← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذكر ترجيح رواية من أثبت صلاة النبي ﷺ في الكعبة على رواية من نفاها، وما قيل في الجمع بين ذلك: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: رواية ابن عمر عن بلال: أن النبي ﷺ صلى في الكعبة أولى من رواية ابن عباس عن أسامة أنه لم يصل، لأنها زيادة مقبولة، وليس قول من قال من لم يفعل بشهادة إلى آخر كلامه. وقال السهيلي في "الروض الأنف" وأما دخوله ﷺ الكعبة وصلاته فيها فحديث بلال أنه صلى فيها، وحديث ابن عباس أنه لم يصل فيها وأخذ الناس بحديث بلال، لأنه أثبت الصلاة، وابن عباس نفاها، وإنما يؤخذ بشهادة المثبت لا بشهادة النافي، ومن تأول قول بلال ﵁ أنه صلى أي دعا فليس بشيء، لأن في حديث ابن عمر ﵄ أنه صلى فيها ركعتين، ولكن رواية ابن عباس، ورواية بلال، صحيحتان، لأنه ﵊ دخلها يوم النحر فلم يصل، ودخلها من الغد فصلى فيها، وذلك في حجة الوداع، وهو حديث مروي عن ابن عمر بإسناد حسن أخرجه الدارقطني وهو من فوائده١ ... انتهى. وقال الشيخ محيي الدين النووي: أجمع أهل الحديث علي الأخذ برواية بلال ﵁ لأنه مثبت، فمعه زيادة علم، فوجب ترجيحه قال: وأما نفي أسامة

стр. 212

رضي الله عنه فيشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء، فرأى: أسامة النبي ﷺ يدعو، ثم اشتغل أسامة في ناحية من نواحي البيت والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي ﷺ فرآه بلال ﵁ لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء، وكانت صلاته خفيفة فلم يرها أسامة لإغلاق الباب، مع بعده واشتغاله بالدعاء وجائز له نفيها عملا بظنه، وأما بلال فتحققها وأخبر بها، والله أعلم ... انتهى من شرح مسلم. وقال في "المجموع" وهو "شرح المهذب": قال العلماء: الأخذ برواية بلال ﵁ في إثبات الصلاة أولى لأنه مثبت وقدم على النافي، فإن بلالا ﵁ كان قريبا من النبي ﷺ حين صلى معه، وراقبه في ذلك فرآه يصلي، وكان أسامة ﵁ متباعدا مشتغلا بالدعاء والباب مغلق ولم ير الصلاة، فوجب الأخذ برواية بلال ﵁، لأنه معه زيادة علم ... انتهى. وقال المحب الطبري: وقد اختلف بلال وأسامة ﵄ في صلاة النبي ﷺ في البيت، وحكم العلماء بترجيح حديث بلال، لأنه أثبت، وضبط ما لم يضبطه أسامة ﵁ والمثبت مقدم على النافي، ثم قال: ويحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته. وقد روى ابن المنذر عن أسامة ﵁ قال: إن النبي ﷺ رأي صورا في الكعبة، فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به الصور. فأخبر أنه كان خرج لنقل الماء، وكان ذلك في يوم الفتح، وصلاته ﷺ في الكعبة إنما كانت يوم الفتح لا في حجة الوداع. وقال أبو حاتم بن حبان: والأشبه عندي أن يحتمل الخبران على دخولين متغايرين أحدهما: يوم الفتح وصلى فيه. والآخر: في حجة الوداع ولم يصل فيه من غير أن يكون بينهما تضاد ... انتهى. وقال القاضي عز الدين بن جماعة في هذا المعنى فيما أخبرني به خالي عنه: قال يعني أحمد بن حنبل حدثنا هشيم، قال: أنبأنا عبد الملك، عن عطاء، قال: قال أسامة بن زيد ﵄ دخلت مع رسول الله ﷺ البيت فجلس فحمد الله وأثنى عليه، وكبر، وهلل، وخرج ولم يصل، ثم دخلت معه في اليوم الثاني، فقام ودعا، ثم صلى ركعتين، ثم خرج فصلى ركعتين خارجا من البيت مستقبل وجه الكعبة، ثم انصرف وقال: هذه القبلة. وكذلك رواه أحمد بن منيع في مسنده، والدارقطني وغيرهم، وهو كلام شاف كاف في الجمع بين الأحاديث، فنحمد الله على التوفيق للجمع به، فإن ذلك من أجلّ الفوائد.

стр. 213

فإن بعض كبار العلماء قال: يحتمل أن يكون أسامة ﵁ غاب عنه ﷺ بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته. ثم قال ابن جماعة بعد أن ذكر كلاما للنووي في "المجموع" في الجمع بين حديث بلال وأسامة سبق ذكرنا له: وهذا يحتاج إلى نقل ولم أقف عليه، ولا ضرورة تعدو إليه، والله أعلم. ثم قال بعد أن ذكر كلام ابن حبان السابق في الجمع بين اختلاف بلال وأسامة ﵂ وكلامه وكلام الشيخ محيي الدين يعني النووي ومن نقل عنهم يدل على أنهم لم يطلعوا على ما جمعنا به ... انتهى. وقال الطحاوي في "شرح معاني الآثار" فإن كان هذا الباب يؤخذ من طريق تصحيح تواتر الأخبار فإن الأخبار قد تواترت أن رسول الله ﷺ قد صلى في الكعبة ما لم يتواتر بمثله أنه لم يصل، وإن كان يؤخذ بأن أسامة بن زيد الذي حكى عنه ابن عباس أن رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة خرج منها ولم يصل، فقد روى عنه ابن عمر، عن أسامة، فذلك أولى مما تفرد به ابن عباس عن أسامة، وقال الطحاوي أيضا: فكان ينبغي لما تضادت الروايات عن أسامة وتكافأت أن يرفع، ويثبت ما روي عن بلال إذا كان لم يختلف عنه في ذلك. هذا ما رأيته للناس من ترجيح حديث بلال ﵁ في إثبات صلاة النبي ﷺ في الكعبة على حديث من خالفه في ذلك، وما قيل في الجمع بين هذا الاختلاف وما ذكروه من الترجيح يتجه، ومما لعله أن يكون مرجحا لذلك أيضا من حيث المعنى على ما ظهر لي: أن الكعبة المعظمة كالمسجد الحرام في استحباب التحية لمن دخلها، والتحية للمسجد الحرام كالطواف لمريده والصلاة فيه، والطواف بالكعبة من داخلها غير مشروع، فلم يتبق لنا تحية إلا الصلاة فيها، كتحية سائر المساجد، فكيف يدخلها النبي ﷺ ولا يصلي فيها مع بعد عهده من دخولها، فإنه من حين هاجر إلى المدينة لم يدخلها، وبين هجرته ودخوله هذا ثماني سنين، ومع طول مكثه ﷺ في الكعبة في دخوله هذا، فإن في مسلم من حديث ابن عمر ﵁ في قصة دخول النبي ﷺ ومن معه أنهم لبثوا في البيت مليا قال النووي: أي طويلا. وفي البخاري عن ابن عمر ﵄ من رواية نافع: أن النبي ﷺ مكث نهارا طويل في الكعبة حين دخلها يوم الفتح، وطول المكث بمكان يستدعي الجلوس فيه غالبا، ويبعد كل البعد أن النبي ﷺ لم يجلس في الكعبة في دخوله هذا، أو أن يجلس فيها بغير صلاة، وقد نهى ﷺ فيما صح عنه الداخل إلى المسجد عن الجلوس فيه.

стр. 214

من غير صلاة، وما يؤيد كونه ﷺ صلى في الكعبة في دخوله هذا: إغلاق الباب عليه فيها كما في الصحيحين١ وغيرهما من حديث ابن عمر ﵄ للحكمة التي ذكرها العلماء في إغلاق الباب في دخوله هذا، وهي لئلا يكثر الناس عليه، فلا يتمكن من الصلاة في الكعبة على ما يريد ﷺ وقيل: الحكمة في ذلك ليصلي ﷺ إلى كل جهة من الكعبة، فإن الباب إذا كان مفتوحا وليس أمامه قدر مؤخرة الرحل لم تصح الصلاة إليه لعدم استقبال شيء من الكعبة، وذكر هذين القولين المحب الطبري في "القرى" واستظهر القول الأول، وذكر أنه يتأيد بكون النبي ﷺ لم يصل في الكعبة أكثر من ركعتين على ما صح عنه. وأما الأوجه التي نقلناها عن العلماء في الجمع بين اختلاف خبر بلال، وأسامه، وابن عباس ﵃ في صلاة النبي ﷺ فإن أقربها إلى الصواب ما قيل إن النبي ﷺ صلى في الكعبة لما غاب عنه أسامة ليأتيه بماء يمحو به الصور التي رآها في الكعبة، فرأى ذلك بلال ﵁ فأثبت الصلاة، ولم يره أسامة فنفاها، وإنما كان هذا الوجه أقرب إلى الصواب من الوجوه الأخر لقيام الدليل على ما يؤيده، وهو الحديث الذي رويناه في "مسند أبي داود الطيالسي" ولفظه: حدثنا ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران قال: حدثني عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة، ورأى صورا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فجعل يمحوها ويقول: "قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون". قلت: رجال هذا الحديث ثقات، فإن ابن أبي ذئب: هو محمد بن عبد الرحمن الإمام المشهور، وشيخه عبد الرحمن بن مهران وثقه النسائي، وابن سعد، وابن حبان، وشيخه عمير روى له: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ويتأيد هذا الحديث بالحديث الذي رواه ابن المنذر في هذا المعنى ولم أر سنده فيه، والله أعلم. وأما الوجه الذي ذكره النووي في الجمع بين الاختلاف في صلاة النبي ﷺ في الكعبة، فإنه وإن جاز وقوعه، ففيه بعد، لأن النبي ﷺ لما دخل الكعبة هو وأسامة، وبلال ﵄ ومن دخل معه، إما أن يكون اشتغل بعد دخوله بالصلاة فيه

стр. 215

قبل اشتغاله بغيرها مما صنعه في الكعبة، أو بدأ قبل الصلاة بالذكر والدعاء ونحو ذلك مما صنعه في الكعبة، فإن كان الأول: فكيف يخفى على أسامة ﵁؟ وإن كان الثاني وهو مقتضى كلام النووي فالحال يقتضي أن أسامة ﵁ يلزم النبي ﷺ ليقتدي به فيما يسمعه من دعواته الخيرية الجامعة النافعة، وحسن ثنائه على الله تعالى، وأن لا ينفرد عنه بمكان في الكعبة يدعو فيه ويذكر حتى لا يعلم ما يصنع النبي ﷺ والله أعلم. وأما الوجه الذي ذكره ابن حبان في الجمع بين الاختلاف في صلاة النبي ﷺ في الكعبة فإن فيه نظرا، لأن النبي ﷺ دخل الكعبة يوم فتح مكة، ودخل معه يومئذ أسامة، وبلال، وعثمان بن طلحة والفضل بن عباس ﵃، على خلاف في الفضل، وحديث دخول الفضل معهم في مسند أحمد بن حنبل وسنن النسائي. ولفظ أحمد: حدثنا هشيم قال: أنبأنا غير واحد، وابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ البيت ومعه الفضل بن العباس وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال.... الحديث. وإسناد هذا الحديث صحيح، ولكن في صحيح مسلم ما يخالفه، على ما سيأتي بيانه. وثبت من حديث ابن عمر ﵄ أن بلالا ﵁ أثبت صلاة النبي ﷺ في الكعبة لما دخلها يوم فتح مكة، وثبت من حديث أسامة والفضل ﵄ نفي صلاة النبي ﷺ في الكعبة، وليس في حديثهما التصريح بالزمن الذي نفيا فيه الصلاة، في حجة الوداع، لما قال ابن حبان، والأول أشبه بالصواب، لأنه إذا دار الأمر بين حمل حديثهما من نفي الصلاة على زمن ثبت دخولهما فيه إلى الكعبة، وبين حمل ذلك على زمن لم يثبت لهما فيه دخوله، فحمله على الزمن الذي ثبت دخولهما فيه أولى، وفي حمله على الوجه الذي ذكره ابن حبان إشكال، لأن ذلك يستلزم دخول النبي ﷺ الكعبة في حجة الوداع، ودخول أسامة ﵁ ومن نفى معه صلاة النبي ﷺ في الكعبة، ولم يرد خبر يشعر بذلك، فكيف يحمل على ذلك حديث من نفى الصلاة في الكعبة كما قال ابن حبان. ولا يعارض ذلك حديث عائشة ﵂ لدخول النبي ﷺ الكعبة في حجة الوداع. ولفظه: قالت: خرج النبي ﷺ من عندي وهو قرير العين طيب النفس فرجع إلى وهو حزين، فقلت له: فقال: "إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن دخلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي". لأن في إسناد هذه الحديث من نسب إلى

стр. 216

الضعف، وهو إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير١ المكي راوه عن ابن أبي مليكة عن عائشة قال: فيه ابن معين وأبو حاتم ليس بالقوي. ورواه ابن مهدي. وقال يحيى القطان: تركته ثم كتبت عن سفيان عنه، نقل هذا كله الذهبي في "الميزان" وذكر له هذا الحديث. وحديث آخر له عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ أيضا: ما رأيت رسول الله ﷺ رافعا يديه حتى يبدو ضبعاه إلا لعثمان بن عفان إذا دعى له". وذكره لهذين الحديثين مشعر بأن في صحتهما نظر، وذلك والله أعلم لكون الترمذي صحح هذا الحديث وحسنه وكذا الحاكم لأنه أخرجه في "مستدركه على الصحيحين، ومما يقوي النظر في صحة هذا الحديث: أن أفعال النبي ﷺ في حجته نقلت بأسانيد صحيحة لا وهن فيها، ولم يذكر فيما نقل من أفعاله ﷺ في حجته بمثل ذكر دخوله ﷺ إلى الكعبة في حجته، ولو وقع ذلك لذكر كما ذكر بالإسناد الصحيح مجيئه ﷺ إلى زمزم وإرادته النزع منها وشربه من السقاة، ودخول النبي ﷺ الكعبة في حجته لو وقع أولى بالذكر من هذه الأمور، ولا يعارض ما أشرنا إليه ما ذكره البخاري في صحيحه في باب الزيارة يوم النحر، لأنه قال: ويذكر عن أبي حسان، عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ كان يزور البيت أيام منى، لأن زيارة البيت لا تستلزم دخوله، ويصدق على الطواف به، وأيضا فإن هذا تعليق بصيغة التمريض، والاحتجاج به يتوقف على ثبوته، والله أعلم. ومما يقوي النظر في حديث عائشة ﵂ المشار إليه، إنكار غير واحد من أهل العلم دخول النبي ﷺ في حجته على ما ذكر منهم سفيان بن عيينة، والله أعلم. وبتقدير صحته فليس فيه ما يشعر بأن من نفى صلاة النبي ﷺ في الكعبة دخل مع النبي ﷺ الكعبة في حجة الوداع، حتى يكون من نفى صلاة النبي ﷺ في الكعبة محمولا على هذا الزمن كما قال ابن حبان، ولا ينبغ التعارض بين حديث من أثبت صلاة النبي ﷺ في الكعبة، وحديث من نفاها، بالتوفيق الذي ذكره ابن حبان لفقد دليل يدل على ما ذكره من أن الزمن الذي أثبت فيه بلال ﵁ ومن وافقه الصلاة في الكعبة غير الزمن الذي نفى فيه أسامة ﵁ ومن وافقه الصلاة، وقيام الدليل على أن الزمن الذي أثبت فيه بلال ومن وافقه الصلاة والزمن الذي نفى فيه أسامة ومن وافقه الصلاة به متجه، وهو يوم فتح مكة، كما سبق بيانه، ويتعارض حينئذ خبر

стр. 217

بلال ﵁ ومن وافقه وخبر أسامة رضي لله عنه ومن وافقه في ذلك ويضاف إلى الترجيح أو التوفيق بما هو متجه كما سبق بيانه. وبالجملة فقد خولف ابن حبان فيما نحا إليه من دخول النبي ﷺ الكعبة في حجة الوداع، كما ذكر سفيان بن عيينة، وفي كون النبي ﷺ لم يصل في الكعبة لما دخلها في حجة الوداع، كما ذكر البيهقي، والله أعلم بالصواب. وأما الوجه الذي ذكره السهيلي١ في الجمع بن اختلاف حديث بلال وابن عباس في صلاة النبي ﷺ في الكعبة ففيه نظر من أوجه. الأول: أن كلامه يقتضي حمل حديث بلال ﵁ في إثبات الصلاة على زمن، وحمل حديث ابن عباس ﵄ في نفيها على زمن غيره، وفي ذلك من النظر مثل النظر الذي فيما ذكره ابن حبان، وهو حمل حديث من أثبت الصلاة على زمن، وحديث من نفاها على زمن، لاتحاد الزمان الذي وقع فيه ذلك. والوجه الثاني: أن كلام السهيلي يقتضي أن إثبات الصلاة ونفيها في زمنين في حجة الوداع، ووجه النظر في ذلك أنه لا ريب في أن إثبات بلال ﵁ لصلاة النبي ﷺ في الكعبة كان يوم الفتح كما روي من حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين وغيرهما وابن عباس ﵄ إن كان المراد به الفصل فنفيه للصلاة محمول على الزمن الذي ثبت فيه دخوله، وهو زمن الفتح. وإن كان المراد به عبد الله بن عباس ﵃: فلم يثبت له دخول في الفتح ولا في حجة الوداع فيكون نفيه لصلاة النبي ﷺ في الكعبة مستندا إلى قول أخيه الفضل، وأسامة ﵄؛ فإنه روى عنهما ذلك، وقد سبق أن نفيهما على الزمن الذي ثبت فيه دخولهما إلى الكعبة، وهو زمن الفتح، فيكون كذلك نفي عبد الله بن العباس ﵄ وإذا تقرر ذلك لم يستقم ما ذكره السهيلي من أن إثبات بلال ﵁ للصلاة في الكعبة، ونفي ابن عباس رضي لله عنهما لها في حجة الوداع، وأنى يستقيم ما ذكره وهو يقتضي إثبات دخولين للنبي ﷺ في حجة الوداع إلى الكعبة، وفي إثبات دخوله إليها مرة واحدة في حجة الوداع نظر سبق بيانه فكيف بدخوله فيها مرتين وليس في الحديث الذي أشار إليه السهيلي في الجمع لما ذكر ما يقتضي أن ذلك في الزمن الذي ذكر ويظهر ذلك بلفظ الحديث، ولفظه في كتاب الدارقطني: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا وهب بن منبه، عن خالد، عن ابن أبي ليلى، عن عكرمة بن خالد، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن

стр. 218

عمر ﵄ قال: دخل النبي ﷺ البيت، ثم خرج وبلال خلفه، فقلت لبلال: هل صلى رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، فلما كان الغد دخل، فسألت بلالا: هل صلى؟ قال: نعم ركعتين، استقبل الجذعة وجعل السارية الثانية عن يمينه. وكتب الدارقطني على حاشية هذا الحديث: ابن أبي ليلى ليس بالحافظ ... انتهى. فهذا الحديث كما ترى لس فيه بيان من دخول النبي ﷺ إلى الكعبة، فإن حملنا الحديث علي أن ما فيه من الدخولين والصلاة في أحدهما جرى في حجة الوداع في يوم النحر، ومن الغد كما فهم السهيلي، لم ينهض من الحديث دلالة على ذلك، لاحتمال أن يكون اليومان اللذان دخل فيهما النبي ﷺ ، وجرى فيهما ما ذكر في الحديث هما: يوم النحر، ويوم النفر الأول، أو يوم النفر الأول، ويوم النفر الثاني، أو هما فيما بين قدومه مكة، وخروجه منها للوقوف بعرفة، وكان قدومه بمكة صبيحة الرابع من ذي الحجة، وليس في الحديث الذي ذكره الدارقطني على تقدير حمله على حجة الوداع ما يمنع من هذه الاحتمالات: إلا أن في البخاري ما يمنع الاحتمال الأخير، وإن احتمله الحديث الذي ذكره الدارقطني، لأنه في صحيحه: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا فضيل، حدثنا موسى بن عقبة قال: أخبرني كريب، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ مكة فطاف وسعى بين الصفا والمروة، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة. وروى البخاري ذلك أيضا في موضع آخر في صحيحه بهذا الإسناد مع أمور أخر تتعلق بحجة النبي ﷺ ، وإذا امتنع الاحتمال الأخير نفي ما عداه، مع احتمال آخر، وهو ما ذكره السهيلي، وكون ما ذكره هو الواقع، مع تجويزه غيره يحتاج إلى دليل ترجيح ما ذكره وهو متعدد. والله أعلم. وإن حملنا الحديث الذي ذكره الدارقطني على أن ما فيه من الدخولين، والصلاة في إحداهما جرى في زمن الفتح لم يستقم ما ذكره السهيلي من أن النبي ﷺ دخل الكعبة في يوم النحر وصلى بها فيه، لكون ذلك يخالف مقتضى ما يحمل عليه الحديث، من أن ما فيه جرى في زمن الفتح، ويخالف أيضا ما صح عن بلال ﵁ من كون النبي ﷺ صلى في الكعبة لما دخلها يوم فتح مكة كما سبق. الوجه الثالث: أن كلام السهيلي يقتضي أن إسناد الحديث الذي أشار إليه حسن، وذلك لا يستقيم لضعف في إسناد الحديث، وفيه علة أخرى وهي النكارة في متنه، لأنا إذا حملناه على زمن الفتح فإنه يقتضي أن النبي ﷺ لم يصل في الكعبة حين دخلها يوم فتح مكة، وإنما صلى فيها حين دخلها في اليوم الثاني، وذلك يخالف ما صح عن ابن عمر رضي لله عنهما من دخول النبي ﷺ الكعبة في يوم فتح مكة وصلاته بها في هذا

стр. 219

اليوم- من دخول النبي ﷺ الكعبة في يوم فتح مكة وصلاته بها في هذا اليوم على ما أخبر به بلال رضي لله عنه كما هو مقتضى الحديث السابق، وهو في صحيح مسلم". وروينا مثل ذلك من حديث أيوب السختياني عن نافع، عن ابن عمر ﵄ في مسند الحميدي"١ وعن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب في "سنن البيهقي" وإذا كان كذلك فالحديث الذي أخرجه الدارقطني منكر، لمخالفته ما رواه الأئمة الثقات عن نافع، عن ابن عمر ﵄. أما الضعف الذي في إسناد الحديث الذي أخرجه الدارقطني فلأجل محمد بن أبي ليلى٢ بسبب سوء حفظه، واضطراب حديثه، وكثرة أخطائه فيه، وإن كان صدوقا، قال عنه شعبة: ما رأيت أحدأ أسوأ حفظا من ابن أبي ليلى. وقال أحمد بن حنبل: كان سيئ الحفظ، مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم٣ كان سيئ الحفظ، شغل بالقضاء فساء حفظه، ولا يتهم بشيء من الكذب، وإنما ينكر عليه كثرة الخطأ، يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان٤: كان رديء الحفظ فاحش الخطأ، فكثر الوهم. وقال أبو أحمد الحاكم: غالب أحاديثه مقلوبة ... انتهى. ومن كان في الحفظ بهذه الصفة فالحجة به غير ناهضة، فيما يرويه من الحديث، فكيف إذا عارض ما يرويه حديثا صحيحا كما في هذه المسألة، وحينئذ إنما يحتج بالحديث الصحيح، لأن له مزية توجب الترجيح، على أني لم أر ما يدل لرواية ابن أبي ليلى عن عكرمة بن خالد، ولا لرواية عكرمة عن يحيى بن جعدة، ولا لرواية يحيى عن ابن عمر ﵄، والله أعلم بصحة ذلك. ومن أوجه النظر فيما ذكره السهيلي من الجمع، ما أشار إليه من حمله حديث ابن عباس ﵄ في النبي ﷺ في الكعبة، على أنه نفى ذلك في يوم النحر من حجة الوداع، لكونه لم يرد عن ابن عباس ﵄ ما يشعر بدخول النبي ﷺ في حجة الوداع، بل ورد عن ابن عباس ما يقتضي خلاف ذلك على ما رويناه في "معجم الطبراني" ولفظ الحديث الوارد عنه في ذلك: حدثنا محمد بن حاجهان.

стр. 220

الجنديسابوري، قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا زهير عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: إن النبي ﷺ لم يدخل البيت في الحج ودخل عام الفتح فلما نزل صلى أربع ركعات -أو قال: ركعتين- بين الحجر والباب مستقبل الكعبة، وقال: "هذه القبلة". وجابر هو الجعفي١ ضعفه جماعة ووثقه شعبة. وأما الوجه الذي ذكره ابن جماعة في الجمع بين اختلاف حديث بلال وأسامة رضي لله عنهما فإن في استقامته نظرا، لأن الحديث الذي جمع به يقتضي أن النبي ﷺ دخل الكعبة مرتين، فصلى في الثانية، ولم يصل في الأولى، ومحمول على أن ذلك كان في زمن الفتح، لما سبق من كلام النووي ﵀، وإذا كان كذلك فالصلاة التي نفاها أسامة ﵁ في اليوم الأول إن كانت هي الصلاة التي أثبتها بلال ﵁ في يوم فتح مكة، على ما ذكر ابن عمر ﵃: فأسامة وبلال ﵄ مختلفان في هذه الصلاة، وينتفي اختلافهما فيها بإثبات أسامة ﵁ صلاة النبي ﷺ في غير اليوم الأول لا في اليوم الثاني، وإنما كان يتجه الجمع بالحديث الذي جمع به ابن جماعة، لو ورد من حديث ابن عمر ﵄ أن الصلاة التي أثبتها بلال رضي لله عنه كانت في زمن الفتح، من غير تعرض لبيان اليوم الذي وقعت فيه، وأما مع تبيين ابن عمر ﵁ لليوم الذي أثبت بلال ﵁ فإن الجمع بالحديث المشار إليه لا يستقيم والله أعلم. وقد روي عن أسامة ﵁ خبر يوهم أن النبي ﷺ صلى في الكعبة في دخوله إليها يوم الفتح، ورويناه في مسند بلال ﵁ للحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وفي صحيح مسلم، ولفظ مسلم: وحدثني حميد بن مسعدة قال: حدثنا خالد يعني ابن الحرث قال: حدثنا عبد الله بن عون، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إنه انتهى إلى الكعبة، وقد دخلها النبي ﷺ

стр. 221

وبلال وأسامة، وأجاف عليهم عثمان بن طلحة الباب، قال: فمكثوا فيه مليا، ثم فتح الباب، فخرج النبي ﷺ ، فرقيت الدرجة ودخلت البيت فقلت: أين صلى رسول الله ﷺ ؟ قالوا: ههنا: وأنسيت أن أسألهم كم صلى؟ وهذا الحديث يقتضي أن ابن عمر ﵄ سأل بلالا وأسامة وعثمان ﵃ عن صلاة النبي ﷺ في الكعبة في دخوله هذا، وأنهم جميعا أخبروا ابن عمر بها، وذلك وهم من بعض رواة هذا الحديث، لأن القاضي عياض نقل عن الدارقطني أنه قال: وهم ابن عوان هنا، وخالفه غيره، فأسندوا عن بلال وحده، قال القاضي: وهذا هو الذي ذكر مسلم في باقي الطرق، فسألت بلال، فقال: إلا أنه وقع في رواية حرملة عن ابن وهب، فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة: أن رسول الله ﷺ في جوف الكعبة، هكذا هو عند عامة شيوخنا. وفي بعض النسخ: وعثمان بن أبي طلحة. قال: وهذا يعضد رواية ابن عون. والمشهور انفراد بلال ﵁ برواية ذلك. والله أعلم..... انتهى. وقد طال الكلام في ترجيح خبر بلال على خبر أسامة ﵄، وما قيل من الجمع بين ذلك، ولكن لموجبات اقتضاها الحال، واشتمل ذلك على فوائد يغتبط بها من له على تحصيل العلم إقبال. وأما ترجيح خبر بلال على خبر الفضل بن عباس ﵃ المعارض بخبر بلال ﵁ في صلاة النبي ﷺ في الكعبة يوم فتح مكة، فصحة حديث بلال رضي لله عنه في ذلك عند أهل الحديث من غير اختلاف بينهم في ذلك، واختلافهم في صحة حديث الفضل، لاختلاف حديث ابن عمر ﵃ في دخول الفضل الكعبة يوم فتح مكة مع النبي ﷺ ، وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة رضي لله عنهم فإنا رويناه في صحيح مسلم من حديث ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، ولم يدخله معهم أحد، ثم أغلقت عليهم. وذكر بقية الحديث. وهذا يقتضي أن الفضل لم يدخل مع المذكورين الكعبة. وفي مسند أحمد بن حنبل ما يعارض ذلك، لأنه قال فيما رويناه عنه: حدثنا هشيم، أخبرنا غير واحد وابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، ولم يدخله معهم أحد، ثم أغلقت عليهم. وذكر بقية الحديث. وهذا يقتضي أن الفضل لم يدخل مع المذكورين الكعبة. وفي مسند أحمد بن حنبل ما يعارض ذلك، لأنه قال فيما رويناه عنه حدثنا هشيم، أخبرنا غير واحد وابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله ﷺ البيت ومعه الفضل بن عباس وأسامة بن زيد.... وذكر الحديث. وروى ذلك النسائي، لأنه قال فيما رويناه عنه: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا هشيم، عن ابن عون: فذكره.

стр. 222

وهذا الإسناد وإن صح ففيه نظر، لأن رواية هشيم له شهادة على ما ذكر شيخنا الحافظ العراقي عن بعض مشايخه، ونقل عنه تضعيف حديث الفضل، وأيضا، فإن للحديث الذي يرويه مسلم مزية في الصحة على ما يرويه غيره من الأحاديث الصحيحة غير ما في صحيح البخاري، فإنه أميز في الصحة مما في مسلم عند محققي أهل الحديث، وعلى تقدير ثبوت دخول الفضل ﵁ الكعبة مع النبي ﷺ ، ومن ذكر معه، وثبوت حديثه في نفي صلاة النبي ﷺ في الكعبة في دخوله إليها يوم الفتح، فلا معارضة بين حديث الفضل وبلال في الصلاة المشار إليها، لأن نفي الفضل ﵁ له إنما هو باعتبار كونه لم يرها لا باعتبار كونها لم تقع، لأنا روينا في تاريخ الأزرقي، عن عبد المجيد بن أبي داود: أن الفضل ﵁ دخل مع النبي ﷺ الكعبة يوم الفتح وبعثه النبي ﷺ فجاء بذنوب من ماء زمزم ليطمس به الصور التي في الكعبة١. قال عبد المجيد: فصلى خلافه ولذلك لم يره صلى. وروينا فيه أيضا ما يؤيد ذلك، لأن فيه من حديث الزهري أن النبي ﷺ دخل البيت يوم الفتح، وأرسل الفضل بن عباس فجاء بماء زمزم، ثم أمر بثوب فبل الماء، فأمر بطمس تلك الصور١ ... انتهى. فتكون صلاته ﷺ كانت في الكعبة يوم الفتح حين غاب الفضل ﵁ للأمر الذي ندبه إليه، ويتفق بذلك خبره مع خبر بلال، والله أعلم. وأما ترجيح خبر بلال ﵁ على خبر عبد الله بن عباس ﵄ في نفيه لصلاة النبي ﷺ يوم الفتح، فلأن بلالا ﵁ حضر مع النبي ﷺ حين صلى، وشاهد صلاته، وأخبر بها، وابن عباس ﵄ لم يحضر مع النبي ﷺ واعتمد في كون النبي ﷺ لم يصل في الكعبة على خبر أسامة ﵁ له بذلك كما ثبت في صحيح مسلم، ورواية من حضر القصة مقدمة على من غاب عنها، وقد أشار إلى ترجيح خبر بلال على خبر الفضل بن عباس وأخيه عبد الله ﵃ بما ذكره شيخنا الحافظ العراقي رحمة الله عليه.

стр. 223

ذكر عدد دخول النبي ﷺ الكعبة الشريفة بعد هجرته من المدينة وأول وقت دخل الكعبة فيه بعد هجرته ... ذكر عدد دخول النبي ﷺ الكعبة الشريفة بعد هجرته إلى المدينة وأول وقت دخل الكعبة فيه بعد هجرته: أما عدد دخول النبي ﷺ الكعبة بعد هجرته: فروينا في ذلك أخبارا يتحصل من مجموعها أن النبي ﷺ دخل الكعبة بعد هجرته أربع مرات، وهو يوم فتح مكة، وفي ثاني يوم الفتح، وفي حجة الوداع، وفي عمرة القضية، وفي كل من هذه الدخلات خلاف، إلا الدخول الذي في يوم الفتح، ونشير إلى الأخبار الواردة في هذه الدخلات. فأما دخوله يوم الفتح فرويناه في صحيح مسلم وغيره، كما سبق في حديث ابن عمر ﵄ ولفظ حديثه عن مسلم: قدم رسول الله صلى عليه وسلم يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة وأرسل إلى عثمان بن طلحة فجاء بالمفتاح ففتح الباب، قال: ثم دخل النبي ﷺ وبلال وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، وذكر الحديث. ولا تضاد بين حديث ابن عمر رضي لله عنهما هذا، وحديثه في صحيح مسلم الذي قال فيه: أقبل رسول الله ﷺ عام الفتح على ناقة لأسامة حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمان بن طلحة فقال: "ائتني بالمفتاح"..... الحديث في قصة دخول النبي ﷺ الكعبة وصلاته فيها لأن المراد بعام الفتح في هذا الحديث يوم الفتح كما في الحديث السابق، لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضان والمجمل منها يرد إلى المبين. وقد أشار الإمام النووي ﵀ إلى اتفاق الخبرين، لأنه قال في شرح مسلم قوله: قدم رسول الله ﷺ يوم الفتح فنزل بفناء الكعبة. هذا دليل على أن هذا المذكور في أحاديث الباب من دخوله ﷺ ، وصلاته فيها كان يوم الفتح، وهذا لا خلاف فيه، ولم يكن يوم حجة الوداع ... انتهى. وفي هذا الدخول وقع الاختلاف في كون النبي ﷺ صلى فيه. وأما دخوله ﷺ في ثاني يوم الفتح: ففي مسند أحمد بن حنبل ما يدل له، لأنه قال: حدثنا هشيم قال: أنبأنا عبد الملك عن عطاء قال: قال أسامة بن زيد رضي لله عنهما: دخلت مع رسول الله ﷺ البيت فجلس فحمد الله وأثنى عليه وكبر وهلل، وخرج ولم يصل، ثم دخلت معه في اليوم الثاني، فقام ودعا...... الحديث، وقد سبق في هذا الباب بكماله. وأما دخوله ﷺ في حجة الوداع: فرويناه في سنن أبي داود وابن ماجه، وجامع الترمذي، والمستدرك للحاكم، من رواية إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ وسبق ذلك في الترجمة التي قبل هذه الترجمة مع بيان ما في الحديث من الوهن، والله أعلم بالصواب. وأما دخول النبي ﷺ في عمرة القضية فذكر المحب الطبري في "القرى" عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب ما يقتضي ذلك، لأنه قال في باب العمرة، وهو الثامن والثلاثون في ترجمة ترجم عليها بما جاء في عمرة الحديبية وعمرة القضية: وعن هشام، وعن أبيه قال: إن خراش بن أمية حلق رأس رسول الله ﷺ عند المروة ثم دخل البيت.

стр. 224

وعن سعيد بن المسيب قال: إن رسول الله ﷺ لما قضى نسكه دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذن بالظهر على ظهر الكعبة، وأقام رسول لله ﷺ بمكة ثلاثا، فلما كان ظهر اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو بن حويطب بن عبد العزى، ورسول الله جالس في مجلس من الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فقال: يا محمد قد انقضى أجلك فاخرج عنا، وكان ﷺ قد تزوج بميمونة الهلالية في طريقه، وذكر مناشدة سهيل النبي ﷺ إلى "سرف" وتعريسه فيه بميمونة، ولم يذكر المحب الطبري من خرج هذا الخبر ولا الخبر الأول، وهما يقتضيان دخول النبي ﷺ الكعبة في عمرة القضية، وخبر سعيد بن المسيب أصرح، لما فيه من القضايا التي وقعت في عمرة القضية على ما جاء في غير هذا الخبر، وهو تزويج النبي ﷺ ميمونة، وسؤال سهيل بن عمرو النبي ﷺ في الخروج من مكة وجواب النبي ﷺ له على نحو ما في هذا الخبر، ولست واثقا بصحة ما فيه من دخول النبي ﷺ الكعبة، وأذان بلال رضي لله عنه الظهر عليها، وعلى تقدير صحتها فإنهما يخالفان ما رويناه في الصحيحين، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أدخل النبي ﷺ الكعبة في عمرته؟ فقال: لا انتهى. والمراد بهذه العمرة عمرة القضية على ما قال العلماء، كما قال النووي عنهم في شرح مسلم وغيره. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر السبب الذي لأجله لم يدخل النبي ﷺ الكعبة في عمرة القضية، كما هو مقتضى هذين الخبرين، وإنا ذكرناهما لغرابتهما. وأما دخوله ﷺ في يوم الفتح وحجة الوداع: فهو رأي أبي حاتم بن حبان، لأنه جمع بذلك بين اختلاف بلال وأسامة في صلاة النبي ﷺ في الكعبة، ونص كلامه والأشبه عندي أن يحمل الخبران على دخولين متغايرين، أحدهما يوم الفتح وصلى فيه، والآخر في حجة الوداع ولم يصل فيه ... انتهى. وقد وافق ابن حبان على ما ذكره من دخول النبي ﷺ في حجة الوداع: البيهقي، لأنه قال: إن النبي ﷺ صلى في داخل الكعبة في حجة الوداع، حكى ذلك عن البيهقي: ابن جماعة في منسكه. وأما دخول النبي ﷺ الكعبة في ثاني يوم فتح مكة: كما هو مقتضى حديث أسامة ﵁ الذي جمع به ابن جماعة: فلم أر أحدا من أهل العلم قال به إلا ابن جماعة في منسكه، والله أعلم.

стр. 225

وأما أول وقت دخل فيه النبي ﷺ الكعبة بعد هجرته: فيوم فتح مكة، لأنه لم يدخلها في عمرة القضية على مقتضى حديث ابن أبي أوفى السابق ذكره في الصحيحين، ولا يعارض ذلك الخبران المقتضيان لدخول النبي ﷺ في عمرة القضية، لأنهما لو صحا لكان ما في الصحيحين مقدما عليهما، فكيف وفى صحتهما نظر والله أعلم. وأما السبب الذي لم يدخل النبي ﷺ لأجله الكعبة في عمرة القضية: فذكر النووي فيه كلاما لغيره لا يخلو من نظر، لأنه قال لما تكلم على حديث ابن أبي أوفى: قال العلماء: وسبب عدم دخوله ﷺ : ما كان في البيت من الأصنام والصور، ولم يكن المشركون يتركونه لتغييرها، فلما فتح الله تعالى عليهم مكة دخل البيت وصلى فيه، وأزال الصور قبل دخوله، والله أعلم ... انتهى. قلت: في هذا الكلام ما يقتضي أن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة يوم فتح مكة حتى أخرج منها ما كان ينبغي إخراجه من الصور وغير ذلك، ووقع في مسند أبي داود السجستاني من حديث ابن عباس ﵄ ما يدل لذلك. وقد روينا ما يخالف ذلك؛ لأن أبا داود الطيالسي قال في مسنده: حدثنا ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران قال: حدثني عمير مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد ﵄ قال: دخلت مع رسول لله ﷺ في الكعبة، ورأى صورا فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فجعل يمحوها ويقول: "قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون". ورجال هذا الحديث يحتج بهم، وهو يقتضي أن النبي ﷺ دخل الكعبة في الفتح والصور فيها، وأنه أزالها بعد دخوله، ويدل لذلك أيضا ما رويناه في تاريخ الأزرقي عن عبد العزيز١ بن أبي داود، قال: إن النبي ﷺ بعث الفضل بن عباس رضي لله عنهما- بعد دخوله معه الكعبة ليأتيه بماء ليطمس به الصور في الكعبة٢. ويدل لذلك أيضا: قول ابن إسحاق في السيرة في قصة الفتح: فلما قضى- يعني النبي ﷺ طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له. فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها ... انتهى. وهذا يقتضي أن النبي ﷺ دخل الكعبة وفيها الصور، وأنه دخل الكعبة حين فتحت له في هذا التاريخ، ولم يشتغل ﷺ بشيء سوى ذلك، والله أعلم.

стр. 226

الباب العاشر: في ثواب دخول الكعبة المعظمة: أخبرني أحمد بن عمر البغدادي بقراءتي عليه بالقاهرة، والقاضي المفتي أبو بكر بن الحسين الشافعي بقراءتي عليه بطيبة، كلاهما عن الحافظ أبي الحجاج المزي، قال: أخبرنا الدرجي، قال: أنبأنا الصيدلاني، قال: أخبرتنا فاطمة الجوزدانية قالت: أخبرنا ابن ريذة، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي عن عبد الله بن المؤمل، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محيصن، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من دخل البيت فصلى فيه دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له" ١. وفي لفظ: "من دخل البيت خرج مغفورا له" ٢. وروى الفاكهي أخبارا في فضائل دخول الكعبة والصلاة فيها، لأنه قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عمر، في دخول البيت دخول في حسنة وخروج من سيئة مغفورا له. حدثنا محمد بن أبي عمر حدثنا سفيان، عن عبد الكريم، وحدثنا أبو بشر، حدثنا ابن أبي الصيف، حدثنا إسماعيل بن كثير أبو هاشم جميعا عن مجاهد، قال: دخول البيت حسنة وخروجه خروج من سيئة مغفورا له٣.

стр. 227

وقال الفاكهي أيضا: حدثني أحمد بن محمد القرشي، عن يوسف بن خالد، قال: حدثنا غالب القطان، عن هند بن أوس قال: حججت فلقيت ابن عمر، فقلت: إني أقبلت من الفج العميق أردت البيت العتيق، وأنه ذكر لي أن من أتى بيت المقدس يصلى فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فقال ابن عمر: رأيت البيت من دخله فصلى فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه١. وقال الفاكهي: حدثنا سلمة بن شبيب، قال: حدثنا الغازيان، قال: حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن عطاء قال: لأن أصلي ركعتين في البيت أحب إلي من أن أصلي أربعا في المسجد الحرام٢. وقال الفاكهي: حدثنا أحمد بن حميد، عن الحسين بن الوليد، قال: حدثنا عباد بن راشد، عن الحسن قال: الصلاة في الكعبة تعدل مائة ألف صلاة ... انتهى. وروينا عن الحسن البصري في رسالته المشهورة قال: قال رسول الله ﷺ : "من دخل الكعبة، دخل في رحمة الله ، وفي حمي الله تعالى، وفي أمن الله ، ومن خرج خرج مغفورًا له" ... انتهى. وما أحسن ما أنشده الحافظ أبو طاهر السلفي لنفسه بعد دخول الكعبة: أبعد دخول البيت والله ضامن ... بنفي قبيح، والخطايا الكوامن فحاشاه، كلا، بل تسامح كلها ... ويرجع كل، وهو جذلان آمن وقد اتفق الأئمة الأربعة على استحباب دخول البيت، واستحسن مالك كثرة دخولها، لأن في مناسك ابن الحاج قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف، عن مالك: أنه سئل عن الصلاة في البيت وعن دخوله كلما قدر عليه الداخل، فقال له: ذلك واسع حسن ... انتهى. وروينا ذلك في "تاريخ الأزرقي" عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب- أحد الفقهاء السبعة بالمدينة على ما قيل وصدقة بن يسار، ووردت أخبار استدل بها بعض العلماء على عدم استحباب دخول الكعبة، وقد ذكرها المحب الطبري مع الجواب عنها في كتاب "القرى"٣، وذكرنا ذلك بنصه في أصل هذا الكتاب، ونشير هنا لشيء من ذلك: أنبأنا عمن أنبأه المحب الطبري قال: "باب دخول الكعبة" وهو الباب الثامن والعشرون من كتابه "القرى"، حجة من قال: لا يستحب، عن عائشة قالت: خرج رسول

стр. 228

الله ﷺ من عندي وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع إلى وهو حزين، فقلت له: فقال: "إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي". أخرجه أحمد، والترمذي وصححه، وأبو داود١. وقد استدل بهذا الحديث من كره دخول البيت، ولا دلالة فيه، بل نقول دخوله ﷺ دليل على الاستحباب، وتمنيه عدم الدخول فقد علله بالمشقة والشفقة على أمته، وذلك لا يرفع حكم الاستحباب. ثم قال المحب: وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: اعتمر رسول الله ﷺ فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس، قال له رجل: أدخل رسول الله ﷺ الكعبة؟ قال: لا. أخرجاه وبوب عليه البخاري، "باب من قال: لم يدخل الكعبة"، وأجاب المحب الطبري عن هذا الحديث بأن عدم دخول النبي ﷺ الكعبة في عمرته هذه يجوز أن يكون لعذر، قال: ولعله تركه شفقة على أمته، كما دل عليه الحديث المتقدم٢ ... انتهى. قلت: هذا الاحتمال بعيد، والاحتمال الأول هو الصواب، لموافقته ما ذكره العلماء في سبب كون النبي ﷺ لم يدخل الكعبة في عمرته المشار إليها، وهو عدم تمكنه ﷺ من أن يزيل من الكعبة ما كان فيها من الأوثان والصور، لكون مكة في أيدي المشركين وحكمهم إذا ذاكروا، والله أعلم. وأما ما يطلب في الكعبة من الأمور التي صنعها النبي ﷺ فهو: التكبير والتسبيح والتهليل والتحميد والثناء على الله ، والدعاء والاستغفار، لأحاديث وردت في ذلك، منها: ما رويناه عن أسامة بن زيد: أن رسول الله ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع قِبَل البيت ركعتين وقال: "هذه القبلة"، أخرجه البخاري ومسلم٣. وفي مسلم عن ابن جريج قلت لعطاء: ما نواحيه؟ أفي زواياه؟ قال: بل في كل قبلة من البيت. وعند النسائي في هذا الحديث: سبح في نواحيه وكبر٤.

стр. 229

وقوله: قِبل البيت، وهو بضم القاف والباء الموحدة، ويجوز إسكان الباء كما في نظائره، ومعناه على ما قيل: ما استقبلك فيها، وقيل: مقابلها. وفي معنى قوله ﷺ : "هذه القبلة" ثلاثة احتمالات: أولها: أن معنى ذلك أن أمر القبلة قد استقر على استقبال هذا البيت فلا ينسخ بعد اليوم وصلوا إليه أبدا. والاحتمال الثاني: أن معنى ذلك أن النبي ﷺ علمهم سنة موقف الإمام، وأنه يقف في وجه الكعبة دون أركانها وجوانبها، وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزية، وهذان الاحتمالان أبداهما الإمام أبو سليمان الخطابي ... الخ. والاحتمال الثالث: أبداه الإمام النووي في "شرح مسلم" بعد ذكره لهذين الاحتمالين، وهو أن معناه هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله لا كل الحرم ولا مكة، ولا كل المسجد الذي حول الكعبة بل هي الكعبة نفسها فقط، والله أعلم ... انتهى. ومعنى قول عطاء: بل في كل قبلة من البيت: أي في كل قبلة من البيت قبلة، أو كل موضع من البيت قبلة، ذكر ذلك المحب الطبري، قال: ويكون قد دار النبي ﷺ في البيت جميعه داعيا ذاكرًا١. ومن الأحاديث الواردة في المعنى الذي أشرنا إليه: ما رويناه في "سنن النسائي" أيضا من حديث أسامة بن زيد أنه دخل مع النبي ﷺ البيت، فمضى يعني النبي ﷺ حتى إذا كان بين الأسطوانتين اللتين يليان باب الكعبة جلس فحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم قام حتى أتى ما استقبل من دبر البيت فوضع وجهه وخده عليه، فحمد الله وأثنى عليه وسأله واستغفره، ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة فاستقبله بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على الله والمسألة والاستغفار ثم خرج، انتهى باختصار. وروينا من حديثه أيضا في "سنن النسائي" قال: دخلت مع رسول الله ﷺ البيت فجلس فحمد الله وأثنى عليه وكبر وهلل، ثم قام إلى ما بين يديه من البيت فوضع صدره عليه وخده ويديه، ثم هلل وكبر ودعا، ثم فعل ذلك بالأركان كلها، ثم خرج ... انتهى باختصار، وأخرجه أحمد أيضا. وروينا عن ابن عباس قال: دخل النبي ﷺ الكعبة وفيها ست سوار، فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل. أخرجه البخاري ومسلم٢ وأحمد بن حنبل.

стр. 230

وروينا في مسنده١ عن الفضل بن عباس: أن رسول الله ﷺ قام في الكعبة وسبح وكبر ودعا الله واستغفر ولم يركع ولم يسجد. وروينا عن الفضل أيضا: أنه كان مع رسول الله ﷺ حين دخل الكعبة، قال: فلم يصل فيها ولكنه لما دخلها وقع ساجدًا بين العمودين ثم جلس يدعو ... انتهى. ولا تضاد بين قوله في هذا الحديث: "وقع ساجدا"، وبين قوله في الحديث الذي قبله: "ولم يسجد" لاحتمال أن يكون أراد بقوله: ولم يسجد، أي: في صلاة، ويؤيده قوله: "ولم يركع" والركوع إنما يكون في صلاة، ويكون سجود النبي ﷺ في الكعبة على تقدير ثبوت الحديث المتضمن لذلك شكرا لله تعالى، وقد أشار المحب الطبري، إلى التوفيق بين هذين الحديثين بما ذكرناه٢، والله أعلم. ومن الأمور التي قيل إن النبي ﷺ صنعها في الكعبة، صبه الماء على جسده ﷺ ، ذكر ذلك الفاكهي، لأنه قال: حدثنا سلمة بن شبيب أبو عبد الرحمن، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: سمعت أبا قدامة عامر الأحول يقول: إن رسول الله ﷺ دعا بدلو من ماء فصبه عليه في الكعبة ... انتهى. وهذا غريب جدا، ولذا ذكرناه، والله أعلم بصحته، ولا أعلم أحدا من أهل العلم قال باستحبابه٣، والله أعلم. ومن الأمور التي صنعها النبي ﷺ في الكعبة على ما قيل: إنه ألصق بها بطنه وظهره كما رويناه في معجم ابن قانع، لأنه قال: أخبرنا حسين بن اليماني، قال: حدثنا سهل بن عثمان العسكري، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن عبد الرحمن الزجاج قال: أتيت شيبة بن عثمان فقلت: يا أبا عثمان، زعموا أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة فلم يصل، فقال: كذبوا لقد صلى بين العمودين ركعتين ثم ألصق بها بطنه وظهره ... انتهى. وقد أشار شيخنا الحافظ العراقي إلى استحباب هذا الفعل في الكعبة، وبدل لذلك ما رويناه في "مسند الشافعي" عن عروة بن الزبير أنه كان إذا طاف بالبيت استلم الأركان كلها وألصق بطنه وظهره وجنبه بالبيت ... الخ. ورأيت لغير واحد من العلماء ما يقتضي عدم استحباب ذلك، لأن المحب الطبري قال في "القرى": ما جاء في كراهية أن يلصق ظهره إلى الكعبة:" عن عطاء، وقد سئل

стр. 231

عن ذلك فكرهه، وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يسند ظهره، أخرجهما سعيد بن منصور ... انتهى. ورأيت أيضا لإمامنا ما يقتضي أن ذلك غير مطلوب، لأنه قال: لا يعتنق شيئا من أساطينه، يعني البيت، وقد دخله ﷺ ولم أسمع أنه اعتنق شيئا من أساطينه١ ... انتهى. والدلالة من كلام مالك على كراهيته ذلك ظاهرة، لأن اعتناق أساطين الكعبة كإلصاق البطن والظهر بها، والله أعلم. وأما ما سوى ذلك من الأمور التي صنعها رسول الله ﷺ في الكعبة هو مذكور في هذه الأحاديث، فلا أعلم بين أهل العلم اختلافا في استحبابه، إلا سجدة الشكر في الكعبة، كما هو مقتضى حديث الفضل، ففيها خلافا بين أهل العلم، فإن مشهور مذهب مالك أن سجود الشكر مكروه من حيث الجملة، ومقتضى ذلك أن لا يفعل في الكعبة، على أن حديث الفضل الذي في هذه السجدة مختلف في ثبوته، والله أعلم.

стр. 232

ذكر حكم الصلاة في الكعبة: استحب جمهور العلماء الصلاة في الكعبة، لأنه ثبت أن النبي ﷺ صلى فيها، ومنع طائفة من العلماء منهم ابن عباس كما حكاه عنه القاضي عياض ونقله النووي عن جماعة من العلماء في شرح مسلم" لأنه قال: وقال محمد بن جرير، وأصبغ المالكي وبعض أهل الظاهر: لا تصح فيها صلاة أبدا لا فريضة ولا نافلة، قال: ودليل الجمهور حديث بلال ... انتهى. واختلف المستحبون للصلاة في الكعبة، فبعضهم قال بذلك في الفريضة والنافلة بشرط يأتي ذكره في الفريضة، وبعضهم قصر ذلك على النفل غير المؤكد، وهذا مذهب الإمام مالك، ولم أر فيما وقفت عليه من كتب المالكية ما يشهد لصحة ما نقله النووي عن أصبغ بن الفرج أحد أئمة المالكية، والذي رأيته منقولا عنه في كتب المذهب: أن من صلى الفريضة في الكعبة أعاد أبدا من غير نظر إلى كون المصلي فيها عامدا أو ناسيا، وقد اختلف المذهب، وصحح صلاة الفريضة في الكعبة ابن عبد الحكم، واستحب أشهب ألا تصلى الفريضة في الكعبة، فإن صليت فيها صحت، وصوب هذا القول اللخمي، لأنه لما ثبت أن النبي ﷺ صلى في الكعبة النافلة وجب مساواة الفريضة لها، فإن أمرهما في الحضر واحد من جهة الاستقبال، ومشهور المذهب أن صلاة الفريضة لا

стр. 233

تصح في الكعبة، وإن صلاها فيها أعاد الصلاة، واختلف شيوخ المذهب في الإعادة هل تكون في الوقت أو أبدا؟ وهو مقتضى قول أصبغ، واخُتلف في الإعادة في الوقت هل هي في حق الناسي، وهو قول ابن حبيب ورأي ابن يونس وجماعة وقيل: إن ذلك في حق العامد والناسي وهو رأي القاضي عبد الوهاب واللخمي وابن عتاب، ويلحق بالفريضة النوافل في كونها لا تصلى في الكعبة، وهي السنن كالعيدين والوتر وركعتي الفجر وركعتي الطواف الواجب، فإن صليت هذه النوافل في الكعبة فلا تجزئ على المذهب المشهور، وتجزئ على رأي أشهب وابن عبد الحكم. واختلف الحنابلة في صحة صلاة الفريضة في الكعبة، والأصح عندهم أنها لا تصح فيها، وكذلك عندهم النذر المطلق قالوا: فإن نذر الصلاة في الكعبة صحت فيها، وعندهم خلاف في صحة النافلة في الكعبة، والأصح عندهم فيها الصحة، وعندهم في كونها في الكعبة مستحبة أو جائزة روايتان. ولم يخالف مذهب الشافعي في جواز الصلاة في الكعبة، سواء كانت فريضة أو نافلة، ومقتضى مذهبه إن فعل النافلة في الكعبة أفضل من فعلها في المسجد خارج الكعبة، وكذلك الفريضة بشرط أن لا يرجو المصلي مجيء جماعة خارج الكعبة. قال الشافعي: ما فريضة تفوتني في جماعة فأصليها في موضع أحب إليه منه -يعني البيت الحرام- لأن البقاع إذا فضلت بقربها منه فبطنه أفضل منها. ومذهب أبي حنيفة: جواز صلاة النافلة والفريضة في الكعبة، وأن النافلة في الكعبة مستحبة، وحيث صحت الصلاة في الكعبة فللإنسان أن يصلي في جوفها إلى أي جوانبها شاء، هكذا في "النوادر" من كتب أصحابنا المالكية، وفيه أحب إلى أن يجعل الباب خلف ظهره، ثم يصلي إلى أي موضع شاء بعد أن يستدبر الباب، وكذلك فعل النبي ﷺ ... انتهى، وهذا مذهب الشافعي. وعند الحنابلة أن الصلاة إلى الباب صحيحة إذا كانت له عتبة شاخصة، وعندهم وجهان فيما إذا صلى إلى سترة في لبن منظوم أو شبهه غير متصل اتصال البناء، وصحح أبو البركان الصحة في هذه الصور. وإذا أقيمت الجماعة في الكعبة فلمن ائتم بالإمام فيها خمسة أقوال في الوقت: الأول: أن يكون وجه المأموم إلى ظهر الإمام. الثاني: أن يكون ظهره إلى ظهره. الثالث: أن يكون وجه المأموم إلى ظهر الإمام. الرابع: أن يكون بجنبه غير متقدم عليه. الخامس: أن يكون ظهر المأموم إلى وجه الإمام. فيصح في جميع الأحوال غير الحالة الخامسة فلا يصح فيها على الأصح من مذهب الشافعي، ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة كمذهب الشافعي.

стр. 234

وعند الحنابلة وجهان في صحة صلاة المأموم إذا تقابل هو والإمام، وقاس أبو البركات -من الحنابلة- المنع على ما إذا كان قفاء المأموم في وجه الإمام. وإذا حفرت في الكعبة حفرة وصلى فيها إنسان صحت صلاته فيها كما قال بعض الشافعية فيما نقل "مجلي" في "ذخائره"، قال مجلي: وذلك إذا لم تجاوز الحفرة قواعد البيت، فإن جاوزتها بحيث لا تحاذي ببدنه شيئا منها لم يصح، وإلا فهو كالصلاة على ظهرها إلى السترة القصيرة، وذكر ابن الرفعة أن فيما قاله "مجلي" نظر، وذكر أنه لا فرق بين أن يتجاوز القواعد إلى سترة أو لا كما أطلقه الأصحاب. قال ابن جماعة: وعندي ينبغي أن يفصل فيقال: إن صلى في الحفرة ولم يحاذ ببدنه شيئا من الكعبة أو قواعدها وكان قادرا على إصابة عين البناء لم تصح الصلاة، وإلا صحت١، والله أعلم ... انتهى. واختلف العلماء أيضا في الصلاة على سطح الكعبة، والمشهور من مذهب مالك منع الصلاة على ظهرها، وأنه أشد من منعها في بطنها، وذلك لأن المصلي في بطنها يعيد في الوقت والمصلي على سطحها يعيد أبدا. وقيل: إن الصلاة على سطحها كالصلاة في بطنها فتعاد في الوقت، وهذا القول حكاه ابن محرز عن أشهب. وقيل: إن الصلاة على سطحها تصح ولا إعادة على من فعل ذلك، وهذا القول حكاه اللخمي عن أشهب، وهو قول ابن عبد الحكم. وقيل: إن الصلاة على سطحها تصح إن أقام المصلي شيئا يقصده، وهذا تأويل القاضي عبد الوهاب على المذهب. وقيل: تصح الصلاة على سطحها إذا كان بين يدي المصلي قطعة من السطح. وهذا الاختلاف في الفريضة، وأما النافلة على سطح الكعبة فلا تصح على مقتضى مشهور المذهب إذا كانت الصلاة متأكدة كالسنن والوتر وركعتي الفجر وركعتي الطواف الواجب، لمساواة هذه النوافل للفريضة في حكم الصلاة في جوف الكعبة، وفي صحة النفل غير المؤكد على سطح الكعبة نظر على مقتضى رأي أكثر أهل المذهب في حملهم النهي الوارد عن النبي ﷺ في الصلاة على سطح الكعبة. وأما على رأي ابن عبد الحكم ومن وافقه فيصح النفل مطلقا على سطح الكعبة، وحديث النهي الوارد عن الصلاة فيها رويناه في مسند عبد بن حميد بالسند المتقدم إليه في

стр. 235

الباب التاسع، ولفظه: حدثنا عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا يحيى بن أيوب، عن زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله " أخرجه الترمذي١ عن محمود بن غيلان، وابن ماجه عن محمد بن إبراهيم الدمشقي، كلاهما عن المقري. فوقع لنا بدلا لهما عاليا بدرجة بالنسبة إلى روايتنا العالية لكتابيهما بدرجتين بالنسبة إلى روايتنا لهما المتصلة بالسماع، وزيد بن جبيرة٢ متروك الحديث. وروينا هذا الحديث من غير طريقه في سنن ابن ماجه بإسناد يقوم بمثله الحجة، ولفظه: حدثنا علي بن داود ومحمد بن أبي الحسن قالا: أخبرنا أبو صالح، قال: حدثنا الليث، قال: حدثنا نافع عن ابن عمر بن الخطاب قال: إن رسول الله ﷺ قال: "سبع مواطن لا يجوز فيها الصلاة ظاهر بيت الله والمقبرة والمزبلة والمجزرة والحمام ومعاطن الإبل ومحجة الطريق" ... انتهى. ومذهب الشافعي صحة صلاة الفريضة والنافلة على سطح الكعبة بشرط أن يكون بين يدي المصلي شاخص قدر ثلثي ذراع تقريبا من نفس الكعبة، هذا هو الصحيح من مذهب الشافعي، وفي مذهبه وجه أيضا: يصح في السطح وإن لم يكن الشاخص قدر ثلثي ذراع، وقيل: إنما تصح فيه بشرط أن يكون الشاخص قدر قامة المصلي طولا وعرضا. ومذهب الحنفية: أن الصلاة على السطح جائزة وإن لم يكن بين يدي المصلي سترة، فإن الصلاة في السطح مكروهة لما فيه من ترك التعظيم، وعندهم أن الصلاة على جدار الكعبة صحيحة إذا كان المصلي متوجها إلى سطحها، ولا تصح إذا جعل السطح وراءه. ومذهب الحنابلة: أن صلاة الفريضة لا تصح في سطح الكعبة، وأن النافلة فيه تصح، وأن حكم النافلة على سطحها حكم الفريضة في بطنها إذا كان الباب مفتوحا ومقتضى ذلك أنها لا تصح في السطح إلا إذا كان هناك شاخص. وقد حررنا ارتفاع الشاخص في سطح الكعبة وهو ذراع إلا ثمن ذراع في الجهة الشرقية وفي جهة الحجر بسكون الجيم ذراع وثمن، وفي جهة المغرب ذراع، وفي جهة اليمن ثلثا ذراع، وقد سبق تحريرنا لذلك طولا وعرضا في الباب الثامن، وقد أثبتنا فيما يتعلق بالصلاة في وجه الكعبة وعلى سطحها بما فيه كفاية في ذلك، ويوجد به من الفوائد ما لا يوجد مجتمعا في تأليف، ونسأل الله التوفيق لكل خير.

стр. 236

آداب دخول الكعبة: وأما آداب دخول الكعبة فكثيرة منها: الاغتسال لما رويناه عن عبد الكريم بن أبي المخارق. ومنها: نزع الخف والنعل، لما روينا في سنن سعيد بن منصور عن عطاء وطاوس ومجاهد، وكره مالك دخولها بالخفين والنعلين، وهو قول الحنابلة. ومنها: أنه لا يرفع بصره إلى السقف، لحديث في ذلك رويناه عن عائشة أخرجه الحاكم في "المستدرك"١ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقد تقدم هذا الحديث في الباب التاسع، وإنما كره رفع البصر في الكعبة، لأنه يولد الغفلة واللهو عن القصد، أشار بذلك المحب الطبري في "القرى". ومنها: أن لا يزاحم زحمة شديدة يتأذى بها أو يؤذي بها أحدا، أشار إلى ذلك النووي وغيره. ومنها أن لا يكلم أحدا إلا لضرورة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر. ومنها: أن يلزم قلبه الخشوع والخضوع وعينيه الدموع إن استطاع ذلك وإلا حاول صورتها، ذَكَرَ هذين الأمرين المحب الطبري، وهذا لفظه٢. ومنها: أن لا يسأل مخلوقا، لما رويناه عن سفيان بن عيينة قال: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: سلني حاجتك. قال: أستحي من الله أن أسأل في بيته غيره٣. وذكر الفاكهي ما يقتضي أن التارك لسؤال هشام في الكعبة غير سالم بن عبد الله، لأنه قال: حدثنا محمد بن أبي عمر قال: قال سفيان بن عيينة سمعت بعض من يذكر أن هشام بن عبد الملك أو غيره دخل الكعبة عام حج فلم يدع في الكعبة غير منصور الحجبي، فقال له هشام: سل حاجتك، قال منصور: ما كنت لأسأل غير الله في بيته، فلم يسأله شيئا ... انتهى. وحكم النساء في دخولهن الكعبة حكم الرجال من غير خلاف أعلمه في ذلك.

стр. 237

الباب الحادي عشر: ذكر شيء من فضائل الكعبة: لا شك أن فضل الكعبة مشهور لوروده في القرآن العظيم في غير ما آية، ووروده في السنة الشريفة الصحيحة، وإنما أردنا بذكره ههنا للتبرك، فمن الآيات الواردة في ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦ و٩٧] . واختلف في معنى كونه أول بيت وضع للناس على قولين: أحدهما: أنه أول بيت وضع للعبادة، وكان قبله بيوت لغيرها، وهذا يروى عن علي بن أبي طالب ﵁. والآخر: أنه أول بيت كان في الأرض. قال المحب الطبري: وقوله ﴿مُبَارَكًا﴾ أي كثير الخير لما يحصل لمن حجه، أو اعتمره، أو عكف عنده وطاف حوله من الثواب، وقوله: ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ أي متعبدهم وقبلتهم وقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ مقام عطف بيان على آيات، وبَيَّنَ الجمع بالواحد لاشتماله على آيات أثر قدميه في الصخرة، وبقاؤه وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين. واختلف في أمن الداخل، فقيل: من دخله كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك، وقيل: من دخله لقضاء النسك، معظما لحرمته عارفا بحقه، متقربا إلى الله كان آمنا يوم القيامة، كما جاء: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"١، يعني نهار يوم القيامة، وقيل معناه: أمن من دخله، أي لا

стр. 238

يقتص منه، كما هو مذهب أبي حنيفة، ويُلجأ إلى الخروج منه. وقيل: معناه غير ذلك. ومن الآيات: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] قال المحب الطبري: أي قواما لهم في أمر دينهم ودنياهم، فلا يزال في الأرض دين ما حجت، وعندها المعاش والمكاسب، قال: والمراد بتحريم البيت، سائر الحرم، ونقل عن الضحاك أنه قال: قياما للناس: قياما لدينهم ومعالم حجهم، قال: ويروى نحوه عن السدي، وقال: قال عكرمة: قياما للناس: مكانا لهم. ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما رويناه عن الأزرقي بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي، عن الزنجي، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا البيت دعامة الإسلام، ومن خرج يؤم هذا البيت من حاج، أو معتمر كان مضمونا على الله إن قبضه أن يدخله الجنة، وإن رده أن يرده بأجر وغنيمة" ١. ومنها: ما ورد في تنزيل الرحمات على الكعبة كما في "المعجم الكبير" للطبراني من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ، ولفظه: "إن الله ينزل في كل ليلة ويوم عشرين ومائة رحمة، ينزل على هذا البيت ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين" ٢، ورواه في "الأوسط" إلا أنه قال: "تنزل على هذا المسجد مسجد مكة" ٣، وفي رواية: "وأربعون للعاكفين" بدل "المصلين". وأخرجه الأزرقي في تاريخه٤، بمعنى رواية الطبراني في الكبير. ووقع لنا عاليا جدا أخبرني به ابن الذهبي بقراءتي عليه، قال: أنبأنا عيسى المعلم حضورا وإجازة قال: أنبأنا ابن اللتي، قال: أنبأنا أبو الوقت قال: أخبرتنا لبنى قالت: أنبأنا ابن شريج، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا عبد الله بن عمران العابدي المخزومي بمكة قال: حدثنا يوسف بن الفيض قال ابن صاعد: هكذا كان يسميه وإنما هو يوسف بن السفر أبو الفيض عن الأوزاعي، عن

стр. 239

عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة تنزل على أهل هذا البيت، فستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين" ١. وذكر الشيخ محب الدين الطبري أنه لا تضاد بين الرواية التي فيها أن الرحمات تنزل على هذا البيت، وبين الرواية التي فيها أنها تنزل على مسجد مكة، لأنه يجوز أن يريد بمسجد مكة البيت، ويطلق عليه مسجد بدليل قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ [البقرة: ١٤٤] ، ويجوز أن يريد مسجد الجماعة وهو الأظهر، ويكون المراد بالتنزيل على البيت التنزل على أهل المسجد، وكذلك قسمت الرحمات على أنواع العبادات الكائنة في المسجد. قال: وقوله: "فستون للطائفين ... " إلى آخره، تحتمل في من تأول القسم بين كل فريقين وجهين: الأول: قسمة الرحمات بينهم على المسمى بالتسوية لا على العمل بالنظر إلى قلته وكثرته وضعفه، وما زاد على المسمى فله ثواب من غير هذا الوجه، ونظير هذا الكلام: أعطي الداخلين بيتي مائة دينار، فدخل واحد مرة وآخر مرارا، فلا خلاف في تساويهما في القسم. الوجه الثاني: وهو الأظهر قسمها بينهم على قدر العمل، لأن الحديث ورد في سياق الحث والتخصيص، وما هذا سبيله لا يستوي فيه الآتي بالأقل والأكثر، واستدل المحب الطبري على ذلك بأمور معنوية ظاهرة٢ ... انتهى. ومنها: ما رويناه في "معجم الطبراني الكبير" عن ابن عباس ﵄ قال: "نَظَرَ رسول الله ﷺ إلى الكعبة، فقال: لا إله إلا الله ما أطيبك وأطيب ريحك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك، إن الله جعلك حراما، وحرَّم من المؤمن ماله ودمه وعرضه، وأن يظن به ظنا سيئا ".

стр. 240

ذكر شيء من فضائل الحجر الأسود وما جاء في كونه من الجنة: روينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولولا أن طُمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" ١ أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والترمذي في جامعه، وقال: حديث غريب. ونقل السهيلي عن الترمذي هذا الحديث إلا أنه قال فيه: "إن الركن الأسود والركن اليماني ياقوتتان" وذكر بقية الحديث بالمعنى، وما نقله السهيلي من أن في هذا الحديث والركن اليماني غير معروف، والمعروف فيه: الحجر الأسود والمقام، ولعل ذلك من السهيلي سَبَقُ قَلم، وقد رأيت ما نقلناه عنه في غير نسخة من تأليفه، قال بعد ذكره لهذا الحديث: وفي رواية غيره ولإبراء من استلمهما من الخرس والجذام والبرص ... انتهى. وروينا من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم" أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح٢. وروينا عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الحجر الأسود من الجنة" أخرجه النسائي٣. وروينا عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لولا ما طبع الله من الركن من أنجاس الجاهلية وأرجاسها لاشتفي به من كل عاهة، ولألفاه كهيئته يوم خلقه الله تعالى، وإنما غيره بالسواد لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، وإنها لياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة" ٤. قلت: ذكر شيخنا بالإجازة الإمام بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن الصاحب المقرئ في كون الحجر الأسود من ياقوت الجنة دون غيره من جواهرها حكمة حسنة، لأنه قال فيما أنبأنا به: فإن قلت ما الحكمة في كونه من ياقوتها ولم يكن من غيره من جواهرها؟ قلت: له سر غريب نبهت عليه في كتاب "الرموز" في كشف أغطية الكئوس" وأنا ضنين بذلك، ولكن ألوح بشيء هنا من قشوره، وذلك أن الشمس في الفلك الرابع المتوسط. لو لم يكن وسط الأشياء أحسنها ... ما اختارت الشمس من أفلاكها الوسطى وهي الممتدة لما فوقها وما تحتها من الأفلاك والمعدة في الفلك الرابع من الأنفس، وهي الممتدة لما فوقها وتحتها ويقصرها على النار، ولهذا قال: رسول

стр. 241

الله ﷺ : "المعدة بيت الداء" ١، وما خلق الله فيها عينا نباعة تحض معينة على الهضم والتبريد. ومكة في الفلك المتوسط من الدنيا، وهي محل النار، وهي الممتدة للدنيا، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] أي قواما لدينهم ودنياهم، وجعل الحجر من ياقوت الجنة الذي لا يبالي بالنار ويحصل منه التبريد المعنوي والحسي. وطالما أصلي الياقوت جمر غضا ... ثم انطفى الجمر والياقوت ياقوت ثم سر آخر وهو: أنه نقطة الدائرة الياقوتية، وهذه نكتة من كشف أغطية الكونين، من أراد كشفهما فليصغ أسمعه من ذلك من الميراث النبوي ما لا يسمعه من غيري في هذا الزمان، والله الموفق ... انتهى!! ذكر ما قيل من الحكمة في اسوداد الحجر الأسود بعد بياضه: قال السهيلي بعد أن ذكر شيئا مما يتعلق بالحجر الأسود، وأشار هنا إلى الحكمة في أنه سودته خطايا بني آدم دون غيره من حجارة الكعبة وأستارها، وذلك أن العهد الذي فيه بمعنى الفطرة التي فطر الناس عليها من توحيد الله، فكل مولود يولد على الفطرة، وعلى ذلك فلولا أن أبويه يهودانه وينصرانه ويمجسانه حتى ليسود قلبه بالشرك لما حاد من العهد، فقد صار قلب ابن آدم محلا لذلك العهد والميثاق، وصار الحجر محلا لما كتب فيه من ذلك العهد والميثاق قياسا، فاسود من الخطايا قلب ابن آدم بعد ما حاد عما كان ولد عليه من ذلك العهد، واسود الحجر بعد ابيضاضه، وكانت الخطايا سببا في ذلك، حكمة من الله سبحانه ... انتهى. وقال المحب الطبري: وقد اعترض بعض الملاحدة، فقال: كيف يسود الحجر خطايا أهل الشرك ولا يبيضه توحيد أهل الأيمان؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: ما تضمنه حديث ابن عباس ﵄ المتقدم آنفا: أن الله إنما طمس نوره ليستر زينته عن الظلمة، وكأنه لما تغيرت صفته التي كانت كالزينة له بالسواد كان ذلك السواد له كالحجاب المانع من الرؤية وإن رؤي جرمه، إذا يجوز أن يطلق عليه أنه غير مرئي، كما يطلق على المرأة المستترة بثوب أنها غير مرئية. الثاني: أجاب به ابن حبيب، فقال: لو شاء الله لكان ذلك، وكما علمت أيها المعترض من أن الله تعالى أجرى العادة بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ والبياض ينصبغ ولا يصبغ. والثالث: وهو منقاس: أن يقال إن بقاءه أسود والله أعلم إنما كان للاعتبار ليعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها بالقلوب أعظم٢ ... انتهى.

стр. 242

ذكر ما رؤي من البياض في الحجر الأسود بعد اسوداده: ذكر ابن جبير في خبر رحلته: أن في الحجر الأسود نقطة بيضاء صغيرة مشرقة١ ولم يذكر سواها، وكانت رحلته في سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وقال الفقيه سليمان بن خليل العسقلاني في "منسكه" بعد ذكر الشيء يتعلق بالحجر الأسود: قلت أنا: ولقد أدركت في الحجر الأسود ثلاث مواضع٢ بيض في الناحية التي تلي باب الكعبة المعظمة، إحداها: وهي أكبرهن، في قدر حبة الذرة الكبيرة. والأخرى: إلى جنبها، وهي أصغر منها. والثالثة: إلى جنب الثانية، وهي أصغر من الثانية فإنها في قدر حبة الدخن. ثم إني أتلمح تلك النقطة، فإذا هي كل وقت في نقص ... انتهى. ونقل القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه" كلام ابن خليل هذا، وذكر أنه رأى الحجر الأسود في سنة ثمان وسبعمائة وفيه نقطة بيضاء ظاهرة، وأنه لم يرها في سنة ست وثلاثين إلا بعد جهد٣ ... انتهى. وكنت ذاكرت بهذا الأمر من نحو خمس عشرة سنة بعض مشايخنا فذكر لي أن في الحجر الأسود نقطة بيضاء خفية جدا ... انتهى. ولم يذكر لي موضعها من الحجر، ولعلها النقطة الموجودة فيه الآن، فإن في جانبه مما يلي باب الكعبة من أعلاه نقطة بيضاء قدر حبة سمسمة على ما أخبرني به ثلاثة نفر يعتمد عليهم من أصحابنا الفقهاء المكيين في يوم الجمعة خامس عشر جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثمانمائة، إلا أن بعضهم لم يخبرني بذلك إلا في يوم السبت ثاني تاريخه، وأخبرني الثلاثة أنهم رأوا ذلك في يوم الجمعة المذكور، وشكرت لهم، فالله يثيبهم.

стр. 243

ما جاء في شهادة الحجر الأسود يوم القيامة لمن استلمه بحق: روينا في مسند الدارمي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "ليبعثن الله الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق" ١. وفي رواية "على من استلمه بحق" ٢. أخرجه الترمذي وابن حبان وقال: "له لسان وشفتان". وروينا ما يدل لذلك من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ وروينا ذلك من حديث سلمان الفارسي ﵁ موقوفا عليه. ما جاء في تقبيل النبي ﷺ للحجر الأسود واستلامه له: وروينا عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سئل عن استلام الحجر، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله، أخرجه البخاري٣ ومسلم٤. ما جاء في السجود عليه: وروينا في تقبيل النبي ﷺ الحجر من حديث عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وغيرهما ما جاء في السجود - عليه. وروينا في الترمذي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سجد على الحجر٥. وروينا في سنن البيهقي عنه قال: رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هكذا٦. وروينا عن ابن عباس ﵄ في "مسند الإمام الشافعي" أنه قبل الركن وسجد عليه ثلاث مرات٧. وروينا ذلك أيضا عن طاوس في تاريخ الأزرقي والبيهقي وغيرهما.

стр. 244

ولم ير الإمام مالك السجود على الحجر وقال: هو بدعة، وخالفه الجمهور في ذلك، والله أعلم. ما جاء في الإكثار من استلامه: روينا في "تاريخ الأزرقي" بالسند المتقدم إليه: قال حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني زهير بن محمد، عن منصور بن عبد الرحمن الحجبي، عن أمه، عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا استلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه، بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا وقد فقدوه، إن الله تعالى لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة" ١. ما جاء في مفاوضة الحجر الأسود: روينا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاوض الحجر الأسود فإنما يفاوض يد الرحمن" أخرجه ابن ماجه. قال المحب الطبري: وقوله: فاوض أي لامس وخالط، من مفاوضة الشريكين وتفويض كل منهما إلى صاحبه٢ ... انتهى. ما جاء في أن الحجر الأسود يمين الله يصافح بها عباده واستجابة الدعاء عنده: روينا في تاريخ الأزرقي بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن أبي إسماعيل، عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي حسين، عن ابن عباس ﵄ قال: الركن يمين الله يصافح بها خلقه، والذي نفس ابن عباس بيده ما من امريء مسلم يسأل الله تعالى عنده شيئا إلا أعطاه إياه٣ ... انتهى. وروي هذا عن النبي ﷺ لأن أبي ٤ عبد القاسم بن سلام روى أن النبي ﷺ قال: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض". ورواه أبو طاهر المخلص في "فوائده" في الجزء الثاني من التاسع وزاد: "فمن لم يدرك بيعة رسول الله ﷺ ومسح الحجر الأسود بيده فقد بايع رسول الله ﷺ ".

стр. 245

قال المحب الطبري: ومعنى الحديث والله أعلم أن كل ملك إذا قُدِمَ عليه قُبِلَت يمينه، ولما كان الحاج والمعتمر أول ما يقدمان يسن لهما تقبيله نزل منزلة يمين الملك ويده، ولله المثل الأعلى، وكذلك من صافحه كان له عند الله عهد، كما أن الملوك تعطي العهد بالمصافحة، والله أعلم١. أنشدني العلامة بدر الدين أحمد بن محمد بن الصاحب المصري إجازة لنفسه قوله: للحجر الأسود كم لاثم ... وساجد مرغ فيه الجباه تزدحم الأفواه في ورده ... كأنه ينبوغ ماء الحياة وقوله فيما أنبأنا به: في الحجر الأسود كم أودعت ... أسرار أنس من علوم الغيوب تزدحم الأفواه في لثمه ... كأنه يلفظ قوت القلوب وقوله فيما أنبأنا به: للحجر الأسود سر خفي ... وقد بدا للعين منه شهود قد ضمت قلوب الورى ... كأنه قلب سواد الوجود وقوله فيما أنبأنا به: أقول وقد زوحمت عن لثم أسود ... من البيت إن تحجب فما السر يحجب فإنك مني بالمحل الذي به ... محل سواد العين، أو أنت أقرب

стр. 246

ذكر فضل الركن اليماني وما جاء في تقبيله ووضع الخد عليه روينا في "سنن الدارقطني" عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه١. وروينا في تاريخ البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استلم الركن اليماني قبله٢.

стр. 247

وروينا في تاريخ الأزرقي عن مجاهد قال: كان رسول الله ﷺ يستلم الركن ويضع خده عليه١. قلت: تقبيل النبي ﷺ الركن اليماني ووضع خده عليه، لا يثبت، وأما استلامه له فثابت. ما جاء في استلام النبي للركن اليماني: روينا في مسند أحمد بن حنبل وغيره عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوافه، وكان هو يفعله، أخرجه أبو داود٢ والنسائي. وقال المحب الطبري بعد إخراجه لهذا الحديث: وفيه دلالة على استحباب التقبيل والاستلام في كل طواف، واستحبه بعضهم في كل وتر، وروي ذلك عن الشافعي وطاوس٣ ... انتهى. وقوله: وفيه دلالة على استحباب التقبيل، يعني في الحجر الأسود لا في الركن اليماني والاستلام فيها، والله أعلم. ما جاء في المزاحمة على استلام الركن اليمان والحجر الأسود وأن مسحهما كفارة للخطايا: وروينا عن ابن عمر ﵄ أنه كان يزاحم على الركنين، فقيل له في ذلك، فقال: إن أفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن مسحهما كفارة للخطايا" أخرجه الترمذي٤. وروينا عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحط الخطايا حطا" أخرجه أحمد بن حنبل وابن حبان في صحيحه٥.

стр. 248

ما جاء في عدم استحباب ذلك للنساء بحضره الرجال: روينا عن عطاء، عن عائشة ﵂ أنها قالت لامرأة: "لا تزاحمي على الحجر، إن رأيت خلوة فاستلمي، وإن رأيت زحاما فكبرى وهللي إذا حاذيتِ، ولا تؤذي أحدًا" أخرجه سعيد بن منصور. وروينا عن عائشة بنت سعد أنها قالت: كان أبي يقول: إذا وجدتن فرجة من الناس فاستلمن وإلا فكبرن وامضين. أخرجه الإمام الشافعي. وفي البخاري: عن عطاء، عن عائشة ﵂ ما يقتضي ترك استلام الحجر للنساء، وهو محمول على ما إذا حضر الرجال كما هو مقتضى الخبر الذي رواه سعيد بن منصور في "سننه" والله أعلم. ما جاء في إكثار النبي ﷺ من استلامه واستغفار الملائكة لمن استلمه: روينا في تاريخ الأزرقي عن عطاء قال: قيل: يا رسول الله: تكثر من استلام الركن اليماني؟ قال ﷺ : "ما أتيت عليه قط إلا وجبريل ﵊ قائم عنده يستغفر لمن استلمه" ١. ما جاء في تأمين الملائكة على الدعاء عنده واستجابة الدعاء عنده: روينا عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وُكِّلَ به سبعون ملكا -يعني: الركن اليماني- فمن قال: اللهم إن أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: آمين" أخرجه ابن ماجه وغيره٢. وروينا في تاريخ الأزرقي عن ابن عمر ﵄ قال: على الركن اليماني ملكان يؤمنان على دعاء من مر بهما، وإن على الحجر الأسود من الملائكة ما لا يحصى٣. وروينا فيه عن مجاهد قال: من وضع يده على الركن اليماني ثم دعا استجيب له٤.

стр. 249

وسيأتي في خبر المستجار وهو عند الركن اليماني شيء من هذا المعنى. ما جاء في أن الركن اليماني باب من أبواب الجنة: روينا في تاريخ الأزرقي عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: يا بنيّ أَدْنِنِي من الركن اليماني، فإنه كان يقال: إنه باب من أبواب الجنة١. وروينا نحوه عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وذكر السهيلي شيئا من سبب تسمية الركن اليماني بالركن اليماني، لأنه قال: وأما الركن اليماني فسمي باليماني فيما ذكر القتبي، لأن رجلا من اليمن بناه اسمه أبي بن سالم وأنشد: لنا الركن اليماني٢ من البيت الحرام ... وراثة بقية ما أبقى أُبَيّ بن سالم٣ ... انتهى.

стр. 250

الباب الثاني عشر: ذكر ما ورد في ثواب الطواف عموما من غير تقييد بزمن: أخبرني ابن أبي المجد الخطيب، عن الدشتي قال: أخبرنا ابن خليل الحافظ قال: أنبأنا الداراني قال: أنبأنا الحداد، قال: أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال: أنبأنا ابن فارس قال: أنبأنا يونس بن حبيب قال: أخبرنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا همام، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من طاف بهذا البيت سبعا يحصيه كتب له بكل خطوة حسنة، ومحيت عنه سيئة، ورفعت له درجة، وكان له عدل رقبة" أخرجه الترمذي وحسنه١. وأخرج النسائي بعضه، ولفظه: "من طاف بالبيت سبعا فهو كعدل رقبة" ٢ وكذلك أخرجه ابن ماجه، إلا أنه قال: "من طاف بالبيت وصلى ركعتين" ٣ وفي بعض طرق الحديث: "خلف المقام". ومعنى يحصيه: أي يتحفظ فيه لئلا يغلط، قاله ابن وضاح وغيره. وروينا في صحيح ابن حبان وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في مسجد الخيف، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما عليه، ودعوا له دعاء حسنا، ثم قالا: جئناك يا رسول الله نسألك ... الحديث بطوله، وفيه: أن النبي ﷺ قال للأنصاري: "وأما طوافك بالبيت: فإنك لا تضع قدما ولا
следующие страницы →