وإسماعيل ﵇ أيضا أول من ركب الخيل؛ لأن الزبير بن بكار روى بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: "كانت الخيل وحوشا لا تركب؛ فأول من ركبها إسماعيل"؛ فبذلك سمعت العرب قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم.
وإسماعيل -أيضا- أول من تكلم بالعربية؛ لأن الزبير روى بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: أول من نطق بالعربية؛ فوضع الكتاب على لفظه ومنطقه، ثم جعله كتابا واحدا مثل بسم الله الرحمن الرحيم الموصل حتى فرق بين ولده: إسماعيل بن إبراهيم١.
وروى الفاكهي عن محمد بن الحسين -يعني الباقر- أنه سئل عن أول من تكلم بالعربية؛ فقال: إسماعيل بن إبراهيم النبي ﵉ وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة ... انتهى.
وقيل: إن الله أنطق إسماعيل ﵇ بالعربية إنطاقا وهو أربع عشرة سنة، ذكر هذا القول السهيلي٢.
وقد روي في أول من تكلم بالعربية غير ما ذكرناه؛ لأن الفاكهي روي بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: من الأنبياء خمسة ممن تكلم بالعربية: محمد رسول الله ﷺ ، وإسماعيل بن إبراهيم، وشعيب، وصالح، وهود ﵈ وسائرهم بالسريانية، ما خلا موسى ﵇ فإنه تكلم بالعبرانية، والعبرانية هي من السريانية وتكلم بها إبراهيم، ثمن إسحاق ثم يعقوب؛ فورثها ولده من بعده بنو إسرائيل فيه لغتهم، وبها قرأ موسى ﵇ التوراة عليهم٣ ... انتهى.
وهذا يقتضي الفاكهي بسنده ما يقتضي أن جرهما وقطورا أول من تكلم بالعربية؛ لأنه روي بسنده عن ابن إسحاق من طريق عثمان بن ساج، ومن طريق زياد البكائي عنه خبرا في قدوم جرهم وقطورا إلى مكة، وفيه: وجرهم وقطوار أول من تكلم بالعربية منهم٣ ... انتهى.
وقد قيل: في أول من كتب بالعربية غير ما ذكرناه؛ لأن السهيلي قال: والخلاف كثير من أول من تكلم بالعربية، وفي أول من أدخل الكتاب العربي أرض الحجاز، فقيل:
стр. 562
حرب بن أمية، قال المسعودي، وقيل: سفيان بن أمية، وقيل: عبد بن قصي، تعلموا بالحيرة١ وتعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار٢ ... انتهى.
وذكر السهيلي ما يقتضي ترجيح ما قيل من إن إسماعيل أول من كتب بالعربية؛ لأنه قال: وعنه ﵇ أنه قال: "أول من كتب بالعربية إسماعيل". قال أبو عمرو: وهذا أصح من رواية من روي أول من تكلم بالعربية إسماعيل ﵇ ... انتهى.
وأبو عمرو هذا هو ابن عبد البر حافظ المغرب.
واختلف في تسمية إسماعيل بإسماعيل؛ لأن المسعودي قال: وقيل: إنما سمي إسماعيل لأن الله تعالى سمع دعاء هاجر ورحمها حين هربت من سيدتها سارة أم إسحاق، وقيل: إن الله تعالى سمع دعاء إبراهيم٣ ... انتهى.
واختلف أيضًا في مبلغ عمر إسماعيل ﵇ حين مات، وفي موضع قبره؛ فقال ابن إسحاق: كان عمر إسماعيل ﵇ فيما يذكرون مائة سنة وثلاثين سنة، ثم مات ﵀ وبركاته عليه- فدفن في الحجر مع أمه هاجر ... انتهى.
وقال المسعودي: وقبض إسماعيل ﵇ وله مائة وسبع وثلاثون سنة فدفن في المسجد الحرام قبال الموضع الذي كان في الحجر الأسود٣ ... انتهى.
وذكر ابن الأثير في "كامله"٤ والشيخ عماد الدين إسماعيل بن كثير في "تاريخه"٥، في مبلغ عمر إسماعيل ﵇ مثل مال ذكره المسعودي، والله أعلم بالصواب.
وفي موضع قبره ﵇ مقالة أخرى وهي: أنه بالحطيم، وقد سبق ذلك، والله أعلم بالصواب.
وفي إسماعيل لغتان: إسماعيل باللام، والأخرى إسماعين بالنون. ويروى أن هاجر دعت ابنها إسماعيل يا شمويل؛ لأن الفاكهي روي بسنده عن حارثه بن مضرب عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يذكر أن هاجر دعت إسماعيل هكذا: يا شمويل يا شمويل ثلاث مرات وعدها ... انتهى.
стр. 563
وإسماعيل ﵇ أول العرب كلها١، وقال ابن هشام: فالعرب كلها من إسماعيل وقحطان، وبعض العرب يقول: قحطان من ولد إسماعيل، ويقول: إسماعيل أبو العرب كلها ... انتهى.
وروي عن النبي ﷺ أن إسماعيل أبو العرب إلا أربعة قبائل، وهذا الحديث ذكره الفاكهي؛ لأنه قال: وحدثني عبد الله بن سلمة، حدثنا إبراهيم بن أبي المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن صالح، عن ثورة بن يزيد، عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ : "العرب بنو إسماعيل إلا أربعة قبائل: السلف، والأوزاع، وحضرموت، وثقيف" ٢، وهذا الخبر مرسل، وفيه نظر لكونه يقتضي أن ثقيفا ليسوا من بني إسماعيل وهم منهم؛ لأن ثقيفا تنسب إلى مضر على الصحيح، وقيل: تنسب إلى معد بن عدنان، وهو من بني إسماعيل وكذلك مضر.
وذكر الفاكهي محاورة كانت بين إسماعيل وأخيه إسحاق بن إبراهيم ﵈ لأنه قال: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة قال: أخبرنا الهيثم بن عدي، عن مجاهد، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ قال: جاء إسماعيل إلى إسحاق ﵇ فطلب ميراثه من أبيه؛ فقال له إسحاق: أما رضيت أن تركناك وأمك لم نأخذها في الميراث! فأوى جذم حائطا كئيبا يبكي؛ فأوحى الله إلى إسماعيل: ما لك؟ قال: ما أنت أعلم به يا رب، قال الله تعالى: لا تبك يا إسماعيل فإني جاعل الملك والنبوة في آخر الزمان في ولدك، واجعل الذل والصغار ولده إلى يوم القيامة٣ ... انتهى.
وفيما ذكرناه من أخبار إسماعيل ﵇ كفاية إذ القصد الاختصار، والله أعلم.
стр. 564
الباب السابع والعشرون:
في ذكر شيء من خبر هاجر أم إسماعيل ﵇:
قال ابن هشام بعد أن ذكر أن قبرها وقبر ابنها إسماعيل في الحجر عند الكعبة: تقول العرب: هاجر وآجر؛ فيبدلون الألف من الهاء، كما قالوا: هراق الماء وأراق الماء وغير ذلك.
وهاجر من أهل مصر، وقال: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، عن عمر مولى غفرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: "الله الله في أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد؛ فإن لهم نسبا وصهرا".
قال عمر مولى غفرة: نسبهم أن أم إسماعيل النبي ﷺ منهم، وصهرهم أن رسول الله ﷺ تسرر فيهم.
قال ابن لهيعة: أم إسماعيل هاجر أم العرب من قرية كانت أمام الفرما١ من مصر٢ ... انتهى.
وقال السهيلي: وكانت تهاجر لملك الأردن - واسمه صادوق فيما ذكر العتبي- دفعها إلى سارة حين أخذها من إبراهيم عجبا منه بجمالها؛ فصرع مكانه؛ فقال: ادع الله أن يطلقني ... الحديث، وهو مشهور في الصحاح، فأرسلها وأخذ منها هاجر، وكانت هاجر قبل ذلك الملك، بنت ملك من ملوك القبط بمصر٣.
стр. 565
وذكر الطبري من حديث سيف بن عمرو، أو غيره: أن عمرو بن العاص ﵁ حين حاصر مصر قال لأهلها: إن نبينا ﵊ قد وعدنا بفتحها، وقد أمرنا أن تستوصي بأهلها خيرا، فإن لهم نسبا وصهرا؛ فقالوا: هذا النسب لا يحفظ حقه إلا نبي؛ لأنه نسب بعيد، وصدق، كانت أمكم هاجر امرأة لملك من ملوكنا، فحاربنا أهل عين الشمس، فكانت لهم علينا دولة، فقتلوا الملك واحتملوها؛ فمن هنالك سرت١ إلى أبيكم إبراهيم، أو كما قالوا٢.
ثم قال السهيلي: وهاجر أول امرأة ثقبت أذنها، وأول من خفض٣ من النساء، وأول من جرت ذيلها؛ وذلك أن سارة غضبت عليها، فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها، فأمرها إبراهيم ﵇ أن تبر قسمها بثقب أذنيها، وخفاضها فصارت سنة في النساء، وممن ذكر هذا الخبر أبو زيد في "نوادره"٤ ... انتهى.
وقال السهيلي بعد أن ذكر إخراج جبريل ماء زمزم لإسماعيل ﵇: وكان سبب إنزال هاجر وابنها إسماعيل مكة، ونقلها إليها من الشام: أن سارة بنت عم إبراهيم ﵇ شجر بينها وبين هاجر أمر؛ فأمر إبراهيم ﵇ أن يسير بها إلى مكة، فاحتملها على البراق واحتمل معه قربة ماء ومزود تمر، وسار بها حتى أنزلها بمكة في موضع البيت، ثم قال بعد أن ذكر ما كان بين هاجر وبين إبراهيم في مفارقته لها، وما كان منها من السعي بين الصفا والمروة لطلب الماء عند فناء ما كان معها من الماء وعطش ابنها: ثم ماتت هاجر وابنها إسماعيل ﵇ ابن عشرين سنة، وقبرها في الحجر، ثم قبر إسماعيل عليه السلام٥.
وذكر السهيلي "الفرماء" التي ذكرها ابن لهيعة في خبر هاجر؛ فقال السهيلي: وقول ابن لهيعة بالفرماء من مصر، الفرماء: مدينة تنسب إلى صاحبها الذي بناها وهو الفرما بن فليس، ويقال: ابن فليس، ومعناه: محب الغرس٥ ... انتهى.
وقول السهيلي: وأمهم هاجر يعني أولاد إسماعيل؛ لأنهم أم أبيها، وأما قول أبي هريرة ﵁: إنها أم بني ماء السماء؛ فجوز السهيلي فيه احتمالين؛ لأنه قال: وكذلك قول أبي هريرة ﵁: هي أمكم يا بني ماء السماء -يعني: هاجر-
стр. 566
يحتمل أن يكون تأويل في قحطان ما قاله غيره، ويحتمل أن يكون نسبهم إلى ماء السماء على زعمهم؛ فإنهم ينسبون إليه كما تنسب كثير من قبائل العرب إلى حاضنتهم وإلى رابهم -أي زوج أمهم- كما سيأتي بيانه في باب قضاعة، إنم شاء الله١, ... انتهى.
وذكر ابن الأثير في "كامله" شيئا من خبر هاجر؛ لأنه قال في ولاده إسماعيل: فلما كبر إسماعيل وإسحاق ﵉ اختصما، فغضبت سارة على هاجر، فأخرجتهما، ثم أعادتهما، فغارت منها فأخرجتها، وحلفت فتقطعن منها بضعة، فتركت أنفها وأذنها لئلا تشينها، ثم خفضتها، فمن ثم خفض النساء.
وقيل: كان إسماعيل ﵇ صغيرا؛ وإنما أخرجتها سارة غيره منها، وهو الصحيح -إن شاء الله- وقالت سارة: لا تساكنيني في البلد٢ ... انتهى.
وقال النووي في "التهذيب" في ترجمته إبراهيم: وفي "التاريخ" -أيضا- يعني "تاريخ ابن عساكر" في ترجمة هاجر، قال: هاجر ويقال آجر بالمد، القبطية، ويقال الجرهمية، أم إسماعيل، كانت للجبار الذي يسكن عين الجر٣ بقرب بعلبك؛ فوهبها لسارة، فوهبتها لإبراهيم ﵈ وأنها توفيت ولإسماعيل عشرون سنة، ولها تسعون سنة، فدفنها إسماعيل في الحجر٤ ... انتهى.
وما ذكره النووي من أن هاجر جرهمية -على ما قيل- لعله باعتبار ملائمتها لهم في السكني بمكة، ولا يصح أن يكون باعتبار نسبها إليهم، لكونها قبيطة. وما ذكره هو والسهيلي من كونها ماتت وسن ابنها إسماعيل عشرون سنة، فروي في بعض الأخبار ما يقتضي خلاف ذلك، وفي الأخبار الواردة في بعض هذا المعنى أن أباه أمر بذبحه بمزدلفة حين حج، وكان حجة بعد بنائه للبيت، وبناؤه للبيت، وإسماعيل ﵇ ابن ثلاثين سنة على ما قيل، وهذا وإن لم يصح؛ ففيما ذكراه نظر من وجه آخر، وهو أن الأزرقي روى عن ابن إسحاق: أن إبراهيم ﵇ لما أمر البيت، أقبل من أرمينية على البراق حتى انتهى إلى مكة، وبها إسماعيل ﵇ وهو يومئذ ابن عشرين سنة، وقد توفيت أمه قبل ذلك٥ ... انتهى.
وهذا يقتضي أن أمه توفيت وسن إسماعيل دون عشرين سنة؛ لأنها ماتت قبل قدوم إبراهيم ﵇ وقدم إبراهيم وإسماعيل ابن عشرين سنة.
стр. 567
وفي كلام النووي نظر من وجه آخر؛ لأنه ذكر أن لها حين ماتت تسعين سنة، ولابنها عشرون سنة، وهذا إن صح فإنه يقتضي أن تكون هاجر حملت بإسماعيل ﵇ وهي بنت سبعين سنة -بتقديم السين- وفي حمل من بلغت هذا السن نظر؛ فإن صح ذلك، فهي كرامة لها، ولا ريب في علو قدرها.
وفي كتاب الفاكهي بعد أن ذكر شيئا من خبرها: وسمعت من بعض من يروي العلم يقول: أوحي إلى ثلاث من النساء: إلى مريم بنت عمران، وإلى أم موسى، وإلى هاجر أم إسماعيل صلوات الله عليهم أجمعين ... انتهى.
وهذا غريب، والله أعلم بصحته١.
وفيما ذكرناه من أخبار هاجر كفاية إذ القصد الاختصار، ومن غريب ما قيل في وفاة هاجر ما ذكره ابن الأثير في "كامله" لأنه قال في وفاة سارة:
وقيل إن هاجر عاشت بعد سارة مدة، والصحيح أن هاجر توفيت قبل سارة٢ ... انتهى. ووجه الغرابة في هذا أن إسماعيل أكبر من إسحاق بأربع عشرة سنة، وسارة عاشت مائة سنة وسبعا وعشرين سنة، على ما ذكره أهل الكتاب.
ويسن للمحرم السعي بين الصفا والمروة لسعي هاجر بينهما لما طلبت الماء لابنها حين اشتد به الظمأ، وخبرها في ذلك عن ابن عباس في صحيح البخاري٣، وقد سبق ذلك في الباب الذي قبله.
стр. 568
ذكر أسماء أولاد إسماعيل وفوائد تتعلق بذلك:
قال ابن هشام في "السيرة": حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق قال: ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉ اثنى عشر رجلا: نابتا وكان أكبرهم، وقيدر، وأربل، ومنشي، ومسمعا، وماشي، ودما، وأدر، وطيما، ويطورا، ونبشا، وقيدما، وأمهم "رعلة" بنت مضاض بن عمرو الجرهمي ... انتهى.
وقال الأزرقي: حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني ابن إسحاق قال: ولد لإسماعيل بن إبراهيم ﵉ اثني عشر رجلا، وأمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، فولدت له اثني عشر رجلا: نابت بن إسماعيل، وقيدار بن إسماعيل، وواصل بن إسماعيل، ومياس١ بن إسماعيل، وآزر وطمياء بن إسماعيل، وقطورا٢ بن إسماعيل،
стр. 569
وقيس١ بن إسماعيل، وقيدمان٢ بن إسماعيل، وكان عمر إسماعيل فيما يذكرون ثلاثين ومائة سنة؛ فمن نابت بن إسماعيل وقيدار بن إسماعيل نشر الله "تعالى" العرب؛ فكان أكبرهم قيدار ونابت ابنا إسماعيل، ومنهما نشر الله العرب٣ ... انتهى.
وذكر المسعودي أولاد إسماعيل، وسمى بعضهم بغير ما سبق، قال: وولد لإسماعيل ﵊ اثنا عشر ولدا؛ أولهم: نابت، وقيدر، وأذيل٤، ومنشى٥، ومسمع٦، وديما، وردام، ومنشا، وحذام، وميم، وقطور، ونافس، وكل هؤلاء قد أنسل٧ ... انتهى.
وذكر الفاكهي أسماء أولاد إسماعيل ﵊ على وجه فيه مخالفة لبعض ما سبق؛ لأنه قال: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة قال: حدثنا أبي سلمة قال: حدثنا يعقوب بن محمد بن محمد بن طلحة التيمي، عن عبد المجيد بن عبد الرحمن بن سهيل، عن عبد الرحمن بن عمرو العجلان قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: ولد إسماعيل ﵊ اثني عشر رجلا، وأمهم بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي؛ فأكبر أولاد إسماعيل ﵊ نابت، وقيدر، والذيل، ومنشى، ومسمع، ودمه، وناس، وأدد، وصيبا، ومصور، وتيش، وقيدم؛ كلهم بنو إسماعيل ﵊ وكانع مر إسماعيل ﵇ مائة وثلاثين سنة فيمن نابت وقيدر نشر الله -تعالى- العرب٨ ... انتهى.
وقد بان بما ذكرناه في أسماء أولاد إسماعيل ﵊ اختلاف المقالات في أسمائهم، ورأيت فيها غير ما ذكرت؛ فمن ذلك: منشأ بدل منشى، ومسماع بدل مسمع، ودوما بدل دما، وتيمن -بالتاء- بدل طيما، ويافيعش بدل تيش.
وهذه الأسماء مذكورة هكذا في كتاب "النسابة" لأبي علي الجواي على ما ذكره القطب الحلبي في كتابه "المورد العذب الهني"، وقال: وزاد فيهم -يعني الجواتي: سعام، ولا عانوا، وحدان ... انتهى.
ولم أر من تعرض لضبط جميعها بالحروف، وأظن أن سبب الاختلاف في كثير منها التصرف في نقل ذلك من الكتب المذكورة فيها، والله أعلم.
стр. 570
وأما الأسماء التي في "السيرة" فيقع في بعض النسخ الجيدة منها ضبطها بالشكل، وقد ضبطت ما ذكرته منها بالشكل على ما رأيته في نسخ معتمدة في السيرة"، وقد تعرض السهيلي ﵀ لضبط بعضها، وبيان معنى بعضها، وما سمي ببعضها من الأماكن؛ فنذكر ذلك لما فيه من الفائدة، ونص كلامه: وذكر في ولد إسماعيل: ظيما، وقيده الدارقطني بالظاء منقوطة بعدها ميم، كأنها تاء: بين ظيما، والظيما مقصور سمرة في الشفتين، وذكر دما.
ورأيت للبكري أن دومة الجندل عرفت بدوما١ بن إسماعيل، وكان نزلها؛ فلعل ذلك مغير عنه، وذكر أن الطور سمي بقطور بن إسماعيل، ولعله محذوف الياء أيضا، إن كان يصح ما قاله، والله أعلم.
وأما الذي قاله أهل التفسير في الطور فهو كل جبل ينبت الشجر؛ فإن لم ينبت شيئا فليس بطور، وأما قيدر فتفسيره عندهم صاحل الإبل؛ وذلك أنه كان صاحب إبل إسماعيل ﵊ انتهى.
واختلف في أمهم؛ ففي "السيرة" لابن إسحاق أنها بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، ولم يسمها، وفي الأزرقي عن ابن إسحاق، أن أمهم السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي. ونقل ذلك السهيلي عن الدارقطني.
وفي الأزرقي أيضا في خبر ذكر فيه خبر جرهم وقطورا بن إسماعيل، أن إسماعيل ﵊ خبط إلى مضاض بن عمرو ابنته رعلة فزوجه إياها؛ فولدت له عشرة ذكور. قال: وهي أم البيت٢ ... انتهى.
ولا منافاة بين قول من سماها السيدة، وبين قول من سماها رعلة، لإمكان أن يكون أحد الأمرين اسما لها، والآخر لقبا، واقتصر كل من القائلين على أحدهما، والله أعلم.
وفي الفاكهي أن أم أولاد إسماعيل: بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي، كما في الخبر السابق، وهذا يخالف ما سبق من أن أمهم بنت مضاض بن عمرو.
وذكر الفاكهي ما يقتضي أن أم أولاد إسماعيل من العمالقة؛ لأنه روى خبرا عن أبي جهنم بن حذيفة في نزول العماليق على أم إسماعيل: ونشأ إسماعيل مع ولدانهم، ثم روي بإسناده عن عثمان بن عفان أمير المؤمنين أنه سئل: متى نزل إسماعيل مكة؟ قال: فذكر نحو حديث أبي جهم الأول؛ إلا أنه قال: تزوج إسماعيل امرأة منهم، فولدت له عشرة ذكور٣ ... انتهى.
стр. 571
فتحصل من هذا في أم أولاد إسماعيل قولان: هل هي من جرهم أو من العماليق؟ وعلى الأول هي بنت مضاض بن عمرو أو بنت الحارث بن مضاض بن عمرو، والله أعلم.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في أم نابت بن إسماعيل غير ما سبق، وإلى نابت بن إسماعيل يرجع نسب عدنان على مقتضى ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل الأخبار، وقيل: يرجع نسب عدنان إلى قيدار بن إسماعيل، وهذا القول ذكره السهيلي؛ لأنه قال: وذكر من وجه قوي في الرواية عن نساب العرب أن نسب عدنان يرجع إلى قيدار بن إسماعيل، وأن قيدار كان الملك في زمانه، وأن معنى قيدار: إذ فسر، والله أعلم ... انتهى.
وذكر القطب الحلبي في "شرح سيرة عبد الغني"؛ خلافا فينسب نابت بن إسماعيل، وفي أمه وأم قيدر ومن ينسب إليها، ونذكر كلامه لإفادة ذلك، ونص كلامه: قال المؤلف: إن نابت بالنون فاعل من نبت. قال الإمام أبو نصر بن ماكولا في باب النون: نابت بن إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام. وهذا القول الأخير ما ذكره الجواني في "النسب"؛ فإنه قال: عدنان بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان على نبت، وقال: إن أم نبت هامة بنت زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وتدعى حرمن، وجعل نابت بن حمل وأمه العاصرية بنت مالك الجرهمي بن قيدار، وأمه هالة بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي، ويقال بل اسمها سلما، وقيل: الخنفا، ثم قال القطب: قال الجواني: ومن العلماء من ينسب اليمن إلى إسماعيل ﵊، ويقولون إنهم من ولد بيمن بن نبت بن إسماعيل. وافترق باقي ولد إسماعيل في أقطار الأرض، فدخلوا في قبائل العرب، ودرج بعضهم فلم يثبت لهم النسابون نسبا إلا ما كان من ولد قيدار، ونشر الله تعالى ذرية إسماعيل ﵊ الذين تكلموا بلسانه من ولد قيدار ابنه أبي العرب.
وفي كتاب "التيجان" قال وهب: حدثني ابن عباس ﵄ أن إبراهيم الخليل ﵊ دخل ذات يوم وعلى عنقه قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم؛ فجرى إليه يعقوب وعيصو، فأخذهما إلى صدره، فنزلت رجل قيدار اليمنى على رأس يعقوب، ورجله اليسرى على رأس عيصو؛ فغضبت سارة، فقال لها إبراهيم ﵊: لا تغضبي فإن رجل أولاد هذا الذي على عنقي على رؤوس هؤلاء بمحمد ﷺ ... انتهى.
وخبر ابن عباس ﵄ هذا يدل على أن عدنان يرجع إلى قيدار، لا إلى نابت بن إسماعيل.
стр. 572
واستفدنا بما ذكره القطب في أم قيدار معرفة اسم بنت الحارث بن مضاض -التي ذكرها الفاكهي- أنها أم أولاد إسماعيل؛ لأن الفاكهي ذكر فيهم قيدار الذي ذكره القطب، واسم أمه. وأن فيها ثلاثة أقوال: هالة، وسلمى، والخنفا.
ولإسماعيل -عليهما الصلاة والسلام- بنت غير أولاده الاثني عشر، ذكرها السهيلي؛ لأنه قال وقد ذكر ابن إسحاق أسماء بني إسماعيل، ولم يذكر بنته الأخرى وهي نسمة بنت إسماعيل، وهي امرأة عيصو بن إسحاق، وولدت له الروم وفارس فيما فيه أيضا: عيصي ... انتهى، والله أعلم.
стр. 573
ذكر شيء من خبر بني إسماعيل ﵊:
قال الأزرقي: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق، فذكر أولاد إسماعيل وشيئًا من خبرهم، وخبر بعضهم وخبر جرهم وقطورا، وما كان بينهما من القتال؛ إلا أنه قال: ثم نشر الله تعالى بني إسماعيل ﵊ بمكة، وأخوالهم جرهم إذ ذاك الحكام وولاة البيت كانوا كذلك بعد نابت بن إسماعيل؛ فلما ضاقت عليهم مكة وانشتروا بها انبسطوا في الأرض وابتغوا المعاش والتفسح في الأرض؛ فلا يأتون قوما ولا ينزلون بلدا إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم وغلبوهم عليها، حتى ملكوا البلاد ونفوا عنها العماليق، ومن كان ساكنا بلادهم التي كانوا اصطلحوا عليها من غيرهم، وجرهم على ذلك بمكة ولاة البيت، لا ينازعهم إياه بنو إسماعيل لخئولتهم وقرابتهم وإعظام الحرم أن يكون به بغي أو قتال١ ... انتهى.
وقال الفاكهي: وحدثني الزبير بن أبي بكر قال: وجدت في الكتاب الذي ذكر أنه من كتب عبد الحكم بن أبي غمر: أن الله ﵎ لما نشر ولد إسماعيل توالدوا وكثروا وضاقت عليهم مكة، واشتدت المعيشة بها عليهم، فجعلوا ينبسطون في الأرض وينتشرون؛ فخرج أهل القوة يتخذون أموالا من الإبل والبقر والغنم يتطلبون بها المرعى، فلا تلبث أموالهم أن تربوا وتكثر؛ فجعل الناس يتداعون إلى ذلك رغبة فيه وكراهة أن يحدثوا في الحرم حدثا يقولون: نحن عباد الله وهذا بيته وحرمه، ومن أحدث فيه أخرج منه ولم يعد فيه، في خرج إلى ظل الله ومظهر من حرمه من أحداثنا٢؛ فمن أحدث منا لم يحرم عليه دخول الحرم ولا زيارة البيت. فلم يبرحوا يصنعون ذلك ويخرجون حتى ضاقت مكة وما بها من ولد إسماعيل إلا متدين حبس نفسه بجوار البيت وعمارته،
стр. 574
أو مضعف لا مال له صبر على لأوائها وشدتها حسبه، أو خالف مستجير بالبيت والحرم فيأمن بذلك. وكان الناس؛ إذ ذاك يدعون من أقام به "أهل الله" يقولون: هؤلاء أهل الله أقاموا عنده بفناء بيته، وفي حرمته وحرمه، من بين حابس له نفسه، أو مستجير به، أو صابر على شدتها١ ولأوائها لوجهه٢ ... انتهى.
وقال الفاكهي: حدثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، قال: حدثنا عثمان -يعني ابن ساج- قال: أخبرني محمد بن إسحاق، وحدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله عن علي بن إسحاق -يزيد أحدهما على صاحبه في اللفظ: أن بني إسماعيل والعماليق من سكان مكة ضاقت عليهم البلاد؛ فتفسحوا في البلاد، والتمسوا المعاش؛ فخلف الخلوف بعد الخلوف، وتبدلوا بدين إسماعيل غيره، وسلخوا إلى عبادة الأوثان، فيزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في البلاد إلا احتملوا معهم من حجارة الحرم، تعظيما للحرم وصيانة لمكة والكعبة، حينما حلوا وضعوه؛ فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة، وأعجبهم حتى خلف الخلوف بعد الخلوف ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم ﵊ غيره، وعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالة، وانتحوا ما كان يعبد قوم نوح منها على إرث ما كان بقي فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل -عليهما الصلاة والسلام- يتمسكون بها من تعظيم البيع والطواف به، والحج، والعمرة، والوقوف على عرفة، والمزدلفة، وهدي البدن، وإهلال الحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس فيه.
وكان أول من غير دين إسماعيل ﵊ ونصب الأوثان، وسبب السائبة، ونحو البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، عمرو بن لحي٣ بن قعمة بن خندف جد خزاعة؛ إلا أنهم من ولد عمرو بن عامر بن غسان٤ ... انتهى.
وقال الزبير بن بكار: وجدت في كتاب ذكر أنه من كتب عبد الحكم بن أبي غمر: لما أدرك إلياس بن مضر أنكر على بني إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم، وبأن فضله فيهم، ولأن جانبه لهم حتى جمعهم رأيه، ورضوا به رضا لم يرضوا مثله بأحد من ولد إسماعيل بعد أدر؛ فردهم إلى سنن آبائهم حتى رجعت سنتهم تامة على أولها. وهو أول
стр. 575
من أهدى البدن إلى البيت، أو في زمانه، وقال: وهو أول من وضع الركن للناس بعد هلاكه حين غرق البيت وانهدم زمن نوح ﵊ فكان أول من سلط عليه الناس في زمانه فوضعه في زاوية البيت للناس.
وبعض الناس تقول: إنما هلك بعد إبراهيم وإسماعيل -عليهم الصلاة والسلام- ولم تبرح العرب تعظم إلياس بن مضر تعظيم أهل الحكمة، كتعظيم لقمان وأشباهه.
ويقال: قال نبي إلا وقد علم ممن هو أو من أي أمة هو، وفيه قال الله : ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ [الصافات: ١٢٣] .
وقال الفاكهي: وحدثني عبد الملك بن محمد عن زياد بن عبد الله قال: قال ابن إسحاق: يقال: إن أول نبي كان بين ولد إسماعيل الحارث، كان بين سعد العشيرة وبين معد، ويقال: كانوا يسمعون أن دعوة إبراهيم من ولد إسماعيل في معد بن عدنان لسعد، العشيرة، وهم أخرجوا معدا من اليمن إلى أرض نجد؛ إلا أنه كنانة أقامت بها الحرم؛ وإنما اكتتبوا على المياه، فقال عامر بن الظرب العدواني١ في حرب معد:
وسعد العشيرة، يذكر قرابتهم وفضل معد فيهم وينتمي إلى عوف ابن البيت، ويحضهم على صلة معد؛ حيث يقول:
أبونا مالك ولصلب زيد ... معد ابنه خير البنينا
بنينا سأملك سواحر بنوه ... آمنون به سكونا
أتى بهم من ذوي شمران ... أنسابها أحد السنينا
في هذا ترحلت عنها معدا ... وكيف تصادف الدار الدفينا
فيا عوف بن نبت بالعوف ... وهل هوف لتصبح من عوونا
فلا تعصموا معدًا إن فيها ... بلاد الله والبيت المكينا
وشمران من اليمن٢ ... انتهى.
وسعد العشيرة المذكورة في هذا الخبر من مذحج؛ وإنما قيل له: سعد العشيرة لأنه كان يركب -فيما قيل- في ثلاثمائة من ولده وولد ولده؛ فإذا قيل له: من هؤلاء؟ قال: عشيرتي مخافة العين عليهم، ذكر ذلك الحازمي وقال: المذحجي منسوب إلى مذحج، واسمه: مالك بن أدد بن يزيد بن يشجب بن كريب بن يزيد بن كهلان، سمي به؛ لأنه ولد على أكمة حمراء باليمن قال لها: مذحج. وقيل غير ذلك ... انتهى.
стр. 576
وممن كان عظيم القدر من بني إسماعيل: معد١ بن عدنان؛ لأن الزبير بن بكار قال فيما رويناه عنه: حدثنا إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران قال: أخبرني أبو القاسم بن نشيط، عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﵄ قال: لما وقع بخت نصر بأهر حصور وبأهل عرمانا، بعث الله ملكين فاحتلام معد بن عدنان حتى أنزلاه بأرمينية، حتى إذا تم الأمر رده الله تعالى إلى التهمة، قال: فلما انقضت غزاة بخت نصر من بلاد المغرب، وخرج منها إلى بلاده، رد معد بن عدنان إلى موضعه، من تهامة؛ فكان بمكة في ناحيتها مع أخواله ممن جرهم وهم ولاة البيت وبها منهم بقية؛ فاختلط بهم وسار معهم فأنكحوه، فناكحهم، ولم يصبه ولم يصب جرهم ومن كان معهم من معرة جيش بخت نصر ما أصاب غيرهم ... انتهى.
وقد أتينا من أخبار بني إسماعيل بجملة فيها مقنع إن شاء الله.
стр. 577
ذكر ولاية نابت بن إسماعيل للبيت الحرام:
قال الأزرقي فيما رويناه عنه: حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق بعد أن ذكر أولاد إسماعيل: فولي بعده مضاض بن عمرو الجرهمي -وهو جد نابت بن إسماعيل أبو أمه- وضم بني نابت بن إسماعيل وبني إسماعيل إليه؛ فصاروا مع جدهم أبي أمهم مضاض بن عمرو، ومع أخوالهم من جرهم١ ... انتهى.
стр. 578
الباب الثامن والعشرون:
ذكر ولاية إياد بن نزار بن معد بن عدنان للكعبة:
قال الزبير بكار؛ قاضي مكة: حدثنا عمر بن أبي بكر الموصلي، عن غير واحد من أهل العلم بالنسب، قالوا: لما حضرت نزارا الوفاة آثر إيادتا بولاية الكعبة، وأعطى مضر ناقة حمراء فسميت: مضرالحمراء، وأعطى ربيعة الفرس؛ فسمي: ربيعة الفرس، وأعطى أنمار جارية تسمى بجيلة؛ فحضنت بنيه فسموا: بجيلة أنمار.
ويقال: بل أعطاه بجيلة وغنما كانت ترعاها؛ فيقال لهم: أنمار الشاء، ويقال: بل أعطى إياد بن نزار غنيما له برقاء؛ فسميت إياد البرقاء، ويقال: بل أعطى إيادا عصما وحله، فهم يدعون إياد الغصا، وقد قال في ذلك رجل إيادي:
نحن ورثصنا عن إياد كله ... نحن ورثنا العصا والحله
قال الزبير: وقال غير عمر بن أبي بكر: أعطى إياد أمه شمطاء؛ فسموا إياد الشمطاء ... انتهى.
ورأيت لإياد بن نزار ولإخوته المشار إليهم خبرا يستطوف في ذكاتهم؛ فحسن ببالي ذكره هنا لما في ذلك من الفائدة، وقد ذكر هذا الخبر غير واحد من أهل الأخبار، منهم الفاكهي -رحهه الله-، ونص ما ذكروا: وحدثني حسن بن حسين الأزدي قال: حدثنا علي بن الصباح ومحمد بن حبيب ومحمد بن سهل قالوا: حدثنا ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية بن عميرة بن منجوس الكندي، عن ابن عباس ﵄ قال: ولد نزار بن معد بن عدنان أربعة: مضر، وربيعة، وإيادا، وأنمارا، وأم مضر وإياد: سودة بنت عك، وأم ربيعة وأنمار:
стр. 579
الجدعة١ بنت وعلان بن جوشم من جلهمة بن جرهم؛ فلما حضر نزارا الموت جمع بنيه هؤلاء الأربعة فقال: أي بني، هذه القبة الحمراء -وهي من أدم- وما أشبهها من المال فلمضر، وهذه البدرة والمجلس والأنمار فلأنمارا، وهذا الفرس الأدهم والخباء الأسود وما أشبهها من مال فلربيعة، وهذا الخادم -وكانت شمطاء- وما أشبهها من مال فلإياد، وإن أشكل عليكم كيف تقتسمون، فأتوا الأفعى الجرهمي ومنزله بنجران، وإن أنتم رضيتم -وهنا قد خفت صوته إذ لم يسمع الصوت فألمع- ثم مات، فتشاجروا في ميراثه ولم يهتدوا إلى القسم، فتوجهوا إلى الأفعى يريدونه وهو بنجران؛ فرأى مضر أثر بعير قد رعى، فقال: إن الذي رعى هذا الموضع لبعير أعور، فقال ربيعة: أنه الأزور، فقال إياد: إنه لأبتر؛ فقال أنما: إنه لشرود، فساروا قليلا، فإذا برجل يوضع على جمله، فسألهم عن البعير، فقال مضر: أعور؟ قال: نعم، قال ربيعة: أزور؟ قال: نعم، قال إياد: أبتر، قال: نعم، قال أنمار: شرود؟ قال: نعم؛ فسألهم عن البعير، وقال: هذه صفة بعيري، فدخلوا نجران؛ فقال صاحب البعير: هؤلاء أصابوا بعيري؛ وصفوا لي صفته وقالوا: لم نره؛ فاختصموا إلى الأفعى -وهو يومئذ حكم العرب- فاختصموا إلى الأفعى، وهو يومئذ حكم العرب؛ فأخبروه بقولهم، فحلفوا له ما رأوه؛ فقال الرجل: قد نعتوا لي صفة بعيري قال الأفعل لمضر كيف عرفت أنه أعور قال إنه رعى جانبا وترك جانبا فعرفت أنه أعور فقال لربيعة: كيف عرفت أنه أزور؟ قال: رأيت إحدى يديه ثابته الأثر، والأخرى فاسدة الأثر؛ فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه؛ فقال لإياد: كيف عرفت أنه أبتر؟ قال: باجتماع بعره ولو كان ذيالا لمصع٢، فقال لأنمار: كيف عرفت أنه شرود؟ قال: إنه رعى في المكان المكيء، ولم يجزه إلى مكان أغرز منه نبتا؛ فقال الرجل: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه، ثم سألهم من أنتم؟ فأخبروه، فرحب بهم، وأخبروه ما جاء بهم، فقال: تحتاجون إلي وأنتم كما بدا لي؟! فذبح لهم وأقاموا عنده، ثم قام إلى خازن له يستحثه الطعام، ثم جلس معهم، ثم أكلوا وشربوا، وتنحى عنهم الأفعى؛ حيث لا يرى وهو يسمع كلامهم؛ فقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب منه، لولا أن شاته غذيت بلبن كلبة؛ فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا، لولا أن حبلته نبتت على قبر؛ فقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى، لولا أنه ليس لأبيه الذي يدعى إليه؛ فقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا. وكان كلامهم بإذنه؛ فقال: ما هؤلاء إلا شياطين؛ فدعى القهرمان فقال: أخبرني خبر هذه الكرمة؛ فقال: من حبلة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن العناق؛ فقال: هي عناق أرضعتها بلبن كلبة. ولم يكن ولد في الغنم غيرها، وماتت أمهال، ثم أتى أمه فقال:
стр. 580
أصدقيني من أبي؟ فأخبرته أنها كانت تحت ملك كثير المال، لا يولد له، فخفت أن يموت ولا يولد له، فمر بن رجل فوقع علي، وكان نازلا عليه؛ فولدت. فرجع إليهم وقال: قصوا علي قصتكم، فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فلمضر. فذهب بالدنانير الفرس وما أشبه. وكان الفرس أدهم فسميت ربيعة الفرس، وأما الدراهم والأرض فلأنمار، وذهب إياد بالخيل البلق والغنم والنعم، فانصرفوا من عنده؛ فقال الأفعى مساعدة الخاطل تعد من الباطل، وإن العصا من العصية، وإن خشينا من أحسن١ ... انتهى.
وذكر هذا الخبر "شارح العبدونية"، ونقل فيه عن كل من أولاد نزار؛ إلا أنمار في صفة البعير الذي رأوه في طريقهم إلى الأفعى الجرهمي غير ما في هذا الخبر؛ لأن فيه قال: فلما مات أبوهم اختلفوا في القسم، فمشوا إلى الأفعى بن الأفعى، فعثروا في طريقهم على أثر بعير؛ فقال مضر: هذا أثر بعير أزور. فقال ربيعة: نعم، وأبتر. فقال إياد: نعم، وأعور. قال أنمار: نعم، وشرود.
وفي الخبر الذي ذكره "شارح العبدونية" أن الأفعى أطعم أولاد نزار عسلا، وأنه لما استطيبوه قال الثالث منهم: إلا أن نحلته وضعته على هامة جبار، وأن الأفعى سأله عن ذلك، فأخبر بما يصدق فيهم؛ وفيه أن الأفعى وكل بهم من يسمع كلامهم ويحفظه ويخبره. وبقية الخبر بمعنى الخبر الذي ذكرناه.
وذكر الحافظ قطب الدين الحلبي في كتابه "المورد العذب الهني في شرح سيرة عبد الغني"، فوائد تتعلق بخبر ابن نزار يحسن ذكرها هنا؛ وذلك أنه قال عند ذكره للخبر السابق: زاد أبو الحسن بن الأثير: فقيل لمضر: من أين عرفت الخمر؟ فقال: لأنني أصابني عطش شديد٢.
وذكر الماوردي في كتابه "أعلام النبوة" قال: وذكر لي بعض أهل العلم أنه إنما قال ذلك؛ لأن الكرم إذا نبتت على قبر يكون انفعاله أقل انفعالا من غيره، وأن ربيعة قيل له. من أين علمت اللحم؟ قال: لأن لحم الكلب يعلو شحمه؛ بخلاف لحم الشاة، فإن شحمها يعلو لحمها.
وذكر الماوردي، قال: لأني شممت ورائحة كلب، وأن إيادا قيل له: من أين علمت أنه ينتمي إلى عير أبيه؟ قال: لأنه وضع الطعام ولم يجلس معنا؛ فيكون أصله دنيا، وقال الماوردي: لأنه يتكلف ما يعمله. ورأيت بخط أبي الربيع سليمان قيل لإياد: فيما قال، فقال: نظرت إليه مذ وقعت عيني عليه؛ فنظر إلأى وأدام النظر ولم يطرق ... انتهى.
стр. 581
ذكر ولاية بني إياد بن نزار الكعبة وشيء من خبرهم وخبر مضر ومن ولي الكعبة من مضر قبل قريش:
قال الفاكهي: ذكر ولاية إياد بن نزار البيت وحجابتهم إياه وتفسير ذلك: حدثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدثنا محمد بن حبيب قال: قال عيسى بن بكر الكناني: ثم وليت حجابة البيت إياد؛ فكان أمر البيت إلى رجل منهم يقال له: وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد؛ فبنى صرحا بأسفل مكة -عند سوق الحناطين اليوم- وجعل فيه أمة يقال لها: الحزورة -فبها سميت خزورة مكة- وجعل فيها سلما، وكان يرقاه، ويقول -بزعمه- إنه يناجي الله ﵎، وكان ينطق بكثير من الخبر يقوله، وقد أكثر فيه علماء العرب؛ فكان أكثر من قال فيه أن قال: إنه كان صديقا من الصديقين، وكان يتكهن، ويقول: مرضعة وفاطمة، ووادعة وقاطعة، والقطيعة، والفجيعة، وصلة الرحم، وحسن الكلم، يقول ربكم: "ليجزين بالخير ثوبا، وبالشر عقابا"،
وكان يقول: من في الأرض عبيد لمن في السماء، هلكت جرهم، وأزيلت إياد، وكذلك الصلاح والفساد.
حتى إذا حضرته الوفاة جمع إيادا؛ فقالوا: اسمعوا وصيتي: الكلام كلمتان، والأمر بعد البيان، من رشد فاتبعوه، ومن غوى فارفضوه، وكل شاة معلقة برجليها؛ فكان أول من قالها؛ فأرسلها مثلا. فمات وكيع، فنعي على رؤوس الجبال، فقال بشر بن الحجر:
ونحن إياد عباد الإله ... ورهط مناجية في سلم
ونحن ولاة حجاب العتيق ... مآل النخاع على جرهم
ثم قال: وقامت نائحة وكيع على أبي قبيس فقالت:
ألا هلك الوكيع أخو إياد ... سلام المرسلين على وكيع
مناجي الله مات فلا خلود ... وكل شريف قوم في وضيع١
ثم إن مضر أديلت بعد إياد، وكان أول من ديل منها: عدوان وفهم، وأن رجلا من إياد ورجلا من مضر خرجا يصيدان؛ فمرت بهما أرنب، فاعتنقا بها يرميانها؛ فرماها الإيادي، فنزل سهم فنظم قلب المضري فقتله؛ فبلغ الخبر مضر، فاستغاثت بفهم وعدوان يطلبون لهم قود صاحبهم؛ فقالوا: إنما أخطأه، فأبت فهم وعدوان إلا قتله،
стр. 582
فتناوش الناس بينهم بالمدور١ -وهو مكان- قشمت مضر من إياد ظفرا؛ فقالت لهم إياد: أجلونا ثلاثا فلن نساكنكم أرضكم؛ فأجلوهم ثلاثا، فظعنوا قبل المشرق؛ فلما ساروا يوما اتبعتهم فهم وعدوان حتى أدركوهم، فقالوا: ردوا علينا نساء مضر المتزوجات فيكم؛ فقالوا: لا تقطعوا قرابتنا، اعرضوا على النساء، فأية امرأة اختارت قومها رددتموها، وإن أحبت الذهاب مع زوجها أعرضتم لنا عنها، قالوا: نعم، فكان أول من اختار أهله امرأة من خزاعة.
فحدثنا الزبير بن أبي بكر قال: لما هلك وكيع الإيادي واتضعت إياد، وهي إذ ذاك تلي أمر بيت الله الحرام، وقاتلوهم وأخرجوهم وأجلوهم ثلاثا يخرجون عنهم؛ فلما كانت الليلة الثانية حسدوا مضر أن تلي الركن الأسود؛ فحملوه على بعير، فبرك فلم يقم، فغيروه، فلم يحلموه على شيء إلا زرح وسقط، فلما رأوا ذلك فحنوا له تحت شجرة فدفنوه.
ثم ارتحلوا من ليلتهم؛ فلما كان بعد يومين افتقدت مضر الركن، فعظم من أنفسها، وقد كانت شرطت على إياد كل متزوجة فيهم؛ فكانت امرأة من خزاعة -فيما يقولون- يقال لها: قدامة متزوجة في إياد، وخزاعة إذ ذاك -فيما يزعمون، والله أعلم -ينتسبون لبني عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر، فأبصرت إياد حين دفنت الركن.
اجتمع الزبير والكلبي، وحديثهما كل واحد منهم بنحو من حديث صاحبه، فقالت لقومها حين رأت مشقة ذهاب الركن على مضر: خذوا عليهم أن يولوكم حجابة البيت، وأدلكم على الركن، فأخذوا بذلك عليهم، فوليتها خزاعة على العهد والميثاق الذي كان؛ فهذا سبب ولايتهم البيت.
وقال الكلبي في حديثه: فقالوا لهم: إن دللناكم على الركن، أتجعلونا ولاته؟ قالوا: نعم، وقالت مضر جميعا: نعم، فدلتهم عليه. فأعادوه في مكانه، وولوه، فلم يبرح في أيدي خزاعة، حتى قدم قصي؛ فكان من أمره الذي كان٢ ... انتهى.
وقال الفاكهي -أيضا- بعد أن ذكر خبر بني نزار السابق متصلا به: وكان العدد والشرف من بني نزار السابق متصلا به: وكان العدد والشرف من بني نزار بن معد في إياد، قال: فلم يزالوا كذلك حتى بغوا على مضر وربيعة؛ فأهلكهم الله ﵎؛ فكانوا من أهلكهم البغي بعد ابن آدم، سلط الله
стр. 583
- النخاع، وجعل الشرف والعدد والملك والنبوة في مضر؛ فدخلوا إلى أرض العراق١ ... انتهى.
وذكر المسعودي ما يقتضي أن ولاية البيت بعد جرهم صارت إلى ولد إياد بن نزار؛ لأنه قال: بعد أن ذكر خبر جرهم متصلا به: ثم صارت ولاية البيت في ولد إياد بن نزار، بعد، ثم كان حروب كثيرة بين ولد مضر إياد؛ فكانت لمضر على إياد، فانجلفوا عن مكة إلى العراق٢ ... انتهى.
وممن ولي الكعبة من مضر -على ما ذكر الفاكهي- أسد بن خزيمة؛ لأنه قال فلما مات، صار البيت في أسد بن خزيمة، فكان سادن الكعبة؛ فحدثني عبد الله بن أبي سلمة قال: حدثنا الوليد بن عطاء المكي، عن أبي صفوان، عن عبد الملك بن عبد العزيز، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: أسد بن خزيمة خازن الكعبة في الزمن الأول.
وحدثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: حدثني موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة قال: حدثني أبي قال: قال لي أبو جعفر المنصور: يا شيخ أين قبر جدك؟ قال: قلت بخرمان٣. قال: فقال لي: لا، هو على أبي قبيس، إنه كالن من الفريقين عظيما؛ يعني أسد بن خزيمة ... انتهى.
ذكر ذلك الإمام الفاكهي في ترجمة ترجم عليها بقوله: "ذكر من ولي مكة من مضر بن نزار قديما وتفسير أمورهم".
ولم أر فيما ذكر في هذه الترجمة شيئا يفهم منه ولاية أحد ممن ذكر فيها لما ذكر غير أسد بن خزيمة ونفر قليل غيره، على ما يأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- بل في كلامه ما يشعر بخلاف ما ترجم له، ونذكر كلامه بنصه، قال بعد الترجمة التي سبق ذكرها: حدثنا أحمد بن حميد الأنصاري، قال: حدثني محمد بن زكريا، قال: حدثنا العباس بن بكار قال: حدثنا الفضيل بن محمد، قال: كان محلم بن سويد الرئيس الأول -ظننا أول من رأس معدا- وكان معقد قبل ذلك تسترضي رأيه جماعة، رجل رجل؛ فكان أول من قتاد معه ميمنة وميسرة ولواء، وفي ذلك يقول الفرزدق:
زيد الفوارس وابن زيد منهم ... وأبو قبيصة والرئيس الأول
أمأ قوله: ابن زيد؛ فهو حصين بن زيد بن صباح الضبي، وهو الذي قال:
أوصى أبونا ضبة الملقى ... سيف سليمان الذي يبقى
стр. 584
إن على كل رئيس حقا ... أن يخضب القناة أو تندقا
قال: وكان ضبة ينزل مكة، وكان قد ولي الحجاز واليمن لسليمان بن داود ﵉، وفي ذلك يقول الشاعر:
ضبة رب خراج الحجاز ... تجبى إليه إتاواتها
من كل ذي إبل ناقة ... ومن كل ذي غنم شاتها
وكان البيت في ضبة عمن مضر؛ فلما أن مات صار البيت من مضر في بن ضبة؛ فلما مات صار البيت في أسد بن خزيمة، فكان سادن الكعبة.
ثم قال بعد أن ذكر ما نقلناه عنه آنفا في شأن أسد بن خزيمة، ثم رجعنا إلى حديث الأنصاري، قال: فلما مات، صار البيت في تميم؛ فلما مات، صارت الرياسة إلى ابنه عمرو بن تميم، ثم صار البيت في أسيد بن عمرو؛ فلما مات أسيد صارت مضر لا رأس لها، حتى نشأ أبو الخفاد الأسدي، وكان من المعمرين، عاش دهرا طويلا، وفيه يقوله ربيعة أبو لبيد الجعفري:
أبو الخفاد إقبال الكبر فالدهر ... صرفان فخذ ومضر
في الدهر إن تجني لك الثمر ... من قيس عيلان وأحياء أخر
وكان الذي يسعى لأبي الخفاد في جيمع صدقاته: الحارث بن عمرو بن تميم؛ فكان إذا نزل بقوم لم يبرح حتى يأكل من طعامهم؛ فأكثر يوما من ذلك، فعظم بطنه، فسموه الحارث الحنط -وهو أو الحنطات- فلما مات أبو الخفاد صار البيت في بني جماد من بني سعد، ثم تحول البيت بعد الجمانيين إلى الأضبط بن قريع، ثم تحول البيت إلى بني حنظلة بن دارم بن حنظلة، وضرب عليهم القبة الحمراء، وهي قبة مضر الحمراء، وبها سميت مضر الحمراء؛ فلما صارت إلى عبد الله بن دارم؛ فلما مات صارت إلى ابنه يزيد بن عبد الله؛ فلما مات، صارت إلى ابنه حدس، فلما مات صارت إلى ابنه زرارة، فلما مات صارت إلى ابنه حاجب بن زرارة.
وكان حاجب والنباش ابنا زرارة من أشراف بني تميم وذوي القدر بمكة.
حدثنا عبد الله بن عمران المخزومي قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن ثور بن يزيد قال: تزوج رجل امرأة على عهد النبي ﷺ فلأمه أخ له، فذكر منها صلاحا؛ فقال النبي ﷺ : "ما عليك إلا أن تكون تزوجت ابنه حاجب بن زرارة، إن الله جاء بالإسلام؛ فسوى بين الناس، ولا لوم على مسلم" ١.
стр. 585
وحدثنا الزبير بن أي بكر قال: حدثني حماد بن نافع قال: سمعت سليمان المكي يقول: كان يقول في الجاهلية: والله لأنت أعز من النباش، وأشار بيده إلى دور حول المسجد، فقال: كانت هذه رباعهم.
ثم رجعنا إلى حديث الفضيل قال: ثم صارت إلى ابنه عطارد بن حاجب؛ فلما مات صارت الرياسة في بني تميم في عمير بن عطارد؛ فلما مات صابرت إلى ابنه بجيد بن عمير، وكان أحد الأجواد، وكان صاحب ربع بني تميم وهمدان بالكوفة، وكان على أذربيجان في ولاية معاوية ﵁ فمر به ألف رجل من بني بكر بن وائل، كانوا وجهوا في بعث؛ فحملهم على ألف فرس، وكان البيت من ضبة في الكبر: من بني ثعلبة بن بكر، وهم الفرسان، والعدد من بني صباح: في الحصين بن يزيد، ثم تحول البيت -يعني الشرف والرياسة- يوم الفرس أو القريتين -شك أبو العباس- في ضرار بن عمرو؛ فلما مات المنذر، صارت إلى عيلان بن حرشة بن عمرو بن ضرار؛ فلما مات صارت إلى ابنه مكحول بن عيلان١ ... انتهى.
فقوله في هذا الخبر: ثم تحول البيت -يعني الشرف والرياسة- يفهم أن ما في هذا الخبر من قوله: فلما مات؛ صار إلى زيد الفوارس؛ فلما قتل، صار إلى قبيصة بن ضرار، وكان قبيصة على أصحابه يوم الكلاب؛ فلما مات، صارت إلى المنذر بن حسان بن ضرار -وكان المنذر بن حسان هو الذي قتل مهران الملك يوم القادسية -فلما مات المنذر، صارت إلى عيلان بن حرشة بن عهمرو بن ضرار. فلما مات صارت إلى ابنه مكحول بن عيلان١ ... انتهى.
فقوله في الخبر: ثم تحول البيت -يعني الشرف والرياسة- يفهم أن ما في هذا الخبر من قوله: فلما مات؛ صار البيت من هذا المعنى. وذلك يخالف المعنى المقصود بهذه الترجمة، والله أعلم بالصواب.
стр. 586
الباب التاسع والعشرون:
في ذكر من ولي الإجازة بالناس من عرفة ومزدلفة ومنى من العرب في ولاية جرهم وفي ولاية خزاعة وقريش على مكة:
قال ابن إسحاق: وكان الغوث بن مر بن عباد بن طابخة بن إلياس بن مضر يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة، وولده من بعده، وكان يقال له ولولده: صوفة؛ وإنما ولي الغوث بن مر: أن أمه كانت امرأة من جرهم، كانت لا تلد؛ فنذرت لله تعالى إن هي ولدت رجلا أن تصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ويقوم عليها؛ فولدت الغوث، وكان يقوم على الكعبة في الدهر الأول مع أخواله من جرهم، فولي الإجازة بالناس من عرفة، لمكانه الذي كان به من الكعبة، وولده من بعده، حتى انقرضوا، فقال مر بن أد لوفاء نذر أمه١:
إني جعلت رب من بنيه ... ربيطة بمكة العلية
فباركن لي بها إليه ... واجعله لي من صالح البرية
وكان الغوث من مر -زعموا- إذ دفع بالناس يقول:
لاهم إني تابع تباعه ... إن كان إثم فعلى قضاعة
قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: كانت صوفة تدفع بالناس من عرفة، وتجيز لهم إذا نفروا من منى؛ إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار، ورجل من صوفة يرمي للناس، لا يرمون حتى يرمي؛ فكان ذوو الحاجات المستعجلون يأتونه، فيقولون له: قم فارم حتى نرمي معك؛ فيقول: لا والله حتى تميل الشمس، فيظل ذوو الحاجات الذين يحبون التعجيل يرمونه بالحجارة
стр. 587
ويستعجلونه بذلك ويقولون له: ويلك قم فارم، فيأبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس قام فرمي، ورمى الناس معه.
قال ابن إسحاق، فإذا فارغوا من رمي الجمار، وأرادوا النفر من منى أخذت صوفة بجانب العقبة، فحبسوا الناس وقالوا: أجيزي صوفة؛ فلم يجز أحد من الناس حتى يرموا فإذا نفرت صوفة ومضت خلي سبيل الناس، فانطلقوا بعدهم؛ فكانوا كذلك حتى انقرضوا، فورثهم من بعدهم بالعقد: بنو سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانت من بني سعد في آل صفوان بن الحارث بن شحنة.
قال ابن هشام: صفوان هو ابن جناب بن شحنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
قال ابن إسحاق: فكان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم هو الذي قام عليه الإسلام: كرب بن صفوان؛ فقال ابن مغراء السعدي:
لا تبرح الناس ما حجوا معرفهم ... حتى يقال: أجيزوا آل صفوانا
قال ابن هشام: وهذا البيت في قصيدة لأوس بن مغراء، وأما قول ذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن عمرو:
وعذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض
بغى بعضهم ظلما ... فلمك يرع على ببعض
ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض
ومنهم من يجيز النا ... س بالسنة والفرض
ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي
وهذه الأبيات في قصيدة له؛ لأن الإفاضة من المزدلفة كانت في عدوان، فيما حدثني زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق، يتوارثون ذلك كابرًا عن كابر، حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام: أبو سيارة، عملية بن الأعزل، فقيه يقول شاعر العرب:
نحن دفعنا عن أبي سيارة ... وعن مواليه بني فزارة
حتى أجاز سالما حماره ... مستقبل القبلة يدعو جارة
وكان أبو سيارة يدفع بالناس على أتان؛ فلذلك يقول: سالما حماره ... انتهى.
وذكر الزبير بن بكار خبر الإجازة من المزدلفة، وأفاد في ذلك ما لم يفده ابن إسحاق فاقتضى ذلك ذكرنا له. قال بعد أن ذكر خبر الإجازة من عرفة: قال أبو عبيدة: والثانية الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى؛ فكان ذلك إلى بين زيد بن عدوان بن
стр. 588
عمرو بن قيس بن غيلان؛ فكان آخر من ولي ذلك منهم: أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن سعد الحارث، فكان إذا أراد أن يفيض بالناس غداة جمع قال: الجلعد، يا صاحب الحمار الأسود، على ما تحسد، مهلا صاحب الأتون الجلعد، اللهم أكف أبا سيارة الحسد، ثم يفيض بالناس، فقال قائل:
نحن دفعنا عن أبي سيارة ... وعن مواليه بني فزارة
حتى أفاض محرما حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره
وكان يقال: أصح من حمار أبي سياره.
قال أبو الحسن الأثرم: قال أبو عبيد: أظنه كان سمينا.
وقال: قال محمد بن الحسن: عاش حمار أبي سيارة أربعين سنة، لا يصيبه فيها مرض؛ فيقال: أصح من غير أبي سيارة ... انتهى.
وذكر الزبير بن بكار فيما نقل عنه الفاكهي ما يستغرب في نسب أبي سيارة، وفي انتقال الإجازة من صوفة إلى عدوان؛ لأنه قال: فأما الزبير بن أبي بكر قال: فلم تزل الإجازة إلى عقب صوفة حتى أخذتها عدوان؛ فلم تزل في عدوان حتى أخذتها قريش، ثم كان الحج مختلفا؛ فكانت قريش تدفع بمن معها من المزدلفة، وكان أبو سيارة يدفع بقيس من عرفة، وأبو سيارة من بني عبد بن معيص بن عامر بن لؤي، وقيس أخواله ... انتهى.
وإنما كان هذا مستغربا لأنه يقتضي أن أبا سيارة من قريش، والمعروف أنه من عدوان كما ذكر الزبير -فيما سبق- وغيره من أهل الأخبار، ولأنه يفهم أن الإجازة صارت من صوفة إلى عدوان، والمعروف أن صوفة لم يزالوا يجيزون بالناس من عرفة حتى جاء الإسلام، وأن آخر من أجاز منهم: كرب بن صفوان، على ما ذكر ابن إسحاق وغيره.
وأما ما في هذا الخبر من أن قريشا أخذت من عدوان الإجازة؛ فكأنه أشار بذلك إلى ما وقع لقضي من أخذ ذلك من عدوان وصوفة، ثم ترك ذلك قصي لأنه كان يراه دنيئا.
وذكر الفاكهي من خبر أبي سيارة، وخبر الإفاضة من عرفة ومزدلفة غير ما سبق، فاقتضي ذلك ذكره؛ لأنه قال: وحدثني أحمد بن سليمان، قال: حدثنا زيد بن مبارك، قال: حدثني أبو ثور، عن ابن جريج، قال: قال مولى ابن عباس ﵄: وكانت الحمس من عدوان، قال: وكانوا يقومون بالمزدلفة حتى يدفعوا هم، ومن يعرف
стр. 589
بعرفة من المزدلفة غداة جمع، وكان يدفع بهم أبو سيارة على حمار له عري، وكان يقول: أشرق ثبير لكي نغير وإذا أراد أن يدفع قال:
يا رب البعير الأسود ... على ما يحسد فهل أنت تحسد
على دمول جعلد ... ورثها أبي وجدي
ففي ذلك أنزل: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
وقال أيضا: وحدثنا حسن بن الحسين الأزدي، عن أبي عبد الله بن الأعرابي، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه نحوا من الأحاديث الأولى، وزاد فيه: فكان كرب بن صفوان بن شحنة بن عطارد يأخذ بالطريق؛ فلا يفيض أحد من عرفات حتى تغيب الشمس، وكان يلي ذلك منهم -يعني الإجازة- كرب بن صفوان، وكانوا يقفون ولا يعرفون الوقوف بها؛ فيقيمون يفتخرون بآبائهم وبأفعالهم، ويسألون لدنياهم، فأنزل الله : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠] ؛ فإذا غربت الشمس سارع نحو جمع، ويسيرون خلفه، لكل حي مجيز سوى ذلك، حتى يأتوا الحمس في جوف الليل، فيقضوا معهم، وقد أخذ الطريق، لا يخرج أحد قبل طلوع الشمس؛ فإذا أصبحوا قام أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن الحرث العدواني فقال: أشرق ثبير كيما نغير، اللهم إني سالك طريقة قريش فبين لنا يا رب حقنا، ثم يقول: اللهم أصلح بين نسائنا، وبض بين رعائنا، واجعل أموالنا عند سمحائنا. ثم يفيض من مزدلفة إلى منى على فرس له، وإن حمير عرضت لأبي سيارة ذات عام فقالوا: نحن أولى بهذا منك؛ فقال: كذبتم، أنتم في بلدي ونسكي وديني، هذا أمر نحن شرعناه أولا، وبنا اقتدت العرب فيه، وهذا ميراث لنا عن آبائنا، والحرمة حرمتنا؛ فأبوا عليه، وتعلقوا بلجامه؛ فقال: يا آل قيس؛ فلم يكن بها كثيرا أحد من قيس يقيم، فقال: يا آل مضر، فطار إليه بنو أسد بن خزيمة وبنو كنانة واستنقذوه. ثم قالوا: والله لا يجيز بهم إلا على حمار؛ فإنهم قد استنبطوا من الخيل، فحملوه على حمار، ثم زفرا حوله قليلا قليلا، وهم يقولون:
نحن دفعنا عن أبي سيارة ... وعن مواليه بني فزرة
حتى أجاز سالما حماره ... مستقبل الكعبة يدعو جاره
وقد قال ذو الأصبع العدواني: ومنهم من يجيز الحج بالسنة والفرض.
فإذا أتى الناس منى، قام فيهم رجل يقال له: صوفة كان على صدقة الكعبة، وكان الذي يجيز بهم من صوفة: ثور بن أصفر؛ فإذا أجاز الناس في الأبطح اجتمعت كندة إلى بكر بن وائل، فأجازوا بهم حتى يبلغوا البيت، وقد قال الشاعر:
وكندة إذ ترمي الجمار عشية ... يجيز بها حجاج بكر بن وائل
стр. 590
قال: فلم يزل أبو سيارة يجيز بالناس حتى أتاهم قصي بن كلاب١ ... انتهى.
قوله في هذا الخبر: "فإذا أجاز الناس في الأبطخ اجتمعت كندة إلى بكر بن وائل؛ فأجازوا بهم حتى يبلغوا البيت" فهذه الإجازة لم أرها مذكورة في غير هذا الخبر، وكذلك ما فيه من أن أنسا العدواني، كان يقول مع أبي سيارة: أشرق ثبير كيما نغير، وكذلك قصة أبي سيارة مع حمير، وغير ذلك من الأمور التي لم أرها في غيره من الأمور التي لا يبعد أن تكون وقعت.
وأما قوله فيه: "فلم يزل أبو سيارة يجيز بالناس حتى أتاهم قضي"؛ ففي صحته نظر؛ لأن أبا سيارة قام الإسلام وهو يجيز بالناس من المزدلفة، على ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل الأخبار: وبين قيام الإسلام وعهد قصي دهر طويل.
وقد ذكر الفاكهي -أيضا- خبرا يخالف ذلك؛ لأنه قال: حدثنا الحسن بن عثمان، عن الواقدي، قال: وحدثني عمران بن أبي أنس، عن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن حويطب بن عبد العزي قال: رأيت أبا سيارة يدفع بالناس من جمع على أتان له عقوق١ ... انتهى.
وجمع هي المزدلفة، ووجه مخالفة ذلك لما سبق: أن حويطب بن عبد العزي من مسلمة الفتح، ويبلغ عمره مائة وعشرين سنة؛ ستون في الإسلام، وستون في الجاهلية، ورؤيته له كانت قبل إسلامه؛ وذلك يقتضي تأخر أبي سيارة إلى قرب الإسلام.
وقد ذكر السهيلي فيما يتعلق بأبي سيارة ما لم أره لغيره؛ لأنه قال بعد أن ذكر ما ذكره ابن إسحاق في اسم أبي سيارة، وقال غيره: اسمه العاصي، قاله الخطابي، واسم الأعزل: خالد، ذكره الأصبهاني، قال: فكانت له أتان عوراء، خطامها ليف. ثم قال وهو أول من جعل الدية مائة من الإبل، فيما ذكر أبو اليقظان، حكاه عنه حمزة بن الحسن الأصبهاني، قال: وهو الذي يقول:
لاهم إني تابع تباعة٢
وفيما ذكره السهيلي من أن أبا سيارة هو القائل:
لاهم إني تابع تباعه
نظر لمخالفته ما ذكره ابن إسحاق؛ فإنه ذكر أن قائل ذلك هو الغوث بن مر، وقد سبق ذلك.
стр. 591
ومن الغريب أن السهيلي ذكر ما يقتضي أن القائل ذلك هو الغوث بن مر؛ لأنه قال: "فصل" وذكر قصة الغوث بن مر، ودفعه بالناس من عرفة، وقال بعض نقلة الأخبار: إن ولاية الغوث بن مر كانت من قبل ملوك كندة.
وقوله: إن كان إنما فعلى فضاعة؛ إنما خص قضاعة بهذا؛ لأن منهم محلين يستحلون الأشهر الحرم، كما كانت خثعم وطيء تفعل، وكذلك كانت النسأة١ ذا حرمت صفرا أو غيره من الأشهر، بدلا من الشهر الحرام، يقول قائلهم: قد حرمت عليكم الدماء إلا ماء المحلين٢ ... انتهى.
فاستفدنا من ذلك فوائد: منها: موافقة السهيلي على أن القائل:
لاهم إني تابع تباعه
هو الغوث؛ لأن البيت الذي أفاد فيه السهيلي معنى تخصيص قضاعة بالذكر، قائله هو القائل:
لاهم إني تابع تباعة
ومنها: كون ولاية الغوث بن مر للإجازة بالناس كانت من قبل ملوك كندة ... انتهى.
قال السهيلي: قوله:
عن مواليه بني فزارة
يعني بمواليه بني عمه؛ لأنه من عدوان، وعدوان وفزارة من قيس عيلان، وقوله:
مستقبل القبلة يدعو جاره
أي يدعو الله يقول: اللهم كن لنا جارا ممن نخافه.
وذكر السهيلي أيضا فيما يتعلق بما ذكره ابن إسحاق من خبر عدوان وصوفة فوائد حسن ذكرها.
فمما ذكره فيما يتعلق بعدوان قوله: وأما ذو الإصبع -يعني الذي ذكره ابن إسحاق- فهو حرثان بن عمرو، ويقال: حرثان بن الحارث بن محرث بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب، وظرب: هو والد عامر بن الظرب الذي كان حكم العرب، ثم قال: وكذلك كان ذو الإصبع؛ حكما في زمانه، وعمره ثلاثمائة سنة، وسمي ذو الإصبع لأن حية نهسته في إصبعه، وجدهم ظرب: هو ابن عمرو بن عياد بن يشكر بن بكر بن
стр. 592
عدوان، واسم عدوان: تيم، وأمه: جديلة بنت أد بن طابخة، وكانوا أهل الطائف، فكثر عددهم فيها، حتى بلغوا بها سبعين ألفا، ثم هلكوا، بغى بعضهم على بعض.
وكان ثقيف، وقيل: هي أخت عامر.
ثم قال: فلما هلكت عدوان وأخرجت بقيتهم ثقيف من الطائف، صارت الطائف بأثرها لثقيف إلى الآن.
وقوله: "حية الأرض؛ يقال: فلان حية الأرض، وحية الوادي، إذا كان مهيبا يذعر١ منه ثم قال: وقوله:
عذير الحي من عدوان
نصب عذيرا على الفعل المتروك إظهاره؛ كأنه يقول: هاتوا عذيره أي من يعذره؛ فيكون العذير بمعنى العاذر، ويكون أيضا بمعنى العذر مصدرا كالحديث ونحوه٢.
وقال السهيلي فيما يتعلق بصوفان قال: -يعني الزبير بن بكار-: قال أبو عبيدة: وصوفة وصوفان يقال لكل من ولي البيت من غير أهله، أو قام بشيء من خدمة البيت، أو بشيء من أمر المناسك يقال لهم: صوفة وصوفان.
قال أبو عبيدة: لأنهم بمنزلة الصوف، فيهم القصير والطويل، والأسود والأحرم، ليسوا من قبيلة، واحدة.
وذكر أبو عبد الله -يعني الزبير- أنه حدثه أبو الحسن الأثرم، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: إنما سمي الغوث بن مر: صوفة؛ لأنه كان لا يعيش لأمه ولد؛ فنذرت لئن عاش لتعلقن برأسه صوفة؛ ولتجعلنه ربيطا للكعبة، ففعلت، فقيل له: صوفة، ولولده من بعده؛ وهو الربيط.
وحدث إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران قال: أخبرني عقال بن شبة قال: قالت أم تميم بن مر: وولدت نسوة، فقالت: لله علي نذر، لئن ولدت غلاما لأعبدنه للبيت، وذوي واسترخى؛ فقالت: ما صار ابني إلا صوفة، فسمي صوفة٢ ... انتهى.
ورأيت فيما نقله الفاكهي عن الزبير بن بكار ما ذكره الزبير في تسميته صوفة عن أبي عبيدة، وعن إبراهيم بن المنذر.
стр. 593
وذكر الأزرقي في خبر صوفة ما يستغرب؛ لأنه قال في باب حج الجاهلية وإنساء الشهور بعد أن ذكر خبرا طويلا، رواه عن جده، عن سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن إسحاق، عن الكلبي قال: قال -يعني الكلبي: وكانت الإفاضة في الجاهلية إلى صوفة؛ وصوفة رجل يقال له: أحزم بن العاص بن عمرو بن مازن بن الأسد، وكان أحزم قد تصدق بابن له على الكعبة يخدعها، فجعل عمرو بن مازن بن الأسد، وكان أحزم قد تصدق بابن له على الكعبة يخدمها؛ فجعل إليه حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعي الإفاضة بالناس على الموقف، وحبشية يومئذ يلي حجابة الكعبة وأمر مكة، يصرف الناس على الموقف، فيقول حبشية: أجيزي صوفة، فيقول الصوفي: أجيزوا أيها الناس، فيجوزوه.
ويقال إن امرأة أحزم بن العاص بن عمرو بن مازن بن الأزد١ كانت عاقرا فنذرت إن ولدت غلاما أن تتصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها، ويقوم عليها؛ فولدت ابن٢ أخزم الغوث، فتصدقت به عليها، فكان يخدمها في الدهر الأول مع أخواله من جرهم، فولي الإجازة بالناس لمكانه من الكعبة، وقالت أمه حين أتمت نذرها، وخدم الغوث بن أخزم الكعبة:
إني جعلت من بنيه ... ربيطة بمكة العلية
فاقبل اللهم لا تباعه ... إن كان إثم فعلى قضاعة٣
فولي الغوث بن أخزم الإجازة من عرفة وولده من بعده في زمن جرهم وخزاعة حتى انقرضوا، ثم صارت الإفاضة في عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر في زمن قريش في عهد قصي، وكانت من عدوان في آل زيد بن عدوان يتوارثونه، حتى كان الذي قام عليه الإسلام: أبو سيارة العدواني، وهو عمير الأعزل بن خالد بن سعيد بن الحارث بن زيد بن عدوان٤ ... انتهى.
стр. 594
والمستغرب في هذا الخبر أمور: منها ما يقتضي أن صوفة من قحطان؛ لأن مازن المذكور في نسب أخزم المشار إليه، هو جماع غسان الأزد، ويقال فيه الأسد بالسين مهملة، كما وقع في الخبر أيضا.
واسم الأسد: دارن، ويقال: داغر بن الغوي بن نبت بن مالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان؛ هكذا نسبه الحازمي في "العجالة"، ورأيته هكذا منسوبا في السيرة لابن إسحاق؛ تهذيب ابن هشام١، إلا أني لم أر فيها ذكر أدد بن مالك، وزيد بن كهلان.
والمعروف في صوفة أنه من مضر، كما ذكر ابن إسحاق وغيره، وذكر الفاكهي في ذلك حديثا رواه بسنده إلى عائشة ﵂ لأنه قال: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمر الفهري، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الإيامي، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة ﵁ قالت: وقد كان في بعض ولد مضر بن نزار من ولد إسماعيل، خلال أربع لا ينكرها العرب، ولا يدفعونهم عنها، يعدون فيها في ولاية جرهم، الإجازة للناس بالحج مضر بن نزار وولده من بعده.
ويقال للغوث وولده من بعده: إن لهم صوفا؛ فقالت: أجيزوا صوفة ليجيز بإرادتها ... انتهى.
وقال الفاكهي: حدثنا الحسن بن عثمان، عن الواقدي، قال: حدثني ربيعة بن عثمان قال: سألت الزهري: هل كان الإجازة من عرفة أو من جمع عند جمرة العقبة في أحد من اليمن في الجاهلية؟ فقال: لا، هذا لا يعرف، إن الصبيان ليعلمون أنه إنما كان في مضر.
قال الواقدي: وسألت عبد الله بن جعفر الزهري، هل سمعت أن الإجازة في شيء من المشاعر في الجاهلية كانت في كنانة؟ فقال: لا٢ ... انتهى.
ومنها: أنه يفهم أن ابتداء أمر إجازة صوفة بالناس كانت في زمن ولاية خزانة خبر صوفة٣، وهو مقتضى ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل الأخبار.
стр. 595
ومنها: أنه يفهم أن القائل:
لاهم إني تابع تباعه ... إن كان إثم فعلى قضاعه
أم الغوث، والمعروف أن قائل ذلك الغوث، كما سبق بيانه.
ومنها: أنه يفهم أن الإجازة انتقلت من صوفة بعد انقراضهم إلى عدوان، وفي ذلك نظر سبق بيانه؛ ومما يدل لعدم صحة ذلك ما ذكره الفاكهي عن الواقدي.
قال الواقدي: وسألت ربيعة بن عثمان التيمي، وعبد الله بن جعفر، عن آخر المشركين دفع بالناس من عرفة والمزدلفة، وأنسا بمنى؛ فقال ربيعة: آخرهم كرب، وقال عبد الله بن جعفر: دفع بهم سنة ثمان، وأنسا أبو ثماثمة بمنى ... انتهى.
وكرب المشار إليه هو: كرب بن صفوان، على ما ذكر ابن إسحاق في السيرة، وهو من آل صفوان بن الحارث، ويقال: ابن الحباب بن شحنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، الذين ورثوا الإجازة بالناس من عرفة من بني الغوث بن مر، بالعقد على ما ذكر ابن إسحاق، وقد بين السهيلي وجه ذلك؛ لأنه قال: وذلك أن سعدا هو ابن زيد مناة بن تميم بن مر، وكان سعد أقعد بالغوث بن مر من غيره من العرب١ ... انتهى.
стр. 596
الباب الثلاثون
في ذكر من ولي إنساء الشهور من العرب بمكة
...
الباب الثلاثون:
في ذكره من ولي إنساء الشهور من العرب بمكة:
قال الأزرقي: فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن إسحاق، عن الكلبي، فيما رواه عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن ابن عباس ﵁ فذكر شيئا من خبر الحلة والحمس، ثم قال ابن إسحاق: قال الكلبي: فكان أول من أنسا الشهور من مضر: مالك بن كنانة؛ وذلك أن مالك بن كنانة نكح إلى معاوية بن ثور الكندي، وهو يومئذ في كندة، وكانت النساءة قبل ذلك في كندة؛ لأنهم كانوا قبل ذلك ملوك العرب من ربيعة ومضر، وكانت كندة من أرداف، المقاول فنسا ثعلبة بن مالك، ثم نسأ بعده الحارث بن مالك بن كنانة، وهو القلمس، ثم نسأ بعد القلمس ابنه مرة بن القلمس، ثم كانت النساءة في بني فقيم من بني ثعلبة، حتى جاء الإسلام.
وكان آخر من نسأ منهم: أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد بن فقيم، وهو الذي جاء في زمن عمر بن الخطاب ﵁ إلى الركن الأسود؛ فلما رأى الناس يزدحمون عليه، قال: أيها الناس أنا له جار فأخروا، فخفقه عمر ﵁ بالدرة، ثم قال: أيها الجلف الجافي قد أذهب الله تعالى عزك بالإسلام. فكل هؤلاء قد نسأ في الجاهلية١ ... انتهى.
وكلام ابن إسحاق في سيرته، تهذيب ابن هشام، يقتضي أن أول من أنسأ الشهور غير مالك بن كنانة؛ لأنه قال: كان أول من أنسأ الشهور على العرب فأحل منها ما أحل، وحرم منها ما حرم: القلمس؛ وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة، ثم قام بعده على ذلك: ابنه عباد بن
стр. 597
حذيفة، ثم قام بعد عباد قلع بن عباد، ثم قام من بعد قلع: أمية بن قلع، ثم قام بعد أمية: عوف بن أمية، ثم قام بعد عوف بن أمية: أبو ثمامة؛ جنادة بن عوف، وكان آخرهم وعليه قام الإسلام١ ... انتهى.
وذكر الفاكهي ما يقتضي: أن أول من أنسأ غير مالك بن كنانة وغير القلمس؛ لأنه قال: بعد أن روي خبرا في المعنى عن محمد بن السائب الكلبي -ويقال: إن أول من أنسا الشهور: عدي بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم كان بعد عدي: حذيفة بن عبد فقيم، ثم كان بعده عباد بن حذيفة، كان قلع بن عباد، ثم كان أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن عوف، وقد أدركه الإسلام فيما يقال، وكان أبعدهم ذكرا وأطولهم أمدا، يقال: إنه أنسا أربعين سنة -والله أعلم- أكان ذلك- أم لا، أم أقل، أم أكثر؟ ... انتهى.
فهذه ثلاثة أقوال في أول من أنسأ الشهور٢ والله أعلم بالصواب.
стр. 598
ذكر صفة الإنساء
...
ذكره صفة الإنساء:
روينا عن الأزرقي بسنده إلى ابن إسحاق عن الكلبي في الخبر الذي فيه ما سبق ذكره في أول من أنسأ الشهور، قال: والذي ينسأ لهم إذا أرادوا ألا يحلوا المحرم، قاموا بفناء الكعبة يوم الصدر؛ فقال: أيها الناس، لا تحلوا حرماتكم، وعظموا شعائركم، فإني أجاب ولا أعاب١ لقول قلته؛ فهنالك يحرمون المحرم ذلك العام.
وكان أهل الجاهلية يسمون المحرم: صفرا الأول، وصفرا: صفرا٢ الآخر، ويقولون: صفران، وشهرا ربيع، وجمالديان، ورجب وشعبان ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فكان ينسأ الإنسان سنة، ويترك سنة، ليحلوا الشهور المحرمة، ويحرموا الشهور التي ليست بمحرمة، وكان ذلك من فعل إبليس، ألقاه على ألسنتهم، فرأوه حسنا.
فإذا كانت السنة التي ينسأ فيها، يقوم ليخطب بفناء الكعبة، ويجتمع الناس إليه يوم الصدر؛ فيقول: أيها الناس قد أنسأت العام صفر الأول -يعني المحرم- فيطرحونه من الشهور، ولا يعتدون به، ويبتدئون العدة فيقولون: لصفر وشهر ربيع الأول: صفران، ويقولون لشهر ربيع الآخر ولجمادى الأولى: شهرا ربيع، ويقولون لجمادى الآخر
стр. 599
ورجب: جمادين. ويقولن لشعبان: رجب، ولشهر رمضان: شعبان، ويقولون لشوال: رمضان، ولذي القعدة شوال، ولذي الحجة: ذو القعدة، ولصفر الأول -وهو المحرم الشهر الذي أنسأه- ذو الحجة، فيحجون تلك السنة في المحرم، ويبطل من هذه السنة شهرا ينسئه.
ثم يخطبهم في السنة الثانية في وجه الكعبة أيضا، فيقول: أيها الناس لا تحلوا حرماتكم، وعظموا شعائركم، فإني أجاب ولا أعاب، ولا يعاد لي قول قلته١. اللهم إني قد أحللت دماء المحلين: طيء وخثعم في الأشهر الحرم.
وإنما أحل دماءهم لأنهم كانوا يعدون على الناس في الأشهر الحرم من بين العرب، فيعزونهم ويطلبون بثأرهم ولا يعفون عن حرمات الأشهر الحرم كما يفعل غيرهم من العرب، وكان سائر العرب من الحلة والحمس لا يعدون في الأشهر الحرم على أحد، ولو لقي أحدهم قاتل أبيه أو أخيه، ولا يستاقون مالا إعظاما للشهور الحرم، إلا خثعم وطيء فإنهم كانوا يغزون في الأشهر الحرم، فهنالك يحرمون من تلك السنة الشهر المحرم، وهو: صفر الأول، ثم يعدون الشهور على عدتهم التي عدوها في العام الأول، فيحجون في كل شهر حجتين.
ثم ينسأ في السنة الثانية، فينسأ صفر الأول في عدتهم هذه، وهو: الصفر الآخر في العدة المستقيمة؛ حتى تكون حجتهم في صفر أيضا٢، وكذلك الشهور كلها، حتى يستدير الحج في كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم الذي ابتدأوا منه الإنساء، ويحجون في الشهور كلها في كل شهر حجتين؛ فلما جاء الله بالإسلام أنزل الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] الآية ... انتهى باختصار٣.
وقال السهيلي: وأما نسأهم الشهر الحرام؛ فكان على ضربين، أحدهما: ما ذكره ابن إسحاق من تأخير شهر المحرم إلى صفر، لحاجتهم إلى شن الغارات وطلب الثارات.
والثاني: تأخيرهم الحج عن وقته تحريا منهم للسنة الشمسية؛ فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يوما، أو أكثر قليلا، حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته، ولذلك قال ﵊: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" ٤.
وكانت حجة الوداع في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته، ولم يحج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة غير تلك الحجة التي تسمي حجة الوداع؛ وذلك لإخراج الكفار الحج عن وقته، ولطوافهم بالبيت عراة، والله أعلم؛ إذ كانت مكة بحكمهم حتى فتحها الله على نبيه ... انتهى٥.
стр. 600
ذكر الحمس والحلة
...
ذكر الحمس ١ والحلة ٢:
قد ذكر خبرهم غير واحد من أهل الأخبار، منهم الزبير بن بكار؛ لأنه قال: وحدثني إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران قال: الحمس: قريش، وكنانة، وكلاب وعامر، ولدتهم مجد بنت تيم بن غالب، وكانوا حمسا؛ وإنما سمي الحمس بالكعبة، لأنها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد.
قال: وكانت لهم سيرة، وكانوا لا يأتقطون إقطا، ولا يسلون سمنا٣، ولا يبيعون جرارا، ولا يقفون إلا بالمزدلفة، ولا يطوفون بالبيت عراة، ولا يسكنون في بيوت الشعر.
وقال غيره: كانوا يعظمون الشهور الحرم، ويتعاطون الحقوق، ويزعون عن المظالم، وينصفون المظلوم.
وحدثني محمد بن فضالة، عن مبشر بن حفص، عن مجاهد قال: الحمس: قريش، وبنو عامر بن صعصعة، وثقيف، وخزاعة، ومدلج، وعدوان، والحارث بن عبد مناة، وعضل أتباع قريش، وسائر العرب الحلة.
وحدثني محمد بن حسن، عن محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد، عن أبيه، قال: لم يكن التحمس بحلف؛ ولكنه دين شرعته قريش واجتمعوا عليه.
وكانت الحلة لا تطوف في حجها إلا في ثياب جدد، أو ثياب أهل الله، سكان الحرم، ويكرهون أن يطوفون في ثياب عملت فيها المعاصي؛ فمن لم يجد طاف عريانا، ومن طاف من الحلة في ثيابه ألقاها إذا فرغ، فلم ينتفع بهغا ولا غيره حتى تبلى.
قال: وكانت الحمس تطوف في ثيابها، وكانت الحلة تخرج إلى عرفات وتراها موقفا ومنسكا، وكان موقفها بالعشي دون الأنصاب، ومن آخر الليل مع الناس يقزح،