الباب الثلاثون
في ذكر من ولي إنساء الشهور من العرب بمكة
...
الباب الثلاثون:
في ذكره من ولي إنساء الشهور من العرب بمكة:
قال الأزرقي: فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن إسحاق، عن الكلبي، فيما رواه عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن ابن عباس ﵁ فذكر شيئا من خبر الحلة والحمس، ثم قال ابن إسحاق: قال الكلبي: فكان أول من أنسا الشهور من مضر: مالك بن كنانة؛ وذلك أن مالك بن كنانة نكح إلى معاوية بن ثور الكندي، وهو يومئذ في كندة، وكانت النساءة قبل ذلك في كندة؛ لأنهم كانوا قبل ذلك ملوك العرب من ربيعة ومضر، وكانت كندة من أرداف، المقاول فنسا ثعلبة بن مالك، ثم نسأ بعده الحارث بن مالك بن كنانة، وهو القلمس، ثم نسأ بعد القلمس ابنه مرة بن القلمس، ثم كانت النساءة في بني فقيم من بني ثعلبة، حتى جاء الإسلام.
وكان آخر من نسأ منهم: أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد بن فقيم، وهو الذي جاء في زمن عمر بن الخطاب ﵁ إلى الركن الأسود؛ فلما رأى الناس يزدحمون عليه، قال: أيها الناس أنا له جار فأخروا، فخفقه عمر ﵁ بالدرة، ثم قال: أيها الجلف الجافي قد أذهب الله تعالى عزك بالإسلام. فكل هؤلاء قد نسأ في الجاهلية١ ... انتهى.
وكلام ابن إسحاق في سيرته، تهذيب ابن هشام، يقتضي أن أول من أنسأ الشهور غير مالك بن كنانة؛ لأنه قال: كان أول من أنسأ الشهور على العرب فأحل منها ما أحل، وحرم منها ما حرم: القلمس؛ وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة، ثم قام بعده على ذلك: ابنه عباد بن
стр. 597
حذيفة، ثم قام بعد عباد قلع بن عباد، ثم قام من بعد قلع: أمية بن قلع، ثم قام بعد أمية: عوف بن أمية، ثم قام بعد عوف بن أمية: أبو ثمامة؛ جنادة بن عوف، وكان آخرهم وعليه قام الإسلام١ ... انتهى.
وذكر الفاكهي ما يقتضي: أن أول من أنسأ غير مالك بن كنانة وغير القلمس؛ لأنه قال: بعد أن روي خبرا في المعنى عن محمد بن السائب الكلبي -ويقال: إن أول من أنسا الشهور: عدي بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم كان بعد عدي: حذيفة بن عبد فقيم، ثم كان بعده عباد بن حذيفة، كان قلع بن عباد، ثم كان أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن عوف، وقد أدركه الإسلام فيما يقال، وكان أبعدهم ذكرا وأطولهم أمدا، يقال: إنه أنسا أربعين سنة -والله أعلم- أكان ذلك- أم لا، أم أقل، أم أكثر؟ ... انتهى.
فهذه ثلاثة أقوال في أول من أنسأ الشهور٢ والله أعلم بالصواب.
стр. 598
ذكر صفة الإنساء
...
ذكره صفة الإنساء:
روينا عن الأزرقي بسنده إلى ابن إسحاق عن الكلبي في الخبر الذي فيه ما سبق ذكره في أول من أنسأ الشهور، قال: والذي ينسأ لهم إذا أرادوا ألا يحلوا المحرم، قاموا بفناء الكعبة يوم الصدر؛ فقال: أيها الناس، لا تحلوا حرماتكم، وعظموا شعائركم، فإني أجاب ولا أعاب١ لقول قلته؛ فهنالك يحرمون المحرم ذلك العام.
وكان أهل الجاهلية يسمون المحرم: صفرا الأول، وصفرا: صفرا٢ الآخر، ويقولون: صفران، وشهرا ربيع، وجمالديان، ورجب وشعبان ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فكان ينسأ الإنسان سنة، ويترك سنة، ليحلوا الشهور المحرمة، ويحرموا الشهور التي ليست بمحرمة، وكان ذلك من فعل إبليس، ألقاه على ألسنتهم، فرأوه حسنا.
فإذا كانت السنة التي ينسأ فيها، يقوم ليخطب بفناء الكعبة، ويجتمع الناس إليه يوم الصدر؛ فيقول: أيها الناس قد أنسأت العام صفر الأول -يعني المحرم- فيطرحونه من الشهور، ولا يعتدون به، ويبتدئون العدة فيقولون: لصفر وشهر ربيع الأول: صفران، ويقولون لشهر ربيع الآخر ولجمادى الأولى: شهرا ربيع، ويقولون لجمادى الآخر
стр. 599
ورجب: جمادين. ويقولن لشعبان: رجب، ولشهر رمضان: شعبان، ويقولون لشوال: رمضان، ولذي القعدة شوال، ولذي الحجة: ذو القعدة، ولصفر الأول -وهو المحرم الشهر الذي أنسأه- ذو الحجة، فيحجون تلك السنة في المحرم، ويبطل من هذه السنة شهرا ينسئه.
ثم يخطبهم في السنة الثانية في وجه الكعبة أيضا، فيقول: أيها الناس لا تحلوا حرماتكم، وعظموا شعائركم، فإني أجاب ولا أعاب، ولا يعاد لي قول قلته١. اللهم إني قد أحللت دماء المحلين: طيء وخثعم في الأشهر الحرم.
وإنما أحل دماءهم لأنهم كانوا يعدون على الناس في الأشهر الحرم من بين العرب، فيعزونهم ويطلبون بثأرهم ولا يعفون عن حرمات الأشهر الحرم كما يفعل غيرهم من العرب، وكان سائر العرب من الحلة والحمس لا يعدون في الأشهر الحرم على أحد، ولو لقي أحدهم قاتل أبيه أو أخيه، ولا يستاقون مالا إعظاما للشهور الحرم، إلا خثعم وطيء فإنهم كانوا يغزون في الأشهر الحرم، فهنالك يحرمون من تلك السنة الشهر المحرم، وهو: صفر الأول، ثم يعدون الشهور على عدتهم التي عدوها في العام الأول، فيحجون في كل شهر حجتين.
ثم ينسأ في السنة الثانية، فينسأ صفر الأول في عدتهم هذه، وهو: الصفر الآخر في العدة المستقيمة؛ حتى تكون حجتهم في صفر أيضا٢، وكذلك الشهور كلها، حتى يستدير الحج في كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم الذي ابتدأوا منه الإنساء، ويحجون في الشهور كلها في كل شهر حجتين؛ فلما جاء الله بالإسلام أنزل الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] الآية ... انتهى باختصار٣.
وقال السهيلي: وأما نسأهم الشهر الحرام؛ فكان على ضربين، أحدهما: ما ذكره ابن إسحاق من تأخير شهر المحرم إلى صفر، لحاجتهم إلى شن الغارات وطلب الثارات.
والثاني: تأخيرهم الحج عن وقته تحريا منهم للسنة الشمسية؛ فكانوا يؤخرونه في كل عام أحد عشر يوما، أو أكثر قليلا، حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته، ولذلك قال ﵊: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض" ٤.
وكانت حجة الوداع في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته، ولم يحج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة غير تلك الحجة التي تسمي حجة الوداع؛ وذلك لإخراج الكفار الحج عن وقته، ولطوافهم بالبيت عراة، والله أعلم؛ إذ كانت مكة بحكمهم حتى فتحها الله على نبيه ... انتهى٥.
стр. 600
ذكر الحمس والحلة
...
ذكر الحمس ١ والحلة ٢:
قد ذكر خبرهم غير واحد من أهل الأخبار، منهم الزبير بن بكار؛ لأنه قال: وحدثني إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران قال: الحمس: قريش، وكنانة، وكلاب وعامر، ولدتهم مجد بنت تيم بن غالب، وكانوا حمسا؛ وإنما سمي الحمس بالكعبة، لأنها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد.
قال: وكانت لهم سيرة، وكانوا لا يأتقطون إقطا، ولا يسلون سمنا٣، ولا يبيعون جرارا، ولا يقفون إلا بالمزدلفة، ولا يطوفون بالبيت عراة، ولا يسكنون في بيوت الشعر.
وقال غيره: كانوا يعظمون الشهور الحرم، ويتعاطون الحقوق، ويزعون عن المظالم، وينصفون المظلوم.
وحدثني محمد بن فضالة، عن مبشر بن حفص، عن مجاهد قال: الحمس: قريش، وبنو عامر بن صعصعة، وثقيف، وخزاعة، ومدلج، وعدوان، والحارث بن عبد مناة، وعضل أتباع قريش، وسائر العرب الحلة.
وحدثني محمد بن حسن، عن محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد، عن أبيه، قال: لم يكن التحمس بحلف؛ ولكنه دين شرعته قريش واجتمعوا عليه.
وكانت الحلة لا تطوف في حجها إلا في ثياب جدد، أو ثياب أهل الله، سكان الحرم، ويكرهون أن يطوفون في ثياب عملت فيها المعاصي؛ فمن لم يجد طاف عريانا، ومن طاف من الحلة في ثيابه ألقاها إذا فرغ، فلم ينتفع بهغا ولا غيره حتى تبلى.
قال: وكانت الحمس تطوف في ثيابها، وكانت الحلة تخرج إلى عرفات وتراها موقفا ومنسكا، وكان موقفها بالعشي دون الأنصاب، ومن آخر الليل مع الناس يقزح،
стр. 601
وكان بعض أهل الحلة لا يرى الصفا والمروة١، وبعضهم يراها، وكان الذين يرونها: خندف، وكان سائر الحلة لا يرونها.
فلما جاء الله بالإسلام أمر الحمس أن يقفوا مع الحلة بعرفة، وأن يفيضوا من حيث أفاض الناس منها مع الحلة، وأمر الحلة أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] ؛ وذلك أن ناسا قالوا: ما كان أهل الجاهلية ممن يطوف بهما، لا يطاف إلا لإساف ونائلة -وكان إساف على الصفا، ونائلة على المروة- فأعلمهم الله أنهما مشعران ... انتهى.
وقد ذكر من العرب في الحمس غير من لم يذكره عبد العزيز بن عمران ومجاهد؛ لأن الأزرقي قال: حدثنا جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن محمد بن إسحاق عن الكلبي، عن أبي صالح -مولى أم هانئ- عن ابن عباس ﵄ قال: كانت العرب على ديني: حلة وحمس؛ فالحمس قريش وكل من ولدت من العرب، وكنانة، وخزاعة، والأوس، والخزرج، وخثعم، وبنو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأزد شنوءة، وجذم، وزبيد، وبنو ذكوان من بين سليم، وعمرو اللات، وثقيف، وغطفان، والغوث، وعدوان، وعلاف قضاعة٢ ... انتهى.
وغالب المذكورين، في هذا الخير لم يذكروا في الخبرين اللذين ذكرهما الزبير عن عبد العزيز بن عمران، ومجاهدا؛ في بيان الحمس، وهم: الأوس، والخزرج، وجشم، وأزد شنوءة، وجذم، وزبيد، وبنو ذكوان، وغطفان، والغوث، وعلاف قضاعة -وما عرفت علاف قضاعة- وعمرو اللات ومكا عرفته أيضا.
وجشم المشار إليهم في هذا الخير: المنسوبون إلى جشم بن معاوية بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان، أو إلى جشم بن سعد بن زيد إلى جشم بن الخزرج من الأنصار؛ لكون جشم بن الخزرج يدخلون في الخزرج المذكورين في هذا الخبر، والله أعلم.
وليس كل من ذكر فيه ممن لم يذكر في الخبر الذي ذكره عبد العزيز بن عمران ومجاهد في بيان الحمس، يدخل فيمن عد في قريش، ممن ولدته قريش؛ لأن قريشا لم تلد هذه القبائل كلها، والله أعلم.
стр. 602
وفي الخبر الذي ذكره الأزرقي في بيان الحمس، ما يقتضي أن سبب تسميتهم الحمس لشدتهم في دجينهم؛ لأن فيه: وإنما سميت الحمس حمسا للتشديد في دينهم، والأحمسي في لغتهم: المشدد في دينه١ ... انتهى.
وهذا يخالف ما ذكره عبد العزيز بن عمران في تسمية الحمس؛ لأنه قال في الخبر السابق عنه من كتاب الزبير: وإنما سموا الحمس بالكعبة؛ لأنها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد ... انتهى.
وذكره الأزرقي في خبر عن ابن جريج فيه ما يوافق الخبر السابق في سبب تسمية الحمس؛ لأن فيه: والأحمسي: المشدد فيدينه، وهذا الخبر ذكره الأزرقي في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ما جاء في فتح الكعبة، ومن كانوا يفتحونها"، وهي قبل الترجمة٢ التي فيها الخبر السابق في بيان الحمس، وسبب تسميتهم.
وقيل في سبب تسميتهم بالحمس غير ما سبق، وهو: أنهم سموا حمسا لشجاعتهم والحماسة الشجاعة. وذكر هذا الخبر المحب الطبري في "القرى" مع القولين السابقين في سبب تسميتهم في الباب الثامن عشر، من "القرى لقاصد أم القرى"٣، والله أعلم بالصواب، وفي الخبر الذي فيه بيان الحمس من حالهم غير ما ذكره الزبير من حالهم.
стр. 603
ذكر الطلس:
هم طائفة من العرب تطوف بالبيت على صفة تختص بها، ذكرهم السهيلي بعد أن ذكر شيئا من خبر الحمس والحلة؛ لأنه قال: ولم يذكر -يعني ابن إسحاق- الطلس من العرب، وهم صنف ثالث غير الحلة والحمس، وكانوا يأتون من أقصى اليمن طلسا من الغبار؛ فيطوفون بالبيت في تلك الثياب الطلس، فسموا بذلك. ذكره محمد بن حبيب١ ... انتهى.
والطلس: لقب لجماعة من أعيان السلف؛ لكونهم لا شعر في وجوههم، منهم: أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير الأسدي ﵄ وشريح بن الحارث القاضي، قاضي الكوفة ستين سنة أو أزيد.
стр. 604
الباب الحادي والثلاثون:
ذكر نسبهم:
أما نسبهم فاختلف فيه؛ فقيل: إنهم من عدنان، من ولد قمعة بن إلياس بن كنانة، وذكر هذا القول ابن قتيبة فيما نقله عنه القطب الحلبي. ونص كلامه: قال ابن قتيبة: وأما النضر بن مالك، فهو: أبو مالك بن النضر، فهو أبوها كلها١ ... انتهى.
وليس كل خزاعة -على هذه المقالة- من ولد الصلت؛ وإنما بعضهم من ولده؛ لأن ابن إسحاق قال في "سيرته": والذين يعزون إلى الصلت بن النضر بن خزاعة: فبنو مليح بن عمرو، رهط كثير عزة. وأنشد ابن إسحاق في ذلك شعرا، وقيل: أنهم من قحطان. والقول الأول ينسب لنساب مضر؛ لأن ابن إسحاق قال في سيرته: وأما قمعة فيزعم نساب مضر أن خزاعة من ولد عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس ... انتهى.
ونقل ابن عبد البر عن ابن إسحاق قال: وخزاعة قال: نحن بنو عمرو بن عامر من اليمن.
قال ابن هشام: وتقول خزاعة: نحن بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث، وخندف أمنا،
стр. 605
وإنما سميت خزاعة؛ لأنهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر، حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلوا بمر١ الظهران، فأقاموا بها ... انتهى.
وممن ذكر أن خزاعة من قحطان: أبو عبيدة -معمر بن المثنى-؛ لأنه قال فيما نقله عن الزبير بن بكار: فلما لم تتناه جرهم عن بغيهم، وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، لانخزع بنو حارثة بن عمرو بن عهامر، فأوطنوا تهامة٢. وسميت خزاعة، خزاعة كعب، وفتح، وسعد، وعوف وعدي، بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وأسلم وملكان ابنا قصي بن حارثة بنعمرو بن عامر ... انتهى.
وقال ابن الكلبي: عمرو بن لحي هو أبو خزاعة كلها، منه تفرقت، وذكر أن لحيا هو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن النبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وقال ابن الكلبي: فولد عمرو بن ربيعة -يعني عمرو بن لحي- كعبا بطن، وملحا بطن وعهديان بطن، وعوفا، وسعدا، وكل من ولد ربيعة بن حارثة فهم خزاعة؛ وإنما قيل لهم: خزاعة؛ لأنهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر، تخلفوا عنهم وفارقوهم، وكذلك يقال أيضا لبني أقصى بن حارثة؛ لأنهم تخزعوا من ولد مازن بن الأزد في إقبالهم من اليمن، ثم تفرقوا في البلدان، وفي خزاعة بطون كثيرة.
وقال محمد بن عبدة بن سليمان -النسابة-: افترقت خزاعة على أربعة شعوب:
فالشعب الأول: ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر الأشتر بن ربيعة بن حارثة، وهم بنو جفنة، ويقال: جفينة؛ الذين بالشام من غسان.
والشعب الثاني: أسلم بن أقصى.
والشعب الثالث: ملكان.
والشعب الرابع: مالك بن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر.
وقال: وإنما قيل لهم خزاعة: لأنها تخزعت عن عظم الأزد، والانخزاع: التقاعس والتخلف -فأقامت بمر الظهران، بجنبان الحرم، وولوا حجابة البيت دهرا.
وما نقلناه عن أبي عبيدة وابن الكلبي، نقله عنهما ابن عبد البر في كتاب له في الأنساب.
стр. 606
وقد ظهر بذلك، ومما ذكرناه عن أبي عبيدة وابن هشام: أن حزاعة -على القول بأنهم من قحطان- من ولد حارثة بن عمرو بن عامر؛ وذلك يرد ما ذكره السهيلي في "الروض الأنف"١؛ لأنه ذكر في غير موضع من كتابه هذا ما يقتضي أن خزاعة من ولد حارثة بن عامر، لأنه قال: وأسلم إخوة خزاعة، وهو بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ذكر ذلك لما تكلم على الحديث الذي احتج به على أن قحطان من ذلك لقوم من عدنان. وهو قوله ﵇: "ارموا يا بنى إسماعيل، فإن أباكم كان راميا"، حين قال ذلك لقوم من أسلم بن أقصى، رآهم النبي ﷺ يرمون.
قال السهيلي أيضا: لما تكلم عن حديث عمرو بن لحي: وقد تقدم في نسب خزاعة وأسلم أنهما ابنا حارثة بن ثعلبة١ ... انتهى.
وقد وافق السهيلي على ما ذكره في خزاعة صاحب "الاكتفاء" الحافظ أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي.
وقد ذكر ابن حزم في "الجمهرة" ما يخالف ما ذكره السهيلي في ثعلبة؛ لأنه قال لما ذكر أولاد عمرو بن عامر: وثعلبة العيفاء بن عمرو من ولده الأوس والخزرج٢ ... انتهى.
وابن حزم أقعد من السهيلي بالأنساب؛ لأنه ممن يعول عليه فيها، كيف وفي كلام غيره من أئمة النسب ما يقتضي أن جد خزاعة -على القول بأنهم من قحطان- حارثة بن عمرو لا ثعلبة بن عمرو؟
وذكر السهيلي ﵀ وجها في الجمع بين قول من قال: إن خزاعة من مضر، وبين قول من قال: إنهم من قحطان؛ لأنه قال: وقول النبي ﷺ لأسلم: "ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا" وهو معارض بحديث أكثم بن أبي الجون في الظاهر؛ إلا أن بعض النسب ذكر أن عمرو بن لحي كان حارثة قد خلف على أمهم بعد أن تأيمت من قمعة، ولحي صغير، ولحي هو: ربيعة، فتبناه حارثة، وانتسب إليه، فيكون النسب صحيحا بالوجهين جميعا، إلى حارثة بالتبني، وإلى قمعة بالولادة.
وكذلك أسلم بن أقصى بن حارثة، فإنه أخو خزاعة، والقول فيه كالقول في خزاعة، وقيل في أسلم بن أقصى بن حارثة: إنه من بني أبي حارثة بن عامر، لا من بني حارثة ... انتهى.
وهذا الجمع يتجه إن كان المتزوج لأم لحي: حارثة بن عمرو بن عامر، لا حارثة بن ثعلبة بن عمرو، لما سبق في ذلك.
стр. 607
وقد بين ابن حزم نسب خزاعة على القول بأنهم من مضر، وبين الحجة على ذلك؛ فنذكر ما ذكره لما في ذلك من الفائدة.
فأما ما احتج به ابن حزم على أن خزاعة من مضر فهو حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيتب السوائب" ١.
وحديث أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "عمرو بن لحي بن فمعة بن خندف أبو خزاعة"، وقال ابن حزم: ليس هذا مخالفا لما قبله؛ إذ قد ينسبه إلى والده جده نسبة إضافة، كما قال النبي ﷺ : "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" ٢، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار".
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عرضت على النار؛ فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، وهو أول من غير دين إبراهيم ﵇، أشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون"، فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال ﷺ "لا لأنه كافر، وأنت مسلم".
وحديث سلمة بن الأكوع ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم يتناضلون بالسوق، فقال: "ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميا".
وهذه الأحاديث كلها في الصحيحين, وأخرج ابن حزم منها الأول والثاني والخامس من صحيح البخاري، وأخرج الثالث من "صحيح مسلم" بسنده، وأخرج الرابع من طريق الدارقطني عن المحاملي.
وقال ابن حزم: وأما الحديث الأول، والثالث، والرابع؛ ففي غاية الصحة والثبات، وأما الثاني ففيه إسرائيل، ولكن في الأحاديث حجة قاطعة وكفاية، ولا يجوز تعدي القول بما فيها، فخزاعة من ولد قمعة بن إلياس بن مضر بلا شك، وليس لأحد مع مثل هذا الكلام القول بما فيه؛ فخزاعة من ولد قمعة بن إلياس بن مضر؟ وأسلم إخوة خزاعة بلا شك عند أحد من النسابين، وقال: فولد قمعة بن إلياس: عامر بن قمعة، فولد عامر بن قمعة: أقصى وربيعة، وهو: لحي بن٣ عامر بن قمعة، فولد لحي بن عامر بن قمعة: عامر بن لحي، فولد عامر بن لحي: عمرو بن لحي. وهو:
стр. 608
عمرو بن لحي، نسب إلى جده، وهو أول من غير دين إبراهيم١ وإسماعيل ﵉، ودعا العرب إلى عبادة الأوثان، وولد عمرو بن عامر بن لحي كعبا بطن، ومليحا بطن. وعوفا بطن. وأمهم أسدية. وعديا بطن، أمه أيضا أسدية، وسعدا أمه خارجة البلخية، التي يقال لها: أسرع من نكاح أم خارجة٢ ... انتهى.
وإذا تقرر أن خزاعة من مضر؛ فلا يظهر تسميتها بخزاعة معنى، وإذا كانوا من قحطان فذلك لانخزاعهم عن قومهم بمكة. والانخزاع: هو المفارقة، وفي ذلك يقول عون بن أيوب الأنصاري الخزرجي:
فلما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في حلول كراكر
حمت كل واغد من تهامة واحتمت ... بصم القنا والمرهفان البواتر
هكذا ذكر ابن هشام في السيرة هذين البيتين لعون بن أيوب الأنصاري، وقال: هذان البيتان، له في قصيدة٣.
وأنشدهما الأزرقي لحسان بن ثابت الأنصاري؛ وذلك في خبر طويل رواه عن أبي صالح، ذكر فيه خبر جرهم وخزاعة، وفيه قال حسان بن ثابت الأنصاري يذكر انخزاع خزاعة بمكة، ومسير الأوس والخزرج إلى المدينة، وغسان إلى الشام:
فلما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في حلول كراكر٤
حموا كل واد في٥ تهامة واحتموا ... بصم القنا والمرهفات البواتر٦
فكان لها المرباع في كل غارة ... بنجد وفي كل الفجاج الغوابر
ونحن ظللنا أهل٧ اجتهاد وهجرة ... وأنصارنا جند النبي المهاجر
وذكر بقيتها، وهي تسعة أبيات، تتضمن مدح الأنصار، وغسان.
стр. 609
ذكر سبب ولاية خزاعة لمكة في الجاهلية:
سبق في أخبار جرهم ابتداء ولاية خزاعة لمكة، واختلاف ما ذكره ابن إسحاق والكلبي في سبب ولايتهم لمكة، فأغنى ذلك عن إعادته، ونذكر هاهنا غير ما سبق، ما يقتضي ذلك.
стр. 610
قال الفاكهي بعد أن روى في هذا المعنى أخبارا: قال ابن أبي سلمة، وابن إسحاق في حديثهما: فلم يزل الأمر لجرهم، وغبشان، وبكر، حتى اقتتلوا؛ فغلبتهم بكر وغبشان, وظهروا عليهم، ووطئوهم، ونفوهم من مكة إلى ما حولها، وولوا عليهم البيت، زاد ابن أبي سلمة والمخزومي في حديثهما: وولوا عليهم البيت وما كانوا يلون بمكة من الحكم وغيره١ ... انتهى.
وذكر الزبير وغيره من أهل الأخبار ما يقتضي أن سبب ولاية خزاعة للبيت غير ما ذكره ابن إسحاق؛ وذلك أن امرأة من خزاعة يقال لها: قدامة كانت متزوجة في بني إياد بن نزار، نظرت إلى بني إياد لما دفنوا الحجر الأسود حين خرجوا إلى العراق، بعد أن تعذر عليهم حمله؛ فإنهم لم يحملوه على شيء إلا عجزوا، وافتقدت مضر الركن؛ فعظم ذلك في نفوسها، ورأت المرأة الخزاعية عظم مشقة ذكل عليهم، فأمرت قومها أن يأخذوا على مضر أن يولوهم حجابة البيت، وتدلهم المرأة على الركن، ففعلوا ذلك ووافقتهم عليه مضر، ودلتهم المرأة على الحجر الأسود، فابتحثوه من تحت الشجرة، وأعيد إلى مكانه، ووليت خزاعة عند ذلك البيت؛ فلم يبرح في أيديهم حتى قدم قصي؛ هذا معنى ما ذكره الزبير والكلبي في هذا الخبر، وقد سبق قريبا.
وبان بذلك أن سبب ولاية خزاعة للبيت غير ما ذكره ابن إسحاق، والله أعلم بالصواب.
стр. 611
ذكر مدة ولاية خزاعة لمكة في الجاهلية:
قال الأزرقي فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن ابن جريج، وعن ابن إسحاق -يزيد أحدهما على الآخر- قالا: قامت خزاعة على ما كانت عليه من ولاية البيت والحكم بمكة ثلاثمائة سنة، وكان بعض التباعية قد سار إليه وأراد هدمه وتخريبه؛ فقامت دونه خزاعة، فقاتلت عليه أشد القتال حتى رجع، ثم آخر فكذلك؟.
وقال الأزرقي -أيضا- فيما رويناه عنه بالسند المتقدم: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن الكلبي، عن أبي صالح، فذكر خبرا طويلا في خبر جرهم وخزاعة، قال فيه: فكان عمرو بن لحي يلي البيت وولده من بعده خمسمائة سنة، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو، فزوج إليه قصي ابنته حبي ابنة حليل، وكانوا هم حجابه وخزانة، والقوام به، وولاة الحكم بمكة دهر
стр. 612
عامر، لم يخرب فيه خراب، ولم تبن خزاعة فيه شيئا بعد جرهم، ولم يسرق منه شيء علمناه ولا سمعنا به، ترادفوا على تعظيمه والذب عنه.
وقال في ذلك عمرو بن الحارث بن عمرو الغبشاني:
نحن وليناه فلم تغشه ... وابن مضاض قائم يهشه
يأخذ ما يهدى له بعشه١ ... نترك مال الله ما نمسه٢
... انتهى.
стр. 613
ذكر أول من ولي البيت من خزاعة وغير ذلك من خبر جزهم
...
ذكر أول من ولي البيت من خزاعة وغير ذلك من خبر جرهم:
اختلف في أول ملوك خزاعة بمكة؛ فقيل: عمرو بن لحي، ولحي هو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، على القول بأنهم من قحطان، ويدل لذلك خبر رواه الزبير بن بكار، عن أبي عبيدة، فيه ذكر شيء من خبر جرهم وخزاعة، لأن فيه: فاجتمعت خزاعة ليجعلوا من بقي، ورأس خزاعة عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وأمه فهيرة بنت عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي -وليس بابن مضاض الأكبر- فاقتلوا.
ثم قال فيه بعد ذكره لخروج من بقي من جرهم إلى جشم من أرض جهينة: وولي البيت عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر ... انتهى.
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن عمرو بن لحي أول ملوك خزاعة، وفيه ذكر شيء منخبره وخبر جرهم؛ لأنه قال: ويقال في روايته أبي عمرو الشيباني: إن حجابة البيت صارت إلى خزاعة، لأن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن تزوج فهيرة بنت الحارث بن مضاض الجرهمي؛ فولدت له عمرو بن ربيعة؛ فلما شب عمرو، وساد وشرف، طلب حجابه البيت؛ فعند ذلك نشبت الحرب بينهم وبين جرهم.
وذكروا: أن عمرو بن ربيعة عاش ثلاثمائة وخمسا وأربعين سنة، وبلغ ولده في حياته ألف مقاتل، من ولد كعب، وعدي، وسعد ومليح، وعوف بن عمرو، وكانت بينهم حروب طويلة وقتال شديد، ثم إن خزاعة غلبوا جرهما على البيت، وخرجت جرهم حتى نزلت وادي إضم١، فهلكوا فيه.
стр. 614
وكان عمرو بن ربيعة أول من غير دين إبراهيم ﵊ وأنه خرج إلى الشام، واستخلف على البيت رجلا من بني عبد بن ضخم، يقال له: آكل المروة١، وعمرو يومئذ وأهل مكة على دين إبراهيم ﵊.
فلما تقدم الشام نزل البلقاء٢؛ فوجد قوما يعبدون أوثانا، فقال: ما هذه الأنصاب التي أراكم تبعدون؟ فقالوا: أربابا نتخذها، ونستنصر بها على عدونا فننصر، ونستشفي بها من المرض فنشفي، فوقع قولهم في نفسهم. فقال: هبوا لي منها واحد نتخذه ببلدي؛ فإني صاحب بيت الله الحرام، وإلى وفد العرب من كل صوب، فأعطوه صنما يقال له: هبل؛ فحمله حتى نصبه للناس بمكة، فتابعته العرب على ذلك.
وذكر بقية الخبر، وقد سبق في القول الرابع في سبب خروج جرهم.
وذكر الأزرقي شيئا من خبر عمرو بن لحي، وأبان فيه غير ما سبق؛ لأنه روي خبرا طويلا في ولاية خزاعة بعد جرهم؛ وفي الخبر: فتزوج لحي -وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر- فهيرة بنت عامر بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي ملك جرهم؛ فولدت له عمرا، وهو عمرو بن لحي، وبلغ -بمكة وفي العرب- من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده في الجاهلية، وهو الذي قسم بين العرب في حطمة حطموها عشرة آلاف ناقة، وقد كان أعور عشرين فحلا، وكان الرجل في الجاهلية إذا ملك آلأف ناقة فقا عين فحل إبله؛ فكان قد فقا عشرين فحلا، وكان أول من أطعم الحاج بمكة سدائف الإبل ولحمانها على الثريد، وعم في تلك السنة جميع حاج العرب بثلاثة أثواب من يرود اليمن.
وكان قد ذهب شرفه في العرب كل مذهب، وكان قوله فيهم دينا متبعا لا يخالف، وهو الذي بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، وسيب السوائب، ونصب الأصنام حلو الكعبة، وجاء بهبل من "هيت" من أرض الجزيرة؛ فنصبه في بطن الكعبة، فكانت قريشا والعرب تستقسم عنده بالأزلام، وهو من غير الحنيفية دين إبراهيم ﵊ وكان أمره بمكة في العرب مطاعا لا يعصى.
وكان بمكة رجل٣ من جرهم على دين إبراهيم وإسماعيل ﵉ وكان شاعرا، فقا لعمرو بن لحي حين غير دينه الحنيفية:
يا عمرو لا تظلم بمكة ... إنها بلد حرام
سائل بعاد أين هم ... وكذلك تخترم الأنام
стр. 615
وبني١ العماليق الذيـ ... ـن لهم بها كان السوام
فزعموا أن عمرو بن لحي أخرج ذلك الجرهمي من مكة؛ فنزل بإطم من أعراض مدين النبي ﷺ نحو الشام؛ فقال الجرهمي وتشوق إلى مكة:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وأهلي معا بالمأزمين حلول
وهل رأيت العيس٢ تنفخ في الثرى ... لها بمنى والمأزمين زميل٣
منازل كنا أهلها له يحل بنا ... زمان بها فيما أراه يحول
مضى أولونا راضيين بشأنهم ... جميعا وغالتنا بمكة غول٤
... انتهى.
وقيل: أن أول ملوك مكة من خزاعة: لحي؛ وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عارم والد عمرو بن لحي السابق ذكره، وهذا القول ذكره الأزرقي؛ لأنه روي بسنده خبرا روي بسنده خبرا طويلا في خروج جرهم من مكة، وولاية خزاعة لها بعدهم، وفيه بعد أن ذكر تفرق أولاد عمرو بن عامر في البلاد: وانخزعت خزاعة بمكة؛ فأقام بها ربيعة من حارثة بن عمرو بن عامر، وهو لحي، فولي أمر مكة وحجابة البيت٥ ... انتهى.
وقيل: إن أول ملوك خزاعة بمكة: عمرو بن الحارث الغبشاني، ويدل بهذا القول ما ذكره الزبير بن بكار عن أبي عبيدة؛ لأن في الخبر الذي ذكره في إخراج خزاعة لجرهم من مكة بعد قوله: وولي البيت عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وقال بنو قصي: بل وليه عمرو بن الحارث بن عمرو، أحد بني غبشان بن سليم من بني ملكان بن أقصى، وولي البيت، وهو الذي يقول:
ونحن ولينا البيت من بعد جرهم ... لنعمره من كل باغ وملحد
وقال أيضا:
واد حرام طيره ووحشه ... نحن ولاته فلا نغشه
ويروى:
نحن وليناه فلا نغشه
وزاد غير أبي عبيدة:
وابن مضاض قائم يهشه
стр. 616
ونقل الفاكهي ما يقتضي: أن عمرو بن الحارث أول من ولي البيت؛ لأنه قال: قال الواقدي: وحدثني حرام بن هشام، عن أبيه قال: أول من وليه من غبشان من خزاعة، وكان الذي وليه منهم: عمرو بن الحارث بن لؤي بن ملكان بن أقصى؛ فنصب هبل صنما بمكة، فقال الحارث بن مضاض، وهو يعظ عمرا:
يا عمرو لا تفجر بمكـ ... ـة إنها بلد حرام١
فتحصل من هذه الأخبار ثلاثة أقوال في أول من ولي بمكة من خزاعة، هل هو عمرو بن لحي، كما ذكر أبو عبيدة والفاكهي، أو أبوه لحي، كما ذكر الأزرقي؟ أو ابن الحارث الغبشاني، كما ذكر أبو عبيدة وابن الكلبي؟ والله أعلم.
وتحصل منه فيمن نصب هبل هؤلاء: أحدهما: أنه عمرو بن لحي، وهو القول المشهور.
والآخر: عمرو بن الحارث الغبشاني، كما نقل الواقدي عن ابن الكلبي.
ورأيت في "المورد العذب الهني في شرح سيرة عبد الغني" للحافظ قطب الدين الحلبي في ذلك قولا ثالثا؛ لأنه قال لما ذكره خزيمة جد النبي ﷺ : وخزيمة هو الذي نصب هبل على الكعبة، وكان يقال: هبل خزيمة، هكذا ذكر ابن الأثير٢ ... انتهى.
وذكر ابن إسحاق ما يقتضي أن غبشان من خزاعة انفردت بالكعبة دون بني بكر بن عبد مناة بن كنانة؛ لأنه بعد أن ذكر إخراج بني بكر وغبشان لجرهم من مكة: ثم إن غبشان من خزاعة، وليت البيت دون بني بكر بن عبد مناة، وكان الذي يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشاني، وقريش إذ ذاك حلول وصرم وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة؛ فوليت خزاعة البيت، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر، حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي٣ ... انتهى؟.
وذكر الفاكهي عن ابن إسحاق ما يقتضي أن بني بكر لم تل مع غبشان البيت؛ وإنما كلامه: حدثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، قال: قال عثمان -يعني ابن ساج: أخبرني محمد بن إسحاق، وحدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق -يزيد أحدهما على صاحبه في اللفظ- قال: ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت من بعد جرهم دون بكر بن كنانة؛ فكانت بكر لهم
стр. 617
عضدا وناصرا ممن بغي عليهم، وقريش إذ ذاك حلول في أصرام، وهم بيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة، وكان الذي يلي البيت من عبشان عمروبن الحارث بن لؤي بن ملكان بن أقصى، وهو الذي يقول:
نحن وليناه فلم نغشه ... وابن مضاض قائم يهشه
يأخذ ما يهدي له يعسه ... نترك مال الله لا تمسه
وقال أيضا:
نحن ولينا من بعد جرهم ... لنمنعه من كل باغ وظالم
ونمنعه من كل باغ يريده ... فيرجع منا عند غير سالم
ونحفظ حق الله فيه وعهدنا ... ونمنعه من كل باغ وآثم
ونترك ما يهدي له نمسه ... نخاف عقاب الله عند المحارم
وكيف نريد الظلم فيه وربنا ... بصير بأمر الظلم من كل غاشم
فوالله لا ينفك بحفظ أمره ... ويعمره ما حج هل المواسم
ونحن نفينا جرهما عن بلادها ... إلى بلدة فيها صنوف المآثم
قال: فوليت خزاعة البيت زمانا طويلا، وهم أخرجوا إسافا ونائلة من الكعبة، فوضعوها على زمزم١.
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي بأن قيس بن عيلان، من مضر، أرادوا إخراج خزاعة من لحي ولي البيت من بعده كبع بن عامر، فاجتمعت قيس على عامر بن الظرب العدواني، فسار بهم إلى مكة ليخرج خزاعة، فقاتلهم خزاعة، فانهزمت قيس ووليت خزاعة البيت، لا ينازعهم أحدا٢ ... انتهى.
واستفدنا من هذا الخبر ولاية كعب بن عمرو بن لحي البيت بعد أبيه عمرو.
وذكر الفاكهي لبعض عدوان شعرا، نال فيه من خزاعة؛ لأن بعض خزاعة قال شعرا، تعرض فيه لعدوان فيما يظهر، والله أعلم.
ونص ما ذكره الفاكهي: وقال حليل:
نحن بنو عمرو ولاة المشعر ... نذب بالمعروف أهل المنكر
حمسا ولسنا نهزه للمحصر
стр. 618
وقال: فأجابه نصر بن الأحت العدواني:
إن الخنا منكم وقول المنكر ... جئناكم بالزحف في المسور
بكل ماض في اللقاء مسعر
وذكر الفاكهي: عن حليل بن حبشية -هذا- شعرا آخر؛ لأنه قال: وقال حليل بن حبشية:
واد حرام طيره ووحشه ... وابن مضاض قائم يهشه
... انتهى.
وقد سبق فيما ذكره الفاكهي عن ابن إسحاق أن عمرو بن الحارث الغبشاني هو الذي يقول:
نحن وليناه فلم نغشه ... وابن مضاض قائم يهشه
ولعل حليلا قال ذلك استشهادا؛ فينتفي التعارض، والله أعلم.
وحليل هذا آخر من ولي البيت وأمر مكة من خزاعة، على ما ذكره الفاكهي، فيما رواه بسنده عن عائشة ﵂ وابن إسحاق وغير من أهل الأخبار.
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن أبا غبشان الخزاعي كان شريك حليل في الكعبة، وأبو غبشان هو على ما ذكره الزبير، عن الأثرم، عن أبي عبيدة: سليم بن عمرو بن لؤي بن ملكان بن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، ونص الخبر الذي ذكره الفاكهي: قال الواقدي: وسمعت ابن جريج يقول: كان حليل يفتح البيت؛ فإذا اعتل أعطى ابنته المفتاح حتى تفتحه، فإذا اعتلت أعطت زوجها قصيا يفتحه. وكان قصي يعمل في أخذ البيت وحيازته إليه. وذكر قطع خزاعة منه، وكان شريك حليل فيه: أبو غبشان، وكان حليل يتنزه عن أشياء يفعلها أبو غبشان.
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن حليلا أوصى بولاية البيت لأبي غبشان؛ لأنه قال: حدثنا حسن بن حسين الأزدي قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: قال عيسى بن بكر الكناني المدني، قال: قال ابن الكلبي أو غيره. يقال: إن قصيا دعا أبا غبشان الملكاني؛ فقال: هل لك أن تدع الأمر الذي أوصى لك به حليل إلى حبي وعبد المدان فتخلى بينهما وبينه، وتصيب عرضا من الدنيا؟ فطابت نفسي أبي غبشان وأجابهم إلى ذلك؛ فأعطاهم قصي أثوابا وأبعرة. ولم يكن أبو غبشان وارثا لحليل، ولا وليا؛ وإنما كان وصيا فحاز وصيته، وصيرت حبي إلى ابنها حجابة البيت، ودفعت المفاتيح إليه١ ... انتهى.
стр. 619
وذكر الزبير بن بكار خبرا يقتضي أن حليل بن حبشية جعل لأبي غبشان فتح البيت وإغلاقه، وأن قصيا اشترى ولاية البيت من أبي غبشان بزق خمر أو قعود. وسيأتي -إن شاء الله تعالى- هذا الخبر في أخبار قصي، وهذا الخبر نقله الزبير عن الأثرم عن أبي عبيدة.
وقال الزبير: قال محمد بن الضحاك: اشترى قصي مفتاح بيت الله الحرام من أبي غبشان الخزاعي، بكبش وزق خمر. فقال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان، فذهبت مثلا١ ... انتهى.
فتحصل من هذه الأخبار، فيما اشترى به قصي من أبي غبشان منا كان له في الكعبة ثلاثة أقوال: هل ذلك أثواب وأبعرة؟ أو هو زق خمر وقعود؟ أو هو كبش وزق خمر؟
وفي ذلك قول آخر رابع، وهو: زق خمر فقط، وذكر الزبير في خبر يأتي ذكره -إن شاء الله تعالى- فيما بعد في أخبار قصي، وفيه: أن أبا غبشان كان يلي البيت.
وأفاد الفاكهي سببا في بيع أبي غبشان ما كان له في البيت؛ لأن في الخبر الذي نقله الفاكهي، عن الواقدي، عن ابن جريج بعد قوله: "وكان حليل يتنزه عن أشياء يفعلها أبو غبشان": وكانت البحائر تنحر عند البيت، عند إساف ونائلة؛ فكان أبو غبشان قد سن له من كل بحيرة رأسها والعنق، ثم إنه استقل ذلك؛ فأبى أن يرضي بذلك؛ فقال: يزيدون الأكتاف، ففعلوا، ثم أدب لهم، فقال: يزيدون العجز، فأبى الناس ذلك عليه، فأتى رجل من بني عقيل يقال له: مرة بن كثير -أو كبير- ببدنه له، وكانت سمينة، فما بقي إذا لمن سيقت إليه؟! قال: الأكارع، قال: فرفضه الناس ومن حضر من قريش وغيرهم، وقالوا: عبث، كنت أولا تقول: الرأس والعنق؛ فكان هذا أخف من غيره، ثم تعديت إل الأكارع، فقال: لا أقيم في هذا البلد أبدا إلا على ذلك؛ فلما أبوا عليه، قال: من يشتري نصيبي من البيت بإدواة تبلغني إلى اليمن، أو بزق من خمر؟ فاشترى نصيبه في ذلك قصي، وارتحل أبو غبشان إلى اليمن؛ فقال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان.
قال الواقدي: وقد رأيت مشيخة خزاعة تنكر هذا٢.
ونقل الفاكهي عن الزبير بن بكار ما يقتضي أن قصيا اشترى مفتاح البيت من أبي غبشان بالطائف٣، وهذا يخالف ما في الخبر الذي قبله؛ فإنه يقتضي أن شراء قصي
стр. 620
لذلك كان بمكة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- هذا الخبر في أخبار قصي، ويأتي في أخباره -أيضا- ما كان بينه وبين خزاعة من القتال، وتوليه لما كانت خزاعة يليه من ولاية مكة وحجابة البيت، وسكنى خزاعة معه بمكة في منازلهم التي جاء الإسلام وهم عليها.
وقد ذكر ابن عبد البر في كتاب له في الأنساب شيئا من فضل خزاعة يحسن ذكره هنا؛ وذلك أنه قال بعد أن ذكر نسبهم ونزول حزاعة الحرم ومجاورتهم قريشا: قال ابن عباس ﵄: نزل القرآن بلغة الكعبيين: كعب بن لؤي، وكعب بن عمرو بن لحي؛ وذلك أن دراهم كانت واحدة، ويقال لخزاعة: حلفاء رسول الله ﷺ ؛ لأنهم حلفاء بني حزاعة وبني بكر، فأعان مشركو قريش حلفاءهم بني بكر، ونقضوا بذلك العهد؛ فكان ذلك سبب فتح مكة لنصر رسول الله ﷺ خزاعة، حلفاءه١. وروي عنه ﷺ أنه قال يومئذ لسحابة رآها: "هذه السحابة تستهل بنصر بني كعب"، وأعطاهم النبي ﷺ منزلة لم يعطها أحد من الناس، أن جعلهم مهاجرين بأرضهم، وكتب لهم بذلك كتابا ... انتهى.
ووقع فيما ذكرناه من خبر عمرو بن لحي ذكر البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، من غير بيان ذلك.
وقد بين ذلك ابن إسحاق وابن هشام في السيرة؛ لأن فيها قال ابن إسحاق: أما البحيرة فهي بنت السائبة: الناقة إذا تابعت من بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، سيبت؛ فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما أنتجت بعد لك من أنثى شقت أذنها، ثم خلي سبيلها مع أمها، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة.
والوصيلة: الشاة إذا أنتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، ليس بينهن ذكر، جعلت وصيلة. قالوا: قد وصلت؛ فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلى أنه منها شيء، فيشركون في أكله، ذكورهم وإناثهم.
قال ابن هشام: ويروي: فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم.
قال ابن إسحاق: والحام: الفحل إذا أنتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر، حمى ظهره؛ فلم يركب، ولم يجز وبره، وخلي في إبله يضرب فيها، لا ينتفع منه بغير ذلك.
стр. 621
قال ابن هشام: هذا كله عند العرب على غير هذا إلا الحام؛ فإنه عندهم على ما قال ابن إسحاق: فالبحيرة عندهم: الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها، ولا يشرب لبنها إلا ضعيف، أو يتصدق به، وتهمل لآلهتهم.
والسائبة: التي ينذر الرجل أن يسيبها إن برأ من مرضه، أو أصاب أمرا يطلبه؛ فإذا كان كذلك ساب من إبلعه ناقة أو جملا لبعض آلهتهم، فساب فصارت لا ينتفع بها.
والوصيلة: التي تلد أمها اثنين في كل بطن؛ فيجعل صاحبها لآلهته الإناث منها، ولنفسه الذكور، فتلدها أمها ومعها ذرك في بطنها، فيقولون: وصلت أخاها، فيسيب أخوها معها فلا ينتفع به، حدثني به يونس غيره، وروي بعض ما لم يرو بعض.
قال ابن إسحاق: فلما بعث الله ﵎ رسوله محمدا ﷺ أنزل عليه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] ، وأنزل عليه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] وأنزل عليه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] وأنزل عليه: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَمِنَ الْأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣، ١٤٤] ... انتهى.
وقال السهيلي: فصل: وذكر البحيرة والسائبة، وفسر ذلك، وفسره ابن هشام تفسير آخر، وللمفسرين في تفسيرهما أقوال، منها ما يقرب، ومنها ما يبعد عن قولهما، وحسبك ما وقع في الكتاب؛ لأنها أمور كانت في الجاهلية أبطلها الإسلام، فلا تمس الحاجة إلى علمها ... انتهى١.
стр. 622
ذكر شيء من خبر عمرو بن عامر الذي تنسب إليه خزاعة وشيء من خبر بنيه:
أما عمرو بن عامر -المشار إليه- فهو: عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن
стр. 623
سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الأزدي المازني؛ هكذا نسبه ابن هشام، وابن حزم، وابن الكلبي، فيما ذكر ابن عبد البر، ونسبه ابن الكلبي على ما وجدت في تاريخ الأزرقي على خلاف ذلك، وهو أنه جعل ثعلبة بين حارثة وامرئ القيس١، ونسبه هكذا المسعودي في تاريخه٢.
وذكر غير واحد أنه يقال لعمرو هذا: مزيقيا، ولابنه عامر: ماء السماء، ولجده: حارثة الغطريف؛ وإنما قيل له: مزيقيا -على ما ذكر بعضهم- لأنه كان يلبس في كل يوم حلة ثم يمزقها لئلا يلبسها أحد بعده٣؛ وإنما قيل لابنه ماء السماء -على ما ذكر السهيلي: لجوده، وقيامه عندهم مقام الغيث.
وكان عمرو بن عامر مالك مأرب -بهمزة ساكنة- وهي بلاد سبأ باليمن التي مزق الله أهلها وباعد بين أسفارهم، وأخربها سيل العرم، كما ذكر الله في كتابه العزيز، حيث قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٥، ١٦] .
واختلف في معنى العرم، فقيل: هو صفة السيل، وهو اسم للوادي، وقيل: اسم لسد عارم كان يقيها من السيل، ويحبس الماء على أهلها، فيصرفونه حيث شاؤوا من بلادهم.
وهذا السد بناه سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وساق إليه سبعين واديا -على ما قيل، ومات قبل أن يكلمه، وأكمله بعده ملوك حمير، وقيل: بناه لقمان بن عاد الأكبر على ما ذكره المسعودي٤، وذكر أنه كان فرسخا في فرسخ، وأن طول البلد أكثر من شهرين للراكب المجد، وكذلك عرضها٥ والخصب، طيبة الفضاء، وكان أهلها في غاية الكثرة؛ حتى قيل إنهم كانوا يقتبسون النار من بعضهم بعضا مسيرة ستة أشهر، مع اجتماع الكلمة والقوة، ثم مزقهم الله تعالى، وباعد بين أسفارهم، وأخرب بلادهم بسيل العرم، كما ذكره الله في كتابه العزيز٦.
وكان سبب تمزقهم: تخوفهم من خراب بلادهم بالسيل، فإن طريفة الكاهنة امرأة عمرو بن عامر -على ما قيل- رأت في كهانتها أن سيل العرم يخرب سد مأرب،
стр. 624
فذكرت ذلك لملكهم عمرو بن عامر، وأرته لذلك علامات، ومنها: جزر يحفر في السد؛ فلما تحقق لك كتمه عن قومه، وعزم على الانتقال من بلاده بمكيدة دبرها، وهو أنه قال لأصغر ولده: إذا تحدثت بحضرة الناس رد على حديثي؛ فأظهر الغضب عليك وألطمك، فافعل بي مثل ذلك، ثم عمل عمرو وليمه عظيمة، ودعا أهل مآرب؛ فلما اجتمعوا عنده تحدث، فجاراه ولده الحديث؛ ورد عليه، فغضب أبوه ولطمه، ففعل به الولد مثل ذلك. فأظهر عمرو أنه يريد قتله، فلم يزل الناس به حتى كفوه عنه؛ فقال: لا أقيم ببلد يلطم فيه وجهي أصغر ولدي -وقيل: إن الذي فعل به ذلك، يتيم كان في حجره -وعرض عمرو أمواله للبيع؛ فقال بعض أشراف قومه: اغتنموا غضبه عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى، ففعلوا؛ فلما صار الثمن إليه أخبر الناس بشأن سيل العرم وخرج من بلاده١.
وذكر ابن هشام أنه انتقل في ولده، وولد ولده، قال: قالت الأسد -يعني الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر؛ فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك٢ مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، فكانت حربهم سجالا؛ ففي ذلك قال عباس بن مرداس البيت الذي كتبناه، يعني قوله:
وعك بن عدنان الذين بغوا ... بغسان حتى طردوا كل مطرد
ثم ارتحلوا عنه فتفرقوا في البلدان، فنزل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت ثم ارتحلوا عنه فتفرقوا في البلدان، فنزل جفنه بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرا، ونزلت أسد السراة، ونزلت أزد عمان٣ ... انتهى.
وقال شارح القصيدة العبدونية: ولما خرج عمرو بن عامر بن اليمن، خرج لخروجه منها بشر كثير، فنزلوا أرض عك، فحاربتهم عك، ثم اصطلحوا، وتفرقوا فيها حتى مات عمرو بن عامر، فتفرقوا في البلاد ... انتهى.
وإنما ذكرنا هذا الكلام لإفادته حال قبائل عمرو ببلاد عك، ما لم يفده كلام ابن هشام، وليس ما ذكره من إقامتهم ببلاد عك، حتى مات عمرو بمقتضى لطول إقامتهم يستلزم قصر المدة؛ لأنه يمكن أن يكون عمرو مات في زمن الارتياد، والله أعلم.
نعم في كلام الأزرقي ما يقتضي أنه لم يقهرهم أحد، وذلك يخالف ما ذكره ابن هشام والشارح، وقد رأيت أن أذكر كلامه لهذا المعنى، ولإفادته أمورا أخر، من حال
стр. 625
قبائل عمرو بن عامر بمكة وغيرها، وخصوصا حال خزاعة، وما آل إليه أمرهم بمكة؛ وذلك في خبر طويل، وفيه أيضا شيء من حال جرهم.
وهذا الخبر رواه الأزرقي في تاريخه، عن الكلبي، عن أبي صالح، قال فيه: "فباع عمرو أمواله، وسار هو وقومه من بلد إلى بلد لا يطئون بلدا إلا غلبوا عليه وقهروا أهله، حتى يخرجوا منه -ولذلك حديث طويل اختصرناه- ثم قال: فلما قاربوا مكة ساروا ومعهم طريفة الكاهنة، فقالت لهم: سيروا فلن تجتمعوا أنتم ومن خلفتهم أبدا، فهم لكم أصل وأنتم لهم فرع، ثم قالت: مه مه وحق ما أقول، ما علمني ما أقول إلا الحكيم العليم المحكم، رب جميع الناس من عرب وعجم، فقالوا لها: ما شأنك يا طريفة؟ قالت: خذوا البعير الشدقم فخضبوه بالدم، تلون أرض جرهم جيران بيته المحرم، قال: فلما انتهوا إلى مكة، وأهلها جرهم قد قهروا الناس، وحازوا ولاية البيت على بين إسماعيل وغيرهم، أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر: يا قوم إنا قد خرجنا من بلادنا؛ فلم ننزل ببلد إلا فسح أهلها لنا، وتزحزحوا عنا، فنقيم معهم حتى نرسل روادنا فيروتادون لنا بلدا يحملنا، فافسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم قد ما نستريح، ونرسل روادنا إلى الشام وإلى المشرق؛ فحيث ما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، وأرجو أن يكون مقامنا معكم يسيرا، فأبت جرهم ذلك إباء شديدا، واستنكروا في أنفسهم، وقالوا: لا والله، ما نحب أن تنزلوا معنا فتضيقون علينا مرابعنا وموادرنا، فارحلوا عنا بحيث أحببتم، فلا حاجة لنا بجوارحكم؛ فأرسل إليه ثعلبة أنه لا بد لي من القمام بهذا البلد حولا حتى ترجع إلي رسلي التي أرسلت، فإن تركتموني نزلت طوعا وحمدتكم وواسيتكم في الماء والمرعى، وإن أبيتم أقمت على كرهكم، ثم لم ترتعوا معي إلا فضلا، ولا تشربوا إلا نتنا.
قال أبو الوليد الأزرقي يعني: الكدر من الماء، وأنشد على ذلك بيتين:
فإن قتلتموني قاتلتكم ... ثم إن ظهرت عليكم سبيت النسا
وقتلت الرجال ولم أترك منكم ... أحدًا ينزل الحرم أبدا
فأبت جرهم أن تتركه طوعا، وتعبت لقتاله، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وأفرغ عليهم الصبر ومنعوا النصر، ثم انهزمت جرهم، فلم ينفلت منهم إلا الشريد.
ثم قال: وأقام ثعلبة بمكة وما حولها في قومه وعساكره حولا، فأصابتهم الحمى، وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحيى؛ فدعوا طريفة، فشكوا إليها الذي أصابتهم، فقالت لهم: قد أصابني الذي تشكون، وهو مفرق ما بيننا. قالوا: فماذا تأمرين؟ قالت: عليكم الإجابة وعلى التبيين. وقالوا: فما تقولين؟ قالت: من كان منكم ذا هم بعيد، وحمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بقصر عمان المشيد؛ فكان أزد عمان. ثم قالت: من كان
стр. 626
منكم ذا جلد وقصر، وصبر على أزمات الدهر؛ فعليه بالأراك١ من بطن مر، فكانت خزاعة، ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات في المنجل٢، المطعمات من الحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير، والملك والتأمير، ويلبس الديباج والحرير، فليلحق ببضرى والغوير٣ يريد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الأرزاق، والدم المهراق، فليلحق بأهل٤ العراق؛ فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش، ومن كان بالحيرة من غسان وآل محرق، حتى جاءهم روادهم، فافترقوا من مكة فرقتين فرقة توجهت إلى عمان وهم: أزد عمان، وسار ثعلبة بن عمرو بن عامر نحو الشام؛ فنزلت الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وهم الأنصار بالمدينة، ومضت غسان فنزلوا الشام، وانخزعت خزاعة بمكة، فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمروبن عامر -وهو: لحي، فولي أمر مكة، وحجاجة الكعبة٥ ... انتهى باختصار.
وقد بأن بما ذكرناه شيء من حال عمرو بن عامر وقومه، وفيه كفاية إن شاء الله تعالى.
стр. 627
الباب الثاني والثلاثون:
في ذكر شيء من أخبار قريش بمكة في الجاهلية وشيء من فضلهم وما وصفوا به وبيان نسبهم، وسبب تسميتهم بقريش وابتداء ولايتهم للكعبة، وأمر مكة
ذكر شيء من فضلهم وما جاء في أنهم خير العرب:
روينا في صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم؛ فأنا خيار من خيار من خيار" ١.
ما جاء في أن الخلافة لا تزال في قريش:
رينا عن البخاري في صحيحه قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا عاصم بن محمد، قال سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان".
وروينا ذلك في صحيح البخاري، عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي صلى الله عليه وسلم٢.
ما جاء في عقوبة من عادي قريشا ٣:
روينا عن البخاري في صحيحه من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ أن سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين".
стр. 628
ولذكر معاوية ﵁ هذا الخبر قصة مذكورة في "صحيح البخاري".
والأخبار الواردة في فضل قريش كثيرة، وفيما أوردناه من ذلك كفاية، ولم نورده إلا للتبرك به.
ذكر ما وصفت به بطون قريش:
قال الفاكهي: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدثنا إسحاق بن البهلول، قال حدثني محمد بن عبد الرحمن القرشي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "عبد مناف عز قريش، وأسد ركنها وعضدها، وعبد الدار رئتها وأوائلها، وعدي جناحاها، ومخزوم ريحانتها في نظرتها، وجمح وسهم عديدها، وعامر ليوثها، وفرسانها والناس تبع لقريش، وقريش مع لولد قصي" ١.
وحدثنا عبد الله بن أبي سلمة قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران عن عبد الملك بن عبد العزى، عن عبد الملك بن عبد العزى، عن عمر بن عبد العزيز، قال: عبد مناف عز قريش، وأسد بن عبد العزى عضدها، وزهرة الكبد، وتيم وعدي رئتها، ومخزوم فيها كالأراكة في بطونها، وجمح وسهم جناحاها، وعامر ليوثها وفرسانها، وكل تبع لولد قصي، والناس تبع لقريش".
وحدثني حسن بن حسين قال: حدثنا محمد بن أبي السري قال: حدثنا هشام بن الكلبي، وعن سفيان بن عيينة، عن محمد بن قيس -الأسدي قال غير ابن الكلبي؛ عن علي بن ربيعة ولم يقله ابن الكلبي؛ أوقفه على محمد بن قيس، قال: سئل علي بن أبي طالب ﵁ عن بني أمية، فقال: أشدنا حجرا، وأدركنا للأمور إذا طلبوا، وسئل عن بني المغيرة من بني مخزوم، فقال: أولئك ريحانة قريش التي تشمونها. وسئل عن بطن آخر كنى عنهم سفيان بن عيينة -قال عثمان: وهم بنو تيم- فذكر شيئا.
قال الحسن بن حسين: وأخبرني محمد بن سهل الأزدي، قال: سمعت هشام بن الكلبي يذكر عن أبيه، قال: سئل علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه- عن قريش، فقال: أما بنو هاشم فأفصح وأسمح وأصبح، وأما إخوتها من بني عبد شمس فأنكر وأمكر، وأغدر وأفجر.
وسئل مرة أخرى فقال: أما بنو هاشم فأصدق قريش في النوم واليقظة، وأكرمها أحلامها، وأضربها بالسيف، وأما بنو عبد شمس فأبعدنا همما، وأمنعنا لما وراء ظهورها،
стр. 629
وأما بنو مخزوم فريحانة من ريحانة قريش، يحب حديث رجالهم، ويشتهي تزوج نسائهم١، وسئل عن قوم من أقوام قريش، فقال: زعائفة.
وأخبرني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدثنا محمد بن الحسين الشامي، قال: حدثنا النضر بن عمرو، قال: حدثني بكر بن عامر المري، عن عامر بن عبد الله المسمعي قال: دخل دغفل الشيباني٢ على معاوية، فقال له معاوية ﵁: أخبرنا عن بني هاشم، فقال: في الواسطة من القلادة، في الجاهلية سادة، وفي الإسلام ملوك وقادة، قال: فأخبرنا عن بني عبد المطلب، قال: بيت مقشعرة، أصابتها قرة، لا يسمع لها حرة، ولا يرى لها درة. قال: فأخبرنا عن بني نوفل، قال: اسم ولا حسيس، قال: فأخبرنا عن بني أسد. قال: ذو سؤم ونكد، وبغي وحسد. قال: فأخبرنا عن بني أسد. قال: ذو شؤم ونكد، وبغي وحسد. قال: فأخبرنا عن بني زهرة، قال: جهل فاش، وحلم الفراش، قال: فأخبرنا عن آل تيم بن مرة، قال: كثير أوغادهم، عبيد من سادهم، ولا يرى منهم قائد يقودهم، قال: فأخبرنا عن بني مخزوم، قال: معزى مطيره، أصابتها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإنهم أهل التشدق في الكلام، ومصاهرة الكرام. قال: فأخبرنا عن بني جمح، قال: كلهم طلف، إلا بني خلف. قال: فأخبرنا عن بني عدي بن كعب، قال: قساة الأخلاق، ولؤم أعراق، إن استغنوا شجوا، وإن انفردوا لجوا.
ذكر أهل البطاح، والظواهر، والعارية، والعائدة من قريش:
قال الفاكهي: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثنا محمد بن الحسن المخزومي، عن العلاء بن الحسن، عن عمه أفلح بن عبد الله بن المعلي، عن أبيه وغيره من أهل العلم، قال: إن قريش البطاح: لأن قرشا حين اقتسموا بلادهم احتلت كعب بن لؤي الأباطح؛ فكعب وبنوه مالك، وقدد بن رجا، والحارث ومحارب ابنا فهر، وعوف بن فهر ودرج، والأدرم؛ وهم بنو تيم بن غالب بن فهر، وعوف بن فهر، وقيس بن فهر، وقدد، وعامر بن لؤي؛ وإنما سموا الظواهر لأن قريشا حين اقتسموا دارهم أخذوا منهم ظواهر مكة؛ بحيث سكنوا بالظواهرة٣ أو بالبطحاء، فهم قريش الظواهر بالظاهرة أو بالبطحاء.
стр. 630
وحدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثني أبو الحسن الأثرم، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: كانت قريش الظواهر: محارب، والحارث ابنا فهر، ومن هناك من جيرانهم عامر بن لؤي، والأدرم١ بن غالب يغيرون على بني كنانة، يغير بهم عمرو بن عبد ود؛ إلا أن الحارث بن فهر دخلت بعد ذلك مكة، فهي من البطاح، وهم يد مع المطيبين ... انتهى.
وأما قريش العاربة؛ فإنهم ولد سامة بن لؤي بن غالب بن فهر بنمالك بن النصر بن كنانة خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وقد ذكر الفاكهي سبب تسميتهم بذلك؛ لأنه قال: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال: وأما ولد سامة بن لؤي وهم قريش العاربة؛ وإنما سموا العاربة لأنهم عربوا عن قومهم، فنسبوا إلى أمهم ناجية بنت حزم بن ربان، وهو علاف، وكان أول من اتخذ من الرجال العلافية فنسب إليها، فقيل: علاف. واسم ناجية: ليلي؛ وإنما سميت ناجية؛ لأنها سارت في مفازة فعطشت، فاستقت سامة بن لؤي، فقال لها: بين يديك، وهو يريها السراب، حتى جاءت الماء فنجت فسميت: ناجية٢.
قريش العائدة:
وأما قريش العائدة: فهم بنو خزيمة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.
وقد ذكر الفاكهي عن الزبير سبب تسميتهم بذلك؛ لأنه قال: وإنما قيل لخزيمة بن لؤي: عائدة؛ لأن عبيدة٣ بن خزيمة تزوج عائدة بنت الحمس بن قحافة بن خثعم؛ فولدت له مالكا وتيما فسموا عائدة بأمهم.
قال لنا الزبير: قال علي بن المغيرة، عن حسن بن علي العقيلي قال: وإنما قيل: عائدة قريش؛ لأن عدادهم في بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان في الجاهلية والإسلام فقيل: عائدة قريش، لئلا يضلوا.
حدثني الزبير بن أبي بكر قال: كان أهل الظواهر من قريش في الجاهلية يفخرون على أهل الحرم، فيعقد لواء فخارهم للناس. قال الزبير: وكانت العرب تنفس قريشا، وتعير أهل الحرم منها بالمقام بالحرم، فأسموهم: الصب ... انتهى.
وفي قريش رهط يقال لهم: الأحربان، ذكرهم الزبير بن بكار؛ لأنه قال: حدثنا محمد بن أبي قدامة العمري قال: كان بنو معيص بن عامر بن لؤي وبنو محارب بن فهر
стр. 631
متحافين، وكانا يدعيان الأحربين -لما بينهما- فهما الأحربان من أهل تهامة، والأحربان من أهل نجد: بنو عبس، وذبيان ... انتهى.
ذكر بيان نسب قريش:
اختلف في نسبهم؛ فقيل: إنهم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقيل: إنهم ولد النضر بن كنانة، والقول الأول ذكره الزبير بن بكار عن غير واحد من أهل العلم؛ لأنه قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا أبو البختري وهب بن وهب، قال: حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: إن اسم فهر بن مالك الذي أسمته أمه قريشا، كما يسمي الصبي غدارة، وشمله، وأشباه ذلك، قال: قال: وقد اجتمع النساب من قريش وغيرهم على أن قريشا إنما تفرقت عن فهر، والذي عليه من أدركت من نساب، وذكر الزبير هذا القول عن هشام بن الكلبي؛ لأنه قال: قال: ولد مالك بن النضر فهرا، وهو جماع قريش.
وقال الزبير فيما نقله عنه القطب الحلبي، قال عمي: فهر هو قريش١، وقريش اسمه وفهر لقب له؛ فمن لم يلده فهر فليس من قريش.
ونقل الزبير هذا القول أيضا عن هشام بن الكلبي؛ لأنه ذكر أن أبا الحسن الأثرم حدثه عن الكلبي أن النضر بن كنانة هو قريش.
ونقل ذلك الزبير، عن أبي عبيدة بن المثنى؛ لأنه ذكر أن أبا الحسن الأثرم حدثه عن أبي عبيدة؛ قال: منتهى من وقع عليه اسم قريش: النضر بن كنانة؛ فولده قريش دون سائر بني كنانهة بن خزيمة بن مدركة، وهو عارم بن إلياس بن مضر، فأما من كان من ولد كنانة سوى النضر فلا يقال لهم: قريش، قال: وإنما سموا بنو النضر قريشا٢؛ لأ، التقرش هو التجمع، قال: وقال بعضهم للتجار، يتقارشون، أي يتجرون.
стр. 632
والدليل على اضطراب هذا القول: إن قريشًا لم يجتمعوا حتى جمعهم قصي بن كلاب؛ فلم يجتمع إلا ولد فهر بن مالك، لا مرية عند أحد في ذلك، وبعد هذا فنحن أعلم بأمورنا، وأرعى لمآثرنا، وأحفظ لأسمائنا، ولم ندع قريشا، ولم تهمهم١ إلا ولد فهر بن مالك٢ ... انتهى.
وذكر هذين القولين في نسب قريش: ابن هشام في "السيرة"؛ لأن فيها: وقال ابن هشام: النضر، قريش؛ فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي٣، ثم قال: ويقال فهر بن مالك قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي ... انتهى.
وليس في كلام ابن هشام ما يقتضي ترجيح أحد القولين. وفي كلام الزبير ما يقتضي ترجيح القول بأن قريشا ولد فهر بن مالك. وكلام النووي يقتضي ترجيح القول بأنهم ولد النضر.
ويقال: إن أول من قيل له القرشي: قصي بن كلاب؛ لأن الفاكهي روي بسنده: أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير بن مطعم عن سبب تسميته قريش؛ فذكر له محمد بن جبير أن ذلك لتجمعها في الحرم، وأن عبد الملك قال له: ما سمعت بهذا، ولكني سمعت: أن قصيا كان يقال له: القرشي، ولم يسم قرشي قبله.
ونقل الفاكهي ذلك عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف من طريقين، ونقل الفاكهي ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: قال أبو بكر: وحدثني أبو بكر بن عبد الله، وابن أبي جهم، عن أبيه قال: النضر بن كنانة كان يسمى القرشي ... انتهى.
وذكر السهيلي ما يقتضي أن قريشا كانت تسمى قريشا قبل مولد قصي؛ لأنه ذكر أن كعب بن لؤي قال:
إذا قريش تبغي الحق خذلانا٤
... انتهى.
وقال أبو الخطاب بن دحية في تسمية قريش، ومن أول من سمي به عشرون قولا، نقل ذلك عن ابن دحية هكذا القطب الحلبي.
وقال القطب الحلبي: ثم النسب إلى قريش: قرشي، وقريشي؛ فمن قال: قريشي، أجراه في النسب على أصله وتوفيته حروفه، فهو القياس؛ لأن الياء لا يطرد حذفها إلا ما كانت فيه هاء التأنيث. نحو: مرتبة ... انتهى.
стр. 633
ذكر سبب تسمية قريش بقريش موما قيل في ذلك:
اختلف في تسمية قريش بقريش؛ فقال ابن هشام في "السيرة": وإنما سميت قريش قريشا من التقرش، والتقرش: التجارة والاكتساب، وأنشد في ذلك شعرا لرؤبة بن العجاج.
وقال ابن إسحاق: قال: إنما سميت قريش قريشا لتجمعها من بعد تفرقها، يقال للتجمع: التقرش١ ... انتهى.
وقيل: إنما سميت بذلك، لتفتيشها عن حاجة الناس وسدها لها؛ وهذا يروي عن الشعبي كما سبق.
وقيل: سميت بذلك: لأن قريش بن بدر يخلد بن النضر بن كنانة كان دليل بني كنانة في تجارتهم؛ فكان يقال: "قدمت عير قريش" فسميت قريش به، ذكر ذلك مصعب الزبيري٢. قال: وأبوه بدر بن مخلد، صاحب بدر، الموضع الذي لقي فيه رسول الله ﷺ قريشا. ذكر ذلك الزبير عن عمه.
وقيل: إنما سموا قريشا لأنهم يتقرشون البضاعات فيشترونها.
قيل: جاء النضر بن كنانة في ثوب له؛ فقالوا: قد تقرش في ثوبه كأنه جمل قريش: أي شديد مجتمع.
وقال ابن الأنباري: وقيل: قريش من التقريش وهو التحريش٣. قال أبو القاسم الزجاجي: هذا الوجه ليس بمعروف؛ لأن المعروف في اللغة أن تقديم الراء على القاف هو التحريش لا التقريش، والتقريش: تزيين الكلام وتحسينه.
قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: قريش مأخوذ من القرش، وهو وقع الأسنة بعضها على بعض؛ لأن قريشا أحرب الناس بالطعان ... انتهى.
وقيل: سميت قريش قيرشا بدابة في البحر تسمى القرش، وهذا يروي عن ابن عباس ﵄ قال لعمرو بن العاص ﵁ حين سأله عن ذلك بحضرة معاوية ﵁ استعجازا له عن معرفته، وأنشد ابن عباس ﵁ على ذلك قول المسرح بن عمرو الحميري:
وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا
стр. 634
تأكل الغث والسمين ولا تترك ... منه لذي جناحين ريشا
ذكر هذا الخبر الفاكهي وغيره، وذكره القطب الحلبي، وكلامه يوهم أن ابن عباس ﵄ سأل عمرو بن العاص؛ وذلك يخالف ما ذكره الأزرقي، ثم قال القطب: وقال المطرزي: هي ملكة الدواب وسيدة الدواب وأشدها؛ فلذلك قريش سادة الناس١ ... انتهى.
وذكر هذا القول السهيلي؛ لأنه قال: ورأيت لغيره -يعني الزبير بن بكار- أن قريشا تصغير القرش: وهو حوت في البحر يأكل حيتان البحر، سميت به القبيلة، أو سمي به أبو القبيلة، والله أعلم٢ ... انتهى.
هذا ما رأيته من الأقوال في تسمية قريش، وفي ذلك أقوال أخر على مايقتضيه كلام ابن دحية٣، والله أعلم بالصواب.
ذكر ابتداء ولاية قريش الكعبة المعظمة ومكة:
أول من ولي ذلك منهم: قصي بن كلاب، وقد ذكر خبره في ذلك جماعة من أهل الأخبار، منهم: الأزرقي وذلك فيما رويناه عنه بالسند المتقدم، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن ابن جريج، وعن ابن إسحاق -يزيد أحدهما على صاحبه- قالا -بعد ذكر شيء من خبر خزاعة-: فلبثت خزاعة على ما هي عليه، وقريش -إذ ذاك- في بني كنانة متفرقة، وقد قدم في بعض الزمان حاج قضاعة، فيهم: ربيعة بن حرام بن ضبة بن عبد كثير بن عذرة بن سعيد٤ بن زيد، وقد هلك كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وترك زهرة وقصيا ابني كلاب مع فاطمة بنت عمرو بن سعد بن شبل، وسعد بن شبل الذي يقول فيه الشاعر -وكان أشجع أهل زمانه:
لا أرى في الناس شخصا واحدا ... فاعلموا ذاك لسعد بن شبل
فارس أضبط فيه عسرة ... فإذا ما عاين القرن نزل
فارس يستدرج الخيل كما ... يدرج الحر القطامي الحجل
وزهرة أكبرهما، فتزوج ربيعة بن حزام أمهما. وزهرة رجل بالغ، وقصي فطيم أو في سن الفطيم، فاحتملها ربيعة إلى بلاده من أرض عذرة إلى أطراف الشام، فاحتملت
стр. 635
معها قصيا لصغره، وتخلف زهرة في قومه؛ فولدت فاطمة ابنه عمرو بن سعد لربيعة: رزاح بن ربيعة؛ فكان أخا قصي بن كلاب لأمه، ولربيعة بن حزام من امرأة أخرى، ثلاثة نفر: حسن، ومحمود، وطهيمة١، بنو ربيعة.
فبينا قصي بن كلاب في أرض قضاعة لا ينتهي٢ إلا إلى ربيعة بن حزام؛ إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء، وقصي قد بلغ، فقال له القضاعي: ألا تلحق بنسبك وقومك، فإنك لست منا؟ فرجع قصي إلى أمه وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي، فسألها عما قال له، فقالت له: أنت والله يا بني خير منه وأكرم، أنت كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقومك عند البيت الحرام وما حوله؛ فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحاق بهم، وكره الغربة في أرض قضاعة؛ فقالت له أمه: يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب؛ فإني أخشى عليك. فأقام قصي حتى دخل الشهر الحرام، وخرج في حاج قضاعة حتى قدم مكة؛ فلما فرغ من الحج أقام بها، وكان قصي رجلا جليدا حازما بارعا، فخطب إلى حليل بن حبشية بن سلول الخزاعي ابنته حبي ابنة حليل؛ فعرف حليل النسب ورغب في الرجل، فزوجه حليل، وحليل يومئذ يلي الكعبة وأمر مكة، فأقام قصي معه حتى ولدت حبي لقصي عبد الدار -وهو أكبر ولده- وعبد مناف، وعبد العزي، وعبد بن قصي؛ فكان حليل يفتح البيت، فإذا اعتل أعطى ابنته حبي المفتحا، ففتحته، فإذا اعتلت أعطت المفتاح زوجها قصيا، أو بعض ولدها، فيفتحه، وكان قصي يعمل في حيازته إليه، وقطع ذكر خزاعة عنه؛ فلما حضرت حليل الوقاة نظر إلى قصي فجعل له ولاية البيت، وأسلم إليه المفتاح، وكان يكون عند حبي؛ فلما هلك حليل، أبت خزاعة أن تدعه وذلك، وأخذوا المفتاح من حبي، فمشي قصي إلى رجل من قومه من قريش وبني كنانة، فدعاهم إلى أن يقوموا معه في ذلك، وأن ينصروه ويعضدوه؛ فأجابوه إلى نصره، ويعلمه ما حالت خزاعة بينه من ولاية البيت، ويسأله الخروج إليه بمن أجابه من قومه؛ فقام رزاح في قومه، فأجابوا إلى ذلك، فخرج الخروج إليه بمن أجابه من قومه، فقام رزاح في قومه، فأجابوا إلى ذلك، فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته من أبيه: حسن، ومحمود، وطهيمة٣، بنو ربيعة بن حزام، فيمن معهم من قضاعة، وفيمن ومعهم من حاج العرب مجتمعين لنصر قصي، والقيام معه؛ فلما اجتمع الناس بمكة، خرجوا إلى الحج، فوقفوا بعرفة، وبجمع، ونزلوا منى.