← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ذكر ما أصاب الحجر الأسود بعد فتنة القرامطة من بعض الملحدة مثلهم: ذكر أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي: أنه في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة يوم النفر الأول، قام رجل فقصد الحجر الأسود، فضربه ثلاث ضربات بدبوس، وتبخشن وجه الحجر من تلك الضربات، وتساقطت منه شظايا مثل الأظفار، وتشقق، وخرج مكسره أسمر يضرب إلى صفرة محببا مثل الخشخاش، فأقام الحجر على ذلك يومين، ثم إن بني شيبة جمعوا الفتات وعجنوه بالمسك واللمك، وحشوا الشقوق وطلوها بطلاء من ذلك ... انتهى باختصار. وذكر ابن الأثير هذه الحادثة في أخبار سنة أربع عشرة وأربعمائة١، والله أعلم بالصواب.

стр. 282

ذكر صفته وقدره وقدر ما بينه وبين الأرض: ذكر المسبحي: أن أبا الحسن محمد بن نافع الخزاعي دخل الكعبة فيمن دخلها للنظر إلى الحجر الأسود لما كان في الكعبة بإثر رد القرامطة له، وأنه تأمل الحجر الأسود، فإذا السواد في رأسه دون سائره أبيض، قال: وكان مقدار طوله فيما حررت مقدار عظم ذراع، أو كالذراع المقبوضة الأصابع، والسواد في وجهه غير ماض في جميعه ... انتهى. وما ذكره العلوي في صفة الحجر يخالف هذا، والله أعلم. وذكر ابن عبد ربه في "العقد" ما يوافق ما ذكره الخزاعي في صفة الحجر الأسود وما يخالفه في مقدار طوله، لأنه قال: وذكر أيضا عن بعض المكيين حديثا يرفعه إلى شيخه: أنه نظر إلى الحجر الأسود بعد هدم ابن الزبير البيت، وزاد فيه، فقدروا طوله ثلاثة أذرع، وهو ناصع البياض فيما ذكروا إلا وجهه الظاهر، واسوداده فيما ذكروا -والله أعلم- لاستلام أهل الجاهلية له، ولطخه بالدم١ ... انتهى بنصه. وذكر الأزرقي: أن ذرع ما بين الحجر الأسود إلى الأرض ذراعان وثلثا ذراع٢. وذكر ابن جماعة فيما أخبرني به عنه خالي أن ارتفاع الحجر من أرض المطاف: ذراعان وربع وسدس ذراع، بذراع القماش المستعمل بمصر في زمنه٣.

стр. 283

ذكر شيء من الآيات المتعلقة بالحجر الأسود: للحجر الأسود آيات بينات: منها: حفظ الله تعالى له من الضياع منذ أهبط إلى الأرض، مع ما وقع من الأمور المقتضية لذهابه، كالطوفان، ودفن بني إياد. وذكر ابن جماعة: أن الحجر الأسود أزيل من موضعه غير مرة، ثم رده الله إليه، قال: وقع ذلك من جرهم، وإياد، والعماليق، والقرامطة١، ولم أر ما ذكره عن العماليق، والله أعلم. ومنها: أنه على ما قيل هلك تحته لما حمله القرامطة أربعون جملا، فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن. ذكر هذا القول الذهبي. وقيل: هلك تحته لما حمل إلى هجر ثلاثمائة بعير، وقيل: خمسمائة بعير، والله أعلم. ومنها: أنه يطفو على الماء. ومنها: أنه لا يسخن من النار، ذكر هاتين الآيتين ابن أبي الدم في "الفرق الإسلامية"، فيما حكاه عنه ابن شاكر الكتبي المؤرخ، ونقل ذلك عن بعض المحدثين، ورفعه إلى النبي ﷺ ، والله أعلم. وقد بسطنا ذلك في أصل هذا الكتاب.

стр. 284

الباب الخامس عشر: ذكر الملتزم: الملتزم: هو ما بين الحجر الأسود والباب، على ما رويناه عن ابن عباس ﵄ في تاريخ الأزرقي ويقال له: المدعا والمتعوَّذ، على ما رويناه عن ابن عباس ﵄ في تاريخ الأزرقي أيضا. وروينا عنه حديثا مرفوعا في استجابة الدعاء فيه١، ورويناه مسندا في "الأربعين المختارة" لابن مسدي، ولفظ الحديث علي ما رويناه عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الملتزم موضع يستجاب فيه الدعاء، وما دعا عبد الله تعالى فيه إلا استجاب له" ١.

стр. 285

ذكر المستجار: هو ما بين الركن اليماني إلى الباب المسدود في دبر الكعبة، هكذا سماه ابن جبير في رحلته١، والمحب الطبري في "القرى" وسبقهما إلى تسميته بالمستجار: الفقيه محمد بن سراقة في كتابه "دلائل القبلة" لأنه قال: وبين الركن اليماني وبين الباب المسدود في ظهر الكعبة أربعة أذرع، ويسمى ذلك الموضع المستجار من الذنوب ... انتهى. ويقال له: المتعوذ، ويقال له: الملتزم، على ما روي عن ابن الزبير ﵄ ويقال: ملتزم عجائز قريش، على ما روي عن ابن عباس ﵄ روينا ذلك عنهما في "تاريخ الأزرقي". وروينا فيه عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ من قام عند ظهر البيت فدعا استجيب له، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه٢. قال المحب الطبري: ومثل هذا القول من معاوية ﵁ لا يكون إلا عن تلق من لسان النبوة٣ ... انتهى. وروينا في "مجابي الدعوة" لابن أبي الدنيا: عن الشعبي قال: إن عبد الله بن الزبير ﵄ وأخاه مصعبا، وعبد الملك بن مروان، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ دعوا في هذا الموضع فلم يذهب الشعبي من الدنيا حتى رأي كلا منهم قد أعطي ما سأل، وبشر عبد الله بن عمر ﵄ بالجنة، ورتب له، وكان دعا بها. وكان يقف للدعاء والتعوذ فيه جماعة من كبار السلف منهم: عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد رحمهما الله.

стр. 286

ذكر الحطيم: اختلف في الحطيم وفي سبب تسميته بذلك، فقيل: إنه ما بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم وزمزم وحجر إسماعيل، وهو مقتضى ما حكاه الأزرقي عن ابن جريج١. وفي كتب الحنفية أن الحطيم الموضع الذي فيه الميزاب. وعن ابن عباس ﵄ قال: الحطيم الجدار. قال المحب الطبري: يعني جدار حجر الكعبة، قال: وقد قيل: الحطيم هو الشاذروان، سمي بذلك: لأن البيت رفع وترك هو محطوما، فيكون فعيلا بمعنى مفعول، قال: وقد قيل: لأن العرب كانت تطرح فيه ما طافت فيه من الثياب، فيبقى حتى يتحطم من طول الزمان، فيكون فعيلا بمعنى فاعل٢ ... انتهى. وقيل في سبب تسميته: إنه سمي بالحطيم لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالإيمان، فقل من دعا هنالك على ظالم إلا هلك، وقل من حلف هنالك آثما إلا عجلت له العقوبة، روينا ذلك عنه في تاريخ الأزرقي٣. ومن فضائل الحطيم: ما ذكره الفاكهي، لأنه قال: وحدثني أحمد بن صالح قال: حدثنا محمد بن عبد الله عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵄

стр. 287

قالت: قال لي النبي ﷺ : أي البقاع خير؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قالت: قلت: يا رسول الله كأنك تريد بين الركن والمقام؟ قال ﷺ "صدقت، إن خير البقاع وأطهرها وأزكاها وأقربها من الله ما بين الركن والمقام، وإن فيها بين الركن والمقام روضة من رياض الجنة، فمن صلى فيه أربع ركعات نودي من بطنان العرش: أيها العبد غفر لك ما قد سلف منك فاستأنف العمل" ١ ... انتهى. ومن فضائل الحطيم: أن فيه قبر تسعة وتسعين نبيا، لأن الأزرقي قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: حدثني جدي قال: حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم قال: سمعت عبد الرحمن بن سابط، يقول عبد الله بن حمزة السلولي يقول: ما بين الركن إلى المقام إلى زمزم قبر تسعة وتسعين نبيا، جاءوا حجاجا فقبضوا هنالك". وحدثني مهدي بن أبي المهدي قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله مولى بني هاشم، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن محمد بن سابط، عن النبي ﷺ قال: "كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فيتعبد فيها النبي ومن معه حتى يموت، فمات بها نوح، وصالح، وشعيب، وقبورهم بين زمزم، والحجر" ٢. وذكر الأزرقي خبرا يقتضي أن في الحطيم قبر تسعين نبيا، وسمى منهم في هذا الخبر غير من لم يسم في الخبر الذي رواه عن ابن سابط، لأنه قال: وأخبرني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج فذكر أخبارا، ثم قال: قال عثمان: وأخبرني مقاتل قال: في المسجد الحرام بين زمزم والركن قبر تسعين نبيا، منهم هود، وصالح، وإسماعيل، وقبر آدم، وإبراهيم، وإسحاق، ويوسف ﵈ في بيت المقدس٣ ... انتهى. وذكر الأزرقي خبرا يقتضي أن قبر إسماعيل في الحجر، وسنذكر هذا الخبر وغيره من الأخبار الموافقة له والمخالفة له في أخبار الحجر، وذلك في الباب السابع عشر من هذا الكتاب. وذكر الأزرقي خبرا يوهم أن في الحطيم قبور عذارى بنات إسماعيل ﵇ لأن الأزرقي قال فيما رويناه عنه: حدثنا جدي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري أنه سمع ابن الزبير ﵄ على المنبر يقول: إن هذا المحدودب قبور عذارى بنات إسماعيل ﵇، يعني مما يلي الركن الشامي من المسجد

стр. 288

الحرام، قال: وذلك الموضع يسوي مع المسجد. فلا ينشب أن يعود محدودبا منذ كان١ ... انتهى. وإنما كان هذا الخبر موهما لما ذكرناه، لأنه يحتمل أن تكون القبور المشار إليها مما يلي الركن الشامي من جهة الحجر الأسود، وأن تكون مما يلي الركن الشامي مما يلي الحِجر بسكون الجيم فعلى الاحتمال الأول تكون القبور المشار إليها في الحطيم وعلى الثاني لا تكون فيه، وذلك على اعتبار بناء الكعبة على أساس إبراهيم من جهة الحجر، وأما على اعتبار بنائها اليوم فقد تكون القبور المشار إليها في الحطيم على كلا الاحتمالين، والله أعلم. وقد ذكر هذا الخبر الفاكهي في "أخبار مكة" بنحوه، وذكر الخبر الذي رواه الأزرقي عن عبد الله بن ضمرة. وفي خبر الفاكهي: أن ابن ضمرة يرويه عن كعب يعني كعب الأحبار وابن سابط راوي الخبر ليس بصاحبي. وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن فيما بين دار الندوة وباب بني سهم يعني باب المسجد الحرام المعروف بباب العمرة قبور قوم صالح الذين آمنوا به ورحلوا معه إلى مكة وأقاموا بها حتى ماتوا. قال: وكذلك فعل هود ومن آمن معه، وشعيب ومن آمن معه، عزا هذا الخبر لوهب بن منبه، وهو في تاريخ الأزرقي٢، إلا أن في الخبر الذي ذكره الأزرقي: فتلك قبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة وبين دار بني هاشم، كذا رأيته في نسختين من "تاريخ الأزرقي": ودار بني هاشم وصوابه: وباب بني سهم كما في خبر الفاكهي، لأن به يستقيم الكلام، والله أعلم. وهذه القبور وإن لم تكن في الحطيم فذكرها في أخباره لمناسبة، وهي كون الموطنين في المطاف، فيجتمع بذكر ذلك في هذه الترجمة شيء من فضل المطاف.

стр. 289

ذكر بقية المواضع بمكة وحرمها التي قيل إن الدعاء فيها مستجاب: روينا عن الحسن البصري في "رسالته" المشهورة أنه قال: ويقال يستجاب الدعاء بمكة في خمسة عشر موضعا: أولها: عند الملتزم الدعاء فيه يستجاب، وتحت الميزاب يستجاب، وعند الركن اليماني يستجاب، وعلى الصفا يستجاب، وعلى المروة يستجاب، وبين الصفا والمروة يستجاب، وبين الركن والمقام يستجاب، وفي جوف الكعبة يستجاب، وبمنى يستجاب، وبجَمْع يستجاب، وبعرفات يستجاب، وعند الجمرات الثلاث يستجاب. هكذا وجدت في نسختي من هذه "الرسالة"، وهي تقتضي أن المواضع المشار إليها أربعة عشر موضعا، والظاهر أنه سقط منها موضع يحتمل أن يكون خلف المقام، ويحتمل أن يكون في الطواف، لأنه روي عن الحسن البصري عد هذين الموضعين في المواضع التي يستجاب فيها الدعاء بمكة، وليس في الرواية التي ذكر فيها هذين الموضعين ذكر الركن اليماني، وفيها لفظتان مخالفتان للرواية التي ذكرناها في اللفظ. أحدهما: "وعند زمزم" والله أعلم عوض قوله: "بين الركن والمقام". واللفظة الأخرى: "وفي المزدلفة" عوض قوله: "وبجمع". وهذه الرواية ذكرها المحب الطبري في "القرى" وقال فيه: وروي عن الحسن البصري أن الحجر الأسود يستجاب عنده الدعاء. فتصير المواضع ستة عشر، وقال: وسيأتي في فضل التعوذ عند ظهر الكعبة موضع سابع عشر١ ... انتهى. قلت: الموضع الذي أشار إليه المحب هو المستجار الذي تقدم ذكره. وقال المحب: والظاهر من عموم هذا اللفظ تعميم الإجابة في هذه الأماكن، سواء كان متلبسا بنسك أو لم يكن، وهو كذلك إن شاء الله تعالى، وتخصيص بعض دون بعض خلاف الظاهر، وإذا ثبتت الخصوصية لذات المكان عمت جميع الأحوال، والله أعلم. قلت: فيما ذكره الحسن البصري من استجابة الدعاء عند جمرة العقبة نظر، لأن الإنسان مطلوب بأن لا يقف عندها للدعاء في زمن الرمي، فكيف يستجاب للإنسان فيما نهي عن فعله؟ إلا أن يكون مراده بقوله: إن الدعاء يستجاب عندها، أي قربها، ويدعو الداع وهو مارّ فيه والله أعلم. وذكر شيخنا القاضي مجد الدين الشيرازي أحسن الله إليه في كتابه "الوصل والمنى في فضل منى" مواضع أخر بمكة وحرمها يستجاب فيها الدعاء، لأنه نقل عن النقاش المفسر أنه قال في "منسكه"، ويستجاب الدعاء في ثبير، عني ثيبر الذي يلحقه مغارة الفتح، لأن النبي ﷺ كان يتعبد فيه قبل النبوة، وأيام ظهور الدعوة، ولهذا جاورت به عائشة أم المؤمنين ﵂ أيام إقامتها بمكة، قال: وفي مسجد الكبش، زاد غيره: وفي مسجد الخيف، زاد آخر: وفي مسجد النحر ببطن منى، زاد ابن الجوزي: وفي مسجد البيعة٢ وهو من منى، وغار المرسلات، ومغارة الفتح، لأنها من ثبير

стр. 290

يعني الموضع الذي يقال له صخرة عائشة بمنى قال: وقال النقاش: يستجاب الدعاء إذا دخل من باب بني شيبة، وفي دار خديجة بنت خويلد ﵂ ليلة الجمعة، وفي مولد النبي ﷺ يوم الاثنين عند الزوال، وفي دار الخيزران عند المجتبى بين العشائين، وتحت السدرة بعرفة وقت الزوال، وفي مسجد الشجرة يوم الأربعاء، وفي المتكأ غداة الأحد، وفي جبل ثور عند الظهر، وفي حراء وثبير مطلقا، قيل: وفي مسجد النحر ... انتهى. قلت: وقع فيما ذكره شيخنا القاضي مجد الدين أن مسجد البيعة من منى وهو غير مُسَلَّم، لأنه من وراء العقبة التي هي حد منى بمقدار غلوة أو أكثر، ولعل من قال إن مسجد البيعة من منى يوهم أنه المسجد الذي عند جمرة العقبة وليس كذلك، لأن المعروف في مسجد البيعة أنه المسجد الذي من وراء العقبة الذي يكون على يسار الذاهب إلى منى، وبينه وبين منى المقدار الذي ذكرناه، وفي جداره القبلي حجران مكتوب فيهما أنه مسجد البيعة، والله أعلم. ولم يبين شيخنا القاضي مجد الدين موضع السدرة بعرفة، ولا مسجد الشجرة، ولا المتكأ، وما عرفت أنا ذلك تحقيقا، وأظن أن المتكأ المشار إليه هو الموضع الذي ذكره الأزرقي، لأنه قال فيما رويناه عند السند المتقدم في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: ذكر المواضع التي يستحب فيها الصلاة بمكة وما فيها من آثار النبي ﷺ وما صح من ذلك: ومسجد بأجياد١ وهو موضع فيه يقال له المتكأ، سمعت جدي أحمد بن محمد، ويوسف بن محمد بن إبراهيم يسألان عن المتكأ، وهل صح عندهما أن النبي ﷺ اتكأ فيه، فرأيتهما ينكران ذلك ويقولان: لم نسمع به من ثبت، قال لي جدي: سمعت الزنجي مسلم بن خالد، وسعيد بن سالم القداح، وغيرهما من أهل العلم أن أمر المتكأ، ليس بالقوي عندهم، بل يضعفونه، غير أنهم يثبتون أن النبي ﷺ صلى بأجياد الصغير، لا يثبت ذلك الموضع ولا يقف عليه. قال: ولم أسمع أحدا من أهل مكة يثبت أمر المتكأ٢ ... انتهى. وبأجياد الصغير موضع يقال له الآن المتكأ، وهو دكة مرتفعة متسعة منورة ملاصقة لدار تنسب للشيخ يحيى بن علي بن بجير الحجبي شيخ الحجبة كان، ويعرف هذا البيت الآن بسعد الدويدار فتى الشريف أحمد بن عجلان صاحب مكة.

стр. 291

وأخبرني بعض فقهاء مكة أنه رأى الشريف عجلان بن رميثة صاحب مكة ينكر على جماعة رآهم يلعبون في الموضع المشار إليه، وأمر باحترام هذا الموضع، وعلل ذلك بأن هذا الموضع ينسب للنبي ﷺ . وأخبرني بعض الحجبة عن بعض أقاربه أن النبي ﷺ رؤي بهذا الموضع، وهو على يسار الذاهب إلى رباط ربيع قريبا منه. وفي كون المتكأ المنسوب إلى النبي ﷺ نظر، لأن الأزرقي ذكر ما يقتضي أن المتكأ في الشعب الذي فيه بئر عكرمة بأجياد الصغير، وإذا كان كذلك فليس المتكأ هذه الدكة، والله أعلم. وذكر الفاكهي المتكأ الذي بأجياد كما يوافق ما ذكره الأزرقي، وذكر فيه شيئا لم يذكره الأزرقي، لأنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: ذكر المواضع التي يستحب فيها الصلاة بمكة: ومنه الموضع الذي بأجياد الصغير، وهو الذي يقال له المتكأ١. وبعض الناس يقول: أول ما نزل القرآن في ذلك الموضع، نزل فيه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] وهي أول سورة نزلت من القرآن ... انتهى، وهذا غريب جدا٢. ولذلك أوردناه، والله أعلم بصحته. وبقرب باب المسجد الحرام المعروف بباب العمرة موضع يقال له المتكأ ملاصق لبيت المرشدي قرب المدرسة الأرسوفية الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى، وفي طريق التنعيم المعتادة موضع يقال له المتكأ، وهذان الموضعان كلاهما غير المراد، ولعلهما سميا بذلك للراحة بالاتكاء عندهما من تعب السير إلى العمرة والله أعلم. وأما مسجد الشجرة المشار إليها فهو بالحديبية والشجرة المنسوب إليها هذا المسجد هي الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان كما في القرآن العظيم، وكانت هذه الشجرة سمرة معروفة عند الناس، ثم غيبت لقطعها، لأن عمر بن الخطاب، ﵁ أمر بقطعها حين بلغه أن الناس يأتون إليها ويصلون عندها ويعظمونها، ورأى أن هذا الفعل حدث، وهذا يروى عن ابن جريج في كتاب الفاكهي. وذكر الفاكهي شيئا من خبر هذا المسجد، لأنه قال لما ذكر مسجد الحديبية، وهذا المسجد عن يمين طريق جدة، وهو المسجد الذي يزعم الناس أنه الموضع الذي كان فيه

стр. 292

رسول الله ﷺ وأصحابه، وهو مسجد الكرز، وثَمَّ مسجدٌ آخر تصلي الناس فيه بناه يقطين بن موسى في الشق الأيسر١ ... انتهى. وهذان المسجدان والحديبية لا يعرفون اليوم، والله أعلم بذلك. ورأيت في جزء مترجم بالثاني من "فضائل مكة" للجندي من رواية أبي القاسم عبد الله بن علي بن عبد الله الطوسي المعروف بكركان: عن أبي منصور طاهر بن العباس بن منصور المروزي، عن المغيرة بن عمرو بن الوليد العدني، عن الجندي.... وفي آخره: سمعت أبا منصور طاهر بن العباس بن منصور يحكي عن أبي سهيل النيسابوري أن المواضع التي يزجى فيها استجابة الدعاء في المسجد الحرام خمسة عشر موضعا، وعد منها أربعة عشر: باب بني شيبة، وباب إبراهيم، وباب النبي ﷺ ، وباب الصفا، وزمزم، والمقام، والركن الأسود، والملتزم، ومجاور المنبر حيث يقف المحمدون، وعند الركن العراقي، وتحت الميزاب، والركن الشامي، وما بين الركن الشامي واليماني وهو المستجار وعند الركن اليماني. وقال غيره: إن المواضع التي يرجى فيها استجابة الدعاء في المسجد الحرام ثلاثون موضعا، ولم يعدها، ولم يذكر مواضعها ... انتهى. وباب النبي ﷺ المشار إليه هو الباب المعروف الآن بباب الجنائز، سماه بذلك الأزرقي في "تاريخه" لأنه لما ذكر صفته القديمة قال: وهو باب النبي ﷺ الذي كان يخرج منه ويدخل فيه من منزله الذي في زقاق العطارين، يقال له: مسجد خديجة بنت خويلد رحمة الله تعالى ورضوانه عليها٢ ... انتهى. وباب إبراهيم هو باب الزيارة الذي بالجانب الغربي من المسجد الحرام.

стр. 293

الباب السادس عشر ذكر شيء من أخبار المقام "مقام الخليل ﵇ " ... الباب السادس عشر: في ذكر شيء من أخبار المقام "مقام الخليل ﵇": هذا المقام، هو الحجر الذي وقف عليه الخليل ﵇، حين بنى الكعبة، وهذا يروى عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وغيرهما. وقيل: وقف عليه حين أذن للناس بالحج، وقيل: وقف عليه حين غسلت زوجة ابنه إسماعيل ﵇ رأسه لما جاء يسأل عن ولده إسماعيل، وهو في خبر طويل، ضعفه سعيد بن جبير، ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بأن يكون الخليل ﵇ وقف على ذلك لهذه الأمور كلها، والله أعلم. وقد ذكر صفته وقدره الأزرقي١ وابن جبير٢ وابن جماعة، وذكرنا ذلك في أصل هذا الكتاب، واختصرنا هنا على ما ذكره ابن جماعة لأنه أبلغ في التحرير. أخبرني خالي قاضي الحرمين محب الدين النويري قال: أخبرنا القاضي عز الدين بن جماعة قال: وقد ذكر الأزرقي أن ذرع المقام ذراع، وأن القدمين داخلان فيه سبعة أصابع. وحررت لما كنت مجاورا بمكة المشرفة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة مقدار ارتفاعه من الأرض، فكان نصف ذراع وربع ذراع وثمن ذراع، بالذراع المستعمل في زماننا بمصر في القماش، وأعلا المقام مربع من كل جهة: نصف ذراع وربع ذراع، وموضع غوص القدمين ملبس بفضة، وعمقه من فوق الفضة: سبعة قراريط ونصف قيراط من ذراع القماش٣ ... انتهى.

стр. 294

ذكر حلية المقام: أول ما حُلِّيَ المقام في خلافة المهدي١ العباسي، لأنه رفع فانثلم لرخاوة حجره، فكتب الحجبة إلى المهدي يعرفونه بذلك، وأنهم يخشون عليه أن يتفتت، فبعث المهدي بألف دينار أو أكثر، فضببوا بذلك المقام من أعلاه وأسفله، فلما كان في خلافة المتوكل٢ زيد في تحليته بالذهب وجعل ذلك فوق حليته الأولى، وذلك في مصدر الحاج سنة ستٍّ وثلاثين ومائتين٣. ثم إن جعفر بن الفضل العباسي عامل مكة، ومحمد بن حاتم قلعا حليته في خلافة المتوكل وضرباها دنانير ليستعينا بذلك على ما قيل في حرب إسماعيل بن يوسف العلوي الذي خرج من مكة وأفسد بها وبالحجاز في سنة إحدى وخمسين ومائتين٤. ولم تزل حلية المهدي على المقام إلى أن قلعت عنه في سنة ست وخمسين ومائتين في المحرم، لأجل إصلاحه، لأن الحجبة ذكروا لعامل مكة علي بن الحسن العباسي أن المقام وَهَى، وتسللت أحجاره، ويخشى عليه، وسألوه في تجديده عمله وتضبيبه حتى يشتد، فأجابهم لسؤالهم وزادهم ذهبا وفضة على حليته الأولى، فعمل له طوقان من ذهب فيهما ألف مثقال إلا ثمانية مثاقيل، وطوق من فضة. وأحضر المقام إلى دار الإمارة وأذيبت له العقاقير بالزئبق، وشد بها شدا جيدا حتى التصق، وكان قبل ذلك سبق قطع قد زال عنها الإلصاق لما قلعت الحلية عنه في سنة ست وخمسين ومائتين لأجل إصلاحه٥، وكان الذي شده بيده في هذه السنة: بشير الخادم مولى أمير المؤمنين المعتمد٦ العباسي، وحمل المقام بعد اشتداده بالإلصاق وتركيب الحلية التي عملت له لشده أيضا عليه إلى موضعه، وذلك يوم الاثنين لثماني ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين ومائتين، وكان عمل حليته في المحرم وصفر من هذه السنة٧.

стр. 295

وفي أوائل شهر ربيع الأول وسع الطوقان الذهب -المشار إليهما- لضيقهما ثم عملا عليه، ووضع في موضعه في التاريخ المتقدم ذكره. هذا ملخص بالمعنى مما ذكره الفاكهي في خبر "حلية المقام" وكلامه أبسط من هذا، ونذكره كما ذكره في أصل هذا الكتاب. وذكر الأزرقي ١ حليته في زمن المهدي والمتوكل، ولم يذكر تاريخ حليته في زمن المهدي وهي سنة إحدى وستين ومائة، على ما ذكره الفاكهي٢.

стр. 296

ذكر صفة الموضع الذي فيه المقام والمصلى خلفه: أما صفة الموضع المشار إليه: فإنه الآن قبة عالية من خشب ثابتة قائمة على أربعة أعمدة دقاق حجارة منحوتة بينها أربعة شبابيك من حديد من الجهات الأربعة، ومن الجهة الشرقية يدخل إلى المقام، والقبة مما يلي المقام منقوشة مزخرفة بالذهب، ومما يلي السماء مبيضة بالنورة. وأما موضع المصلى الآن: فإنه ساباط مزخرف على أربعة أعمدة، منها: عمودان عليهما القبة وهو متصل بها، وهو مما يلي الأرض منقوش مزخرف بالذهب، ومما يلي السماء مبيضة بالنورة. وأما موضع المصلى الآن: فإنه ساباط مزخرف على أربعة أعمدة، منها: عمودان عليهما القبة وهو متصل بها، وهو مما يلي الأرض منقوش مزخرف بالذهب، ومما يلي السماء مبيض بنورة. وأحدث وقت صنع فيه ذلك في شهر رجب سنة عشر وثمانمائة١. واسم الملك الناصر فرج صاحب الديار المصرية والشامية مكتوب فيه بسبب هذه العمارة، واسم الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي صاحب مصر مكتوب في الشباك الشرقي في هذا الموضع بسبب عمارته له في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة٢. والمقام بين الشبابيك الأربعة الحديد في قبة من حديد ثابت في الأرض، والقبة التي عليها ثابتة أيضا في الأرض برصاص مصبوب، بحيث لا يستطاع قلع القبة الحديد التي فوقه إلا بالمعاول وشبهها، ولعل القبة الحديد التي في جوفها المقام الآن القبة الحديد التي كانت توضع عليها عند قدوم الحاج إلى مكة صونا لها، لكونا أحمل للازدحام والاستلام على ما ذكر ابن جبير٣ وذكر ما يقتضي أن المقام كان عند رحلته إلى مكة غير ثابت وأنه يوضع ويرفع، ويجعل حينا في الكعبة في البيت الذي فيه الدرجة التي يصعد منها إلى السطح أي سطح الكعبة ويجعل أيضا في موضعه

стр. 297

الذي هو به الآن في قبة من خشب، فإذا كان الموسم قلعت قبة الخشب، وجعلت عليه القبة الحديد، ذكر ذلك في موضعين من رحلته، ونص كلامه الدال على أن المقام غير مؤبد موضعه الآن قوله بعد أن ذكر اعتمار مُكْثِر بن عيسى بن فليته أمير مكة في شهر رجب من سنة تسع وسبعين وخمسمائة وهي السنة التي وصل فيها ابن جبير إلى مكة للحج فلما فرغ يعني مكثرا من الطواف صلى عند الملتزم، ثم جاء إلى المقام وصلى خلفه، وقد أخرج له من الكعبة، ووضع في قبته الخشبية التي يصلى خلفها، فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح به، ثم أعيدت القبة عليه١ ... انتهى. وما عرفت متى جعل المقام ثابتا في القبة على صفته التي هو عليها الآن. وأما القبة التي فوق القبة الحديد التي المقام في جوفها: فأظن أن الملك المسعود صاحب اليمن ومكة أول من بناها، والله أعلم.

стр. 298

ذكر ذرع ما بين المقام والحجر الأسود: وما بين المقام والركن الشامي الذي يقال له العراقي، وما بين المقام وبين جدار الكعبة وشاذروانها المقابل للمقام، وما بين المقام وحجرة زمزم وحرف بئر زمزم الطيبة المباركة: روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم في تاريخه أنه قال: وذرع ما بين الركن الأسود إلى مقام إبراهيم ﵇ تسعة وعشرون ذراعا وتسعة أصابع، وذرع ما بين جدار١ الكعبة من وسطها إلى المقام: سبع٢ وعشرون ذراعا، وذرع ما بين شاذروان الكعبة إلى المقام: ستة٣ وعشرون ذراعا ونصف، ومن الركن الشامي إلى المقام: ثمانية وعشرون ذراعا وسبع٤ عشرة أصبعا ثم قال: ومن المقام إلى جدار حجرة زمزم: اثنان وعشرون ذراعا. ومن المقام إلى حرف٥ بئر زمزم أربع٦ وعشرون ذراعا وعشرون إصبعا٧ ... انتهى. ثم قال القاضي عز الدين بن جماعة فيما أخبرني عنه خالي: ومن جدار الشباك الذي داخله المقام إلى شاذروان الكعبة: عشرون وثلثا ذراع وثمن ذراع، يعني بذراع الحديد المتقدم ذكره٨.

стр. 299

وقد حررنا بعض ما حرره الأزرقي في هذا المعنى، فكان ما بين ركن الكعبة الذي فيه الحجر الأسود وبين الركن اليماني من أركان الصندوق الذي فيه المقام من داخل الشباك الذي فيه الصندوق، أربعة وعشرون ذراعا إلا سدس ذراع، وكان ذرع ما بين وسط جدار الكعبة الشرقي إلى وسط الصندوق المقابل له: اثنين وعشرين ذراعا إلا ربع ذراع، وكان ما بين ركن الكعبة الشامي الذي يلي الحجر بسكون الجيم وركن الصندوق الشامي: ثلاثة وعشرون ذراعا، وكان مما بين ركن الصندوق الشرقي إلى ركن البيت الذي فيه بئر زمزم المقابل له: خمسة عشر ذراعا إلا ثلث ذراع، وكل ذلك بذراع الحديد المتقدم ذكره.

стр. 300

ذكر موضع المقام في الجاهلية والإسلام وما قيل في ذلك: ورد عمر بن الخطاب ﵁ له إلى موضعه وهذا حين غيره السيل عنه: روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي قال: حدثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام: هو هذا الذي هو به اليوم، وهو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر ﵄ إلا أن السيل ذهب به في خلافة عمر، فجُعل في وجه الكعبة، حتى قدم عمر ﵁ فرده بمحضر من الناس، وذكر الأزرقي ما يوافق قول ابن أبي مليكة في موضع المقام عن عمرو بن دينار، وسفيان بن عيينة١. وروى الفاكهي، عن عمرو بن دينار، وسفيان بن عيينة، مثل ما حكاه عنهما الأزرقي بالمعنى٢. ونقل المحب الطبري في "القرى" عن مالك ما يخالف ذلك، لأنه قال: وقال: مالك في المدونة: كان المقام في عهد إبراهيم ﵇ في مكانه اليوم، وكان أهل الجاهلية ألصقوه بالبيت خيفة السيل، فكان كذلك في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر، فلما ولي عمر ﵁ رده بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة قيس بها حين أخروه ... انتهى. ثم قال المحب: وفي هذا مناقضة ظاهرة لما ذكره الأزرقي عن ابن أبي مليكة، وسياق لفظ حديث جابر ﵁ الصحيح الطويل، وما روي نحوه يشهد لترجيح قول ابن أبي مليكة، وذلك قوله: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ

стр. 301

مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين الكعبة، والمتبادر إلى الفهم عند سماع هذا اللفظ أنه لم يكن حينئذ ملصقا بالبيت، لأنه لا يقال في العرف تقدم إلى كذا فجعله بينه وبين كذا إلا فيما يمكن أن يقدمه أمامه وأن يخلفه خلفه، وإن كان ملصقا تعين التقديم لا غير١ ... انتهى باختصار. وقد ذكرنا في أصل هذا الكتاب بقية كلام المحب وكلاما لمالك ﵀ في المعنى وبينا ما في الصواب، والله أعلم. وذكر موسى بن عقبة في "مغازيه"، وأبو عروبة في "الأوائل" له، والفاكهي في كتابه ما يوافق ما ذكره مالك في أن المقام كان في وجه الكعبة لاصقا، في الجاهلية. فأما موسى بن عقبة فإنه قال فيما رويناه عنه: وكان زعموا أن المقام لاصق في الكعبة فأخره رسول الله ﷺ في مكانه هذا ... انتهى. ذكر ذلك في خبر فتح مكة. وأما أبو عروبة: فإنه قال فيما رويناه عنه: وكان زعموا أن المقام لاصق في الكعبة فأخره رسول الله ﷺ في مكانه هذا ... انتهى. ذكر ذلك في خبر فتح مكة. وأما أبو عروبة: فإنه قال فيما رويناه عنه: حدثنا سلمة قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: كان المقام إلى جنب البيت، وكانوا يخافون عليه من السيول، وكان الناس يصلون خلفه ... انتهى باختصار لقصة رد عمر ﵁ للمقام إلى موضعه الآن، وما كان بينه وبين المطلب بن أبي وداعة السهمي في موضعه الذي حرره المطلب. وقال أبو عروبة أيضا: حدثنا سلمة قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج قال: سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر ﵁ أول من رفع المقام فوضعه في موضعه الآن، وإنما كان في قُبُل الكعبة ... انتهى. وأما الفاكهي فقال: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة قال: حدثنا عبد الجبار بن سعيد، عن ابن أبي سبرة، عن موسى بن سعيد، عن نوفل بن معاوية الدئلي قال: رأيت المقام في عهد عبد المطلب ملصقا بالبيت مثل المهاة. وروى الفاكهي بسنده إلى عبد الله بن سلام خبرا فيه أذان إبراهيم على المقام للناس بالحج، وفيه: فلما فرغ أمر بالمقام فوضعه قبلته فكان يصلي إليه مستقبل الباب. وفيه: أن النبي ﷺ قدم مكة من المدينة فكان يصلي إلى المقام وهو ملصق بالكعبة حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. وقال الفاكهي: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثنا يحيى بن محمد بن ثوبان، عن سليم، عن ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير أنه قال: كان

стр. 302

المقام في وجه الكعبة، وإنما قام إبراهيم عليه حين ارتفع البنيان فأراد أن يشرف على البناء قال: فلما كثر الناس خشي عمر بن الخطاب ﵁ أن يطئوه بأقدامهم فأخرجه إلى موضعه الذي هو به اليوم حذاء موضعه الذي كان قدام الكعبة. وقال الفاكهي: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال عبد العزيز: أراه عن عائشة ﵂ أن المقام كان في زمن النبي ﷺ إلى سقع البيت. قال الفاكهي: وقال بعض المكيين: كان بين المقام وبين الكعبة ممر العنز١ ... انتهى. وليس فيما ذكره مالك، وابن عقبة وأبو عروبة، والفاكهي من كون المقام كان عند الكعبة بيان موضعه عند الكعبة إلا أن في الخبر الذي رواه الفاكهي عن سعيد بن جبير ما يفهم منه تقريب بيان موضع المقام عند الكعبة، لأن فيه ما يقتضي أن موضعه الآن حذاء موضعه الذي كان به قدام الكعبة٢. والمقام الآن في جوف الصندوق الذي في جوف الشبابيك الأربعة المتقدم ذكرها، ويحاذي الصندوق الذي فيه المقام من وجه الكعبة ذراعان بالحديد ونحو خمسة قراريط بذراع الحديد أيضا المتقدم ذكره، والذراعان هما نصف الحفرة المرخمة الملاصقة لشاذروان الكعبة، ونصف الحفرة المشار إليه هنا هو النصف الذي يلي الحجر بسكون الجيم وما زاد على الذراعين من القراريط التي هي كمال ما يحاذي الصندوق الذي فيه المقام وهي إلى طرف الحفرة مما يلي الحجر بسكون الجيم وإذا كان كذلك فيكون موضع المقام عند الكعبة تخمينا، والله أعلم. وفيما بين نصف الحفرة مما يلي الحجر بسكون الجيم والقراريط الزائدة على الذراعين، لأن ذلك يحاذي الصندوق الذي فيه المقام الآن، وإذا كان كذلك فهو يوافق قول من قال إن موضع المقام الآن حذاء موضعه عند الكعبة، والله أعلم. وذكر الفقيه محمد بن سراقة العامري في كتابه "دلائل القبلة" في موضع المقام عند الكعبة ما يخالف قول من قال إن موضعه اليوم بحذاء موضعه عند الكعبة، ونص ما ذكره ابن سراقة: ومن الباب يعني باب البيت إلى مصلى آدم ﵇ حين فرغ من طوافه وأنزل الله عليه التوبة، وهو موضع الخلوق من إزار الكعبة: أرجح من تسعة أذرع.

стр. 303

وهناك كان موضع مقام إبراهيم ﵇، وصلى النبي ﷺ عنده حين فرغ من طوافه ركعتين وأنزل الله عليه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ، ثم نقله ﷺ إلى الموضع الذي هو فيه الآن، وذلك على عشرين ذراعا من الكعبة لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه، أو يترك الناس الصلاة خلفه لأجل الطواف، حين كثر الناس وليدور الصف حول الكعبة ويرى الإمام من كل وجه، ثم حمله السيل في أيام عمر ﵁ وأخرجه من المسجد، فأمر عمر ﵁ برده إلى موضعه الذي وضعه رسول الله ﷺ فيه، وبين موضع الخلوق وهو مصلى آدم وبين الركن الشامي: ثمانية أذرع ... انتهى. وقد سبق ما ذكرناه عن ابن سراقة في الباب الثامن من هذا الكتاب عند بيان مصلي آدم ﵇ وهذا يقتضي اتخاذ موضع مصل آدم ﵇، وموضع الخلوق، وموضع المقام عند الكعبة، وهو على مقتضى ما ذكر ابن سراقة في ذرع ما بينه وبين ركن الكعبة الذي يلي الحجر بسكون الجيم ويكون على ذراعين وثلثي ذراع بالحديد طرف الحفرة إلى جهة الحجر بسكون الجيم وعلى هذا فيكون موضع المقام عند الكعبة خارجا عن الحفرة: في مقدار ذراعين وثلثي ذراع، وعلى مقتضى ما قيل من أن موضعه اليوم حذاء موضعه عند الكعبة، يكون موضعه عند الكعبة في مقدار نصف الحفرة التي تلي الحجر بسكون الجيم والله أعلم بالصواب. وأما الموضع الذي ربط فيه المقام في وجه الكعبة: بأستارها إلى أن حج عمر بن الخطاب ﵁ فرده، وذلك أن يصد الطائف من الحجر الشامي في حجارة شاذروان الكعبة إلى أن يبلغ الحجر السابع، فإذا بلغ الحجر السابع فهو موضعه، وإلا فهو التاسع من حجارة الشاذروان أيضا١ ... انتهى. وذكر الفاكهي في موضع آخر من كتابه ما يقتضي أن هذا علامة للموضع الذي ذكر عبد الله بن السائب المخزومي أنه رأي النبي ﷺ يصلي عنده يوم فتح مكة، وذكر الأزرقي مثل ذلك، والله أعلم. وما ذكره ابن سراقة من أن النبي ﷺ رد المقام إلى موضعه الآن، يشهد له ما ذكره ابن عقبة، وما ذكره يخالف ما ذكره سعيد بن جبير، وعطاء، وغيرهم من أن عمر ﵃ أول من رده إلى موضعه الآن.

стр. 304

وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن الولاة حولته إلى مكانه هذا، وهذا يفهم أن الذي رده غير عمر ﵁ فيتحصل فيمن رده إلى موضعه الآن ثلاثة أقوال: أحدها: أنه النبي ﷺ . والثاني: أنه عمر. والثالث: غبر عمر ﵁، والله أعلم. والمشهور أنه عمر، وردّ الخبر الذي ذكره الفاكهي عن سعيد بن جبير ما يفهم أن رد عمر ﵁ للمقام إلى موضعه الآن لئلا تطؤه الناس، والمعروف أن رد عمر ﵁ له إلى موضعه الآن لكون السيل المعروف بسيل أم نهشل أزاله عن موضعه الأول، والله أعلم. وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن رجلا من آل عائذ بن عبد الله بن مخزوم قال لعمر رضي لله عنه إنه يعلم موضع المقام الأول، والمعروف أن الذي قال ذلك لعمر هو المطلب بن أبي وداعة السهمي، كما ذكر الأزرقي١، والفاكهي، وغيرهما والله أعلم. وما ذكره ابن سراقة في ذرع ما بين موضع المقام الآن ووجه الكعبة لا يستقيم، لنقص ما ذكره ابن سراقة في ذلك عما ذكره الأزرقي، لأن فيه نقصا كثيرا، والذراع الذي حرر به ابن سراقة ذراع اليد، وكذلك الأزرقي، وفيما ذكره ابن سراقة نظر من غير هذا الوجه. وذكر ابن جبير في أخبار "رحلته" ما يقتضي أن الحفرة المرخمة التي في وجه الكعبة علامة موضع المقام في عهد الخليل ﵇ إلى أن رده النبي ﷺ إلى الموضع الذي هو الآن مصلى٢. وفي هذا نظر، لأن موضع المقام الآن هو موضعه في عهد الخليل ﵇ من غير خلاف عُلِمَ في ذلك، وأما الخلاف ففي موضعه اليوم، هل هو موضعه في زمن النبي ﷺ كما ذكر ابن أبي مليكة، أو لا كما قال مالك، والله أعلم. وفي كلام ابن جبير نظر من وجه آخر بيناه في أصل هذا الكتاب، والله أعلم. ولم أر في تاريخ الأزرقي ذكر السَّنة التي رد فيها عمر ﵁ المقام إلى موضعه هذا لما غيره عنه السيل٣، وهو سنة سبع عشرة من الهجرة على ما ذكره ابن جرير، وكذا ابن الأثير في "كامله"٤، وقيل: ثماني عشرة، ذكره ابن حمدون في "تذكرته"، والله أعلم بالصواب.

стр. 305

ذكر شيء من فضل المقام: لا شك أن فضل المقام مشهور ثابت بنص القرآن العزيز والسنة الشريفة الصحيحة، فأما القرآن فقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآية. والمراد بالمقام في هذه الآية هذا المقام على الصحيح المشهور، وقيل: المراد مناسك الحج كلها. وقيل: عرفة، وقيل: المزدلفة، وقيل الحرم كله. وأما السنة: فتقدم لنا في فضل الحجر الأسود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولولا أن طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" ١ وروينا في تاريخ الأزرقي عن مجاهد قال: يأتي الركن والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أبي قبيس يشهدان لمن وافاهما بالموافاة٢.

стр. 306

ما جاء في هلاك من تعرض له بسوء: قال الفاكهي: وقال بعض الناس: إن رجلا كان بمكة يقال له جريج يهودي أو نصراني، فأسلم بمكة، فقصد المقام ذات ليلة فطلب فوجد عنده، وأراد أن يخرجه إلى ملك الروم، قال: فأخذ منه وضربت عنق جريج١ ... انتهى. وكان أبو طاهر القرمطي يريد أخذه فلم يظفر به، لأن سدنة المسجد غيبوه في بعض شعاب مكة. ولا يزال هذا المقام محروسا بحراسة الله تعالى إلى حين رفعه إلى الجنة، كما هو مقتضى حديث عائشة الذي رويناه في تاريخ الأزرقي، وقد سبق في فضل الحجر الأسود. وحكم المقام مخالف حكم الحجر الأسود في التمسح به، واستلامه، وتقبيله، فإن ذلك غير مطلوب في المقام على ما ذكره العلماء، وفي تاريخ الأزرقي، ومنسك القاضي عز الدين بن جماعة٢ ما يدل لذلك، والخير في اتباع قول العلماء ﵃.

стр. 307

الباب السابع عشر: ذكر شيء من أخبار الحِجْر المُكَرَّم حِجْر إسماعيل ﵇: روينا بالسند المتقدم إلى الأزرقي قال: حدثني جدي، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن ابن إسحاق قال: في أثناء خبر بناء الخليل ﵇ للكعبة: وجعل إبراهيم ﵇ الحجر إلى جنب البيت عريشا من أراك تقتحمه العنز، وكان زربا لغنم إسماعيل عليه السلام١ ... انتهى. وقد تقدم في خبر عمارة الكعبة أن قريشا أدخلت في الحجر أذرعا من الكعبة حين بنتها لما قصرت عليهم النفقة الحلال التي أعدوها لعمارة الكعبة عن إدخال ذلك فيها، وأن عبد الله بن الزبير أدخل ذلك في الكعبة حين عمرها، وأن الحجاج أخرج ذلك منها، ورده كما كان عليه في عهد قريش والنبي ﷺ واستمر الحال على ذلك إلى الآن، وصار بعض الحجر من الكعبة وبعضه ليس منها. ويدل لذلك ما رويناه في الصحيحين، وغيرها من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشا استقصرتها حين بنت الكعبة". وفي رواية: "فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فهلمي لأريك ما تركوا منه" فأراها قريبا من سبعة أذرع". أخرجاه٢. وفي مسلم عن الوليد بن عطاء، فذكر شيئا من حريق الكعبة، وعمارة بن الزبير لها، ثم قال: قال ابن الزبير: إني سمعت عائشة ﵂ تقول: إن رسول

стр. 308

الله ﷺ قال: "لولا أن الناس حديثو عهد بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقوي على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع" قال عطاء: وزاد فيه: "خمسة أذرع من الحجر"، حتى أبدى أساسها ونظر إليه الناس، فبنى عليها البناء١ ... انتهى. وذكر الفاكهي حديثا فيه ما يقتضي أن الذي تركته قريش من الكعبة في الحجر أربعة أذرع، لأنه روى حديثا قال فيه: ولقد دخله رسول الله ﷺ ، فلما رأى بنيانه قال النبي ﷺ لعائشة: "لولا حداثة قومك بالكفر لهدمته وبنيته على بناء إبراهيم، ولجعلت له بابين، ولأدخلت أربعة أذرع من الحجر فيه، وذلك أن أربعة أذرع من الحجر من البيت" ٢ ... انتهى. وفي إسناد هذا الحديث من لا أعرفه وإنما ذكرناه لغرابته، وسيأتي إن شاء الله في مقدار ما تركته قريش من الكعبة في الحجر وغير ذلك. والأحاديث الصحيحة التي أشرنا إليها تقتضي أن بعض الحجر من البيت لا كله، كما قال بعضهم فيما حكاه المحب الطبري، وتمسك قائل ذلك بما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: سألت النبي ﷺ عن الحجر، أمن البيت؟ قال: "نعم". قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: "إن قومك قصرت بهم النفقة" ٣ الحديث ... انتهى. وحديثها هذا لا يعارض أحاديثها التي ذكرناها، لأن حديثها هذا مطلق، وأحاديثها الأخرى مقيدة، والمطلق يحمل على المقيد، وقد أشار إلى ذلك هنا الشيخ محب الدين الطبري، لأنه قال: والأصح أن القدر الذي فيه من البيت سبعة أذرع، وقد جاء مصرحا به في الحديث عن عائشة ﵂ فذكر عنها ما سبق بالمعنى مختصرا. ثم قال: فيحمل المطلق فيما تقدم على هذا، وإطلاق اسم الكل على البعض جائز على سبيل المجاز المطلق فيما تقدم على هذا، وإطلاق اسم الكل على البعض جائز على سبيل المجاز المستحسن، ذكر ذلك في "شرحه للتنبيه"، وقال في "القرى" بعد أن ذكر ما استدل به من يرى أن الحِجر من البيت، ومن يرى أن بعضه من البيت: وفي هذه الأحاديث دلالة على أن بعض الحجر من البيت، ومن يرى حمل المطلق على المقيد يقول: مطلق هذه الأحاديث المتقدمة في الفصل قبله منزلة على هذا، ومن لا يراه عمل بها٤ ... انتهى. قلت: يدل لمجمل حديث عائشة ﵂ المطلق على أحاديثها المقيدة: أن العلة في حديثها المطلق، هي العلة في أحاديثها المقيدة، وهي ترك قريش بعض

стр. 309

الكعبة في الحجر حين قصرت بهم النفقة، وأما قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂ المطلق: "ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أُدخِل الحِجرَ في البيت" ... الحديث، فإن حال من قال بأن الحجر كله من البيت لا يخلو من أمرين: إما أن يقول إن النبي ﷺ أشار بقوله هذا إلى إدخال بعض الحجر في البيت، أو جميعه. فإن قال بالأول: فقد ناقض قوله: إن الحجر كله من البيت. وإن قال الثاني: ففي صحة ذلك نظر، لأن في رواية البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، وأدخلت فيه ما أخرج منه، وجعلت له بابا شرقيا، وبابا غربيا، وبلغت به أساس إبراهيم" ١. وهذه الرواية تقتضي أن النبي ﷺ يختار رد البيت إلى أساس إبراهيم ﵇ وأساس إبراهيم ﵇ الذي أشار إليه النبي ﷺ : هو الذي أدخلته قريش في الحجر لقصور النفقة عليهم كما سبق بيانه، لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالتاريخ أن البيت كان مبنيا في عصر النبي ﷺ على أساس إبراهيم ﵇ من جميع جوانبه، إلا من جهة الحجر كما سبق بيانه فيكون النبي ﷺ أشار بقوله هذا إلى أساس إبراهيم ﵇ الذي أدخلته قريش في الحجر، وهو الأساس الذي بنى عليه ابن الزبير ﵄ كما تقدم في حديث عطاء في صحيح مسلم، وذكره الأزرقي في خبر بناء ابن الزبير للكعبة، لأن فيه فلما هدم ابن الزبير الكعبة وسواها بالأرض كشف عن أساس إبراهيم ﵇ فوجده داخلا في الحجر نحو ستة أذرع وشبر، كأنها أعناق الإبل، آخذ بعضها بعضا كتشبيك الأصابع بعضها ببعض، فحرك الحجر من القواعد فتحرك الأركان كلها، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم فأشهدهم على ذلك الأساس ... ثم قال: ثم وضع البناء على ذلك الأساس٢ ... انتهى. قلت: ويدل لذلك أيضا ما في بعض طرق الأحاديث أي أحاديث عائشة ﵂ المطلقة أن النبي ﷺ أرى عائشة مقدار ما تركته قريش من الكعبة في الحجر ولو كان من البيت لم يكن لإيرائه ﷺ ذلك لعائشة ... ﵂ فائدة، والله أعلم. واختلاف الروايات عنها في قدر ما في الحجر من الكعبة لا يقتضي ترك العمل بما روي عنها من أن بعض الحجر من البيت، وإنم يقتضي أن يعمل في مقدار ما في الحجر

стр. 310

من الكعبة، فأكثر الروايات في ذلك، وهي نحو سبعة أذرع كما في الصحيحين، والله أعلم. وإنما نبهنا على ذلك، لأن كلام الشيخ تقي الدين بن الصلاح يوهم خلاف ذلك على ما نقله عنه النووي في "الإيضاح" ونص كلامه: وأما حديث عائشة: فقد قال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمة الله عليه فقد اضطربت فيه الروايات ففي رواية في الصحيحين: "الحجر من البيت" وروي: "ستة أذرع من الحجر من البيت"، وروي: "ستة أذرع أو نحوها"، وروي: "خمسة أذرع"، وروي: "قريبا من سبع". قال: وإذا اضطربت الروايات تعين الأخذ بأكثرها؛ ليسقط الفرض بيقين ... انتهى. وهذا من ابن الصلاح والنووي على أن الطواف لا يصح إلا من وراء الحجر جميعه. وذكر النووي أن هذا المذهب هو الصحيح، وعليه نص الشافعي قال: وبه قطع جماهير العلماء من أصحابنا وهذا هو الصواب؛ لأن رسول الله ﷺ طاف خارج الحجر، وهكذا الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة ﵃ من بعدهم ... انتهى. قلت: يمكن الانفصال عن استدلال النووي بطواف النبي ﷺ خارج الحجر على وجوب الطواف من خارج الحجر، وذلك أن الأفعال الصادرة من النبي ﷺ في حَجِّهِ لا تخلو من أمرين: أحدهما: أن يكون فعلُها مطلوبا على سبيل الوجوب، والإخلالُ بشيء منها مبطلٌ للحج. والآخر: أن يكون فعلها مطلوبا، ولكن بعضها يطلب وجوبا، وبعضها يطلب ندبا، وتمييز الواجب من المندوب دليل خارج والأول لا سبيل إليه، والثاني حق. وإذا تقرر ذلك فطواف النبي ﷺ من وراء الحجر لا يكون دليلا على وجوب الطواف هكذا لما وقع من التزام أن بعض أفعاله ﷺ في الحج واجب، وبعضها ليس بواجب، ولا يمكن أن يقوم دليل على وجوب الطواف خارج الحجر إذا قطع النظر عن الاستدلال بطواف النبي ﷺ هكذا إلا أن يكون حديث عائشة ﵁ "الحجر من البيت" وفي الاستدلال به نظر، لما تقدم بيانه من أنه مطلق حمل على أحاديثها المقيدة التي بين النبي ﷺ فيها مقدار ما في الحجر من البيت كما سبق بيانه، فبان بهذا الانفصال عن استدلال النووي على وجوب الطواف من خارج الحجر بطواف النبي ﷺ . هكذا لعدم نهوض الدلالة من فعله ﷺ .

стр. 311

هذا ويحتمل والله أعلم أن يكون طواف النبي ﷺ من وراء الحجر لأمرين: أحدهما: أن في ذلك حسما لمادة فساد يقع في طواف كثير من الطائفين، وذلك أن البيت من جهة الحجر لم يكن على قواعد إبراهيم ﵇، لترك قريش جانبا من البيت في الحجر، والواجب على الطائف الخروج عنه، فلو طاف النبي ﷺ في الحجر خارجا عما فيه من البيت لاقتدى به في ذلك من لا يعرف مقدار ما في البيت من الحجر، فيفسد عليه طوافه لكونه طاف من البيت ولم يطف به. والأمر الثاني: أن لو جوزنا السلامة من هذا المحذور لمعرفة جميع الخلق بمقدار ما في الحجر من البيت، لكان في طوافه ﷺ من وراء الحجر حكمة حسنة من وجهين: أحدهما: الراحة من تسور الحجر، فإن قريشا أحاطت عليه جدارا كما في خبر بنائهم للكعبة. والآخر: أن في ذلك حسما لمادة فساد، وهو أن النساء يتسورن الحجر في الطواف كالرجال، وفي تسورهن كشف لهن، وهن مأمورات بالصيانة، فرأى ﷺ أن يطوف من وراء الحجر لما في ذلك من الراحة لأمته دينا ودنيا، ومثل هذا يقال في طواف الخلفاء وغيرهم من وراء الحجر، وإذا تقرر أن طوافه ﷺ من وراء الحجر لهذا المعنى فيكون الطواف هكذا مطلوبا ندبا متأكدا لا وجوبا، لعدم نهوض الدلالة على وجوبه هكذا في طوافه ﷺ كما سبق بيانه، فإن خالف الإنسان وتسور جدار الحجر، وطاف في الحجر فيما ليس فيه من الكعبة خصوصا على رواية سبعة أذرع أو نحوها، أو ستة أذرع ففي الجزم بفساد طوافه نظر كثير لا ينهض عليه دليل. وقد قال بصحة طواف من طاف في الحجر وجعل بينه وبين الكعبة ستة أذرع جماعة من كبار العلماء منهم: أبو محمد الجويني، وابنه إمام الحرمين، والبغوي، وذكر الرافعي أن هذا المذهب هو الصحيح، وقال به اللخمي من أصحابنا المالكية وجزم به الشيخ خليل الجندي في مختصره الذي صنفه لبيان ما به الفتوى، وتلميذه شيخنا القاضي تاج الدين بهرام المالكي في "شامله" ويدل لذلك رواية عائشة ﵂ التي فيها: أن ستة أذرع من الحجر من البيت، وهي في الصحيحين كما سبق بيانه، والله أعلم.

стр. 312

ذكر موضع الحجر وصفته: وأما موضع الحجر: فهو ما بين الركن الشامي الذي يقال له العراقي والركن الغربي. وأما صفته: فهو عرضة مرخمة لها جدار مقوس على صورة نصف دائرة. وأما خبر عمارته: فذكر الأزرقي: أن المنصور العباسي لما حج دعا زياد بن عبيد الله الحارثي أمير مكة فقال: إني رأيت الحِجر حجارته بادية، فلا أصبحن حتى يصير جدار الحجر بالرخام. فدعا "زياد" بالعمال، فعملوه على السرج قبل أن يصبح، وكان قبل ذلك مبنيا بحجارة بادية ليس عليه رخام١. قال: ثم كان المهدي بعد ذلك قد جدد رخامه. وذكر الأزرقي أن رخام الحجر الذي عمل في زمن المهدي لم يزل فيه حتى رث في خلافة المتوكل، فقلع وألبس رخاما حسنا، وذكر أن ذلك في سنة إحدى وأربعين ومائتين٢ وأن ترخيمه في زمن المهدي في سنة إحدى وستين ومائة٣ ولم يذكر السنة التي أمر المنصور بعمل رخامه فيها. وأرخ ذلك بالسنة التي حج فيها المنصور، وهذا لا يفيد معرفة السنة التي فعل فيها ذلك، لأن المنصور حج وهو خليفة أربع حجات على ما ذكر العتيقي في تسمية "أمراء الموسم" في سنة أربعين ومائة٤، ثم في سنة أربع وأربعين ومائة٥، ثم في سنة سبع وأربعين ومائة٦، وتوجه إلى الحج في سنة ثمان وخمسين، فمات قبل أن يدخل مكة بعد أن أشرف عليها٧. وإن كان حج بالناس في الثلاث السنين المتقدمة، لم يكن تعريف عمارته بالسنة التي حج فيها تعريفا تاما، والظاهر والله أعلم أن ذلك وقع في سنة أربعين ومائة، لأن في هذه السنة كان الفراغ من عمارة المسجد التي أمر بعملها المنصور على يدي زياد المذكور كما ذكره الأزرقي في ذلك٨. وعمر المعتضد العباسي الحجر أيضا في خلافته في سنة ثلاث وثمانين ومائتين، على ما ذكره إسحق بن أحمد الخزاعي راوي تاريخ الأزرقي وألحقه فيه٩.

стр. 313

وعُمِّرَ أيضا في أول خلافة الناصر العباسي، وذلك في سنة ست وسبعين وخمسمائة١. وعمرَّه أيضا المستنصر العباسي. وكذلك الملك المظفر صاحب اليمن. وكذلك الملك الناصر محمد بن قلاوون، واسم هذين الملكين، واسم المستنصر العباسي مكتوب في رخام في أعلى الحجر. وفي الرخامة التي فيها خبر عمارة الملك الناصر أن ذلك سنة عشرين وسبعمائة٢. وعمر أيضا في دولة الملك المنصور علي بن الملك الأشرف شعبان بن حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون بأمر الأميرين: بركة، وبرقوق، مدبري دولته، في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة٣. ثم عمر في سنة إحدى وثمانمائة في العمارة التي أمر بعملها الملك الظاهر برقوق، واسمه مكتوب بسبب ذلك، وذلك في رخامة في أعلى الحجر، وفي فتحة الحجر الشرقية، وفي الفتحة الأخرى ذكر بعض ألقابه في تاريخ العمارة وهو مستهل شهر رمضان سنة إحدى وثمانمائة٤. وعمر في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة كثير من رخامه عمارة جيدة بالجبس، لتداعي ذلك إلى السقوط، وذلك في رجب وشعبان من هذه السنة، وغالب ذلك في جُدُرِ الحِجر٥، ثم عمر كثير من رخامه في جداره في ظاهره، وباطنه، وأعلاه وفي أرض الحجر، وذلك في المحرم سنة ستة وعشرين وثمانمائة عمارة حسنة بالجص، بأمر متولي العمارة صاحبنا الأمير زين الدين مقبل القُدَيْدِي أثابه الله تعالى٦. وقد خفي علينا شيء كثير من خبر عمارة الحجر من دولة المعتضد العباسي إلى خلافة الناصر، فإنه لا يبعد أن يخلو في هذا الزمن الطويل من عمارة، والله أعلم. وممن عمره الوزير جمال الدين المعروف بالجواد، وذلك في عشر الخمسين وخمسمائة٧ ظنا والله أعلم. وأما ذرعه: فقد ذكره الأزرقي وابن جماعة، فقال الأزرقي فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: عرضه من جدار الكعبة من تحت الميزاب إلى جدار الحجر: سبعة عشر ذراعا.

стр. 314

وثمانية أصابع، وذرع ما بين بابي الحجر: عشرون ذراعا، وعرضه: اثنان وعشرون ذراعا، وذرع الجدار من داخله في السماء: ذراع وأربعة عشر إصبعا، وذرعه مما يلي، الباب الذي يلي المقام: ذراع وعشرة أصابع، وذرع جدار الحجر الغربي في السماء: ذراع وعشرون إصبعا، وذرع طول الحجر من خارج مما يلي الركن الشامي، ذراع وستة عشر إصبعا، وطوله من وسطه في السماء: ذراعان وثلاثة أصابع١، وعرض الجدار: ذراعان إلا إصبعين٢، وذرع باب الحجر الذي يلي المشرق مما يلي المقام: خمس أذرع وثلاثة أصابع، وذراع باب الحجر الذي يلي المغرب: سبعة أذرع، وذرع تدوير الحجر من داخله، ثمانية وثلاثون ذراعا، وذرع تدوير الحجر من خارج: أربعون ذراعا وستة أصابع٣ ... انتهى كلام الأزرقي. وأخبرني خالى عن ابن جماعة قال: ذرع دائر الحجر من داخله من الفتحة إلى الفتحة: واحد وثلاثون وثلث. ومن خارجه من الفتحة إلى الفتحة: سبعة وثلاثون ونصف وربع وثمن، ومن الفتحة إلى الفتحة على الاستواء: سبعة عشر ذراعا.. ومن صدر دائر الحجر من داخله إلى جدار حجر البيت تحت الميزاب: خمسة عشر ذراعا. وعرض جدار الحجر: ذراعان وثلث ذراع وثمن ذراع. وارتفاعه عن أرض المطاف مما يلي الفتحة التي من جهة المقام: ذراع وثلثا ذراع وثمن ذراع. وارتفاعه مما يلي الفتحة الأخرى، ذراع ونصف وثلث وثمن. وارتفاعه من وسطه: ذراع وثلثا ذراع. وسعة ما بين جدار الحجر والشاذروان عند الفتحة التي من جهة المقام: أربعة أذرع وثلث. والخارج من جدار الحجر في هذه الجهة عن مسامته الشاذروان: نصف ذراع وثمن. وسعة الفتحة الأخرى: أربعة أذرع ونصف. والخارج من جدار الحجر في هذه الجهة عن مسامته الشاذروان: نصف ذراع وثلث ذراع. كل ذلك حرر بذراع القماش المستعمل في زماننا بمصر٤ ... انتهى. وقد حررنا أمورا تتعلق بالحجر، فكان ما بين وسط جدار الكعبة الذي فيه الميزاب إلى مقابله من جدار الحجر: خمسة عشر ذراعا، وكان عرض جدار الحجر من وسطه: ذراعين وربع. وسعة فتحة الحجر الشرقية: خمسة أذرع. وكذلك سعة الغربية بزيادة قيراط. وسعة ما بين الفتحتين من داخل الحجر، سبعة عشر ذراعا وقيراطان، وارتفاع جدار الحجر من داخله عند الفتحة الشرقية: ذراعان إلا قيراطا. ومن خارجه عندها: ذراعان وقيراطان. وارتفاع جدار الحجر داخله ومن وسطه: ذراعان إلا ثلث. ومن

стр. 315

خارجه: ذراعان وقيراطان، وارتفاع جدار الحجر من داخله عند الفتحة الغربية: ذرعان إلا قيراطا. ومن خارجه عندها: ذراعان وثمن ذراع، كل ذلك بذراع الحديد. وذكر ابن خرداذبه في ذرع دور الحجر ما يستغرب، لأنه قال: وذرع دور الحجر: خمسون ذراعا١ ... انتهى. وإنما كان هذا مستغربا لمخالفته ما ذكره الأزرقي في ذلك٢، فإن ما ذكره ابن خرداذبه يزيد على ما ذكره الأزرقي عشرة أذرع.

стр. 316

ذكر ما جاء في الحجر والصلاة فيه: قال الفاكهي: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثني محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال لأبي هريرة: "يا أبا هريرة إن على باب الحجر ملكا يقول لمن دخل فصلى ركعتين: مغفورا لك ما مضى، فاستأنف العمل. وعلى باب الحجر الآخر ملك منذ خلق الله الدنيا إلى يوم يرفع البيت، يقول لمن صلى وخرج: مرحوما لك إن كنت من أمة محمد ﷺ تقيا" ١ ... انتهى. وروينا في "تاريخ الأزرقي" عن ابن عباس ﵄: صلوا في مصلى الأخيار ... وسئل عن ذلك ابن عباس فقال: تحت الميزاب٢ ... انتهى. وحكم الصلاة فيما في الحجر من الكعبة حكم الصلاة في الكعبة، في كونه من الكعبة، فلا تصح فيه على المشهور من مذهب مالك الفرض ولا النفل المؤكد، كالسنن، والوتر، وركعتي الطواف، وركعتي الفجر والطواف الواجب، ويصح فيه النفل غير المؤكد، ويستحب ذلك فيه كبقية الحجر، ويصح في بقية الحجر الفرض من غير كراهة. ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة: جواز جميع الصلوات في جميع الحجر.

стр. 317

ذكر ما جاء في الدعاء في الحجر تحت الميزاب: روينا في "تاريخ الأزرقي" عن عطاء قال: من قام تحت ميزاب الكعبة فدعا استجيب له، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وقد تقدم مثل ذلك عن الحسن البصري في الباب الخامس عشر، وفي رواية عنه: من قام تحت مثغب الكعبة، يعني ميزابها١. وروينا عن الحسن البصري في "رسالته" المشهورة قال: وسمعت أن عثمان بن عفان ﵁ أقبل ذات يوم، فقال لأصحابه: ألا تسألوني من أين جئت؟ قالوا: من أين جئت يا أمير المؤمنين؟ قال: ما زلت قائما على باب الجنة، وكان قائما تحت الميزاب يدعو الله عنده ... انتهى. ومن فضائل الحجر: أن فيه قبر إسماعيل ﵇ روينا عن ابن إسحاق في سيرته تهذيب ابن هشام، وروايته عن زياد البكائي عن ابن إسحاق قال: وكان عمر إسماعيل ﵇ فيما يذكرون مائة سنة وثلاثين سنة، ثم مات رحمة الله وبركاته عليه فدفن في الحجر مع أمه هاجر، رحمهما الله٢ ... انتهى. وقال الأزرقي: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق: فذكر شيئا من خبر إسماعيل ﵇ وذكر أولاده، ثم قال: وكان من حديث جرهم وبني إسماعيل، أن إسماعيل لما توفي دفن في الحجر مع أمه، وزعموا أنها دفنت فيه حين ماتت٢. وذكر صاحب "الاكتفاء" أن قبر إسماعيل ﵇ في الحجر، وأن قبره مما يلي باب الكعبة. وقد اختلف في قبر إسماعيل ﵇ فقيل: إنه في الحجر، وهو قول ابن إسحاق، وقيل: إنه في الحطيم، وقد سبق نقل الأزرقي له عن مقاتل في أخبار الحطيم، ونقله الفاكهي عن كعب الأحبار، وعن ابن سابط. وقال الفاكهي في "فضائل مكة": حدثنا موسى بن محمد قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط أنه قال: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا، وإن قبر هود، وشعيب، وصالح، وإسماعيل ﵈ في تلك البقعة. وقيل: إنه حيال الموضع الذي كان فيه الحجر الأسود. وهذا القول ذكره المسعودي، لأنه قال: وقبض إسماعيل وله من العمر مائة وسبع وثلاثون سنة، فدفن في المسجد الحرام حيال الموضع الذي كان فيه الحجر الأسود٣ ... انتهى. كذا وجدت في النسخة التي رأيتها من "تاريخ المسعودي" في الموضع الذي كان فيه الحجر، وأظن أن لفظة "كان" زيادة من الناسخ، لأن إثباتها لا يستقيم به معنى والله أعلم. وما ذكره المسعودي في قدر عمر إسماعيل ﵇ يخالف ما ذكره فيه ابن إسحاق، والله أعلم بالصواب.

стр. 318

وينبغي توقي النوم فيه، والاحتراز فيه من بدعتين، أحدثهما الناس لا أصل لهما على ما ذكره ابن جماعة فيما أخبرني به عنه خالي: إحداهما: وقوفهم في فتحتي الحجر للصلاة والسلام على النبي ﷺ . والأخرى: استقبالهم جهة النبي ﷺ في فتحتي الحجر للدعاء، واستدبارهم للكعبة، والمعروف في آداب الدعاء استقبالها، هذا معنى كلامه. قال: والله تعالى يوفقنا لاجتناب البدعة، واتباع السنة بمنه وكرمه ... انتهى.

стр. 319

ذكر المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ حول الكعبة: قد ذكر المحب الطبري هذه الأماكن بدلائلها في كتاب "القرى"١، وذكرنا ذلك بنصه في أصل هذا الكتاب، ونشير هنا لشيء من تلك المواضع: الموضع الأول: خلف مقام إبراهيم ﵇. الثاني: تلقاء الحجر الأسود، على حاشية المطاف كما في النسائي، وابن حبان، من حديث المطلب بن أبي وداعة السهمي. الثالث: قريبا من الركن الشامي مما يلي الحجر بسكون الجيم كما في مسند أحمد بن حنبل وسنن أبي داود من حديث عبد الله بن السائب٢. الرابع: عند باب الكعبة كما في تاريخ الأزرقي، وفوائد تمام الرازي٣ من حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ : "أمَّنِي جبريل ﵇ عند باب الكعبة مرتين" ٤. الخامس: تلقاء الركن الذي يلي الحجر من جهة المغرب جانحا إلى جهة المغرب قليلا، بحيث يكون باب المسجد، الذي يقال له اليوم: باب العمرة خلف ظهره، كما في مسند أحمد بن حنبل، وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث المطلب بن أبي وداعة: أنه رأي النبي ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه٥. وفي إسناده مجهول. وباب بني سهم هو باب العمرة المشار إليه.

стр. 320

السادس: في وجه الكعبة، كما في الصحيحين، من حديث أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع قِبل البيت ركعتين، وقال: "هذه القبلة"١ أخرجاه. وقال النسائي: سبح في نواحيه كلها وكبر ولم يصل، ثم خرج وصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: "هذه القبلة"٢. قال المحب الطبري: وجه الكعبة يطلق على بابها، ولهذا قيل للمحاذي له خلفها: دبر الكعبة، ثم قال: ويطلق على جميع الجانب الذي فيه الباب، وهو المتعارف، ثم قال: والظاهر أن هذا الموضع تلقاء المقام في فناء الكعبة، بحيث يكون المقام خلف المصلي فيه، وقال: ويحتمل على بُعد أن يكون هذا الموضع هو الموضع الرابع محل إمامة جبريل، وجوز فيه "المحب" وجها آخر، وهو أن يكون الموضع الأول هو خلف المقام، لأنه يقال فيه: وجه الكعبة، ثم قال: وقد ورد تفضيل وجه الكعبة على غيرها من الجهات. الموضع السابع: بين الركنين اليمانيين، وذكره ابن إسحاق في "سيرته" في قصة طويلة. الموضع الثامن: الحجر واستدل له بحديث خنق عقبة بن أبي معيط النبي ﷺ في الحجر، كما في الصحيحين٣ وذكر في هذا الفصل: صلاة النبي ﷺ في الكعبة، ثم قال: وورد أن آدم ﵇ ركع إلى جانب الركن اليماني ركعتين وعزاه "لليقين" لابن أبي الدنيا، وتاريخ الأزرقي٤، ثم قال: فصارت المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ يقينا وتخمينا تسعة مواضع. العاشر: مصلى آدم ﵇ ... انتهى كلام المحب الطبري٥ وفيه أمور: منها: أن ذكره في هذا الفصل صلاة النبي ﷺ في الكعبة لا يلائم الترجمة التي ذكرها، لأنه ترجم على هذا الفصل بقوله: ذكر مواضع حول البيت روي أن النبي ﷺ صلى فيها، وهذه الترجمة تقتضي أن يذكر فيها المواضع التي صلى النبي ﷺ فيها حول البيت، لا صلاته في البيت، والله أعلم. ومنها: أن ذكره في هذه الترجمة مصلى آدم ﵇ غير ملائم.
следующие страницы →