ذكر فضل الركن اليماني وما جاء في تقبيله ووضع الخد عليه
روينا في "سنن الدارقطني" عن ابن عباس ﵄ قال: "كان النبي ﷺ يقبل الركن اليماني ويضع خده عليه١.
وروينا في تاريخ البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا استلم الركن اليماني قبله٢.
стр. 247
وروينا في تاريخ الأزرقي عن مجاهد قال: كان رسول الله ﷺ يستلم الركن ويضع خده عليه١.
قلت: تقبيل النبي ﷺ الركن اليماني ووضع خده عليه، لا يثبت، وأما استلامه له فثابت.
ما جاء في استلام النبي للركن اليماني:
روينا في مسند أحمد بن حنبل وغيره عن ابن عمر ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل طوافه، وكان هو يفعله، أخرجه أبو داود٢ والنسائي.
وقال المحب الطبري بعد إخراجه لهذا الحديث: وفيه دلالة على استحباب التقبيل والاستلام في كل طواف، واستحبه بعضهم في كل وتر، وروي ذلك عن الشافعي وطاوس٣ ... انتهى.
وقوله: وفيه دلالة على استحباب التقبيل، يعني في الحجر الأسود لا في الركن اليماني والاستلام فيها، والله أعلم.
ما جاء في المزاحمة على استلام الركن اليمان والحجر الأسود وأن مسحهما كفارة للخطايا:
وروينا عن ابن عمر ﵄ أنه كان يزاحم على الركنين، فقيل له في ذلك، فقال: إن أفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن مسحهما كفارة للخطايا" أخرجه الترمذي٤.
وروينا عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحط الخطايا حطا" أخرجه أحمد بن حنبل وابن حبان في صحيحه٥.
стр. 248
ما جاء في عدم استحباب ذلك للنساء بحضره الرجال:
روينا عن عطاء، عن عائشة ﵂ أنها قالت لامرأة: "لا تزاحمي على الحجر، إن رأيت خلوة فاستلمي، وإن رأيت زحاما فكبرى وهللي إذا حاذيتِ، ولا تؤذي أحدًا" أخرجه سعيد بن منصور.
وروينا عن عائشة بنت سعد أنها قالت: كان أبي يقول: إذا وجدتن فرجة من الناس فاستلمن وإلا فكبرن وامضين. أخرجه الإمام الشافعي.
وفي البخاري: عن عطاء، عن عائشة ﵂ ما يقتضي ترك استلام الحجر للنساء، وهو محمول على ما إذا حضر الرجال كما هو مقتضى الخبر الذي رواه سعيد بن منصور في "سننه" والله أعلم.
ما جاء في إكثار النبي ﷺ من استلامه واستغفار الملائكة لمن استلمه:
روينا في تاريخ الأزرقي عن عطاء قال: قيل: يا رسول الله: تكثر من استلام الركن اليماني؟ قال ﷺ : "ما أتيت عليه قط إلا وجبريل ﵊ قائم عنده يستغفر لمن استلمه" ١.
ما جاء في تأمين الملائكة على الدعاء عنده واستجابة الدعاء عنده:
روينا عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وُكِّلَ به سبعون ملكا -يعني: الركن اليماني- فمن قال: اللهم إن أسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قالوا: آمين" أخرجه ابن ماجه وغيره٢.
وروينا في تاريخ الأزرقي عن ابن عمر ﵄ قال: على الركن اليماني ملكان يؤمنان على دعاء من مر بهما، وإن على الحجر الأسود من الملائكة ما لا يحصى٣.
وروينا فيه عن مجاهد قال: من وضع يده على الركن اليماني ثم دعا استجيب له٤.
стр. 249
وسيأتي في خبر المستجار وهو عند الركن اليماني شيء من هذا المعنى.
ما جاء في أن الركن اليماني باب من أبواب الجنة:
روينا في تاريخ الأزرقي عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: يا بنيّ أَدْنِنِي من الركن اليماني، فإنه كان يقال: إنه باب من أبواب الجنة١.
وروينا نحوه عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
وذكر السهيلي شيئا من سبب تسمية الركن اليماني بالركن اليماني، لأنه قال: وأما الركن اليماني فسمي باليماني فيما ذكر القتبي، لأن رجلا من اليمن بناه اسمه أبي بن سالم وأنشد:
لنا الركن اليماني٢ من البيت الحرام ... وراثة بقية ما أبقى أُبَيّ بن سالم٣
... انتهى.
стр. 250
الباب الثاني عشر:
ذكر ما ورد في ثواب الطواف عموما من غير تقييد بزمن:
أخبرني ابن أبي المجد الخطيب، عن الدشتي قال: أخبرنا ابن خليل الحافظ قال: أنبأنا الداراني قال: أنبأنا الحداد، قال: أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال: أنبأنا ابن فارس قال: أنبأنا يونس بن حبيب قال: أخبرنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا همام، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من طاف بهذا البيت سبعا يحصيه كتب له بكل خطوة حسنة، ومحيت عنه سيئة، ورفعت له درجة، وكان له عدل رقبة" أخرجه الترمذي وحسنه١.
وأخرج النسائي بعضه، ولفظه: "من طاف بالبيت سبعا فهو كعدل رقبة" ٢ وكذلك أخرجه ابن ماجه، إلا أنه قال: "من طاف بالبيت وصلى ركعتين" ٣ وفي بعض طرق الحديث: "خلف المقام". ومعنى يحصيه: أي يتحفظ فيه لئلا يغلط، قاله ابن وضاح وغيره.
وروينا في صحيح ابن حبان وغيره عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في مسجد الخيف، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما عليه، ودعوا له دعاء حسنا، ثم قالا: جئناك يا رسول الله نسألك ... الحديث بطوله، وفيه: أن النبي ﷺ قال للأنصاري: "وأما طوافك بالبيت: فإنك لا تضع قدما ولا
стр. 251
ترفعها إلا كتب الله تعالى لك بها حسنة، ومحا بها عنك خطيئة، ورفعك بها درجة، وأما ركعتيك ١ بعد الطواف فكعتق رقبة. وأما طوافك بالبيت بعد ذلك يعني الحج: فإنك تطوف ولا ذنب عليك" ٢.
وأنبأني أبو بكر بن محمد بن عبد الرحمن المزي ابن أخي الحافظ أبي الحجاج المزي، أن أحمد بن أبي طالب الصالحي الحجار أخبره سماعا، وأخبرني المفتي أبو بكر بن الحسين الشافعي سماعا بطيبة، عن أحمد بن أبي طالب إذنا قال: أنبأنا أحمد بن يعقوب المارستاني قال: قال أنبأنا ابن النحاس، عن أبي القاسم بن التسري قال: أنبأنا ابن النحاس، عن أبي القاسم بن التسري قال: أنبأنا أبو طاهر قال: حدثنا يحيى هو ابن صاعد قال: حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا ابن يحيى بن يمان، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" أخرجه الترمذي عن سفيان بن وكيع فوقع لنا موافقة له عليه، وقال: حسن غريب٣ ... انتهى.
والمراد بالخمسين مرة: خمسون أسبوعا، لأنا روينا عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت خمسين أسبوعا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وهذه الرواية في معجم الطبراني، وساقها عنه المحب الطبري بسنده، وعزا ذلك أيضا لمصنف عبد الرزاق وقال: قال أهل العلم: وليس المراد أن يأتي بها متوالية في آن واحد، وإنما المراد أن يوجد في صحيفة حسناته ولو في عمره كله٤ ... انتهى.
وذكر المحب الطبري أن بعض أهل العلم ذكر أن لعدد الطواف سبع مراتب:
الأول: خمسون أسبوعا في اليوم والليلة، للحديث المتقدم.
الثاني: إحدى وعشرون، فقد قيل: سبعة أسابيع بعمرة، ورود ثلاث عمر بحجة.
الثالث: أربعة عشر، فقد ورد عمرتان بحجة، وهذا في غير عمرة رمضان، لأن العمرة فيه كحجة.
الرابع: اثنا عشر أسبوعا، خمسة بالنهار، وسبعة بالليل كما تقدم من فعل آدم ﵇، وفعل ابن عمر ﵄.
الخامس: سبعة أسابيع.
стр. 252
السادس: ثلاثة أسابيع.
السابع: أسبوع واحد، والله أعلم.
نقل هذا عن المحب الطبري: القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه"، وهذا لفظه بحروفه١.
والأحاديث الواردة في فضل الطواف أكثر من هذا، وإنما اقتصرنا على هذه الأحاديث الثلاثة، لأنها أجود إسنادا من غيرها، وفي "أخبار مكة " للأزرقي، وأخبارها للفاكهي، وفضائلها للجندي، ورسالة الحسن البصري، جمل كثيرة من فضائل الطواف، وقد ذكرنا بعض ذلك في أصل هذا الكتاب وفيما ذكرناه هنا كفاية.
ما جاء في فضل الطواف في الحر:
روينا في "أخبار مكة" للجندي عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: "من طاف حول البيت سبعا في يوم صائف شديد حره، وحسر على رأسه، وقارب بين خطاه، وقل التفاته، وغض بصره، وقل كلامه إلا بذكر الله تعالى، واستلم الحجر في كل طواف من غير أن يؤذي أحدا، كتب الله له بكل قدم يرفعها ويضعها سبعين ألف حسنة، ويعتق عنه سبعين رقبة، ثمن كل رقبة عشرة آلاف، ويعطيه الله سبعين ألف شفاعة إن شاء في أهل بيته من المسلمين، وإن شاء في العامة، وإن شاء عجلت له في الدنيا، وإن شاء أخرت له في الآخرة" هذا حديث ضعيف الإسناد جدًّا٢.
ما جاء في الطواف في المطر:
أخبرني ابن الذهبي قال: أنبأني المطعم حضورا وإجازة، قال: أنبأنا ابن اللَّتِّي قال: أنبأنا أبو الوقت قال: أخبرتنا لُبنى قالت: أنبأنا ابن أبي شريح قال: حدثنا يحيى هو ابن صاعد قال حدثنا عبد الله بن عمر أن العايدي قال: حدثنا داود بن عجلان، عن أبي عقل قال: طفت مع أنس بن مالك ﵁ في يوم مطير، فقال أنس ﵁: طفت مع النبي ﷺ في يوم مطير، فقال: "ائتنفوا٣ للعمل فقد كُفِيتُم ما مضى" أخرجه ابن ماجه، وأخرجه الأزرقي عن جده، وابن أبي عمر عن داود. فوقع لنا بدلا له عاليا بدرجتين، وهو حديث ضعيف الإسناد جدا، لمكان أبي عقال وهو هلال بن يزيد٤.
стр. 253
ما جاء في الطواف إذا وقع بعد صلاة الصبح أو العصر وانقضى مع طلوع الشمس أو غروبها:
روينا في تاريخ الأزرقي بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي، عن عبد الرحمن بن زيد العمي عن أبيه، عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب قالا: قال رسول الله ﷺ : " طوافان لا يوافقهما عبد مسلم إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فيغفر له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت: طواف بعد صلاة الصبح وفراغه مع طلوع الشمس، وطواف بعد صلاة العصر وفراغه مع غروب الشمس"١.
قال المحب الطبري بعد إخراجه لهذا الحديث: ويحتمل أن يريد بالبعدية ما بعد الطلوع والغروب ولو بلحطة لتسع أسبوعا، ويحتمل أن يريد استيعاب الزمنين بالعبادة ولعله الأظهر، وإلا لقال طواف قبل الطلوع وقبل الغروب، وعلى هذا فيكون حجة، على من كرهه في الوقتين٢ ... انتهى.
وقال المحب الطبري لما ترجم على هذا الحديث: "ما جاء في فضل الطواف عند طلوع الشمس وغروبها"، وهكذا ترجم عليه الأزرقي: "ما جاء في تفضيل الطواف على الصلاة".
قال الفاكهي: حدثنا محمد بن نصر المصري قال: حدثنا أيوب بن سويد الرملي قال: حدثنا محمد بن جابر، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان أحب الأعمال إلى النبي ﷺ إذا قدم مكة الطواف بالبيت٣ ... انتهى.
وروينا عن النبي ﷺ حديثا يدل على تفضيل الطواف على الصلاة ولكن الحديث لا تقوم به حجة لضعف إسناده، فإن فيه يوسف بن السفر وهو متروك٤.
وقد تقدم هذا الحديث في الباب الحادي عشر، وهو حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة تنزل على أهل البيت، فستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين" ٥.
стр. 254
وقد استدل به على تفضيل الطواف على الصلاة: الماوردي، وسليمان بن خليل.
وقال المحب الطبري لما تكلم على هذا الحديث بعد أن ذكر كيفية قسمة الرحمات بين كل فريق: إذا تقرر ذلك، فالتفضيل في الرحمات بين المتعبدين بأنواع العبادات الثلاث أدل دليل على أفضلية الطواف على الصلاة، والصلاة على النظر إذا تساووا في الوصف، هذا هو المتبادر إلى الفهم عند سماع ذلك فيختص به١.
ومما ورد من الأحاديث المتقدمة في ذكر فضل الطواف عموم قوله ﷺ : "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة"، "الصلاة خير موضوع". أو يقول: الطواف نوع من الصلاة بشهادة ما تقدم من الأحاديث في أركان الشروط، فيكون داخلا في عموم حديث تفضيل الضلاة على سائر أعمال البدن، ولا ينكر أن بعض الصلاة أفضل من بعض، وأورد على ذلك سؤالا وأجاب عنه، ثم قال: ووجه تفضيل هذا النوع من الصلاة وهو الطواف على غيره من الأنواع: ثبوت الأخصية له بمتعلق الثلاثة، وهو البيت الحرام ولا خفاء بذلك، ولذلك بدأ في الذكر هنا وفي قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ في الآيتين، ولما كانت الصلاة على تنويعها لم تشرع إلا عبادة، والنظر قد يكون عبادة إذا قصد التعبد به، وقد لا يكون، وذلك إذا لم يقترن به قصد التعبد به تأخر في المرتبة.
وقولنا: إذا تساووا في الوصف يحترز مما إذا اختلف وصف المتعبدين، فكان الطائف ساهيا غافلا، والمصلي والناظر خاشعا يعبد الله كأنه يراه، أو كأن الله يراه، كان المتصف بذلك أفضل من غير المتصف به، إذ ذلك الوصف لا يعد له عمل جارحة خاليا منه وهو المشار إليه -والله أعلم- في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الأعراف: ١٧٠] . وسئل ﷺ عن الإحسان فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وكثير من العلماء يذهب في توجيه اختلاف القسم بين الطائفين، والمصلين، والناظرين: بأن الرحمات المائة والعشرين قسمت ستة أجزاء، فجعل جزء للناظرين، وجزآن للمصلين، لأن المصلي ناظر في الغالب، فجزء للنظر، وجزء للصلاة، والطائف لما اشتمل على المعاني الثلاثة، كان له ثلاثة أجزاء: جزء للنظر، وجزء الصلاة وجزء للطواف، وهذا القائل لا يثبت للطواف أفضلية على الصلاة وإنما يثبت بقوله: "كثرة الرحمات له"! بسبب اشتماله على الصلاة وما ذكرناه أولى، وفيما ذكره نظر، فإن الطائف الأعمى، وكذلك المصلي ينالهما ما يثبت للطائف والمصلي، وإن لم ينظرا، وكذا المتعمد ترك النظر فيها لا ينتقص قسمه بسبب ذلك، فدل ذلك على أن المراد صلاة غير ركعتي الطواف. فإن كثرة الطواف منسوبة إليه إما وجوبا أو ندبا، فهي منه. وأما النظر فيه: فإن لم يقترن بقصد التعبد فلا أثر له، وإن قصد به التعبد، فالظاهر أنه
стр. 255
ينال به أجر الناظر زائدا على أجر الطواف، والله أعلم ... انتهى كلام المحب الطبري١ وهو كلام نفيس متجه شاف في هذه المسألة.
وفرق فيها بعض العلماء بين الغرباء وأهل مكة فقال: إن الطواف للغرباء أفضل، لعدم تأتيه لهم كل وقت، والصلاة لأهل مكة أفضل لتمكنهم من الأمرين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغير واحد من العلماء والله أعلم.
ما جاء في تفضيل الطواف على العمرة:
روينا بالسند المتقدم إلى الأزرقي قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا الزنجي، عن ابن جريج قال: أخبرني قدامة بن موسى بن قدامة بن مظعون قال: إن أنس بن مالك ﵁ قدم المدينة، فركب إليه عمر بن عبد العزيز، فسأله عن الطواف للغرباء أفضل أم العمرة؟ فقال: بل الطواف٢.
قال المحب الطبري بعد إخراجه لهذا الحديث ومراد أنس والله أعلم أن تكرار الطواف أفضل من العمرة، ولا يريد به طواف أسبوع واحد، فإنه موجود في العمرة. وقد ذهب قوم من أهل عصرنا إلى تفضيل العمرة عليه، ويرون الاشتغال بها أفضل من تكراره والاشتغال به، ويستفرغون وسعهم فيها بحيث لا يبقى في أحدهم من يستعين بها على الطواف، وذلك خطأ ظاهر، وأول دليل على خطئه: مخالفة السلف الصالح في ذلك قولا وفعلا، إذ لم ينقل تكرارها والإكثار منها عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، واستدل على ذلك المحب الطبري ثم قال: وقد أفردنا الكلام في هذه المسألة تأليفا، وبسطنا القول فيه على أن لا يدعى كراهة تكرارها بل يقول: إنها عبادة كثيرة الفضل، عظيمة الخطر، لكن الاشتغال بتكرار الطواف في مثل مدتها أفضل من الاشتغال بها٣، والله أعلم ... انتهى كلام المحب الطبري. وتأليفه المشار إليه هو المسمى: "عواطف النصرة في تفضيل الطواف على العمرة".
وقال القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه" بعد أن ذكر كلام المحب الطبري هذا: وهو حسن، ثم قال: وكيف يكون حال من يجعل نفسه قصيا متعبدا لينال فضيلة القصد والزيارة، أفضل من حال من هو بالحضرة مشاهد مقيم يتردد حول المقصود والمزار بخطوات ترفع الدرجات، وتكسب الحسنات، وتمحو الأوزار؟ ولهذا كان رأي السلف الصالح تعهد العمرة دون الإشتغال بها عن الطواف بحيث لا تصير مهجورة، والله أعلم. والخير في اتباعهم ... انتهى كلام ابن جماعة٤.
стр. 256
وقد أخبرني عنه خالي سماعا، وقد جنح إلى ذلك أيضا على ما بلغني بعض العلماء المعاصرين لابن جماعة وهو العلامة شمس الدين أبو أمامة محمد بن علي المعروف بابن النقاش الشافعي، وألفيت بخط بعض أصحابنا أن لأبي أمامة بن النقاش هذا تأليفا جليلا في المنع في العمرة من مكة لمن هو مقيم بها ... انتهى. وأستبعد أن يكون لأبي أمامة تأليف في منع المقيم بمكة من العمرة، فإنه لا وجه لذلك، ولعل تأليفه في عدم استحباب تكرار العمرة، والله أعلم.
وللإمام الكبير تقي الدين ابن تيمية كلام يقتضي عدم استحباب تكرار العمرة من مكة وإنكاره؛ لأنه قال: ولم يكن على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أحد يخرج من مكة ليعتمر إلا لعذر، لا في رمضان، ولا في غير رمضان والذين حجوا مع النبي ﷺ ليس فيهم من اعتمر بعد الحج إلا عائشة ﵂ ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين ... انتهى.
وخالف في ذلك من أهل عصره على ما بلغني خطيب دمشق: جمال الدين محمود بن جملة الشافعي، والشيخ العلامة الولي العارف عبد الله اليافعي، وصنف في ذلك كتابا سماه: الدرة المستحسنة في تكرار العمرة في السنة".
وسئل شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني عن العمرة والطواف أيهما أفضل؟ وما الذي يفتي به في ذلك؟ فقال: والمفتى به في ذلك: أن تكرار العمرة أفضل ولا سيما في رمضان انتهى.
وكذلك قال تلميذه العلامة زين الدين الفارسكوري، وصنف في ذلك كتابا سماه "الإنصاف في تفضيل العمرة على الطواف".
وسمعت بعض مشايخنا يحكي عن بعض العلماء أن المعتمر يمتاز عن الطائف بأمرين: أحدهما: الدخول في دعوة النبي ﷺ بالرحمة للمحلقين والمقصرين.
والآخر: دعوته ﷺ للحاج والمعتمر بزيادة التشريف والتكريم والتعظيم والبر.
هذا معنى ما سمعته من مشايخنا، وهو كلام متجه، لأنه كلما اعتمر فاز بذلك، ويعظم الفوز بذلك بتكراره، والله أعلم.
ولعل محل الخلاف فيما إذا اشتغل إنسان بالعمرة حتى فرغ منها، وآخر بالطواف مدة اشتغال المعتمر بالعمرة، وليس في محل الخلاف الاشتغال عن الطواف بالعمرة في جميع الزمن أو أكثره بأن يكرر الخروج للتنعيم للعمرة في اليوم الواحد أو الليلة فلا يبقى فيه بعد ترويح بدنه للطواف إلا نشاط قليل، ولا سيما إن كرر ذلك في الأيام والليالي كما يصنع كثير من الناس في شهر رمضان، حتى أن بعضهم يخرج إلى التنعيم للعمرة في اليوم الواحد ثلاث مرات، ويحكى عن بعضهم أكثر من ذلك، وكل هذا لا
стр. 257
يعرف مثله عن السلف المقتدى بهم فهذا سيد الأولين والآخرين ﷺ وأصحابه ﵃ أقاموا بمكة بعد أن فتح الله عليهم، بضع عشرة ليلة، أولها العشر الأخير من رمضان، فما نقل أخباري عنه ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنه خرج في هذه المدة إلى التنعيم للاعتمار، ولو وقع ذلك لنقل كما نقل غيره من أفعالهم، ولم ينقل عمن كان بمكة بعد النبي ﷺ من الصحابة والتابعين تكرار الخروج في اليوم الواحد إلى التنعيم، ولا الخروج إليه للعمرة في كل يوم إلا ما يروى عن علي وابن عمر ﵃ أنهما كانا يعتمران في كل يوم، وهذا عنهما في بعض كتب الفقه فيما ذكره القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه الكبير" قال: وليس لذلك أصل في كتب الحديث١ ... انتهى.
والذي صح عن بعض الصحابة والتابعين ﵃: الخروج إلى التنعيم للعمرة من غير تكرار، فالاقتصار على فعل مثل ما نقل عنهم أولى، لأنهم أعرف الناس بأفضل العبادات، وأشدهم حرصا على فعل أفضلها، والله أعلم بالصواب.
ما جاء في فضل الطائفين:
أخبرني ابن الذهبي بقراءتي عليه قال: أنبأنا الأمين بن النحاس حضورا إجازة قال: أنبأنا الساوي قال: أنبأنا السلفي قال: أنبأنا العلاف قال: أنبأنا ابن بشر قال: أنبأنا الأجري قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني قال: حدثنا يحيى بن أيوب العابد قال: حدثنا محمد بن صبيح بن السماك، عن عائذ بن بشير، عن عطاء قال: قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يباهي بالطائفين" ٢.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أكرم سكان السماء على الله تعالى: الذين يطوفون حول عرشه، وأكرم سكان الأرض الذين يطوفون حول بيته" ذكر هذا الحديث هكذا سليمان بن خليل في "منسكه"، ورويناه في "رسالة الحسن البصري عن النبي ﷺ ، وروينا فيها من قول الحسن: وإن الله ليباهي بالطائفين ملائكته، ولو أن الملائكة صافحت أحدا لصافحت الطائفين حول بيت الله٣ ... انتهى باختصار.
стр. 258
قلت: إذا كان الطائف بهذه المزية، فينبغي له إخلاص النية، وحفظ اللسان عما يؤدي إلى النقصان، وما أحسن قول الشيخ محب الدين الطبري: واعلم أن التحدث في الطواف على غير النحو المتقدم في الفصل قبله خطأ كبير وغفلة عظيمة، ومن لابس ذلك فقد لابس ما يمقت عليه، خصوصا أنه صدر ممن ينسب إلى العلم والدين فإنه إذا أنكر على من دونه واحتج به فصار فتنة لكل مفتون، ومن أمر محادثة المخلوق في أمر الدنيا، والإقبال عليه، والإصغاء لحديثه على ذكر خالقه، والإقبال عليه وعلى ما هو متلبس به عبادته، فهو عين الرأي، لأن طوافه بجسده، وقلبه لاه ساه، وقد غلب الخوض فيما لا يعنيه حتى استرسل في عبادته، كذلك فهو إلى الخسران أقرب منه إلى الربح، ومثل هذا خليق بأن يشكوه إلى الله وإلى جبريل ﵇ ولعل الملائكة تتأذى به، وكثير من الطائفين يتبرءون منه، فعلى الطائف أن يبذل جهده في مجانبة ذلك١ ... انتهى.
وقال سليمان بن خليل: وليحذر أن يكون ممن وصفه بعض العلماء العاملين فقال:
يا من يطوف ببيت الله بالجسد ... والجسم في بلد والروح في بلد!
ماذا فعلت وماذا أنت فاعله؟ ... بهرج في اللقا للواحد الصمد
إن الطواف بلا قلب ولا بصر ... على الحقيقة لا يشفي من الكمد
стр. 259
ذكر بدء الطواف بهذا البيت المعظم وما ورد من طواف الملائكة
...
ذكر بدء الطواف بهذا البيت العظيم وما ورد من طواف الملائكة:
روينا في تاريخ الأزرقي أن بعض أهل الشام سأل بمكة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن بدء الطواف بهذا البيت، فقال له علي بن الحسين: أما بدء الطواف بهذا البيت: فإن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .
قالت الملائكة: يا رب، أخليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون ويتباغضون ويتنازعون؟ أي رب اجعل ذلك الخليفة منا، فنحن لا نفسد فيها، ولا نسفك الدماء، ولا نتحاسد ولا نتباغض١ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، ونطيعك ولا نعصيك. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] قال: فظنت الملائكة إنما قالوا ردًّا على ربهم وأنه قد غضب من قولهم، فلاذوا بالعرش، ورفعوا رءوسهم، وأشاروا بالأصابع يتضرعون ويبكون إشفاقا لغضبه، وطافوا بالعرش ثلاث ساعات، فنظر
стр. 260
الله إليهم، فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله تعالى تحت العرش بيتا على أربع أساطين من زبرجد، وكساهن بياقوتة حمراء، وسمى البيت الضراح، ثم قال الله للملائكة: طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش. قال: فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش، وصار أهون عليهم. وهو البيت المعمور الذي ذكره الله يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبدا، ثم إن الله بعث ملائكة فقال: ابنوا لي بيتًا في الأرض بمثاله وقدره، وأمر الله من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، فقال الرجل: صدقت يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم١ ... انتهى.
وروينا نحوه بالمعنى مختصرا في كتاب "النسب" للزبير بن بكار قاضي مكة.
وروينا في "تاريخ الأزرقي" وغيره أخبارا أُخر تدل على طواف الملائكة بالبيت منها: ما رواه الأزرقي بسنده إلى وهب بن منبه قال: وقرأت في كتاب من الكتب الأولى ذكر فيه الكعبة، فوجد فيه، أنه ليس من ملك بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقضّ من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف سبعًا، ويركع في جوفه ركعتين ثم يصعد٢.
ومنها: ما رواه بسنده عن محمد بن المنكدر قال: كان أول شيء عمله آدم ﵇ حين أهبط من السماء طاف بالبيت الحرام، فلقيته الملائكة فقالوا: بر نسكك يا آدم فإنا قد طفنا بهذا البيت قبلك بألفي سنة.
стр. 261
ذكر طواف بعض الجن والدواب والطير بالكعبة:
روينا في تاريخ الأزراقي خبرا فيه أن الجن طاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام، ثم انقلب إلى أهله فقتله شاب من بني سهم، فثارت بمكة غيرة وفتنة بين الجن وبين بني سهم١.
وروينا في تاريخ الأزرقي أيضا خبرًا فيه: أن أنمار وهي الحية الذكر طاف بالبيت سبعا وصلى ركعتين وراء المقام، ثم كوم برأسه كومة بطحاء فوضع ذنبه عليها، فسما إلى السماء فما رُئي.
وروين في تاريخ الأزرقي: أن طيرا طاف على منكب بعض الحجاج أسابيع والناس ينظرون إليه وهو مستأنس منهم، ثم طار وخرج من المسجد الحرام، وذلك في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائتين٢.
стр. 262
ما جاء من أن شرعية الطواف لإقامة ذكر الله:
روينا في مسند الدارمي بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: إنما جعل الطواف بالبيت، ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة، لإقامة ذكر الله، وروينا فيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ نحوه١، وأخرج المحب الطبري في "القرى" عنها مرفوعا، وزاد بعد قوله: "ذكر الله تعالى": وإن لم يقترن بها ذكر بالقول، ثم قال: وينبغي للذاكر في الطواف والتالي أن لا يزيد في رفع صوته على إسماع نفسه لئلا يشوش على غيره، واستدل على ذلك بما يقوم به الحجبة، ثم قال: وفي معنى الطائف من كان في المسجد قريبا من الطواف، ينبغي له أن لا يرفع صوته بتلاوة ولا ذكر؛ لئلا يشوش على الطائفين٢ ... انتهى باختصار، وهو كلام متجه، والله أعلم.
стр. 263
ذكر ثواب النظر إلى الكعبة:
تقدم في هذا المعنى حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ في تنزل الرحمات، وفيه: "عشرون للناظرين".
وروينا في تاريخ الأزرقي عن عطاء قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: النظر إلى الكعبة محض الإيمان١.
وروينا فيه عن إبراهيم النخعي: أن حماد بن أبي سلمة قال: الناظر إلى الكعبة كالمجتهد في العبادة في غيرها. وروينا فيه عن يونس بن حبان قال: النظر إلى الكعبة عبادة فيما سواها من الأرض، عبادة الصائم القائم الدائم القانت٢.
وروينا فيه عن مجاهد قال: النظر إلى الكعبة عبادة٣.
وروينا عن سعيد بن المسيب قال: من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه٤.
وروينا عن أبي السائب المديني، قال: من نظر إلى الكعبة إيمانا وتصديقا تحاتت عنه الذنوب كما يتحات الورق من الشجر٥.
وروينا فيه عن زهير بن محمد قال: الجالس في المسجد ينظر إلى البيت لا يطوف به ولا يصلي أفضل من المصلي في بيته لا ينظر إلى البيت٦.
وروينا فيه عن عطاء قال: النظر إلى البيت عبادة، والنظر إلى البيت كمنزلة الصائم القائم الدائم المخبت المجاهد في سبيل الله عز وجل٧.
стр. 264
ذكر ثواب الحج والعمرة:
وروينا في ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه وغيرهم أخبارا كثيرة مشهورة ثابتة، منها: ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" متفق عليه، واللفظ للبخاري١.
وفي رواية لمسلم: "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه" ٢. ورواه النسائي٣ فقال: "من حج أو اعتمر" ... الحديث.
والرفث: الجماع، قاله ابن عمر، وابن عباس ﵃. وقيل: اسم لكل لهو وخِنا وزُور وفجور بغير حق. والفسوق: المعاصي، قاله ابن عباس وابن عمر ﵃.
ومنها: ما روينا عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" متفق عليه٤، ومعنى ليس له جزاء إلا الجنة: أنه لا يقتصر فيه على تكفير الذنوب بل لا بد أن يبلغ به الجنة.
ومنها: ما رويناه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الحجة المبرورة تكفر خطايا سنة" أخرجه ابن حبان في صحيحه٥.
ومنها: ما رويناه عن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الحج يهدم ما قبله". رواه مسلم.
ومنها: ما رويناه عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب،
стр. 265
والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة" رواه الترمذي، وصححه النسائي، وابن ماجه، في سننهما١.
وفي رواية لابن أبي خيثمة والطبراني: "تابعوا بين الحج والعمرة فإن متابعة ما بينهما يزيد في العمر والرزق"٢.
ومنها: ما رويناه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "وفد الله تعالى ثلاثة: الغازي، والحاجّ، والمعتمر" أخرجه النسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وصححه على شرط مسلم، وزاد ابن حبان في بعض طرقه: "دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم" ٣.
وفي رواية لابن ماجه: "الحاج والمعتمر وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم" ٤.
ومنها: ما رويناه في سنن البيهقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج" صححه الحاكم٥ ﵄.
ومنها: ما رويناه عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" كذا رويناه عن الطبراني٦، وقال الحاكم: إن هذه الرواية صحيحة على شرط البخاري ومسلم، والحديث في الصحيحين بغير لفظة: "معي" إلا أنه في طريق لمسلم: "عمرة في رمضان تقضي حجة. أو حجة معي"، والأخبار الواردة في فضل العمرة والحج كثيرة جدا فلا نطوّل عليها، وفيما ذكرناه من ذلك كفاية إذ القصد الاختصار، والله الموفق.
стр. 266
الباب الثالث عشر:
في الآيات المتعلقة بالكعبة:
للكعبة المعظمة آيات بينات، منها: بقاء بنائها الموجود الآن، وهو لا يقتضي أن يبقى هذه المدة على ما بلغني عن بعض مهندسي عصرنا، قال: وإنما بقاؤها آية من آيات الله تعالى ... انتهى.
ولعمري إنه لصادق، فإن من المعلوم ضرورة أن الريح والمطر إذا تواليا أياما على بناء تخرب، ومن المعلوم ضرورة أن الكعبة المعظمة ما زالت الرياح العاصفة، والأمطار الكثيرة المهولة، تتوالى عليها منذ بنيت وإلى تاريخه، وذلك سبعمائة سنة وخمسون سنة، ولم يحدث فيها بحمد الله تغير أدى إلى خللها، وغاية ما يحدث فيها انكسار فلقة من الركن اليماني، وتحرك البيت مرارا، لأن الشيخ شهاب الدين أبا شامة المقدسي قال في "ذيل الروضتين" له في أخبار سنة اثنين وخمسمائة: وفيها وقع من الركن اليماني قطعة، وتحرك البيت مرارا، وهذا شيء لم يعهد١ ... انتهى.
وقال ابن الأثير في أخبار سنة خمس عشر وخمسمائة: فيها تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام زاده الله شرفا من زلزلة وانهدم بعضه٢.
وذكر مثل ذلك المؤيد صاحب حماه في أخبار سنة خمس عشرة وخمسمائة٣.
وذكر صاحب "مرآة الزمان": أنه في سنة سبع عشرة وأربعمائة تشعث البيت الحرام٤.
стр. 267
وقال أبو عبيد البكري في كتابه "المسالك والممالك": وحدث جماعة: أن في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة انكسرت من الركن اليماني فلقة قدر أصبع، وغفل الناس عن شدها فصارت عند قوم من أهل مكة من الحسنيين، فوقع بمكة وباء عظيم عام، وموت، وكان لا يلبث المريض فوق ثلاثة أيام، وهلك من أهل الدار الذي اتهم أن الفلقة فيها ثمانية عشر إنسانا، فرأي بعض الصالحين المجاورين من أهل خراسان في نومه أن يتفقد ما ذهب من الكعبة ويرد فيرفع الله عنهم الوباء، فردت إلى موضعها فارتفع الوباء١.
هذا ما علمته من التوهن الذي أصاب الكعبة، ولا تزال إن شاء الله باقية إلى أن ينفذ فيها أمر الله من تخريب الحبشي لها في آخر الزمان كما سبق بيانه في "الباب الثامن".
ومن الآيات المتعلقة بالكعبة المعظمة على ما قال الحافظ: أنه لا يرى البيت الحرام أحد ممن لم يكن يره إلا ضحك أو بكى.
ومنها: أن الفرقة من الطير من الحمام وغيره ليقبل حتى إذا كادت تبلغ الكعبة انفرقت فرقتين فلم يعْلُ ظهرها شيءٌ منها. ذكر ذلك الجاحظ، وقال: قالوا.
وذكر ذلك أبو عبيد البكري جزما، لأنه قال: ومن عجائب مكة: أن الحمام وجميع الطير تمر في طيرانها، فإذا قارب أن تحاذي الكعبة أخذت يمينا وشمالا.
ومنها: على ما قال الجاحظ: أنه لا يسقط على ظهر الكعبة من الحمام الذي قد أمن إلا وهو عليل أو مريض ... انتهى.
وذكر ابن الحاج معنى هذا، لأنه قال لما ذكر الآيات المتعلقة بالبيت: ومنها: أن الطائر لا يعلو البيت صحيحا، ويعلوه مريضا للشفاء.
وذكر ذلك أبو عبيد البكري، لأنه قال: ومن عجائب مكة أن الحمام وجميع الطير لا يعلوها البتة ولا ينزل على جدرها إلا أن يكون مريضا، فيفعل ذلك مستشفيا، والطير ينزل على سائر جدر المسجد، وقبة زمزم وغيرها.
وذكر بعضهم أن الطير إذا نزل على الكعبة إما يشفى أو يموت لحينه، وذكر هذه الآية المحب الطبري قال: ولولا ذلك لكانت ستارته يعني البيت الحرام مملوءة من قذرهن كنجوها، مما يتعذر الجلوس عليه.
ومنها: على ما ذكر ابن الحاج عن بعض المفسرين: أن الغيث إذا كان ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان ناحية الشامي كان الخصب بالشام، وإذا عم البيت كان الخصب بجميع البلدان. وذكر ذلك أيضا المحب الطبري بمعناه.
стр. 268
وذكر ذلك الجاحظ، إلا أنه خالف في بعض ذلك لأنه قال: وإذا أصاب في أول السنة المطر باب الكعبة من شق العراق كان الخصب تلك السنة بالعراق، وإذا أصاب شق الشام كان الخصب في تلك السنة في الشام، وإذا عم جوانب البيت عم الخصب الجميع.
ومنها: أن مفتاح الكعبة إذا وضع في فم الصغير الذي ثقل لسانه عن الكلام يتكلم سريعا ذكر ذلك الفاكهي في "أخبار مكة"، لأنه قال: وكان من سنة المكيين وهم على ذلك إلى اليوم إذا ثقل لسان الصبي المولود وأبطأ كلامه عن وقته جاءوا به إلى حجبة الكعبة، فسألوهم أن يدخلوا مفتاح الكعبة في فمه، فيأخذونه١ الحجبة فيدخلونه خزانة الكعبة، ثم يغطون وجهه، ثم يدخل مفتاح الكعبة في فمه، فيتكلم وينطلق لسانه، ويتكلم سريعا بإذن الله تعالى وذلك مجرب بمكة إلى يومنا هذا ... انتهى. وأهل مكة يفعلون ذلك إلى الآن.
ومنها: أنها تفتح بحضرة خلق كثير إلى الغاية ويدخلها الجميع متزاحمين، ويصلون فيها أجمع، وتسعهم بقدرة الله تعالى، وما علمت أن أحدا مات من الزحام إلا خمسة وثلاثين نفرا ماتوا دفعة واحدة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة على ما ذكره أبو شامة في "الروضتين"٢ نقلا عن ابن القادسي، عن الحجاج في هذه السنة، وذكر ذلك أيضا ابن البزوري في "ذيل المنتظم" وعزاه للحجاج.
ومنها على ما قيل: إنها منذ خلقها الله تعالى لم تخل من طائف من الإنس أو الجن أو الملائكة، ذكر ذلك المحب الطبري وابن جماعة. وسبقهما إلى مثل ذلك السهيلي، وأفاد في ذلك خبرا غريبا، لأنه قال لما ذكر بناء ابن الزبير للكعبة، وفي الخبر أنه سترها حين وصل إلى القواعد، فطاف الناس بتلك الأستار، فلم تخل قط من طائف، حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحرب، واشتغل الناس، فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها٣ ... انتهى.
ومنها: ما قال ابن الحاج: وذكر ابن أبي خيثمة قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا ثابت بن يزيد قال: حدثنا هلال بن حبان، عن عمرو بن ميمون قال: رأيت دخان البيت لا يشد يمينا ولا شمالا، ولا قدام ولا خلف، يصعد في السماء ... انتهى.
ولعل المراد بالدخان: دخان ما يجمر به الكعبة، والله أعلم.
ومنها: وقع هيبتها في القلوب.
ومنها: حفظها من الجبابرة وتذللهم لها، والانتقام ممن أرادها بسوء، كما جرى لتبع، والهذليين، وأصحاب الفيل، وغيرهم ممن أساء الأدب فيها.
ونشير هنا لشيء من ذلك على سبيل الاختصار.
стр. 269
ذكر خبر تبع والهذليين:
لما أقبل تبع وهو معان أسعد الحميري ملك اليمن من الشرق وجعل المدينة النبوية على طريقه لقضاء وطر له بها، ثم توجه منها إلى مكة، لأنها طريقه لبلده، فلما كان بين أَمَج١ وعُسْفان٢ لقيه نفر من هذيل من بني لحيان، فحسنوا له تخريب الكعبة، وأن يبني عنده بيتا يصرف إليه الحج، فعزم على ذلك، فدقت بهم دوابهم، وغشيتهم ظلمة شديدة وريح، فدعى أحبارا كانوا معه من أهل الكتاب فسألهم، فقالوا: هل هممت لهذا البيت بسوء؟ فأخبرهم بما قال له الهذليون، وما أراد أن يفعل، فقالوا له: ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك من معك، هذا بيت الله لم يرده أحد بسوء إلا هلك، قال: فما الحيلة؟ قالوا: تنوي له خيرا أن تعظمه، وتكسوه وتنحر عنده، وتحسن إلى أهله، ففعل، فانجلت عنهم الظلمة، وسكنت عنهم الريح، وانطلقت بهم دوابهم وركابهم، فأمر تبع بالهذليين فضربت أعناقهم وصلبهم، وسار حتى قدم مكة فأقام بها أياما ينحر كل يوم مائة بدنة، وكسا البيت.
هذا ملخص بالمعنى مختصر من كتاب الأزرقي.
وذكر الفاكهي أخبارا من خبر تبع، منها: أنه قال: حدثني حسن بن حسين الأزدي، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله، عن هشام بن الكلبي قال: أخبرني جرير بن يزيد البجلي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: لما أقبل تبع يريد هدم البيت وصرف وجوه العرب إلى اليمن، فبات صحيحا، فأقبل وقد سالت عيناه على خديه، فبعث إلى الأحبار والسحرة والكهان والمنجمين فقال: ما لي؟ فوالله لقد بت ليلتي وما أجد شيئا، ثم صرت إلى ما ترون! فقالوا: لعلك حدثت نفسك لهذا البيت بسوء؟ فقال: نعم. قالوا: فحدث نفسك أن تصنع به وبأهله خيرا، ففعل، وقد رجعت عيناه فارتد بصيرا، وكسى البيت الخصف٣ ... انتهى.
стр. 270
وقال السهيلي: وروى نقلة الأخبار: أن تبعا لما عمد إلى البيت يريد تخريبه رمي بداء تمحص منه رأسه قيحا وصديدا يثج ثجا، وأنتن حتى لا يستطيع أحد أن يدنو منه قيد رمح، وقيل: بل أرسلت عليه ريح كتعت منه يديه ورجليه وجلده، وأصابتهم ظلمة شديدة، حتى دفت خيلهم، فسمى ذلك المكان الدف١، فدعا بالجزاة٢ والأطباء فسألهم عن ذلك٣، فهالهم ما رأوا منه، ولم يجد له عندهم فرجا، فعند ذلك قال له الحبران: لعلك هممت بشيء في أمر هذا البيت؟ فقال: نعم، أردت هدمه، فقالا له: تب إلى الله مما نويت، فإنه بيت الله تعالى، وحرمه، وأمراه بتعظيم حرمته، ففعل ذلك فبرئ من دائه، وصح من وجعه.
قال السهيلي: وأخلق بهذا الخبر أن يكون صحيحا فإن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] أي: ومن هم فيه بظلم، ثم قال: وقال العتبي: كانت قصة تبع قبل الإسلام بسبعمائة عام٤ ... انتهى.
وهذا الذي ذكره العتبي لعله أن يكون موافقا لما ذكره ابن إسحاق في "السيرة"، لأنه قال: فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت، وأوصى به ولاته من جرهم ... انتهى.
ووجه موافقة ذلك لما ذكره العتبي: أن من ولاية جرهم إلى الإسلام المقدار الذي ذكره العتبي أو نحوه، فإن خزاعة ولوا البيت بعد جرهم خمسمائة سنة، وقيل دون ذلك على ما في خبرهم، وولاية قريش لأمر مكة قبل الإسلام ما يقصر عن مائة سنة، وربما كانت أزيد من ذلك، وأي ذلك كان فهو المقدار الذي ذكره العتبي أو غيره، ويعكر على ما في "السيرة" لابن إسحاق من أن قصة تبع مع الهذليين كانت في زمن جرهم على ما نقله الأزرقي عن إسحاق؛ لأنه قال في خبر تبع: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج: قال أخبرنا ابن إسحاق قال: سار تبع الأول إلى الكعبة وأراد هدمها وتخريبها، وخزاعة يومئذ تلي البيت وأمر مكة، فقامت خزاعة دونه فقاتلت عنه أشد القتال حتى رجع، ثم تبع آخر فكذلك، ثم قال: فأما تبع الثالث الذي أراد هدم البيت فإنما كان في أول زمان قريش، قال: وكان سبب خروجه وسيره أن قوما من هذيل من بني لحيان جاءوه فقالوا: إن بمكة بيتا تعظمه العرب جميعا. فذكر القصة.
стр. 271
ونقل عن ابن جريج، وابن إسحاق عن تبع الثالث ما يوافق ذلك، لأنه قال في باب ولاية قصي بن كلاب البيت الحرام وأمر مكة بعد خزاعة بعد أن روى بسنده السابق عن ابن جريج وابن إسحاق: وأما تبع الثالث الذي نحر له، وكساه، وجعل له غلقا، وأقام عنده أياما ينحر كل يوم بُدنة، إلى أن قال: إنما كان في عهد قريش١ ... انتهى.
فبان بهذا الاختلاف كلام ابن إسحاق في زمن قدوم تبع إلى مكة، هل هو في زمن جرهم، أو في أول زمن قريش.
وذكر السهيلي فوائد تتعلق بهذا الخبر يحسن ذكرها هاهنا، منها: أن اسم أحد الحبرين المشار إليهما في خبر تبع: "سحيت" والآخر "منبه"، وعزا ذلك لقاسم بن ثابت، قال: في رواية يونس عن ابن إسحاق قال: واسم الحبر الذي كلم الملك "بليامن".
ومنها: أنه قال: ومعنى تبع في لغة اليمن الملك: المتبوع. وقال المسعودي: لا يقال لملك تبع حتى يملك اليمن، والشحر، وحضرموت. وأول التابعة الحارث الرائش ... انتهى.
стр. 272
ذكر خبر أصحاب الفيل:
ذكر هذا الخبر جماعة من العلماء مطولا ومختصرا، كما ذكرته في أصل هذا الكتاب، واقتصرت هنا من ذلك على ما ذكرته عن الإمام أبي القاسم الزمخشري لحسن اختصاره مع ما فيه من الفوائد، ونص كلامه:
روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء، وسماها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا، فأغضبه ذلك، وقيل: أججت رفقة من العرب نارا، فحملتها الريح فأحرقتها، فحلف ليهدمن الكعبة، فخرج من الحبشة ومعه فيل اسمه محمود، وكان فيلا عظيما، واثنا عشر فيلا غيره، وقيل: ثمانية، وقيل: كان معه ألف فيل، وقيل: كان وحده، فلما بلغ المغمس١خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع، فأبى، وعبأ جيشه، فقدم الفيل، فكانوا إذا وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى غيره من الجهات هرول، فأرسل الله إليه طيرا سوداء، وقيل: خضراء، وقيل: بيضاء، مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه، أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، ثم قال: فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر
стр. 273
اسم من يقع عليه ففروا فهلكوا في كل طريق وسهل، وأما أبرهة فتساقطت أنامله وآرابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانفلت وزيره أبو يكسوم وطائر يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي، فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع الحجر عليه فخر ميتا بين يديه، وذكر أن أهل مكة احتووا على أموال الحبشة، وأن عبد المطلب جمع من جواهرهم وذهبهم ما كان سبب يساره١ ... انتهى باختصار.
وقال السهيلي: وكانت قصة الفيل في أول المحرم سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين٢.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما الخوارزمي محمد بن موسى فقال: كان قدوم الفيل مكة وأصحابه لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم. قال: وقد قال ذلك غير الخوارزمي، وزاد: يوم الأحد، قال: وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة.
ونقل الحافظ الدمياطي عن أبي جعفر محمد بن علي: أن قدوم الفيل كان في النصف من المحرم ... انتهى.
فيتحصل من هذا أن في تاريخ قدوم الفيل من شهر المحرم ثلاثة أقوال: هل هو أوله، أو نصفه، أو لثلاث عشرة ليلة بقيت منه؟ والله أعلم بالصواب.
هلاك من أراد الكعبة بسوء ٣:
وجاء في هلاك من أراد الكعبة بسوء أخبار أُخر:
منها: ما رويناه عن أم المؤمنين أم سلمة عن النبي ﷺ أنه قال: "ليخسفن بقوم يؤمون البيت ببيداء من الأرض" ٤.
ومن الأخبار الواردة في الانتقام ممن أساء الأدب في الكعبة أو حولها: ما رويناه في "السيرة" لابن إسحاق وغير ذلك عن عائشة ﵄ أنها قالت: ما زلنا نسمع أن إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين٥، والله أعلم.
ومن ذلك: ما رويناه في المعجم الكبير للطبراني عن حويطب بن عبد العزى قال: كنا جلوسا بفناء الكعبة في الجاهلية فأتت امرأة تعوذ بها من زوجها، فمد يده إليها فيبست، فلقد رأيته في الإسلام وإنه لأشل٦ ... انتهى.
стр. 274
ومن ذلك: ما رويناه في تاريخ الأزرقي في خبر ذكره عن ابن جريج فيه شيء من خبر الحمس وغيرهم، لأن فيه قال: وجاءت امرأة أيضا تطوف عريانة، وكان لها جمال، فرآها رجل فأعجبته، فدخل الطواف فطاف إلى جنبها لأن يسمها، فأدنى عضده من عضدها، فخرجا من المسجد من ناحية بنى سهم هاربين على وجوههما، فزعين لما أصابهما من العقوبة، فلقيهما شيخ من قريش خارجا من المسجد فسألهما عن شأنهما، فأخبراه بقصتهما، فأفتاهما أن يعودا إلى المكان الذي أصابهما فيه ما أصابهما ليدعوان الله تعالى ويحلفان أن لا يعودا فرجعا إلى مكانهما فدعوا الله وأخلصا النية في أن لا يعودا، فافترقت أعضادهما، فذهب كل واحد منهما في ناحية١ ... انتهى.
وذكر المحب الطبري هذا الخبر مختصرا وعزاه لابن الجوزي، وعزاه ابن الجوزي لغير ابن جريج، فنذكر ذلك كما هو مذكور في "القرى" ولفظه فيه: وعن مسعر، عن علقمة بن مرثد قال: بينما رجل يطوف بالبيت إذ برق له ساعد امرأة، فوضع ساعده على ساعدها متلذذا به، فلصقت ساعداهما، فأتى بعض الشيوخ فقال: ارجع إلى المكان الذي فعلت فيه فعاهد رب البيت ألا تعود، ففعل فخلي عنه٢ ... انتهى.
وذكر السهيلي هذا الخبر مختصرا، وفيه ما يفهم منه غير ما سبق، فاقتضى ذلك ما قاله، لأنه قال بعد أن ذكر شيئا من خبر الحمس والحلة وطواف الحلة بالبيت عراة، ومما ذكر من تعريهم في الطواف، أن رجلا وامرأة طافا كذلك، فانضم الرجل إلى امرأة تلذذا واستمتاعا، فلصق عضده بعضدها ففزعا عند ذلك، وخرجا من المسجد وهما ملتصقان، فلم يقدر أحد على فك عضده من عضدها حتى قال لهما قائل: توبا مما كان في ضميركما، وأخلصا لله التوبة. ففعلا، فانحل أحدهما عن الآخر٣ ... انتهى.
стр. 275
الباب الرابع عشر
ذكر شيء من أخبار الحجر الأسود
...
الباب الرابع عشر:
في ذكر شيء من أخبار الحجر الأسود:
روينا في تاريخ الأزرقي" عن ابن عباس ﵄ قال إن الله تعالى أنزل الركن يعني الحجر الأسود والمقام مع آدم ﵇ ليلة نزل ليستأنس بهما، وأنه كان يأنس بالحجر١.
وروينا فيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : "أكثروا استلام هذا الحجر فإنه يوشك أن يفقد" وفيه ما يقتضي أنه يرفع إلى الجنة.
وروينا فيه عن النبي ﷺ : "أول ما يرفع الركن والمقام".
وروينا فيه عن ابن إسحاق وغيره: أن الله استودع الركن أبا قبيس حين غرق الأرض زمن نوح ﵇ وقال: إذا رأيت خليلي يبني بيتي فأخرجه له، فلما بنى الخليل ﵇ البيت جاءه جبريل ﵇ بالحجر الأسود، فوضعه الخليل موضعه من البيت ... انتهى.
وقيل: إن إلياس بن مضر أول من وضع الحجر للناس بعد الغرق، ذكره الزبير بن بكار، وهذا يخالف ما سبق، والله أعلم.
وقال ابن إسحاق بعد أن ذكر إخراج بني بكر بن عبد مناة بن كنانة وغبشان بن خزاعة لجرهم من مكة: فخرج عمرو بن الحارث بن مُضاض الجرهمي بغزالي الكعبة وبحجر الركن فدفنهما في زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن.
وذكر الزبير بن بكار معنى ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى:
стр. 276
وقال القطب: وقال أبو عبد الله محمد بن عائذ الدمشقي في "مغازيه": عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها حدثت: أن جُرهما كانت أهل البيت، وهم العرب الذين كانوا يتكلمون بالعربية، ونكح إليهم إسماعيل ﵇ فأحلوا حرم البيت، واقتتلوا، حتى كادوا يتفانون، فسلط الله عليهم العرب، فخرجوا من مكة إلى اليمن.
وكان حول البيت غيضة، والسيل يدخله، ولم يُرفع البيت حينئذ، فإذا قدم الحاج وطئوه حتى يذهب الغيضة، فإذا خرجوا بنيت، فقدم قصي فقطع الغيضة، وابتنى حول البيت دارا، ونكح حبى بنت حُليل، فولدت له عبد الدار بن قصي، أول ما ولدت، فسماه عبد الدار، بداره تلك، وجعل الحجابة له، لأنه أكبرهم، وعبد مناف بمناف، وجعل السقاية له، والرفادة، ودار الندوة لعبد العزى، واللواء لعبد قصي، ويقال: عبد بن قصي.
فقال قصي لامرأته قولي لجدتك تدل بنيك على الحَجَر، فلم يزل بها حتى قالت: إني أعقل أنهم حين خرجوا إلى اليمن سرقوه، ونزلوا منزلا وهو معهم، فبرك الجمل الذي عليه، فضربوه فقام، ثم سار فبرك فضربوه فقام، فبرك الثالثة، فقالوا: ما برك إلا من أجل الحجر، فدفنوه وذلك في أسفل مكة، وإني أعرف حيث برك.
فخرجوا بالحديد، وخرجوا بها معهم، فأرتهم حيث برك أولا: وثانيا، وثالثا، فقالت: احفروا هاهنا، فحفروا حتى يئسوا منه، ثم ضربوا فأصابوه وأخرجوه، فأتي به قصي، فوضعه في الأرض، وكانوا يتمسحون به وهو في الأرض، حتى بنى قصي البيت، ومات قصي ودفن بالحجون ... انتهى.
وذكر هذا الخبر الإمام الفاكهي، ويبعد أن يكون صحيحا، لأنه يقتضي أن جرهما دفنوا الحجر في غير زمزم، والمعروف في دفنهم له أنه في زمزم كما سبق قريبا عن ابن إسحاق وغيره.
والمعروف أن القصة التي في هذا الخبر في دفن الحجر اتفقت لبني إياد بن نزار حين خرجوا من مكة، وأن الحجر لم يستمر مدفونا إلى عهد قصي، لأن امرأة من خزاعة أبصرته حين دفن، وأخبرت بذلك قومها، فأعلم قومهم بذلك مضر، على أن تكون ولاية البيت لخزاعة، وهذا مذكور في خبر ذكره الفاكهي عن الكلبي، والزبير بن بكار، لأنه قال: فحدثنا الزبير بن بكار قال: لما هلك وكيع الإيادي واتضعت إياد، وهي إذ ذاك تلي أمر بيت الله الحرام، قاتلوهم وأخرجوهم وأجلوهم ثلاثا، يخرجون عنهم، فلما كانت الليلة الثالثة حسدوا مضرا أن تلي الركن الأسود، فحملوه على بعير فبرك، فلم يقم، فغيروه، فلم يحملوه على شيء إلا رزح وسقط، فلما رأوا ذلك بحثوا له تحت شجرة فدفنوه ثم ارتحلوا من ليلتهم، فلما كان بعد يومين افتقدت مضر الركن، فعظم في
стр. 277
أنفسها، وقد كانت شرطت على إياد كل امرأة متزوجة فيهم، فكانت امرأة من خزاعة فيما يقولون يقال لها: قدامه، متزوجة في إياد.
ثم قال: فأبصرت إياد حين دفنت الركن -أجمع الزبير، وابن الكلبي في حديثهما كل واحد فيهم بنحو من حديث صاحبه فقالت لقومها حين رأت مشقة ذهاب الركن على مضر: خذوا عليهم أن يولوكم حجابة البيت، وأدلكم على الركن، فأخذوا بذلك عليهم. ثم قال: فدلتهم عليه، فابتحثوه فأعادوه في مكانه وولوهن فلم يبرح في أيدي خزاعة حتى قدم قصي بن كلاب، فكان من أمره الذي كان١ ... انتهى.
وهذا الخبر أقرب إلى الصحة من الخبر الذي ذكره ابن عائذ، لما تقدم من أن المعروف في القصة التي ذكرها أنها اتفقت لإياد لا لجرهم، والله أعلم.
стр. 278
ذكر ما أصاب الحجر الأسود في زمن ابن الزبير، وما صنع فيه من الفضة في زمنه وزمن هارون الرشيد:
روينا في تاريخ الأزرقي خبر بناء ابن الزبير الكعبة، رواه الأزرقي عن جده، عن سليم بن سالم، عن ابن جريج، عن غير واحد من أهل العلم ممن حضر بناء ابن الزبير للكعبة، قال فيه: وكان الركن قد تصدع من الحريق بثلاث فرق، فانشظت منه شظية كانت عند بعض آل بني شيبة بعد ذلك بدهر طويل، فشده ابن الزبير بالفضة إلى تلك الشظية من أعلاه بين موضعها في أعلا الركن١.. انتهى.
وروينا في تاريخ الأزرقي عن جده قال: كان ابن الزبير ربط الركن الأسود بالفضة لما أصابه من الحريق، وكانت الفضة قد تزلزلت ونزعت وتعلقت حول الحجر حتى خافوا عليه أن ينقض، فلما اعتمر هارون الرشيد وجاور في سنة تسع وثمانين ومائة أمر بالحجارة التي بينها الحجر الأسود، فنقبت بالماس من فوقها ومن تحتها، ثم أفرغ فيها الفضة٢
стр. 279
ذكر ما أصاب الحجر الأسود في فتنة القرمطي وأخذهم له:
ذكر أهل التاريخ: أن عدو الله أبا طاهر القرمطي وافى مكة في سابع ذي الحجة، وقيل: في ثامنه، سنة تسع عشر وثلاثمائة، وفعل فيها هو وأصحابه أمورا منكرة، منها: أن بعضهم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره، ثم قلعه، وقيل: قلعه جعفر بن فلاح البناء بأمر أبي طاهر يوم الاثنين بعد الصلاة لأربع عشر خلت من ذي الحجة، وذهب به معه إلى بلاده هجر١، وبقي موضعه من الكعبة المعظمة خاليا يضع الناس فيه أيديهم للتبرك إلى حين رد إلى موضعه من الكعبة المعظمة، وذلك في يوم الثلاثاء يوم النحر من سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، على ما ذكره المسبحي، وذكر أن الذي وافى به مكة "سنبر بن الحسن القرمطي"، وأن "سنبرا" لما صار بفناء الكعبة ومعه أمير مكة أظهر الحجر من سفط، وعليه ضباب فضة قد عملت من طوله وعرضه، تضبط شقوقا حدثت عليه بعد انقلاعه، وأحضر معه جصًّا يشد به، فوضع "سنبر" الحجر بيده، وشده الصانع بالجص، وقال "سنبر" لما رده: أخذناه بقدرة الله تعالى ورددناه بمشيئته.
ونظر الناس إلى الحجر فتبينوه وقبلوه واستلموه وحمدوا الله تعالى٢.
وكان رد الحجر الأسود في موضعه قبل حضور الناس لزيارة الكعبة يوم النحر، وكان مدة كينونته عند القرمطي وأصحابه اثنين وعشرين سنة إلا أربعة أيام. هذا معنى كلام المسبحي.
وكان بجكم٣ التركي مدبر الخلافة ببغداد بذل للقرامطة على رد الحجر الأسود خمسين ألف دينار فأبوا، وقالوا: أخذناه بأمر، ولا نرده إلا بأمر.
وقيل: إن المطيع العباسي اشتراه بثلاثين ألف دينار من القرامطة.
وكلام القاضي عز الدين بن جماعة في "منسكه" صريح في أن المطيع العباسي اشتراه بهذا القدر من أبي طاهر القرمطي٤، وفيه نظر، لأن أبا طاهر مات قبل خلافة المطيع في سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة على ما ذكره ابن الأثير وغيره٥، والله أعلم.
стр. 280
ذكر ما صنعه الحجبة في الحجر الأسود بإثر رد القرامطة له:
ذكر المسبحي: أن في سنة أربعين وثلاثمائة قلع الحجبة الحجر الأسود الذي نصبه "سنبر" وجعلوه في الكعبة خوفا عليه، وأحبوا أن يجعلوا له طوقا من فضة يشد به١، كما كان قديما حين عمله ابن الزبير، فأخذ في إصلاحه صانعان حاذقان، فعملا له طوقا من فضة وأحكماه.
ونقل المسبحي عن محمد بن قانع الخزاعي: أن مبلغا ما على الحجر الأسود من الطوق وغيره: ثلاثة آلاف وسبعة وتسعون درهما ونصف على ما قيل ... انتهى.
وهذه الحلية غير حلية الحجر الآن؛ لأن داود بن عيسى بن فليتة الحسني- أمير مكة- أخذ طوق الحجر الأسود قبيل عزله من مكة في سنة خمس وثمانين وخمسمائة على ما ذكر أبو شامة في ذيل الروضتين٢، وذكر ذلك غيره.
ولم أتحقق أن الحجر الأسود قلع من موضعه بعد رد القرامطة له إلى يومنا هذا، غير أن بعض فقهاء المصريين أخبرني أن الحجر الأسود قلع من موضعه في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة لتحليته في هذه السنة من الحلي التي أبدلها أمير سودون باشا٣.
ورأيت غير واحد من المكيين ينكر ما ذكره لي هذا الفقيه المصري، وهو يثبت ذلك ويقول: إنه شاهده مقلوعا.
وقد سمع ذلك منه قبلي غير واحد من فقهاء مكة، وأخبرني بعضهم بذلك عنه، فسألت المخبر له فأخبرني به وحققه، وكان إخباره لنا بذلك في موسم سنة أربع عشرة وثمانمائة، لما ورد إلى مكة قاضيا للركب المصري هو الفقيه نور الدين المنوفي، وله إلمام بالفقه ويستحضر فيه بعض المختصرات، والله أعلم بصحة ذلك.
стр. 281
ذكر ما أصاب الحجر الأسود بعد فتنة القرامطة من بعض الملحدة مثلهم:
ذكر أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي: أنه في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة يوم النفر الأول، قام رجل فقصد الحجر الأسود، فضربه ثلاث ضربات بدبوس، وتبخشن وجه الحجر من تلك الضربات، وتساقطت منه شظايا مثل الأظفار، وتشقق، وخرج مكسره أسمر يضرب إلى صفرة محببا مثل الخشخاش، فأقام الحجر على ذلك يومين، ثم إن بني شيبة جمعوا الفتات وعجنوه بالمسك واللمك، وحشوا الشقوق وطلوها بطلاء من ذلك ... انتهى باختصار.
وذكر ابن الأثير هذه الحادثة في أخبار سنة أربع عشرة وأربعمائة١، والله أعلم بالصواب.
стр. 282
ذكر صفته وقدره وقدر ما بينه وبين الأرض:
ذكر المسبحي: أن أبا الحسن محمد بن نافع الخزاعي دخل الكعبة فيمن دخلها للنظر إلى الحجر الأسود لما كان في الكعبة بإثر رد القرامطة له، وأنه تأمل الحجر الأسود، فإذا السواد في رأسه دون سائره أبيض، قال: وكان مقدار طوله فيما حررت مقدار عظم ذراع، أو كالذراع المقبوضة الأصابع، والسواد في وجهه غير ماض في جميعه ... انتهى.
وما ذكره العلوي في صفة الحجر يخالف هذا، والله أعلم.
وذكر ابن عبد ربه في "العقد" ما يوافق ما ذكره الخزاعي في صفة الحجر الأسود وما يخالفه في مقدار طوله، لأنه قال: وذكر أيضا عن بعض المكيين حديثا يرفعه إلى شيخه: أنه نظر إلى الحجر الأسود بعد هدم ابن الزبير البيت، وزاد فيه، فقدروا طوله ثلاثة أذرع، وهو ناصع البياض فيما ذكروا إلا وجهه الظاهر، واسوداده فيما ذكروا -والله أعلم- لاستلام أهل الجاهلية له، ولطخه بالدم١ ... انتهى بنصه.
وذكر الأزرقي: أن ذرع ما بين الحجر الأسود إلى الأرض ذراعان وثلثا ذراع٢.
وذكر ابن جماعة فيما أخبرني به عنه خالي أن ارتفاع الحجر من أرض المطاف: ذراعان وربع وسدس ذراع، بذراع القماش المستعمل بمصر في زمنه٣.
стр. 283
ذكر شيء من الآيات المتعلقة بالحجر الأسود:
للحجر الأسود آيات بينات:
منها: حفظ الله تعالى له من الضياع منذ أهبط إلى الأرض، مع ما وقع من الأمور المقتضية لذهابه، كالطوفان، ودفن بني إياد.
وذكر ابن جماعة: أن الحجر الأسود أزيل من موضعه غير مرة، ثم رده الله إليه، قال: وقع ذلك من جرهم، وإياد، والعماليق، والقرامطة١، ولم أر ما ذكره عن العماليق، والله أعلم.
ومنها: أنه على ما قيل هلك تحته لما حمله القرامطة أربعون جملا، فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن. ذكر هذا القول الذهبي.
وقيل: هلك تحته لما حمل إلى هجر ثلاثمائة بعير، وقيل: خمسمائة بعير، والله أعلم.
ومنها: أنه يطفو على الماء.
ومنها: أنه لا يسخن من النار، ذكر هاتين الآيتين ابن أبي الدم في "الفرق الإسلامية"، فيما حكاه عنه ابن شاكر الكتبي المؤرخ، ونقل ذلك عن بعض المحدثين، ورفعه إلى النبي ﷺ ، والله أعلم.
وقد بسطنا ذلك في أصل هذا الكتاب.
стр. 284
الباب الخامس عشر:
ذكر الملتزم:
الملتزم: هو ما بين الحجر الأسود والباب، على ما رويناه عن ابن عباس ﵄ في تاريخ الأزرقي ويقال له: المدعا والمتعوَّذ، على ما رويناه عن ابن عباس ﵄ في تاريخ الأزرقي أيضا. وروينا عنه حديثا مرفوعا في استجابة الدعاء فيه١، ورويناه مسندا في "الأربعين المختارة" لابن مسدي، ولفظ الحديث علي ما رويناه عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الملتزم موضع يستجاب فيه الدعاء، وما دعا عبد الله تعالى فيه إلا استجاب له" ١.
стр. 285
ذكر المستجار:
هو ما بين الركن اليماني إلى الباب المسدود في دبر الكعبة، هكذا سماه ابن جبير في رحلته١، والمحب الطبري في "القرى" وسبقهما إلى تسميته بالمستجار: الفقيه محمد بن سراقة في كتابه "دلائل القبلة" لأنه قال: وبين الركن اليماني وبين الباب المسدود في ظهر الكعبة أربعة أذرع، ويسمى ذلك الموضع المستجار من الذنوب ... انتهى.
ويقال له: المتعوذ، ويقال له: الملتزم، على ما روي عن ابن الزبير ﵄ ويقال: ملتزم عجائز قريش، على ما روي عن ابن عباس ﵄ روينا ذلك عنهما في "تاريخ الأزرقي".
وروينا فيه عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ من قام عند ظهر البيت فدعا استجيب له، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه٢.
قال المحب الطبري: ومثل هذا القول من معاوية ﵁ لا يكون إلا عن تلق من لسان النبوة٣ ... انتهى.
وروينا في "مجابي الدعوة" لابن أبي الدنيا: عن الشعبي قال: إن عبد الله بن الزبير ﵄ وأخاه مصعبا، وعبد الملك بن مروان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ دعوا في هذا الموضع فلم يذهب الشعبي من الدنيا حتى رأي كلا منهم قد أعطي ما سأل، وبشر عبد الله بن عمر ﵄ بالجنة، ورتب له، وكان دعا بها.
وكان يقف للدعاء والتعوذ فيه جماعة من كبار السلف منهم: عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد رحمهما الله.