. وأما الفاكهي فإنه قال: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة بن أزهر قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان، عن أبيه، عن ابن الزبير ﵄ قال: قال عثمان بن عفان ﵁ وكان عالما بأمر الجاهلية وبنيان البيت قال: إن قريشا لما هدمت الكعبة فجعلوا يبنونها بأحجار الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا، وكانوا ينقلون الحجارة من أجياد٢ ... انتهى باختصار. ووجه الغرابة في ذلك مخالفته لما ذكره الأزرقي والفاكهي وغيرهما، من أن قريشا جعلوا طول الكعبة لما بنوها ثمانية عشر ذراعا. وذكر الفاكهي أيضا في من وضع الحجر الأسود في الكعبة حين بنتها قريش أمرا يستغرب أيضا لأنه قال في أثناء خبر ذكره: وزعم عباد بن عبد الرحمن الأعرج مولى ربيعة بن الحارث قال: حدثني من لا أتهم عن حسان بن ثابت وكان قد شهد بناءها قال: رأيت عبد المطلب بن هاشم جالسا على سور الكعبة، وهو شيخ كبير قد ربط لها حاجباه، وهم يختصمون في الركن ليرفعوه إليه، فلما قضى فيه رسول الله ﷺ ما قضى، ورفعته قريش في الثوب حتى وضعه رسول الله ﷺ بيده، فرفعه إلى عبد المطلب، وكان هو الذي وضعه بيده، فقال له محمد بن علي حين حدثه: والله ما سمعت بهذا من أحد من أهل بيتي، وما سمعت أحدا يذكر إلا أن رسول الله ﷺ هو الذي وضعه بيده٣. قال عثمان: قال محمد: وحدثت عن بعض أهل العلم أن عبد المطلب أخذه بيده، وجعلت قريش أيديها تحت يده، ثم رفعوا حتى انتهوا به إلى موضعه، فوضعه النبي ﷺ بيده، كل ذلك قد سمعناه في الركن٣ ... انتهى. ووجه الغرابة في كون عبد المطلب وضع الحجر الأسود في الكعبة حين بنتها قريش، فمخالفته لما اشتهر من أن النبي ﷺ هو الذي وضع الحجر الأسود بيده في الكعبة حين بنتها قريش على ما هو مشهور في خبر بنائهم، ويتأيد ذلك بأن عبد المطلب مات وللنبي ﷺ ثمان سنين، وقيل: ثماني سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل: تسع سنين،

стр. 133

وقيل: عشر سنين، وقيل: ست سنين، وقيل: ثلاث سنين، والكعبة بنيت وللنبي ﷺ خمس وثلاثون سنة وقيل: خمس وعشرون سنة على ما هو المشهور في سنه حين بنتها قريش١ وإذا كان كذلك فلا يكون عبد المطلب وضع الحجر الأسود بيده حين بنتها قريش، ولا حضر بناءهم لها، على أن الفاكهي ذكر في موضع آخر ما يقتضي أن عبد المطلب حضر بناء قريش، ذكر ذلك في خبر تبع. وأما بناء ابن الزبير رضي لله عنهما للكعبة فإنه ثابت مشهور، وسبب ذلك توهن الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير ﵄ بمكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة، لمعاندته يزيد بن معاوية، وما أصابها مع ذلك من الحريق، بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير ﵄ في خيمة له، فطارت الرياح بلهب تلك النار، فأحرقت كسوة الكعبة والساج الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش، فضعفت جدران الكعبة، حتى أنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها. ولما زال الحصار عن ابن الزبير ﵄ لإدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية، رأي ابن الزبير ﵄ أن يهدم الكعبة ويبنيها، فوافقه على ذلك نفر قليل، وكره ذلك نفر كثير، منهم ابن عباس ﵄. ولما أجمع على هدمها خرج كثير من أهل مكة إلى منى مخافة أن يصيبهم عذاب وأمر ابن الزبير ﵄ لها يوم السبت في النصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وبناها على قواعد إبراهيم ﵇ وأدخل فيها ما أخرجته منها قريش في الحجر، وزاد في طولها على بناء قريش نظير ما زادته قريش في طول على بناء الخليل ﵇ وذلك تسعة أذرع، فصار طولها سبعة وعشرين ذراعا بتقديم السين وهي سبعة وعشرون مدماكا٢، وجعل لها بابين لاصقين بالأرض، أحدهما بابها الموجود اليوم، والآخر المقابل له المسدود، واعتمد في ذلك وفي إدخاله في الكعبة ما أخرجته قريش منها في الحجر حين أخبرته به خالته عائشة ﵂ يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 134

وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد، وجعل لها درجة في ركنها الشامي يصعد منها إلى سطحها، وجعل فيها ميزابا يصب في الحجر، وجعل فيها روازن للضوء، هذا ملحق بالمعنى مختصر مما ذكره الأزرقي في خبر بناء ابن الزبير ﵄ للكعبة١ وما ذكره من أن زيادة ابن الزبير تسعة أذرع في طول الكعبة هو المشهور. وروينا في صحيح مسلم من حديث عطاء بن أبي رباح قال: إن ابن الزبير ﵄ زاد في طول الكعبة عشرة أذرع، وفيه ما يقتضي أنه لم يهدم الكعبة في الوقت الذي ذكره الأزرقي. وصرح ابن الأثير في "كامله" بأن عمارة ابن الزبير ﵄ للكعبة كانت سنة خمس وستين، ثم قال: وقيل: كانت عمارتها في سنة أربع وستين٢. وهذا يوافق ما ذكره الأزرقي، والقول الأول موافق لما في مسلم، لأن فيه من حديث عطاء بن أبي رباح قال: لما احترق البيت زمان يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، وكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس في الموسم، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة: أنقضها ثم أبنيها، أو أصلح ما وَهَى منها؟ فقال له ابن عباس ﵄: إني أرى أن تصلح ما وَهَى منها، وتدع بيتا أسلم الناس عليه، وحجارة أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي ﷺ ، فقال ابن الزبير: لو أن أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدده، فكيف ببيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثا، ثم عزم على أمر، فلما مضت الثلاثة أجمع رأيه أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد عليه أمر من السماء، حتى صعد رجل فألقى منه حجارة، فلما لم ير الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتى بلغ به الأرض ... انتهى باختصار. ووجه مخالفة هذا لما ذكره الأزرقي: أنه يقتضي أن ابن الزبير ﵄ لم يهدم البيت حتى صدر الناس من الموسم، وصدورهم منه كان بعد حجهم، وزمن الحج غير الزمن الذي ذكر الأزرقي أن ابن الزبير رضي لله عنهما هدم فيه البيت، وقد سبق ذلك قريبا، والله أعلم بالصواب. وتكون عمارة ابن الزبير ﵄ للبيت على مقتضى حديث عطاء في آخر ذي الحجة من سنة أربع وستين، وفي سنة خمس وستين، وذلك يوافق ما جزم به ابن الأثير في عمارة الكعبة، والله أعلم.

стр. 135

ولم أر في تاريخ الأزرقي ذكر الوقت الذي فرغ فيه ابن الزبير من بناء الكعبة، وهو سنة خمس وستين، على ما ذكره المسبحي في "تاريخه" على ما وجدت بخط الحافظ رشيد الدين ابن الحافظ زكي الدين المنذري في اختصاره لتاريخ المسبحي، والله أعلم. وذكر المحب الطبري ما يقتضي أن فراغ ابن الزبير ﵄ من عمارة الكعبة كان في ليلة سابع عشر من رجب من سنة أربع وستين لأنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ما جاء في عمرة التنعيم" في الباب الثامن والثلاثين من "القرى" بعد أن ذكر اعتمار ابن الزبير ﵄ من التنعيم لما فرغ من بناء الكعبة١: وذكر أبو الوليد أن هدم الكعبة كان يوم السبت في النصف من جمادى الآخرة سنة أربع وستين، والظاهر أن ابتداء البناء عقيبه، بعد الفراغ منه، وأهل مكة يعتمرون في ليلة سبع وعشرين من رجب في كل سنة، وينسبون هذه العمرة إلى ابن الزبير ﵄ ولا يبعد أن يكون بناء الكعبة امتد إلى هذا التاريخ، فإن تطابق الناس على ذلك يأثره الخلف عن السلف، وفعله كل سنة بأسبابه تدل على صحة النسبة إليه، وأنه اعتمر في ذلك الوقت، وأن الفراغ من بناء الكعبة كان في هذا التاريخ، والله أعلم. وقد اختلفت الأخبار فيمن وضع الحجر الأسود في موضعه من الكعبة حين بناها ابن الزبير ﵄ فقيل: وضعه عبد الله بن الزبير بنفسه، ذكر ذلك الأزرقي في خبر رواه عن الواقدي بسنده؛ لأن فيه: فلما بلغ البناء موضع الركن جاء ابن الزبير ﵄ حتى وضعه بنفسه، وشده بالقصبة٢ ... انتهى. وقيل: وضعه عباد بن عبد الله بن الزبير، وهذا في خبر رواه الأزرقي٢ ذكر فيه أن عبد الله بن الزبير ﵄ أمر ابنه عبادا وجبير بن شيبة أن يجعلا الركن في ثوب ويخرجاه، وهو يصلي بالناس في صلاة الظهر في يوم شديد الحر، لئلا يعلم الناس بذلك فيتنافسوا في وضعه، وفيه: ففعلا ذلك، وفيه: فكان الذي وضعه في موضعه هذا عباد بن عبد الله بن الزبير، وأعانه عليه جبير بن شيبة. وقيل: وضعه حمزة بن عبد الله بن الزبير بأمر أبيه، نقل ذلك السهيلي٣ عن الزبير بن بكار. ورأيت في تاريخ الأزرقي وكتاب الفاكهي ما يقتضي أن الحَجَبة وضعوه في موضعه ومعهم حمزة بن عبد الله بن الزبير، والله أعلم بالصواب.

стр. 136

فيتلخص من ذلك أربعة أقوال فيمن وضع الحجر الأسود حين بنى ابن الزبير ﵄. وأما بناء الحجاج للكعبة فهو أيضا ثابت مشهور، ذكره الأزرقي وغيره، وملخص ذلك أن الحجاج بعد محاصرته ابن الزبير وقتله كتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها، وأحدث فيها بابا آخر، واستأذنه في رد ذلك على ما كان عليه في الجاهلية، فكتب إليه عبد الملك أن يسد بها الغرب، ويهدم ما زاد فيها ابن الزبير ﵄ في الحجر، ويكبسها به على ما كانت عليه ففعل ذلك الحجاج. وبناؤه في الكعبة، الجدار الذي من جهة الحجر بسكون الجيم والباب الغربي المسدود في ظهر الكعبة عند الركن اليماني وما تحت عتبة الباب الشرقي، وهو أربعة أذرع وشبر، على ما ذكر الأزرقي، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير ﵄ وهذا ملخص مما ذكره الأزرقي في ذلك بالمعنى١. وكان ذلك في سنة أربع وسبعين من الهجرة على ما ذكره ابن الأثير٢، وقيل: سنة ثلاث وسبعين على ما ذكر الذهبي في العبر. ثم إن عبد الملك بن مروان ندم على ما وقع منه في أمر الكعبة، وقال: وددت والله أنى كنت تركت ابن الزبير وما تحمل حين أخبره الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي أنه سمع من عائشة ﵂ حديثها عن النبي ﷺ الذي اعتمده ابن الزبير ﵄ فيما فعله في الكعبة. أخبرني بحديث عائشة ﵂ الزاهد عبد الرحمن بن أحمد المصري سماعا بالقاهرة في الرحلة الأولى: أن يونس بن إبراهيم العسقلاني أخبره سماعا، عن أبي الحسن علي بن الحسين البغدادي، عن أبي بكر بن الزاغوني ونصر بن نصر العكبري، قال الزاعوني: أنبأنا ابن نصر الزينبي. وقال العكبري: أنبأنا أبو القاسم بن البسري، قالا: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا بكار بن قتيبة قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا سليمان بن حبان قال: حدثنا سعيد بن مينا، عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال أخبرتني عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: "لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة وألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، ولزدت ستة أذرع من الحجر في البيت فإن قريشا استقصرت ذلك لما بنت البيت" ٣. وقد اختلفت الروايات فيما تركته قريش من الكعبة في الحجر، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى في أخبار الحجر.

стр. 137

ذكر شيء من حال الكعبة بعد بناء ابن الزبير والحجاج وما صنع فيها من العمارة: اعلم أنه لم يغير أحد من الخلفاء والملوك فيما مضى من الزمان وإلى الآن١ ما بناه ابن الزبير ﵄ والحجاج فيما علمناه، ولو وقع ذلك لنُقِلَ، فإن ذلك مما لا يخفى لعظم أمره، والذي غُيِّرَ فيها بعدهما: ميزابها غير مرة، وبابها غير مرة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وبعض أساطينها، وما دعت الضرورة إلى عمارته في جدرها وسقفها، ودرجتها التي يصعد منها إلى سطحها، وعتبتها، ورخامها، وهو مما حدث في الكعبة بعد ابن الزبير ﵄ والحجاج. وذكر الأزرقي أن الوليد بن عبد الملك أول من فرش الكعبة بالرخام وأزر به جدرانها، ونقل ذلك عن ابن جريج، لأنه قال: قال ابن جريج: وعمل الوليد بن عبد الملك الرخام الأحمر والأخضر والأبيض الذي في بطنها، فوزر به، أيضا جدرانها، وفرشها بالرخام، وأرسل به من الشام، ثم قال الأزرقي: فجميع ما في الكعبة من الرخام، فهو من عمل الوليد بن عبد الملك٢ ... انتهى. وكان الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان يحب أن يردها على ما بناها ابن الزبير، حين أخبره بذلك خليفته الإمام العادل عمر بن عبد العزيز بن مروان لما سأله عن ذلك ولم يمنع سليمان من ذلك إلا كون الحجاج صنع ذلك بأمر أبيه عبد الملك بن مروان، ذكر هذا الخبر الأزرقي٣. ويروى أن الخليفة الرشيد وقيل: أبوه المهدي أراد أن يغير ما صنعه الحجاج في الكعبة، وأن يردها إلى ما صنع ابن الزبير، فنهاه عن ذلك الإمام مالك بن أنس ﵀ وقال له: نشدتك الله لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك، لا يشأ أحد منهم أن يغيره إلا غيره، فتذهب هيبته من قلوب الناس ... انتهى بالمعنى. وكأن مالك لحظ في ذلك كون درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وهي قاعدة مشهورة معتمدة.

стр. 138

ونشير إلى ما علمناه من العمارات التي وقعت في الكعبة بعد ابن الزبير ﵄ والحجاج: فمن ذلك انفتاح الجدار الذي بناه الحجاج من وجه الكعبة ودبرها وترميمه ذكر ذلك إسحق بن أحمد الخزاعي أحد من روى عن الأزرقي في تاريخه، ونص كلامه: وأنا رأيتها، وقد عمر الجدار الذي بناه الحجاج مما يلي الحجر، فانفتح من البناء الأول الذي بناه ابن الزبير مقدار نصف أصبع من وجهها ومن دبرها، وقد رمم بالجص الأبيض ... انتهى. وذكر ذلك في موطن آخر بمعناه. وكلام الخزاعي هذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون ما ذكره من انفتاح الجدار وترميمه وقع في عصره، والآخر: أن يكون وقع ذلك قبله ورآه كما ذكره، والله أعلم. ووقع فيما ذكره الأزرقي: ما يقرب من هذا. ومن ذلك: ما وقع في سطح الكعبة على ما ذكر الأزرقي، لأنه قال: وكانت أرض سطح الكعبة بالفسيفساء، ثم كانت تكفّ عليهم إذا جاء المطر، فقلعته الحَجَبة بعد سنة مائتين، وشدوه بالمرمر المطبوخ والجص شيد به تشييدا. ومن ذلك: عتبة باب الكعبة السفلى، على ما ذكره الأزرقي، لأنه قال لما ذكر العمارة المتعلقة بالكعبة في زمن المتوكل العباسي، وهي في سنة إحدى وأربعين ومائتين: وكانت عتبة باب الكعبة السفلى قطعتين من خشب الساج فدثرتا ونخرتا من طول الزمان عليهما، فأخرجهما يعني المندوب للعمارة إسحق بن سلمة الصائغ وصير مكانهما قطعة من خشب الساج، وألبسهما صفائح فضة١ ... انتهى. ومن ذلك: رخامتان أو ثلاث في جدران الكعبة، قلع ذلك إسحاق بن سلمة، وأعاد نصبه بجص صنع في التاريخ المشار إليه ذكر ذلك الأزرقي٢ أيضا ومن ذلك ما وقع بعد الأزرقي، وهو عمارة سقف الكعبة والدرجة التي بباطنها، وكلاهما في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة٣. ومن ذلك: عمارة رخامها في عشر الخمسين وخمسمائة في غالب ظني وهذه العمارة من جهة الوزير جمال الدين المعروف بالجواد، وزير صاحب الموصل. ومن ذلك: مع وقع في سنة تسع وعشرين وستمائة، وما عرفت المعمور في تلك السنة من الكعبة: هل هو في سقفها؟ أو أرضها وجدرها؟ كإصلاح رخامه في ذلك وغيره، والله أعلم.

стр. 139

وهذه العمارة من جهة المستنصر العباسي، لأن في جدر الكعبة اليماني من داخلها رخامة مكتوبا فيها بعد البسملة: أمر بعمارة البيت المعظم الإمام الأعظم أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين، وفيها بعد الدعاء له: في شهور سنة تسع وعشرين وستمائة. ومن ذلك رخام الكعبة بأمر الملك المظفر صاحب اليمن، واسمه مكتوب بسبب ذلك في الكعبة في رخامة في وسط الجدار الغربي، ونص المكتوب: أمر بتجديد رخام هذا البيت المعظم: العبد الفقير إلى رحمة ربه يوسف بن عمر بن علي ابن رسول، وفيها بعد الدعاء له: بتاريخ شوال سنة ثمانين وستمائة١. ومن ذلك: إلصاق رخام خُشِيَ سقوطه في بعض جدرانها من داخلها في آخر سنة إحدى وثمانمائة أو في أول سنة اثنتين وثمانمائة٢. ومن ذلك: مواضع في سطحها كان يكثر وكف المطر منها إلى سفلها، منها: موضع عند الطابق الذي على الدرجة التي يصعد منها إلى سطحها، ومنها: موضع عند الميزاب، وكان الفتح الذي في هذا الموضع متسعا مضرا، يصل الماء منه إلى الجدار الشامي من الكعبة، لقربه منها، وينزل الماء منه في وسط الجدار، ومواضع بقرب بعض الروازن التي للضوء. وكان إصلاح المواضع المذكورة بالجبس بعد قلع الرخام الذي هناك، وأعيد في موضعه، وأبدل بعضه بغيره، وأصلحت الروازن كلها بالجبس، وكانت الأخشاب المطبقة بأعلى الروازن التي عليها البناء المرتفع في سطح البيت قد تخربت، فعوضت بخشب سوى ذلك، وأعيد البناء الذي كان عليها كما كان، إلا أن الروزن الذي يلي باب الكعبة فإن خشبه لم يغير، وكان الروزن الذي يلي الركن الغربي قد تخرب بعض الخشب الذي في جوفه مما يلي السقف والكسوة التي في جوف الكعبة، وكانت الكسوة التي تليه قد زال تشبكها فشمرت، وكان الروزن الذي يلي الركن اليماني منكسرا فقلع وعوض بروزن جيد وجد في أسفل الكعبة، وأصلح في الدرجة أخشاب متكسرة، وشاهدت إصلاح كثير من هذه الأمور وأنا بسطح الكعبة مع من صعد لعمل ذلك، وذلك في أيام متفرقة في العُشْر الأوسط من شهر رمضان سنة أربع وعشر وثمانمائة عقب مطر عظيم حصل بمكة في أوائل هذا العُشْر، وصار يخرج بسببه من باب الكعبة إلى الطواف كأفواه القرب٣. ومن ذلك: أن في النصف الأخير من ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثمانمائة، أصلحت الروازن التي بسطح الكعبة ورخامة تل ميزابها، لأن الماء كان ينتفع عليها.

стр. 140

لخراب ما تحتها، فقلعت وأزيل ما تحتها من الخراب، وأعيد إلصاقها بعد إحكام هذا الإصلاح١. ومن ذلك في هذا التاريخ: أن الأخشاب التي بسطح الكعبة المعدة لربط كسوتها تخربت فقلعت وعوض عنها بأخشاب جديدة محكمة، وركبت فيها الحلق الحديد التي يشد بها كسوة الكعبة، ووضعت الأخشاب بسطح الكعبة في مواضعها قبل ذلك. ومن ذلك: أن في صفر سنة ست وعشرين وثمانمائة قلع الرخام الذي بين جدار الكعبة الغربي والأساطين التي بالكعبة لتخربه، وأعيد نصبه محكما كما كان بالجص، وأصلح رخام آخر في بعض جدران الكعبة لتخربه، وأعيد نصبه محكما كما كان بالجص، وأصلح رخام آخر في بعض جدران الكعبة لتخربه، وكتب بسبب ذلك في لوح رخام يقابل باب الكعبة، ومعنى المكتوب فيه، تقرب إلى الله تعالى برخام هذا البيت الشريف المطهر العبد الفقير إلى الله تعالى الملك الأشرف برسباي في سنة ست وعشرين وثمانمائة٢ ... انتهى. والملك الأشرف المشار إليه هو صاحب الديار المصرية والشامية والحرمين في هذا التاريخ، زاده الله نصرا وتوفيقا. ومن ذلك: أن الأسطوانة التي تلي باب الكعبة ظهر بها ميل فخيف من أمرها، فاجتمعنا بالكعبة الشريفة مع جماعة من قضاة مكة، والأمير المندوب من مصر في السنة الماضية لعمارة المسجد الحرام أحسن الله إليه وغيره من الأعيان بمكة والعارفين بالعمارة، وكشف من فوق السارية المذكورة فوجدت صحيحة، فحمدنا الله تعالى كثيرا على ذلك، وردت حتى استقامت وأحكم ذلك كما كانت أولا، فلله الحمد، والأمير المشار إليه هو الجناب السيفي مقبل القديدي الملكي الأشرفي صاحبنا، أحسن الله إليه. وكان إصلاح هذه الاسطوانة في يوم السبت سادس عشر صفر سنة ست وعشرين وثمانمائة، وإصلاح الرخام في أيام الشهر المذكور٣. ومما غير في الكعبة بعد ابن الزبير ﵄ والحجاج: عتبة الباب السفلى، لأن الأزرقي ذكر أنها جعلت قطعة واحدة من خشب الساج، كما سبق ذكره وعتبة الكعبة الآن السفلى حجر منحوت، وما عرفت متى كان ذلك. وقد خفي علينا من المعنى الذي ذكرناه من أمر عمارة الكعبة كثير لعدم تدوين من قبلنا لذلك. ويدخل في المعنى الذي ذكرناه من عمارة الكعبة العمارة الواقعة في شاذورانها، وقد بينا ما علمناه من ذلك في الباب الذي بعد هذا في الترجمة المتعلقة بالشاذروان.

стр. 141

ذكر الأساطين: وأما الأساطين: فواحدة فيما علمت، على ما ذكر الفاكهي، لأنه قال: حدثني أبو علي الحسن بن مكرم قال: حدثنا عبد الله بن بكر قال: حدثني أبي بكر بن حبيب قال: جاورت بمكة فعابت أسطوانة من أساطين البيت، فأُخْرِجَت، وجيء بأخرى ليُدْخِلوها مكانها، فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلا، فتركوها مائلة ليعودوا من غد فيصلحوها، فجاءوا من غد فأصابوها أقوم من القدح ... انتهى. ولم يذكر ذلك الأزرقي ولم أر من ذكر ذلك غير الفاكهي، وهو غريب جدا. والله أعلم. وفيه كرامة للبيت زاده الله شرفا.

стр. 142

ذكر الميازيب: وأما الميازيب: فميزاب عمله الشيخ أبو القاسم رامشت صاحب الرباط المشهور بمكة، وصل به خادمه "مثقال" بعد موته مع تابوته في سنة سبع وثلاثين وخمسمائة١. وميزاب أنقذه الخليفة المقتفي العباسي٢ في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، أو في التي بعدها، وجعل عوض ميزاب رامشت٣. ومنها: ميزاب عمله الناصر العباسي٤ وهو الآن في الكعبة لأن اسمه مكتوب فيه، وهو خشب مبطن برصاص في الموضع الذي يجري فيه الماء، وظاهره مما يبدو للناس مطلي بفضة، وأصلح الموضع الذي يجري فيه الماء منه في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة أربع عشرة وثمانمائة٥، بعد قلع اللوح الذي فوقه يستر مجرى الماء، وأعيد اللوح كما كان وطول هذا الميزاب بما منه في جدار الكعبة يزيد على أربعة أذرع. بالحديد، مقدار ثمن الذراع أو أكثر -الشك مني في مقدار الزيادة بعد تحريري لذلك في التاريخ الذي ذكرنا فيه إصلاحه- وأحدث عهد حلي فيه هذا الميزاب سنة إحدى وثمانين وسبعمائة٦.

стр. 143

ذكر الأبواب: وأما الأبواب: فباب عمله الوزير جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور المعروف بالجواد، سنة خمسين وخمسمائة، وركب عليها في سنة إحدى وخمسين، وكتب عليه اسم الخليفة المقتفي العباسي، وحلاه الجواد حلية حسنة بحيث إنه كان يستوقف الأبصار لحسن حليته على ما ذكر ابن جبير في أخبار رحلته١، وذكر فيها صفة حليته. وكلام ابن الأثير يوهم أن الذي صنع للكعبة الباب في هذا التاريخ الخليفة المقتفي، لأنه قال في أخبار سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، فيها قلع الخليفة المقتفي لأمر الله باب الكعبة وعمل عوضه بابا مصفحا بالنقرة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتا يدفن فيه إذا مات٢ ... انتهى. وليس ما ذكره ابن الأثير من نسبة الباب للمقتفي معارضا لما ذكره ابن جبير من نسبته للجواد، لأن الجواد إنما صنعه بأمر المقتفي، وأضاف إليه هذا الباب بكتابة اسمه عليه، وإنما نبهنا على ذلك لئلا يتوهم أن كلا منهما صنع للكعبة بابا، لأنه يبعد أن يعمل كل منهما للكعبة بابا في تاريخ واحد بسبب واحد، وهو اتخاذ الباب الأول تابوتا للدفن، فإن الجواد عمل تابوتا على ما قيل من الباب الذي كان قبل بابه، حمل فيه إلى المدينة الشريفة، ودفن بها، ولم يكن يتمكن من ذلك إلا بموافقة المقتفي عليه، وإظهاره أن للمقتفي رغبة في عمل الباب الذي قبل بابه تابوتا، ولأجل ذلك نسب هذا الأمر للمقتفي كما ذكر ابن الأثير، والله أعلم.

стр. 144

ومنها: باب عمله المالك المظفر صاحب اليمن وكان عليه صفائح فضة زنتها ستون رطلا، وصارت لبني شيبة. ومنها: باب عمله الملك الناصر محمد بن قلاوون١ صاحب مصر، وركب على الكعبة بعد قلع باب الملك المظفر في ثامن عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وكان عليه من الفضة خمسة وثلاثون ألف درهم، وثلاثمائة درهم على ما ذكره البرزالي، وذكر أن هذا الباب من السنط الأحمر٢. ومنها: باب عمل في سلطنة ولده الملك الناصر حسن٣، وذلك في سنة إحدى وستين وسبعمائة، وهو من خشب الساج، عمل بمكة، واستمر في الكعبة إلى تاريخه٤، إلا أنه في سنة ست وسبعين وسبعمائة قلع مها لعمل الحلية التي هي فيه الآن، وعوض عنه بباب قديم كان للكعبة٥، وهو الآن في حاصل زيت الحرم، ولعله باب الكعبة الذي عمله الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم أعيد إليها الباب الذي عمل بمكة في دولة الناصر حسن بعد تحليته في التاريخ الذي ذكرناه على ما أخبرني به والدي أعزه الله، وذكر أن مقدار هذه الحلية اثنان وثلاثون ألف درهم، أو ثلاثة وثلاثون لا يزيد عن ذلك، وأنه شاهد تحرير هذه الحلية لما كان مشارفا على عملها، وأظن أنه حلي في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة٦، والله أعلم. واسم الملك الناصر محمد بن قلاوون مكتوب في هذا الباب بأسفله، واسم حفيده الملك الأشرف شعبان بن حسين٧ في بعض فيارين الباب، وفي بعض فيارين الباب، وهو الجانب الذي يكون على يمين الداخل إلى الكعبة، مكتوب اسم الملك المؤيد أبي النصر شيخ٨، صاحب مصر، نصره الله، لأن بعض خواصه قدم إلى مكه في أول يوم

стр. 145

من ذي الحجة سنة ستة عشرة وثمانمائة، فرأى جانب الباب المشار إليه محتاجا إلى الحلية، فحلاه بفضة وطلاها بالذهب وكتب في ذلك اسم الملك المؤيد نصره الله، ومقدار الفضة التي حلي بها الموضع المشار إليه مائة درهم ونيف وتسعون درهما، على ما أخبرني به بعض من صاغ ذلك، وكان عمل ذلك والفراغ منه قبل الطلوع إلى عرفة في أيام من العشر الأول من ذي الحجة من سنة ست عشرة وثمانمائة١، واستحسن ذلك ممن صنعه، فالله يزيده رفعة، واسم الملك المظفر صاحب اليمن على مفتاح قفل باب الكعبة الآن، وفي القفل أيضا فيما أظن لأن فيه كتابة ممحوة، والله أعلم.
следующие страницы →