لا كفر فيها ولا ظلما ولا بغيا، لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته، فكانت تسمى الناسة، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك. فيقال: ما سميت ببكة إلا لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها:
قال ابن إسحاق: فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بغزالي الكعبة وبحجر الركن فدفنها في زمزم، وانطلق هو ومن معه من جرهم إلى اليمن فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا فقال عمرو بن الحارث بن مضاض في ذلك وليس بمضاض الأكبر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخير ضاهر
ونحن ولينا البيت من بعد نابت ... بعز فما تخطى لدينا المكاثر
ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا ... فليس لحي غيرنا ثم فاخر
ألم ينكحوا من غير شخص علمته ... فأبناؤها منا ونحن الأصاهر
فإن تنثن الدنيا علينا بحالها ... فإن لها حالا وفيها التشاجر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك بين الناس تجري المقادر
أقول إذا نام الخلي ولم أنم ... إذ العرش لا يبعد سهيل وعامر
وبدلت منها أوجها لا أحبها ... قبائل منها حمير وتحابر
وصرنا أحاديث وكنا بغبطة ... كذلك عضتنا السنون الغوابر
فسحت دموع العين تبكي لبلدة ... بها حرم آمن وفيها المشاعر
وتبكي لبيت ليس يؤذي حمامه ... يظل به آمنا وفيه العصافر
وفيه وحوش ولا ترام أنيسة ... إذا أخرجت منه فليس تغادر١
قال ابن هشام: قوله فأبناؤه عن غير إسحاق.
قال ابن إسحاق: وقال عمرو بن الحارث يذكر بكرا، وغبشان، وساكني مكة الذين خلفوا فيها بعدهم:
يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
стр. 527
حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل المهات وقضوا ما تقضونا
كنا أناسا كما كنتم فعيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا١
قال ابن هشام، هذا ما صح له منها: وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات هي أول شعر قيل في العرب، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن، ولم يسم قائلها٢ ... انتهى.
والقول الثاني في خروج جرهم من مكة ذكره الأزرقي، لأنه قال فيما رويناه عنه بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن الكلبي، عن أبي صالح، فذكر خبرا طويلا فيه شيء من خبر جرهم، وخزاعة بمكة، وفيه أن ثعلبة بن عمرو بن عامر لما قدم مكة في قومه بعد تفرقهم من بلاد سبأ لما أخبرت به طريفة الكاهنة من خرابها بسيل العرم، أرسل إلى جرهم وسألهم أن يفتحوا له في بلادهم قدر ما يرسل رواده يرتادون له موضعا، فأبت ذلك جرهم وأخشنوا له القول، وأرسل إليهم ثعلبة يقول لهم: لا بد لي من المقام بهذا البلد حولا كاملا حتى ترجع إلي رسلي، فإن تركتموني طوعا حمدتكم وواسيتكم في الماء والرعي، وإن أبيتم أقمت على كرهكم، فإن قاتلتموني قاتلتكم، ثم إن ظهرت عليكم؛ سبيت النساء وقتلت الرجال، ولم أترك منكم أحدا ينزل الحرم، فأبت جرهم أن يتركوه طوعا، وتعبت لقتاله، فاقتتلوا ثلاثة أيام، ثم انهزمت جرهم، فلم يفلت منهم إلا الشريد، وكان مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو قد اعتزل جرهما ولم يعن جرهما في ذلك، وقال: كنت أحذركم هذا، ثم رحل هو وأهل بيته حتى نزل قنوني٣ وحلي٤ وما حول ذلك، ثم قال: وفنيت جرهم وقد أقناهم السيف في تلك الحرب، وأقام ثعلبة بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولا.
ثم قال: بعد أن ذكر تفرقهم في البلاد، بإشارة طريفة الكاهنة لما أصابهم من الحمى، وانخزعت خزاعة بمكة، وأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو لحي، فولي أمر مكة وحجابة الكعبة، ثم قال: فلما جاورت خزاعة أمر مكة وصاروا أهلها، جاءهم بنو إسماعيل، وكانوا قد اعتزلوا حرب جرهم وخزاعة، يدخلون في ذلك فسألوهم السكنى معهم، فأذنوا لهم في ذلك، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن
стр. 528
الحارث، وقد كان أصبه من الصبابة إلى مكة ما أحزنه، أرسل إلى خزاعة يستأذنها في الدخول عليهم والنزول معهم بمكة في جوارهم، فأبت خزاعة، ثم قال: فنزعت إبل لمضاض بن عمرو الجرهمي من قنونى تريد مكة، فخرج في طلبها حتى وجد أثرها، وقد دخلت مكة، فمضى على الجبال من نحو أجياد، حتى ظهر على أبي قبيس يتبصر الإبل في بطن وادي مكة، فأبصرها تنحر وتؤكل لا سبيل له إليها، فخاف إن هبط الوادي أن يقتل، فولى منصرفا إلى أهله، وأنشأ يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
ولم تتربع واسطا١ فجنوبه ... إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
وبدلني ربي بها دار غربة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر
فإن تملأ الدنيا بكلبها ... ويصبح حال بعدنا وتشاجر
فكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بهذا البيت والخبر ظاهر
فأنكح جدي غير شخص علمته ... فأبناؤه منا البيت والخير ظاهر
فأنكح جدي غير شخص علمته ... فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذلك بالناس تجري المقادر٢
أقول إذا نام الخلي ولم أنم ... إذا العرش لا يبعد سهيل وعامر
وبدلت منهم أوجها لا أحبها ... وحمير قد بدلتها والعمائر
وصرنا أحديثا وكنا بغبطة ... كذلك عقتنا السنون الغوابر
وسحت دموع العين تبكي لبلدة ... كذا بها حرم أم وفيها المشاعر
بواد أنيس ليس يؤذي حمامه ... ولا منفر يوما وفيها العصافر
وفيها وحوش لا ترام أنيسه ... إذا أخرجت منها فما إن تغادر
فيا ليت شعري هل يعمر بعدنا ... جياد فمضى سيله فالظواهر
فبطن منى وحش كأن لم يسر به ... مضاض وفي حي عدي عمائر٣
وقال أيضا:
يا أيها الحي سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
стр. 529
إنا كما كنتم فغيرنا دهر ... فسوف كما صرنا تصيرونا
أرخوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما يقضونا
إن التفكر لا يجدي بصاحبه ... عند البديهة في علم تعيدونا
قضوا أموركم بالحزم إن لها ... أمور رشيد وشدوا ثم مسنونا
واستخبروا في صنيع الناس قبلكم ... لما استبان طريف عنده الهونا
كنا زمانا ملوك الناس قبلكم ... بمسكن في جوار الله تأتونا
قال: وانطلق مضاض بن عمرو نحو اليمن إلى أهله وهم يتذاكرون ما حال بينهم وبين مكة وما فارقوا من أهلها وملكها، فحزنوا على ذلك حزنا شديدا وجعلوا يقولون الأشعار في مكة١ ... انتهى باختصار، لمواضع من هذا الخبر لها تعلق بخبر خزاعة نذكرها فيما بعد وغير ذلك، وفيما ذكرنا من كلمات ذكرناها بالمعنى.
والقول الثالث في سبب خروج جرهم من مكة ذكره الفاكهي، لأنه قال: ويقال في رواية أبي عمرو الشيباني: إن حجابة البيت صارت إلى خزاعة لأن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن تزوج فهيرة بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، فولدت له عمرو بن ربيعة، فلما شب وساد وشرف طلب حجابة البيت، فعند ذلك نشب القتال بينهم وبين جرهم، ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبر عمرو وأولاده: وكانت بينهم حرب طويلة وقتال شديد، ثم إن خزاعة غلبوا جرهما على البيت، وخرجت جرهم حتى نزلت وادي إضم٢ فهلكوا فيه.
وفي هذا الخبر شيء من خبر جرهم، لأن فيه: وذكروا -والله أعلم- أن إسافا كان رجلا من بني قطورا أخذ امرأة من جرهم يقال لها نائلة، ففجر بها في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فغضب عمرو من ذلك فأخرج بني مضاض وكانوا أخواله، وكانوا أخرجوهم خروجا من مكة فلحقوا باليمن، فتفرقوا في القبائل، فقال بكر بن غالب بن الحارث بن مضاض:
وأخرجنا عمرو سواها لبلدة ... بها الذئب يعوي والعدو المحاصر
وقال أيضا:
وكنا ولاة البيت والقاطن الذي ... إليه يوفي نذره كل محرم
стр. 530
سكنا بها قبل الظباء وراثة لنا ... عن بني حي بن نبت بن جرهم
فأزعجنا منه وكنا عقيلة ... قبائل من كعب وعوف وأسلم١
والقول الرابع في خروجهم جرهم من مكة، ذكره المسعودي، لأنه قال في أثناء الخبر السابق في خبر جرهم وقطورا: وبغت جرهم في الحرم وطغت، حتى فسق رجل منهم بإمرأة في البيت، وكان الرجل يدعى بإساف والمرأة بنائلة، فمسخهما الله حجرين فصيرا وثنين، وعبدا تقربا بهما إلى الله، فبعث الله الرعاف والنحل وغير ذلك من الآيات على جرهم، فهلك كثير منهم وكثر ولد إسماعيل وصاروا ذوي قوة ومنعة، فغلبوا على أخوالهم من جرهم فأخرجوهم عن مكة، فلحقوا ببلاد جهينة، فأتاهم في بعض الليالي السيل فذهب بهم مكان الموضع الذي يدعى بإضم، وقد ذكر ذلك أمية بن أبي الصلت الثقفي في شعر له فقال:
وجرهم دمثوا تهامة في الدهر ... فسالت بجمعهم إضم
وفي ذلك يقول الحارث بن مضاض الأصغر الجرهمي:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بل نحن كنا أهلها فإذا لنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
وكنا لإسماعيل صهرا وجيرة ... ولما تدر فيها علينا الدوائر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والخبر ظاهر
وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث ابنه:
وكنا ولاة البيت والقاطن الذي ... إليه يوفي نذره كل محرم
سكنا بها قبل الظباء وراثة ... ورثنا بني حي بن نبت بن جرهم٢
... انتهى.
وذكر الزبير بن بكار ما يقتضي أن المجر لجرهم من مكة بعد فناء أكثرهم بالرعاف والنمل: بنو حارثة بن عامر، لأنه قال: قال أبو عبيدة: فلما لم تتناه جرهم عن بغيهم، وتفرق أولاد عمرو بن عامر في اليمن، فانخزع بنو حارثة بن عمرو بن عامر فأوطنوا تهامة وسميت خزاعة، ثم قال: بعث الله على جرهم الرعاف والنمل فأفناهم، فاجتمعت خزاعة ليجلوا من بقي، ورأس خزاعة عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وأمه فقيرة بنت عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي، وليس بابن مضاض الأكبر، فاقتتلوا، فلما أحس عمرو بن الحارث بن مضاض بالهزيمة
стр. 531
خرج بغزالي١ الكعبة، وحجر الركن يلتمس التوبة وهو يقول:
لاهُمَّ إن جرهما عبادك ... الناس طرف وهم تلادك٢
وهم قديما عمروا بلادك
فلم تقبل توبته، وألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم، ثم دفنها، وخرج من بقي من جرهم إلى إضم من أرض جهينة، فجاءهم سيل، أي سيل، فذهب بهم، فقال أمية بن أبي الصلت٣:
جرهم دمثوا تهامة في الدهـ ... ـر فسالت بجمعهم إضم
... انتهى.
هذا الخبر ذكره المسعودي٤ في كون المخرج لهم عمرو، وفناء أكثرهم بالرعاف والنمل.
والقول الخامس في سبب خروج جرهم من مكة ذكره الفاكهي أيضا، لأنه قال في خبر ولاة إياد بن نزار الكعبة: وحدثني حسن بن حسين قال: حدثنا محمد بن حبيب قال: ذكر ابن الكلبي أن الله تعالى سلط على الذي يلون البيت من جرهم دواب شبيهة بالنغف، فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشباب، حتى جلوا عن مكة إلى إضم٥ ... انتهى.
وقد بان بما ذكرناه من هذه الأخبار الاختلاف فيمن أخرج جرهما من مكة، وكيفية خروجهم، وفي قائل الأبيات الرائية التي أولها:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
هل هو عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر، كما هو مقتضى ما ذكره ابن إسحاق، أو هو مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو، كما هو مقتضى الخبر الذي رواه الأزرقي عن الكلبي عن أبي صالح، أو الحارث بن مضاض بن عمر، كما هو مقتضى ما ذكره المسعودي.
стр. 532
وقيل: إن قارئ هذه الأبيات: ليس ناظم هذه القصيدة، وقيل: هو الحارث بن عمرو بن سعد بن الرقيب، كما هو مقتضى كلام السهيلي في "الروض الأنف".
فتحصل من ذلك في قائل هذه الأبيات خمسة أقوال، وليس المراد نسبة كلها إلى كل من المشار، وإنما المراد البيت الأول، وما ذكر منعه عليه حسب مما وقع في كل خبر.
وقال السهيلي في "الروض" أيضا في قوله في هذه الأبيات: "ولا يبعد سهيل وعامر". جبل من جبال مكة، يدل على ذلك قول بلال ﵁:
فهل يبدون لي عامر وطفيل
على رواية من رواه هكذا١ ... انتهى.
واختلف في قائل الأبيات النونية، فقيل: هو عمرو بن الحارث بن مضاض على ما ذكر ابن إسحاق كما سبق، ورأيت في "أخبار مكة" للفاكهي ما يقتضي أن قائل الأبيات النونية هو الحارث بن مضاض، وذكر بعضها على غير ما سبق ذكره، لأنه قال: وقال الحارث بن مضاض، يعني بكرا وغبشان وساكني مكة الذين خلفوا فيها بعدهم:
يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حنوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا
قضوا أموركم بالحزم إن له ... أمرا رشيدا ورأي الحزم مأمونا
إن عمرنا بدهر كان يعجبنا ... حتى أتانا زمان أظهر الهونا٢
... انتهى.
واختلف فيمن دفن الحجر الأسود وغزالي الكعبة في زمزم، هل هو مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي، كما هو مقتضى الخبر الذي رواه الأزرقي عن الكلبي عن أبي صالح؟ أو هو عمرو بن الحارث بن مضاض الأصغر؟ كما هو مقتضى ما ذكره ابن إسحاق والزبير بن بكار عن أبي عبيدة.
وذكر الأزرقي ما يوافق ذلك في الباب الذي ترجم عليه بقوله: باب ما جاء في إخراج جبريل ﵇ زمزم لأم إسماعيل ﵉، وعزا ذلك لبعض العلماء، ولم يسمه في خبر ذكر فيه شيئا من حال جرهم بمكة وزمزم٣.
стр. 533
وفيما ذكره المسعودي في سبب خروج جرهم من مكة إشعار بأن الرعاف والنمل الذي فني به أكثرهم أصابهم بمكة. وكذلك الذي نقله الزبير عن أبي عبيدة في فناء جرهم.
ورأيت في بعض الأخبار ما يوهم أن النمل أصابهم في بلدة جهينة، وهذا الخبر ذكره الفاكهي، لأنه قال: حدثنا حسن بن حسين الأزدي قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن ابن الكلبي قال: بينما الناس سمار حول الكعبة إذا هم بخلق يطوف بها يداري رأسه بها، فأجفل الناس هاربين، فناداهم: لا تراعوا، فأقبلوا إليه وهو يقول:
اللهم رب البيت ذي المناكب
ثم يقول بعد أن ذكر شعرا زيادة على ما ذكرناه قال: فنظروا فإذا هو امرأة، فقالوا ما أنت، إنسية أم جنية؟ قالت: بل إنسية من جرهم.
ثم قالت: من ينحر لي كل يوم جزورا، ويعد لي زادا وبعيرا، ويبلغني بلادا أفورا أعطيه مالا كثيرا.
قال: فانتدب لها رجلان من جهينة، فسارا بها أياما وليالي حتى انتهيا إلى جبل جهينة، فأتت على قرية نمل وذر، وقالت: يا هذان ههنا قومي، فاحتفروا هذا المكان، فاحتفروا عن مال كثير من ذهب وفضة، فأوقرا بعيرها، وقالت لهما إياكما أن تلتفتا فيختلس ما معكما، وأقبل الذر حتى غشيها، فمضينا غير بعيد، ثم التفتا فاختلس ما كان احتملا، فنادياها، هل من ماء؟ قالت: نعم، في موضع هذه الضبات، وقالت وقد غشيها الذر:
يا ويلي يا ويلي من أجلي، أرى صغار الذر يبغي هبلي، أهلكنا الذر زمان يعلم، بالمجحفات وبموت لا يهدم، حتى نزلنا بزقاق أهيم، للبغي منا وركوب المأثم، سلطن تفرين علي، محملي، لما رأيت أنه لا بد لي، من منعة أحرز فيها معقلي.
ودخل الذر منخريها ومسامعها، فخرت تشهق، فهلكت، ووجد الجهينيان الماء حيث قالت، والماء يقال له: مسخي، وهو بناحية فرش ملل إلى جانب مشعر، فهو اليوم لجهينة١ ... انتهى.
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أنه لم يصب جرهما من معرة جيش بختنصر٢ ما أصاب غيرهم من العرب، وسيأتي هذا الخبر في أخبار بني إسماعيل وفي ذلك دليل على رحمة الله لجرهم.
стр. 534
وذكر الفاكهي أيضا خبرا يقتضي أن جرهما حين هلكوا بقي منها بقية، ونص هذا الخبر:
وحدثني الزبير بن بكار قال: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب قال: هلكت جرهم فلم يبق منها غير حيٍّ في بني ملكان، وهم قليل، وآخرون في بني الجون١ ... انتهى.
وذكر الفاكهي لعمرو بن الحارث المتقدم ذكره شعرا يعظ به بكرا وغبشان حين تهيئوا لقتال جرهم، ويعظم عليهم القتال في الحرم ويحذرهم الهلاك إن هم فعلوا ذلك، أوله:
نعوذ برب الناس من كل ظالم ... بغي في ملوك بني كعب وجرهم
وذكر له أيضا شعرا في شأن بكر وغبشان حين أخرجوا من مكة أوله:
لقد نهضت بكر وغبشان كلها ... تريد تسامي جرهما في فعالها١
وذكر الفاكهي أيضا خبرا يستغرب لما يقتضيه من طول حياة عمرو هذا، لأنه قال: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز الزهري، عن أبيه قال: حدثني سعيد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سلمة بن عبد الأسد خرج في ناس من قريش نحو اليمن قال: وأخطئوا الطريق، فأصابهم عطش شديد، قال: فقال أبو سلمة بن عبد الأسد لمن معه من قريش: أي قوم أطيعوني فإن ناقتي عارفة بالطريق، قالوا: فإنا نطيعك. قال: فخلى عن رأس ناقته، فساروا يومهم وليلتهم حتى كان عند قرب الصبح فإذا الناقة قد بركت، قال أبو سلمة. ما بركت إلا على ماء، قال: فنزلوا فإذا هم ببعر الغنم، فما كان بأسرع من أن انفجر الفجر، فنظروا فإذا بئر، وعلى رأس البئر رجل طويل لم ير مثله، فتقدموا إليه، فقال الرجل: ممن القوم؟ فقلنا: من قريش، فقال: من أي قريش؟ قلنا: من بني مخزوم. قال: فسعى فأتى شجرة طويلة، فإذا قفة معلقة في الشجرة فمد يده فأنزل القفة وفتح رأسها، فإذا شيخ فيها، فرفع حاجبيه ثم قال: "أبت" ثلاث مرات. قال: ففتح عينيه، فقال: ما تشاء؟ قال: هؤلاء قوم من قريش، قال: ادعهم إلى، فجاءوا فقال: تقدموا إلى الشيخ، فتقدمنا إليه ففعل به مثل ما فعله الأول، يا أبت، ثلاث مرات، ففتح عينيه فقال: ما تشاء؟ قال: هؤلاء قوم من قريش. فقال: من أي قريش أنتم؟ قال أبو سلمة: فقلت: من بني مخزوم، فقال: ها أنا ومخزوم قرب، فقال هل تعرفون لما سميت أجياد أجيادا؟
стр. 535
قلنا: لا قال: لأنها جادت فيها الخيل، ثم قال: لم سميت قعيقعان قعيقعان؟. قلنا: لا. قال: لأنها تقعقعت فيها السيوف، ثم أنشأ يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... كروب الليالي والجدود العواثر
فهل فرح يأتي بشيء نريده ... وهل جزع ينجيك مما تحاذر؟!
يا ابن أخي أتدري لم سميت قعيقعان باسمها؟ قلت: لا، قال: خرج القوم علينا منها عليهم السلاح تقعقع فسميت بقعيقعان. أتدري يا ابن أخي لم سميت أجياد أجيادا؟ قلت: لا، قال: جادت بالدماء، فسميت أجيادا١ ... انتهى.
وذكر هذا الخبر الأزرقي٢، إلا أنه لم يسنده كما أسنده الفاكهي، وفي غيره أن أبا سلمة ومن معه أصبحوا على ماء فاستقوا واستقى، فإنه لعلى ذلك، إذ أقبل إليهم رجل فقال: من القوم؟ فقالوا: من قريش، وفيه أن الشيخ قال لأبي سلمة بعد أن ذكر له نسبه: كأن لم يكن ... الخ.
ولم يذكر الأزرقي في خبره البيت الثالث الذي ذكره الفاكهي من هذا الخبر٣، وهو بعيد عن الصحة لما يلزم عليه من أن يكون عمرو بن الحارث عاش ألف سنة، لأن هذه القصة إن صحت فإنها قبيل الإسلام، لأن أبا سلمة أدركها، وإدراكه لها يقتضي أن يكون في هذا التاريخ، لأن سنه تقرب من سن النبي ﷺ ، فإن ثويبة٤ مولاة أبي لهب أرضعتهما كما في الصحيح٥ عن النبي ﷺ ، فإذا كان كذلك فحياة عمرو إلى هذا التاريخ يقتضي أن يكون عمره ما ذكرنا، لكونه عاش مدة ولاية خزاعة على مكة، وهي خمسمائة سنة، وقيل ثلاثمائة سنة، ومدة ولاية قريش وهي نحو ثلاثمائة على مكة، مع ما عاشه عمرو في ولاية قوم جرهم، ومما يؤيد ذلك أن السهيلي ﵀ ذكر العمرين، ولم يذكره فيهم، وهو لو كان بهذه الصفة أولى بالذكر لعلو سنه ومقداره، لأنه قال: ومن أطول المعمرين عمر بن وحيد واسمه رويد بن فهر بن قضاعة ثم قال: عاش رويد أربعمائة عام فيما ذكروا، انتهى والله أعلم.
بختام هذا الباب يتم الجزء الأول من كتاب شفاء الغرام ويليه الجزء الثاني وأوله الباب السادس والعشرون في ذكر شيء من خبر إسماعيل ﵇
стр. 536
فهرس محتويات الجزء الأول
...
فهرس المحتويات:
مقدمة ٣
تصدير ١١
مقدمة المؤلف ١٥
الباب الأول
في ذكر مكة المشرفة وحكم بيع دورها وإجارتها
ذكر حكم بيع دور مكة وإجارتها ٤٣
الباب الثاني
في أسماء مكة المشرفة:
ذكر معاني بعض أسماء مكة وعزو بعضها لأهل العلم ٤٣
الباب الثالث:
في ذكر حرم مكة وسبب تحريمه وتحديده وعلاماته وحدوده:
وما يتعلق بذلك من ضبط ألفاظ في حدوده:
ومعنى بعض أسمائها:
ذكر الحرم وسبب تحريمه ٧٣
ذكر علامات الحرم ٧٤
ذكر حدود الحرم وضبط ألفاظ فيها ٧٥
ذكر تحديد حد الحرم من جهة الطائف على طريق عرفة من بطن نمرة ٨٠
ذكر تحديد حد الحرم من جهة العراق ٨٤
ذكر تحديد حد الحرم من جهة التنعيم ٨٥
ذكر تحديد حد الحرم من جهة اليمن ٨٦
стр. 537
الباب الرابع:
في ذكر شيء من الأحاديث والآثار الدالة على حرمة مكة وحرمها:
وشيء من الأحكام المختصة بذلك
ذكر شيء مما ورد في تعظيم الناس لمكة وحرمها وفي تعظيم الذنب في ذلك ٩٨
الباب الخامس:
ذكر الأحاديث الدالة على أن مكة أفضل من غيرها من البلاد:
وأن الصلاة فيه أفضل من غيرها وغير ذلك من فضلها
ذكر الأحاديث الدالة على أن الصلاة بمسجد مكة أفضل من الصلاة في غيره من المساجد ١٠٧
الباب السادس:
في المجاورة بمكة والموت بها، وشيء من فضل أهلها، وشيء من فضل جدة ساحل مكة، وشيء من خبرها، وشيء من فضل الطائف، وشيء من خبره:
ذكر المجاورة بمكة ١١٣
ذكر شيء مما جاء في الموت بمكة ١١٥
ذكر شيء مما جاء في فضل أهل مكة ١١٦
ذكر شيء من فضل جدة ساحل مكة وشيء من خبرها: ١١٨
ذكر شيء من فضل الطائف وخبره ١٢٠
الباب السابع: في أخبار عمارة الكعبة المعظمة:
بناء الملائكة للكعبة: ١٢٥
بناء آدم ﵇ ١٢٥
ذكر البيت المعمور الذي أنزله الله على آدم وشيء من خبره ١٢٦
بناء الخليل ﵇ ١٢٦
بناء العمالقة وجرهم للكعبة ١٢٨
بناء قريش للكعبة ١٢٨
بناء ابن الزبير للكعبة ١٣٢
بناء الحجاج للكعبة ١٣٥
стр. 538
ذكر شيء من حال الكعبة بعد بناء ابن الزبير والحجاج، وما وضع فيها من العمارة، وما عمل لها من الأساطين والميازيب والأبواب بعد ابن الزبير والحجاج ١٣٦
ذكر الأساطين ١٤٠
ذكر الميازيب ١٤٠
ذكر الأبواب ١٤١
أول من بوب الكعبة ١٤٣
الباب الثامن: في صفة الكعبة المعظمة وذرعها وشاذروانها وحليتها ومعاليقها وكسوتها وطيبها وأخدامها وأسمائها وهدم الحبشي لها ووقت فتحها في الجاهلية والإسلام ... الخ
ذكر صفة الكعبة وما أحدث فيها من البدعة ١٤٧
ذكر ذرع الكعبة من داخلها وخارجها ١٤٩
ذكر ذرع الكعبة من داخلها بذراع الحديد ١٥٢
ذكر ذرع الكعبة من خارجها بذراع الحديد ١٥٣
ذكر ذرع سطح الكعبة ١٥٤
ذكر شاذروان الكعبة وشيء من خبر عمارته ١٥٤
ذكر حلية الكعبة المعظمة ومعاليقها ١٥٦
ذكر معاليق الكعبة وما أهدي إليها في معنى الحلية ١٦٠
ذكر كسوة الكعبة ١٦٤
ذكر طيب الكعبة وأخدامها ١٧٣
ذكر أسماء الكعبة المعظمة ١٧٤
ذكر هدم الحبشي الكعبة في آخر الزمان ١٧٥
ذكر وقت فتح الكعبة في الجاهلية والإسلام ١٧٦
ذكر بيان جهة المصلين إلى الكعبة من سائر الآفاق، ومعرفة أدلة القبلة بالآفاق ١٧٩
الباب التاسع
في بيان مصلى النبي ﷺ في الكعبة المعظمة وقدر صلاته فيه، ووقتها، ومن رواها من الصحابة ... الخ
ذكر بيان مصلاه ﷺ في الكعبة ١٨٨
ذكر قدر صلاة النبي ﷺ في الكعبة في دخوله هذا ١٨٩
стр. 539
ذكر من روى صلاة النبي ﷺ في الكعبة يوم فتح مكة من الصحابة، ومن نقلها منهم ﵃ ... ١٩١
ذكر ترجيح رواية من أثبت صلاة النبي ﷺ في الكعبة على رواية من نفاها، وما قيل من الجمع بين ذلك ... ١٩٧
ذكر عدد دخول النبي ﷺ الكعبة الشريفة بعد هجرته إلى المدينة، وأول وقت دخل الكعبة فيه بعد هجرته ٢٠٨
الباب العاشر
ذكر ثواب دخول الكعبة المعظمة وفيما جاء من الأخبار الموهمة بعدم استحباب دخولها وفيما يطلب فيها من الأمور التي صنعها النبي وفي حكم الصلاة فيها وفي آداب دخولها:
ذكر حكم الصلاة في الكعبة ٢١٧
آداب دخول الكعبة ٢٢١
الباب الحادي عشر: في ذكر شيء من فضائل الكعبة وفضائل ركنيها الحجر الأسود واليماني:
ذكر شيء من فضائل الكعبة ٢٢٢
ذكر شيء من فضائل الحجر الأسود، وما جاء في كونه من الجنة ٢٢٤
ذكر ما قيل من الحكمة في اسوداد الحجر الأسود بعد بياضه ٢٢٦
ذكر ما رؤي من البياض في الحجر الأسود بعد اسوداده ٢٢٧
ما جاء في شهادة الحجر الأسود يوم القيامة لمن استلمه بحق ٢٢٨
ما جاء في تقبيل النبي ﷺ للحجر الأسود واستلامه له ٢٢٨
ما جاء في السجود عليه ٢٢٨
ما جاء في الإكثار من استلامه ٢٢٩
ما جاء في مفاوضة الحجر الأسود ٢٢٩
ما جاء في أن الحجر الأسود يمين الله يصافح بها عباده، واستجابة الدعاء عنده ٢٢٩
ذكر فضل الركن اليماني، وما جاء في تقبيله ووضع الخد عليه ٢٣٠
ما جاء في استلام النبي ﷺ للركن اليماني ٢٣١
ما جاء في المزاحمة على استلام الركن اليماني والحجر الأسود، وأن مسحهما كفارة للخطايا ٢٣١
ما جاء في عدم استحباب ذلك للنساء بحضرة الرجال ٢٣٢
ما جاء في إكثار النبي ﷺ من استلامه، واستغفار الملائكة لمن استلمه ٢٣٢
ما جاء في تأمين الملائكة على الدعاء عنده، واستجابة الدعاء عنده ٢٣٢
стр. 540
ما جاء في أن الركن اليماني باب من أبواب الجنة ٢٣٣
الباب الثاني عشر: في فضائل الأعمال المتعلقة بالكعبة كالطواف بها والنظر إليها والحج والعمرة وغير ذلك:
ذكر ما ورد في ثواب الطواف عموما، من غير تقييد بزمن ٢٣٤
ما جاء في فضل الطواف في الحر ٢٣٦
ما جاء في الطواف في المطر ٢٣٦
ما جاء في الطواف إذا وقع بعد صلاة الصبح أو العصر، وانقضى مع طلوع الشمس أو غروبها ٢٣٧
ما جاء في تفضيل الطواف على الصلاة ٢٣٧
ما جاء في تفضيل الطواف على العمرة ٢٣٩
ما جاء في فضل الطائفين ٢٤١
ذكر بدء الطواف بهذا البيت العظيم وما ورد من طواف الملائكة ٢٤٢
ذكر طواف بعض الجن والدواب والطير بالكعبة ٢٤٣
ما جاء في شرعية الطواف لإقامة ذكر الله ٢٤٤
ذكر ثواب النظر إلى الكعبة ٢٤٤
ذكر ثواب الحج والعمرة ٢٤٥
الباب الثالث عشر: الآيات المتعلقة بالكعبة:
ذكر خبر تبع والهذليين ٢٥٠
ذكر خبر أصحاب الفيل ٢٥٢
هلاك من أراد الكعبة بسوء ٢٥٣
الباب الرابع عشر: في ذكر شيء من أخبار الحجر الأسود
ذكر ما أصاب الحجر الأسود في زمن ابن الزبير ﵁، وما صنع فيه من الفضة في زمنه، وزمن هارون الرشيد ٢٥٧
ذكر ما أصاب الحجر الأسود في فتنة القرمطي وأخذهم له ٢٥٧
ذكر ما صنعه الحجبة في الحجر الأسود بأثر رد القرامطة له ٢٥٨
ذكر ما أصاب الحجر الأسود بعد فتنة القرامطة ٢٥٩
ذكر صفته وقدره وقدر ما بينه وبين الأرض ٢٦٠
ذكر شيء من الآيات المتعلقة بالحجر الأسود ٢٦٠
стр. 541
الباب الخامس عشر: في الملتزم والمستجار والحطيم وما جاء في استجابة الدعاء في هذه المواضع وغيرها من الأماكن بمكة المشرفة وحرمها
ذكر الملتزم ٢٦٢
ذكر المستجار ٢٦٢
ذكر الحطيم ٢٦٣
ذكر بقية المواضع بمكة وحرمها التي قيل إن الدعاء فيها مستجاب ٢٦٥
الباب السادس عشر: في ذكر شيء من أخبار المقام، مقام الخليل ﵇
ذكر حلية المقام ٢٧١
ذكر صفة الموضع الذي فيه المقام والمصلى خلفه ٢٧٢
ذكر ذرع ما بين المقام والحجر الأسود، وما بين المقام والركن الشامي الذي يقال له: العراقي، وما بين المقام وبين جدار الكعبة وشاذروانها المقابل للمقام وما بين المقام وحجرة زمزم، وحفر بئر زمزم الطيبة المباركة ٢٧٣
ذكر موضع المقام في الجاهلية والإسلام وما قيل في ذلك، ورد عمر بن الخطاب ﵁ إلى موضعه وهذا حين غيره السيل عنه ٢٧٤
ذكر شيء من فضل المقام ٢٧٩
ما جاء في هلاك من تعرض له بسوء ٢٧٩
الباب السابع عشر: في ذكر شيء من أخبار الحجر المكرم، حجر إسماعيل ﵇ وفيه بيان المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ حول الكعبة
ذكر موضع الحجر، وصفته وشيء من خبر عمارته، وذرعه، وذرع جدره من داخله وخارجه ٢٨٤
ما جاء في الحجر والصلاة فيه ٢٨٨
ما جاء في الدعاء في الحجر تحت الميزاب ٢٨٨
ذكر المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ حول الكعبة ٢٩٠
الباب الثامن عشر: ذكر شيء من أخبار توسعة المسجد الحرام وعمارته وذرعه، وذكر شيء مما ذكره الأزرقي من خبر توسعته
ذكر شيء من خبر توسعة المسجد الحرام بعد الأزرقي، ومن خبر عمارته بعده ٢٩٨
ذكر صفة هذه الزيادة ٣٠٠
стр. 542
ذكر ذرع المسجد الحرام غير الزيادتين ٣٠٣
ذكر ذرع زيادة دار الندوة ٣٠٦
ذكر ذرع زيادة باب إبراهيم ٣٠٦
الباب التاسع عشر: في عدد أساطين المسجد الحرام، وصفتها وعدد عقوده وشرفاته وقناديله وأبوابه وأسمائها، ومنابره، وفيما صنع فيه لمصلحة أو لنفع الناس به، وفيما فيه الآن من المقامات ... الخ
ذكر عدد أساطين المسجد الحرام غير الزيادتين وصفتها ٣٠٨
ذكر عدد الأساطين التي بصحن المسجد الحرام وصفتها ٣٠٩
ذكر عدد أساطين زادة دار الندوة ٣١٠
ذكر عدد أساطين زيادة باب إبراهيم ٣١٠
ذكر عدد طاقات المسجد الحرام وشرفاته وقناديله ٣١٠
ذكر عدد طاقات زيادة دار الندوة ٣١١
ذكر عدد طاقات زيادة باب إبراهيم ٣١١
عدد شرفاته التي تلي بطن المسجد الحرام ٣١١
الشرفات التي على جدار المسجد الحرام من خارجه ٣١٢
ذكر عدد الشرفات التي بزيادة دار الندوة ٣١٢
عدد قناديل المسجد الحرام الآن المرتبة فيه غالبا ٣١٢
ذكر عدد أبواب المسجد الحرام وأسمائها، وصفتها ٣١٣
ذكر منائر المسجد الحرام ٣١٨
ذكر ما صنع في المسجد الحرام لمصلحته، أو لنفع الناس به ٣٢١
ذكر صفة المقامات التي هي الآن بالمسجد الحرام ومواضعها منه ٣٢٣
ذكر ذرع ما بين كل من هذه المقامات وبين الكعبة ٣٢٤
ذكر كيفية صلاة الأئمة بهذه المقامات وحكم صلاتهم بها ٣٢٥
الباب العشرون: في ذكر شيء من خبر زمزم وسقاية العباس ﵁
ذكر حفر زمزم وعلاجه ٣٢٨
ذكر علاج زمزم في الإسلام ٣٣٠
ذكر ذرع بئر زمزم وما فيها من العيون، وصفة الموضع الذي هي فيه الآن ٣٣٠
صفة الموضع الذي فيه زمزم ٣٣١
стр. 543
ذكر أسماء زمزم ٣٣٤
ذكر فضائل ماء زمزم وخواصه ٣٣٥
خواص ماء زمزم ٣٣٩
فضائل بئر زمزم ٣٤١
ذكر آداب شربه ٣٤١
ذكر حكم التطهير بماء زمزم ٣٤٢
ذكر نقل ماء زمزم إلى البلدان ٣٤٢
ذكر شيء من خبر سقاية العباس بن عبد المطلب ﵁ ٣٤٣
الباب الحادي والعشرون: في ذكر الأماكن المباركة التي ينبغي زيارتها، الكائنة بمكة المشرفة وحرمها وقربه
مسجد الخيف بمنى ٣٥٠
ما جاء في استحباب مسجد الخيف كل سبت ٣٥٠
ذكر تعيين مصلى النبي ﷺ من مسجد الخيف ٣٥٠
ذكر صفة مسجد الخيف الآن وذرعه بذراع الحديد ٣٥١
ذكر صفته الآن ٣٥١
ذكر ذرعه ٣٥١
ذكر ذرع أروقته ٣٥٢
ذكر عدد أساطينه، وصفتها وذراع ما بينه ٣٥٢
ذكر عدد عقوده ٣٥٢
ذكر ذرع موضع مصلى النبي ﷺ أمام المنارة ٣٥٢
ذكر عدد شرفات المسجد من داخله وخارجه ٣٥٢
ذكر ذرع المنارة، وصفتها، وعدد درجها، وما بين المنارة وبين نواحي المسجد ٣٥٣
ذكر ذرع السقاية المذكورة ٣٥٣
عمارة المسجد بعد زمن الأزرقي ٣٥٣
ذكر المواضع المباركة بمكة المعروفة بالمواليد ٣٥٦
ذكر شيء مما ورد في بركة الموضع الذي ولد فيه النبي ﷺ ٣٥٧
ذكر صفة هذا المكان ٣٥٧
موضع مولد فاطمة بنت النبي ﷺ ﵂ ٣٥٨
موضع مولد علي بن أبي طالب ﵁ ٣٥٨
стр. 544
ذكر صفة هذا المكان وذرعه ٣٥٩
موضع مولد حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ﵁ ٣٥٩
موضع مولد عمر بن الخطاب ﵁ ٣٥٩
مولد جعفر الصادق ٣٦٠
ذكر الدور المباركة بمكة ٣٦٠
دار خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ﵁ ٣٦٠
دار أبي بكر الصديق ﵁ ٣٦٢
دار الأرقم المخزومي ٣٦٣
ذكر الجبال المباركة بمكة وحرمه ٣٦٤
أبو قبيس ٣٦٤
من فضائل جبل أبي قبيس ٣٦٧
من خواص جبل أبي قبيس ٣٦٨
جبل الخندمة ٣٦٨
جبل حراء بأعلى مكة ٣٦٩
جبل ثور بأسفل مكة ٣٧٠
ومن الجبال المباركة بحرم مكة جبل ثبير ٣٧٢
الجبل الذي يلحق مسجد الخيف ٣٧٢
ذكر مقابر مكة المباركة ٣٧٤
ومن مقابر مكة المباركة: المقبرة العليا ٣٧٦
المقبرة المعروفة بمقبرة المهاجرين بالحصحاص ٣٧٧
ومن المقابر المباركة بمكة: المقبرة المعروفة بالشبيكة ٣٧٧
ومن القبور التي ينبغي زيارتها: قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية ﵁ ٣٧٨
الباب الثاني والعشرون: في ذكر أماكن بمكة المشرفة وحرمها وقربه التي لها تعلق بالمناسك وهي ستة وعشرون موضعا مرتبة على ترتيب حروف المعجم
الأول: باب بني شيبة الذي يستحب للمحرم دخول المسجد الحرام منه ٣٧٩
الثاني: التنعيم المذكور في حد الحرم من جهة المدينة النبوية ٣٨٠
الثالث: ثبير ٣٨٠
الرابع: الجعرانة ٣٨٣
ذكر الموضع الذي أحرم منه رسول الله ﷺ من الجعرانة ٣٨٤
стр. 545
الخامس: الجمار المذكورة في صفة الحج ٣٨٦
السادس: الحجون المذكور في حد المحصب ٣٨٧
السابع: الحديبية ٣٩٠
الثامن: ذو طوى ٣٩٠
التاسع: الردم ٣٩١
العاشر: الصفا الذي هو مبدأ السعي ٣٩١
الحادي عشر: طريق ضب ٣٩٥
الثاني عشر: عرفة ٣٩٥
ذكر مقدار ما بين باب بني شيبة وهذين العلمين المشار إليهما ٣٩٧
ذكر مسجد عرفة وحكم الوقوف فيه ٣٩٩
ذكر ذرع هذا المسجد وشيء من صفته ٤٠٠
ذكر سبب تسمية عرفة بعرفة وما يتعلق بجمعها وصرفها وحكم الإحياء به ٤٠٠
الثالث عشر: عرنة بالنون الموضع الذي يجتنب الحاج فيه الوقوف ٤٠١
الرابع عشر: قزح ٤٠٢
الخامس عشر: كداء، الموضع الذي يستحب للمحرم دخول مكة منه ٤٠٣
السادس عشر: كدي، الموضع الذي يستحب الخروج منه لمن كان في طريقه ٤٠٥
السابع عشر: المأزمان، اللذان يستحب للحاج أن يسلك طريقهما إذا رجع من عرفة ٤٠٧
الثامن عشر: محسر، الموضع الذي يستحب للحاج الإسراع فيه ٤٠٨
التاسع عشر: المحصب الذي يستحب للحاج النزول فيه بعد انصرافه من منى ٤٠٩
العشرون: المروة، الموضع الذي هو منتهى السعي ٤١١
الحادي والعشرون: المزدلفة ٤١٣
الثاني والعشرون: المشعر الحرام ٤١٤
الثالث والعشرون: المطاف ٤١٤
الرابع والعشرون: منى ٤١٧
ذكر حكم البناء بمنى ٤١٨
ما جاء في فضل منى وما ذكر فيها من الآيات ٤٢١
الخامس والعشرون: الميلان الأخضران ٤٢٣
السادس والعشرون: نمرة ٤٢٥
стр. 546
الباب الثالث والعشرون: فيما بمكة من المدارس، والربط، والسقايات، والبرك المسبلة، والآبار، والعيون، والمطاهر وغير ذلك من المآثر، وما في حرمها من ذلك
ذكر المدارس بمكة المشرفة ٤٢٧
ذكر الربط بمكة ٤٣٠
ذكر السقايات ٤٣٨
ذكر البرك بمكة وحرمها ٤٤٠
ذكر الآبار التي بمكة وحرمه ٤٤٢
ذكر الآبار التي بين باب المعلاة ومنى ٤٤٥
ذكر الآبار التي بمنى، وهي خمسة عشر بئرا ٤٤٦
ذكر الآبار التي بمزدلفة ٤٤٧
ذكر الآبار التي بعرفة ٤٤٧
ذكر الآبار التي بظاهر مكة ٤٤٧
ذكر الآبار التي بأسفل مكة في جهة التنعيم ٤٤٨
ذكر عيون مكة المشرفة ٤٤٨
ذكر المظاهر التي بمكة ٤٥٣
الباب الرابع والعشرون: في ذكر شيء من خبر بني المحض بن جندل ملوك مكة ونسبهم وذكر شيء من أخبار العماليق ملوك مكة ونسبهم وذكر ولاية طسم للبيت الحرام
ذكر شيء من خبر بني المحض بن جندل ونسبهم ٤٥٥
ذكر شيء من أخبار العماليق ملوك مكة ونسبهم ٤٥٦
خروج العماليق من مكة ٤٥٨
ذكر ولاية طسم للبيت الحرام ٤٦١
الباب الخامس والعشرون: في ذكر شيء من جرهم ولاة مكة ونسبهم وذكر من ملك مكة وجرهم ومدة ملكهم لها وما وقع في نسبهم من الخلاف، وفوائد تتعلق بذلك وذكر من أخرج جرهما من مكة وكيفية خروجهم منها وغير ذلك من خبرهم
ذكر نسبهم: ٤٦٢
стр. 547
ذكر من ملك مكة من جرهم ومدة ملكهم لها وما وقع في نسبهم من الخلاف وفوائد تتعلق بذلك ٤٦٤
ذكر من أخرج جرهما من مكة وكيفية خروجهم منه ٤٧٧
стр. 548
المجلد الثاني
الباب السادس والعشرون: في ذكر شيء من خبر إسماعيل ﵇ وذكر ذبح إبراهيم لإسماعيل ﵉
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الباب السادس والعشرون: في ذكر شيء من خبر إسماعيل ﵇ وذكر ذبح إبراهيم لإسماعيل ﵉
روينا عن البخاري في صحيحه قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر- عن سعد قال ابن عباس ﵄: أول ما اتخذ النساء المنطق١ من قبل أم إسماعيل ﵉ اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم ﵇ وبابنها إسماعيل -وهي ترضعه- حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء؛ فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، وذهب إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ وقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها؛ فقالت: "الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: فإذا لا يضيعنا، ثم رجعت؛ فانطلق إبراهيم ﵇ حتى إذا كان عند الثنية؛ حيث لا يرونيه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه؛ فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ قوله: ﴿يَشْكُرُون﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ﵉ وتشرب من ذلك الماء؛ حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يلتوي -أو قال: يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه؛ فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؛ فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى
стр. 549
جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليه؛ فنظرت هل ترى أحدا؟ ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : "فذلك سعي الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه -تريد نفسها- ثم سمعت؛ فسمعت -أيضا- فقالت: قد سمعت؛ إن كان عندك غوث؛ فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو قال: بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف.
قال ابن عباس ﵄: قال النبي ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينا معينا".
قال: فشربت وأرضعت ولدها؛ فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة؛ فإن هذا بيت الله الحرام يبينه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله؛ فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقه من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كدي؛ فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطير ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأسلوا جريّا أو جريّين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا في الحال -وأم إسماعيل عند الماء- فقالوا: أتأذنين لنا ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم، قال ابن عباس ﵄: فقال النبي ﷺ "فألفى ذلك أم إسماعيل ﵉"، وهي تحب الأنس - فنزلوا فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم؛ حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب؛ فلما أدرك زوجوه على امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل ﵉ فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل ﵇ يطالع تركته فلم يجد إسماعيل؛ فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، قالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه؛ فلما جاء إسماعيل ﵇ وكأنه أنس شيئًا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك، فطلقها، وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ﵇ ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده، ودخل على امرأته، فسألها عنه؛ فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ -وسألها عن عيشهم وهيئتهم- فقالت: نحن
стр. 550
بخير وسعة، وأثنت على الله . قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء -قال النبي ﷺ : "ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه" قال: فما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه -قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبت عتبة بابه؛ فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت بشيء؟ قالت: نعم، وهو يقرئ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، وأمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل ﵇ يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم؛ فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل: إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني عليه؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا -وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها؛ فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل ﵇ يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني؛ حتى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له؛ فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل ﵇ يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٧٢] حتى رفع البناء١ وضع الشيخ عن نقل الحجارة، فوقف على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة وهو يقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ... انتهى.
ورأيت في الأخبار الواردة في هذا المعنى أمورا بعضها يخالف ما في هذا الخبر، وبعضها يوضح منافيه من أمر مبهم؛ فحسن يبالي ذكر ذلك لما يحصل به من الفائدة.
فمن الأمور المخالفة لهذا الخبر: أن الفاكهي روى بسنده من طريق الواقدي، عن أبي جهنم بن حذيفة خبرا في قدوم إبراهيم بإسماعيل ﵉ قال فيه: فعمد إبراهيم إلى موضع الحجر، فأنزل فيه هاجر وإسماعيل، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشا٢.. انتهى.
وذكر الأزرقي ذلك فيما رواه بسنده عن ابن إسحق؛ لأنه قال في خبر رواه من هذا المعنى: فعمد بهم إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا٣.. انتهى.
стр. 551
فهذا يخالف ما في خبر ابن عباس ﵄ السابق؛ لأن فيه: ثم جاء إبراهيم بهاجر وابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد. ووجه المخالفة بين ظاهر؛ لأن موضع الحجر غير موضع زمزم.
وذكر الإمام المسعودي ما يخالف ما ذكره ابن عباس ﵄ وما ذكره أبو جهم بن حذيفة وابن إسحاق في موضع إنزال إبراهيم لابنه إسماعيل وأمه هاجر واستودعهما خالقه على حسب ما أخبر الله ، وأنه أسكنهما بواد غير ذي زرع١. وكان موضع البيت ربوة حمراء، أمر إبراهيم هاجر أن تتخذ عليه عريشا يكون لها سكنا وكنا ... انتهى.
فتحصل من هذا الموضع الذي أنزل إبراهيم ابنه إسماعيل وأمه ثلاثة أقوال: هل هو في موضع الحجر على ما ذكر أبو جهم وابن إسحق؟ أو فوق زمزم على ما ذكره ابن عباس ﵄؟ أو في موضع البيت على ما ذكر المسعودي؟ والله أعلم.
ومنها: أن الفاكهي روى بسنده من طريق الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة خبرا ذكر فيها نفاذ الماء الذي كان مع أم إسماعيل ﵉ وتطلبها للماء حين عطش ابنها إسماعيل، وسقي الله لها، وأخرج جبريل ﵇ لهما الماء في موضع زمزم، وغير ذلك، وفيه قال: قال: ويقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرين لهما قد أخطآه وقد عطشا، وأهلهما بعرفة، فنظرا إلى طير يهوي قبل الكعبة فاستنكرا ذلك، وقالا: أنى يكون هذا الطير على غير ماء؟. قال أحدهما لصاحبه: كما ترى هذا الطير يذهب إلى غير ماء؟ قال الآخر: فأمهل حتى نبرد ثم نسلك في مهوى أو مهد قبيس؛ فنظرا إلى الماء وإلى العريش، فنزلا وكلما هاجر سألاها متى نزلت؟ فأخبرتهما، وقالا: لمن هذا الماء؟ فقالت لي، ولابني؛ فقالا: ومن حفره؟ فقالت: سقيا الله ، فعرفا أن أحدا لا يقدر على أن يحفر هنالك ماء، وعهدها بما هنالك قريب وليس به ماء؛ فرجعا إلى أهلهما من ليلتهما وأخبراهم، فتحولوا حتى نزلوا معها على الماء وأنست بهم ومعهم الذرية؛ نشأ إسماعيل ﵇ مع ولدانهم، وكان إبراهيم ﵇ يزور هاجر كل شهر على البراق، يغدو غدوة فيأتي مكة، ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. يزور هاجر كل شهر على البراق، يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقبل في منزله بالشام، ونظر من هنالك من العماليق وإلى كثرتهم وعمارة الماء فسر بذلك ... انتهى.
стр. 552
وهذا يقتضي أن الذين نزلوا على هاجر حين أخرج الله لها الماء العماليق، وهو يخالف خبر ابن عباس ﵄ السابق؛ فإنه يقتضي أن الذين نزلوا على هاجر حين أخرج الله لها الماء قوم من جرهم قدموا من طريق كدي بعد أن أنكروا الماء لكونهم لم يعهدونه، وبعد أن استأذنوا هاجر في النزول معها فأذنت لهم في ذلك لحبها في الأنس بهم، وفي حبها لذلك إشعار بفقدها لأحد تأنس به غيرهم١، والله أعلم.
وذكر الجندي في "فضائل مكة"، عن ابن عباس ﵄ خبرا في وضع إبراهيم لإسماعيل وأمه ﵈ بمكة، وفيه ما يقتضي أن جرهما الذين نزلوا على إسماعيل وأمه ﵉ قدموا من اليمن بعد أن سار إسماعيل يصطاد؛ لأنه فيه: فمكثت هي وإسماعيل -يصطاد عليها من الحل- حتى جاء ناس من اليمن من جرهم؛ فرأوا الطير يطوف على الماء وهم ذاهبون إلى الشام؛ فلما رأوا الماء وجدوا عنده المرأة وابنها ... ، وذكر بقية الخبر، وهذا غريب جدا؛ أعني كون إسماعيل-﵇ يصطاد حين نزل جرهم على أمه؛ والمعروف أنه كان إذ ذاك رضيعا.
ومنها: أن الفاكهي روى بسنده عن طريق الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة قال: لما بلغ إسماعيل ﵇ تزوج امرأة من العماليق ابنه صدى، قال: فجاء إبراهيم زائرا لإسماعيل، ﵇ في ماشيته يرعاها ويخرج متنكبا قوسه فيرمي الصيد مع رعيته، وكان يرعى بأعلى مكة -في ماشيته يرعاها ويخرج متنكبا قوسه فيرمي الصيد مع رعيته، وكان يرعى بأعلى مكة -السدرة وما والاها- فجاء إبراهيم- ﵇ -إلى منزله فقال: السلام عليكم يا أهل البيت؛ فسكتت فلم ترد عليه -إلا أن تكون ردت عليه في نفسها- فقال: هل فذكرت جهدا؛ فقالت: لاها الله٢ إذن. قال: كيف طعامكم ولبنكم وماشيتكم؟ قال: فذكرت جهدا؛ فقالت: أما الطعام فلا طعام، وأما الشاة فلا تحلب الشاة بعد الشتاء المضير -قال الواقدي: المضير: السحب- وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ. قال: فأين رب البيت؟ قالت: في حاجته. قال: فإذا جاء فاقرئيه السلام وقولي غير عتبة بيتك٣ ... انتهى.
وهذا يقتضي أن امرأة إسماعيل التي أمره أبوه بفراقها من العماليق، وهو يخالف ما في خبر ابن عباس- ﵄ السابق، فإن فيه ما يقتضي أنها من جرهم.
وذكر المسعودي أنها من العماليق٤، وذكر كلاما يقتضي أنها من العماليق الذين قدموا من اليمن وملكهم السميدع؛ وذلك يخالف ما في خبر أبي جهم بن
стр. 553
حذيفة؛ فإنه يقتضي أنها من العماليق الذين كانوا حول مكة حين قدم إبراهيم بإسماعيل إلى مكة.
وذكر المسعودي أن المرأة التي تزوجها إسماعيل ﵇ من العمالقة هي صدا١ بنت سعد؛ وذلك يخالف ما ذكره أبو جهم بن حذيفة في اسم أبي المرأة التي تزوجها إسماعيل ﵇ من العمالقة. والله أعلم بالصواب.
وقال السهيلي بعد ذكر أم أولاد إسماعيل: وقد كان له امرأة سواها من كدي٢- وهي التي أمره أبوه بتطليقها حين قال لها إبراهيم: قولي لزوجك فليغير عتبته -يقال السهيلي أن المسعودي ذكر ذلك أيضا.
ومنها: أن الفاكهي روى بسنده من طريق الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة قال: وفيه نظر إسماعيل ﵇ إلى بنت مضاض بن عمرو فأعجبته؛ فخبطها إلى أبيها فتزوجها. فجاء إبراهيم ﵇ زائرا لإسماعيل؛ فجاء إلى بيت إسماعيل ﵇ فسلم عليه، فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله، فقامت إليه المرأة الله، ونحن في لبن كثير، ولحم كثير، وماء وإبل وصيب، قال: هل من حب؟ قالت: يكون إن شاء الله، ونحن في نعم، قال: بارك الله لكم -قال أبو جهم: فكان أبي يقول: ليس أحد يخلو على اللخم والماء بغير مكة إلا اشتكى بطنه ولعمري لو وجد عندها حبًا لدعى فيه بالبركة، وكانت أرض زرع- قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم واللبن. قال: فما شرابكم؟ قالت: اللبن والماء، قال: بارك الله لكم في طعامكم، قال: فمن طعام وشراب، قالت: انزل رحمك الله فاطعم واشرب، قال: إني لا أستطيع النزول ... انتهى باختصار.
ثم قال بعد غسلها لرأسه وهو راكب: فلما فرغت قال لها: إذا جاء إسماعيل قولي له: أثبت عتبة بيتك، فإنها صلاح المنزل٣ ... انتهى.
وهذا لم نورده لمخالفة بينه وبين خبر ابن عباس ﵄ السابق، وإنما أوردناه لما فيه من الفائدة ببيان أن زوجه إسماعيل ﵇ التي أمره أبوه بإمساكها لشكرها النعمة هي بنت مضاض بن عمرو الجرهمي؛ فإن خبر ابن عباس ﵄ السابق لا يفهم ذلك، ولكن يروى عن ابن عباس ﵄ أنها السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي.
стр. 554
وذكر المسعودي أن امرأة إسماعيل التي أمره أبوه بإمساكها هي شامة١ بنت مهلهل الجرهمي. وذكر ذلك السهيلي؛ لأنه قال: ثم تزوج أخرى وهي التي قال لها إبراهيم ﵇ في الزورة الثانية: قولي لزوجك ليثبت عتبة بيته٢، الحديث. وهو مشهور في الصحيح أيضا.
ويقال اسم هذه المرأة الأخيرة شامة بنت مهلهل، وذكر السهيلي أن الواقدي ذكر ذلك في كتاب: "انتقال النور"، وأن المسعودي ذكر ذلك أيضا. قال السهيلي: وقد قيل في الثانية: عاتكة ... انتهى.
وما ذكره السهيلي عاتكة التي قيل إنها امرأة إسماعيل، وقد بين ذلك ابن هشام في كتابه "التيجان" لأنه قال: إنها عاتكة بنت عمرو الجرهمي، وأنها قالت لإبراهيم ﵇: إن هاجر وإسماعيل يرعيان الغنم، فانزل أو سر معي إلى زمزم أغسل رأسك وأنت راكب٢ ... انتهى.
وليس في خبر ابن عباس ﵄ السابق بيان أن امرأة إسماعيل ﵇ الأولى منه جرهم. وقد بين ذلك الأزرقي؛ لأنه قال بعد أن ذكر نزول جرهم على إسماعيل وأمه: فلما بلغ أنكحوه جارية منهم، قال: وفي كتاب "المبتدأ" عن عباد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق أن اسم امرأة إسماعيل: عمارة بنت سعيد بن أسامة٣ ... انتهى.
وليس في خبر ابن عباس ﵄ السابق بيان سن إسماعيل ﵇ حين بنى مع أبيه الخليل إبراهيم البيت الحرام، وقد بين ذلك الفاكهي؛ لأنه روى بسنده من طريق الواقدي عن أبي بن جهم حذيفة قال: فلما بلغ إسماعيل ﵇ ثلاثين سنة -وإبراهيم الخليل يومئذ ابن مائة سنة- أوحى الله إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا، وذكر بناء البيت، وذكر ذلك أيضا المسعودي٤، وذكر الأزرقي ما يخالف ذلك؛ لأنه روى بسنده عن ابن إسحاق أن إبراهيم ﵇ لما قدم مكة لبناء البيت كان إسماعيل ﵇ ابن إبراهيم سنة٥، وفي هذا بعد؛ لأن إسماعيل تزوج بعد أن بلغ، وزاره إبراهيم -عليه
стр. 555
السلام- بعد أن تزوج فلم يجده، ثم لبث إبراهيم ﵇ ما شاء الله، ثم زاد إسماعيل ﵇ ثانية فلم يجده، ثم لبث إبراهيم ﵇ ما شاء الله تعالى، ثم جاء لبناء البيت. وهذا يقتضي أن يكون من بلوغ إسماعيل ﵇ إلى بناء البيت مدة طويلة، فيكون سنة حين البناء أكثر من عشرين سنة١، والله أعلم. وقد بان بما ذكرناه بعد ذكرنا لخبر ابن عباس ﵄ سابق فوائد كثيرة تتعلق به، والله أعلم.
ذكر ذبح إبراهيم لإسماعيل ﵉:
قال الفاكهي: وكان من حديث ذبح إسماعيل ﵇ وقصته في ذلك ما أذكره الآن: حدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق قال: حدثت -وعند الله العلم- أن إبراهيم ﵇ أمر بذبح ابنه، قال: أي بني خذ يذكر له ما أمر به -فلما توجه به اعترضه إبليس عدو الله ليصده عن أمر الله في صورة رجل، فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لي. فقال: والله إني لأرى الشيطان قد أتاك في منامك فأمرك أن تذبح ابنك هذا فأنت تريد أن تذبحه؛ فعرفه إبراهيم ﵇ اعترض لإسماعيل ﵇ وهو وراء أبيه يحمل الحبل والمدية، فقال: أيها الغلام، هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب قال: فليفعل ما أمره به ربه سمعا وطاعة؛ فلما امتنع منه الغلام ذهب إلى هاجر أم إسماعيل ﵇ وهي في منزلها. فقال: يا أم إسماعيل، أتدرين أين ذهب إبراهيم بإسماعيل؟ قالت: ذهبا يحتطبان. فقال: ما ذهب إلا ليذبحه؛ فقالت: كلا إنه سلمنا لأمر الله؛ فرجع عدو الله بغيظه لم يصب منهم شيئا مما أراد، وقد منع الله منه إبراهيم وآل إبراهيم، وأجمعوا لأمر الله بالسمع والطاعة؛ فلما خلا إبراهيم ﵇ في الشعب -ويقال ذلك إلى ثبير- قال له: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك. قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. قال: فحدثت أن
стр. 556
إسماعيل قال له عند ذلك: يا أبتاه إذا أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يصيبك من دمي فينقص أجري؛ فإن الموت شديد ولا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدت مسه، واشحذ شفرتك حتى تجهز علي فتذبحني، فإذا أنت أضجعتني فاكببني على جنبي، ولا تضجعني لشقي؛ فإني أخشى إن أنت نظرت إلى وجهي أن تدركك الرقة فتحول بينك وبين أمر ربك في، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فإنه عسى أن يكون أسلى لها فافعل؛ فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ويقال إنه ربطه كما أمره بالحبل فأوثقه، ثم شحذ شفرته، ثم تله للجبين واتقي النظر إلى وجهه، ثم أدخل الشفرة حلقه، فقلبها جبريل ﵇ لقفاها في يده، ثم اجتذبها إليه، ونودي: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فهذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه١.
قال ابن إسحاق: وحدثني الحكم بن عيينة، عن مجاهد، عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أخرجه الله إليه من الجنة، قيل: رعى قبل ذلك أربعين خريفا.
ثم قال الفاكهي: قال ابن إسحاق فحدثني من لا أتهم من أهل البصرة، عن الحسن أنه كان يقول: ما فدي إلا بتيس هبط عليه من الأروى هبط عليه من ثبير.
ثم قال الفاكهي: ويزعم أهل الكتاب وكثير من العلماء أن ذبيحة إبراهيم ﵇ التي فدت بها إسماعيل ﵇ كبش أملح أقرن أعين.
ثم قال الفاكهي: وحدثنا محمد بن سليمان قال: حدثنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن هشيم، عن سعيد بن جبير، من ابن عباس ﵄ قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم ﵇ هو الكبش الذي قربه ابن آدم.
ثم روى الفاكهي بسنده عن ابن عباس ﵄ أن الكبش الذي فدى به إسماعيل ﵇ هو القربان المتقبل من أحد ابني آدم، ثم قال في هذا الخبر: فلم يزل ذلك الكبش محبوسا عند الله حتى أخرجه في فداء إسماعيل ﵇ فذبحه على هذه الصفة في ثبير عند منزل سمرة الصراف وهو على يمينك متى ترمي الجمار.
وذكر الفاكهي خبرا فيه ما يقتضي أن الذبح إبراهيم ﵇ لفداء إسماعيل كان بين الجمرتين بمنى، وأن ذلك كان في زمن الحج؛ لأنه قال: وحدثنا عبد الله بن أبي سلمة قال: حدثنا ابن أبي الوزير والفضل بن خالد قالا: حدثنا محمد بن جابر قال:
стр. 557
حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي ﵁: فذكر خبرا يأتي ذكره، ثم قال: وقال علي بن أبي طالب ﵁: ثم أوحى الله تعالى إليه ناد بالحج، فنادى عند كل ركن: حجوا يا عباد الله، فلبى كل شيء حتى النحلة؛ فكانت أول التلبية: لبيك اللهم لبيك، ثم أتاه، جبريل ﵇ قبل يوم عرفة، فذهب به إلى منى فنزل بها وبات حتى أصبح غاديا إلى عرفات، ثم راح إلى الجبل الذي يفيض منه الناس فوقف به، ثم أراه الموقف، ثم خرج إلى "جمع"١ فبات بها ليلة جمع، ثم المواقف بعرفات؟ قال: لا فذهب به مرة أخرى فقال: اعرف؛ فمن ثم سميت عرفات العقبة فرماها بسبع حصيات، ثم قيل له: اذبح ما أمرت به، فدعا إسماعيل ﵇ فقال: إني أمرت بذبحك؛ فقال له إسماعيل ﵇: على ما أمرت به فإني سوف أطيعك. ولا أحسب إلا أنه قال: أخاف أن أجزع؛ فإن خفت فشد يدي وراء ظهري فإنه أجدر أن لا أضطرب، فوضعه لجنبه فجعل ينظر ويعرض، فقال له: أعرض وضع السكين، فوضعها فانقلبت، وناداه مناد من السماء أن قد وفيت بنذرك، وأرضيت ربك، اذبح الذي أنزل عليك، فنزل عليه كبش من ثبير فاضطرب الجبل، ثم جاء به يجري حتى نحوه بين الجمرتين ... انتهى.
وروى عن ابن عباس ﵄ أن الذبيح إسماعيل ﵇.
وروى عنه مرفوعا ما يقتضي أن الذبيح إسحاق، ولفظ هذه الرواية بعد ذكر قصة تتعلق بإبراهيم ﵇ في رمية الجمار: فلما أراد إبراهيم أن يذبح ولده إسحاق قال لأبيه: يا أبت أوثقني لا أضطرب فينضح عليك دمي إذا ذبحتني، فشده؛ فلما أخذ الشفرة فأراد أن يذبحه نودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. نقل هاتين الروايتين، عن ابن عباس المحب الطبري وقال: أخرجهما الإمام أحمد.
وقال المحب: وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: الذي أمر إبراهيم ﵇ بذبحه إسحاق، وهكذا قالوا: كانت القصة بالشام. أخرجه مسعود، وكعب، ومقاتل، وقتادة، وعكرمة، والسدي، وقال آخرون: الذي أمر بذبحه إسماعيل ﵇ وهو قول سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، ومجاهد، وابن عباس ﵄ وفي رواية: عطاء، ثم قال المحب: وسياق الآية يدل على أنه إسحاق لأنه جل وعلا قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] . ولا
стр. 558
خلاف أن هذا إسحاق، ثم قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ؛ فعطف بقصة الذبيح على ذكر إسحاق فدل على أنه هو ... انتهى. وذكر النووي ما يخالف ما نقله المحب الطبر عن الأكثرين في الذبيح؛ لأنه قال في "التهذيب": واختلف العلماء في الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق، والأكثرون على أنه إسماعيل١ ... انتهى.
وممن رجح أن الذبيح إسماعيل "الفاكهي" في كتاب "أخبار مكة" لأنه قال: وقد قال الناس في الذبيح ما قالوا. فقالت العرب هو إسماعيل. وقالت طائفة من المسلمين وأهل الكتاب جميعا: إنه إسحاق؛ فإن أقوال العرب في ذلك أثبت. واستدل الفاكهي على ذلك بما معناه أن الله تعالى عبر عن قصة إسماعيل بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] إلى قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِين﴾ [الصافات: ١١] وأخبر عن قصة إسحاق ﵇ بقوله ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١١، ١١٢] . وإن ذكر قصة إسحاق بعد التي قبلها دليل على أن إسحاق ﵇ غير الذبيح، وأن ذلك يتأيد بكون سارة بشرت بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، ويعقوب هو ابن إسحاق والبشارة بيعقوب تقتضي حياة أبيه لتصح البشرى، فكيف يؤمر بذبح ابنه٢؟
ونقل أن الذبيح إسماعيل ﵇ عن ابن عباس ﵄ من رواية مجاهد عنه، ومن رواية عكرمة عنه، وعن مجاهد نفسه وعن سعيد بن المسيب، وعن سعيد بن جبير، وعن أبي الخلد، وعن عبد الله بن سلام ﵁ ولفظ ما نقل عنه، قال: كنا نقرأ في كتاب اليهود أنه إسماعيل، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن سعيد بن جبير، وعن الحسن، وذكر في ذلك شعر لأمية بن أبي الصلت الثقفي حيث يقول:
ولإبراهيم الموفي بالنذر ... احتسابا وحامل الأجزال٣
بكره لم يكن ليبصر عنه ... لو رآه معشر إقبال
بينما يخلع السراويل عنه ... فكه ربه بكبش حلال
ثم قال الفاكهي: قال ابن إسحاق ﵇ في حديثه: فحقق قول أمية بن أبي الصلت في شعره أن الذي أمر بذبحه إبراهيم من ولده بكره، وبكره إسماعيل، وهو أكبر من إسحاق في علم الناس كلهم! العرب من بني إسماعيل وأهل الكتاب٤ ... انتهى.
стр. 559
وممن رجح كون الذبيح إسماعيل ﵇ الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير؛ لأنه قال في ترجمت: وهو الذبيح على الصحيح؛ ومن قال إنه إسحاق فإنه تلقاه مما حرفه النقلة من بني إسرائيل١ ... انتهى.
وكلام السهيلي يقتضي ترجيح قول من قال: إن الذبيح إسحاق، وأجاب عما يخالف ذلك، ونذكر كلامه لإفادة ذلك وغيره، ونصه: وقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] الآية. يعني بإسحاق ألا تراه يقول في آية أخرى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ، وقال في آية أخرى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩] الآية، وامرأته هي سارة، فإذا كانت البشارة بإسحاق نصا، فالذبيح إذا هو إسحاق لقوله ههنا: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] الآية. وأيضا فإنه قال: ﴿بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ولم يكن معه بالشام إلا إسحاق، وأما إسماعيل ﵁ ورواه ابن جبير عن ابن عباس ﵄ وروي أيضا عن ابن عباس مرفوعا، عن النبي ﷺ ؛ غير أن الإسناد فيه لين. وبهذا قال كعب الأحبار، وبه قال شيخ التفسير محمد بن جرير. وروي ذلك -أيضا- عن مالك بن أنس.
وقالت طائفة: إن الذبيح إسماعيل، وروي هذا القول بإسناد عن الفزردق الشاعر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ولو صح إسناده عن الفرزذق لكان في الفرزدق نفسه مقال، وروي أيضا من طريق معاوية ﵁ قال: سمعت رجلا يقول للنبي ﷺ : يا ابن الذبيحي٢ ... في حديث ذكره، فتبسم النبي ﷺ , ولو صح إسناده هذا الحديث لم يقم به حجة لأن العرب تجعل العم أبا، قال الله تعالى ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠] وهما أبوه وخاله، ومن حجتهم أيضا أن الله لما فرغ من قصة الذبيح قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاق﴾ [الصافات: ١١١، ١١٢] ... إلخ، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن البشارة الثانية إنما هي نبوة إسحاق والأولى بولادته؛ ألا تراه يقول: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً﴾ [الصافات: ١١١، ١١٢] ، ولا تكون النبوة إلا في حال الكبر، عنه من منصوب على الحال.
والجواب الثاني: أن قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً﴾ [الصافات: ١١١، ١١٢] تفسير؛ كأنه قال بعدما فرغ من ذكر البشرى وذكر ذبحه: وبشرناه، وكانت البشارة بإسحاق، كما
стр. 560
روت عائشة ﵂ وهذا كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ١٣٣] والصلاة الوسطى أي وهي صلاة العصر؛ فعطف الاسم على الاسم والمسمى واحد. ومما احتجوا به -أيضا- أي: ومن بعد إسحاق يعقوب؛ فكيف يبشر بإسحاق وأنه يلد يعقوب ثم يؤمر بذبحه.
والجواب أن الاحتجاج باطل من طريق النحو؛ لأن يعقوب ليس مخفوضًا عطف على إسحاق، ولو كان كذلك لقال: ومن وراء إسحاق بيعقوب؛ لأنك إذا فصلت بين واو العطف وبين المخفوض بجار ومجرور لم يجز أن تقول: مر بزيد وبعده عمرو؛ إلا أن تقول وبعده بعمرو؛ فإذا بطل أن يكون يعقوب مخفوضا ثبت أنه منصوب بفعل مقدر مضمر تقديره وهبنا له يعقوب؛ فبطل ما ادعدوه به، وثبت ما قدمناه، وبالله المستعان ... انتهى.
وفي قصة الذبيح دليل واضح على فضل إسماعيل ﵇ وقد أثنى الله عليه في غير ما آية في كتابه العزيز؛ فقال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ، وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥، ٨٦] وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥] ، وقال : ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٨] والآيات والأحاديث في فضله كثيرة، وكان إسماعيل ﵇ رسولا من الله جرهم والعماليق على ما ذكره السهيلي؛ لأنه قال: وإسماعيل ﵇ نبي مرسل أرسله الله إلى أخواله وإلى العماليق الذين كانوا بأرض الحجاز؛ فآمن بعضهم وكفر بعض١ ... انتهى.
وفيما ذكره السهيلي من أن جرهم أخوال إسماعيل ﵇ نظر؛ لأن أمه هاجر جارية سارة زوجه الخليل ﵇ ولعل السهيلي أراد أن يقول إن إصهاره من جرهم فسبق زوجه الخليل ﵇ ولعل السهيلي أراد أن يقول إن أصهاره من جرهم فسبق القلم إلى كتابه أخواله، والله أعلم.
وإسماعيل ﵇ أول من ذللت له الخيل؛ لأن الفاكهي روي بسنده، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن أباكم إسماعيل أول من ذللت له الخيل العراب فاعتقها وأورثكم حبها" ٢، وقد سبق هذا الحديث بسنده في خبر جرهم.
стр. 561
وإسماعيل ﵇ أيضا أول من ركب الخيل؛ لأن الزبير بن بكار روى بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: "كانت الخيل وحوشا لا تركب؛ فأول من ركبها إسماعيل"؛ فبذلك سمعت العرب قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم.
وإسماعيل -أيضا- أول من تكلم بالعربية؛ لأن الزبير روى بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: أول من نطق بالعربية؛ فوضع الكتاب على لفظه ومنطقه، ثم جعله كتابا واحدا مثل بسم الله الرحمن الرحيم الموصل حتى فرق بين ولده: إسماعيل بن إبراهيم١.
وروى الفاكهي عن محمد بن الحسين -يعني الباقر- أنه سئل عن أول من تكلم بالعربية؛ فقال: إسماعيل بن إبراهيم النبي ﵉ وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة ... انتهى.
وقيل: إن الله أنطق إسماعيل ﵇ بالعربية إنطاقا وهو أربع عشرة سنة، ذكر هذا القول السهيلي٢.
وقد روي في أول من تكلم بالعربية غير ما ذكرناه؛ لأن الفاكهي روي بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: من الأنبياء خمسة ممن تكلم بالعربية: محمد رسول الله ﷺ ، وإسماعيل بن إبراهيم، وشعيب، وصالح، وهود ﵈ وسائرهم بالسريانية، ما خلا موسى ﵇ فإنه تكلم بالعبرانية، والعبرانية هي من السريانية وتكلم بها إبراهيم، ثمن إسحاق ثم يعقوب؛ فورثها ولده من بعده بنو إسرائيل فيه لغتهم، وبها قرأ موسى ﵇ التوراة عليهم٣ ... انتهى.
وهذا يقتضي الفاكهي بسنده ما يقتضي أن جرهما وقطورا أول من تكلم بالعربية؛ لأنه روي بسنده عن ابن إسحاق من طريق عثمان بن ساج، ومن طريق زياد البكائي عنه خبرا في قدوم جرهم وقطورا إلى مكة، وفيه: وجرهم وقطوار أول من تكلم بالعربية منهم٣ ... انتهى.
وقد قيل: في أول من كتب بالعربية غير ما ذكرناه؛ لأن السهيلي قال: والخلاف كثير من أول من تكلم بالعربية، وفي أول من أدخل الكتاب العربي أرض الحجاز، فقيل:
стр. 562
حرب بن أمية، قال المسعودي، وقيل: سفيان بن أمية، وقيل: عبد بن قصي، تعلموا بالحيرة١ وتعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار٢ ... انتهى.
وذكر السهيلي ما يقتضي ترجيح ما قيل من إن إسماعيل أول من كتب بالعربية؛ لأنه قال: وعنه ﵇ أنه قال: "أول من كتب بالعربية إسماعيل". قال أبو عمرو: وهذا أصح من رواية من روي أول من تكلم بالعربية إسماعيل ﵇ ... انتهى.
وأبو عمرو هذا هو ابن عبد البر حافظ المغرب.
واختلف في تسمية إسماعيل بإسماعيل؛ لأن المسعودي قال: وقيل: إنما سمي إسماعيل لأن الله تعالى سمع دعاء هاجر ورحمها حين هربت من سيدتها سارة أم إسحاق، وقيل: إن الله تعالى سمع دعاء إبراهيم٣ ... انتهى.
واختلف أيضًا في مبلغ عمر إسماعيل ﵇ حين مات، وفي موضع قبره؛ فقال ابن إسحاق: كان عمر إسماعيل ﵇ فيما يذكرون مائة سنة وثلاثين سنة، ثم مات ﵀ وبركاته عليه- فدفن في الحجر مع أمه هاجر ... انتهى.
وقال المسعودي: وقبض إسماعيل ﵇ وله مائة وسبع وثلاثون سنة فدفن في المسجد الحرام قبال الموضع الذي كان في الحجر الأسود٣ ... انتهى.
وذكر ابن الأثير في "كامله"٤ والشيخ عماد الدين إسماعيل بن كثير في "تاريخه"٥، في مبلغ عمر إسماعيل ﵇ مثل مال ذكره المسعودي، والله أعلم بالصواب.
وفي موضع قبره ﵇ مقالة أخرى وهي: أنه بالحطيم، وقد سبق ذلك، والله أعلم بالصواب.
وفي إسماعيل لغتان: إسماعيل باللام، والأخرى إسماعين بالنون. ويروى أن هاجر دعت ابنها إسماعيل يا شمويل؛ لأن الفاكهي روي بسنده عن حارثه بن مضرب عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يذكر أن هاجر دعت إسماعيل هكذا: يا شمويل يا شمويل ثلاث مرات وعدها ... انتهى.
стр. 563
وإسماعيل ﵇ أول العرب كلها١، وقال ابن هشام: فالعرب كلها من إسماعيل وقحطان، وبعض العرب يقول: قحطان من ولد إسماعيل، ويقول: إسماعيل أبو العرب كلها ... انتهى.
وروي عن النبي ﷺ أن إسماعيل أبو العرب إلا أربعة قبائل، وهذا الحديث ذكره الفاكهي؛ لأنه قال: وحدثني عبد الله بن سلمة، حدثنا إبراهيم بن أبي المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن صالح، عن ثورة بن يزيد، عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : "العرب بنو إسماعيل إلا أربعة قبائل: السلف، والأوزاع، وحضرموت، وثقيف" ٢، وهذا الخبر مرسل، وفيه نظر لكونه يقتضي أن ثقيفا ليسوا من بني إسماعيل وهم منهم؛ لأن ثقيفا تنسب إلى مضر على الصحيح، وقيل: تنسب إلى معد بن عدنان، وهو من بني إسماعيل وكذلك مضر.
وذكر الفاكهي محاورة كانت بين إسماعيل وأخيه إسحاق بن إبراهيم ﵈ لأنه قال: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة قال: أخبرنا الهيثم بن عدي، عن مجاهد، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ قال: جاء إسماعيل إلى إسحاق ﵇ فطلب ميراثه من أبيه؛ فقال له إسحاق: أما رضيت أن تركناك وأمك لم نأخذها في الميراث! فأوى جذم حائطا كئيبا يبكي؛ فأوحى الله إلى إسماعيل: ما لك؟ قال: ما أنت أعلم به يا رب، قال الله تعالى: لا تبك يا إسماعيل فإني جاعل الملك والنبوة في آخر الزمان في ولدك، واجعل الذل والصغار ولده إلى يوم القيامة٣ ... انتهى.
وفيما ذكرناه من أخبار إسماعيل ﵇ كفاية إذ القصد الاختصار، والله أعلم.
стр. 564
الباب السابع والعشرون:
في ذكر شيء من خبر هاجر أم إسماعيل ﵇:
قال ابن هشام بعد أن ذكر أن قبرها وقبر ابنها إسماعيل في الحجر عند الكعبة: تقول العرب: هاجر وآجر؛ فيبدلون الألف من الهاء، كما قالوا: هراق الماء وأراق الماء وغير ذلك.
وهاجر من أهل مصر، وقال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، عن عمر مولى غفرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد؛ فإن لهم نسبا وصهرا".
قال عمر مولى غفرة: نسبهم أن أم إسماعيل النبي ﷺ منهم، وصهرهم أن رسول الله ﷺ تسرر فيهم.
قال ابن لهيعة: أم إسماعيل هاجر أم العرب من قرية كانت أمام الفرما١ من مصر٢ ... انتهى.
وقال السهيلي: وكانت تهاجر لملك الأردن - واسمه صادوق فيما ذكر العتبي- دفعها إلى سارة حين أخذها من إبراهيم عجبا منه بجمالها؛ فصرع مكانه؛ فقال: ادع الله أن يطلقني ... الحديث، وهو مشهور في الصحاح، فأرسلها وأخذ منها هاجر، وكانت هاجر قبل ذلك الملك، بنت ملك من ملوك القبط بمصر٣.
стр. 565
وذكر الطبري من حديث سيف بن عمرو، أو غيره: أن عمرو بن العاص ﵁ حين حاصر مصر قال لأهلها: إن نبينا ﵊ قد وعدنا بفتحها، وقد أمرنا أن تستوصي بأهلها خيرا، فإن لهم نسبا وصهرا؛ فقالوا: هذا النسب لا يحفظ حقه إلا نبي؛ لأنه نسب بعيد، وصدق، كانت أمكم هاجر امرأة لملك من ملوكنا، فحاربنا أهل عين الشمس، فكانت لهم علينا دولة، فقتلوا الملك واحتملوها؛ فمن هنالك سرت١ إلى أبيكم إبراهيم، أو كما قالوا٢.
ثم قال السهيلي: وهاجر أول امرأة ثقبت أذنها، وأول من خفض٣ من النساء، وأول من جرت ذيلها؛ وذلك أن سارة غضبت عليها، فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها، فأمرها إبراهيم ﵇ أن تبر قسمها بثقب أذنيها، وخفاضها فصارت سنة في النساء، وممن ذكر هذا الخبر أبو زيد في "نوادره"٤ ... انتهى.
وقال السهيلي بعد أن ذكر إخراج جبريل ماء زمزم لإسماعيل ﵇: وكان سبب إنزال هاجر وابنها إسماعيل مكة، ونقلها إليها من الشام: أن سارة بنت عم إبراهيم ﵇ شجر بينها وبين هاجر أمر؛ فأمر إبراهيم ﵇ أن يسير بها إلى مكة، فاحتملها على البراق واحتمل معه قربة ماء ومزود تمر، وسار بها حتى أنزلها بمكة في موضع البيت، ثم قال بعد أن ذكر ما كان بين هاجر وبين إبراهيم في مفارقته لها، وما كان منها من السعي بين الصفا والمروة لطلب الماء عند فناء ما كان معها من الماء وعطش ابنها: ثم ماتت هاجر وابنها إسماعيل ﵇ ابن عشرين سنة، وقبرها في الحجر، ثم قبر إسماعيل عليه السلام٥.
وذكر السهيلي "الفرماء" التي ذكرها ابن لهيعة في خبر هاجر؛ فقال السهيلي: وقول ابن لهيعة بالفرماء من مصر، الفرماء: مدينة تنسب إلى صاحبها الذي بناها وهو الفرما بن فليس، ويقال: ابن فليس، ومعناه: محب الغرس٥ ... انتهى.
وقول السهيلي: وأمهم هاجر يعني أولاد إسماعيل؛ لأنهم أم أبيها، وأما قول أبي هريرة ﵁: إنها أم بني ماء السماء؛ فجوز السهيلي فيه احتمالين؛ لأنه قال: وكذلك قول أبي هريرة ﵁: هي أمكم يا بني ماء السماء -يعني: هاجر-