وذكر الأزرقي للحرم علامة أخرى، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: وكل واد في الحرم فهو يسيل في الحل، ولا يسيل وادي الحل في الحرم إلا في موضع واحد عند التنعيم١، عند بيوت نفار٢ ... انتهى.
ذكر ذلك الأزرقي في آخر الترجمة التي ترجم بقوله: "ذكر الحرم وكيف حُرِّمَ".
وذكر الفاكهي ما يقتضي أن سيل الحل٣ يدخل إلى الحرم من عدة مواضع، لأنه قال: "ذكر ما يسكب من أودية الحل في الحرم"، وبين هذه المواضع، وذكرنا ذلك في أصل هذا الكتاب.
стр. 72
ذكر حدود الحرم وضبط ألفاظ فيها:
ذكر الأزرقي رحمه الله تعالى حدود الحرم من جهاته الست١، وذكرها غيره إلا أنه خالف الأزرقي في مقدار بعضها، وأخل بذكر بعضها، وقد تلخص لي مما رأيت للناس في حدود الحرم أن جميع حدوده مختلف فيها على ما سنبينه.
فأما حده من جهة الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة٢ ففيه أربعة أقوال: نحو ثمانية عشر ميلا على ما ذكره القاضي أبو الوليد الباجي، وأحد عشر ميلا على ما ذكره الأزرقي٣، والفاكهي٤، وأبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة الخراساني في كتاب "المسالك والممالك"٥، والمحب الطبري٦ نقلا عن الأزرقي، وسليمان بن خليل، إلا أنه ذكره بصيغة التمريض.
وتسعة أميال -بتقديم التاء، على ما ذكر شيخ المذهب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني في كتاب "النوادر"، وسليمان بن خليل، وصدر به كلامه، والمحب الطبري بعد أن حكى ما ذكره الأزرقي.
وسبعة أميال بتقديم -السين على الباء- على ما ذكره الماوردي في كتاب "الأحكام السلطانية"٧ له، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "مهذبه"، والنووي في "إيضاحه"،
стр. 73
و"تهذيب الأسماء واللغات١ له. وفيما قالوه نظر قوي يقتضي بُعْدَ استقامةِ قولهم على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وذكر النووي في "التهذيب" أن الأزرقي انفرد بما قاله في حد الحرم من طريق "الطائف"، وقال: إن الجمهور قالوا ستة٢ ... انتهى بالمعنى.
ولم ينفرد الأزرقي بقوله بموافقة ابن خرداذبه له على قوله، بل لا يعرف له فيما قاله مخالف قبله، ولا معاصر له، ولا بعده، غير الماوردي، وصاحب "المهذب"، ولو خالف الأزرقي غيرهما لنقل ذلك كما نقلت مخالفتهما للأزرقي، وقد تبعهما على ذلك النووي وغيره من المتأخرين، ولم يذكر ذلك سليمان بن خليل، ولا المحب الطبري، وذلك يشعر بعدم رضاهما لهذا القول، لأنهما ذكرا في حدود الحرم ما قاله ابن أبي زيد وغيره، وكان ذكرهما لذلك أولى، لكون قائله من الشافعية، ولا يقال لعل ذلك خفي عليهما، فإن ذلك مشتهر جدا، والله أعلم.
وأما حده من جهة العراق: ففيه أربعة أقوال:
أحدها: سبعة أميال -بتقديم السين- على ما ذكره الأزرقي.
وثمانية أميال على ما ذكره ابن أبي زيد المالكي في "النوادر".
وعشرة أميال على ما ذكره سليمان بن خليل.
وستة أميال على ما ذكره أبو القاسم بن خرداذبه٣.
وذكر الأزرقي ﵀ أن الحد في هذه الجهة على ثنية خل بالمقطع.
فأما خل: فبخاء معجمة مفتوحة.
وأما المقطع: فبضم الميم وفتح الطاء المشددة، على ما وجدت بخط سليمان بن خليل فيهما.
ووجدت بخط المحب الطبري في "القرى" على الخاء من خل نقطة من فوق وعلى اللام شدة، ووجدت بخطه ضبط المقطع بفتح الميم وإسكان القاف٤.
ووجدت في غير موضع من تاريخ الأزرقي على الخاء من خل نقطة من فوقها، ورأيت في "الإيضاح" للنووي و"تهذيب الأسماء واللغات" له، عوض "خل": "جبل" بجيم وباء موحدة، ولا يبعد أن يكون ذلك تصحيفا، والله أعلم.
стр. 74
وذكر الأزرقي أن سبب تسمية اسم المقطع بذلك: أنهم قطعوا منه أحجار الكعبة في زمن ابن الزبير ﵄. وقيل: لأنهم كانوا في الجاهلية إذا خرجوا من الحرم علقوا في رقاب إبلهم من قشور شجر الحرم، وإن كان رجل علق في رقبته، فأمنوا حيث توجهوا. ويقال: هؤلاء وفد الله تعظيما للحرم، فإذا رجعوا فدخلوا الحرم قطعوا ذلك، فسمي ذلك هناك المقطَّع١.
وأما حده من جهة الجعرانة: ففيه قولان:
تسعة أميال -بتقديم التاء- كما ذكره الأزرقي٢، وبريد، وهو اثنا عشر ميلا على ما ذكر ابن خليل، وحكايته لهذا القول بصيغة التمريض بعد ذكره للقول السابق.
والجِعرانة: بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء على ما هو الصواب في ضبطها وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
وذكر الأزرقي أن حد الحرم من جهة الجعرانة: في شعب آل عبد الله بن خالد بن أسيد٣ ... انتهى.
وعبد الله بن خالد بن أسيد المنسوب إليه هذه الشعب هو فيما أحسب ابن أخي عتاب بن أسيد بن العاص القرشي الأموي أمير مكة، لأنه كان لعبد الله المذكور بمكة شهرة لولايته لأمر مكة وغير ذلك، ونسب إليه بها مقبرة بأعلى مكة، وهي التي دفن فيها عبد الله بن عمر ﵄ والله أعلم.
وذكر سليمان بن خليل أن عبد الله بن خالد المنسوب إليه هذا الشعب هو:
عبد الله بن خالد بن أسيد الخزاعي.
وذكر ابن جماعة ما يخالف ذلك أيضا، لأنه قال لما ذكر حد الحرم من هذه الجهة: ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله القسري ... انتهى٤.
وما أشرنا إليه من نسبة هذا الشعب لعبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص أشبه بالصواب من نسبته لغيره، لأن التعريف إنما يكون في الغالب بأشهر الأحوال، وليس لمن نسب إليه ابن الخليل هذا الشعب، ولا لمن نسبه إليه ابن جماعة من الشهرة، مثل ما لمن نسبناه إليه، والله أعلم بالصواب
стр. 75
وحد الحرم من هذه الجهة لا يعرف موضعه الآن، إلا أن بعض أعراب مكة زعم أنه في مقدار نصف طريق الجعرانة، وسئل عن سبب معرفته لذلك فقال: إن الموضع الذي أشار إليه في محاذاة أعلام الحرم من جهة نخلة، وهي جهة العراق، والله أعلم بصحة ذلك.
وأما حده من جهة التنعيم ففيه أربعة أقوال:
ثلاثة أميال، على ما ذكره الأزرقي١، وابن خرداذبه٢، والماوردي٣، وصاحب "المهذب" وغيرهم.
ونحو أربعة أميال، على ما ذكره ابن أبي زيد في "النوادر" عن غير واحد من المالكية.
وأربعة أميال، على ما قال الفاكهي٤.
وخمسة أميال، على ما ذكره أبو الوليد الباجي، ونص كلامه: وأما التنعيم فإني أقمت بمكة، وسمعت أكثر الناس يذكرون أنها خمسة أميال، ولم أسمع في ذلك اختلافا مدة مقامي بها، ولو كان بين مكة والتنعيم أربعة أميال لوجب أن يكون بين مكة والحديبية -على هذا التعدي: قريب من خمسة عشر ميل، لأنها أزيد من ثلاثة أمثالها ... انتهى.
وفي هذا القول نظر، وكذا في القول الذي ذكره الفاكهي، والقول الذي ذكره ابن أبي زيد على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
ووقع فيما ذكره ابن أبي زيد في حد الحرم من هذه الجهة ما يقتضي أنه إلى منتهى التنعيم، لأنه قال: ومن غير الموازنة لغير واحد من أصحابنا أن حد الحرم مما يلي المدينة نحو أربعة أميال إلى منتهى التنعيم. انتهى.
وذكر الأزرقي ما يخالف ذلك، لأنه قال: ذكر حدود الحرم: من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار٣ على ثلاثة أميال٥. انتهى.
وذكر المحب الطبري في "شرحه للتنبيه" ما يرجح ما ذكره الأزرقي، لأنه ذكر أن التنعيم أمام الحل قليلا، وأن من فسره بطرف الحل أطلق اسم الشيء على ما قرب منه. انتهى.
стр. 76
وإذا كان من فسر التنعيم بطرف الحل متجوزا في تفسيره، فكيف بمن جعل منتهى التنعيم أول الحل من جهة المدينة كما هو مقتضى ما ذكره ابن أبي زيد؟! والله أعلم.
"ونفار" المذكور في حد الحرم من هذه الجهة في كلام الأزرقي، بنون مكسورة وفاء وألف وراء مهملة، على ما ذكر غير واحد.
وأما حده من جهة "جدة" ففيه قولان:
عشرة أميال، على ما ذكر الأزرقي١، وابن أبي زيد.
ونحو ثمانية عشر ميلا، على ما ذكر الباجي في مقدار ما بين مكة والحديبية، بتخفيف الياء الثانية على الصواب فيها، ومنتهاها حد الحرم من جهة جدة، كما نقل ابن أبي زيد في "النوادر".
وذكر الأزرقي أن منتهى الحد في هذه الجهة منقطع الأعشاش٢، والأعشاش جمع عش وبعضها في الحل، وبعضها في الحرم، وكذلك الحديبية على ما قال الشافعي وابن القصار.
وقال الماوردي٣: إنها في طرف الحل، وقال مالك: إنها في الحرم. وهي والأعشاش لا يعرفان اليوم، ويقال: إن الحديبية هي البئر التي تعرف ببئر شميس٤ في طريق جدة، والله أعلم.
وأما حده من جهة اليمن ففيه قولان:
سبعة أميال بتقديم السين، على ما ذكره الأزرقي٢ وابن أبي زيد، وسليمان بن خليل.
وستة أميال، على ما وجدت بخط المحب الطبري في "القرى"٥. ورأيت ذلك في ثلاث نسخ من "القرى"، وأخشى أن يكون وهما ولا يقال سَبْق قَلَم، لأنه في "القرى" بعد ذكره لذلك القول الذي ذكره الأزرقي وابن أبي زيد، والله أعلم.
وموضع الحد في هذه الجهة طرف "أضاة لبن" في ثنية لبن، على ما ذكره الإمام الأزرقي٦، وهذه الأضاة تعرف اليوم بأضاة ابن عقش، وفيها علامة مبنية لمعرفة حد الحرم.
стр. 77
والأضاة: مستنقع الماء، وهي بهمزة مفتوحة وضاد معجمة على وزن فتاة. ولبن، بكسر اللام وسكون الباء الموحدة، قال الحازمي، وضبطها سليمان بن خليل بتفح اللام والباء على ما وجدت بخطه في غير موضع من "منسكه" والله أعلم.
هذا ما رأيته للناس في حدود الحرم بالأميال، ورأيت في ذلك لبعض الحنفية ما يستغرب جدا، لأن القاضي شمس الدين السروجي الحنفي حكى في "مناسكه"، عن أبي جعفر الهنداوي أنه قال: مقدار حد الحرم من جهة المشرق، ستة أميال، ومن الجانب الثاني: اثنا عشر ميلا. قال صاحب "المحيط": وفيه نظر، فإن ذلك هو التنعيم، قريب من ثلاثة أميال من مكة.
ومن الجانب الثالث: ثلاثة عشر ميلا.
ومن الرابع: أربعة وعشرون ميلا ... انتهى.
والظاهر والله أعلم أن قائل هذا الكلام أراد بحده من جهة المشرق جهة العراق، وبالحد الثاني: جهة التنعيم، وبالحد الثالث: جهة اليمن، وبالحد الرابع: جهة جدة، وإنما كان ما ذكره هذا القائل مستغربا لنقصه من حده من جهة المشرق، وكثرة الزيادة في حده من الجهات الثلاث، وإنما لم أذكر ذلك مع ما ذكره غيره في حدود الحرم، لعدم تصريح قائل ذلك بجوانب الحرم التي حددها، وقد اعتبرت بما قاله الناس في تحديد الحرم من جميع جهاته المعروفة الآن، وهي جهة الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة، "عرنة"، وطريق العراق، وطريق التنعيم، وطريق اليمن، وكان اعتبارنا لذلك بجبل مقدر على الذراع المعتبر في أميال مسافة القصر، وهو ذراع اليد على ما ذكره المحب الطبري في "شرحه للتنبيه"، وذكر أن مقداره أربعة وعشرون أصبعا، كل أصبع ست شعيرات مضمومة بعضها إلى بعض ... انتهى. كذا وجدت بخطه.
وأشار إلى ذلك النووي في "تحرير التنبيه"، وغلط النووي "القلعي" في قوله: "إن الأصبع ثلاث شعيرات.
ومقدار الذراع المشار إليه من ذراع الحديد المستعمل في القماش بمصر ومكة الآن: ذراع إلا ثمن ذراع، هكذا اعتبره جماعة من أصحابنا بذراع أيديهم، ثم اعتبروا ذلك بشعير معتدل مرصوص. فجاء كما قال المحب الطبري ومن وافقه، وكان اعتبارهم لذلك بحضوري.
стр. 78
ذكر تحديد حد الحرم من جهة الطائف على طريق عرفة من طريق نمرة:
من حد باب بني شيبة إلى العلمين اللذين هما علامة لحد الحرم من جهة عرفة سبعة -بتقديم السين- وثلاثون ألف ذراع ومائة ذراع وعشرة أذرع وسبعا ذراع، بذراع اليد، يكون ذلك أميالا، عشرة أميال وثلاثة أخماس ميل وخُمس سُبع عشر ميل يزيد سُبعي ذراع، هذا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، وهو الذي ينبغي أن يعتبر في حدود الحرم، لكون غالبا أقرب إلى موافقة ما هو المشهور في قدرها، فإنها إذا اعتبرت على القول بأن مقدار الميل ألفا ذراع، يزيد مقدارها نحو مثل ما هو مشهور فيها، وإذا اعتبرت على القول بأن الميل ستة آلاف ذراع، ينقص مقدارها عما هو مشهور فيها نحو نصف ذلك، واعتبار ذلك على هذين القولين مشكل جدا لكثرة الزيادة وكثرة النقص، على أن اعتبار ذلك على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع لا يخلو من إشكال، إلا أن الأمر فيه قريب، لتأتي الجواب عنه، ويتأيد كون اعتبار ذلك على هذا القول أولى، لكونه أصح الأقاويل في مقدار الميل، على ما ذكره ابن عبد البر، والله أعلم.
ولا يعكر على ما أشرنا إليه من ترجيح اعتبار هذا القول في حدود الحرم ما يقع في الاعتبار عليه من الزيادة والنقص المقتضيين مخالفة ما هو مشهور في حدود الحرم، لأن الزيادة والنقص يكونان في الغالب شيئا يسيرا، وربما كان ذلك لشدة المد في الحبل المقيس به وإرخائه، أو لأجل ارتفاع الأرض وانخفاضها، أو لأجل اعتبار غيرنا لذلك من موضع غير الموضع الذي اعتبرنا منه، مثل أن يكون اعتبارنا وقع من باب بني شيبة، والأزرقي اعتبر من موضع بينه وبين المعلاة في غير اعتباره لحد الحرم من جهة عرفة، ومن عتبة باب المعلاة إلى العلمين اللذين هما حد الحرم من هذه الجهة: خمسة وثلاثون ألف ذراع وثلاثة وثمانون ذراعا وثلاثة أسباع ذراع بذراع اليد، يكون ذلك على القول بأن الميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع: عشرة أميال وسبع سبع ميل وخمس سبع عشر ميل وخمس خمس سبع عشر ميل.
ولم يعتبر الأزرقي حد الحرم في هذه الجهة من باب المعلاة، وإنما اعتبره من باب بني شيبة، ووقع له ما يوهم أن حد الحرم من هذه الجهة ينتهي إلى دون قبلة مسجد عرفة بخمسة وعشرين ذراعا؛ لأنه ذكر أن حد الحرم من هذه الجهة على أحد عشر ميلا، وذكر مواضع هذه الأميال إلى عرفة، فقال في موضع الميل الحادي عشر: وموضع الميل الحادي عشر في حد المكان الذي يدور حول قبلة مسجد عرفة مسجد إبراهيم خليل الرحمن ﵇، وبينه وبين جُدُر المسجد: خمس وعشرون ذراعا ... انتهى.
وذلك يقتضي أن يكون العلمان المشار إليهما في غير الحد.
وذكر الأزرقي ما يوهم أن حد الحرم من هذه الجهة ينتهي إلى دون العلمين اللذين هما علامة حد الحرم من هذه الجهة، بمقدار ستمائة ذراع وواحد وستين ذراعا، لأنه قال: ومن حد الحرم إلى مسجد عرفة: ألف ألف ذراع وستمائة ذراع وخمس أذراع ... انتهى.
стр. 79
وإنما كان حد الحرم من هذه الجهة ينتهي إلى دون العلمين المشار إليهما بالقدر الذي ذكرناه، لأنا اعتبرنا مقدار ما بين العلمين المشار إليهما والجدار القبلي من مسجد عرفة، فكان ذلك ألف ذراع وسبعمائة ذراع بتقديم السين وثلاثة أذرع بذراع الحديد، ويكون ذلك بذراع اليد ألف ذراع وتسعمائة ذراع بتقديم التاء وستة وأربعين ذراعا، وذلك يقتضي أن يكون العلمان المشار إليهما في غير الحد، والعلمان المشار إليهما: هما اللذان إلى مكة أقرب من العلمين اللذين إلى عرفة أقرب، وكون العلمين المشار إليهما علامة لحد الحرم من هذه الجهة، أشبه بالصواب من كون حد الحرم دونهما إلى مكة، أو أمامها إلى جهة عرفة قريبا من المسجد المنسوب إليهما، كما يوهم كلام الأزرقي في الموطنين، لأن في العلمين المشار إليهما حجرين، مكتوب في كل منهما: اللهم أيد بالنصر والظفر، عبدك لأنعمك، يوسف بن عمر، فهو الآمر بتجديد هذا العلم الفاصل بين الحل والحرم. وفيه مكتوب أيضا أن ذلك في سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
ويوسف بن عمر المشار إليه: هو الملك المظفر صاحب اليمن، والعادة جرت بأن بناء مثل ذلك لا يكون إلا عن أخبار مستفيضة، أو علامة قديمة كانت قبل ذلك، فخرجت، وجدد عوضها في محلها١، والله أعلم.
وأما النظر الذي أشرنا إليه في قول من قال إن قدر الحرم من هذه الجهة على سبعة أميال بتقديم السين فبيانه أن قدر الحرم من هذه الجهة على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع تزيد على عشرة أميال، سواء اعتبرت المسافة من باب بني شيبة أو من باب المعلاة، ومجرى هذه الزيادة يظهر مما سبق قريبا، وأن قدر الحرم من هذه الجهة على القول بأن الميل أربعة آلاف ذراع يكون تسعة أميال بتقديم التاء وخمس ميل وعشر وربع عشر عشر ميل، يزيد سبعي ذراع، هذا إن اعتبرنا المسافة من باب بني شيبة.
وإن اعتبرنا المسافة على هذا القول من باب المعلاة، يكون قدر الحرم من هذه الجهة: ثمانية أميال وثلاثة أرباع ميل وخمس عشر ميل وسبعة أسباع عشر عشر عشر ميل، يزيد سبعي ذراع.
وأن قدر الحرم من هذه الجهة على القول بأن الميل ألفا ذراع، يكون ثمانية عشر ميلا وثلاثة أخماس ميل ونصف عشر عشر ميل، يزيد سبعي ذراع، هذا على اعتبار
стр. 80
المسافة من باب بني شيبة، ويكون ذلك على هذا القول باعتبار المسافة من باب المعلاة: سبعة عشر ميلا ونصف ميل وخمس خمس وستة أسباع خمس عشر عشر ميل.
وأن قدر الحرم من هذه الجهة على القول بأن الميل ستة آلاف ذراع يكون ستة أميال وخمس ميل وسدس عشر عشر ميل يزيد سبعي ذراع، هذا باعتبار المسافة من باب بني شيبة، ويكون ذلك باعتبارها من باب المعلاة على هذا القول: خمسة أميال ونصف ميل وثلث ميل وثلث خمس خمس ميل وخمسي سبع عشر عشر ميل.
وإذا تقرر أن مقدار الحرم من هذه الجهة ما ذكرناه على مقتضى الأقوال الأربعة في مقدار الميل، ظهر بذلك بُعْدُ استقامة قول من قال: إن مقدار الحرم من هذه الجهة سبعة أميال بتقديم السين، لكون ذلك يخالف مقتضى هذه الأقوال باعتبار كثرة الزيادة على مقتضى الأقوال الأربعة في مقدار الميل غير القول بأنه ستة آلاف ذراع، وباعتبار كثرة النقص على مقتضى القول بأن الميل ستة آلاف ذراع، فإن النقص يكون على مقتضاه أربعة أخماس ميل إلا عشرة أذرع باليد تقريبا، في اعتبار المسافة من باب بني شيبة، ويكون النقص على مقتضى هذا القول أيضا في اعتبار المسافة من عتبة باب المعلاة ميلا وقريبا من سدس ميل، والله أعلم.
واعلم أنه وقع للنووي ﵀ ما يقتضي أن حد الحرم من هذه الجهة على خلاف قوله إنه سبعة أميال بتقديم السين لأنه قال في "الإيضاح": واعلم أن بين مكة ومنى فرسخا. وذكر معنى ذلك في غيره من كتبه.
وتظهر المخالفة بين ذلك وبين قوله: إن حد الحرم من هذه الجهة على سبعة أميال، بتقديم السين ببيان مقدار ما بين مكة ومنى، ومقدار ما بين منى والعلمين اللذين هما علامة حد الحرم من جهة عرفة.
فأما مقدار ما بين مكة ومنى: فهو ثلاثة عشر ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وثمانية وستون ذراعا، وذلك من جدار باب بني شيبة إلى طرف العقبة التي هي حد منى من أعلاها مما يلي جمرة العقبة.
وأما مقدار ما بين منى والعلمين -المشار إليهما: فذلك ثلاثة وعشرون ألف ذراع وثمانمائة ذراع واثنان وأربعون ذراعا وسبعا ذراع، وذلك من طرف العقبة١ المشار إليها إلى العلمين المشار إليهما.
وإذا تقرر ذلك، فالذي من عقبة منى إلى العلمين المشار إليهما، قدر ما بين مكة ومنى، باعتبار المسافة من باب بني شيبة مرتين ينقص ألفي ذراع وثمانمائة ذراع وثلاثة
стр. 81
وتسعين ذراعا بتقديم التاء ويلزم على مقتضى قول النووي: "أن بين مكة ومنى فرسخا" أن يكون ما بين طرف العقبة المشار إليه والعلمين المشار إليهما: خمسة أميال وثلث ميل يزيد سبعة وسبعين ذراعا باليد، ويضم مقدار ما بين عقبة منى والعلمين المشار إليهما إلى مقدار ما بين مكة وعقبة منى، فيصير جملة ذلك: ثمانية أميال وثلث ميل وسبعة وسبعين ذراعا، ويكون ذلك مقدار الحرم من هذه الجهة على مقتضى قول النووي: أن بين مكة ومنى فرسخا، ويتعارض ذلك مع قول للنووي: إن حد الحرم من جهة عرفة سبعة أميال بتقديم السين ويقوى به النظر الذي أشرنا إليه فيما ذكره في حد الحرم من جهة عرفة، والله أعلم.
وربما كان مقدار حد الحرم من هذه الجهة على مقتضى قول النووي: أن بين مكة ومنى فرسخا أكثر من هذا المقدار، إذا كان الاعتبار لما بين مكة ومنى من باب المعلاة، لأن من عتبة باب المعلاة إلى طرف العقبة المشار إليه: أحد عشر ألف ذراع ومائتي ذراع وواحدا وأربعين ذراعا وسبع ذراع، ومقدار ما بين منى والعلمين بالنسبة إلى مقدار ما بين مكة ومنى مرتان، بزيادة ألف ذراع وثلاثمائة وستين ذراعا، يزيد، فيكون مقدار ما بين منى والعلمين المشار إليهما: ستة أميال وثلث ميل، بزيادة مائة ذراع وأربعة عشر ذراعا، إذا كان مقدار ما بين مكة ومنى فرسخا، وكان الاعتبار لذلك من باب المعلاة، ويضم مقدار ما بين منى والعلمين إلى مقدار ما بين مكة ومنى، فيصير جملة ذلك تسعة أميال وثلث ميل بزيادة مائة ذراع وأربعة عشر ذراعا، ويكون ذلك مقدار الحرم من هذه الجهة على مقتضى قول النووي: "إن بين مكة ومنى فرسخا"، والله أعلم.
واعلم أن قول النووي أن بين مكة ومنى فرسخا، فيه إشارة إلى أنه لم يعتبر في ذلك قول من قال: إن الميل ستة آلاف ذراع، لأنه لو اعتبر ذلك لزم أن يكون ما ذكره في مقدار ما بين مكة ومنى غير مستقيم، لأن المسافة تنقص عن الثلاثة الأميال، وهي مقدار الفرسخ ميلا وثمن ميل وثمانية أذرع وستة أسباع ذراع، في اعتبار المسافة من باب المعلاة، وينقص في اعتبارها من باب بني شيبة، ثلاثة أرباع ميل وسدس ثمن ميل وستة أذرع وأربعة أسباع ذراع، وإذا كان الأمر بين حمل كلام النووي على وجه مستقيم، وحمله على وجه لا يستقيم، فحمله على الأول أولى، والله أعلم.
стр. 82
ذكر تحديد حد الحرم من جهة العراق:
من جدار باب بني شيبة إلى العلمين اللذين هما علامة حد الحرم في طريق العراق، وهما العلمان اللذان بحارة وادى نخلة: سبعة وعشرون ألف ذراع ومائة ذراع واثنان وخمسون ذراعا باليد، يكون ذلك أميالا، على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع، وخمسمائة ذراع: سبعة أميال بتقديم السين وخمسة أسباع ميل وثلاثة أسباع عشر ميل يزيد ذراعين.
ومن عتبة باب المعلاة إلى العلمين المشار إليهما: خمسة وعشرون ألف ذراع وخمسة وعشرون ذراعا باليد، يكون ذلك أميالا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع، وخمسمائة ذراع: سبعة أميال بتقديم السين وسبع ميل ونصف سبع عشر ميل.
وما ذكره الأزرقي في مقدار الحرم من هذه الجهة يمكن أن يتمشى على اعتبار المسافة من باب المعلاة ليسارة الزيادة على السبعة الأميال في اعتبار المسافة من باب المعلاة.
وما ذكره ابن أبي زيد في كون مقدار الحرم من هذه الجهة ثمانية أميال يمكن أن يتخرج على اعتبار المسافة من باب بني شيبة ليسارة النقص عن الثمانية الأميال في اعتبار المسافة من باب بني شيبة.
ويبعد تخريج ما ذكره ابن خرداذبه في أن مقدار الحرم من هذه الجهة ستة أميال، وأبعد من ذلك ما ذكره سليمان بن خليل في أن مقدار الحرم من هذه الجهة عشرة أميال، والله أعلم.
стр. 83
ذكر تحديد حد الحرم من جهة التنعيم وهي طريق المدينة وما يليها
...
ذكر تحديد حد الحرم من جهة التنعيم وهي طريقة المدينة وما يليها:
من جدار باب المسجد الحرام المعروف بباب العمرة إلى أعلام الحرم في هذه الجهة التي في الأرض لا التي على الجبل: اثنا عشر ألف ذراع وأربعمائة ذراع وعشرون ذراعا بذراع اليد، يكون ذلك أميالا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع: ثلاثة أميال وخُمْسَين ميل وسبع ميل وخمس خمس سبع ميل.
ومن عتبة باب الشبيكة إلى الأعلام المشار إليها: عشرة آلاف ذراع وثمانمائة ذراع واثنا عشر ذراعا، يكون ذلك أميالا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع: ثلاثة أميال وثلاثة أخماس سبع ميل وخمس عشر عشر ميل وسبع عشر عشر ميل.
وما ذكره الأزرقي في مقدار حد الحرم من جهة التنعيم، لعله اعتبره من موضع باب الشبيكة أو ما قرب منه، فإن الزيادة يسيرة في اعتبار المسافة من هذا الموضع على مقدار ما ذكره في حد الحرم من هذه الجهة.
وأما قول من قال: إن مقدار الحرم من هذه الجهة أربعة أميال فيبعد تخريجه على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، لأنا إن اعتبرنا المسافة من باب الشبيكة، كان النقص عن الأربعة أميال: أربعة أخماس ميل وعشر ميل وعشر ميل.
стр. 84
وثلاثة أذرع، وإن اعتبرناها من باب العمرة: نقصت المسافة نصف ميل إلا مائة وسبعين ذراعا.
ويبعد أيضا تخريج ذلك على القول بأن الميل أربعة ألاف ذراع، لأن المسافة تنقص عن ذلك ميلا إلا عشر ميل ونصف عشر عشر ميل، على اعتبار المسافة من باب العمرة.
وأما على اعتبارها من باب الشبيكة، فتنقص ميلا وأزيد من ربع ميل.
وكذلك يبعد تخريج قول من قال: إن قدر الحرم من هذه الجهة نحو أربعة أميال، لأنه في معنى القول بالأربعة.
وأبعد من هذا كله ما ذكره الباجي من أن مقدار الحرم من هذه الجهة على خمسة أميال، لأنه لا يتخرج إلا على القول بأن الميل ألفا ذراع، وفي التخريج عليه نظر، وعلى أن الاعتبار في ذلك من باب الشبيكة، ومع ذلك فتزيد المسافة على الخمسة أميال مقدار خمسي ميل.
وأما على اعتبار المسافة من باب العمرة، فتزيد المسافة ميلا ونحو ربع ميل، وهذا هو النظر الذي أشرنا إليه في هذه الأقوال، والله أعلم.
стр. 85
ذكر تحديد حد الحرم من جهة اليمن:
من جدار باب المسجد الحرم المعروف بباب إبراهيم إلى علامة الحرم في هذه الجهة: أربعة وعشرون ألف ذراع وخمسمائة ذراع وتسعة أذرع -بتقديم التاء- وأربعة أسباع ذراع، يكون ذلك أميالا على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع: سبعة أميال تزيد سبعة أذرع وأربعة أسباع ذراع.
ومن عتبة باب مكة المعروف بباب الماجن إلى حد الحرم في هذه الجهة: اثنان وعشرون ألف ذراع وثمانمائة ذراع وستة وسبعون ذراعا بتقديم السين وأربعة أسباع ذراع.
ومقدار ذلك من الأميال على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع: ستة أميال ونصف ميل وربع سبع ميل يزيد ذراعا وأربعة أسباع ذراع.
وقد حررنا مقدار الحرم من جميع جهاته الأربع المعروفة على مقتضى الأقوال الأربعة في مقدار الميل، وذكرنا ذلك في أصل هذا الكتاب. واقتصرنا في هذا الكتاب على ذكر ذلك على القول بأن الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، لرجحانه، وطلبا للاختصار، وقد نظم بعضهم في حدود الحرم أبياتا، وهي:
وللحرم التحديد من أرض طيبة ... ثلاثة أميال إذا رمت إتقانَهْ
стр. 86
وسبعة أميال عراق وطائف ... وجدة عشرٌ، ثم تسع جعرانهْ
ومن يمن سبع بتقديم سينها ... فسل ربك الوهاب يرزقك غفرانهْ
وقد زد في حد لطائف أربع ... ولم يرض جمهور لذا القول رجحانهْ
والبيتان الأولان لا أعرف ناظمهما، والبيتان الآخران لجدي لأبي قاضي القضاة كمال الدين أبي الفضل محمد بن أحمد النويري الشافعي، قاضي مكة وخطيبها، وعالم الحجاز في عصره، تغمده الله برحمته، على ما وجدت في تأليف له بخط بعض مشايخنا يسمى "المعلم بدية الحر المسلم".
وبعض الناس ينشد بيت جدي الأول على غير ما ذكرناه، فيقول:
من يمن سبع بتقديم سينها ... وقد كملت فاشكر لربك إحسانهْ
وهذا هو المشهور عند الناس.
ويجمع بين هذا الاختلاف بأن يكون جدي قال ذلك على الوجهين، وكأن جدي رضي الله تعالى عنه قصد بالبيت الأول في نظمه إفادة حد الحرم من جهة اليمن، لكون ناظم البيتين الأولين لم يتعرض فيهما لحد الحرم من جهة اليمن، كما وقع للماوردي في "الأحكام السلطانية"١، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي في "مهذبه"، وكأن جدي رحمة الله عليه قصد بالبيت الثاني من نظمه أن يفيد في حد الحرم من جهة الطائف على طريق عرفة، ما قيل من أنه أحد عشر ميلا، كما ذكره الأزرقي في تاريخه٢، وأن الراجح في حد الحرم من هذه الجهة قول من قال إنه سبعة أميال بتقديم السين على الباب كما قال الماوردي٣، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والنووي٤، وقلدهم جدي في رجحان ذلك.
وفي كون ذلك راجحا نظر لما سبق بيانه من بُعْدِ استقامة قولهم، خصوصا النووي ﵀ لاضطراب كلامه في ذلك وسبب ذلك والله أعلم: تقليدهم في ذلك مع بعدهم عن المكان، وعدم اعتبارهم لذلك، ولو اعتبر كل من هؤلاء الأئمة هذا الأمر كما اعتبرناه لظهر له صحة ما قلناه، وإنما قلدوا في ذلك، فلم يستقم، وقد طال الكلام في هذا الأمر، ولكن الموجات اقتضت ذلك.
وكان شيخنا العلامة المغني المصنف المفتي كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى الدميري المصري المكي الشافعي ﵀ ينشد عن جدي رحمة الله تعالى عليه قوله: ومن يمن سبع، البيت، ثم يقول: الأولى أن يقال:
ومن يَمَنٍ سبع بتقديم سينها ... لذلك سيل الحل لم يَعْدُ بنيانه
стр. 87
وهذا الصنف الأخير له على ما ذكره لي صاحبنا الإمام صلاح الدين خليل بن محمد الأقفهسي١ أبقاه الله، وذكر لي أن شيخنا كمال الدين كان يعلل ذلك بما فيه من الفائدة في كون سيل الحل لا يدخل الحرم، بخلاف شطر بيت جدي فليس فيه إلا الدعاء.
وهذه الفائدة ذكرها غير واحد من العلماء، إلا أنها معترضة بما ذكره الأزرقي من أن سيل الحل يدخل الحرم من جهة التنعيم فقط، وقد سبق كلام الأزرقي في هذا المعنى، ويعارضها أيضا ما ذكره الفاكهي، وقد سبق ذكره.
وسمعت بعض أصحابنا ينشد بيت الشيخ كمال الدين هذا بتغيير في لفظه، لأنه نقل عن شيخنا الدميري أنه قال:
ومن يمن سبع وكرز لها اهتدى ... لذلك سيل الحل لم يَعْدُ بنيانه
وكرز المشار إليه: هو كرز بن علقمة الخزاعي٢.
وليس هو أول من نصبها في الإسلام، لأن جماعة من الصحابة سبقوه إلى ذلك، منهم: تميم بن أسد، عام الفتح، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم٣.
ومنهم في زمن عمر ﵁: حويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع، ومخرمة بن نوفل وأزهر بن عبد عوف الزهريان، كذا في الأزرقي٤. والفاكهي٥.
وفي الفاكهي أيضا عن الزبير بن بكار: أن صبيحة بن الحارث بن جبلة بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، أحد القرشيين اللذين بعثهم عمر بن الخطاب ﵁: يجددون أنصاب الحرم.
ومنهم في زمن عثمان ﵁ حويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع وعبد الرحمن بن أزهر ونفر من قريش، وكان هؤلاء يجددونها في كل سنة، كذا في الأزرقي والفاكهي، وليس فيهما ذكر نصب كرز لأنصاب الحرم، وإنما ذكر ذلك ابن عبد البر٦، وذكر أن ذلك وقع في زمن معاوية ﵁ في ولاية مروان على مكة.
стр. 88
وما عرفت لأي معنى ذكر شيخنا الدميري نصب كرز دون غيره ممن هو أشهر منه، وكان الأولى أن يقول:
ومن يمن سبع تميم لها اهتدى ... لذلك سيل الحل لم يعد بنيانه
لكونه فعل ذلك بأمر النبي ﷺ ، وما أثر للجاهلية، فإن للتجديد بعدها أثر، والله أعلم.
ولم أر أحدا تعرض لمقدار الحرم إلا أبا القاسم بن خرداذبه الخراساني في كتابه "المسالك والممالك"١، لأنه قال: وطول الحرم حل مكة: سبعة وثلاثون ميلا، وهي التي تدور بأنصاب الحرم ... انتهى.
وهي فائدة حسنة، إن صحت، والله أعلم بحقيقة ذلك.
стр. 89
الباب الرابع
ذكر شيء من الأحاديث والآثار الدالة على حرمة مكة وحرمها
...
الباب الرابع:
في ذكر شيء من الأحاديث والآثار الدالة على حرمة مكة وحرمها:
وشيء من الأحكام المختصة بذلك، وذكر شيء مما ورد في تعظيم الناس لمكة وحرمها وفي تعظيم الذنب في ذلك، وفي فضل الحرم.
روينا في تاريخ الأزرقي عن مجاهد قال: إن هذا الحرم حرم حذاؤه من السماوات السبع والأرضين السبع، وروينا فيه عن قتادة قال: ذكر لنا أن الحرم حرم حياله إلى العرش١.
وروينا في مسند الشافعي عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، ولا يحل لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا، فإن ارتخص أحد فقال: أحلت لرسول الله ﷺ ، قال: إن الله سبحانه أحلها لي ولم يحلها الناس، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام كحرمتها بالأمس" ... انتهى باختصار، وأخرجه البخاري ومسلم بالمعنى٢.
وروينا في مسند أحمد بن حنبل عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرام، حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ما أحل لأحد فيه القتل غيري، ولا تحل لأحد بعدي فيه حتى تقوم الساعة، ما أحل لي منه إلا ساعة من نهار، فهو حرمة الله إلى أن تقوم الساعة، لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته، إلا لمعرف" ٣، قال: فقال العباس وكان من أهل البلد، قد علم الذي لا بد لهم منه: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لا بد
стр. 90
لهم منه، فإنه للقبور والبيوت، فقال رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر"، أخرجاه بالمعنى١.
وروينا في مسند أحمد بن حنبل عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لما فتح مكة قال: "لا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد"، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنما نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : "إلا الإذخر" أخرجاه أيضا٢.
وفي لفظ لهما ولأحمد: "لا يعضد شجرها" بدل قول: "لا يختلى شوكها" وفي ألفاظ الأحاديث الواردة في هذا المعنى اختلاف.
وقد اقتضت هذه الأحاديث أمورا، منها: منع اختلاء خلا مكة، والخلا مقصور: الكلأ الرطب، فإذا يبس فهو حشيش وهشيم، ما خلا الإذخر، فإنه يجوز كما في الحديث للحاجة إليه في سقف البيوت والقبور والصباغة وما في معناه، وهو نبت مشهور طيب الرائحة، وفي معنى الإذخر: السنا للحاجة إليه في الدواء، كما في "المدونة" و"الموازية" من كتب أصحابنا المالكية، والصحيح من مذهب الشافعي حل أخذ نبات الحرم لعلف الدابة وللدواء.
ومنها: منع عضد شجرة مكة أي قطعها وأرخص مالك في قطع العصا والعصاتين من شجر الحرم.
ومنها: منع تنفير صيد مكة، أي لا يصاح عليه فينفر، قاله المحب الطبري، ونقل عن عكرمة أنه قال لرجل: أتدري ما تنفير صيدها؟ هو أن تنحيه من الظل وتنزل مكانه، ونقل معنى ذلك عن سفيان بن عيينة، قال: ولا خلاف أنه لو نفره وسلم فلا جزاء عليه، لكنه أثم بارتكابه النهي.
ومنها: منع اصطياد صيد مكة.
ومنها: أن لقطتها لا تملك كما هو الأصح من مذهب الشافعي، وهو رأي بعض المالكية، وعند الأئمة الثلاثة أن حكم مكة في لقطتها كغيرها من البلاد، وقد جاءت
стр. 91
أحاديث تقتضي امتناع هذه الأمور بالمدينة النبوية، لكن لمكة في ذلك على المدينة مزية من ثلاثة أوجه:
الأول: وجوب الجزاء في صيد مكة بالإجماع بخلاف المدينة ففيه خلاف.
الثاني: وجوب الجزاء في شجر مكة عند الشافعي وابن حنبل رحمهما الله.
الثالث: أنه لم يقل أحد من علماء الأمة فيما علمت بعدم تملك لقطة المدينة. ولمكة أيضا أحكام تخصها، وأحكام تشاركها المدينة فيها.
فمن الأحكام التي تخص مكة: أن الصلاة فيها تضاعف على الصلاة في غيرها، لأحاديث صحيحة وردت في ذلك يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
ومنها: تضاعف ثواب القربات بها، الحديث عن ابن عباس ﵄ يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ومنها: تضاعف السيئة بها، كما قال مجاهد، وأحمد بن حنبل فيما حكاه عنهما المحب الطبري في "القرى"١، ومثل ذلك نقل عن غيرهما، والصحيح من مذهب العلماء أن السيئة بمكة كغيرها، والله أعلم.
ومنها: أن الإنسان يؤاخذ بهمه بالسيئة بمكة وإن كان نائيا عنها، كما هو مقتضي الحديث الذي رويناه في مسند الإمام أحمد بن حنبل من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ ولفطه في المسند حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا شعبة، عن السدي أنه سمع عبد الله ﵁ قال شعبة: ورفعه لي ولا أرفعه للمنقول في قوله : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] قال: لو أن رجلا هم فيه بإلحاد، وهو بعدن أبين٢ لأذاقه الله عذابا أليما ... انتهى.
ووجه اختصاص مكة بهذا الحكم: أن غيرها من البلاد إذا هم الإنسان فيها بسيئة لا يؤاخذ بها إلا إذا عملها، كما هو مقتضى حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه في كتابه الحسنات والسيئات: "وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة" وهذا الحديث في الصحيحين، وهو بظهره يقتضي عموم البلاد في هذا الحكم، فيدخل في ذلك مكة، ولكن حديث ابن مسعود ﵁ المشار إليه يخصها، والله أعلم.
وكنت غفلت عن ذكر هذه الخصوصية، فكتب إلى بعض علماء عصرنا ممن وقف على بعض هذ الكتاب يذكرها لي، ونص ما كتبه إلي: رأيت مختصر مولانا لأخبار
стр. 92
مكة، وذكرتم خصائص الحرم بأشياء، ولم تتعرضوا لمن همَّ فيه بسيئة، فإنهم ذكروا من خصائصه العقوبة على مريد السيئة ومن همَّ بها، وروينا في ذلك حديثا مرفوعا، وهو من حديث ابن مسعود ﵁ في مسند أحمد وغيره١، وهو حديث إسناده صحيح، ثم قال: وهذه المسألة ذكرها ابن أبي حاتم في تفسيره، وبسط فيها القول ... انتهى باختصار.
وذكر ذلك -أيضا- أبو اليمن ابن عساكر في "فضل منى" عند الكلام على ما اختصت به مكة من الأحكام، ونص كلامه: وأن من أراد فيها الإلحاد ولم يعمل به أذاقه الله من أليم العذاب، وزاد أيضا من خصائصها عدم استباحة غنائمها.
ومنها: أن صلاة النافلة التي لا سبب لها لا تكره بمكة في وقت الكراهة، كما هو مذهب الشافعي ﵀ لحديث من رواية جبير بن مطعم ﵁ عن النبي ﷺ في ذلك، ولفظه عند الدارقطني: "يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا يصلي عند هذا البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار" ٢. وأخرجه ابن حبان بمعناه، ولفظه عند أصحاب السنن الأربعة، وابن حنبل، وابن حبان أيضا: "يا بني عبد مناف، إن وليتم من هذا الأمر شيئا فلا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء ليل أو نهار" ٣.
وجوز البيهقي في المراد بالصلاة احتمالين.
أحدهما: أن يكون المراد بالصلاة صلاة الطواف خاصة، وقال: إنه هو الأشبه بالآثار.
والاحتمال الآخر: أن يكون المراد جميع الصلوات٤.
ولفظ حديث الدارقطني يرد الاحتمال الأول الذي ذكره البيهقي أنه أشبه بالآثار، قال القاضي عز الدين بن جماعة: وتأول بعضهم الصلاة على الدعاء، وفيه بُعْدٌ، ومنع
стр. 93
بعضهم الاستدلال بهذا الحديث لعموم النهي، كما هو مذهب المالكية والحنفية١، والله أعلم.
ومنها: أن صلاة العيد تصلى بالمسجد الحرام لا في الصحراء كما في سائر البلاد.
ومنها: وجوب قصدها في كل سنة على طائفة من الناس لإقامة شعائر الحج. ومنها: أنها لا تدخل إلا بإحرام على تفصيل في ذلك مقرر في كتب الفقه.
ومنها: أنه لا يجوز إحرام المقيم في الحرم بالحج خارجه، كما هو مذهب الشافعي، على ما نقل النووي في "الإيضاح"، وهذا لفظه.
ومنها: اختصاصها بنحر هدايا الحج.
ومنها: لزوم النحر بمكة لنادرة فيها.
ومنها: اختصاص حكام مكة في الجزاء بشاة من غير حكم إذا أصيب في الحرم، كما هو مذهب مالك والشافعي.
ومنها: أن الخارج يتبع الصيد، فإذا دخل الحرم تركه، ذكر ذلك ابن الحاج عن بعض المفسرين.
ومنها: ائتلاف الظباء والسباع فيه، ذكره المحب الطبري٢.
ومنها: أمن الظباء والوحوش والسباع بها، حتى إن الطيور لتجوز الحد فيعرض لها من السباع ما لا يعرض لها إذا جاز شيء منها الحدود ... انتهى.
ذكر ذلك الحافظ، وقال: قالوا:
ومنها: كون أهل مكة لا دم عليهم في التمتع والقران عند مالك والشافعي وأكثر العلماء، لكونهم من حاضري المسجد الحرام، خلافا لأبي حنيفة.
ومنها: أن أهلها لا يقاتلون إذا بغوا فيها عند بعض العلماء لكن يضيق عليهم حتي يرجعوا عن ذلك، بل قال: "القفال المروزي"، وهو من كبار الشافعية: أنه يمتنع قتال الكفار بمكة إذا تحصنوا فيها، وهو مقتضى مذهب مالك على ما ذكره ابن شاس وابن الحاجب.
ففي "الجواهر" لابن شاس: ولا يجوز قتال الحاضر مسلما كان أو كافرا، وكذا في "مختصر ابن الحاجب".
стр. 94
ومذهب أكثر العلماء: جواز قتال الكفار والبغاة بمكة تقديما لحق الله تعالى، لأن قتال الكفار من الحقوق التي لا يجوز إضاعتها، وصحح ذلك النووي، وأجاب عن الأحاديث الصحيحة الواردة في تحريم القتال بمكة بأن معناها تحريم نصب القتال عليهم، بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك، بخلاف ما إذا تحصن كفار في بلد آخر، فإنه يجوز قتالهم على كل وجه بكل شيء، وقال: إن الشافعي نص على هذا التأويل.
ومنها عند أبي حنيفة: أن القاتل عمدا إذا لجأ إلى الحرم لا يقتل ما دام فيه، لكن يضيق عليه حتى يخرج منه ليقتل خارج الحرم.
ومنها عنده: أن الزاني المحصن إذا لجأ إلى الحرم لا يقام عليه الحد ما دام فيه، بل يضيق عليه حتى يخرج منه ليقتل خارج الحرم.
ومنها عنده: أن الحربي إذا لجأ إلى الحرم بغير أمان لا يقتل فيه، بل يضيق عليه حتى يخرج منه.
ومذهب أبي حنيفة في هذه الثلاثة المسائل هو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، ومذهب مالك والشافعي: أن الحرم لا يمنع من استيفاء القصاص والحدود.
ومنها: أن القاتل في الحرم يغلظ عليه الدية بزيادة ثلثها، سواء كان القتل عمدا، أو خطأ، عند الشافعية والحنابلة، على ما نقل عنهم ابن جماعة في "منسكه" وفيما نقله عن الشافعية١، لأن الصحيح عندهم: أن القاتل في الحرم يغلظ عليه الدية باعتبار التثليث، وهي أن تكون ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وذلك لا يفهمه نقل ابن جماعة، والله أعلم.
ومنها: أنه يمنع من خالف دين الإسلام من دخول الحرم مقيما كان أو مارا كما هو مذهب الشافعي، وأكثر الفقهاء على ما نقل الماوردي٢، وجوز ذلك أبو حنيفة إذا لم يستوطنوه، ويجوز عند مالك للكافر دخول الحرم مجتازا لتجارة وشبهها لا مستوطنا، والأصل في ذلك، ما رواه أبو داود عن رسول الله ﷺ قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ٣.
ووجه الدليل أن الحجاز هو نفس الجزيرة في قول طائفة من العلماء، وقال طائفة منهم: إن الحجاز بعض الجزيرة، وقالوا: إن المراد بما أطلقه من الجزيرة
стр. 95
الحجاز بقوله: "أخرجوا المشركين واليهود من الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب" ١.
ومنها على ما قال ابن الصلاح من الشافعية: لا يجوز أخذ شيء من مساويك الحرم.
وذكر ابن الحاج -من أصحابنا أنه لا بأس بأخذ السواك من الحرم.
ومنها: أن المستنجي بحجارة الحرم مسيء على ما قال الماوردي، ويجزئه ذلك ومنها: أنه لا يحل حمل السلاح بمكة لغير ضرورة، عند مالك والشافعي، لحديث جابر ﵁: "لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة" والحديث في الصحيحين٢.
ومنها: أنه لا يجوز استقبال الكعبة ولا استدبارها عند قضاء الحاجة في الصحراء إذا لم يكن ثَم ساتر، لنهي النبي ﷺ عن ذلك في رواية أبي أيوب الأنصاري ﵁ في الصحيحين، وفي رواية أبي هريرة ﵁ في صحيح مسلم وغيره.
ومنها: أن الله تعالى أوجب على أهلها التوسعة على الحجيج إذا قدموا مكة، وأن لا يأخذوا منهم أجرًا على نزولهم في مساكنها، كما هو مفهوم من كلام أبي اليمن ابن عساكر في فضل منى، وتقدم من كلام السهيلي في الباب الأول ما يؤيد ذلك.
ومنها: أنه يمتنع على المهاجر منها الإقامة بها إلا ثلاثة أيام بعد الصدر، كما روى العلاء بن الحضرمي عن النبي ﷺ بمعناه.
ومن الأحكام التي تشارك المدينة فيها مكة: تحريم قطع الرطب من شجرها وحشيشها، وتنفير صيدها واصطياده، وإن كان لا جزاء في صيد المدينة كما سبق بيانه لأحاديث صحيحة في ذلك.
ومنها: أنه يحرم دفن المشرك فيها، فإن دفن، نبش ما لم يتقطع، نقل ذلك عن النووي الشيخ خليل الجندي المالكي في "منسكه".
ومنها: أنه يحرم إخراج ترابها وحجرها، على ما نقل الشيخ خليل الجندي عن ابن الصلاح، ونص كلامه لما ذكر خصائص الحرمين، قال ابن الصلاح: ويختصان بتحريم إخراج الحجر والتراب، ويكره إدخال ذلك من الحل، وخلط ذلك بمثله، ولا
стр. 96
يجوز اتخاذ المساويك من إراك الحرم، زاد النووي: ويختصان بتحريم دفن المشرك، ولو دفن نبش ما لم يتقطع ... انتهى.
وما ذكره ابن الصلاح من تحريم إخراج تراب الحرم وحجارته إلى خارجه نص عليه الشافعي في "الجامع الكبير"، وفي "الأم" وصححه النووي في "الروضة"، وإن كان نقل في "شرح المهذب" عن الأكثرين من الشافعية أن ذلك مكروه.
وقال المحب الطبري: إن كراهية إخراج تراب الحرم إلى الحل كراهية تحريم عندنا١ ... انتهى.
والواجب على من أخرج ذلك من الحرم رده إليه، ولا ضمان عليه في ترك الرد، وأما كراهية إدخال تراب الحل وأحجاره إلى الحرم فلئلا تحدث لها حرمة لم تكن لها.
وما ذكره ابن الصلاح من كراهية إدخال الحل وأحجاره إلى الحرم نص عليه النووي في "روضته" و"مناسكه"، وذكر في "المجموع": أن الأصحاب متفقون على أن ذلك من باب الأولى، وفيه نظر، لأن صاحب "البيان" نقل عن الشيخ أبي حامد أنه قال: لا يجوز إدخال شيء من تراب الحل وأحجاره إلى الحرم ... انتهى.
والعلة في كراهية ذلك: لئلا يحدث لها حرمة لم تكن.
ومذهب الحنابلة: كراهة إخراج تراب الحرم وحصاه إلى الحل، وإدخال ذلك من الحل إلى الحرم، والإخراج أشد على ما قال أحمد.
وحكم حرم مكة في ذلك حكم مكة من غير خلاف.
وقد اختلف العلماء في مكة وحرمها: هل صار ذلك حرما آمنا من الجبابرة، والخسوف، والزلازل بسؤال الخليل ﵇؟ أم لم يزل حرما آمنا منذ خلق الله السماوات والأرض؟ وهو الصحيح على ما ذكره النووي وغيره، لحديث ابن عباس، وأبي هريرة، وابن شريح الخزاعي ﵃ وإنما سأل الخليل ﵇ ربه ﵎ أن يجعل ذلك آمنا من الجدب والقحط، وأن يرزق أهله من الثمرات، واحتج القائلون بالأول: بحديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة" ٢.... الحديث كما في الصحيحين.
وأجاب القائلون بالثاني عن هذا الحديث، بأن إبراهيم ﵇ أظهر التحريم بعد أن كان مهجورا. والله أعلم بالصواب
стр. 97
ذكر شيء مما ورد في تعظيم الناس لمكة وحرمها وفي تعظيم الذنب في ذلك:
روينا في تاريخ الأزرقي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: حج الحواريون، فلما بلغوا الحرم مشوا تعظيما للحرم١.
وروينا فيه عن ابن جريج قال: كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو ابنه في الكعبة، أو في الحرم، أو في الشهر الحرام فلا يعرض له٢.
وروى أبو علي بن السَّكَن في سننه: أن النبي ﷺ لما كان بمكة إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المُغَمْس٣.
ويروى أن الشيخ أبا عمرو الزجاجي أحد كبار مشايخ الصوفية في مكة أقام بمكة أربعين سنة لم يبل ولم يتغوط في الحرم.
ويروى أن الإمام أبا محمد عبيد الله بن سعيد الشنتجالي جاور بمكة دهرا، وكان إذا أراد قضاء الحاجة خرج من الحرم.
ومن الأخبار الواردة في تعظيم الذنب في الحرم: ما رويناه في تاريخ الأزرقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه كان يقول: إن من الإلحاد في الحرم أن يقول: كلا والله، وبلى والله٤.
وروينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يا أهل مكة لا تحتكروا الطعام، فإن احتكار الطعام بها للبيع إلحاد، وروينا مثل ذلك عن ابنه عبد الله بن عمر.
وروينا عن عمر ﵁ أنه قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة بركبة أحب إلى من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة٥ ... انتهى.
"وركبة" محاذية لذات عرق ميقات أهل العراق.
стр. 98
وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: الإلحاد في الحرم ظلم الخادم.
وقد جاء في هلاك من ظلم بمكة من الأمم أو استخف بحرمتها أخبار كثيرة سنذكر منها شيئا فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وجاء في النجاة من الذنب بالالتجاء إلى الحرم حديث رويناه عن جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ ولفظه قال: "لما عقرت ثمود الناقة وأخذتهم الصيحة، لم يبق تحت أديم السماء منهم أحد إلا أهلكته إلا رجلا واحدا كان في حرم الله فمنعه الحرم". فقالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال: "أبو رغال أبو ثقيف، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه"، أخرجه أحمد في مسنده ومسلم، وأبو حاتم بن حبان في صحيحهما١.
стр. 99
الباب الخامس
ذكر الأحاديث الدالة على أن مكة المشرفة أفضل من غيرها من البلاد
...
الباب الخامس:
في ذكر الأحاديث الدالة على أن مكة المشرفة أفضل من غيرها من البلاد:
وأن الصلاة فيه أفضل من غيرها وغير ذلك من فضلها
أخبرني إبراهيم بن محمد الصوفي سماعا بالمسجد الحرام، قال: أخبرنا أحمد بن أبي طالب الصالحي، عن أبي المنجا عبد الله بن عمر البغدادي وأبي بكر محمد بن مسعود بن بهروز الطيب، قالا: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السنجري، قال: أخبرنا الفقيه أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد السرخسي، قال: أخبرنا إبراهيم بن حزيم، قال: أخبرنا عبد بن حميد الحافظ، قال: أخبرني يعقوب بن إبراهيم الزهري، قال: حدثني أبي عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه أخبره، أنه سمع النبي ﷺ وهو على راحلته بالحزورة بمكة يقول لمكة: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إليَّ، ولولا أني أُخْرِجْتُ منك ما خرجت" ١.
وأخبرتني الأصيلة أم أحمد فاطمة بنت العز محمد بن أحمد الجبلي قراءة عليها وأنا أسمع بدمشق في الرحلة الثانية، أن القاضي تقي الدين سليمان بن حمزة المقدسي أنبأها وتفردت عنه، قالت: أخبرنا الحافظ ضياء الدين المقدسي، قال: أخبرنا زاهر بن أحمد الثقفي، قال: أخبرنا غانم بن خالد، قال: حدثنا الليث بن عقيل، عن محمد بن مسلم أن أبا مسلمة أخبره عن عبد الله بن عدي بن الحمراء ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ على راحلته واقفا بالحزورة يقول: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أُخْرِجْتُ منك ما خرجت" ٢.
стр. 100
وأخبرتني عاليا أم محمد بنت المنجا سماعا عن القاضي أبي الفضل المقدسي، قال: أخبرنا الحافظ الضياء، قال: أخبرنا أبو جعفر الصيدلاني وفاطمة بنت سعد الخير قالا: أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله قالت: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله، قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، قال: حدثنا أبو اليماني، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة.
وبه قال الطبراني: وحدثنا عبد الرحمن بن جابر البحتري، قال: حدثنا بشر بن شعيب قال: حدثني أبي، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عدي بن الحمراء أخبره أنه سمع النبي ﷺ يقول، وهو واقف بالحزورة في شرقي مكة: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجْتُ منك ما خرجت"، أخرجه الترمذي والنسائي عن قتيبة بن سعيد عن الليث، وأخرجه ابن ماجه عن زغبة، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن زغبة، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن زغبة عن الليث، فوقع لنا به بدلا للترمذي والنسائي، وموافقته لابن ماجه وابن حبان١، مع العلو في ذلك، ولله الحمد.
وأخرجه النسائي، عن إسحاق بن مسعود الكوسج، عن يعقوب بن أبي إبراهيم الزهري، فوقع لنا بدلا له عاليا، وقال الترمذي: إن حديث ابن الحمراء حديث حسن صحيح على ما نقله عن المحب الطبري في "القرى"٢، ومن خطه نقلت ذلك، ولما ذكر هذا الحديث قال: وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء، ثم رأيت فوق الحمراء حفر باب، وفوق الضرب ما صورته الخيار وهذا عجب منه، فإن الحديث مشهور عن ابن الحمراء، والله أعلم، وقال الترمذي عقب حديث ابن الحمراء رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وحديث الزهري عندي أصح٣ ... انتهى.
ورويناه في "المعجم الكبير" للطبراني من حديث محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري ابن أخي الزهري، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، عن محمد بن جبير، عن عبد الله بن عدي، وشذ ابن أخي الزهري في ذلك على ما قال صاحبنا الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني أمتع الله بفوائده وما ذكره الترمذي من أن محمد بن عمرو رواه عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، لم أره هكذا، وإنما رأيته عنه، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ مرسلا، هكذا رويناه في الجزء الثاني من حديث علي بن حجر
стр. 101
السعدي، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرويه، وفي تارخ الأزرقي عن جده عن سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن عمرويه، ولعل محمد بن عمرويه في الرواية التي ذكرها عنه الترمذي سلك فيها جادة إسناده المتكرر في غير ما حدثت له عن أبي سلمة عن أبي هريرة، والله أعلم.
وفي رواية محمد بن عمر المرسلة التي في تاريخ الأزرقي، أن النبي ﷺ قال ذلك عام الفتح على الحجون، ولا تضاد بين هذه الرواية على تقدير ثبوتها، وبين الرواية التي فيها أن النبي ﷺ قال ذلك وهو واقف بالحزورة، لإمكان الجمع بين الروايتين، بأن يكون قاله على الحجون في الفتح وبالحزورة حين خرج من مكة في عمرة القضية، لأنه أراد الإقامة بمكة ليبني فيها بزوجته ميمونة بنت الحارث الهلالية، فأبت عليه قريش ذلك، وظن بعض طرق الحديث التي أخرجناها أن النبي ﷺ قال ذلك وهو على راحلته بالحزورة، ولم يكن النبي ﷺ بهذه الصفة حين هاجر إلى المدينة، لأن الأخبار الواردة في هجرته ﷺ تقتضي أنه ﷺ خرج من مكة مستخفيا، ولو ركب بالموضع المشار إليه لأشعر ذلك بسفره، والقصد خلاف ذلك، والله أعلم.
والحزورة بحاء مهملة مفتوحة وزاي معجمة، وعوام مكة يصحفون الحزورة ويقولون: عزورة بعين مهملة، وهذا التصحيف من قديم، لأني رأيت ذلك مكتوبا في حجر رباط رامشت بمكة، وتاريخه سنة تسع وعشرين وخمسمائة، والحزورة الرابية الصغيرة والجمع الحزاور، وكان عندها سوق الحناطين بمكة، وهي في أسفلها عند منارة المسجد الحرام التي تلي أجياد، وما وقع مصرحا به في مسند أحمد بن حنبل من حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء، وما ذكرناه في موضع الحزورة وهو المشهور المعروف على ما ذكره الأزرقي، وذكر عن بعض المكيين أن الحزورة بفناء دار الأرقم، يعني دار الخيزران التي عند الصفا، ونقل عن بعضهم أنها بحذاء الردم في الوادي، والله أعلم.
والحزورة مخففة على وزن قسورة، وذكر الدارقطني أن تخفيف الحزورة هو الصواب، وأن المحدثين يفتحون الزاي ويشددون الواو وهو تصحيف، نقل ذلك عنه صاحب "المطالع"، قال: وقد ضبطناه بالوجهين عن ابن سراج ... انتهى.
وأفاد الفاكهي سبب تسمية الحزورة، لأنه قال: لما ذكر ولاية ابن نزار للكعبة وبيته: فكان أمر البيت إلى رجل منهم يقال له وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد، فبنى صرحا بأسفل مكة عند سوق الحناطين اليوم وجعل فيه أمة له يقال لها الحزورة، فبها سميت حزورة مكة١ ... انتهى.
стр. 102
وقد روينا نحو حديث ابن الحمراء من رواية أبي هريرة وابن عباس ﵃ وعبد الله بن عمرو بن العاص فأما حديث أبي هريرة ﵁ فأخبرني به الحافظان أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين وأبو الحسن علي بن أبي بكر المصريان سماعا بالقاهرة قالا: أخبرنا عبد الله بن محمد المقدسي، قال: أخبرنا علي بن أحمد الحنبلي، عن محمد بن معمر القرشي وأخته عائشة، قالا: أخبرنا سعيد بن أبي الرجاء، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن النعمان، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري الحافظ، قال: أخبرنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: وقف رسول الله ﷺ على الحزورة فقال: "قد علمت أنك خير أرض الله وأحب الأرض إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت" أخرجه النسائي عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق بن همام، فوقع لنا بدلا له عاليا، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده، عن عبد الرزاق به. وعن إبراهيم بن خالد الصنعاني، عن رباح بن زيد عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن بعض الصحابة١. ولم يذكر صاحبنا الحافظ أبو الفضل العسقلاني أبقاه الله أن رواية معمر شاذة، يعني روايته لهذا الحديث، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا. قال: والظاهر أن الوهم فيه من عبد الرزاق، لأن معمرا كان لا يحفظ اسم صحابيه كما جاءت رواية رباح عنه، وعبد الرزاق سلك الجادة فقال: عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ثم قال: وإذا تقرر ذلك علم أن لا أصل له من حديث أبي هريرة، والله أعلم ... انتهى.
وروينا نحوه في الثالث من حديث المخلص السقاء بن أبي الفوارس، وفي "المنتقى" من سبعة أجزاء من حديث المخلص أيضا من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي هريرة ﵁ أخبرني به القاضي المفتي أبو بكر بن الحسين الشافعي سماعا بطيبة عن أحمد بن أبي طالب إذنا وكتابة، وأنبأني به محمد بن عبد الرحمن القضاعي في كتابه أن أحمد بن أبي طالب أخبره سمعا، قال: أخبرنا أحمد بن يعقوب المارستاني إذنا، قال: أخبرنا أبو المعالي بن النحاس، عن أبي القاسم بن البشرين قال: أخبرني أبو طاهر المخلص، قال: حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سنان، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت، عن عبد الله بن رباح الأنصاري، قال: خرجت في
стр. 103
وفد فيه أبو هريرة ... فذكر عن أبي هريرة في حديث ذكره أنه قال: لما قدمنا مكة أتته الأنصار وهو قائم على الصفا فجلسوا حوله، فجعل يقلب بصره في نواحي مكة وينظر إليها ويقول: "والله لقد عرفت أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله، ولولا أن قومي أخرجوني ما خرجت" ١.
وبه إلى المخلص قال: حدثنا يحيى بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سنان بالرملة، قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت، قال: حدثنا عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي هريرة رضي لله عنه عن النبي ﷺ مثله.
وبه قال ابن صاعد.
هذان الخبران لم يأت بهما في هذا الحديث إلا مؤمل بن إسماعيل ... انتهى.
وإسناد هذا الحديث فيه نظر، لأن مؤمل بن إسماعيل الذي تفرد به كثير الخطأ على ما قال أبو حاتم٢، وفيه نظر أيضا لمكان غيره فيه، وإنما أوردناه لغرابته، والله أعلم.
وأما حديث ابن عباس ﵄: فأخبرني به المسندان الإمام المفتي أبو أحمد إبراهيم بن محمد اللخمي ومحمد بن حسن بن علي القرشي المصريان سماعا على الثاني وأجازه ومشافهة من الأول: أن الحافظ أبا الفتح اليعمري أخبرهما سماعا قال: قرأت على أبي حفص عمر بن عبد المنعم القواس من غوطة دمشق: أخبركم أبو لقاسم عبد الصمد بن محمد الأنصاري، قال: أخبرنا أبو الحسين بن المسلم، قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن أحمد بن طلاب، قال: أخبرنا ابن جميع، قال: حدثنا إبراهيم بن معاوية، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان، قال: حدثنا نصر بن عاصم، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثنا عبد الله بن سليمان، قال: حدثنا نصر بن عاصر، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثنا طلحة، عن عطاء بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "أما والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله وأكرمها على الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" ٣.
وعاليا عمر بن حسن المزي في إذنه العام، قال: أخبرنا عمر بن عبد المنعم المذكور بسنده السابق، أخرجه الترمذي في المناقب، عن محمد بن موسى البصري، عن فضيل بن سليمان٤. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن الحسن بن سفيان، عن
стр. 104
فضيل بن الحسين الجحدري، عن فضيل بن سليمان، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير وابن الطفيل كلاهما عن ابن عباس١، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب في هذا الوجه.
وأما حديث عبد الله بن عمرو ﵄ فذكره الفاكهي في كتابه "أخبار مكة" ولفظه: وحدثنا ميمون بن الحكم الصنعائي، قال: حدثنا محمد بن جعشم، عن ياسين بن معاذ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: بعث رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على أهل مكة فقال له رسول الله ﷺ : "أتدري أين بعثتك؟ بعثتك على أهل الله، ليس بلد أحب إلى الله ولا إلي منها ولكن قومي أخرجوني فخرجت، ولو لم يخرجوني لم أخرج".
وحدثنا عبد الله بن عمران، قال: حدثنا سعيد بن سالم، قال: حدثنا عثمان بن ساج، قال أخبرني يحيى بن أبي أنيسة، عن ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ بنحو من حديث ميمون٢ ... انتهى.
وحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء السابق هو حجة القائلين بأفضلية مكة على غيرها من البلاد والأماكن، ما خلا المكان الذي دفن فيه النبي ﷺ فإنه أفضل بقاع الأرض بالإجماع، على ما نقل القاضي عياض في شرح مسلم، حتى قيل إنه أفضل من موضع الكعبة على ما صرح به أبو اليمن ابن عساكر في إتحافه، وممن قال بأفضلية مكة على غيرها من البلاد الإمام أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه، وابن وهب وابن حبيب من المالكية، وقال العبدي: إنه مذهب أكثر الفقهاء، وقال ابن عبد البر: إن ذلك يروى عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وجابر وغيرهم من الصحابة، قال: وهم أولى أن يقلدوا ممن جاء بعدهم، قال: وحسبك بفضل مكة أن فيها بيت الله الذي رضي بحط الأوزار للعباد بقصده في العمر مرة، ولم يقبل من أحد منهم صلاة إلا باستقبال جهته إن قدر على التوجه إليها، وهي قبلة المسلمين أحياء وأمواتا ... انتهى.
قلت: الفضل الثابت لمكة ثابت لجميع حرمها كما ذكره المحب الطبري في "القرى لقاصد أم القرى"، وضعف ابن عبد البر بعض الأحاديث المستدل بها على أن المدينة
стр. 105
أفضل من مكة، من ذلك الحديث الذي أخرجه الحاكم في مستدركه على الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال حين خرج من مكة إلى المدينة: "اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إليَّ فأسكني أحب البلاد إليك" ١. الحديث، قال فيه ابن عبد البر: إنه لا يصح ولا يختلف أهل العلم في نكارته ووضعه ... انتهى.
وعلى تقدير صحته فلا دلالة فيه لمن استدل به على ما ذكره المحب الطبري، لأنه لما ذكر اختلاف العلماء في تفضيل المدينة على مكة في الفصل الذي عقده لفضل مسجد المدينة والصلاة فيه، قال: وما احتجوا به من قوله ﷺ : "أخرجتني من أحب البلاد أو البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك" محمول على أنه أراد أحب البقاع إليك بعد مكة، بدليل حديث النسائي وابن حبان المتقدم في فضل مكة، يعني حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء، فإنه دل على أنها أحب أرض الله إلى الله، على أن هذا الحديث نفسه لا دلالة فيه، لأن قوله: وأسكني في أحب البقاع إليك، هذا السياق يدل في العرف على أن المراد بعد مكة، فإن الإنسان لا يسأل عما خرج منه، فإن قال: أخرجتني فأسكني، يدل على إرادة غير الخروج منه، فيكون مكة مسكوتا عنها في الحديث ... انتهى.
وحديث رافع بن خديج ﵁: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "المدينة خير من مكة" كما في معجم الطبراني٢، قال فيه ابن عبد البر ضعيف الإسناد ولا يحتج به، وقيل: إنه موضوع، وذكره الذهبي في "فضل البلدان" وقال: حديث واه منكر، وهذان الحديثان أشهر الأحاديث المستدل بها على أن المدينة أفضل من مكة، وممن قال بذلك: الإمام مالك بن أنس ﵀ وأصحابه، خلا من ذكرنا، ونقل القاضي عياض ذلك عن عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر أهل المدينة٣، والله أعلم.
ولا ريب في أن مكة والمدينة أفضل من سائر البلاد، لإجماع الناس على ذلك، كما ذكره القاضي عياض، كما أن بيت المقدس أفضل من سائرها بعد مكة والمدينة للإجماع، ومستند الإجماع في ذلك: أحاديث مشهورة ثابتة في الصحيحين وغيرهما، والله أعلم.
стр. 106
ذكر الأحاديث الدالة على أن الصلاة بمسجد مكة أفضل من الصلاة في غيره من المساجد:
روينا في ذلك أحاديث من حديث أنس بن مالك وجابر بن عبد الله الأنصاريين وعبد الله بن الزبير بن العوام وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وأبي الدرداء وأم الدرداء وعائشة ﵃، وقد أخرجنا هذه الأحاديث في أصل هذا الكتاب بأسانيدها، ونقتصر هنا على عَزْوِها لكتب أهل العلم.
فأما حديث أنس وجابر ﵄ ففي سنن ابن ماجه١، وإسناده في حديث جابر صحيح، على ما قال ابن جماعة في منسكه، وحديث ابن الزبير في مواضع يأتي ذكرها. وحديث ابن عمر وأبي هريرة ﵄ في مسند ابن حنبل٢، وحديث أبي الدرداء ﵁ في "المعجم الكبير" للطبراني بسند حسن على ما قال بعض مشايخنا٣، وحديث أم الدرداء ﵂ في الإتحاف لابن عساكر، وحديث عائشة ﵂ في "المعجم الأوسط" للطبراني، وحديث ابن الزبير ﵄ عندي أعلاها، وقد أخبرني به إبراهيم بن محمد الصوفي سماعا بمكة، أن أحمد بن أبي طالب الصالحي أخبره عن ابن اللتي وابن بهروز قالا: أخبرنا أبو الوقت، قال: أخبرنا الداودي، قال: أخبرنا الحموي، قال: أخبرنا إبراهيم بن حزيم، قال: حدثنا عبد بن حميد الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة" ٤.
وأخبرنيه أعلى من هذا علي بن محمد الخطيب عن أبي بكر الوشتي، قال: أخبرنا الحافظ ابن خليل، قال: أخبرنا الرازي، قال: أخبرنا الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن فارس، قال: أخبرنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا الربيع بن صبيح، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: بينما ابن الزبير يخطبنا إذ قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تفضل بمائة صلاة" ٥.
стр. 107
قال عطاء: فكانت مائة ألف، قال قلت: يا أبا محمد هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم، فإن الحرم كله مسجد، ورأيناه في "إتحاف الزائر" لأبي اليمن ابن عساكر من حديث شبابة بن سواد، عن الربيع بن صبيح به، إلا أن فيه: "وصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف". ورأيناه في مسند ابن حنبل والبزار ومعجم الطبراني الكبير بألفاظ مختلفة.
ويتحصل من طرق حديث ابن الزبير ثلاث روايات، أحدها: أن الصلاة بالمسجد الحرام تفضل على الصلاة بمسجد المدينة بمائة صلاة كما في مسند عبد بن حميد وابن حنبل والبزار، وإحدى روايتي الطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح.
والرواية الأخرى: أن الصلاة في المسجد الحرام تفضل على الصلاة بمسجد المدينة بألف صلاة كما في مسند الطيالسي وإتحاف ابن عساكر، وحديث ابن الزبير من رواة حماد بن زيد أخرجه ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان عن محمد بن عبد الله بن حسان عن حماد بن زيد١، فوقع لنا عاليا، وقد روي موقوفا على ابن الزبير، ومن رفعه فهو أحفظ وأثبت من جهة النقل على ما قاله ابن عبد البر، وصحح هذا الحديث وقال: إنه الحجة عند التنازع، وإنه نص في موضع الخلاف، قاطع عند من ألهم رشده ولم تمل به عصبيته...... انتهى.
وحديث كل من أنس وجابر وأبي الدرداء ﵃ في الصلاة في المسجد الحرام يقتضي تفضيل الصلاة بالمسجد الحرام على الصلاة بمسجد المدينة كحديث ابن الزبير الذي في "مسند الطيالسي" وإتحاف ابن عساكر، وحديث ابن عمر ليس في بيان ما تفضل الصلاة به في المسجد الحرام على الصلاة في غيره، وإنما يقتضي أن الصلاة فيه أفضل من غيره، وحديث أبي هريرة يقتضي أن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجد المدينة بمائة صلاة، هذا مقتضى حديث ابن عمر وأبي هريرة في كتاب الفاكهي٢.
وقد ورد في فضل الصلاة بالمسجد الحرام ثواب أكثر من هذا، لأن الفاكهي قال: حدثني عبد الله بن منصور عن عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من صلى في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام في جماعة خمسة وعشرين مرة، كتب الله له مائة ألف صلاة، ومن صلى في المسجد الحرام أو في بيته أو في الحرم، كتب الله له مائة ألف صلاة، قيل له، أو قال
стр. 108
رجل من التابعين: أَعَنْ رأيك هذا يا ابن عباس، أو عن رسول الله ﷺ ، قال: بل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١....... انتهى، وعبد الرحيم ضعيف.
وقال الفاكهي أيضا: وحدثني محمد بن صالح البلخي، قال: حدثنا أبو مطيع الحكم بن عبد الله القرشي، قال: حدثنا المسيب، عن المبارك بن حسان، عن الحسن ومعاوية بن قرة قالا: الصلاة في المسجد الحرام بألف ألف صلاة وخمسمائة صلاة، والصلاة في الحرم كله بمائة ألف صلاة٢ ... انتهى.
وروينا عن الجندي في كتاب "فضائل مكة" له، قال: حدثنا إسحق بن إبراهيم، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد بن مغفل، عن وهب بن منبه، قال: وجدت مكتوبا في التوراة: من شهد الصلوات الخمس في المسجد الحرام كتب الله له بها اثنا عشر ألف ألف وخمسمائة ألف صلاة.
وروى الجندي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] حديثا يقتضي أن المراد بذلك الصلوات الخمس جماعة في المسجد الحرام، ولفظه: حدثنا عبد الله بن أبي غسان، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِين﴾ . ثم قال: "هي الصلوات الخمس في الجماعة في المسجد الحرام".
ولنذكر فوائد تتعلق بحديث ابن الزبير ﵄، وما شابهه.
منها: أن ابن كنانة المالكي وغيره من المالكية قالوا في قوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". كما في الصحيحين٣: أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة خلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجده ﷺ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف ليستقيم لهم بذلك ما رووا من تفضيل الصلاة بالمدينة على الصلاة بمكة، وحديث ابن الزبير وما شابهه من الأحاديث التي ذكرناها يدفع هذا التأويل، لأنها تقتضي تفضيل الصلاة بمكة على الصلاة بالمدينة، والله أعلم.
ومنها: أن النقاش المفسر حسب الصلاة بالمسجد الحرام على مقتضى حديث: "إن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف صلاة"، فبلغت صلاة واحدة
стр. 109
بالمسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة وهي خمس صلوات في المسجد الحرام عمر مائتي سنة وسبعة وتسعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال ... انتهى.
قلت: رأيت لشيخنا بالإجازة الإمام بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن الصاحب المصري الإشاري١ كلاما حسنا في هذا المعنى، لأنه قال فيما أنبأنا به: إن كل صلاة بالمسجد الحرام فرادى بمائة ألف صلاة كما ورد في الحديث، وكل صلاة فيه جماعة بألفي ألف صلاة وسبعمائة ألف صلاة، والصلوات الخمس فيه بثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة صلاة، وصلاة الرجل منفردا في وطنه غير المسجدين المعظمين، كل مائة سنة شمسية بمائة وثمانين ألف صلاة، وكل ألف سنة بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة، فتلخص من هذا: إن صلاة واحدة في المسجد الحرام جماعة يفضل ثوابها على ثواب من صلى في بلده فرادى، حتى بلغ عمر نوح ﵇ نحو الضعف، وسلام على نوح في العالمين. وهذه فائدة تساوي رحلة. ثم قال: هذا إذا لم تضف إلى ذلك شيئا من أنواع البر، فإن صام يوما، وصلى الصلوات الخمس جماعة، وجعل فيه أنواعا من البر قلنا بالمضاعفة، فهذا مما يعجز الحساب عن حصر ثوابه٢ ... انتهى.
ومنها: أن للعلماء المالكية وغيرهم خلافا في هذا الفضل: هل يعم الفرض والنفل، أو يختص بالفرض؟ وهو مقتضى مشهور مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، والقول بالتعميم مذهب الشافعي على ما صرح به النووي.
ومنها: أن للعلماء خلافا في المراد بالمسجد الحرام، فقيل: مسجد الجماعة الذي يحرم على الجنب الإقامة فيه، حكاه المحب الطبري، وذكر أنه يتأيد بقوله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"، والإشارة بمسجده إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك ... انتهى.
وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم كله، قال المحب الطبري٣: ويتأيد بقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد﴾ [الحج: ٢٥] . أو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] . وكان ذلك من بيت أم هانئ ... انتهى.
стр. 110
وقيل: المراد بالمسجد الحرام الكعبة خاصة، ذكره المحب الطبري١ عن بعضهم وأُبْهِم له، قال: واختاره بعض المتأخرين من أصحابنا، وذكر أنه يتأيد بحديث أبي هريرة ﵁: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا الكعبة". أخرجه النسائي٢ ... انتهى باختصار.
وذكر بعض الحفاظ من أصحابنا أن في بعض طرق هذا الحديث إلا "مسجد الكعبة"، وعلى هذا فلا تستقيم الدلالة بالحديث الذي ذكره المحب الطبري١ على أن المراد بالمسجد الحرام الكعبة خاصة، والله أعلم.
ومنها: هذا التضاعف بالنسبة إلى الثواب لا بالنسبة إلى إسقاط الفوائت كما يتخيله كثير من الجهال، ولذلك نبهنا عليه. وممن صرح بذلك النووي في شرح مسلم، وقد ظهر بما ذكرناه من الأحاديث وكلام العلماء تفضيل مكة على سائر البلاد، وأن ثواب الصلاة فيها أفضل من ثوابها في غيرها، وجاء أحاديث تدل على تفضيل ثواب الصوم وغيره من القربات بمكة على ثواب ذلك في غيرها، إلا أنها في الثبوت ليست كأحاديث فضل مكة والصلاة فيها، وحديث تفضيل الصوم بمكة على غيرها. رويناه في مسند ابن ماجة٣، وفي تاريخ الأزرقي، وفي "المجالس المكية" للميانشي٤، من حديث ابن عباس ﵄ وعنه ورد تضاعف حسنات الحرم على غيرها، لأنا روينا عن زاذان عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من حج من مكة ماشيا حتى يرجع إليها كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. فقال بعضهم لابن عباس: وما حسنات الحرم؟ قال: كل حسنة بمائة ألف حسنة". انتهى. رواه البيهقي بسنده إلى عيسى بن سوادة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زاذان، وقال: تفرد به عيسى بن سوادة، وهو مجهول٥ ... انتهى.
قلت: لم ينفرد به عيسى بن سوادة كما ذكر البيهقي، لأنا رويناه في الأربعين المختارة لخطيب مكة: الحافظ ابن مسدي، وغيرها من حديث سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد الذي رواه عنه ابن سوادة. وقال ابن مسدي: هذا حديث حسن غريب ... انتهى.