← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ذكر الأساطين: وأما الأساطين: فواحدة فيما علمت، على ما ذكر الفاكهي، لأنه قال: حدثني أبو علي الحسن بن مكرم قال: حدثنا عبد الله بن بكر قال: حدثني أبي بكر بن حبيب قال: جاورت بمكة فعابت أسطوانة من أساطين البيت، فأُخْرِجَت، وجيء بأخرى ليُدْخِلوها مكانها، فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلا، فتركوها مائلة ليعودوا من غد فيصلحوها، فجاءوا من غد فأصابوها أقوم من القدح ... انتهى. ولم يذكر ذلك الأزرقي ولم أر من ذكر ذلك غير الفاكهي، وهو غريب جدا. والله أعلم. وفيه كرامة للبيت زاده الله شرفا.

стр. 142

ذكر الميازيب: وأما الميازيب: فميزاب عمله الشيخ أبو القاسم رامشت صاحب الرباط المشهور بمكة، وصل به خادمه "مثقال" بعد موته مع تابوته في سنة سبع وثلاثين وخمسمائة١. وميزاب أنقذه الخليفة المقتفي العباسي٢ في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، أو في التي بعدها، وجعل عوض ميزاب رامشت٣. ومنها: ميزاب عمله الناصر العباسي٤ وهو الآن في الكعبة لأن اسمه مكتوب فيه، وهو خشب مبطن برصاص في الموضع الذي يجري فيه الماء، وظاهره مما يبدو للناس مطلي بفضة، وأصلح الموضع الذي يجري فيه الماء منه في العشر الأوسط من شهر رمضان سنة أربع عشرة وثمانمائة٥، بعد قلع اللوح الذي فوقه يستر مجرى الماء، وأعيد اللوح كما كان وطول هذا الميزاب بما منه في جدار الكعبة يزيد على أربعة أذرع. بالحديد، مقدار ثمن الذراع أو أكثر -الشك مني في مقدار الزيادة بعد تحريري لذلك في التاريخ الذي ذكرنا فيه إصلاحه- وأحدث عهد حلي فيه هذا الميزاب سنة إحدى وثمانين وسبعمائة٦.

стр. 143

ذكر الأبواب: وأما الأبواب: فباب عمله الوزير جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور المعروف بالجواد، سنة خمسين وخمسمائة، وركب عليها في سنة إحدى وخمسين، وكتب عليه اسم الخليفة المقتفي العباسي، وحلاه الجواد حلية حسنة بحيث إنه كان يستوقف الأبصار لحسن حليته على ما ذكر ابن جبير في أخبار رحلته١، وذكر فيها صفة حليته. وكلام ابن الأثير يوهم أن الذي صنع للكعبة الباب في هذا التاريخ الخليفة المقتفي، لأنه قال في أخبار سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، فيها قلع الخليفة المقتفي لأمر الله باب الكعبة وعمل عوضه بابا مصفحا بالنقرة المذهبة، وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتا يدفن فيه إذا مات٢ ... انتهى. وليس ما ذكره ابن الأثير من نسبة الباب للمقتفي معارضا لما ذكره ابن جبير من نسبته للجواد، لأن الجواد إنما صنعه بأمر المقتفي، وأضاف إليه هذا الباب بكتابة اسمه عليه، وإنما نبهنا على ذلك لئلا يتوهم أن كلا منهما صنع للكعبة بابا، لأنه يبعد أن يعمل كل منهما للكعبة بابا في تاريخ واحد بسبب واحد، وهو اتخاذ الباب الأول تابوتا للدفن، فإن الجواد عمل تابوتا على ما قيل من الباب الذي كان قبل بابه، حمل فيه إلى المدينة الشريفة، ودفن بها، ولم يكن يتمكن من ذلك إلا بموافقة المقتفي عليه، وإظهاره أن للمقتفي رغبة في عمل الباب الذي قبل بابه تابوتا، ولأجل ذلك نسب هذا الأمر للمقتفي كما ذكر ابن الأثير، والله أعلم.

стр. 144

ومنها: باب عمله المالك المظفر صاحب اليمن وكان عليه صفائح فضة زنتها ستون رطلا، وصارت لبني شيبة. ومنها: باب عمله الملك الناصر محمد بن قلاوون١ صاحب مصر، وركب على الكعبة بعد قلع باب الملك المظفر في ثامن عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وكان عليه من الفضة خمسة وثلاثون ألف درهم، وثلاثمائة درهم على ما ذكره البرزالي، وذكر أن هذا الباب من السنط الأحمر٢. ومنها: باب عمل في سلطنة ولده الملك الناصر حسن٣، وذلك في سنة إحدى وستين وسبعمائة، وهو من خشب الساج، عمل بمكة، واستمر في الكعبة إلى تاريخه٤، إلا أنه في سنة ست وسبعين وسبعمائة قلع مها لعمل الحلية التي هي فيه الآن، وعوض عنه بباب قديم كان للكعبة٥، وهو الآن في حاصل زيت الحرم، ولعله باب الكعبة الذي عمله الملك الناصر محمد بن قلاوون، ثم أعيد إليها الباب الذي عمل بمكة في دولة الناصر حسن بعد تحليته في التاريخ الذي ذكرناه على ما أخبرني به والدي أعزه الله، وذكر أن مقدار هذه الحلية اثنان وثلاثون ألف درهم، أو ثلاثة وثلاثون لا يزيد عن ذلك، وأنه شاهد تحرير هذه الحلية لما كان مشارفا على عملها، وأظن أنه حلي في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة٦، والله أعلم. واسم الملك الناصر محمد بن قلاوون مكتوب في هذا الباب بأسفله، واسم حفيده الملك الأشرف شعبان بن حسين٧ في بعض فيارين الباب، وفي بعض فيارين الباب، وهو الجانب الذي يكون على يمين الداخل إلى الكعبة، مكتوب اسم الملك المؤيد أبي النصر شيخ٨، صاحب مصر، نصره الله، لأن بعض خواصه قدم إلى مكه في أول يوم

стр. 145

من ذي الحجة سنة ستة عشرة وثمانمائة، فرأى جانب الباب المشار إليه محتاجا إلى الحلية، فحلاه بفضة وطلاها بالذهب وكتب في ذلك اسم الملك المؤيد نصره الله، ومقدار الفضة التي حلي بها الموضع المشار إليه مائة درهم ونيف وتسعون درهما، على ما أخبرني به بعض من صاغ ذلك، وكان عمل ذلك والفراغ منه قبل الطلوع إلى عرفة في أيام من العشر الأول من ذي الحجة من سنة ست عشرة وثمانمائة١، واستحسن ذلك ممن صنعه، فالله يزيده رفعة، واسم الملك المظفر صاحب اليمن على مفتاح قفل باب الكعبة الآن، وفي القفل أيضا فيما أظن لأن فيه كتابة ممحوة، والله أعلم.

стр. 146

أوَّل من بوب الكعبة: ولنختم هذا الفصل بفائدة في بيان أول من بوب الكعبة: أول من بوبها أنوش بن شيث بن آدم ﵇ على ما ذكره الزبير بن بكار؛ لأنه قال: وقال محمد بن حسن: حدثني عيسى بن عبد الله عن أبيه قال: أنوش بن شيث بن آدم أول من غرس النخلة، وبوب الكعبة، وزرع الحبة ... انتهى. وذكر ذلك السهيلي ﵀، لأنه قال: أنوش، وتفسيره الصادق، وهو بالعربية أنش، وهو أول من غرس النخلة، وبوب الكعبة، وبذر الحبة١ ... انتهى. وروينا في تاريخ الأزرقي ما يقتضي أن تبعا الحميري أول من بوب الكعبة، لأنه قال في أثناء خبر نقله عن ابن إسحاق في بناء إبراهيم الكعبة: وجعل بابها في الأرض غير مبوب حتى كان تبع ابن أسعد الحميري هو الذي جعل لها بابا وغلقا فارسيا، وذكر معنى ذلك في موضع آخر٢. وذكر الفاكهي ما يخالف ذلك، لأنه قال: وحدثنا أحمد بن صالح عن الواقدي قال: كان البيت قد دخله السيل من أعلى مكة، فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم ﵇ وجعلوا له مصراعين وقفلا، فاستخفت جرهم بأمر البيت، وعملوا أمورا وأحدثوا أحداثا لم تكن٣ ... انتهى. ووجه مخالفة هذا لما ذكره الأزرقي أنه يقتضي أن جرهما جعلوا للكعبة بابا، وهو المصراعان المشار إليهما في هذا الخبر، والزمن الذي صنعوا فيه ذلك هو زمن ولايتهم للكعبة، وولايتهم لها قبل ولاية خزاعة، وولاية خزاعة لها قبل ولاية قريش، والباب

стр. 147

الذي عمله تبع هو في زمن ولاة قريش، على ما أشار إليه الفاكهي وغيره في خبر تبع الذي صنع باب الكعبة الذي ذكره الأزرقي، والله أعلم. وذكر بعضهم ما يخالف ما ذكره الزبير والسهيلي في كون أنوش أول من بذر الحبة، لأن القطب الحلبي ذكر أنه بخط أبي علي الحسن بن الأشرف أحمد ابن القاضي عبد الرحيم بن علي البيسان: أول من زرع الحبة آدم ﵇ فإنه كان يحرث ويزرع. روي أن الشعير من زرع حواء، والحنطة من زرع آدم ﵇ وإنها تألمت في ذلك، وقال: ذكروه في كتب التاريخ١ ... انتهى٢.

стр. 148

.................................................................................

стр. 149

....................................................................................

стр. 150

الباب الثامن: ذكر صفة الكعبة وما أحدث فيها من البدعة: أما أرض الكعبة وجدرانها من داخلها: فمرخمة برخام ملون، وقد ذكر الأزرقي ﵀ عدد الرخام الذي في أرض الكعبة وجدرانها وألوانه ونقل عن ابن جريج أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أول من رخم أرض الكعبة وجدرانها برخام بعث به من الشام١. وفي الكعبة الآن ثلاث دعائم من ساج على ثلاثة كراسي، وفوقها ثلاثة كراسي، وعلى هذه الكراسي ثلاث جوائز من ساج، ولها سقفان بينهما فرجة، وفي السقف أربعة روازن نافذة من السقف الأعلى إلى السقف الأسفل للضوء، وفي ركنها الشامي درجة من خشب يصعد منها إلى سطحها، وعدد الدرج التي فيها ثمان وثلاثون مرقاة، وسقفها الأعلى مما يلي السماء مرخم برخام أبيض، وطلي بنورة٢ في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بأمر أمير يقال له باشه من أمراء مصر، لما ندبه لعمارة المسجد وغيره بمكة الأمير بركة مدبر المملكة بالديار المصرية مع الملك الظاهر قبل سلطنته. ثم كشطت النورة في سنة إحدى وثمانمائة بأمر الأمير بيسق٣.

стр. 151

ويطيف بسطحها إفريز مبني بالحجارة على جدرها من جميع جوانبها يأتي تحرير ذرعه فيما بعد إن شاء الله تعالى ويتصل بهذا الإفريز أخشاب فيها حلق من حديد، مربوط بها كسوة الكعبة، وبابها من ظاهره مصفح بصفائح فضة مموهة بالذهب، وكذلك فياريز الباب وعتبته العليا مطلية بفضة، زنتها على ما بلغني ألف درهم وثمانمائة درهم، وفيها مكتوب اسم مولانا السلطان الملك الناصر فرج١ بن الملك الظاهر صاحب الديار المصرية، واسم أبيه الملك الظاهر، وأضيف إلى كل منهما الأمر بعمل هذه الحلية، وفيها مكتوب أيضا اسم الأمير أيتمش٣ الذي جعله الملك الظاهر أتابكا٤ لوالده واسم الأمير يشبك٥ الذي كان خازندار٦ الملك الظاهر ثم لابنه الملك الناصر، ثم صار داودارا٧ للملك الناصر وأتابكا له واسم الأمير بيسق الآمر بهذه الحلية. وأما ما أحدث فيها من البدعة: فهو البدعة التي يقال لها "العروة الوثقى"، والبدعة التي يقال لها "سرة الدنيا"،وقد ذكرهما الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ لأنه قال: وقد ابتدع من قريب بعض الفجرة والمحتالين في الكعبة المكرمة أمرين باطلين عظم ضررهما على العامة. أحدهما: ما يذكرونه من العورة الوثقى، عمدوا إلى موضع عال من جدار البيت المقابل لباب البيت فسموه بالعروة الوثقى، وأوقعوا في قلوب العامة أن من ناله بيده فقد استمسك بالعروة الوثقى، فأحوجهم إلى أن يقاسوا في الوصول إليه شدة وعناء، فركب بعضهم فوق بعض، وربما صعدت الأنثى فوق الذكر ولامست الرجال ولامسوها، فلحقهم بذلك أنواع من الضرر دنيا ودينا.

стр. 152

الثاني: مسمار في وسط البيت سموه سرة الدنيا، وحملوا العامة على أن يكشف أحدهم عن سرته، وينبطح بها على ذلك الموضع حتى يكون واضعا سرته على سرة الدنيا، قاتل الله واضع ذلك ومختلقه وهو المستعان ... انتهى بنصه من منسك ابن الصلاح، ونقل ذلك عنه النووي في "الإيضاح" بما يخالف بعض ذلك في اللفظ ويوافقه في المعنى. قلت: وهذان الأمران لا أثر لهما الآن في الكعبة، وكان زوال البدعة التي يقال لها العروة الوثقى في سنة إحدى وسبعمائة، لأن الإمام جمال الدين المطري فيما أخبرني عنه القاضي برهان الدين بن فرحون ذكر أن الصاحب زين الدين أحمد بن محمد بن علي بن محمد المعروف بابن حناء توجه إلى مكة في أثناء سنة إحدى وسبعمائة، فرأى فيها ما يقع من الفتنة عند دخول البيت الحرام، وتعلق الناس بعضهم على بعض، وحمل النساء على أعناق الرجال للاستمساك بالعروة الوثقى في زعمهم فأمر بقلع ذلك المثال، وزالت تلك البدعة، والمنة لله تعالى١ ... انتهى.

стр. 153

ذكر النوع الكعبة من داخلها وخارجها ... ذكر ذرع الكعبة من داخلها وخارجها: روينا بالسند المتقدم إلى الأزرقي١ قال: ذرع البيت خارج طولها في السماء: سبعة وعشرون ذراعا، وذرع طول وجه الكعبة من الركن الأسود إلى الركن الشامي: خمس وعشرون ذراعا، وذرع ظهرها من الركن اليماني إلى الركن الغربي: خمس وعشرون ذراعا، وذرع شقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني: عشرون ذراعا، وذرع شقها الذي فيه الحجر من الركن الشامي إلى الركن الغربي: أحد وعشرون ذراعا، وذرع جميع الكعبة مكسرا: أربعمائة ذراع وثمانية عشر ذراعا، وذرع نقد جدار الكعبة: ذراعان، والذراع أربع وعشرون أصبعا. ثم قال الأزرقي: ذرع طول الكعبة في السماء من داخلها إلى السقف الأسفل مما يلي باب الكعبة: ثماني عشرة ذراعا ونصف، وطول الكعبة في السماء إلى السقف الأعلى: عشرون ذراعا، وذرع داخل الكعبة من وجهها من الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن الشامي إلى الركن الغربي وهو الشق الذي يلي الحجر: خمسة عشر ذراعا وثماني عشر إصبعا، وذرع ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي وهو الشق الذي يلي الحجر: خمسة عشر ذراعا وثماني عشرة أصبعا، وذرع ما بين الركن الغربي إلى الركن

стр. 154

اليماني- وهو ظهر الكعبة: عشرون ذراعا وستة أصابع، وذرع ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود ستة عشر ذراعا وستة أصابع١. وذكر الأزرقي ﵀: ذرع ما بين الأساطين التي في الكعبة، فقال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: ذرع ما بين الجدار الذي بين الركن الأسود والركن اليماني إلى الأسطوانة الأولى: أربعة أذرع ونصف، وذرع ما بين الأسطوانة الأولى إلى الأسطوانة الثانية: أربعة أذرع ونصف، وذرع ما بين الأسطوانة الثانية إلى الأسطوانة الثالثة: أربعة أذرع ونصف، وذرع ما بين الأسطوانة الثالثة إلى الجدار الذي يلي الحجر: ذراعان وثمان أصابع٢ ... انتهى. وقد حرر ذرع الكعبة الفقيه أبو عبد الله محمد بن سراقة العامري في كتابه "دلائل القبلة"، لأنه قال: اعلم أن الكعبة البيت الحرام مربعة البنيان في وسط المسجد، ارتفاعها من الأرض سبعة وعشرين ذراعا، وعرض الجدار وجهها قرابة أربعة وعشرين ذراعا، وهو بناء الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان عبد الله بن الزبير ﵄ حين ولي مكة جعل عرضه ثلاثين ذراعا يزيد على ذلك أقل من ذراع، وبعد أن كشف عن قواعد إبراهيم الخليل ﵇ وبنى عليها. ثم قال: وعرض وجهها وهو الذي فيه بابها: أربعة وعشرون ذراعا، وعرض مؤخرها مثل ذلك، وعرض جدارها الذي يلي اليمن، وهو فيما بين الركن اليماني والركن العراقي، وهو الذي فيه الحجر الأسود: عشرون ذراعا. ثم قال: وعرض جدارها الذي يلي الشام، وهو الذي بين الركن الشامي والركن العراقي: أحد وعشرون ذراعا ... انتهى. وإنما ذكرنا ما ذكره ابن سراقة العامري من ذرع الكعبة، لأن فيه مخالفة لما ذكره الأزرقي في ذرع شقها الشرقي وشقها الغربي، وذلك ينقص عما ذكره الأزرقي في ذرع ذلك ذراعا. وفي النسخة التي رأيتها من كتاب ابن سراقة لحن في التعبير عن ذرع بعض ما نقلته عنه، فكتبته هنا على ما وجدته في النسخة، وذلك واضح لمن تأمله، والله أعلم. وذكر ابن جبير في أخبار رحلته ما يستغرب في طول الكعبة، لأنه ذكر محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن الشيبي زعيم الشيبيين الذين لهم سدانة البيت أخبره أن ارتفاعه في الهواء من الصفح الذي يقابل باب الصفا وهو بين الحجر الأسود واليماني تسع وعشرون ذراعا، وسائر الجوانب ثمان وعشرون، بسبب انصباب السطح إلى الميزاب٣ ... انتهى بنصه.

стр. 155

وما عرفت كيف يستقيم هذا الذرع، وذكر ذرع جهات الكعبة، وأمورا تتعلق بها بالأقدام والخطا، وقد ذكرنا كلامه في أصل هذا الكتاب. وذكر ابن خرداذبه في عرض الكعبة ما يخالف ما ذكره الأزرقي، لأنه قال عند ذكر الكعبة: طول البيت: أربعة وعشرون ذراعا وشبر في ثلاثة وعشرين ذراعا وشبر، ثم قال: وسمكه في السماء سبعة وعشرون ذراعا١ ... انتهى. وهذا الكلام يقتضي أن قوله أولا: طول البيت، المراد به عرضه، لقوله فيما بعد: وسمكه في السماء؛ فإن هذا الذراع طوله، وإذا تقرر ذلك فإن أراد ابن خرداذبه بقوله: طول البيت بيان ذرع شقه الشرقي والغربي فقد خالف الأزرقي في ذلك، لأن الأزرقي ذكر أن ذرع كل من هذين الشقين خمس وعشرون ذراعا، وإن أراد بذلك بيان ذرع شقها الشامي واليماني، فقد خالف في ذلك ما ذكره الأزرقي، لأنه ذكر أن ذرع الشق الشامي واحد وعشرون، واليماني عشرون. والوجه الأول أقرب إلى مراد ابن خرداذبه، وإنما ذكرناه لغرابته، والله أعلم. وقد حرر طول الكعبة من داخلها وخارجها: القاضي عز الدين بن جماعة بذراع القماش المستعمل بمصر في زمنه، وهو المستعمل في زمننا، وذلك في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، فقال فيما أخبرني به عنه خالي رحمهما الله ارتفاعهما من أعلى الملتزم إلى أرض الشاذروان ثلاث وعشرون ذراعا ونصف ذراع وثلث ذراع، وبين الركن الذي فيه الحجر الأسود وبين الركن الشامي وقال له: العراقي من داخل الكعبة: ثمانية عشر ذراعا وثلث وربع وثمن، ومن خارجها: ثلاثة وعشرون ذراعا وربع ذراع، وارتفاع باب الكعبة الشريفة من داخلها ستة أذرع وقيراطان، ومن خارجها خمسة أذرع وثلث، وعرضه من داخلها ثلاث أذرع وربع وثمن، ومن خارجها ثلاث أذرع وربع، وعرض العتبة نصف ذراع وربع. وارتفاع الباب الشريف عن أرض الشاذروان ثلاثة أذرع وثلث وثمن ومن الركن الشامي والغربي من داخل الكعبة خمسة عشر ذراعا وقيراطان. ومن خارجها تسعة عشر بتقديم التاء على السين وربع٢.

стр. 156

ووقع فيما ذكره ابن جماعة تسمية الركن الشامي الذي يلي وجه الكعبة بالعراقي، وذلك يخالف ما ذكره ابن سراقة في الركن العراقي، ورأيت ما يدل لما ذكره ابن جماعة كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في الباب الخامس عشر من هذا الكتاب. وذكر ابن جبير في غير موضع من رحلته ما يوافق ما ذكره ابن جماعة في ذلك١، والله أعلم. وقد حررت ما حرره الأزرقي وابن جماعة من ذرع الكعبة، مع أمور أخر تتعلق بها، وفيما حررناه مخالفة لبعض ما حرراه. ونذكر ما حررناه لبيان معرفة الاختلاف، ومعرفة أمور أخر تتعلق بالكعبة حررناها، ولم يحررها الأزرقي ولا ابن جماعة، وكان تحريرنا لذلك بذراع الحديد الذي حرر به ابن جماعة، ومنه يظهر معرفة ما حرره الأزرقي، لأن تحريره كان بذراع اليد، وهو ينقص عن ذراع الحديد ثمن ذراع بالحديد كما تقدم بيانه في باب حدود الحرم، واتفق تحريرنا لذلك في صحوة يوم الجمعة ثاني شهر ربيع.

стр. 157

ذكر ذرع الكعبة من داخلها بذراع الحديد: طول جدارها الشرقي من السقف الأسفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا بتقديم السين ونصف ذراع إلا قيراطا وعرضه من الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى جدار الدرجة الذي فيه بابها خمسة عشر ذراعا وثمن ذراع. وذرع بقية هذا الجدار، يعرف تقريبا من جدار الدرجة الغربي، لكونه في محاذاة بقية هذا الجدار، وذرع جدار الدرجة الغربي المشار إليه ثلاثة أذرع وقيراط، فيكون ذرع الجدار الشرقي على التقريب ثماني عشر ذراعا وسدس ذراع. وطول الجدار الشامي من سقفها الأسفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا بتقديم السين أيضا وعرض هذا الجدار من جدار الدرجة الغربي إلى ركن الكعبة الغربي أحد عشر ذراعا وقيراط، وذرع بقية هذا الجدار يعرف تقريبا من جدار الدرجة اليماني، لكونه في محاذاة بقية هذا الجدار، وذرع جدار الدرجة المشار إليه ثلاثة أذرع إلا ثمنا، فيكون ذرع الجدار الشامي على التقريب أربعة عشر ذراعا إلا قيراطين. وطول جدارها الغربي من سقفها الأسفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا بتقديم السين أيضا وربع ذراع وثمن ذراع، وعرض هذا الجدار من الركن الغربي إلى الركن اليماني ثمانية عشر ذراعا وثلث ذراع.

стр. 158

وطول جدار الكعبة اليماني من سقفها الأسفل إلى أرضها سبعة عشر ذراعا بتقديم السين ونصف ذراع وقيراطين، وعرض هذا الجدار من الركن اليماني إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود أربعة عشر ذراعا وثلثا ذراع. ومن وسط جدار الكعبة الشامي إلى وسط جدارها اليماني ثمانية عشر ذراعا وثلث. ومن وسط جدار الكعبة الشرقي إلى وسط جدارها الغربي أربعة عشر ذراعا ونصف ذراع وثمن ذراع، وما بين الجدار الشرقي، وبين كرسي الأسطوانة التي تلي الحجر سبعة أذرع بتقديم السين على الباء وثمن، وكذلك ما بينه وبين كرسي الأسطوانة، وما بينه وبين كرسي الأسطوانة التي تلي الحجر سبعة أذرع بتقديم السين أيضا وقيراط، وبن كل من كرسي هذه الأساطين وما يقابله من الجدار الغربي سبعة أذرع بتقديم السين أيضا إلا أنه ينقص في ذرع ما بين كرسي الأسطوانة الوسطى، وما يحاذيها من الجدار الغربي المذكور قيراطين، وبين كرسي الأسطوانة الأولى التي تلي باب الكعبة، وبين جدار الكعبة اليماني أربعة أذرع وثلث، وما بين كرسيها وكرسى الأسطوانة الوسطى أربعة أذرع وربع وثمن، وما بين كرسي الوسطى وكرسي الأسطوانة الثالثة التي تلي الحجر بسكون الجيم أربعة أذرع ونصف، وما بين كرسي هذه الأسطوانة الثالثة والجدار الشمالي الذي يليها ذراعان وربع. وذرع تدوير الأسطوانة الأولى التي تلي الباب ذراعا وربع وثمن، وذرع تدوير الوسطى ذراعان ونصف وربع ذراع، وذرع تدوير الأسطوانة التي تلي الحجر ذراعان ونصف وقيراطان، وهي مثمنة، وطول فتحة الباب من داخله مع الفياريز١ ستة أذرع، وطوله من خارجه بغير الفياريز ستة أذرع إلا ربع. وذرع فتحة الباب من داخل الكعبة مع الفياريز ثلاثة أذرع وثلث إلا قيراط، وطول كل من فردتي الباب ستة أذرع إلا ثمن، وعرض كل منهما ذراعان إلا ثلث، وذرع عرض العتبة ذراع إلا ربع، وسعة فتحة باب الدرجة الذي يصعد منه إلا أعلا الكعبة من أسفله ذراع وقيراطان، ومن أعلاه ذراع وثمن، وارتفاع الباب عن الأرض ذراعان ونصف ذراع وسدس ذراع وثمن ذراع.

стр. 159

ذكر ذرع الكعبة من خارجها بذراع الحديد: طول جدارها الشرقي من أعلا الشاخص على سطحها إلى أرض المطاف ثلاثة وعشرون ذراعا وثمن ذراع، وعرض هذا الجدار من الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن الشامي الذي يقال له العراقي أحد وعشرون ذراعا وثلث ذراع، ومن عتبة باب الكعبة إلى أرض الشاذروان تحتها ثلاثة أذرع ونصف، وارتفاع الشاذروان تحتها ربع ذراع وقيراط، وطول جدارها الشامي من أعلا الشاخص في سطحها إلى أرض الحجر ثلاثة وعشرون ذراعا إلا ثمن ذراع، وعرض هذا الجدار من الركن الشامي إلى الركن الغربي سبعة عشر ذراعا بتقديم السين ونصف ذراع وربع ذراع وطول جدارها الغربي من أعلا الشاخص في سطحها إلى الأرض ثلاثة وعشرون ذراعا، وعرض هذا الجدار من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحد وعشرون ذراعا وثلثا ذراع، وطول جدارها اليماني من أعلا الشاخص في سطحها إلى الأرض كالجهة الشرقية ثلاثة وعشرون وثمن ذراع، وعرض هذا الجدار من الركن اليماني إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود ثمانية عشر ذراعا وسدس ذراع.

стр. 160

ذكر ذرع سطح الكعبة: من وسط جدارها الشرقي إلى وسط جدارها الغربي أربعة عشر ذراعا وربع ذراع وثمن ذراع، ومن وسط جدارها الشامي إلى وسط جدارها اليماني ثمانية عشر ذراعا إلا ثمن ذراع، وارتفاع الشاخص في الجهة الشرقية ذراع إلا ثمن، وعرضه ذراعان إلا سدس، وارتفاع الشاخص في الجهة الشامية ذراع وثمن، وعرضه ذراعان إلا ثمن، وارتفاع الشاخص في الجهة الغربية ذراع، وعرضه ذراع ونصف وثمن، وارتفاع الشاخص في الجهة اليمانية ثلثا ذراع، وعرضه ذراع ونصف قيراط. وما ذكرناه من ذرع عرض الكعبة من داخلها وخارجها ينقص عما ذكره ابن جماعة في ذلك، وما ذكرناه في طولها من خارجها ينقص عما ذكره ابن جماعة في ذلك، لأن ما ذكرناه ينقص في طولها من خارجها ثلثي ذراع وقيراطا، وينقص في ذرع كل من جدارها الشرقي من خارجها ذراعين إلا قيراطين، وينقص في عرضه من داخلها نصفا وقيراطا، وينقص في ذرع عرض جدارها الشامي من خارجها ذراعا، وينقص في عرضه من داخلها ذراعا وسدسا، وينقص في ذرع عرض جدارها الغربي من خارجها ذراعا وثلث ذراع، وينقص في عرضه من داخلها ثلث ذراع وثمن ذراع، وينقص في ذرع عرض جدارها اليماني من خارجها ذراعا وقيراطين وينقص في عرضه من داخلها ثلثي ذراع، وكل ذلك بذراع الحديد.

стр. 161

ذكر شاذروان الكعبة وحكمه وشيء من خبر عمارته: أما شاذروان الكعبة: فهو الأحجار اللاصقة بالكعبة التي عليها البناء المسنم المرخم في جوانبها الثلاثة: الشرقي، والغربي، واليماني. وبعض حجارة الجانب الشرقي لا بناء عليه، وهو شاذروان أيضا. وأما الحجارة اللاصقة بجدار الكعبة الذي يلي الحجر فليست شاذروانا، لأن موضعها من الكعبة بلا ريب كما سبق بيانه. والشاذروان هو ما نقصته قريش من عرض جدار أساس الكعبة حين ظهر على الأرض كما هو عادة الناس في الأبنية، أشار إلى ذلك الشيخ أبو حامد الأسفراييني وابن الصلاح، والنووي، ونقل ذلك عن جماعة من الشافعية وغيرهم، والمحب الطبري١، وذكر أن الشافعي أشار إلى ذلك في "الأم"٢، ونقل عنه أنه قال: إن طاف عليه أعاد الطواف ... انتهى. وقد اختلف العلماء في حكم الشاذروان، فذهب الشافعي وأصحابه إلى وجوب الاحتراز منه وعدم إجزاء طواف من لم يحترز منه، وهو مقتضى مذهب مالك على ما ذكر ابن شاش، وابن الحاجب، وشارحه الشيخ خليل، وتلميذه صاحب "الشامل" وغيرهم من متأخري المالكية، وأنكر ذلك بعض متأخري المالكية، ولم يثبته في المذهب. ومذهب الحنابلة: أن الاحتراز منه مطلوب، إلا أن عدم الاحتراز يفسد الطواف. ومذهب أبي حنيفة: أنه ليس من البيت على مقتضى ما نقل القاضي شمس الدين السروجي من الحنفية عنهم. وهو اختيار جماعة من محققي العلماء على ما ذكر القاضي عز الدين بن جماعة. قلت: ينبغي الاحتراز منه، لأنه إن كان من البيت- كما قيل فالاحتراز منه واجب، وإلا فلا محذور في ذلك، كيف والخروج من الخلاف مطلوب، وهو هنا قوي، والله أعلم. وبعض الناس يعارض القول بأن الشاذروان من البيت، بكون ابن الزبير ﵄ بنى البيت على أساس إبراهيم ﵇ كما جاء في خبر بنيانه، وهذا المعارض لا يخلو من حالتين: أحدهما: أن يدعي أن ابن الزبير، ﵄ استوفى البناء على جميع أساس جدران البيت بعد ارتفاعها عن الأرض، والآخر: أن يدعي أن البناء إذا نقص من عرض أساسه بعد ارتفاعه عن الأرض لا يكون مبنيا على أساسه، والأول لا يقوم عليه دليل، لأن ما ذكر من صفة بناء ابن الزبير ﵄ البيت لا يقتضي أن يكون بناء البيت مستوفيا على جميع أساس جدرانه بعد ارتفاعها عن الأرض، ولا ناقصا عن أساسها، ووقوع هذا في بيانه أقرب من الأول، لأن العادة جرت بتقصير عرض أساس الجدار بعد ارتفاعه لما في ذلك من مصلحة البناء، وإذا كان هذا مصلحة فلا مانع من فعله، في البيت لما بني في زمن ابن الزبير ﵄، والله أعلم.

стр. 162

نعم في بناء ابن الزبير ﵄ له على أساس إبراهيم دليل واضح على أنه أدخل في البيت ما أخرجته منه قريش في الحجر، فإنه بنى ذلك على أساس إبراهيم ﵊ لا أساس قريش. والثاني: غير مسلم، لأن الجدار إذا اقتصر من عرضه بعد ارتفاعه عن الأرض لا يخرجه ذلك عن كونه مبنيا على أساسه. وهذا مما لا ريب فيه، وإنكاره مكابرة، والله أعلم. ولم أدر متى كان ابتداء البناء في الشاذروان، ولم يبن مرة واحدة وإنما بنى دفعات، منها: في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة١، ولم أدر ما بني منه في هذه السنة، ومنها في سنة ست وثلاثين وستمائة، وعلى ما ذكر ابن خليل في "منسكه"، وينص٢ لما بين ستة وثلاثين. وذكر أن في هذه السنة ختم الشاذروان عند الحجر الأسود، ومنها: في آخر عشر الستين وستمائة، أو في أوائل عشر السبعين وستمائة، لأن القاضي بدر الدين بن جماعة ذكر أنه رأى الشاذروان في سنة ست وخمسين وستمائة، وهي مصطبة يطوف عليها بعض العوام، ورآه في سنة إحدى وستين. وقد بني عليه ما يمنع من الطواف عليه على هيئة اليوم. هكذا نقل عنه ولده القاضي عز الدين، فيما أخبرني به عنه خالي، رحمهم الله تعالى. وذكر القاضي عز الدين بن جماعة فيما أخبرني عنه خالي أيضا، أن ارتفاع الشاذروان عن أرض المطاف في جهة باب الكعبة: ربع ذراع وثمن ذراع، وعرضه في هذه الجهة نصف وربع. وذكر الأزرقي أن طول الشاذروان في السماء ستة عشر أصبعا، وعرضه ذراع ... انتهى٣. وقد نقص عرضه كما ذكر الأزرقي في بعض الجهات، وأفتى المحب الطبري عالم الحجاز في وقت بوجوب إعادة مقداره على ما ذكره الأزرقي، وله في ذلك تأليف نحو نصف كراس سماه "استقصاء البيان في مسألة الشاذروان".

стр. 163

ذكر حلية الكعبة المعظمة ومعاليقها: أول من حلاها في الجاهلية على ما قيل عبد المطلب جد النبي ﷺ بالغزالين الذهب اللذين وجدهما في زمزم حين حفرها. ذكر ذلك الأزرقي واضطرب كلامه في أول من حلاها في الإسلام، فنقل عن جده أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أول من ذهب البيت في الإسلام، وذكر في موضع آخر ما يخالف ذلك، لأنه قال: وبعث عبد الملك بن مروان بالشمسيتين، وقدحين من قوارير، وضرب على الأسطوانة الوسطى الذهب من أسفلها إلى أعلاها صفائح ... انتهى١. وذكر المسبحي ما يقتضي خلاف ما ذكره الأزرقي في أول من حلى الكعبة في الإسلام، لأنه قال في أخبار سنة خمس وستين من الهجرة: وفيها استتم ابن الزبير ﵄ بناء الكعبة، ويقال: إنه بناها بالرصاص المذوب المخلوط بالورس، وجعل على الكعبة وأساطينها صفائح الذهب ومفاتحها ذهب٢ ... انتهى. نقلت ذلك هكذا من خط الحافظ رشيد الدين ابن الحافظ ركن الدين المنذري في اختصاره لتاريخ المسبح، وإنما ذكر ذلك بنصه لما فيه من إفادة تاريخ عمارة ابن الزبير ﵄ للكعبة، ولما فيه من أنه بناها بالرصاص مع الورس، وذلك مما لم يذكره الأزرقي في خبر عمارته، والله أعلم. وقال الفاكهي في الأوليات بمكة: وأول من عمل الذهب على باب الكعبة في الإسلام: عبد الملك بن مروان ... انتهى٣. وذكر الفاكهي أن الوليد بن عبد الملك أول من جعل الذهب على ميزاب الكعبة٤ ... انتهى. وذكر الأزرقي صفة الحلية التي عملت بأمر الوليد ومقدارها، لأنه قال: فلما كان في خلافة الوليد بن عبد الملك بعث إلى واليه على مكة خالد بن عبد الله القسري بستة وثلاثين ألف دينار فضرب منها على بابي الكعبة صفائح الذهب، وعلى ميزاب الكعبة، وعلى الأساطين التي في باطنها، وعلى الأركان في جوفها٥. وذكر الأزرقي أن الأمين محمد بن هارون الرشيد الخليفة العباسي أرسل إلى سالم بن الجراح عامل له على موانئ مكة بثمانية عشر ألف دينار؛ ليضرب بها صفائح الذهب على بابي الكعبة، فقلع ما كان على الباب من الصفائح، وزاد عليها من الثمانية عشر ألف دينار، فضرب عليها الصفائح التي هي عليه اليوم يعني في زمنه والمسامير، وحلقتي باب الكعبة، وعلى الفياريز، والعتب٦.

стр. 164

وذكر الأزرقي أن الحجبة كتبوا إلى الخليفة المتوكل العباسي رقعة ذكروا فيها أن زاويتين من زوايا الكعبة من داخلها ملبستين١ ذهبا وزاويتين فضة، وأن ذلك لو كان ذهبا كله كان أحسن وأزين، وأن قطعة مركبة على بعض جدران الكعبة شبه المنطقة فوق الإزار الثاني من الرخام، وذكروا أنه لو كان بدل تلك القطعة فضة في أعلا إزار الكعبة في تربيعها كان أبهي وأحسن. وذكر الأزرقي أن المتوكل أنفذ لعمل ذلك، ولعل ما كتب به إليه إسحاق بن سلمة الصائغ. قال: وعمل إسحاق الذهب على زاويتي الكعبة من داخلها، فكان ما كان هنالك من الفضة ملبسا، وكسر الذهب الذي كان على الزاويتين الباقيتين وأعاد عمله، فصار ذلك أجمع على مثال واحد منقوشة مؤلفة ثابتة، وعمل منطقة من فضة، وركبها فوق إزار الكعبة في تربيعها كلها منقوشة متصلا بهذه المنطقة. ثم قال: وفي أعلا٢ هذه المنطقة رخام منقوش، فألبس ذلك الرخام ذهبا رقيقا، من الذهب الذي يتخذ للسقوف. قال: وكان في الجدار الذي في ظهر الباب يمنة من داخل الكعبة: رزة كلاب من صفر يشد به الباب إذا فتح بذلك الكلاب، لئلا يتحرك عن موضعه، فقلع ذلك الصقر، وصير مكانه فضة، وألبس ما حول باب الدرجة فضة مضروبة. قال: وكانت عتبة الباب السفلي قطعتين من خشب الساج قد رثتا ونخرتا من طول الزمان عليها، فأخرجهما وصير مكانهما قطعة واحدة من خشب الساج، وألبسها صفائح فضة. قال الأزرقي: وأخبرني إسحاق بن سلمة الصائغ أن مبلغ ما كان في الزوايا من الذهب والطوق الذي حول الجزعة: نحوا من ثمانية آلاف مثقال، وأن ما في منطقة الفضة، وما كان على عتبة الباب السفلى من الصفائح، وعلى كرسي المقام من الفضة نحوا من سبعين ألف درهم، وما ركب من الذهب الرقيق على جدران الكعبة وسقفها نحوا من مائة حق يكون في كل حق خمسة مثاقيل، هذا ما ذكره الأزرقي من خبر حلية الكعبة٣. وأفاد السهيلي في تحلية الوليد بن عبد الملك للكعبة أمرا لم يفده الأزرقي، وفي كلامه ما يقتضي أنه ليس أول من حلاها في الإسلام، ولنذكر كلامه لإفادة ذلك، ونصه: ثم كان الوليد بن عبد الملك، فزاد في حليتها، وصرف في ميزابها وسقها ما كان في مائدة سليمان ﵇ من ذهب وفضة، وكانت قد احتملت على بغل قوي فتفسخ.

стр. 165

تحتها، فضرب منها الوليد حلية الكعبة، وكانت قد احتملت إليه من طليطلة من جزيرة الأندلس، وكانت لها أطواق من ياقوت وزبرجد١.... انتهى. ولنذكر ما علمناه من خبر حليتها بعد الأزرقي على الترتيب، فمن ذلك: أن وفد الحجبة كتبوا إلى الخليفة المعتضد العباسي يذكرون أن بعض عمال مكة كان قد قلع ما على عضادتي باب الكعبة من الذهب فضربه دنانير، واستعان به على حرب وأمور كانت بمكة بعد العلوي الخارجي بها في سنة إحدى وخمسين ومائتين٢ فكانوا يسترون العضادتين بالديباج، وأن بعض العمال بعده قلع مقدار الربع من أسفل ذهب بابي الكعبة في سنة اثنتين وستين ومائتين٣، وجعل ذلك فضة مضروبة مموهة بالذهب، على مثال ما كان عليها، فإذا تمسح به في أيام الحج بدت الفضة، حتى تجدد تمويهها في كل سنة وأن المعتضد أمر بعمل ذلك وعمل ما رفع إليه، فعمل ذلك. ومن ذلك: أن أم المقتدر الخليفة العباسي أمرت غلامها لؤلؤ بأن يلبس جميع الأسطوانة الأولى التي تلي باب الكعبة الذهب، لأن التي تليها كانت ملبسة بصفائح الذهب، وبقيتها مموهة، وذلك في سنة عشر وثلاثمائة٤. ومن ذلك: أن الوزير جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور المعروف بالجواد وزير صاحب مصر أنفذ في سنة تسع وأربعين وخمسمائة رجلا من جهته يقال له الحاجب، ومعه خمسة آلاف دينار لعمل صفائح الذهب والفضة في داخل الكعبة وفي أركانها٥. وممن حلاها: الملك المظفر صاحب اليمن، وحليته لبابها، وقد تقدم مقدار الحلية التي كانت على الباب الذي صنعه لها. وحلاها حفيده الملك المجاهد صاحب اليمن، وأخبرت عمن رأى: اسم الملك المجاهد مكتوب٦ بقلم غليظ في أعلى الحائط الذي فوق باب الكعبة من داخلها. وقد تقدم أن الملك الناصر محمد بن قلاون الصالحي صاحب مصر حلى باب الكعبة الذي عمله لها بخمسة وثلاثين ألف درهم وثلاثمائة درهم، وأن حفيده الملك الأشرف شعبان بن حسين حلى باب الكعبة في سنة ست وسبعين وسبعمائة٧، فهذا ما علمته من حلية الكعبة بعد الأزرقي.

стр. 166

ذكر معاليق الكعبة وما أهدي إليها في معنى الحلية: قال المسعودي في أخبار الفرس: وكانت الفرس تهدي إلى الكعبة أموالا في صدر الزمان وجواهر، وقد كان ساسان بن بابك أهدى غزالين من ذهب وجواهر وسيوفا وذهبا كثيرا، فدفن في زمزم، وقد ذهب قوم من مصنفي الكتب في التواريخ وغيرها من السير أن ذلك كان لجرهم حين كانت بمكة، وجرهم لم تكن ذات مال فيضاف ذلك إليها، ويحتمل أن يكون لغيرها١، والله أعلم ... انتهى. ويقال: إن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي أول من جعل في الكعبة السيوف المحلاة بالذهب والفضة ذخيرة للكعبة، ذكر ذلك صاحب "المورد العذب الهني". وذكر الأزرقي ﵀ أشياء أهديت للكعبة، لأنه قال: حدثنا محمد بن يحيى، عن الواقدي، عن أشياخه قال: لما فتح عمر بن الخطاب ﵁ مدائن كسرى كان مما بُعث إليه هلالان، فبعث بهما من يعلقهما في الكعبة، وبعث عبد الملك بن مروان بالشمسيتين وقدحين من قوارير، ثم قال: وبعث الوليد بن عبد الملك بقدحين، وبعث الوليد بن يزيد بالسرير الزينبي وبهلالين، ثم قال: بعث أبو العباس يعني السفاح بالصفحة الخضراء، وبعث أبو جعفر يعني أخاه المنصور بالقرورة الفرعونية وبعث المأمون بالياقوتة التي تعلق كل سنة في وجه الكعبة في الموسم بسلسلة من ذهب، وبعث أمير المؤمنين جعفر المتوكل بشمسية عملها من ذهب، مكللة بالدر الفاخر، والياقوت الرفيع، والزبرجد، وسلسلة تعلق في وجه الكعبة في كل موسم. وقال الأزرقي: حدثني سعيد بن يحيى البلخي قال: أسلم ملك من ملوك التبت٢ وكان له صنم من ذهب يعبده في صورة إنسان، وكان على رأس الصنم تاج من ذهب مكلل بخرز الجوهر، والياقوت الأحمر والأخضر، والزبرجد، وكان على سرير مربع مرتفع على الأرض على قوائم، والسرير من فضة، وعلى السرير فرشة الديباج، وعلى أطراف الفرش أزرار من ذهب وفضة مرخاة، والأزرار٣ على قدر الكرسي في وجه

стр. 167

السرير، فلما أسلم ذلك الملك، أهدى السرير والصنم إلى الكعبة، هذا ما ذكره الأزرقي في معاليق الكعبة، وما أُهدي إليها في معنى الحلية. ومما أُهدي لها من هذا القبيل في عهد الأزرقي، ولم يذكره: قفل فيه ألف دينار، أهداه إليها المعتصم العباسي، ذكر ذلك الفاكهي، لأنه قال: ذكر قفل الكعبة، وقال بعض المكيين: إن أمير المؤمنين المعتصم بالله بعث إلى الكعبة بقفل فيه ألف دينار في سنة تسع عشرة ومائتين، وعلى مكة يؤمئذ صالح بن العباس، فأرس صالح إلى الحجبة فدعاهم ليقبضهم القفل فأبى الحجبة أن يأخذوه، فأجبرهم على ذلك، وأراد أن يأخذ قفلها الأول ويرسل به إلى الخليفة، فكلموه فتركه عليهم، وأذن لهم في الخروج إليه، فخرجوا إليه فكلموه فيها فترك قفلها هذا الذي عليها، وأعطاهم القفل الذي كان بعث إليها، فقسموه بينهم١ ... انتهى. وذكر المسبحي هذا القفل، وفيما ذكره ما يفهم منه غير ما ذكره الفاكهي، لأنه قال في أخبار سنة تسع عشرة ومائتين وفيها وصل طاهر بن عبد الله بن طاهر حاجا في عدد كثير من الجن بقفل فيه ألف مثقال من ذهب، فقفل به البيت ونزع قفله الذي كان عليه، وكان مطليا، ويقال إن الحجاج عمله ... انتهى. نقلت ذلك من خط الرشيد بن المنذري في اختصاره لتاريخ المسبحي. ومما أُهدي لها من هذا القبيل في عهد الأزرقي أو بعده بقليل: طوق من ذهب مكلل بالزمرد والياقوت وغير ذلك، مع ياقوتة خضراء كبيرة ذكره الفاكهي، لأنه قال: وأسلم ملك من ملوك السند في سنة تسع وخمسين ومائتين فبعث إلى الكعبة بطوق من ذهب فيه مائة مثقال مكلل بالزمرد والياقوت والماس، وياقوته خضراء وزنها أربعة وعشرون مثقالا فدفعها إلى الحجبة، فكتبوا في أمرها إلى أمير المؤمنين المعتمد على الله، وأخذوا الدرة فأخرجوها وجعلوها في سلسلة من ذهب، وجعلوا في وسط الطوق مقابله الياقوت والزمرد، فجاء كتاب أمير المؤمنين بتعليقها، فعلقت مع معاليق الكعبة في سنة تسع وخمسين ومائتين ... انتهى. ومما علق في الكعبة في عهد الأزرق أو بعده بقليل، قصبة من فضة فيها كتاب، فيه بيعة جعفر بن المعتمد وبيعة أبي أحمد الموفق، ذكر ذلك الفاكهي، لأنه قال: ثم قدم الفضل بن عباس الهاشمي مكة في موسم سنة إحدى وستين، ومعه كتاب فيه بيعة جعفر ابن أمير المؤمنين المعتمد، وبيعة أبي أحمد الموفق بالله أخي أمير المؤمنين، وما عقد له أمير المؤمنين المعتمد، وبيعة أبي أحمد الموفق بالله أخي أمير المؤمنين، وما عقد له أمير المؤمنين المعتمد على الله، فعمل لذلك قصبة من فضة، فيها ثلاثمائة وخمسون.

стр. 168

درهما فضة ثم أدخل الكتاب فيه، وجعل على رأس القصبة ثلاث رزات، وجعل للرزات ثلاث سلاسل من فضة، ثم دخل الكعبة يوم الاثنين لأربع ليال خلون من صفر، ومعه محمد بن يحيى صاحب شرطته، وهو يومئذ على الخراج والبريد والصوافي، فأقاما فيها حين علقت هذه القصبة مع معاليق الكعبة، وذلك في صفر سنة اثنين وستين ومائتين١.... انتهى. وأفاد الفاكهي في صفة الياقوتة التي بعثها المأمون ما لم يفده الأزرقي، وهي أنها أكبر من الدرة اليتيمة، لأنه قال: وبعث أمير المؤمنين المأمون بالياقوتة التي كانت تعلق كل سنة في وجه الكعبة بسلسلة من ذهب، وهي أكبر من الدرة اليتيمة. حدثني حسن بن حسين الأزدي قال: حدثنا إسماعيل بن مجمع قال: وزنت الدرة اليتيمة، فإذا وزنها مثالان ونصف وربع وعشر ... انتهى. ومما أُهدي لها من هذا القبيل بعد الأزرقي: قناديل بعث بها المطيع العباسي٢، كلها فضة، خلا قنديلا منها كان ذهبا، زنته ستمائة مثقال، ذلك في سنة تسع وخمسين وثلاثمائة٣. ومن ذلك قناديل ومحاريب أهداها إلى الكعبة صاحب عمان، على ما ذكر أبو عبيد البكري في كتابه "المسالك والممالك" ونص كلامه: وقد أهدى صاحب عمان إلى الكعبة بعد العشرين وأربعمائة محاريب مبنية زنة المحراب أزيد من قنطار، وقناديل في نهاية الإحكام، وسمرت المحاريب في الكعبة مما يل بابها.... انتهى. ومن ذلك: قناديل ذهب وفضة، أهداها للكعبة الملك المنصور عمر بن علي بن رسول صاحب اليمن في سنة اثنين وثلاثين وستمائة. ومن ذلك: قفل ومفتاح أهداه إليها الملك الظاهر بيبرس٤ صاحب مصر، وركب عليها القفل المذكور. ومن ذلك: حلقتان من ذهب مرصعتان باللؤلؤ والبلخش، كل حلقة وزنها ألف مثقال، وفي كل حلقة ست لؤلؤات فاخرات، وبينها ست قطع بلخش فاخر، بعث بذلك الوزير علي شاه وزير السلطان أبي سعيد بن خرابنده ملك التتر على يد الحاجي مولا واخ، في سنة ثمان عشرة وسبعمائة، ولما أراد تعليق ذلك بباب الكعبة منعه منه أمير

стр. 169

الركب المصري في هذه السنة، وقال: هذا لا يمكن إلا بإذن السلطان يعني صاحب مصر إذا ذاك وهو الناصر محمد بن قلاون فقال الحاجي مولا واخ: إن الوزير علي شاه كان نذر متى ظفر بخواجه رشيد الدولة وقتله أن يعلق على باب الكعبة حلقتين، فيقال إنه أذن له في تعليقهما زمنا قليلا، ثم رفعتا، وأخذهما إذ ذاك رميثة بن أبي نُمَى من آل قتادة١. ومن ذلك: ما أخبرني به بعض فقهاء مكة: أربعة قناديل كبار، كل قنديل منها على ما ذكر في مقدار الدورق: اثنان منها ذهب واثنان فضة، والمهدي لذلك هو السلطان شيخ أويس صاحب بغداد، وذلك في أثناء عشر السبعين وسبعمائة على ما ذكر، وذكر أن ذلك علق في الكعبة زمنا قليلا، ثم أزيل، وأخذه أمير مكة عجلان بن رميثة ... انتهى بالمعنى. وأهدى الناس بعد ذلك للكعبة قناديل كثيرة، والذي في الكعبة الآن من المعاليق ستة عشر قنديلا، منها ثلاثة فضة، وواحد ذهب، وواحد بلور، واثنان نحاس، والباق زجاج حلبي، وهو تسعة بتقديم التاء. وليس في الكعبة الآن شيء من المعاليق التي ذكرها الأزرقي ولا مما لم يذكره مما ذكرنا سوى الستة عشر قنديلا، ولس فيها شيء من حلية الذهب والفضة التي كانت في أساطينها وجدرانها، وسبب ذلك توالي الأيدي عليه من الولاة وغيرهم على ما ذكر الأزرقي في تاريخه، ووقع ذلك أيضا بعده، فمن ذلك ما وقع لأبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي٢ حين خرج عن طاعة الحاكم بأمر الله، ودعا لنفسه بالإمامة وتلقب بالراشد، لأنه أخذ من حليتها وضربه دنانير ودراهم. وهي التي تسمى الفتحية، وأخذ بعد ذلك المحاريب التي أهداها للكعبة صاحب عمان. ومن ذلك: ما وقع لمحمد بن جعفر المعروف بابن أبي هاشم الحسيني٣، لأنه في سنة اثنتين وستين وأربعمائة أخذ قناديل الكعبة وستورها وصفائح الباب لما لم يصله شيء من جهة المستنصر٤ العبيدي صاحب مصر لاشتغاله عنه بما هو فيه من القحط الذي كاد بسببه أن يستولي الخراب على إقليم مصر٥.

стр. 170

وقد ذكر الأزرقي في عقوبة من اجترأ على ذلك، وفي التحذير منه أخبارا، منها: ما نقله عن جده أحمد بن محمد الأزرقي، عن عبد الله بن زرارة: أنه كان مال الكعبة يدعى الأبرق، ولم يخالط مالا قط بحقه، ولم يزرأ منه أحد إلا بأن النقص في ماله، وأدنى ما يصيب صاحبه أن يشدد عليه الموت. ومنها أن فتى من الحجبة حضرته الوفاة فاشتد عليه النزع جدا، حتى مكث أياما ينتزع نزعا شديدا، فقال له أبوه لعلك أصبت من الأبرق شيئا يعني مال الكعبة فقال: أربعمائة دينار، فأشهد أن عليه للكعبة أربعمائة دينار فسري عن الفتى، ثم لم يلبث أن مات١. هذا معنى الخبرين باختصار، وبالجملة فلا يجوز أخذ شيء من حلية الكعبة لا للحاجة ولا للتبرك، لأن ما جعل للكعبة وسُبِّلَ لها يجري مجرى الأوقاف، ولا يجوز تغييرها عن وجوهها، أشار إلى ذلك المحب الطبري في "القرى"، قال: وفيه تعظيم للإسلام وترهيب على العدو٢ ... انتهى.

стр. 171

ذكر كسوة الكعبة المعظمة: كسيت الكعبة في الجاهلية والإسلام أنواعا من الكسى، منها: الخصف، والمعافر، والملاء، والوصائل، والعصب١، كساها ذلك تبع الحميري، على ما ذكر ابن إسحاق٢. وذكر ابن جريج أنه كساها العصب، وأنه أول من كسى الكعبة كسوة كاملة. وذكر السهيلي أنه كساها المسوح والأنطاع٣.

стр. 172

ومنها على ما ذكرت أم زيد بن ثابت الأنصاري: مطارف خز خضر وصفر، وكرار، وأكسية من أكسية الأعراب، وسقاف شعر. ومنها على ما ذكر عمر بن الحكم السلمي: وصائل، وأنطاع، وكرار خز، ونمارق عراقية. ومنها: حبرات يمانية، كساها ذلك: أبو ربيعة المخزومي، وكساها ذلك: قريش حين بنوا الكعبة كما في خبر أبي نجيح وفي رواية أنهم كسوها حينئذ الوصائل. ومنها أنماط فهذه كسوتها في الجاهلية على ما ذكره الأزرقي١. وأما كسوتها في الإسلام على ما ذكر الأزرقي: فثياب يمانية كساها النبي ﷺ ذلك وقباطي من مصر كساها ذلك عمر، وعثمان ﵄ وكساها عثمان أيضا برودا يمانية، وهو أول من ظاهر لها بين كسوتين. وكساها عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ ما كان يحلي به بدنه من القباطي، والحبرات والأنماط. وكساها معاوية ﵁ الديباج، والقباطي، والحبرات، فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، والقباطي في آخر رمضان للفطر٢. وكساها يزيد بن معاوية: الديباج الخسرواني، وكساها الديباج أيضا ابن الزبير ﵄ وعبد الملك بن مروان، ويقال في كل من هؤلاء الثلاث إنه أول من كسى الكعبة الديباج. وكساها ابن الزبير ﵄ حين فرغ من بنائها القباطي. وكساها المأمون ثلاث كسى: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي يوم هلال رجب، والديباج الأبيض الذي أحدثه يوم سبع وعشرين من رمضان للفطر. وهكذا كانت تكسى في زمن المتوكل العباسي. وكساها حسين الأفطس العلوى كسوتين: من قز رقيق، إحداهما صفراء، والأخرى بيضاء أمر بعملهما أبو السريا، هذا ملخص بالمعنى مما ذكره الأزرقي في كسوة الكعبة في الجاهلية والإسلام.

стр. 173

وممن ذكر الأزرقي في أنه كسى الكعبة: أبو بكر الصديق: ﵁ ولم يذكر صفة كسوته، ولا وقت كسوة عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، ولا أن علي بن أبي طالب ﵁ كسى الكعبة١ ولم أر من صرح بأنه كساها. ولعله اشتغل عن ذلك بحروبه في تمهيد أمر الدين مع الخوارج، والله أعلم. ووقع فيما ذكره الأزرقي من كسوة الكعبة ذكره القباطي، والوصائل، والحبرات، والعصب، والأنماط. فأما القباطي: فهي جمع قبطية بالضم، وهو ثوب من ثياب مصر رقيق أبيض، كأنه منسوب إلى القبط وهم أهل مصر، والضم فيها من تغيير النسب، وهذا في الثياب، وأما في الناس فقبطي بالكسر لا غير. وأما الوصائل: فثياب حمر مخططة يمانية. وأما الحبرات: فجمع حبرة، وهو ما كان من البرود مخططا يقال له برد حبرة، وبرد حبر على الوصف وعلى الإضافة، وهو ثياب اليمن. وأما العصب فهو برود يمانية يعصب غزلها: أي: يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج، بنأي: موشى ببقايا عصب، منه أبيض، ثم يأخذه صبغ يقال له برد عصب وبرود عصب بالتنوين والإضافة. وأما الأنماط: فضرب من البسط، وإحداها نمط، ذكر تفسير ذلك كله على ما ذكرنا من يعتمد من العلماء رحمهم الله تعالى. وممن كسى الكعبة على ما قيل ولم يذكره الأزرقي: إسماعيل النبي ﵊ أخبرني خالي عن ابن جماعة قال: وقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: وزعم بعض علمائنا أن أول من كسى الكعبة إسماعيل النبي ﵊ والله أعلم بذلك ... انتهى باختصار. ومنهم: عدنان بن أد: وهو أول من كساها على ما قيل لأن الزبير بن بكار قال في كتابه "النسب": ويقال: إن عدنان بن أد خاف أن يدرس البيت، فوضع أنصابه، فكان أول من وضعها، وأول من كسى الكعبة أو كسيت في زمانه ... انتهى. ومنهم: خالد بن جعفر بن كلاب على ما ذكر السهيلي٢ نقلا عن الماوردي، ونص كلام السهيلي بعد أن ذكر شيئا في كسوة الكعبة، ويزيد هنا ما ذكره الماوردي٣.

стр. 174

قال: أول من كسى الكعبة الديباج: خالد بن جعفر بن كلاب وجد لطيمة تحمل البر١، ووجد فيها أنماطا فعلقها على الكعبة ٢ ... انتهى. وسبقهما إلى ذلك الفاكهي، لأنه قال: وحدثنا محمد بن أبي عمر وعبد الجبار بن العلاء، يزيد أحدهما على صاحبه، قالا: حدثنا سفيان، عن مسعر، عن خشرم، قال: أصاب خالد بن جعفر لطيمة في الجاهلية فيها نمط من ديباج، فأرسل به إلى الكعبة وبسط عليها٣ ... انتهى. ومنهم: أم العباس بن عبد المطلب ﵂ كستها الحرير والديباج، على ما ذكر أبو عبيدة فيما نقله عنه ابن الحاج في منسكه، ونقل عن أبي عبيدة أن سبب كسوتها للكعبة أنها أضلت العباس ﵁ صغيرًا، فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة، فلما وجدته كستها ذلك، وهي أو عربية كست الكعبة الديباج على ما ذكر السهيلي وغيره، وذكر الزبير بن بكار أن الذي أضلته أم العباس ﵂ ونذرت أن تكسو البيت إن رده الله عليها: ابنها ضرار بن عبد المطلب شقيق العباس ﵁ وذكر أنها كانت تنشده بأبيات، ثم قال: فأتاها به رجل من جذام، فكست البيت ثيابا بيضا، والله أعلم. وكسيت الكعبة بعد الأزرقي أنواعا من الكساء، فمن ذلك: الديباج الأبيض الخراساني، والديباج الأحمر الخراساني، على ما ذكر ابن عبد ربه في "العقد"، ولنذكر كلامه بنصه لإفادته ذلك وغيره من أمر كسوة الكعبة، قال بعد أن ذكر شيئا من خبرها: والبيت كله مستوف إلا الركن الأسود فإن الأستار تفرج عنه مثل القامة ونصف، وإذا دنا وقت الموسم كسي القباطي، وهو ديباج أبيض خراساني، فيكون في تلك الكسوة ما دام الناس محرمين، فإذا أحل الناس وذلك يوم النحر حل البيت فكسي الديباج الأحمر الخراساني، وفيه دارات مكتوب فيها حمد الله وتسبيحه وتكبيره وتعظيمه، فيكون كذلك إلى العام القابل، ثم يكسى أيضا على حال ما وصفت، فإذا كثرت الكسوة فخشي على البيت من ثقلها خفف منها، فأخذ ذلك سدنة البيت وهم بنو شيبة ... انتهى كلام صاحب العقد بنصه٤. وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة على ما ذكره الذهبي في "العبر"٥ وغيرها. ورأيت في كتابه "العقد" ما يقتضي أنه عاش بعد ذلك سنين كما بيناه في أصل هذا الكتاب، والله أعلم.

стр. 175

ومن ذلك الديباج الأبيض في زمن الحاكم العبيدي، وفي زمن حفيده المستنصر العبيدي، كساها ذلك الصليحي صاحب اليمن ومكة، وكساها أبو النصر الأستراباذي كسوة بيضاء من عمل الهند في سنة ست وستين وأربعمائة١، وكسيت في هذه السنة الديباج الأصفر، وهذه الكسوة عملها السلطان محمود بن سبكتكين، ثم ظفر بها نظام الملك وزير السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي، فأرسل بها إلى مكة، وجعلت فوق كسوة أبي النصر٢. وكسيت أيضا كسوة خضراء، وذلك في مبدأ خلافة الناصر العباسي، ولعلها كنت تكسى ذلك من قبل، والله أعلم. وكسيت في زمنه أيضا كسوة سوداء، وفيها طراز أصفر، وكان قبل ذلك أبيض واستمرت فيما أحسب تكسى الديباج الأسود إلى الآن، إلا أن في سنة ثلاث وأربعين وستمائة كسيت ثيابا من القطن مصبوغة بالسواد، كساها ذلك: العفيف منصور بن منعة البغدادي شيخ الحرم بمكة، لما تمزقت كسوتها من الريح الشديدة التي وقعت بمكة في هذه السنة، ووجدت بخط الميورقي ما يقتضي أن هذه الريح كانت في سنة أربع وأربعين وستمائة٣، والله أعلم. ولما عريت الكعبة من هذا التاريخ أراد صاحب اليمن الملك المنصور أن يكسوها، فقال له ابن منعة: لا يكون هذا إلا من جهة الديوان يعني الخليفة العباسي ولم يكن عند ابن منعة شيء لأجل ذلك، فاقترض ثلاثمائة مثقال، واشترى بها الثياب المشار إليها، وصبغها بالسواد، وركب فيها الطرز القديمة التي كانت في كسوة الكعبة، وكساها بذلك. وفي سنة عشر وثمانمائة أحدث في كسوة الجانب الشرقي من الكعبة جامات منقوشة بالحرير الأبيض٤ وصنع ذلك في سنة إحدى عشر، وفي سنة اثنتي عشرة وفي سنة ثلاث عشرة، وفي سنة أربع عشرة، وترك ذلك في سنة خمس عشرة وثمانمائة وجعلت كسوة هذا الجانب كلها سوداء من غير جامات كما كانت أولا، وكذلك في سنة ست عشرة وثمانمائة، وفي سنة سبع عشرة وثمانمائة، وفي سنة ثماني عشرة وثمانمائة، ثم جعلت في كسوة الجانب الشرقي جامات منقوشة بالحرير الأبيض فيما تحت الطراز إلى أسفل الكسوة في كل شقة من هذا الجانب، وذلك في سنة تسع عشرة وثمانمائة.

стр. 176

وعمل في هذه السنة لباب الكعبة ستارة عظيمة الحسن أحسن من الستائر الأولى التي شاهدناها١. والجامات المشار إليها مكتوب فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، بالبياض، وكان ذلك مكتوبا في الشقاق التي أحدثت سنة عشرة وثمانمائة وذلك دوائر. واستمرت الجامات اليض المشار إليها خمس سنين متوالية بعد سنة تسع عشرة وثمانمائة، ثم أزيلت وعوض عنها بجامات سود في سنة خمس وعشرين وثمانمائة٢. وفي كسوة الكعبة طراز من حرير أصفر، وكان قبل ذلك أبيض على ما أدركناه، وأول ما عمل أصفر قبل سنة ثمانمائة بسنة أو سنتين، وفي الطراز مكتوب آيات من القرآن العظيم في الجانب الشرقي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧] وفي الجانب الغربي: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨] وفي الجانب اليماني: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [المائدة: ٧٩] وفي الجانب الشامي اسم صاحب مصر وأمره بعمل هذه الكسوة، وهذا الطراز المذكور في نحو الربع الأعلى من البيت. وذكر بعض العلماء حكمة حسنة في سواد الكعبة؛ لأنا روينا عن ابن أبي الصيف مفتي مكة أن بعض شيوخه قال له: يا محمد تدري لم كسي البيت السواد؟ فقال: لا، قال: كأنه يشير إلى أنه فقد أناسا كانوا حوله فلبس السواد حزنا عليهم، وهذا معنى كلام ابن أبي الصيف. ولمهلهل الدمياطي الشاعر في سواد كسوة الكعبة والقفل: يروق لي منظر البيت العتيق إذا بدت ... لطرفي في الإصباح والطفل كأن حليتها السواد قد نسجت ... من حبة القلب أو من أسود المقل٣ وكسوتها في هذه السنة، وفيما قبلها من سبعين سنة من الوقف الذي وقفه السلطان الملك الصالح٤ إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر أيام

стр. 177

سلطنته- على كسوة الكعبة في كل سنة، وعلى كسوة الحجرة النبوية والمنبر النبوي في كل خمس سنين مرة، وهذا الوقف قرية بضواحي القاهرة في طريق القليوبية مما يلي القاهرة اشتراها الملك الصالح من بيت المال ووقفها على ما ذكر فيها، ولم يكسها أحد من الملوك بعد ذلك إلا أخوه الملك الناصر حسن، إلا أن كسوته لم تكن لظاهر الكعبة، وإنما هي لباطنها، وهي الكسوة التي في جوفها الآن. وبلغني أنها كانت أطول من هذا بحيث تصل إلى الأرض، وهي الآن سائرة لمقدار النصف الأعلى وسقفها، وهي حرير أسود، وفيها جامات مزركشة بالذهب وهي الآن ساترة لمقدار النصف الأعلى وسقفها، وهي حرير أسود، وفيها جامات مزركشة بالذهب، ما خلا شقة من السقف بين الأسطوانتين اللتين تليان الباب، فإنها كمخة حرير حمراء، وفي وسطها جامة كبيرة مزركشة بالذهب، وكان إرسال السلطان حسن بهذه الكسوة في سنة إحدى وستين وسبعمائة١. وبلغني أنه كان في جوف الكعبة قبلها كسوة للملك المظفر صاحب اليمن، والملك المظفر أول من كسا الكعبة من الملوك بعد انقضاء دولة بني العباس من بغداد وذلك في سنة تسع وخمسين وستمائة٢ واستمر يكسوها عدة سنين مع ملوك مصر وانفرد بكسوتها في بعض السنين، وكان المتولي لذلك غالبا. وأول من كساها من ملوك مصر بعد بني العباس الملك الظاهر بيبرس البندقداري الصالحي. وأول سنة كسى فيها الكعبة سنة إحدى وستين وستمائة٣. وممن كسا الكعبة من غير الملوك: الشيخ أبو القاسم رامشت صاحب الرباط بمكة، كساها من الحبرات، وغيرها، فكانت كسوته بثمانية عشر ألف دينار مغربية: على ما قال ابن الأثير٤:، وقيل بأربعة آلاف دينارن وذلك في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة٥. والكعبة تكسى في عصرنا هذا يوم النحر من كل سنة، إلا أن الكسوة في هذا اليوم تسدل عليها من أعلاها، ولا تسبل حتى تصل إلى منتهاها على العادة، وهي شاذوران الكعبة إلا بعد أيام من يوم النحر، ويأخذ سدنتها بنو شيبة يوم النحر ما بقي على الكعبة.

стр. 178

من كسوتها القديمة، وهو مقدار نصفها الأعلى، وأخذهم للنصف الأسفل في سابع عشرين ذي القعدة من كل سنة. وذكر ابن جبير في أخبار رحلته ما يفهم أن كسوة الكعبة تشمر في اليوم السابع والعشرين من ذي القعدة، ولا تقطع، لأنه قال بعد أن ذكر فتح الكعبة في هذا اليوم فتحا عاما للسرور: "في هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة إلى نحو قامة ونصف من الجدار من الجوانب على العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر١ ... انتهى. وفي هذا مخالفة لما يفعله الحجبة اليوم من وجهين، أحدهما: أنهم يشمرون كسوة الكعبة في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة في كل سنة من جوانبها الأربعة، إلى عتبة الباب السفلي، وكانوا يصنعون ذلك بعد العصر في هذا اليوم، ثم صاروا يصنعونه في أول نهار. والوجه الثاني: أنهم في اليوم السابع والعشرين من ذي القعدة في كل سنة يقطعون كسوة الكعبة من فوق الباب مع ما شمروه من قبل. وكلام ابن جبير لا يقتضي قطع ذلك في السابع والعشرين، وإنما يقتضي تشميره فيه، ولعل ذلك لكون الحجاج الذين تكثر رغبتهم في تحصيل كسوة الكعبة بالشراء وغيره، وهم الحجاج العراقيون لا يصلون للحج غالبا، إلا موافين ليوم عرفة، ويقصدونها قبل مكة، خيفة فوات الوقوف، وإذا كان كذلك فلا فوت على الحجبة في ذلك الزمان في تأخيرهم قطع كسوة الكعبة في السابع والعشرين، وتأخير قطعها إلى أيام منى، أو أخذ الكسوة فيها جملة عند وصول الكسوة الجديدة. ولعل سبب قطع الحجبة لكسوة الكعبة في السابع والعشرين من ذي القعدة، كون الحجاج من مصر والشام صاروا يقدمون إلى مكة في أوائل العشر الأول من ذي الحجة، فإذا أخر الحجبة قطع ذلك، أو أخذ الكسوة جملة إلى أيام منى فاتت الحجبة بعض مقصودهم من بيع الكسوة في العشر الأول من ذي الحجة، والله أعلم. وذكر ابن جبير ما يقتضي أن الكعبة لا تكسى في يوم النحر، وإنما تكسى في يوم النقر الثاني، لأنه قال: وفي يوم النحر -المذكور- سيقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير إلى مكة على أربعة جمال تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية والرايات على رأسه والطبول تهز٢ وراءه، ثم قال: فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى

стр. 179

الكعبة، فلما كان يوم الثلاثاء: الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد الأبصار حسنا، ثم قال بعد وصفه للكسوة: فحملت كسوتها، وشمرت أذيالها الكريمة صونا لها من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتهم عليها وانصبابها١ ... انتهى. وهذا يخالف ما يفعل اليوم من إسدال الكسوة على الكعبة وتشميرها في يوم النحر، وما يفعل اليوم من كسوة الكعبة في يوم النحر يوافق ما ذكره ابن عبد ربه٢، وفي هذا العصر من نحو أربع سنين لا يؤتى بكسوة الكعبة من منى في يوم النحر، وإنما يأتي أمير الحاج المصري ومعه أعلامه والدباب، والبوقات تضرب معه حتى يدخل المسجد ويخرج إليه كسوة الكعبة من جوفها، فتنتشر في المسجد في صحنه مما يلي الشق اليماني، فتبرز كسوة كل شق، ويرفعها أعوان الأمير مع الحجبة إلى أعلا الكعبة، حتى تكمل، وتسدل على الكعبة على الصفة السابقة، وموجب وضعها في الكعبة قبل الحج: صونها من السرقة، لأنه قبل ذلك سرق بعضها من محل الأمير بمنى، ثم عادت إليه بشيء بذله، وصار الأمراء بعده يصونونها في الكعبة عند توجههم من مكة إلى الموقف. وفي سنة ثماني عشر وثمانمائة كُسيت الكعبة في رابع ذي الحجة إسبالا على نصفها الأعلى٣ ولم تُكس في سنة تسع عشر إلا في يوم النحر، على العادة القديمة التي أدركناها، وعشرين وثمانمائة وكسيت في ثلاث سنين متوالية بعد ذلك في هذا التاريخ، أو بعده قبل اليوم السادس من ذي الحجة، ثم كسيت في سنة خمس وعشرين وثمانمائة في يوم النحر ضحى٤، ٥.

стр. 180

ونختم هذه الترجمة بمسألة تتعلق بكسوة الكعبة، وهي أن العلماء اختلفوا في جواز بيع كسوة الكعبة، فنقل جواز ذلك عن عائشة، وابن عباس، وجماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم، ومنع من ذلك ابن القاضي وابن عبدان، من الشافعية. وذكر الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي١ الشافعي في قواعده: أنه لا يتردد في جواز ذلك الآن، لأجل وقف الإمام ضيعة معينة على أن يصرف ريعها في كسوة الكعبة، والوقف بعد استقرار هذه العادة، والعلم بها، فينزل لفظ الواقف عليها. قال: وهذا ظاهر لا يعارضه المنقول المتقدم ... انتهى باختصار. وكان أمراء مكة يأخذون من السدنة ستارة باب الكعبة في كل سنة، وجانبا كبيرا من كسوتها، أو ستة آلاف درهم كاملية عوضا عن ذلك، فسمح لهم بذلك الشريف عنان بن مغامس بن رميثة بن أبي نمي لما ولى إمرة مكة في آخر سنة ثمان وثمانين وسبعمائة٢، وجرى على ذلك الأمراء من بعده في الغالب، ثم إن السيد حسن بن عجلان بعد سنين من ولايته لمكة صار يأخذ منهم ستارة باب الكعبة وكسوة مقام إبراهم ويهدي لمن يرجوه من الملوك وغيرهم، والله الموفق.
следующие страницы →