وعمل في هذه السنة لباب الكعبة ستارة عظيمة الحسن أحسن من الستائر الأولى التي شاهدناها١.
والجامات المشار إليها مكتوب فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، بالبياض، وكان ذلك مكتوبا في الشقاق التي أحدثت سنة عشرة وثمانمائة وذلك دوائر. واستمرت الجامات اليض المشار إليها خمس سنين متوالية بعد سنة تسع عشرة وثمانمائة، ثم أزيلت وعوض عنها بجامات سود في سنة خمس وعشرين وثمانمائة٢.
وفي كسوة الكعبة طراز من حرير أصفر، وكان قبل ذلك أبيض على ما أدركناه، وأول ما عمل أصفر قبل سنة ثمانمائة بسنة أو سنتين، وفي الطراز مكتوب آيات من القرآن العظيم في الجانب الشرقي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧] وفي الجانب الغربي: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨] وفي الجانب اليماني: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [المائدة: ٧٩] وفي الجانب الشامي اسم صاحب مصر وأمره بعمل هذه الكسوة، وهذا الطراز المذكور في نحو الربع الأعلى من البيت.
وذكر بعض العلماء حكمة حسنة في سواد الكعبة؛ لأنا روينا عن ابن أبي الصيف مفتي مكة أن بعض شيوخه قال له: يا محمد تدري لم كسي البيت السواد؟ فقال: لا، قال: كأنه يشير إلى أنه فقد أناسا كانوا حوله فلبس السواد حزنا عليهم، وهذا معنى كلام ابن أبي الصيف.
ولمهلهل الدمياطي الشاعر في سواد كسوة الكعبة والقفل:
يروق لي منظر البيت العتيق إذا بدت ... لطرفي في الإصباح والطفل
كأن حليتها السواد قد نسجت ... من حبة القلب أو من أسود المقل٣
وكسوتها في هذه السنة، وفيما قبلها من سبعين سنة من الوقف الذي وقفه السلطان الملك الصالح٤ إسماعيل بن الملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر أيام
стр. 177
سلطنته- على كسوة الكعبة في كل سنة، وعلى كسوة الحجرة النبوية والمنبر النبوي في كل خمس سنين مرة، وهذا الوقف قرية بضواحي القاهرة في طريق القليوبية مما يلي القاهرة اشتراها الملك الصالح من بيت المال ووقفها على ما ذكر فيها، ولم يكسها أحد من الملوك بعد ذلك إلا أخوه الملك الناصر حسن، إلا أن كسوته لم تكن لظاهر الكعبة، وإنما هي لباطنها، وهي الكسوة التي في جوفها الآن. وبلغني أنها كانت أطول من هذا بحيث تصل إلى الأرض، وهي الآن سائرة لمقدار النصف الأعلى وسقفها، وهي حرير أسود، وفيها جامات مزركشة بالذهب وهي الآن ساترة لمقدار النصف الأعلى وسقفها، وهي حرير أسود، وفيها جامات مزركشة بالذهب، ما خلا شقة من السقف بين الأسطوانتين اللتين تليان الباب، فإنها كمخة حرير حمراء، وفي وسطها جامة كبيرة مزركشة بالذهب، وكان إرسال السلطان حسن بهذه الكسوة في سنة إحدى وستين وسبعمائة١.
وبلغني أنه كان في جوف الكعبة قبلها كسوة للملك المظفر صاحب اليمن، والملك المظفر أول من كسا الكعبة من الملوك بعد انقضاء دولة بني العباس من بغداد وذلك في سنة تسع وخمسين وستمائة٢ واستمر يكسوها عدة سنين مع ملوك مصر وانفرد بكسوتها في بعض السنين، وكان المتولي لذلك غالبا.
وأول من كساها من ملوك مصر بعد بني العباس الملك الظاهر بيبرس البندقداري الصالحي. وأول سنة كسى فيها الكعبة سنة إحدى وستين وستمائة٣.
وممن كسا الكعبة من غير الملوك: الشيخ أبو القاسم رامشت صاحب الرباط بمكة، كساها من الحبرات، وغيرها، فكانت كسوته بثمانية عشر ألف دينار مغربية: على ما قال ابن الأثير٤:، وقيل بأربعة آلاف دينارن وذلك في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة٥.
والكعبة تكسى في عصرنا هذا يوم النحر من كل سنة، إلا أن الكسوة في هذا اليوم تسدل عليها من أعلاها، ولا تسبل حتى تصل إلى منتهاها على العادة، وهي شاذوران الكعبة إلا بعد أيام من يوم النحر، ويأخذ سدنتها بنو شيبة يوم النحر ما بقي على الكعبة.
стр. 178
من كسوتها القديمة، وهو مقدار نصفها الأعلى، وأخذهم للنصف الأسفل في سابع عشرين ذي القعدة من كل سنة.
وذكر ابن جبير في أخبار رحلته ما يفهم أن كسوة الكعبة تشمر في اليوم السابع والعشرين من ذي القعدة، ولا تقطع، لأنه قال بعد أن ذكر فتح الكعبة في هذا اليوم فتحا عاما للسرور: "في هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة إلى نحو قامة ونصف من الجدار من الجوانب على العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر١ ... انتهى.
وفي هذا مخالفة لما يفعله الحجبة اليوم من وجهين، أحدهما: أنهم يشمرون كسوة الكعبة في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة في كل سنة من جوانبها الأربعة، إلى عتبة الباب السفلي، وكانوا يصنعون ذلك بعد العصر في هذا اليوم، ثم صاروا يصنعونه في أول نهار.
والوجه الثاني: أنهم في اليوم السابع والعشرين من ذي القعدة في كل سنة يقطعون كسوة الكعبة من فوق الباب مع ما شمروه من قبل.
وكلام ابن جبير لا يقتضي قطع ذلك في السابع والعشرين، وإنما يقتضي تشميره فيه، ولعل ذلك لكون الحجاج الذين تكثر رغبتهم في تحصيل كسوة الكعبة بالشراء وغيره، وهم الحجاج العراقيون لا يصلون للحج غالبا، إلا موافين ليوم عرفة، ويقصدونها قبل مكة، خيفة فوات الوقوف، وإذا كان كذلك فلا فوت على الحجبة في ذلك الزمان في تأخيرهم قطع كسوة الكعبة في السابع والعشرين، وتأخير قطعها إلى أيام منى، أو أخذ الكسوة فيها جملة عند وصول الكسوة الجديدة.
ولعل سبب قطع الحجبة لكسوة الكعبة في السابع والعشرين من ذي القعدة، كون الحجاج من مصر والشام صاروا يقدمون إلى مكة في أوائل العشر الأول من ذي الحجة، فإذا أخر الحجبة قطع ذلك، أو أخذ الكسوة جملة إلى أيام منى فاتت الحجبة بعض مقصودهم من بيع الكسوة في العشر الأول من ذي الحجة، والله أعلم.
وذكر ابن جبير ما يقتضي أن الكعبة لا تكسى في يوم النحر، وإنما تكسى في يوم النقر الثاني، لأنه قال: وفي يوم النحر -المذكور- سيقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير إلى مكة على أربعة جمال تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية والرايات على رأسه والطبول تهز٢ وراءه، ثم قال: فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى
стр. 179
الكعبة، فلما كان يوم الثلاثاء: الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد الأبصار حسنا، ثم قال بعد وصفه للكسوة: فحملت كسوتها، وشمرت أذيالها الكريمة صونا لها من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتهم عليها وانصبابها١ ... انتهى.
وهذا يخالف ما يفعل اليوم من إسدال الكسوة على الكعبة وتشميرها في يوم النحر، وما يفعل اليوم من كسوة الكعبة في يوم النحر يوافق ما ذكره ابن عبد ربه٢، وفي هذا العصر من نحو أربع سنين لا يؤتى بكسوة الكعبة من منى في يوم النحر، وإنما يأتي أمير الحاج المصري ومعه أعلامه والدباب، والبوقات تضرب معه حتى يدخل المسجد ويخرج إليه كسوة الكعبة من جوفها، فتنتشر في المسجد في صحنه مما يلي الشق اليماني، فتبرز كسوة كل شق، ويرفعها أعوان الأمير مع الحجبة إلى أعلا الكعبة، حتى تكمل، وتسدل على الكعبة على الصفة السابقة، وموجب وضعها في الكعبة قبل الحج: صونها من السرقة، لأنه قبل ذلك سرق بعضها من محل الأمير بمنى، ثم عادت إليه بشيء بذله، وصار الأمراء بعده يصونونها في الكعبة عند توجههم من مكة إلى الموقف.
وفي سنة ثماني عشر وثمانمائة كُسيت الكعبة في رابع ذي الحجة إسبالا على نصفها الأعلى٣ ولم تُكس في سنة تسع عشر إلا في يوم النحر، على العادة القديمة التي أدركناها، وعشرين وثمانمائة وكسيت في ثلاث سنين متوالية بعد ذلك في هذا التاريخ، أو بعده قبل اليوم السادس من ذي الحجة، ثم كسيت في سنة خمس وعشرين وثمانمائة في يوم النحر ضحى٤، ٥.
стр. 180
ونختم هذه الترجمة بمسألة تتعلق بكسوة الكعبة، وهي أن العلماء اختلفوا في جواز بيع كسوة الكعبة، فنقل جواز ذلك عن عائشة، وابن عباس، وجماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم، ومنع من ذلك ابن القاضي وابن عبدان، من الشافعية.
وذكر الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي١ الشافعي في قواعده: أنه لا يتردد في جواز ذلك الآن، لأجل وقف الإمام ضيعة معينة على أن يصرف ريعها في كسوة الكعبة، والوقف بعد استقرار هذه العادة، والعلم بها، فينزل لفظ الواقف عليها. قال: وهذا ظاهر لا يعارضه المنقول المتقدم ... انتهى باختصار.
وكان أمراء مكة يأخذون من السدنة ستارة باب الكعبة في كل سنة، وجانبا كبيرا من كسوتها، أو ستة آلاف درهم كاملية عوضا عن ذلك، فسمح لهم بذلك الشريف عنان بن مغامس بن رميثة بن أبي نمي لما ولى إمرة مكة في آخر سنة ثمان وثمانين وسبعمائة٢، وجرى على ذلك الأمراء من بعده في الغالب، ثم إن السيد حسن بن عجلان بعد سنين من ولايته لمكة صار يأخذ منهم ستارة باب الكعبة وكسوة مقام إبراهم ويهدي لمن يرجوه من الملوك وغيرهم، والله الموفق.
стр. 181
ذكر طيب الكعبة وأخدامها:
روينا من تاريخ الأزرقي عن عائشة ﵂ قالت: طيبوا البيت، فإن ذلك من تطهيره.
وروينا فيه عنها ﵂ قالت: لأن أطيب الكعبة أحب إلي من أن أهدِي ذهبا وفضة.
وروينا فيه عن أبي نجيح قال: إن معاوية بن أبي سفيان ﵁ أجرى للكعبة وظيفة الطيب بكل صلاة، وكان يبعث لهما المجمر والخلوق في الموسم وفي رجب، وأخدمها عبيدا، ثم اتبعت ذلك الولاة بعده١.
وروينا في تاريخ الأزرقي أن عبد الله بن الزبير ﵄ كان يجمر الكعبة كل يوم برطل من مجمر، ويجمر الكعبة كل جمعة برطلين من مجمر٢.
стр. 182
وقال المحب الطبري: المجمر ما يتجمر به وهو العود الرطب، وبالضم ما يتجمر به، والخلوق طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، ويغلب عليه الصفرة والحمرة. وقال: قال الإمام أبو عبد الله الحليمي: روي عن سعيد بن جبير أنه كان يكره أن يؤخذ من طيب الكعبة يستشفى به، وقال: قال عطاء: كان أحدنا إذا أراد أن يستشفي به جاء بطيب من عنده فمسح به الحجر، ثم أخذه، ذكره ابن الصلاح في منسكه ... انتهى.
وذكر النووي أنه لا يجوز أخذ شيء من طيب الكعبة لا للتبرك ولا لغيره، ومن أخذ شيئا من ذلك لزمه رده، فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده، فمسحها به ثم أخذه ... انتهى.
стр. 183
ذكر أسماء الكعبة المعظمة:
للكعبة المعظمة أسماء شريفة منها: الكعبة، ومنها بكة: بالباء الموحدة ومنها: البيت الحرام، ومنها: البيت العتيق، ومنها: قادس، ومنها: نادر١، ومنها: القرية القديمة، وهذه الأسماء الثلاثة الأخيرة مذكورة في تاريخ الأزرقي.
وسميت الكعبة بالكعبة: لتكعيبها وهو تدويرها.
قال القاضي عياض في "المشارق" لما ذكر الكعبة قال: الكعبة هو البيت نفسه لا غير، سمي بذلك لتكعيبها وهو تربيعها، وكل بناء مرتفع مربع كعبة.
وقال النووي: سميت بذلك لاستدارتها وعلوها، وقيل: لتربيعها في الأصل٢ ... انتهى.
وممن قال إنها سميت بالكعبة لكونها على حلقة الكعب: ابن أبي نجيح، وابن جريج.
وسميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة، وقيل غير ذلك.
واختلف في معنى البيت العتيق، فقيل: لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة فلم ينله جبار قط، أو لم يقدر عليه جبار وقيل: غير ذلك، والصحيح الأول على ما ذكر ابن جماعة.
ومن أسمائها: البنية بباء موحدة ونون وياء مثناة من تحت مشددة، ذكر هذا الاسم لها القاضي عياض في "المشارق" لأنه قال في حرف الباء لما ذكر البيت العتيق: والبنية اسم للكعبة ... انتهى.
стр. 184
وذكر ابن الأثير في "النهاية" ما يدل لذلك، لأنه قال: وفي حديث البراء بن معرور ﵁ رأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر يريد الكعبة وكانت تدعى بنية إبراهيم ﵇ لأنه بناها وقد كثر قسمهم برب هذه البنية ... انتهى.
وذكر الأزرقي ما يشهد لذلك، لأنه روى خبرا عن الواقدي فيه أذان بلال ﵁ للظهر يوم فتح مكة على ظهر الكعبة، وسماع قريش لذلك، وإنكارهم له. وفيه: وقال الحكم بن أبي العاص: هذا والله الحدث الجلل أن يصبح عبد بني جمح ينهق على بنية أبي طلحة١ ... انتهى.
وأبو طلحة هو عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب حاجب الكعبة، ولذلك أضافها الحكم إليه، والله أعلم.
ومن أسمائها: الدوار بضم الدال المهملة وفتحها وتشديد الواو وبعدها ألف وراء مهملة، ذكر ذلك ياقوت في مختصره لمعجم البلدان٢، وذكر أن ابن القطان حكى الوجهين اللذين ذكرهما في ضبطه، وذكر أن دوار أيضا: شجر باليمامة، وضبطه بالوجهين أيضا، وذكر هذا الاسم شيخنا القاضي مجد الدين الشيرازي في كتابه "الوصل والمنى في فضل منى".
ومن أسمائها: المسجد الحرام لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ [البقرة: ١٤٤] والمراد به الكعبة بلا خلاف. وقد ورد إطلاق المسجد الحرام على غير الكعبة، وبينا ذلك في الباب الخامس.
стр. 185
ذكر هدم الحبشي الكعبة في آخر الزمان:
روينا في مسند أحمد بن حنبل١، وفي "المعجم الكبير" للطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصلع ٢ أقرع يضرب عليها بمساحته ومعوله".
وروينا في تاريخ الأزرقي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه كان يقول: كأني به أصيلع أقيرع٣ قائما عليها يهدمها بمسحاته.
стр. 186
وروينا في تاريخ الأزرقي أيضا أنه قال: والذي نفس عبد الله بيده إن لأنظر إلى صفته في كتاب الله أفيحج١ أصيلع، قائما يهدمها بمساحته٢.
وروينا في تاريخ الأزرقي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني أنظر إليه حبشيا أصيلع أصيمع٢ قائما عليها يهدمها بمساحته.
وروينا فيه وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" ٣.
وروينا في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "كأني به أسود أفحج يقلعها حجرًا حجرًا" ٤.
وجزم السهيلي بأن تخريب الحبشي للكعبة يكون بعد رفع القرآن، وذلك بعد موت عيسى ﵇ على ما ذكر ابن جماعة قال: وصححه بعض العلماء المتأخرين، ونقل عن الحليمي أن ذلك في زمن عيسى ﵇، والله أعلم.
стр. 187
ذكر وقت فتح الكعبة في الجاهلية والإسلام:
روينا في تاريخ الأزرقي عن سعيد بن عمرو الهذلي عن أبيه قال: رأيت قريشا في الجاهلية يفتحون الكعبة يوم الاثنين والخميس١، وذكر ذلك الفاكهي، وذكر أيضا أنها كانت تفتح في الجاهلية يوم الجمعة لأنه قال: حدثنا أحمد بن صالح بن سعيد عن محمد بن عمرو السلمي، حدثني عبد الله بن يزيد عن سعيد بن عمرو عن أبيه قال: رأيت قريشا في الجاهلية يفتحون البيت يوم الاثنين ويوم الجمعة٢ ... انتهى.
وروينا فتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس: عن عثمان بن طلحة الحجبي من طريق ابن سعد.
وذكر ابن جبير في أخبار رحلته وكانت سنة تسع وسبعين وخمسمائة أن الكعبة تفتح كل يوم اثنين ويوم جمعة إلا في رجب فتفتح كل يوم٣ ... انتهى.
стр. 188
قلت: وفتحها يوم الجمعة مستمر إلى الآن، وفتحها يوم الاثنين متروك، إلا أنه وقع في شهر رمضان، وشوال، وذي القعدة، من سنة إحدى وثمانمائة١، واختص النساء بدخولها في هذا اليوم لأمر أوجب ذلك.
وتفتح الكعبة غير يوم الجمعة أيضا، وذلك في أوقات متعددة من كل سنة، منها: في بكرة اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من كل سنة، ومنها: في بكرة اليوم التاسع والعشرين من رجب من كل سنة، ويختص النساء بدخولها في هذا اليوم أكثر من الرجال، وذلك قبل غسلها.
ومنها: في بكرة يوم عيد الفطر.
ومنها: في بكرة السادس والعشرين من ذي القعدة، ولا يدخلها في هذا اليوم إلا الأعيان من الناس، وفتحها في هذا اليوم لأجل غسلها.
ومنها: في زمن الموسم وذلك في بعض ليالي الثماني الأول من ذي الحجة من كل سنة، وفي بعض هذه الأيام.
وفتحها في هذه الأوقات: لأجل البر الذي تأخذه الحجبة ممن يرغب في دخولها، ثم لا تفتح فتحا عاما إلا بعد انقضاء ذي الحجة في أول جمعة من السنة التي تلي ذلك، إلا أنهم في سنة أربع عشرة وثمانمائة فتحت الكعبة بعد سفر الحجاج من مكة، وقبل دخول سنة خمس عشرة وصنع مثل ذلك الحجبة في سنة خمس عشرة، وذلك للرغبة في أخذ البر من الداخلين إليها.
وذكر ابن جبير من أوقات فتح الكعبة التي أشرنا إليها فتحها في اليوم التاسع والعشرين من رجب، وذكر أنها تغسل في ثاني هذا اليوم لأجل ما لعله أن يكون وقع من حدث الصغار الذين يدخلون مع أمهاتهم في اليوم التاسع والعشرين من رجب، وذكر أن للنساء احتفالا كثيرا في دخول الكعبة في هذا اليوم٢.
وذكر ابن جبير فتح الكعبة أيضا في يوم عيد الفطر بكرة٣ ولم يذكر فتحها في السادس والعشرين من ذي القعدة، وذكر أنها تفتح في السابع والعشرين من ذي القعدة فتحا عاما، وأن في هذا اليوم شمرت كسوته من جوانبها الأربعة التشمير الذي يسمونه إحرام الكعبة، ثم قال: ولا تفتح من حين إحرامها إلا بعد الوقفة، ثم قال بعد أن ذكر أن كسوة الكعبة وضعت على سطحها في يوم النحر وأسبلت عليها في يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المذكور: وشمرت أذيالها صونا لها من أيدي الأعاجم، وفي هذه الأيام
стр. 189
يفتح البيت الكريم كل يوم للأعاجم العراقيين والخراسانيين، وسواهم من الواصلين مع الأمير العراقي١ ... انتهى.
وفي هذا دلالة على أن الكعبة تفتح في أيام الموسم وهو في زمن ابن جبير بعد الحج، لأن الحجاج العراقيين ما يصلون غالبا إلا موافين ليوم عرفة.
ولنختم هذه الترجمة بحكم سدانة الكعبة وبحكم ما يأخذه سدنتها ممن يدخلها، وللمحب الطبري في ذلك كلام شاف فنذكره: ونص كلامه: الحجابة منصب بني شيبة، ولاه رسول الله ﷺ إياها، كما ولى السقاية للعباس ﵃ ثم قال: "وسدانة البيت خدمتهم"، وتولي أمره وفتح بابه وإغلاقه، يقال: سدن يسدن سدانة فهو سادن، والجمع سدنة، ثم قال: قال العلماء: لا يجوز لأحد أن ينزعها منهم. قالوا: وهي ولاية رسول الله ﷺ ، وأعظم "مالك" رحمه الله تعالى أن يشرك معهم غيرهم٢.
قلت: ولا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته ولازموا في خدمته الأدب، أما إذا لم يحفظوا حرمته فلا يبعد أن يجعل عليهم مشرف يمنعهم من هتك حرمته، وربما تعلق الجاهل الغبي الرأي المعكوس الفهم بقوله: "وكلوا بالمعروف" فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك، وأنه من أشنع البدع وأقبح الفواحش، وهذه اللفظة إن صحت رواية فيستدل بها على إقامة الحرمة، لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف، وإنما الإشارة والله أعلم إلى ما يقصدون به من البر والصلة من بيت المال على ما يقومون به من خدمته، والقيام بمصالحه، فلا يحل لهم منه إلا قدر ما يستحقونه، والله أعلم.
ثم قال بعد أن ذكر أحاديث تتعلق بالحجر بسكون الجيم: وفيها ما يقتضي أن سبب رفع قريش لباب الكعبة ليمنعوا من شاءوا ويدخلوا من شاءوا، وفي قوله: "فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا"، وقوله: "وألصق بابها بالأرض"، دلالة على أن الناس غير محجوبين عن البيت، وأنه لا يحل منعهم، وما يأخذه السدنة على ذلك لا يطيب لهم إلا بطيب نفس من الدافعين، وإنما تجب أجرتهم على ما يتولونه من القيام بمصالحه من بيت المال.
قال أبو العالية الرياحي ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَه﴾ [الأنفال: ٤١] قال: السهم المضاف إلى الله تعالى إنما هو لبيت الله تعالى، وأكثر أهل العلم على أنه أضاف الخمس إلى نفسه لشرفه، وسهم الله تعالى، وسهم رسول الله ﷺ
стр. 190
واحد ... انتهى. ذكر ذلك مفرقا في موطنين من الباب الثامن والعشرين من كتابه القرى١ وعزا المحب الطبري الخبر الذي فيه، "وكلوا بالمعروف" إلى سنن سعيد بن منصور، وهو في طبقات محمد بن سعد كاتب الواقدي من حديث عثمان بن طلحة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في الباب السابع والثلاثين من هذا الكتاب إن شاء الله.
والأصل في غسل الكعبة لتطهيرها في الجملة، ذكر الفاكهي ما يدل له، لأنه قال في ترجمة ترجم عليها بقوله: ذكر أذان بلال بن رباح على الكعبة ورقيه فوقها يوم الفتح للأذان حدثني محمد بن علي المروزي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بلالا فرقي على ظهر الكعبة، فأذن الصلاة، وقام المسلمون فتجرروا في الأزر وأخذوا الدلاء، وارتجزوا على زمزم، فغسلوا الكعبة ظهرها وبطنها، فلم يدعوا أثرا من آثار المشركين إلا محوه وغسلوه٢ ... انتهى.
وإنما ذكرنا هذا الخبر في هذه الترجمة لما وقع فيها من غسل الحجبة للكعبة، ويكون هذا الخبر كالشاهد بذلك، والله أعلم.
стр. 191
ذكر بيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق ومعرفة أدلة القبلة بالآفاق المشار إليها:
أخبرني بذلك خالي قاضي الحرمين محب الدين النويري سماعا عن القاضي عز الدين بن جماعة سماعا، أنه نقل من خط والده في الدائرة التي ذكر فيها صفة الكعبة، وما يحتاج إلى معرفة تصويره، وأن والده قال: إنه كتبها في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وستمائة، قال: جهة القبلة لأهل البصرة، والأهواز، وفارس وكرمان، وأصبهان، وسجستان، وشمالي بلاد الصين، وما على سمت ذلك وهو من باب الكعبة إلى الحجر الأسود، فمن جعل القطب على أذنه اليمنى والشولة إذا تدلت للغروب بين عينيه، ومشرق الصيف خلف كتفه الأيمن والدبور١ على خده الأيمن، والجنوب على خده الأيسر، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل الكوفة، وبغداد، وحلوان والقادسية، وهمدان، والري، ونيسابور، وخراسان، ومرو، وخوارزم، وبخارى، وفرغانة، والشاش، وماهان، وما كان على سمت ذلك: ما بين مصلى آدم إلى قرب باب الكعبة، فمن جعل بنات نعش٢
стр. 192
الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليمنى، والهقعة١ إذا طلعت بين كتفيه إلى خلف أذنه اليسري، والقطب على كتفه الأيمن، وريح الصبا على الأيسر، والشمال على عاتقه الأيمن، والجنوب على خده الأيسر، استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل الرها، والموصل، وملطية، وشميساط، وسيحان، والجزيرة، وديار بكر، وما كان على سمت ذلك: إلى القبلة يستقبلون من الركن الشامي إلى مصلى آدم، فمن جعل فيها القطب على أذنه اليمنى ومشرق الشتاء خلف أذنه اليسرى، وريح الصبا على كتفه الأيسر، والشمال على خده الأيمن، والجنوب على عينه اليسرى: استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل الشام كلهم إلا ما ذكر عن اليمين، ودمشق في هذا القسم، وهي: حمص، وحماه، وحلب، ومنبج، وحران، وميافارقين، وما والاها من البلاد، وسواحل الروم: ما بين الميزاب والركن الشامي، موقفهم موقف أهل المدينة ودمشق كما تقدم، لكنهم يتياسرون شيئا كثيرا، والجهة شاملة للجميع إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل جانب الشام الغربي، ووسط غزة، والرملة، وبيت المقدس، والمدينة الشريفة، ودمشق، وفلسطين وعكا، وصيدا، وما ولى ذلك من السواحل على سمتهم، وهي من قبيل ميزاب الكعبة إلى دون الركن الغربي، فمن جعل بها سهيلا إذا طلع بين عينيه، وبنات نعش إذا غربت خلفه، والنسر الواقع إذا طلع على أذنه اليسرى، فقد استقبل هذا في الجانب من الشام، أما المدينة، ودمشق وما والاها من أواسط الشام. فمن جعل بنات نعش الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليسرى، والجدي على قفا ظهره مائلا إلى عينه قليلا، والهقعة إذا طلعت عن شماله، والصبا على خده الأيسر، والجنوب تلقاء وجهه: فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل مصر والصعيد الأعلى، وسواحلهما السفلى أسواق، وإسنا، وقوص، والفسطاط، والإسكندرية، والمحلة، ودمياط، وتنيس، وبرقة، وطرابلس، وصفد، وساحل المغرب، والأندلس، وما كان على سمته، وهو ما بين الركن الغربي والميزاب، فمن جعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه الأيسر، وإذا طلعت على خده الأيسر، والقطب على أذنه اليسرى، ومشرق الشتاء تلقاء وجهه، والدبور خلف كتفه الأيمن، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
стр. 193
وجهة القبلة لأهل الشمال من بلاد البُحاة، والنوبة، وأواسط المغرب من جنوب الواحات إلى بلاد إفريقية، وأواسط بلاد البربر، وبلاد الجريد إلى البحر المحيط وهي جهة جدة، وعيذاب، وجنوب أسوان، وهي من دون الركن الغربي بثلث الجدار إلى الركن الغربي، فمن جعل بها الثريا إذا طلعت على عينه اليسرى، والصبا على عينه اليمنى فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل بلاد البجاة، وبلاد دهلك وسواكن، وبلاد البلين والنوبة إلى بلاد التكرور وما وراء ذلك، وما على سمته من بلاد السودان وغيرهم إلى البحر المحيط، وهي من دون الباب المسدود إلى ثلثي الجدار، فمن جعل بها الثريان إذا طلعت بين عينيه، والقطب على عينه اليسرى وخده الأيسر، والصبا على عينه اليمنى، والدبور خلف أذنه اليسرى، ومغرب الشولة خلف كتفه الأيمن ومشرق الشتاء على خده الأيمن، ومشرق الصيف على الأيسر، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل الحبشة، والزنج، والزيلع، وأكثر بلاد السودان، وجزائر فرسان وما والاها من البلاد وكان على سمتها، وهي الركن اليماني إلى ثلثي الجدار وهو آخر الباب المسدود، فمن جعل بها الثريا إذا طلعت على جنبه الأيمن، والقطب على الأيسر، والصبا على خده الأيمن، والدبور على كتفه الأيسر، والجنوب على الأيمن، ومغرب الشولة خلف كتفه الأيسر، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل اليمن بأسره: ظفار، وحضرموت، وصنعاء، وعمان، وصعدة، والشحر، وسبأ وما والاها وما كان على سمتها، وهي من دون الركن اليماني بسبعة أذرع إلى الركن اليماني، فمن جعل فيها القطب بين عينيه، وسهيلا إذا طلع خلف أذنه اليمنى، وإذا غرب خلف اليسرى، ومشرق الشتاء على أذنه اليمنى، ومغرب الشتاء على اليسرى، والشمال تلقاء وجهه، والجنوب خلف ظهره، والصبا على خده الأيمن، والدبور على الأيسر، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل بلاد السند، وجنوب بلاد الهند، وجنوب بلاد الصين، وأهل التهائم، والسندين، والبحرين، وما والاها وكان على سمتها، وهي من دون مصلى النبي ﷺ إلى ثلثي هذا الجدار، فمن جعل بنات نعش إذا طلعت على خده الأيمن، ومطلع النسر الواقع على أذنه اليمنى، ومغرب بنات نعش بين عينيه، فقد استقبل القبلة إن شاء الله تعالى.
وجهة القبلة لأهل بلاد الصين، وأهل واسط، والهند والمرجان، وكابل، والهدبان والتتار، والمسفر، والقندهار، وما والاها وكان على سمتها، وهو من الركن الأسود إلى دون مصلى النبي ﷺ فمن جعل بها بنات نعش الكبرى إذا طلعت على خده الأيمن
стр. 194
والقطب على عاتقه الأيمن، والصبا خلف أذنه اليمنى، فقد استقبل القبلة إن شاء تعالى ... انتهى ما ذكره القاضي عز الدين بن جماعة عن أبيه من بيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق، ومعرفة أدلة القبلة بالآفاق المشار إليها.
ووجدت في الكتاب الذي ألفه الفقيه أبو عبد الله محمد بن سرقة العامري لمعرفة دلائل القبلة في جميع البلدان بابا في هذا المعنى وعرضته على ما ذكره ابن جماعة، فإن بين ما ذكره ابن سراقة وابن جماعة اختلاف كثير من اللفظ والمعنى والزيادة والنقص وغير ذلك، فرأيت أن ذكر ما ذكره ابن سراقة ليحيط بذلك علماء النظر في هذا الكتاب.
أنبأني بكتاب ابن سراقة المسندان محمد بن محمد بن عبد الله، وإبراهيم بن أبي بكر بن عمر الصالحيان إذنا، ومكاتبة عن أبي القاسم شهاب بن علي المحسبي أن أبا محمد عبد الوهاب بن ظافر الأزدي أخبره سماعا قال: أنبأنا أبو طاهر أحمد بن محمد الحافظ قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي قال: أنبأنا أبو صالح محمد بن أبي عيسى بن الفضل السمرقندي بمصر قال: أنبأنا الفقيه محمد بن سراقة العامري قال: باب ذكر البلدان ومواقعها من جهات الكعبة، وما يستدل به هل كل بلد عليها: اعلم أن أهل القادسية، والكوفة، وبغداد وحلوان، وهمدان، والري، ونيسابور، ومرو، وخوارزم، وبخارى، والشاش، وفرغانة، وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون الكعبة من مصلى آدم إلى بابها، فمن كان في إحدى هذه البلاد أو على خطها وأراد التوجه إليها جعل بنات نعش الكبرى إذا طلعت على أذنه اليمنى، والهقعة إذا طلعت بين كتفيه إلى خلف أذنه اليسرى، والقطب على كتفه الأيمن، وريح الصبا على كتفه الأيسر، والشمال على عاتقه الأيمن إلى قفاه، والدبور على صفحة خده الأيمن، والجنوب على خده الأيسر، فمن استدل ببعض هذه الدلائل في إحدى هذه البلدان أو فيما كان على سمتها من البلاد، من بر، أو بحر، أو سهل، أو جبل، فقد استقبل جهة الكعبة التي أمر باستقبالها.
واعلم أن أهل البصرة، والأهواز، وفارس، وأصبهان، وكرمان، وسجستان، وبست إلى بلاد الصين، وما كان من البلاد على سمت ذلك، يستقبلون في صلاتهم من باب الكعبة إلى الركن العراقي، فمن كان في إحدى هذه البلاد وفيما كان على سمتها وأراد التوجه إلى الكعبة جعل القطب على أذنه اليمنى، والنسر الواقع خلفه والشولة إن نزلت للغروب بين عينيه، أو مشرق الصيف خلف كتفه الأيمن، ومهب الصبا على كتفه الأيسر، والشمال على أذنه اليمنى، والدبور على خده الأيمن، والجنوب على عينه اليسرى، فمتى فعل ذلك استقبل جهة الكعبة.
стр. 195
واعلم أن أهل السند، والمهرجان، وكابل، والقندهار، والنسان، وما كان على سمت ذلك من البلاد فهم يستقبلون في صلاتهم من الركن العراقي إلى مصلى النبي ﷺ ، فمن جعل في إحدى هذه البلاد ومن كان من البلاد على سمتها بنات نعش إذا طلعت على خده الأيمن والقطب على عينه اليمنى، وربح الصبا خلف أذنه اليسرى والشمال على خده الأيمن، والدبور على خده الأيسر، والجنوب على كتفه الأيسر، فقد استقبل جهة الكعبة.
وأعلم أن أهل اليمن، والسدير، والتهائم إلى عدن، والبحرين إلى عمان، وحضرموت، والشحر، وصنعاء، وهي نجدية، وصعدة وما كان على سمت ذلك من البلاد يستقبلون في صلاتهم من موضع مصلى النبي ﷺ إلى الركن اليماني، فمن كان في إحدى هذه البلاد فجعل القطب بين عينيه، وسهيلا إذا طلع على أذنه اليمنى، وإذا غرب خلف أذنه اليسرى، ومشرق الشتاء على أذنه اليمنى، والصبا على كتفه الأيمن، والشمال تلقاء وجهه، والدبور على جنبه الأيسر، والجنوب على كتفه الأيسر، فقد استقبل جهة الكعبة.
واعلم أن أهل بلاد الحبشة، وجزائر، وفرسان، وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من الركن إلى الباب المسدود، فمن كان في إحدى هذه البلاد أو فيما كان من البلاد على سمتها فجعل الثريا إذا طعلت بين عينيه، والشعرى والعيون إذا طلعت على جنبه الأيمن، أو القطب على أذنه اليسرى، أو ريح الصبا على عينيه، أو الشمال تلقاء وجهه والدبور عن شماله، أو الجنوب خلفه، كان مستقبلا لجهة الكعبة.
وإن أهل بلاد النوبة والبجة إلى البحر المحيط، وما وراء ذلك من خلال بلاد السودان وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من الباب المسدود إلى دون الركن الغربي بسبعة أذرع، فمن جعل في إحدى هذه البلاد أو فيما كان على سمتها من البلاد العيون إذا طلع بين عينيه، أو الثريا على عينه اليمنى، أو الشولة إذا غربت بين كتفيه، أو القطب على صفحة خده الأيسر، أو مشرق الصيف قبالته، أو مغرب الشتاء خلفه أو ريح الصبا على عينه اليمنى، أو الشمال على حاجبه الأيسر، أو الدبور على أذنه اليسرى، أو الجنوب على كتفه الأيمن، فقد استقبل جهة الكعبة.
وأعلم أن أهل الأندلس والمغرب من أهل إفريقية وطرابلس وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من دون الركن الغربي بسبعة أذرع إلى الركن الغربي، فمن جعل في إحدى هذه البلاد وما كان على سمتها الثريا إذا طلعت بين عينيه، والشعرى خلف ظهره، أو الشمال على كتفه الأيسر. أو الجنوب على كتفه الأيمن فقد استقبل جهة الكعبة.
стр. 196
واعلم أن أهل الإسكندرية ومصر إلى القيروان إلى تاهرت والسوس، والمغرب الأقصى إلى البحر الأسود، وما كان من البلاد على سمت ذلك، يستقبلون في صلاتهم من الركن الغربي إلى ميزاب الكعبة، فمن جعل إحدى هذه البلاد الأحمرة إذا طلعت بين عينيه، أو بنات نعش إذا غربت على كتفه الأيسر، وإذا طلعت على أذنه اليسرى، أو الشمال خلف أذنه اليسرى، أو ريح الصبا على جبينه الأيمن أو الشمال خلف أذنه اليسرى، أو الدبور خلفه، أو الجنوب على عينه اليمنى، فقد استقبل جهة الكعبة.
واعلم أن أهل مدينة رسول الله ﷺ وأهل الحجاز والرملة، وبيت المقدس، وفلسطين، وما كان على سمت ذلك من البلاد يستقبلون في صلاتهم ميزاب الكعبة، ولهذا نهى رسول الله ﷺ عن استقبال القبلتين بالغائط أو بالبول لأن من كان بالمدينة واستقبل الكعبة فقد استدبر صخرة بيت المقدس، وقد كانت قبلته، ومن استدبر الكعبة فقد استقبل الصخرة، وكأن في نهيه عن استدبار القبلتين نهيا عن استقبال الكعبة واستدبارها، ثم قال: ولكن شرقوا أو غربوا لتكون الكعبة عن يمينه وبيت المقدس عن شماله أو الكعبة عن شماله وبيت المقدس عن يمينه فهذا خاص لأهل المدينة وما كان على سمتهم، فمن كان في إحدى هذه البلاد فجعل بنات نعش إذا غربت خلفه، أو سهيلا إذا طلع بين عينيه، أو النسر الواقع إذا طلع على أذنه اليسرى، وإذا غرب خلف أذنه اليمنى، أو ريح الصبا على عينه اليسرى، أو الشمال خلف أذنه اليسرى، أو الدبور خلف أذنه اليمنى، أو الجنوب على حاجبه الأيمن، فقد استقبل جهة الكعبة.
واعلم أن الشمال كلها خلا الرملة، وبيت المقدس، وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من ميزاب الكعبة إلى الركن الشامي، فمن جعل في إحدى هذه البلاد بنات نعش الكبرى إذا طلعت خلف أذنه اليسرى، أو الجدي إذا علا على منكبه الأيسر، أو الهقعة إذا طلعت عن شماله، أو الصبا على صفحة خده الأيسر، أو الشمال على مرجع الكتف الأيمن، أو الدبور على أذنه اليمنى إلى ما يلي قفاه، أو الجنوب تلقاء وجهه، كان مستقبلا لجهة الكعبة.
واعلم أن أهل ملطية، وسمياط، والمرس، وأرمينيا إلى باب الأبواب، وما كان من البلاد على سمت ذلك يستقبلون في صلاتهم من الركن الشامي إلى مصلى آدم ﵇، فمن جعل في إحدى هذه البلاد، وما كان من البلاد، وعلى سمتها العيوق إذا طلع خلف أذنه اليسرى إلى قفاه، وإذا غرب على جنبه الأيمن، أو القطب على أذنه اليمنى إلى خلف قفاه، أو مشرق الشتاء على العظم الذي خلف أذنه اليسرى، أو ريح الصبا على كتفه الأيسر، أو الشمال على صفحة خده الأيمن. أو الدبور على عاتقه الأيمن أو الجنوب على عينه اليسرى، فقد استقبل جهة الكعبة.
стр. 197
ولا بد لمن أراد استعمال ما ذكرته في كتابي هذا أو العمل به من معرفة ما ذكرته من الكواكب، وهي يسيرة فيعرفها بأعيانها، وكذلك الرياح ومهابها فإنه يصل إلى بغيته ومراده إن شاء الله تعالى ... انتهى.
ووقع فيما ذكره ابن جماعة وابن سراقة ما يقتضي أن مصلى آدم ﵇ في جهة الكعبة الشرقية فيما بين بابها والركن الشامي الذي يلي الحجر، بسكون الجيم، وأن مصلى النبي ﷺ فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود، وذلك يحتاج إلى زيادة بيان رجاء معرفته، ليحصل الفوز بالصلاة فيه، وليس في كلام ابن جماعة ما يقتضي ذلك، وفي كلام ابن سراقة ما يقتضي زيادة بيان في ذلك، لأنه قال في أوائل كتابه المذكور: ومن الباب يعني باب الكعبة إلى مصلى آدم ﵇ حين فرغ من طوافه، وأنزل الله عليه التوبة وهي موضع الخلوق من أرز الكعبة: أرجح من تسعة أذرع، وهناك كان موضع مقام إبراهيم ﵇ وصلى النبي ﷺ عنده حين فرغ من طوافه ركعتين، ثم قال ابن سراقة: وبين موضع الخلوق وهي مصلى آدم ﵇ وبين الركن الشامي ثمانية أذرع ... انتهى.
وقال ابن سراقة في بيان مصلى النبي ﷺ بين الركن اليماني والحجر الأسود: وعرض جدارها -يعني الكعبة- الذي يلي اليمن، وهو فيما بين الركن اليماني والركن العراقي الذي فيه الحجر الأسود: عشرون ذراعا، وإلى وسط هذا الجدار كان مصلى النبي ﷺ قبل هجرته إلى المدينة ... انتهى.
والذراع الذي أشار إليه ابن سراقة في هو ذراع اليد، وهو ينقص عن ذراع الحديد ثمن ذراع كما سبق ذكره في حدود الحرام، وقد تحرر لي مما ذكره ابن سراقة في ذرع ما بين الركن الشامي ومصلى آدم ﵇ أن يكون مصلى آدم ظنا بقرب الحفرة المرخمة التي في وجه الكعبة، بحيث يكون من المصلى إلى الحفرة ثلاثة أذرع إلا ثلث ذراع بالحديد.
ويعرف أيضا مصلى آدم ﵇ بأن بينه وبين الحفرة المشار إليها ست رخامات من الرخام الذي هو الآن في شاذروان الكعبة إلا أربع أصابع، وتحت الرخام ثلاثة أحجار صفر إلا أن الحجر الثالث يزيد على الست الرخامات فوقه قليلا، وكان تحريري لذلك مع من يعتمد عليه من أصحابنا في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وثمانمائة، بعد أن اعتبرنا ما ذكره ابن سراقة في ذلك، فوافق لأنا ذرعنا مقدار ثمانية أذرع بالبلد، ووضعنا عند طرف ركن الكعبة الشامي، ومددناه إلى حيث انتهى من جدار الكعبة، ثم ذرعنا ذلك بذراع الحديد فجاء سبعة أذرع بتقديم السين وثمن ذراع بالحديد، فعرفنا بذلك أن موضع منتهى الثمانية أذرع باليد أو السبعة بتقديم السين والثمن
стр. 198
بالحديد موضع مصلى آدم ﵇ ظنا، وهو الموضع الذي أشرنا إليه، والله أعلم.
وحررنا في التاريخ المذكور موضع مصلى النبي ﷺ بين الركن اليماني والحجر الأسود، وعلى مقتضى ما ذكره ابن سراقة من أنه في وسط هذا الجدار، فإذا هو موضع الرخامة البيضاء المكتوب فيها: أمر بتجديد المطاف الشريف العبد الفقير الراجي عفو ربه الغفور الملك المنصور لاجين١ وبعد ذلك سطر مكشوط، وإنما كان هذا الموضع موضع مصلي النبي ﷺ في هذه الجهة على ما ذكر ابن سراقة في تحريره، لأنا ذرعنا ما بين الحجر الأسود وهذه الرخامة فوجدناه ثمانية أذرع وثمن بالحديد، وكذلك ما بين هذه الرخامة وبين الركن اليماني، فعرفنا بذلك أن هذه الرخامة وسط هذا الجدار، وأنها على مقتضى ما ذكر ابن سراقة موضع مصلى النبي ﷺ في هذه الجهة، والله أعلم. على أنى رأيت ما يدل بخلاف ما ذكره ابن سراقة في تحرير موضع مصلى آدم ﵇ في الجهة الشرقية، وهو أيضا يخالف ما ذكره ابن جمعة في ذلك، لأن الأزرقي قال فيما رويناه عنه: حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني هشام بن سليمان المخزومي عن عبد الله بن أبي سليمان المخزومي أنه قال: طاف آدم ﵇ سبعا بالبيت حين نزل، ثم صلى وجاه باب الكعبة ركعتين، ثم أتى الملتزم فقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم ما في نفسي وما عندي فاغفر لي ذنوبي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، والرضا بما قضيت علي، قال: فأوحى الله إليه: يا آدم قد دعوتني بدعوات فاستجبت لك، ولن يدعوني بها أحد من ولدك إلا كشفت غمومه وهمومه، وكففت عليه صنعته ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، وتجرت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة، وإن كان لا يريدها٢.
وروينا في "دلائل اليقين" لابن أبي الدنيا بسنده، عن عوف بن خالد قال: وجدت في بعض الكتب آن آدم ﵇ ركع إلى جانب الركن اليماني ركعتين ثم قال: اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي رضيت بما قسمت لي، فأوحى الله إليه: يا آدم إنه حق علي أن لا يلزم أحد من ذريتك هذا الدعاء إلا أعطيته ما يحب، ونجيته مما يكره، ونزعت أمل الدنيا والفقر من بين عينيه وملأت جوفه حكمة.
стр. 199
وهذا الخبران يقتضيان أن موضع مصلى آدم ﵇ موضع الشقة الثالثة من كسوة الكعبة في وجهة الباب الذي يلي الركن الشامي عند باب الحجر.
وقال بعض الناس إن الموضع الذي تاب الله فيه على آدم ﵇ دبر الكعبة عند الباب الذي فتحه ابن الزبير ﵄ من دبرها عند الركن اليماني، والقول الأول أحب إليهم وأعجب من أجل الحديث ... انتهى. وفيه دلالة لما ذكر ابن سراقة في موضع مصلى آدم ﵇ في الجهة الشرقية والله أعلم.
وللنبي مصليات أُخَر عند الكعبة في جهتها الشرقية وغيرها، يأتي التنبيه عليها في الباب السابع عشر إن شاء الله تعالى.
стр. 200
الباب التاسع:
ذكر بيان مصلى النبي في الكعبة:
أخبرني إبراهيم بن محمد المؤذن سماعا بالمسجد أن أحمد بن أبي طالب الحجار الصالحي، أخبره عن ابن اللتي وابن بهروز قالا: أنبأنا أبو الوقت السجزي قال: أنبأنا أبو الحسن الداودي قال: أنبأنا أبو محمد بن حمدويه قال: أنبأنا إبراهيم بن خزيم قال: أنبأنا عبد بن حميد قال: حدثني سليمان بن حرب قال: حدثنا ابن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ فقال: قدم رسول الله ﷺ يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة، إلى عثمان بن طلحة وأسامة وبلال- ﵃، فلما خرجوا ابتدرهم الناس، فقلت لبلال: أصلى رسول الله ﷺ في البيت؟ قال: نعم. قلت: أين؟ قال: بين العمودين المقدمين تلقاء وجهه.
أخرجه مسلم في صحيحه١ عن قتيبة بن سعيد وأبي الربيع والزهري وأبي كامل الجحدري عن حماد. فوقع لنا بدلا له عاليا بدرجة.
ووقع لنا أعلى من هذا بدرجة، من حديث إمام دار الهجرة مالك بن أنس الأصبحي، عن نافع، عن ابن عمر، أخبرني به أبو هريرة ابن الحافظ الذهبي بقراءتي عليه بغوطة دمشق في الرحلة الأولى: أن عيسى بن عبد الرحمن بن المطعم أخبرهم سماعا في الثالثة وأجازه، والقاضي تقي الدين سليمان بن حمزة الحنبلي أجازه قالا: أنبأنا ابن اللتي قال: أنبأنا أبو الوقت قال: أخبرتنا لُبنَى بنت عبد الصمد الهرثمية قالت: أنبأنا
стр. 201
عبد الرحمن بن أبي شريح قال: أنبأنا أبو القاسم البغوي قال: حدثنا مصعب قال: حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقها عليهم ومكث فيها، قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله ﷺ قال: جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاث أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى.
هذا حديث متفق عليه على صحته وثبوته من حديث مالك ﵁ ووقع لنا عاليا جدا من حديثه، وقد أوضح ابن عمر ﵁ موضع مصلى النبي ﷺ في الكعبة إيضاحا أكثر مما في هذا الحديث، لأن البخاري قال فيما روينا عنه: حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا عبد الله قال: حدثنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵁ أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حتى يدخل ويجعل الباب قبل الظهر، يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع، فيصلي بنواحي المكان الذي أخبره بلال ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى فيه، وليس على أحد بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء١.
وروينا في تاريخ الأزرقي أن معاوية ﵁ استدعى ابن عمر ﵁ وهو في الكعبة فقال: يا أبا عبد الرحمن أين صلى رسول الله ﷺ عام دخلها؟ فقال: بين العمودين المقدمين، اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة٢ ... انتهى باختصار.
ولشيخنا الحافظ الحجة أبي الفضل العراقي كلام حسن في تعيين مصلى النبي ﷺ في الكعبة، لأنه قال فيما أنبأنا بعد ذكر الأحاديث الواردة في هذا المعنى فتلخص من هذه الطرق: أن مصلى النبي ﷺ من البيت: أن الداخل من الباب يسير تلقاء وجهه حتى يدخل إلى أن يجعل بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع أو ذراعين أو ما بينهما لاختلاف الطرق فيه، قال: وينبغي أن لا يجعل بينه وبين الجدار أقل من ثلاثة أذرع، فإن كان الواقع أنهم ثلاثة فقد مصلاه، وإن كان ذراعين فقد وقع وجه المصلي وذراعاه في مكان قدمي النبي ﷺ فهذا أولى من التقدم عنه، والله أعلم.
стр. 202
ذكر قدر صلاة النبي في الكعبة في دخوله هذا
...
ذكر قدر صلاة النبي ﷺ في الكعبة في دخوله هذا:
أما قدر هذه الصلاة: فركعتان على ما رويناه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ وعن بلال من رواية ابن عمر ﵄ وعن جابر بن عبد الله ﵁، كما روينا في "شرح معاني الآثار" للطحاوي١، وعن عمر ﵁ أيضا كما روينا فيه عن عبد الرحمن بن صفوان ﵁ عن عمر ﵁ وجماعة ممن كان مع النبي ﷺ حينئذ، وعن عثمان بن طلحة ﵁ أيضا، كما رويناه فيه، وهو مقتضى حديث شيبة بن عثمان الحجبي وعبد الله بن عباس ﵄ ولا يثبت عنه، وعبد الرحمن بن صفوان القرشي، وعثمان بن طلحة الحجبي، وعمر بن الخطاب أمير المؤمنين كما سيأتي مبينا في الترجمة التي بعد هذه الترجمة، ونشير هنا لحديث ابن عمر، وبلال ﵄ لموجب اقتضى ذلك.
فأما الحديث المروي عن ابن عمر ﵄ في ذلك من غير ذكر بلال فيه، فإنا رويناه في مسند أحمد بن حنبل؛ لأن عبد الله بن أحمد بن حنبل٢ قال في مسند أبيه وجدت في كتاب أبي: حدثنا يزيد قال: أنبأنا شعبة عن سماك يعني الحنفي قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول صلى رسول الله ﷺ في الكعبة ركعتين.
وأما الحديث الذي رويناه عن بلال ﵁ في ذلك من رواية ابن عمر ﵄ ففي صحيح البخاري، لأنه قال في كتاب الصلاة: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن سيف قال: سمعت مجاهدا قال: أتى ابن عمر ﵄ فقيل له: هذا رسول الله ﷺ دخل الكعبة، فقال ابن عمر: فأقبلت والنبي ﷺ قد خرج، فوجدت بلالا قائما بين الناس فسألت بلالا فقلت: هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ فقال: نعم، ركعتين بين الساريتين اللتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين.
وأخرجه النسائي أيضا فقال: أخبرنا سليمان قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سيف بن سليمان ... فذكره.
وروينا ذلك في سنن النسائي أيضا من رواية السائب بن عمر، عن ابن مليكة، عن ابن عمر ﵄، أنه سأل بلالا ﵁: هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ فقال: نعم، ركعتين بين الساريتين.
وروينا ذلك في "سنن الدارقطني" من رواية زهير بن معاوية عن ابن الزبير عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر ﵄ في حديث ابن الزبير، فسألت بلالا ﵁ فأخبرنا أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين.
стр. 203
وروينا في الصحيحين ما يقتضي أن ابن عمر ﵄ نسي أن يسأل بلالا عن قدر صلاة النبي ﷺ في الكعبة، وذلك من جملة حديث أخرجه البخاري عن شريح بن النعمان، عن فليج عن نافع عن ابن عمر، ﵄.
وأخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد وأبي الربيع والزهري وأبي كامل الجحدري كلهم، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع عن ابن عمر، ﵄.
وروينا ذلك أيضا في سنن ابن ماجه، وفي رواية ابن ماجة: ثم لمت نفسي أن لا أكون سألته يعني بلالا كم صلى رسول الله ﷺ .
فتكون هذه الأحاديث معارضة للأحاديث التي تقتضي أن ابن عمر ﵄ سأل بلالا ﵁ عن قدر صلاة النبي ﷺ هذه. وقد سبق ذكر هذه الأحاديث.
وذكر شيخنا العراقي في الجمع بين هذه الأحاديث ثلاثة احتمالات، واستبعد منها اثنين وسكت عن الثالث وهو على ما قال فما أنبأني به، ويحتمل أن ابن عمر وإن كان سمع من بلال أنه صلى ركعتين لم يكتف بذلك في أنه لم يصل غيرهما، لأن من صلى أربعا أو أكثر يصدق عليه أنه صلى ركعتين، على القول بأن مفهوم العدد ليس بحجة كم هو المرجح في الأصول فلعل الذي نسي أن يسأل عنه بلالا ﵁ في أنه هل زاد على الركعتين شيئا أم لا؟ والله أعلم.
стр. 204
ذكر من روى صلاة النبي ﷺ في الكعبة يوم فتح مكة من الصحابة ومن نقلها منهم، ﵃:
روى هذه الصلاة بلال، وجابر بن عبد الله، وشيبة بن عثمان الحجبي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس على ما قيل وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن صفوان القرشي، وعثمان بن طلحة الحجبي، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعائشة.
ونفاها أسامة على المعروف عنه والفضل بن عباس وأخوه عبد الله بن عباس على ما صح عنه وليس في حديث أكثر الصحابة المثبتين لهذه الصلاة والنافين لها في أن ذلك وقع في يوم فتح مكة، وإنما ذلك مبين في حديث ابن عمر ﵄ السابق، وحديث جابر ﵁ كما سيأتي إن شاء الله تعالى وغيره، فيحمل على ذلك حديث من لم يقع في حديثه بيان زمن الصلاة المشار إليه، لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضا، والمجمل منها يرد إلى المبين، وقد أشار إلى ذلك النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم، ولما تكلم على قوله في حديث ابن عمر رضي
стр. 205
الله عنهما: قدم رسول الله ﷺ يوم الفتح ونزل بفناء الكعبة. هذا دليل على أن المذكور في أحاديث الباب من دخوله ﷺ الكعبة وصلاته فيه كان يوم الفتح، وهذا لا خلاف فيه، ولم يكن يوم حجة الوداع ... انتهى.
ويتأيد ذلك بما رويناه في تاريخ الأزرقي قال: حدثني جدي قال: سمعت سفيان يعني ابن عيينة يقول: سمعت غير واحد من أهل العلم يذكرون أن رسول الله ﷺ ، إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح ثم حج ولم يدخلها١ ... انتهى.
وإذا تقرر ذلك فنشير إلى شيء من أحاديث الصحابة المشار إليهم ﵃.
فأما حديث بلال ﵁: فرويناه في شرح معاني الآثار" للطحاوي قال: حدثنا فهد قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، عن مغيرة بن مسلم، عن ابن الزبير، عن جابر ﵁ قال: دخل النبي البيت يوم الفتح فصلى فيه ركعتين.
وأما حديث شيبة: فرويناه في "معجم ابن قانع" ولفظه: حدثنا خليد بن محمد، حدثنا القواريري: حدثنا محمد بن حمدان، وحدثنا أبو بشر، عن مسافع بن شيبة، عن أبيه قال: دخل النبي ﷺ الكعبة فصلى فيها ركعتين ورأى فيها تصاوير فقال: "يا شيبة اكفني هذا"، فاشتد ذلك على شيبة فقال له رجل: اطله بزعفران، ففعل.
وسيأتي إن شاء الله تعالى لشيبة في الباب الذي بعده حديث آخر في المعنى.
ورويناه أيضا في "شرح الآثار" للطحاوي٢ ونصه: حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم، عن هرمز، عن عبد الرحمن بن الزجاج، قال: أتيت شيبة بن عثمان فقلت: يا أبا عثمان إن ابن عباس يقول: إن رسول الله ﷺ دخل الكعبة فلم يصل، قال: بلى، صلى ركعتين عند العمودين المقدمين، ألزق بهما ظهره.
وحدثنا فهد قال: حدثنا محمد بن سعيد، أخبرنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الله بن مسلم، فذكره.
وأما حديث ابن الزبير ﵁ فرويناه في مسند أحمد بن حنبل، ولفظه: حدثنا عثمان قال: حدثنا حماد عن عبد الله بن أبي مليكة قال: إن معاوية قدم إلى مكة فدخل الكعبة، فبعث إلى ابن عمر يسأله أين صلى النبي ﷺ ؟ فقال: صلى بين
стр. 206
الساريتين بحيال الباب، فجاء ابن الزبير فرج الباب رجا شديدا ففتح له، فقال لمعاوية: أما أنك قد علمت أني كنت أعلم مثل الذي تعلم ولكنك حسدتني.
وأما حدث ابن عباس: فرويناه في "سنن الدارقطني" ولفظه: حدثنا الحسين بن إسماعيل قال: حدثنا عيسى بن أبي حرب الصفار قال: حدثني يحيى بن أبي بكير، عن عبد الغفار بن القاسم قال: حدثني حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: دخل رسول الله ﷺ البيت فصلى بين الساريتين ركعتين، ثم دخل مرة أخرى، وقام فيه يدعو، ثم خرج ولم يصل.
وكتب الدارقطني على حاشية هذا الحديث: عبد الغفار ضعيف ... انتهى.
وروينا هذا الحديث في "معجم الطبراني الكبير" وفي إسناد أبو مريم، روي عن صغار التابعين، وبقية رجاله وثقوا، وفي بعضهم كلام.
وروينا عن ابن عباس ﵄ ما يدل لذلك أيضا في مسند بلال للحسن بن محمد الصباح الزغفراني، ولفظه: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا عبد الله المؤمل قال: سمعت ابن أبي مليكة يحدث عن ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ في الكعبة. وكان بلال والفضل على الباب، فقال بلال: سجد، وقال الفضل: إنما كان يركع.
وأما حديث عبد الله بن عمر: من غير ذكر بلال ﵃: فأخبرني به الحافظ أبو أحمد بن الحسين الحاكم إجازة- إن لم يكن سماعا- قال: أخبرنا به محمد بن أزبك البدري بقراءتي عليه بظاهر دمشق في الرحلة الثالثة قال: أنبأنا محمد بن عبد المؤمن الصوري قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن قدامة، قال أنبأنا أحمد بن المقرب الكرخي، ونفيسة بنت أبي غلب البزار قالا: أنبأها طراد بن محمد القرشي قال: أنبأنا أحد بن محمد بن أحمد بن حسنون النرسي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن البحتري قال: حدثنا أحمد بن عبيد الجشمي قال: حدثنا غارم أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد بن عمرو بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ في جوف البيت. هكذا رواه، عن غارم، عن حماد، وخالفه قتيبة، لأنه رواه عن حماد فزاد في إسناده بلالا، ورواية قتيبة أخرجها الترمذي عنه، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وقال الطحاوي في "شرح معاني الآثار"١: حدثنا أبو مرزوق قال: حدثنا وهب هو ابن جرير قال: حدثنا شعيب، عن سماك الحنفي قال: سمعت ابن عمر يقول: صلى رسول الله ﷺ في البيت، وسيأتي من ينهاك فلا تسمع قوله يعني ابن عباس....
стр. 207
وقال أيضا: حدثنا فهد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا مسعر، عن سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عباس يقول: لا تجعل سائر البيت خلفك وائتم به جميعا.
وسمعت ابن عمر يقول: صلى رسول الله ﷺ فيه.
وأما حديث عبد الرحمن بن صفوان: فرويناه في "معجم الطبراني الكبير" ولفظه قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل البيت قال: صلى ركعتين بين الأسطوانتين عن يمين البيت. ورجال الطبراني رجال الصحيح على ما ذكر شيخنا أبو الحسن الحافظ.
ورويناه في "مسند البزار"، ولفظه قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة قلت: لألبسن ثيابي- وكانت داري على الطريق، فذكر الحديث إلى أن قال: فلما خرج رسول الله ﷺ سألت من كان معه: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: ركعتين عند السارية الوسطى عن يمينها.
ورويناه في "سنن أبي داود السجستاني".
ورويناه عن شيوخه عن جماعة لم يسموه في "شرح معاني الآثار للطحاوي قال: حدثنا ربيع الحبري قال: حدثنا عبد الله بن الحميدي قال: حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان عن يزيد بن أبي الزناد، عن مجاهد، عن ابن صفوان أو عبد الله بن صفوان قال: سمعت أن رسول الله ﷺ يوم الفتح قد قدم، فجمعت علي ثيابي، فوجدته قد خرج من البيت، فقلت: أين صلى رسول الله ﷺ من البيت؟ قالوا: تجاهك، قلت: كم صلى؟ قالوا: ركعتين.
وأما حديث عثمان بن طلخة: فهو في "صحيح مسلم" على الشك، لأنه روى بسنده إلى ابن عمر قصة دخول النبي ﷺ الكعبة، ثم قال: فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة أن رسول الله ﷺ صلى في جوف الكعبة.
ووقع في بعض نسخ مسلم على ما قال النووي بلال وعثمان بن طلحة، ويعضد ذلك رواية في مسلم يأتي ذكرها ولكن فيها علة، وهي أن بعض رواتها نسب فيها إلى الوهم.
وروينا حديث عثمان بن طلحة في المعنى من غير شك في مسند أحمد بن حنبل، ولفظ حديثه: أن النبي ﷺ صلى في البيت وجاهك حين تدخل بين الساريتين. ورجال أحمد رجال الصحيح.
ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" أيضا.
ورويناه أيضا في "معجم ابن قانع" ولفظه: حدثنا محمد بن يونس قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عثمان بن طلحة قال: إن رسول الله ﷺ صلى في البيت بين الساريتين.
стр. 208
ورويناه أيضا في "شرح معاني الآثار للطحاوي، ونصه: حدثنا علي بن عبد الرحمن، حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أنبأنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عثمان بن طلحة قال: إن رسول الله ﷺ دخل البيت فصلى فيه ركعتين وجاهك بين الساريتين.
وحسن شيخنا أبو الفضل الحافظ الحديث الذي من رواية ابن قانع.
وأما حديث عمر بن الخطاب ﵃ فرويناه في "سنن أبي داود السجستاني" ولفظه: حدثنا زهير بن حرب قال: حدثني عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن صفوان قال: قلت لعمر بن الخطاب، كيف صنع رسول الله حين دخل الكعبة قال: صلى ركعتين١.
ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" فقال: حدثنا معلى بن شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أنبأنا جرير فذكره بلفظه، إلا أنه قال: قال ابن أبي الزناد ولم يقل الخطاب، وقال أيضا: حدثنا ابن أبي داود، حدثنا أبو الوليد، حدثنا جرير بن عبد الحميد، فذكره بإسناده مثله، غير أنه قال: عبد الله بن صفوان٢.
وأما حديث أبي هريرة: فرويناه في "مسند البزار" ولفظه قال: لما كان يوم الفتح بعث رسول الله ﷺ إلى أم عثمان بن طلحة أن ابعثي بالمفتاح أي مفتاح الكعبة فقالت: لا، والله والعزى لا أبعث به إليك، فقال قائل: ابعث إليها قسرًا، فقال ابنها عثمان: يا رسول الله إنها حديثة عهد بكفر فابعثني إليها حتى آتيك به، قال: فذهب، فقال: يا أمتاه إنه قد جاء أمر غير الذي كان، وإنه إن لم تعط المفتاح قتلت، قال: فأخرجته فدفعته إليه، فجاء به يسعى، فلما دنا من النبي ﷺ فابتدر المفتاح بين يديه، فقام النبي ﷺ فجئنا عليه بثوبه فأخذه، ثم جاء إلى الباب -أحسبه قال: ففتحه ثم قام عند أركان البيت وأرجائه يدعو، ثم صلى ركعتين بين الأسطوانتين. في إسناد هذا الحديث في "مسند البزار" زيد بن عوف وهو ضعيف.
وأما حديث عائشة ﵂ فرويناه في "سنن البيهقي" ولفظه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد بن الجبار بن مالك اللخمي بتنيس قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة التنيسي: حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، أن عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها.
стр. 209
وأخرج هذا الحديث الحاكم في "المستدرك" بهذا الإسناد، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه١.
وأما حديث أسامة: الموافق لهم في إثبات الصلاة فرويناه في "شرح معاني الآثار" للطحاوي أيضا قال: حدثنا حسين بن نصر قال: حدثنا ابن شريح قال: أخبرني محمد بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن قال: كنت مع أبي فلقيت عبد الله بن عمر فسأله أبي وأنا أسمع: أين صلى رسول الله ﷺ حين دخل البيت؟ فقال ابن عمر: دخل النبي ﷺ بين أسامة وبلال، فلما خرجا سألتهما أين صلى؟ يعنى رسول الله ﷺ فقال: على جهته.
حدثنا ابن خزيمة، حدثنا أحمد بن أشكاب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة، عن أبي الشعثاء، عن ابن عمر، قال: رأيته دخل البيت حتى إذا كان بن الساريتين مضى حتى لزق بالحائط، فقام فصلى، فجئت فقمت إلى جنبه، فصلى أربعا فقلت: أخبرني أين صلى رسول الله ﷺ من البيت؟ فقال: ههنا، أخبرني أسامة أن رسول الله ﷺ صلى٢.
فهذه أحاديث الصحابة المثبتين لصلاة النبي ﷺ في الكعبة.
وأما أحاديث الذين نفوها: حديث أسامة منها رويناه في "سنن النسائي" ولفظه: أخبرنا حاجب بن سليمان المنبجي، عن عبد المجيد بن أبي رواد، حدثنا ابن جريج، عن عطاء٣، عن أسامة بن زيد قال: دخل رسول الله ﷺ الكعبة فسبح في نواحيها وكبر ولم يصل، ثم خرج فصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: هذه القبلة.
ورويناه في "صحيح" من رواية عطاء عن عبد الله بن عباس عن أسامة.
وأما حديث الفضل بن عباس ﵄ في نفي الصلاة: فرويناه في كتاب "الطبقات" لمحمد بن سعد كاتب الواقدي ولفظه: حدثنا موسى بن داود، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن الفضل قال: إن النبي ﷺ دخل البيت فكان يسبح ويكبر ويدعو ولا يركع.
قال شيخنا أبو الفضل الحافظ بعد إخراجه لهذا الحديث من هذا الطريق: ورجاله رجال مسلم، إلا أن موسى بن داود الصيتي قاضي طرطوش تكلم فيه، وقد قيل: إنه تفرد عن حماد بن سلمة. وأخرجه أيضا شيخنا أبو الفضل الحافظ من معجم ابن قانع ثم قال بعد إخراجه له من طريقه: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
стр. 210
ورويناه في "مسند أحمد بن حنبل" ولفظه" عن ابن عباس ﵁ قال: إن الفضل بن عباس أخبر أنه دخل مع النبي ﷺ وأن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة ولكنه لما خرج نزل فركع ركعتين عند باب البيت.
ورواه الطبراني بمعناه في "الكبير"، ورجاله رجال أحمد، ورجال الصحيح.
وأما حديث عبد الله بن عباس ﵄ في نفي الصلاة من غير إسناده ذلك إلى أسامة وأخيه الفضل: فرويناه في صحيحي البخاري ومسلم، أما البخاري: فأخرجه عن إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها.
والمشهور عن عبد الرزاق بهذا الإسناد عن ابن عباس عن أسامة، وكذا رواه النسائي وغيره.
وأما مسلم: فقال: أخبرنا شيبان بن فروخ قال: حدثنا همام قال: حدثنا عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ دخل الكعبة وفيها ست سوار، فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل.
стр. 211
ذكر ترجيح رواية من أثبت صلاة النبي ﷺ في الكعبة على رواية من نفاها، وما قيل في الجمع بين ذلك:
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: رواية ابن عمر عن بلال: أن النبي ﷺ صلى في الكعبة أولى من رواية ابن عباس عن أسامة أنه لم يصل، لأنها زيادة مقبولة، وليس قول من قال من لم يفعل بشهادة إلى آخر كلامه.
وقال السهيلي في "الروض الأنف" وأما دخوله ﷺ الكعبة وصلاته فيها فحديث بلال أنه صلى فيها، وحديث ابن عباس أنه لم يصل فيها وأخذ الناس بحديث بلال، لأنه أثبت الصلاة، وابن عباس نفاها، وإنما يؤخذ بشهادة المثبت لا بشهادة النافي، ومن تأول قول بلال ﵁ أنه صلى أي دعا فليس بشيء، لأن في حديث ابن عمر ﵄ أنه صلى فيها ركعتين، ولكن رواية ابن عباس، ورواية بلال، صحيحتان، لأنه ﵊ دخلها يوم النحر فلم يصل، ودخلها من الغد فصلى فيها، وذلك في حجة الوداع، وهو حديث مروي عن ابن عمر بإسناد حسن أخرجه الدارقطني وهو من فوائده١ ... انتهى.
وقال الشيخ محيي الدين النووي: أجمع أهل الحديث علي الأخذ برواية بلال ﵁ لأنه مثبت، فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه قال: وأما نفي أسامة
стр. 212
رضي الله عنه فيشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء، فرأى: أسامة النبي ﷺ يدعو، ثم اشتغل أسامة في ناحية من نواحي البيت والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي ﷺ فرآه بلال ﵁ لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء، وكانت صلاته خفيفة فلم يرها أسامة لإغلاق الباب، مع بعده واشتغاله بالدعاء وجائز له نفيها عملا بظنه، وأما بلال فتحققها وأخبر بها، والله أعلم ... انتهى من شرح مسلم.
وقال في "المجموع" وهو "شرح المهذب": قال العلماء: الأخذ برواية بلال ﵁ في إثبات الصلاة أولى لأنه مثبت وقدم على النافي، فإن بلالا ﵁ كان قريبا من النبي ﷺ حين صلى معه، وراقبه في ذلك فرآه يصلي، وكان أسامة ﵁ متباعدا مشتغلا بالدعاء والباب مغلق ولم ير الصلاة، فوجب الأخذ برواية بلال ﵁، لأنه معه زيادة علم ... انتهى.
وقال المحب الطبري: وقد اختلف بلال وأسامة ﵄ في صلاة النبي ﷺ في البيت، وحكم العلماء بترجيح حديث بلال، لأنه أثبت، وضبط ما لم يضبطه أسامة ﵁ والمثبت مقدم على النافي، ثم قال: ويحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته.
وقد روى ابن المنذر عن أسامة ﵁ قال: إن النبي ﷺ رأي صورا في الكعبة، فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به الصور.
فأخبر أنه كان خرج لنقل الماء، وكان ذلك في يوم الفتح، وصلاته ﷺ في الكعبة إنما كانت يوم الفتح لا في حجة الوداع. وقال أبو حاتم بن حبان: والأشبه عندي أن يحتمل الخبران على دخولين متغايرين أحدهما: يوم الفتح وصلى فيه. والآخر: في حجة الوداع ولم يصل فيه من غير أن يكون بينهما تضاد ... انتهى.
وقال القاضي عز الدين بن جماعة في هذا المعنى فيما أخبرني به خالي عنه: قال يعني أحمد بن حنبل حدثنا هشيم، قال: أنبأنا عبد الملك، عن عطاء، قال: قال أسامة بن زيد ﵄ دخلت مع رسول الله ﷺ البيت فجلس فحمد الله وأثنى عليه، وكبر، وهلل، وخرج ولم يصل، ثم دخلت معه في اليوم الثاني، فقام ودعا، ثم صلى ركعتين، ثم خرج فصلى ركعتين خارجا من البيت مستقبل وجه الكعبة، ثم انصرف وقال: هذه القبلة.
وكذلك رواه أحمد بن منيع في مسنده، والدارقطني وغيرهم، وهو كلام شاف كاف في الجمع بين الأحاديث، فنحمد الله على التوفيق للجمع به، فإن ذلك من أجلّ الفوائد.
стр. 213
فإن بعض كبار العلماء قال: يحتمل أن يكون أسامة ﵁ غاب عنه ﷺ بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته.
ثم قال ابن جماعة بعد أن ذكر كلاما للنووي في "المجموع" في الجمع بين حديث بلال وأسامة سبق ذكرنا له: وهذا يحتاج إلى نقل ولم أقف عليه، ولا ضرورة تعدو إليه، والله أعلم.
ثم قال بعد أن ذكر كلام ابن حبان السابق في الجمع بين اختلاف بلال وأسامة ﵂ وكلامه وكلام الشيخ محيي الدين يعني النووي ومن نقل عنهم يدل على أنهم لم يطلعوا على ما جمعنا به ... انتهى.
وقال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" فإن كان هذا الباب يؤخذ من طريق تصحيح تواتر الأخبار فإن الأخبار قد تواترت أن رسول الله ﷺ قد صلى في الكعبة ما لم يتواتر بمثله أنه لم يصل، وإن كان يؤخذ بأن أسامة بن زيد الذي حكى عنه ابن عباس أن رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة خرج منها ولم يصل، فقد روى عنه ابن عمر، عن أسامة، فذلك أولى مما تفرد به ابن عباس عن أسامة، وقال الطحاوي أيضا: فكان ينبغي لما تضادت الروايات عن أسامة وتكافأت أن يرفع، ويثبت ما روي عن بلال إذا كان لم يختلف عنه في ذلك.
هذا ما رأيته للناس من ترجيح حديث بلال ﵁ في إثبات صلاة النبي ﷺ في الكعبة على حديث من خالفه في ذلك، وما قيل في الجمع بين هذا الاختلاف وما ذكروه من الترجيح يتجه، ومما لعله أن يكون مرجحا لذلك أيضا من حيث المعنى على ما ظهر لي: أن الكعبة المعظمة كالمسجد الحرام في استحباب التحية لمن دخلها، والتحية للمسجد الحرام كالطواف لمريده والصلاة فيه، والطواف بالكعبة من داخلها غير مشروع، فلم يتبق لنا تحية إلا الصلاة فيها، كتحية سائر المساجد، فكيف يدخلها النبي ﷺ ولا يصلي فيها مع بعد عهده من دخولها، فإنه من حين هاجر إلى المدينة لم يدخلها، وبين هجرته ودخوله هذا ثماني سنين، ومع طول مكثه ﷺ في الكعبة في دخوله هذا، فإن في مسلم من حديث ابن عمر ﵁ في قصة دخول النبي ﷺ ومن معه أنهم لبثوا في البيت مليا قال النووي: أي طويلا.
وفي البخاري عن ابن عمر ﵄ من رواية نافع: أن النبي ﷺ مكث نهارا طويل في الكعبة حين دخلها يوم الفتح، وطول المكث بمكان يستدعي الجلوس فيه غالبا، ويبعد كل البعد أن النبي ﷺ لم يجلس في الكعبة في دخوله هذا، أو أن يجلس فيها بغير صلاة، وقد نهى ﷺ فيما صح عنه الداخل إلى المسجد عن الجلوس فيه.
стр. 214
من غير صلاة، وما يؤيد كونه ﷺ صلى في الكعبة في دخوله هذا: إغلاق الباب عليه فيها كما في الصحيحين١ وغيرهما من حديث ابن عمر ﵄ للحكمة التي ذكرها العلماء في إغلاق الباب في دخوله هذا، وهي لئلا يكثر الناس عليه، فلا يتمكن من الصلاة في الكعبة على ما يريد ﷺ وقيل: الحكمة في ذلك ليصلي ﷺ إلى كل جهة من الكعبة، فإن الباب إذا كان مفتوحا وليس أمامه قدر مؤخرة الرحل لم تصح الصلاة إليه لعدم استقبال شيء من الكعبة، وذكر هذين القولين المحب الطبري في "القرى" واستظهر القول الأول، وذكر أنه يتأيد بكون النبي ﷺ لم يصل في الكعبة أكثر من ركعتين على ما صح عنه.
وأما الأوجه التي نقلناها عن العلماء في الجمع بين اختلاف خبر بلال، وأسامه، وابن عباس ﵃ في صلاة النبي ﷺ فإن أقربها إلى الصواب ما قيل إن النبي ﷺ صلى في الكعبة لما غاب عنه أسامة ليأتيه بماء يمحو به الصور التي رآها في الكعبة، فرأى ذلك بلال ﵁ فأثبت الصلاة، ولم يره أسامة فنفاها، وإنما كان هذا الوجه أقرب إلى الصواب من الوجوه الأخر لقيام الدليل على ما يؤيده، وهو الحديث الذي رويناه في "مسند أبي داود الطيالسي" ولفظه: حدثنا ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران قال: حدثني عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة، ورأى صورا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فجعل يمحوها ويقول: "قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون".
قلت: رجال هذا الحديث ثقات، فإن ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن الإمام المشهور، وشيخه عبد الرحمن بن مهران وثقه النسائي، وابن سعد، وابن حبان، وشيخه عمير روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ويتأيد هذا الحديث بالحديث الذي رواه ابن المنذر في هذا المعنى ولم أر سنده فيه، والله أعلم.
وأما الوجه الذي ذكره النووي في الجمع بين الاختلاف في صلاة النبي ﷺ في الكعبة، فإنه وإن جاز وقوعه، ففيه بعد، لأن النبي ﷺ لما دخل الكعبة هو وأسامة، وبلال ﵄ ومن دخل معه، إما أن يكون اشتغل بعد دخوله بالصلاة فيه
стр. 215
قبل اشتغاله بغيرها مما صنعه في الكعبة، أو بدأ قبل الصلاة بالذكر والدعاء ونحو ذلك مما صنعه في الكعبة، فإن كان الأول: فكيف يخفى على أسامة ﵁؟ وإن كان الثاني وهو مقتضى كلام النووي فالحال يقتضي أن أسامة ﵁ يلزم النبي ﷺ ليقتدي به فيما يسمعه من دعواته الخيرية الجامعة النافعة، وحسن ثنائه على الله تعالى، وأن لا ينفرد عنه بمكان في الكعبة يدعو فيه ويذكر حتى لا يعلم ما يصنع النبي ﷺ والله أعلم.
وأما الوجه الذي ذكره ابن حبان في الجمع بين الاختلاف في صلاة النبي ﷺ في الكعبة فإن فيه نظرا، لأن النبي ﷺ دخل الكعبة يوم فتح مكة، ودخل معه يومئذ أسامة، وبلال، وعثمان بن طلحة والفضل بن عباس ﵃، على خلاف في الفضل، وحديث دخول الفضل معهم في مسند أحمد بن حنبل وسنن النسائي.
ولفظ أحمد: حدثنا هشيم قال: أنبأنا غير واحد، وابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ البيت ومعه الفضل بن العباس وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال.... الحديث.
وإسناد هذا الحديث صحيح، ولكن في صحيح مسلم ما يخالفه، على ما سيأتي بيانه.
وثبت من حديث ابن عمر ﵄ أن بلالا ﵁ أثبت صلاة النبي ﷺ في الكعبة لما دخلها يوم فتح مكة، وثبت من حديث أسامة والفضل ﵄ نفي صلاة النبي ﷺ في الكعبة، وليس في حديثهما التصريح بالزمن الذي نفيا فيه الصلاة، في حجة الوداع، لما قال ابن حبان، والأول أشبه بالصواب، لأنه إذا دار الأمر بين حمل حديثهما من نفي الصلاة على زمن ثبت دخولهما فيه إلى الكعبة، وبين حمل ذلك على زمن لم يثبت لهما فيه دخوله، فحمله على الزمن الذي ثبت دخولهما فيه أولى، وفي حمله على الوجه الذي ذكره ابن حبان إشكال، لأن ذلك يستلزم دخول النبي ﷺ الكعبة في حجة الوداع، ودخول أسامة ﵁ ومن نفى معه صلاة النبي ﷺ في الكعبة، ولم يرد خبر يشعر بذلك، فكيف يحمل على ذلك حديث من نفى الصلاة في الكعبة كما قال ابن حبان.
ولا يعارض ذلك حديث عائشة ﵂ لدخول النبي ﷺ الكعبة في حجة الوداع. ولفظه: قالت: خرج النبي ﷺ من عندي وهو قرير العين طيب النفس فرجع إلى وهو حزين، فقلت له: فقال: "إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن دخلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي". لأن في إسناد هذه الحديث من نسب إلى