← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

متحافين، وكانا يدعيان الأحربين -لما بينهما- فهما الأحربان من أهل تهامة، والأحربان من أهل نجد: بنو عبس، وذبيان ... انتهى. ذكر بيان نسب قريش: اختلف في نسبهم؛ فقيل: إنهم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقيل: إنهم ولد النضر بن كنانة، والقول الأول ذكره الزبير بن بكار عن غير واحد من أهل العلم؛ لأنه قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا أبو البختري وهب بن وهب، قال: حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: إن اسم فهر بن مالك الذي أسمته أمه قريشا، كما يسمي الصبي غدارة، وشمله، وأشباه ذلك، قال: قال: وقد اجتمع النساب من قريش وغيرهم على أن قريشا إنما تفرقت عن فهر، والذي عليه من أدركت من نساب، وذكر الزبير هذا القول عن هشام بن الكلبي؛ لأنه قال: قال: ولد مالك بن النضر فهرا، وهو جماع قريش. وقال الزبير فيما نقله عنه القطب الحلبي، قال عمي: فهر هو قريش١، وقريش اسمه وفهر لقب له؛ فمن لم يلده فهر فليس من قريش. ونقل الزبير هذا القول أيضا عن هشام بن الكلبي؛ لأنه ذكر أن أبا الحسن الأثرم حدثه عن الكلبي أن النضر بن كنانة هو قريش. ونقل ذلك الزبير، عن أبي عبيدة بن المثنى؛ لأنه ذكر أن أبا الحسن الأثرم حدثه عن أبي عبيدة؛ قال: منتهى من وقع عليه اسم قريش: النضر بن كنانة؛ فولده قريش دون سائر بني كنانهة بن خزيمة بن مدركة، وهو عارم بن إلياس بن مضر، فأما من كان من ولد كنانة سوى النضر فلا يقال لهم: قريش، قال: وإنما سموا بنو النضر قريشا٢؛ لأ، التقرش هو التجمع، قال: وقال بعضهم للتجار، يتقارشون، أي يتجرون.

стр. 632

والدليل على اضطراب هذا القول: إن قريشًا لم يجتمعوا حتى جمعهم قصي بن كلاب؛ فلم يجتمع إلا ولد فهر بن مالك، لا مرية عند أحد في ذلك، وبعد هذا فنحن أعلم بأمورنا، وأرعى لمآثرنا، وأحفظ لأسمائنا، ولم ندع قريشا، ولم تهمهم١ إلا ولد فهر بن مالك٢ ... انتهى. وذكر هذين القولين في نسب قريش: ابن هشام في "السيرة"؛ لأن فيها: وقال ابن هشام: النضر، قريش؛ فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي٣، ثم قال: ويقال فهر بن مالك قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي ... انتهى. وليس في كلام ابن هشام ما يقتضي ترجيح أحد القولين. وفي كلام الزبير ما يقتضي ترجيح القول بأن قريشا ولد فهر بن مالك. وكلام النووي يقتضي ترجيح القول بأنهم ولد النضر. ويقال: إن أول من قيل له القرشي: قصي بن كلاب؛ لأن الفاكهي روي بسنده: أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير بن مطعم عن سبب تسميته قريش؛ فذكر له محمد بن جبير أن ذلك لتجمعها في الحرم، وأن عبد الملك قال له: ما سمعت بهذا، ولكني سمعت: أن قصيا كان يقال له: القرشي، ولم يسم قرشي قبله. ونقل الفاكهي ذلك عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف من طريقين، ونقل الفاكهي ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: قال أبو بكر: وحدثني أبو بكر بن عبد الله، وابن أبي جهم، عن أبيه قال: النضر بن كنانة كان يسمى القرشي ... انتهى. وذكر السهيلي ما يقتضي أن قريشا كانت تسمى قريشا قبل مولد قصي؛ لأنه ذكر أن كعب بن لؤي قال: إذا قريش تبغي الحق خذلانا٤ ... انتهى. وقال أبو الخطاب بن دحية في تسمية قريش، ومن أول من سمي به عشرون قولا، نقل ذلك عن ابن دحية هكذا القطب الحلبي. وقال القطب الحلبي: ثم النسب إلى قريش: قرشي، وقريشي؛ فمن قال: قريشي، أجراه في النسب على أصله وتوفيته حروفه، فهو القياس؛ لأن الياء لا يطرد حذفها إلا ما كانت فيه هاء التأنيث. نحو: مرتبة ... انتهى.

стр. 633

ذكر سبب تسمية قريش بقريش موما قيل في ذلك: اختلف في تسمية قريش بقريش؛ فقال ابن هشام في "السيرة": وإنما سميت قريش قريشا من التقرش، والتقرش: التجارة والاكتساب، وأنشد في ذلك شعرا لرؤبة بن العجاج. وقال ابن إسحاق: قال: إنما سميت قريش قريشا لتجمعها من بعد تفرقها، يقال للتجمع: التقرش١ ... انتهى. وقيل: إنما سميت بذلك، لتفتيشها عن حاجة الناس وسدها لها؛ وهذا يروي عن الشعبي كما سبق. وقيل: سميت بذلك: لأن قريش بن بدر يخلد بن النضر بن كنانة كان دليل بني كنانة في تجارتهم؛ فكان يقال: "قدمت عير قريش" فسميت قريش به، ذكر ذلك مصعب الزبيري٢. قال: وأبوه بدر بن مخلد، صاحب بدر، الموضع الذي لقي فيه رسول الله ﷺ قريشا. ذكر ذلك الزبير عن عمه. وقيل: إنما سموا قريشا لأنهم يتقرشون البضاعات فيشترونها. قيل: جاء النضر بن كنانة في ثوب له؛ فقالوا: قد تقرش في ثوبه كأنه جمل قريش: أي شديد مجتمع. وقال ابن الأنباري: وقيل: قريش من التقريش وهو التحريش٣. قال أبو القاسم الزجاجي: هذا الوجه ليس بمعروف؛ لأن المعروف في اللغة أن تقديم الراء على القاف هو التحريش لا التقريش، والتقريش: تزيين الكلام وتحسينه. قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: قريش مأخوذ من القرش، وهو وقع الأسنة بعضها على بعض؛ لأن قريشا أحرب الناس بالطعان ... انتهى. وقيل: سميت قريش قيرشا بدابة في البحر تسمى القرش، وهذا يروي عن ابن عباس ﵄ قال لعمرو بن العاص ﵁ حين سأله عن ذلك بحضرة معاوية ﵁ استعجازا له عن معرفته، وأنشد ابن عباس ﵁ على ذلك قول المسرح بن عمرو الحميري: وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا

стр. 634

تأكل الغث والسمين ولا تترك ... منه لذي جناحين ريشا ذكر هذا الخبر الفاكهي وغيره، وذكره القطب الحلبي، وكلامه يوهم أن ابن عباس ﵄ سأل عمرو بن العاص؛ وذلك يخالف ما ذكره الأزرقي، ثم قال القطب: وقال المطرزي: هي ملكة الدواب وسيدة الدواب وأشدها؛ فلذلك قريش سادة الناس١ ... انتهى. وذكر هذا القول السهيلي؛ لأنه قال: ورأيت لغيره -يعني الزبير بن بكار- أن قريشا تصغير القرش: وهو حوت في البحر يأكل حيتان البحر، سميت به القبيلة، أو سمي به أبو القبيلة، والله أعلم٢ ... انتهى. هذا ما رأيته من الأقوال في تسمية قريش، وفي ذلك أقوال أخر على مايقتضيه كلام ابن دحية٣، والله أعلم بالصواب. ذكر ابتداء ولاية قريش الكعبة المعظمة ومكة: أول من ولي ذلك منهم: قصي بن كلاب، وقد ذكر خبره في ذلك جماعة من أهل الأخبار، منهم: الأزرقي وذلك فيما رويناه عنه بالسند المتقدم، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن ابن جريج، وعن ابن إسحاق -يزيد أحدهما على صاحبه- قالا -بعد ذكر شيء من خبر خزاعة-: فلبثت خزاعة على ما هي عليه، وقريش -إذ ذاك- في بني كنانة متفرقة، وقد قدم في بعض الزمان حاج قضاعة، فيهم: ربيعة بن حرام بن ضبة بن عبد كثير بن عذرة بن سعيد٤ بن زيد، وقد هلك كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وترك زهرة وقصيا ابني كلاب مع فاطمة بنت عمرو بن سعد بن شبل، وسعد بن شبل الذي يقول فيه الشاعر -وكان أشجع أهل زمانه: لا أرى في الناس شخصا واحدا ... فاعلموا ذاك لسعد بن شبل فارس أضبط فيه عسرة ... فإذا ما عاين القرن نزل فارس يستدرج الخيل كما ... يدرج الحر القطامي الحجل وزهرة أكبرهما، فتزوج ربيعة بن حزام أمهما. وزهرة رجل بالغ، وقصي فطيم أو في سن الفطيم، فاحتملها ربيعة إلى بلاده من أرض عذرة إلى أطراف الشام، فاحتملت

стр. 635

معها قصيا لصغره، وتخلف زهرة في قومه؛ فولدت فاطمة ابنه عمرو بن سعد لربيعة: رزاح بن ربيعة؛ فكان أخا قصي بن كلاب لأمه، ولربيعة بن حزام من امرأة أخرى، ثلاثة نفر: حسن، ومحمود، وطهيمة١، بنو ربيعة. فبينا قصي بن كلاب في أرض قضاعة لا ينتهي٢ إلا إلى ربيعة بن حزام؛ إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء، وقصي قد بلغ، فقال له القضاعي: ألا تلحق بنسبك وقومك، فإنك لست منا؟ فرجع قصي إلى أمه وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي، فسألها عما قال له، فقالت له: أنت والله يا بني خير منه وأكرم، أنت كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقومك عند البيت الحرام وما حوله؛ فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحاق بهم، وكره الغربة في أرض قضاعة؛ فقالت له أمه: يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب؛ فإني أخشى عليك. فأقام قصي حتى دخل الشهر الحرام، وخرج في حاج قضاعة حتى قدم مكة؛ فلما فرغ من الحج أقام بها، وكان قصي رجلا جليدا حازما بارعا، فخطب إلى حليل بن حبشية بن سلول الخزاعي ابنته حبي ابنة حليل؛ فعرف حليل النسب ورغب في الرجل، فزوجه حليل، وحليل يومئذ يلي الكعبة وأمر مكة، فأقام قصي معه حتى ولدت حبي لقصي عبد الدار -وهو أكبر ولده- وعبد مناف، وعبد العزي، وعبد بن قصي؛ فكان حليل يفتح البيت، فإذا اعتل أعطى ابنته حبي المفتحا، ففتحته، فإذا اعتلت أعطت المفتاح زوجها قصيا، أو بعض ولدها، فيفتحه، وكان قصي يعمل في حيازته إليه، وقطع ذكر خزاعة عنه؛ فلما حضرت حليل الوقاة نظر إلى قصي فجعل له ولاية البيت، وأسلم إليه المفتاح، وكان يكون عند حبي؛ فلما هلك حليل، أبت خزاعة أن تدعه وذلك، وأخذوا المفتاح من حبي، فمشي قصي إلى رجل من قومه من قريش وبني كنانة، فدعاهم إلى أن يقوموا معه في ذلك، وأن ينصروه ويعضدوه؛ فأجابوه إلى نصره، ويعلمه ما حالت خزاعة بينه من ولاية البيت، ويسأله الخروج إليه بمن أجابه من قومه؛ فقام رزاح في قومه، فأجابوا إلى ذلك، فخرج الخروج إليه بمن أجابه من قومه، فقام رزاح في قومه، فأجابوا إلى ذلك، فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته من أبيه: حسن، ومحمود، وطهيمة٣، بنو ربيعة بن حزام، فيمن معهم من قضاعة، وفيمن ومعهم من حاج العرب مجتمعين لنصر قصي، والقيام معه؛ فلما اجتمع الناس بمكة، خرجوا إلى الحج، فوقفوا بعرفة، وبجمع، ونزلوا منى.

стр. 636

وقصي مجمع على ما أجمع عليه، من قتالهم بمن معه من قريش وبني كنانة، ومن قدم عليه مع أخيه رزاح من قضاعة؛ فلما كانت آخر أيام منى، أرسلت قضاعة إلى خزاعة يسألونهم أن يسلموا إلى قضي ما جعل له حليل، وعظموا عليهم القتال في الحرم، وحذروهم الظلم والبغي بمكة، وذكروهم ما كانت فيه جرهم، وما صارت إليه حين ألحدوا١ فيه بالظلم؛ فأبت خزاعة أن تسلم ذلك، فاقتتلوا بمفضى مأزمي منى -قال: فسمى ذلك المكان المفجر٢، لما فجر فيه وسفك فيه من الدم، وانتهك من حرمته- فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، وكثرت فيهم الجراحات، وحاج العرب جمعيا من مضر واليمن مستنكفون، ينظرون سفك الدماء والفجور في الحرم؛ فاصطلحوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فحكموا عمر بن عوف بن كعب بن عامر بن الليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان رجلا شريفا؛ فقال لهم: موعدكم فناء الكعبة غدا، فاجتمع الناس، وعدوا القتلى؛ فكانت في خزاعة أكثر منها في قريش وقضاعة وكنانة، وليس كل بني كنانة قاتل مع قصي خزاعة؛ إنما كانت مع قريش من كنانة فلال يسيرة، واعتزلت عنها بنو بكر بن عبد مناة قاطبة. فلما اجتمع الناس بفناء الكعبة قام يعمر بن عوف؛ فقال: ألا إني قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمي هاتين، ولا تباعة لأحد على أحد في دم، وإني قد حكمت لقصي بحجابة البيت، وولاية أمر مكة دون خزاعة لما جعل له حليل، وأن يخلي بينه وبين ذلك، وأن لا تخرج خزاعة من مساكنها من مكة. قال: فسمي يعمر ذلك اليوم: الشداخ. فسلمت ذلك خزاعة لقصي، وأعظموا سفك الدماء في الحرام، وافترق الناس. فولي قصي بن كلاب حجابة البيت وأمر مكة، وجمع قومه قريشا من منازلهم إلى مكة يستعز بهم ويملك على قومه، فملكوه، وخزاعة مقيمة بمكة على رباعهم وسكانهم لم يحركوا ولم يخرجوا منها؛ فلم يزالوا على ذلك حتى الآن، وقال قصي في ذلك وهو يشكر لأخيه رزاح بن ربيعة: أنا ابن العاصمين بني لؤي ... بمكة مولدي وبها ربيت لي البطحاء قد علمت معد ... ومروتها رضيت بها رضيت

стр. 637

وفيها كانت الآباء قبلي ... فيما سويت أخي وما سويت رزاح ناصري وبه أسامي ... فلست أخاف ضيما ما حييت١ فكان قصي أول رجل من كنانة أصاب ملكا، وأطاع له به قومه؛ فكانت إليه الحجامة، والرفادة، والسقاية، والندوة٢، والقيادة؛ فلما جمع قصي قريشا بمكة سمي مجمعا، وفي ذلك يقول حذافة بن غانم الجمحي يمدحه: أبوهم قصي كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر همو نزلوها والمياه قليلة ... وليس بها إلا كهول بني عمرو يعني هم خزاعة: قال إسحاق بن أحمد: أبو جعفر محمد بن الوليد بن كعب الخزاعي: أقمنا بها والناس فيها قلائل ... وليس بها إلا كهول بني عمرو هم ملكوا البطحاء مجدا وسوددا ... وهم طردوا عنها غواة بني بكر هم حفروها والمياه قليلة ... ولم يستقوا إلا بنكد من الحفر حليل الذي عادى كنانة كلها ... ورابط بيت الله بالعسر واليسر أحازم إما أهلكن٣ فلا تزل ... لهم شاكرا حتى توسد في القبر ويقال: من أجل تجمع قريش سميت قريش: قريشا٤. وذكر ابن إسحاق خبر ولاية قصي بن كلاب، وفيه زيادة على ما في هذا الخبر؛ لأنه قال: ثم إن قصي بن كلاب خطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبي؛ فرغب فيه حليل فزوجه، فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزي، وعبدا؛ فلما انتشر ولد قصي وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل؛ فرأى قصي أنه قصي أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشا فرعة إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وصريح ولده؛ فكلم رجالا من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فأجابوه، وكان ربيعة بن حزام بن عزرة بن سعد بن زيد بن مناة قد قدم مكة بعد هلك كلاب. فتزوج فاطمة بنت سعد بن شبل٥، وهو يومئذ رجل، وقصي فطيم. فاحتملها إلى بلاده، فحملت قصيا معها، وأقام زهرة، فولدت لربيعة: رزاحا، فلما بلغ قصي.

стр. 638

وصار رجلا، أتى مكة فأقام بها؛ فلما أجابه قومه إلى ما دعاهم إليه، كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة يدعوه إلى نصرته والقيام معه. فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته: حسن بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وطهيمة وهم لغير فاطمة، فيمن تبعهم من قضاعةت في حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصي، وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيا وأمره به؛ حتى انتشر له من ابنته من الولد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة، والقيام عليها، وبأمر مكة من خزاعة؛ فعند ذلك طلب قصي ما طلب. ولم يسمع ذلك من غيرهم؛ فالله أعلم أي ذلك كان. ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبر صوفة وإجازتها بالناس من عرفة ومنى؛ فلما١ كان ذلك العام فعلت صوفة كما كانت تفعل، وقد عرفت لها ذلك العرب، وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم، فأتهاهم قصي بن كلاب لمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة؛ فقال: لا، نحن بهذا أولى منكم. فقاتلوه؛ فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم، من ذلك. وانحازت عند ذلك خزاعة، وبنو بكر عن قصي، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة، وأمر مكة؛ فلما انجازوا عنه باداهم٢ وأجمع لحربهم. وخرجت له خزاعة وبنو بكر، فالتقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، وإلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب؛ فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة؛ فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلي بين قصي وبين الكعبة ومكة، فسمي يعمر بن عوف يومئذ: الشداخ، بما شدخ من الدماء، ووضع منها. قال ابن هشام: ويقال: الشداج. قال ابن اسحاق: وولي قصي البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه؛ إلا أنه قال: قد أقر العرب ما كانوا عليه؛ وذلك أنه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي تغييره؛ فأقر آل صفوان، وعدوان، والنساء، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام فهدم الله ذلك كله؛ فكان قصي أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة٣

стр. 639

والسقاية١، والرفادة٢، والندرة٣، واللواء٤؛ فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة رباعا بين قومه؛ فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي اصطلح عليها. ويزعم بعض الناس أن قريشا هابوا قطع شجرا الحرام في منازلهم، فقطعها قصي بيده وأعوانه فسمته قريش مجمعا، لما جمع من أمرها، وتيمنت قريش بأمره؛ فما تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش، ولا يتشاورون في أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقده لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره، تشق عليها فيها درعها، ثم تدرعه، ثم ينطلق إلى أهلها؛ فكان أمره في قومه من قريش بها في حياته ومن بعد موته كالدين المتبع. لا يعمل بغيره، واتخذ لنفسه دار الندرة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة؛ ففيها كانت قريش تقضي أمورها. قال ابن هشام: قال الشاعر: قصي لعمري كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من قهر قال ابن إسحاق: حدثني عبد الملك بن راشد عن أبيه، قال: سمعت السائب بن حباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب ﵁ وهو خليفة- حديث قصي بن كلاب، وما جمع من أمر قومه، إخراجه خزاعة وبني بكر من مكة، وولايته البيت وأمر مكة؛ فلم يرد ذلك عليه ولم ينكره٥ ... انتهى. وفي هذا الخبر من الفائدة في خبر قصي غير ما في الخبر الأول، ببيان ما كان من خبر قصي وصوفة وغير ذلك، وهو يقتضي أن منازعة قصي خزاعة، لما كان في نفسه، من أنه أولى بالكعبة وأمر مكة خزاعة، أو لكون حليل جعل ذلك إليه -كما تزعم خزاعة- من غير أن تكون خزاعة عارضت قصيا في ذلك، والخبر الأول يقتضي أن منازعة قصي خزاعة لمنعهم له؛ مما جعله إليه حليل من أمر البيت، والله أعلم بالصواب.

стр. 640

وقد ذكر الزبير بن بكار خبرًا يدل على أن حليلا حين حضرته الوفاة، جعل إلى قصي أمر البيت ومكة؛ وذلك يوافق ما زعمته خزاعة، كما في الخبر الذي ذكره ابن إسحاق، ونص ما ذكره الزبير: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن عمر الواقدي، عن عبد الله بن عمر بن زهير، عن عبد الله بن خراش بن أمية الكعبي، عن أبيه، قال لما تزوج قصي إلى حليل بن حبشية حبي، ابنته، وولدت له، أوصى حليل عند موته بولاية البيت وأمر مكة إلى قصي. قال الزبير: وحدثني إبراهيم، عن الواقدي، عن فاطمة الأسلمية، عن فاطمة الخزاعية -وكانت أدركت أصحاب النبي ﷺ قالت: وقال حليل: إنما ولد قصي ولدي، وهم بنو ابنتي؛ فأوصى إلي قصي بالبيت والقيام بأمر مكة، وقال: أنت أحق الناس بها ... انتهى. وقد قيل في سبب ولاية قصي غير ما سبق، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في خبر خزاعة ونذكره فيما هنا لما فيه من زيادة في إيضاح ذلك؛ ورويناه عن الزبير بن بكار، قال: قال محمد بن الضحاك: اشترى قصي مفتاح بيت الله الحرام من أبي غبشان الخزاعي بكبش، وزق خمر؛ فقال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان، فذهبت مثلا. وقال أيضا: حدثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: زعم الناس من خزاعة أن قصيا تزوج حبي ابنة خليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر؛ فولدت له عبد مناف، وعدب العزى، وعبد الدار، وعبد بن قصي، وكان حليل آخر من ولي البيت من خزاعة؛ فلما ثقل١، جعل ولاية البيت إلى ابنته حبي؛ فقالت له: قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه. قال: إني أجعل لؤي بن ملكان بن أقصي بن حارثة بن عمرو بن عامر، فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وقعود؛ فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي، فاستنصر أخاه رزاحا، فقدم بمن معه من قضاعة، فقاتل خزاعة حتى نفوا خزاعة. قالوا: فأما الخلفي -قال: قال أبو عبيدة: وهو رجل من بني خلف- فزعم أن خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيها؛ فلما رأت ذلك جلت عن مكة؟ فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم من أسكن. قال: قال أبو عبيدة: وهذا باطل ليس كما قال الخلفي.

стр. 641

وقال الزبير: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن عبد الحكم بن سفيان بن أبي نمر، قال: كان أبو غبشان الخزاعي يلي البيت، وكان هو وقصي بمكة، فتحالفا على أن لا يبغي أحدهما على صاحبه، ثم ابتاع قصي المفتاح؛ فقدم مكة؛ فقال لقومه: هذا مفتاح بيت أبيكم إسماعيل، قد رده الله تعالى عليكم من غير ولا ظلم؛ فلما أفاق أبو غبشان ندمه قومه، وعابوا عليه ما صنع، فجحد البيع؛ فقال: إنما رهبته عنده رهنا بحقه. فقال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان. فذهبت مثلا. ووقعت الحرب بين قصي وبين غبشان، وقومهما قريش وخزاعة، فذلك قول الشاعر: أبو غبشان أظلم من قصي ... وأظلم من بني فهر خزاعة فلا تلحوا قصيا في شراه ... ولوموا شيخكم إن كان باعه١ وذكر الفاكهي الخبر الذي رواه الزبير عن الموصلي، ووقع في الخبر الذي ذكره الفاكهي عن الزبير فائدتان لا يفهمان من الخبر الذي نقلناه عن الزبير من كتابه. إحداهما: أن اشتراء قصي من أبي غبشان لمفتاح البيت كان بالطائف. والأخرى: أنه اشترى ذلك بزق خمر. وذكر الفاكهي أن الذين قدم بهم رزاح لنصر أخيه قصي كانوا ثلاثمائة رجل، روى ذلك الفاكهي بسنده عن كرامة بنت المقداد بن عمرو الكندي، المعروف بالمقداد الأسود، عن أبيها. وذكر الفاكهي أيضا ما يقتضي أن قدوم رزاح على أخيه قصي، كان بعد أن نفى خزاعة، والمعروف أن قصي لم يقاتل خزاعة إلا بعد أن قدم عليه أخوه رزاح. وفي الخبر الذي فيه ما ذكرناه من قدوم رزاح على أخيه بعد نفي خزاعة شيئًا من خبر قصي لم يسبق له ذكر، فحسن ذكره لما في ذلك من الفائدة. ونصه على ما في كتاب الفاكهي. حدثنا الزبير بن أبي بكر، قال: قال أبو الحسن الأثرم، قال أبو عبيدة: قال محمد بن حفص: قدم رزاح وقد نفي قصي خزاعة، وقال بعض مشيخة قريش: إن مكة لم يكن بها بيت في الحرم؛ إنما كانوا يكونون بها حتى إذا أمسوا خرجوا، لا يستحلون أإن يصيبوا فيها جناية، ولم يكن بها بيت قائم؛ فلما جمع قصي قريشا- وكان أدهى من رؤي في العرب- قال لهم: أرى أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت، فوالله لا

стр. 642

يستحل العرب قتالكم، ولا يستطيعون إخراجكم منه، وتسكنوه فتسودون العرب أبدا١. فقالوا: أنت سيدنا، رأينا لرأيك تبع. فجمعهم، ثم أصبح بهم في الحرم حول البيت؛ فمشت إليه أشراف كنانة، وقالوا: إن هذا عند العرب عظيم، ولو تركناك ما تركتك العرب؛ فقال: والله لا أخرج منه، فثبت، وحضر الحج؛ فقال لقريش: قد حضر الحج، وقد سمعت العرب بما قد صنعتم، وهم لكم معظمون، ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام، فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجا، ففعلوا، فجمع من ذلك شيئا كثيرا. فلما جاء أوائل الحاج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا، ونحر بمكة، وجعل حظيرة؛ فجعل فيها الطعام من الخبر والثريد واللحم، فمن مر باللحم والثريد أكل، ومن قدم دخل الحظيرة فأكل، وسقى الماء واللبن المحض، ثم صدروا على مثل ذلك، فصدر روادهم وهم يقولون: إن الحجيج طاعمين دسما ... عن الحسا مستحقين ... ٢ أشبعهم زيد قصي لحما ... ولبنا محضا وخبزوا هشما ولم يكن بنو عامر بن لؤي ترفد مع قريش شيئا ... انتهى. وزيد: اسم قصي على ما ذكر الزبير؛ لأنه قال: كان اسم قصي: زيدا؛ وإنما سمي قصيا لأنه يقصي عن مكة، وخرجت به أمه منها إلى غيرها. وذكر الزبير عن قصي أخبارا غير ما سبق، وذكر أنه قال فيما رويناه عنه: حدثني أبو الحسن الأثرم، عن عبيدة، قال: كان قصي يلي الرفادة، ويسقي الحاج اللبن والزبيب. وقال الزبير: قال أبو الحسن الأثرم: قال أبو عبيدة: حدثنا خالد بن أبي عثمان، قال: كان قصي أول من ثرد الثريد؛ فأطعم بمكة، وسقى اللبن بعد نابت بن إسماعيل فقال قائل: ولم يسموه هاشما: أشبعهم زيد قصي لحما ... ولبنا محضا وخبزا هشما وقال الزبير: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن عبد الحكيم بن سفيان بن أبي نمر قال: لما ولد لقصي أول ولد سماه عبد مناة، ثم نظر؛ فإذا هو موافق لاسم عبد مناة بن كنانة؛ فأحاله إلى عبد مناف٣ بن كنانة؛ وإنما سمي عبد الدار لأنه حين هدم

стр. 643

الكعبة وأراد بناءها حضر الحج قبل بنيانها، وهي مهدومة؛ فأحاط عليها دارا من خشب، وربطها بالحبال ليدور الناس منوراء الدار؛ فولد له عبد الدار، فسماه بها: عبد الدار. وأما عبد بني قصي؛ فإنه سماه عبد قصي فكان بذلك يدعى، ثم أحال اسمه، فقيل له: عبد بن قصي. قال الزبير: وقال غير الموصلي: قال قصي: ولد لي، فسميت اثنين بآلهة -يعني: عبد مناف وعبد العزى- وسميت الثالث بداري، يعني: عبد الدار، وسميت الرابع بنفسي -يعني: عبدا- فكان يقال لعبد بن قصي: عبد قصي الصنم. وقال الزبير: حدثني محمد بن حسن قال: إنما سمي عبد مناف لأن أمه أخدمته صنما يقال له: مناف، ويقال: إن أباه أخدمه ذلك الصنم. وقال الزبير: وروي أن قصيا قال للأكابر من ولده: من عظم لئيما شركه في لؤمه. ومن استحسن مستقبحا شرك فيه، ومن لم تصلحه كرامة كبر فدعوه بهوانه فأداء يحسن الداء. وروى الزبير بسنده عن محمد بن جبير بن مطعم قال: إن قصي بن كلاب كان يعشر١ من دخل مكة من غير أهلها. وقال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذر عن الواقدي قال: مات قصي بمكة فدفن بالحجون، فتدافن الناس بعده بالحجون ... انتهى. وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن قصي بن كلاب أظهر الناس الحجر الأسود بعد دفن جرهم له؛ لأنه قال: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود، قال: إن يعقوب بن عبد الله بن وهب حدثنه، وعن أبيه أن أم سلمة زوج النبي ﷺ -وهي جدته- قالت: قدم قصي بن كلاب -يعني مكة- فقطع غيضة كانت، ثم ابتنى حول البيت دارا، ونكح حبي بنت حليل الخزاعي؛ فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى بن قصي. ثم قال: فقال قصي لامرأته: قولي لأمك تدل بنيك على الحجر الأسود؛ فإنما هم يلون البيت؛ فلم يزل بها: يا أمه دليني عليه فإنما هم بنوك، ولم يزل، بها حتى قالت: فإني أفعل، إنهم حين خرجوا إلى اليمن سرقوه، فنزلوا منزلا -وهم معهم- فبرك الجمل الذي عليه الحجر فضربوه؛ فقام، ثم ساروا فبرك، فضربوه، ثم ساروا الثالثة، فقالوا:

стр. 644

ما يبرك إلا من أجل الحجر، فدفنوه؛ وذلك في أسفل مكة، وإني لأعرف حيث برك. فخرجوا بالحديد، وخرجوا بها، فأرتهم حيث برك أول الشأن؛ فلا شيء. ثم المكان الثاني، فلا شيء. ثم الثالث، فقالت: احفروا هاهنا، فحفروا حتى أيسوا منه، ثم ضربوا فأصابوا، فأخرجوه؛ فأتى به قصي فوضعه موضعه في الأرض، فكانوا يتمسحون به وهو في الأرض، حتى بنت قريش الكعبة. ثم روى الفاكهي بسنده عن أم سلمة ﵄ أنها قالت: منزل الجعل الأول عند الجزارين، ثم دلتهم على المنزل الثاني عند سوق البقر١. وذكر هذا الخبر محمد بن عائذ في "مغازيه" وفيه نظر؛ لما فيه أن الحجر الأسود لم يزل مدفونا على عهد قصي، وقد بينا ذلك في أخبار الحجر الأسود؛ فأغنى ذلك عن إعادته. وقصي بن كلاب أحدث وقود الناس بالمزدلفة ليراها من دفع من عرفة، على ما ذكر القطب الحلبي. وكلامه يوهم أن أبا محمد عبد الله بن محمد العلاطي صاحب "الاشتمال" نقل ذلك عن أبي عبيدة، والله أعلم. وفي "العقد" لابن عبد ربه أن قصي بن كلاب، بني قزح: موضع الوقوف بالمزدلفة٢، والله أعلم.

стр. 645

الباب الثالث والثلاثون: في ذكر شيء من خبر بني قصي بن كلاب: وتوليتهم لما كان بيده من الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، والقيادة، وتفسير ذلك. قال ابن إسحاق١: فلما كبر قصي ورق عظمه، وكان عبد الدار بكره، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب كل مذهب، وعبد العزي، وعبد قصي، قال قصي لعبد الدار: أما والله يا بني لألحقنك بالقوم، وإن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تقوم أنت بفتحها لهم، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك. فأعطاه دار الندوة التي لا تقضي قريش أمرا إلا فيها، وأعطاه أيضا الحجابة، واللواء، والسقاية، والرفادة. وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب، فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد؛ وذلك أن قصيا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله -تعالى- وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم؛ ففعلوا، وكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا، فيدفعونه إليه، فيصنع به طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلا يومنا هذا؛ فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس، حتى ينقضي الحج.

стр. 646

قال ابن أسحاق، حدثني بهذا من أمر قصي بن كلاب، وما قال لعبد الدار فيما دفعه إليه مما كان بيده أبو إسحاق بن يسار عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بني عبد الدار يقال له: نبيه بن وهب بن عارم بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. قال الحسن: فجعل إليه قصي كل ما كان بيده من أمر قومه، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه. قال ابن إسحاق: ثم إن قصي بن كلاب هلك؛ فأقام أمره في قومه من بعده بنوه، فاختطوا مكة رابعا بعد الذي كان قطع لقومه بها؛ فكانوا يقطعونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم، ويبيعونها، فأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع، ثم إن بني عبد مناف بن قصي، وبني عبد شمس وهاشما، والمطلب، ونوفلا، أجمعوا على أن يأخذوا ما في أيدي عبد الدار بن قصي مما كان قصي جعل إلى عبد الدار من الحجابة، واللواء، والسقاية، والرفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم؛ فترفقت عند ذلك قريش؛ فكانت طائفة من بني عبد مناف على رأيهم يرون أنهم أحق به من بني عبد الدار لمكانهم في قومهم، وكانت طائفة مع بني عبد الدار يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصي جعل إليهم. فكان صاحب أمر بني عبد مناف: عبد شمس بن عبد مناف؛ وذلك أنه كان أسن بني عبد مناف، وكان صاحب أمر بني عبد الدار: عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وكان بنو أسد بن العزي بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة بن كعب، وبنو الحرث بن فهر بن مالك بن النضر، مع بني عبد مناف. وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب وبنو كعب بن عمرو بن هصيص، وبنو عدي بن كعب مع بني عبد الدار. وخرجت عامر بن لؤي، ومحارب بن فهر؛ فلم يكونوا مع واحد من الفريقين. فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة١؛ فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، فيزعمون أن نساء بني عبد مناف أخرجنها لهم؛ فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسم، فسموا المطيبين.

стр. 647

وتعاقد بنو عبدج لدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا؛ على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا الأحلاف. ثم سوند١ بين القبائل ولز٢ بعضها ببعض، فعبأت بنو عبد مناف لبني سهم، وعبأت بنو أسد لبني عبد الدار، وعبأت زهرة لبني جمح، وعبأت بنو تيم لبني لمخزوم، وعبأت بنوا الحارث بن فهر لبني عدي بن كعب، ثم قالوا: لتعن كل قبيلة فيما أسند إليها. فبينا للناس على ذلك قد أجمعوا للحرب؛ إذ تدعو للصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة، واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت؛ ففعلوا، ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس علن الحرب، فقال رسول الله ﷺ : "ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة" ٣. ثم قال ابن إسحاق، فولي السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف؛ وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا، قل ما يقيم بمكة، وكان مقلا ذا ولد، وكان هاشم موسرا، وكان -فيما يزعمون- إذا حضر الحج قام في قريش، فقال: يا معشر قريش؛ إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله وحجاج بيته، وهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه؛ فأجمعوا له ما تصنعون لهم به طعاما أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها؛ فإنه والله لو كان مالي يسع ذلك ما كلفتموه؛ فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم، كل امرئ بقدر ما عنده، فيصنع به للحاج طعاما حتى يصدروا منها. وكان هاشم -فيما يزعمون- أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف، وأول من أطعم الثريد بمكة؛ وإنما كان اسمه عمرا فما سمي هاشما إلا لهشمه الخبز بمكة لقومه. وقال شاعر من قريش، أو من بعض العرب: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف سنت إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر من أهل الحجاز قوله: قوم بمكة مسنتين عجاف

стр. 648

قال ابن إسحاق، ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجرا؛ فولي السقاية والرفادة من بعد المطلب بن عبد مناف، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم، وكان ذا شرف في القوم وفضل، وكانت قريش إنما تسميه الفيض لسماحته وفضله١. ثم قال ابن إسحاق: ثم هلك المطلب بردمان٢ من أرض اليمن؛ فقال رجل من العرب يبكيه: قد طمئ٣ الحجيج بعد المطلب ... بعد الجفان والشراب المنثغب ليت قريشا بعده على نصب وقال مطرود بن كعب الخزاعي يبكي المطلب وبني عبد مناف جميعا حين أتاه نعي نوفل بن عبد مناف، وكان نوفل آخرهم هلكا، فذكر أبياتا٤. ثم قال ابن إسحاق: وكان أول بني عبد مناف هلكا هاشما بغزة من أرض الشام، ثم عبد شمس بمكة، ثم المطلب بردمان من أرض اليمن، ثم نوفلا بسلمان من ناحية العراق؛ فقيل لمطرود -فيما يزعمون: لقد قلت فأحسنت، ولو كان أفحل ما هو لكان أحسن، فقال: أنظروني ليالي، فمكث أياما. قم قال: عصيت ربي باختيار ... أم بحكم الإله فينا فبسط اليدين إلى القفا ... خير فخر السابقينا وهذا قول السابق ذكره: يا عين جودي وادرالدمع وانهمري ... وأبكي على السر من كعب المغيرات وأبكي على كل فياض أخي ثقة ... ضخم الدسيعة وهام الجزيلات صعب الدسيعة لا نكس ولا ... وكل ماض العزيمة متلاف الكريمات

стр. 649

صقر توسط من كعب إذا نسبوا ... بحبوبة المجد والشيم الرفيعات ثم اندبني الفيض الفياض مطلبا ... واستحرصي عبد فيضات بحمسات١ أمسى بردمان عنا اليوم مغتربا ... يا لهف نفسي عليه بين أموات وأبكي لك الويل ما كنت باكية ... لعبد شمس سرفي الثنيات وهاشم في ضريح وسط بلقعة ... تسفي الرياح عليه بين غزات ونوفل كان دون القوم خالصتي ... أمسى بسلمان في رمس بموماة لم ألق مثلهم عجما ولا عربا ... إذا استقلت بهم أدم المطيات أمست ديارهم منهم معطلة ... وقد يكونون نورا في الملمات٢ ثم قال: يا عين وابكي أبا الشعث الشجيات ... تبيكه حسرا مثل البليات تبكين أكرم من يمشي على قدم ... بغولنه بدموع بعد عبرات ومنها: تبكين عمرو العلا إذا حان مصرعه ... سمح السجية بسام العشيات ومنها: ما في القروم لهم عدل ولا خطر ... ولا لمن تركوا سروا بقيعات ومنها: أبناؤهم خير أبناء وأنفسهم ... خير النفوس لذي جهد الأليات ومنها: زين البيوت التي حلوا مساكنها ... فأصبحت منهم وحشا خليات أقول والعين لا ترقا مدامعها ... لا يبعد الله أصحاب الرزيات٣ ثم قال ابن إسحاق: ثم ولي عبد المطملب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباءه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وعظم خطر فيهم٤ ... انتهى.

стр. 650

وذكر الفاكهي أخبارا تتلعق ببني قصي بن كلاب، وبني عبد مناف بن قصي، وبني عبد الدار بن قصي، وأفاد في ذلك غير ما سبق، فاقتضى ذلك ذكر ما ذكره من ذلك، لما فيه من الفائدة. قال الفاكهي: حدثنا عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: ثم إن بني عبد مناف، وعيد شمس، وهاشم، والمطلب ... " ثم قال بعد أن ذكر أمهم وأم نوفل فبن عبد مناف: أجمعوا على أن يأخذوا منا بأيدي بني عبد الدار بن قصي من الحجاجة، والسقاية، والرفادة، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد مناف في رأيهم، يرون أنهم أحق بذلك من بنيعبد الدار، وكانت طائفة مع بني عبد الدار، لا يرون أن يغير عنهم ما كان قصي جعل إليهم. وذكر نحو ما سبق؛ إلا أنه قال بعد أن ذكر تعاقد كل من الفريقين: فأخرجت عاتكة بنت عبد المطلب طيبا، فوضعته لأحلافهم، ثم غمس القوم أيديهم فيه حين تعاقدوا وتهاهدوا، ثم مسحوا بها الكعبة، فسموا: حلف المطيبين١. وفي هذا الخبر من الفائدة غير ما سبق: كون عاتكة بنت عبد المطلب هي المخرجة لقومها جفنة الطيب، وفي ذلك نظر لتأخرت زمنها عن زمن عم أبيها عبد شمس القائم بأمر بني عبد مناف في هذه القصة، وكذلك في كون عامر بن هاشم، بن عبد مناف بن عبد الدار القائم بأمر بني عبد الدار حين نازعهم بنو عبد مناف نظر؛ لتأخر زمن عامر بن هاشم بن زمن عبد شمس ... انتهى، والله أعلم. وقال الفاكهي: وحدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثني محمد بن فضالة، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، قال: حدثني ابن شهاب، قال: كانت السقاية في بني المطلب، وكانت الرئاسة فيبني عبد مناف كلهم، وكانت الرفادة في بني أسد بن عبد العزى، واللواء والحجابة في بني عبد الدار؛ فمشوا إلى سهم فحالفوهم، وقالوا لهم: امنعونا من بني عبد مناف؛ فلما رأت ذلك البيضاء التي يقال لها: أم حكيم بنت عبد المطلب، أخذت جفنة فملأتها خلوقا، ثم وضعتها في الحجر؛ فقالت: من تطيب بهذا الطيب فهو منا. فتطيب بنو عبد مناف، وأسد وزهرة، وبنو تيم، وبنو الحرث بن فهر؛ فسموا: المطيبين؛ فلما سمعت بذلك بنو سهم نحروا جزورا، وقالوا: من تطيب بهذا الطيب فهو منا. فتطيب بنو عبد مناف، وأسد، وزهرة، وبنو تيم، وبنو الحرث بن فهر، فسموا: المطيبين؛ فلما سمعت بذلك بنو سهم نحروا جزورا، وقالوا: من أدخل يده فيدمها فلعق منها فهو منها. فأدخلت أيديها: بنو سهم، وبنو عدب الدار، وبنو جمح، وبنو عدي، وبنو مخزوم؛ فلما فعلوا ذلك وقع الشر بينهم، فتزاجعوا وقالوا: والله لئن اقتتلنا لتدخلن العرب علينا، فأقروهم على حالهم، فسمى هؤلاء. المطيبين

стр. 651

وهؤلاء: الأحلاق؛ فقال أبو طلحة عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار: أتاني أن عمرو بن هصيص ... أقام وأنني بهم حليف وأنهم إذا حدثوا لأمر ... فلا إلف أكون ولا ضعيف١ ... انتهى. وفي هذا الخبر من الفائدة على ما سبق بيان ما جاء بالجفنة التي فيها الطيب، وهي أنها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب. وفيه من النظر ما سبق في أخيها، والله أعلم. وفي هذا الخبر ما يشعر بأن القائم بأمر بني عبد الدار حين نازعهم بنو عبد مناف: أبو طلحة عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار. ويتأيد ذلك بما في الخبر الآتي ذكره، إن شاء الله تعالى. قال الفاكهي: حدثنا حسن بن الحسن الأزدي، حدثنا محمد بن حبيب، عن ابن الكلبي قال: وإن بني عبد مناف لما زاد شرفهم وكثرتهم، أراداوا أخذ البيت من بني عبد الدار؛ فأرسلوا إلى أبي طلحة وهو عبد الله بنعبد العزى بن عثمان بن عبد الدار أن أرسل إلينا بمفتاح عبد الدار بن قصي، فعادتهم من بني عبد مناف ... وذكر نحو حديث ابن شهاب؛ إلا أنه قال: لما غمسوا أيديهم قالوا: والله لا يسلم أحدا منا أحدا، وخلطوا نعالهم بفناء الكعبة، فسموا: الأحلاف لخلطهم نعالهم، وتحالفهم في البيت ... انتهى,. ثم قال: وقال أبو طلحة عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار شعرا ذكره، وهما البيتان في حديث ابن شهاب، قال: بنو سهم نحن نكفيكموهم ... إن قاتلوا قاتلنا وإن رفدوا رفدنا ... وإن فعلوا فعلنا١ ... انتهى. فصرح في هذا الخبر بما يقتضي أن القائم بأمر عبد الدار: أبو طلحة؛ وذلك يخالف الخبر الذي ذكره الفاكهي عن ابن إسحاق؛ فإنه يقتضي إن القائم بأمر بني عبد الدار: حينئذ: عارم بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، والله أعلم. وقال الفاكهي: وحدثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عمر بن أبي بكر الموصلي، عن بني عدي بن كعب، قال: حدثني

стр. 652

الضحاك بن عثمان الحرامي، قال: حدثني ابن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عروة، عن حكيم بن حزام، قال: لما حضر عبد الدار الموت جعل الندوة، واللواء، والرفادة، إلى ابنه عثمان بن عبد الدار؛ فقال أمية بن عبد شمس لعثمان بن عبد الدار: طب لي نفسا عن واحدة من هذه الثلاث، فأبى، فقال: إذا، لا أدعيك، فأستخرج عثمان بن عبد الدار قريشا؛ فقالت له بنو مخزوم، وجمح، وسهم، وعدي: نحن معك، وتقع لك هذه الخصال، ونحالفك. قال: نعم، فتحالفوا، فمنعوها له ... انتهى. وفي هذا الخبر من الفائدة أن القائم بأمر بني عبد الدار حينئذ: عثمان بن عبد الدار وأن القائم بأمر بني عبد مناف حينئذ: أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وقال الفاكهي: وحدثني عبد الله بن سلمة قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثني ابن لهيعة، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن الأسود، قال: يذكر أنه لما توفي عبد بن قصي، وكان اللواء بيده، أخذه عبد الدار؛ لأنه أكبر إخواته، فحسده إخواته، فذهب فخالف بني مخزوم، وعدي١ ... انتهى. وهذا يقتضي أن التنازع وقع بين عبد الدار وإخوته، وهذا لا يفهم مما سبق، والله أعلم. ويتحصل من مجموع هذه الأخبار في القائم بأمر بني عبد الدار، حين نازعهم بنو عبد مناف، ثلاثة أقوال: أولها: أنه عامر بن هاشم عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. وثانيها: أنه أبو طلحة بن عبد العزى بن عدب الدار بن قصي. وثالثها: أنه عثمان بن عبد الدار ... والله أعلم. ويتحصل في القائم بالأمر حين نازعه عبد الدار قولان: أحدهما: أنه عبد شمس بن عبد مناف. والآخر: أنه أمية بن عبد شمس. ويتحصل في القائم بالأمر حين نازعه عبد الدار قولان: أحدهما: أحدهما: أنه عبد شمس بن عبد مناف. والآخر: أنه أمية بن عبد شمس. ويتحصل في التي أخرجت الجفنة التي فيها الطيب لقومها وحلفائهم قولان: أحدهما: أنها عاتكة بنت عبد المطلب. والآخر: أنها أم حكيم؛ البيضاء بنت عبد المطلب، والله أعلم. قال الفاكهي: وحدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق قال: ثم هلكت أعيان بني عبد مناف، فأقام عبد شمس بن عبد مناف على ما

стр. 653

كان بيد عبد مناف، وكان أكبر ولده؛ فأقام أمر بني عبد مناف؛ فلما انتشرت قريش -سكان مكة، قلت عليهم المياه، واشتدت عليهم المؤونة١ ... انتهى. وهذا يفهم أن عبد شمس بن عبد مناف ولي شيئا من مآثر قصي. وفيما سبق ذكره عن ابن إسحاق في سيرته ما يشعر بأنه لم يل شيئا، والله أعلم. ولعل الصواب: فأقام هاشم بن عبد مناف، فتصفحت في كتاب الفاكهي بعبد شمس، وبذلك يتفق ما نقله الفاكهي عن ابن إسحاق مع ما نقلناه عن ابن إسحاق من سيرته، والله أعلم. وقال الفاكهي: وحدثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب أنهما كانا حلفين اثنين: فأما حلف قريش الأول فإن بني كلاب تكثروا على بطون بني كعب بن لؤي، فتحالف عليهم تلك الأحلاف: مخزوم، وعدي، وسهم، وجمح؛ فانطلق المطيبون، وكان حلفهم أن جعلوا جفنه من طيب، فتطيبوا بها، فسموا المطيبين بذلك الطيب في الجفنة، وسميت الأحلاف بتحالفهم عليه، أن جعلوا جفنه دم، فغمسوا أيديهم فيها٢. زاد الزبير بن أبي بكر في حديثه: وأن الأحلاف عبوا لكل قبيلة قبيلة، وأنكروا شأن بني عبد الدار وولايتهم الكعبة، واللواء، والندوة: فقالوا: ما شأن هؤلاء إخواننا يلون علينا هذا وهم قليل؟ لننزعنه من أيديهم. وأنهم عمدوا إلى مفتاح الكعبة؛ فأخذوه من عثمان بن عبد الدار وبنيه، وأن بني بعد الدار أطافوا إلى الأحلاف لكل قبيلة، فعبت بنو سهم لبني عبد مناف٣ ... انتهى باختصار. وفي هذا الخبر من الفائدة غير ما سبق، أن الحلف الذي يقال له حلف المطيبين كان قبل منازعة بني عبد مناف لبني عبد الدار فيما كان بيد الدار، والله أعلم. قال الفاكهي: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثني عبد الجبار بن سعيد المساحقي، قال: حدثني محمد بن فضالة الثمري، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: كانت الرفادة إلى عبد العزى بن قصي، وكانت الحجابة، واللواء والندوة إلى إلى عبد الدار بن قصي، وولد عبد مناف بن قصي خمسة نفر: عمرا، وهاشما، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل٤ ... انتهى.

стр. 654

وهذا الخبر يقتضي أن عبد العزى بن قصي ولي الرفادة، وما ذكرناه عن ابن إسحاق في سيرته يقتضي خلاف ذلك، والله أعلم. وقال الفاكهي: وحدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق قال: فلما هلك قصي أقام عبد مناف أمر قريش، وهو أقام أمرهم بعده، واختط بمكة رباعا بعد الذي كان قصي قطع لقومه؛ فكان يعطيها في قريش وفي غيرهم، وهو عقد حلق الأحابيش، والأحابيش: عضل، والقارة، ودوس، ورعل رهط سفيان بن عوف، والحليس بن زيد، وخالد بن عبد بن أبي فايض بن خالد١ ... انتهى. وقال الفاكهي: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن زيد، قال حدثني ابن لهيعة، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن الأسود، قال: يذكر أنه لما توفي عبد بن قصي، وكان اللواء بيده، بأخذه عبد الدار؛ لأنه أكبر إخوته، فحسده إخوته، فذهب فحالف بني مخزوم، وعدي، وتوفي عبد مناف، فأخذ السقاية هاشم؛ لأنه كان أكبر ولده. وتوفي أسد، فأخذ الندوة المطلب؛ لأنه أكبر ولده، فلم يزل بأيديهم حتى باعها زمعة بن الأسود لمعاوية، فلذلك يقول الشاعر: بعتم سناكم ومجدكم ... ولم تبقوا بمكة دارا٢ وهذا الخبر يشعر بأن عبد بن قصي كان إليه الندوة، وأن عبد مناف بن قصي كانت إليه السقاية؛ وذلك يخالف ما ذكرناه عن ابن إسحاق من سيرته، والله أعلم. وقال الفاكهي: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن الأسود، أن يعقوب بن عبد الله بن وهب حدثه، عن أبيه قال: إن أم سلمة زوج النبي ﷺ -وهي جدته- حدثته فقالت: قدم قصي بن كلاب -يعني مكة- فقطع غيضة كانت، ثم ابتنى حول البيت دارا، ونكح حبي بنت حليل الخزاعي؛ فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى بن قصي، بفأول ما ولد لهخ سماه عدب الدار بداره تلك، ثم سمي عبد مناف بمناف، ثم سمي عبد العزى، وكانت أم حبي الخزاعية جرهمية عجوزا قديمة؛ فقال لها: إنما يلي سمي عبد العزى، وكانت أم حبي الخزاعية جرهمية عجوزا قديمة، فقال لها: إنما يلي البيت بنوك، وجعل الحجابة إلى عبد الدار؛ لأنه أكبرهم، والسقاية لعبد مناف، واللواء لعبد بن قصي، والرفادة -وهي دار الندوة- لعبد العزى ... انتهى باختصار.

стр. 655

وهذا صريح في أن قصي بن كلاب قسم مآثره بين بنيه الأربعة؛ وذلك يخالف ما ذكره ابن إسحاق في سيرته، والله أعلم. وقال الفاكهي: وحدثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: كانت الرياسة أيام بني عبد مناف بن قصي، وكان القائم بأمور قريش والمنظور إليه فيها، ثم أفضى ذلك بعده إلى هاشم؛ ابنه، فرب ذلك بحسن القيام؛ فلم يكن له نظير من قريش ولا مساو، ثم صارت الرياسة لعبد المطلب، وفي كل قريش رؤساء؛ غير أنهم كانوا يعرفون لعبد المطلب فضله وتقدمه وشرفه؛ فلما مات عبد المطلب، صارت الرياسة لحرب بن أمية؛ فلما مات حرب بن أمية، تفرقت الرياسة والشرف ببني عبد مناف وغيرهم من قريش. وقال الفاكهي: قال: حدثنا الزبير، قال محمد بن الحسن: كان هؤلاء الأربعة من بني عبد مناف: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل، أول من رفع الله تعالى بهم قريشا، إنما كانت تتجر بمكة، وتبضع مع من يخرج من الأعاجم، فركب هاشم فأخذ له خيلا من قيصر، فتجروا إلى الشام، وركب المطلب فأخذ له خيلا من ملوك اليمن، فتجروا إلى اليمن بذلك الخيل، وركب نوفل فأخذ لهم خيلا من النجاشي، فتجروا بذلك الخيل إلى أرض الحبشة. وقال الفاكهي: قال: حدثنا الزبير، وحدثنا محمد بن الحسن، عن العلاء بن حسين، عن أفلح بن عبد الله بن المعلي عن أبيه وغيره من أهل العلم قالوا: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل، هم: الزنبور، وبنو هاشم يدان، وبنو المطلب يد، فإن دهمهم غيرهم صاروا يدا واحدة. على ذلك كانوا في الجاهلية دون بني عبد مناف، وبنو عبد مناف يدان: هاشم والمطلب، وهم البدران، وعبد شمس ونوفل يد، وهم الأبهران. قال: وكانت العرب تسمي هاشما والمطلب وعبد شمس ونوفلا: أقداح النظار، فإن دهمهم غيرهم اجتمعوا فصاروا يدا واحدة١. وقال الفاكهي: وحدثني الزبير بن أبي بكر قال: حدثني أبو الحسن الأثرم عن أبي عبيدة، قال: كان يقال لهاشم وعبد شمس والمطلب بني عبد مناف: المحيزون. وقال الفاكهي: وحدثني الزبير بن أبي بكر، قال: حدثني محمد بن الحسن قال: كان هاشم رئيس بني عبد مناف: وعبد شمس رئيس بني أمية. قال الزبير: وذلك الثبت عندنا. قال أخبرني عبد العزى: اللهم إني قائل قو ... ل ذي دين وبر وحسب

стр. 656

عبد شمس لا تهنها إنما ... عبد شمس عم عبد المطلب عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأم وأب وقال الفاكهي: وحدثنا حسن بن حسين، قال: حدثنا أبو جعفر بن حبيب، عن أبي الكلبي، قال: فلما مات هاشم بخرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن؛ فأخذ من ملوكهم عهدا لمن نفر قبلهم من قريش قبل أن يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب؛ حتى على مثل ما كان هاشم أخذ، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف١ ... انتهى. وهذا الخبر يخالف الذي قبل؛ إلا أن يكون قوله في حق المطلب، وكان المطلب أكبر، والله أعلم. وقد طال الكلام في أخبار بني عبد مناف، وأخبار عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، مما له تعلق فيما ذكره ابن إسحاق من خبر المشار إليهم، ومما ليس له تعلق بذلك، وفيما ذكرناه منه كفاية، ونتبع ذلك بفوائد، ذكرها هو وغيره، تتعلق بما ذكرناه من خبر المشار إليهم. منها: أن الفاكهي لما ذكر أخبار بني قصي بن كلاب، ترجم عليها بما نصه: "ذكر تولية قصي بن كلاب بنيه أمر مكة بعده، وقسمته إياها بينهم، وقيامهم بذلك بعده". ومنها: أنه قال لما ذكر أخبار بني عبد مناف: ذكر ولاية المطلب بن عبد مناف أمر مكة بعد أخيه وتفسير ذلك؛ وذلك إشارة إلى أن المشار إليهم كانوا ولاة مكة. ومنها: أنه قال لما ذكر ولاية عبد المطلب: حدثنا عبد الملك بن محمد عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: ولي السقاية والرفادة بعد المطلب بن عبد مناف: عبد المطلب بن هاشم، وتزعم بنو أسد أن الحويرث بن أسد قد ولي الرفادة في بعض الزمان، وقد كانت بنو أسد تقول ذلك، ولم يسمع ذلك بتاتا٢ ... انتهى. وفي هذا ما يشعر بأن الحويرث بن أسد ولي الرفادة في زمن عبد المطلب، على ما قيل؛ وذلك لا يفهم من الأخبار السابقة عن ابن إسحاق، والله أعلم بصحة ذلك. ومنها: أن صاحب "المورد العذب الهني" نقل عن الرشاطي خبرا في خروج هاشم بن عبد مناف إلى الشام، وأخذه من قيصر الإيلام لقريش، ثم قال: وخرج عبد شمس إلى النجاشي بالحبشة، وأخذ كذلك وخرج نوفل إلى الأكاسرة بالعراق، وأخذ كذلك. وخرج المطلب إلى حمير وأخذ لهم كذلك ... انتهى.

стр. 657

وفي هذا الخبر من الفائدة على ماسبق، كون عبد شمس خرج إلى النجاشي بالحبشة، وأخذ منه لقومه الإيلاف؛ وذلك يخالف ما سبق من أن نوفل بن عبد مناف هو الذي أخذ لقومه الإيلام من النجاشي، والله أعلم. ومنها: أن هاشم وعبد شمس توأمان على ما قيل؛ ذكر ذلك صاحب "المورد العذب الهني"؛ لأنه قال: وقيل: إن هاشما وعبد شمس توأمان، وأن أحدهما ولد قبل الآخر. قيل: إن الأول هاشم، وأن إصبع أحدهما ملتصقة بجبهة، فنحيت، فسال دم، فقيل: يكون بينهما دم. ومنها: أنه اختلف في سن هاشم حين مات، فقيل: عشرون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة، ذكر هذه الفائدة صاحب "المورد". ومنها: أنه اختلف في سن عبد المطلب حين مات؛ فقال ابن حبيب في كتابه "المحبر"، إن عمر عبد المطلب خمسة وتسعون سنة، وأنه توفي سنة تسع من عام الفيل، وقال السهيلي: إن عبد المطلب مات وعمره مائة وعشرون سنة١ ... انتهى. وقيل: مائة وعشر سنين: وقيل: مائة وأربعون سنة، وقيل: اثنتان وثمانون سنة. ذكره هذه الأقوال الثلاثة: الحافظ مغلطاي في سريته. ودفن عبد المطلب على ما ذكره ابن عساكر بالحجون٢. قال السهيلي: وظاهر حديث أبي طالب فثي قول النبي ﷺ : "قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها"؛ فكان آخر كلامه: على ملة عبد المطلب، يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك. ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافا في عبد المطلب، وأنه قد قيل فيه: مات مسلما لما رأى من الدلالات على نبوة سيدنا محمد ﷺ ، وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد٣ والله أعلم. غير أنه في "مسند البزار"، وفي كتاب النسائي من حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة وقد عزت قوما من الأنصار: "لعلك بلغت معهم الكدي" -قال: ويروي الكرى بالراء يعني القبور- فقالت: لا؛ فقال: "لو بلغت معهم ذلك ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك" ٤.

стр. 658

وقال السهيلي: إنه أول من خضب بالسواد من العرب١ ... انتهى. وقال ابن الأثير: وهو أول من تحنت بحراء، وكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين٢. وقال ابن قتيبة: وكان يرفع من مائدة عبد المطلب للطير والوحوش في رؤوس الجبال، فيقال له: الفياض لجوده، ومطعم طير السماء ... انتهى. وكان مجاب الدعوة، يقال: أصاب الناس شدة؛ فاستسقى عبد المطلب على جبل أبي قبيس، فسقي، والنبي ﷺ يومئذ غلام بين يدي عبد المطلب، وببركته ﷺ سقوا. ذكر هذا الخير هشام بن الكلبي وأبو عبيدة معمر بن المثنى وغيرهما. وذكر ابن قتيبة أن عبد المطلب عمي قبل موته. وقيل: إن قصي بن كلاب قسم هذه الأمور بين أولاده كلهم، ذكره الزبير بن بكار؛ لأنه قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن المرواني قال: قسم قصي مكارمه بين ولده؛ فأعطى عبد مناف واسمه المغيرة: السقاية، والندوة، وفيه النبوة والثروة، وأعطى عبد الدار واسمه عبد الرحمن: الحجابة واللواء، وأعطى عبد العزى: الرفادة وأيام منى. قال: والرفادة الضيافة. وأيام منى كان الناس لا يجوزون إلا بأمره، ولم أسمع أيام منى إلا منه. قال: وأعطى عبد قصي جهتي الوادي، ولم أسمع في جهتي الوادي شيئا ... انتهى. وقيل: إن قصيا أعطى عبد مناف السقاية، والرفادة، والقيادة، وأعطى عبد الدار السدانة وهي الحجابة، ودار الندوة واللواء. ذكر ذلك الأزرقي في الخبر الطويل الذي رواه عن ابن جريج وابن إسحاق في ولاية قصي الكعبة وأمر مكة، وفيه شيء من خبر هذه الأمور، ولنذكر ذلك للفائدة. روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمنا بن ساج عن أبيه جريج، وابن إسحاق -يزيد أحدهما على صاحبه- قالا بعد ذكر ما سبق من خبر قصي بن كلاب: فحاز قصي شرف مكة، وابتنى دار الندوة، وفيها كانت قريش تقضي بعض أمورها. ولم يكن يدخلها من قريش من غير قصي إلا أبن أربعين سنة للمشورة، وكان يداخلها ولد قصي كلهم أجمعون وحلفائهم؛ فلما كبر قصي ورق، وكان عبد الدار أكبر ولده وبكره، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب شرفه كل مذهب، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبد بن قصي بها، لم

стр. 659

يبلغوا ولا أحد من قومهم من قريش، ما بلغ عبد مناف من الذكر والشرف والعز، وكان قصي وحبي ابنه حليل يحبان عبد الدار ويرأفان عليه، لما يريان عليه من شرف عبد مناف عليه، وهو أصغر منه، وقالت حبي: والله لا أرضي حتى يخص عهبد الدار بشيء يحلقه بأخيه. فقال قصي: والله لالحقنه به ولأحبونه بذروة الشرف، حتى لا يدخل أحد من قريش ولا غيرها الكعبة إلا بإذنه، ولا يقضون أمرا ولا يعقدون لواء إلا عنده، وكان ينظر في العواقب، فأجمع قصي على أن يقسم أمور مكة الست التي فيها الذكر والشرف والعز بين بنيه، فأعطى عبد الدار: السدانة وهي الحجابة، ودار الندوة، واللواء، وأعطى عبد مناف: السقاية، والرفادة، والقيادة. فأما السقاية: فهي حياض من أدم، كانت على عهد قصي توضع بفناء الكعبة، ويستقي فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقي الحاج. وأما الرفادة: فخرج كانت قريش تخرجه من أقواتها في كل موسم فتدفعه إلى قصي يصنع به طعاما للحاج، يأكله من لم يكن معه سعة ولا زاد؛ فلما هلك قصي أقيم أمره في قومه بعد وفاته على ما كان عليه في حياته، وولى عبد الدار حجابة البيت، وولاية دار الندوة، واللواء؛ فلم يزل يليه حتى هلك، وجعل عبد الدار الجابة بعده إلى ابنه عثمان بن عبد الدار، وجعل دار الندوة إلى ابنه عبد مناف بن عبد الدار؛ فلم يزل بنو عبد مناف بن عبد الدار يلون دار الندوة، دون ولد عبد الدار؛ فكانت قريش إذا أرادات أن تتشاور في أمر فتحها لهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، أو بعض ولده أو ولد أخيه، وكانت الجارية إذا حاضت أدخلت دار الندوة ثم شق عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدار درعها ثم درعها إياه. وانقلب بها أهلها فحجبوها، فكان عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار يسمى محيضا. وإنما سميت دار الندوة لاجتماع النداة فيها بندوتها فيجلسون فيها لإبرام أمرهم وتشاورهم. ولم يزل بنو عثمان بن عبد الدار يلون الحجابة دون ولد عبد الدار، ثم وليها عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده أبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده من بعده، حتى كان فتح مكة؛ فقبضها رسول الله ﷺ من أيديهم، وفتح الكعبة ودخلها، ثم خرج رسول الله ﷺ من الكعبة مشتملا على المفتاح؛ فقال له العباس بن عبد المطلب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أعطنا الحجابة مع السقاية؛ فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] قال عمر بن الخطاب ﵁: فما سمعت من رسول الله ﷺ قبلتلك الساعة، فتلاها. ثم دعي عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال:

стр. 660

"غيبوه"، ثم قال: "خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله ؛ فأعلموا فيها بالمعروف خالدة تالدة، ولا ينزعها منكم أو من أيديكم إلا ظالم". فخرج عثمان بن أبي طلحة إلى المدينة مع رسول الله ﷺ وأقام ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة مقامه؛ فلم يزل يحجب هو وولده وولد أخيه وهب بن عثمان، حتى قدم وفد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وولده مسافع بن طلحة بن أبي طلحة من المدينة، وكانوا بها دهرا طويلا؛ فلما قدموا حجبوا مع بني عمهم، فولد أبي طلحة جميعا يحجبون. وأما اللواء: فكان في أيدي بني عبد الدار كلهم، يليه منهم ذو السن والشرف في الجاهلية، حتى كان يوم أحد فقتل عليه من قتل منهم. وأما السقاية والرفادة والقيادة: فلم تزل لعبد مناف بن قصي يقوم بها حتى توفي؛ فولي بعده ابنه هاشم بن عبد مناف السقاية، والرفادة وولي عبد شمس بن عبد مناف القيادة؛ فكان هاشم بن عبد مناف يطعم الناس في كل موسم ما يجتمع عنده من ترافد قريش، كان يشتري بما يجتمع عنده دقيقا، ويأخذ من ذبيحة من دينه أو بقرة شيئا -فخذه أو غيره- فيجتمع ذلك كله، ثم تحرز به الدقيق ويطعمه الحاج؛ فلم يزل على ذلك من أمره حتى أصاب الناس في سنة جدب شديد، فخرج هاشم بن عبد مناف إلى الشام، فاشترى بما اجتمع عنده من ماله دقيقا وكعكا، فقدم به مكة في الموسم، فهشم ذلك الكعك، ونحر الجزور وطبخها، وجعله ثريدا، وأطعم الناس -وكانوا في مجاعة شديدة- حتى أشبعهم؛ فسمي بذلك: هاشما، وكان اسمه عمرو، وفي ذلك يقول ابن الزبعرى السهمي: كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصها لعبد مناف الرائسين وليس يوجد رائس ... والقائلين هلم للأضياف والخالطين غنيهم بفقيرهم ... حتى يعود فقيرهم كالكافي والضاربين الكبش يبرق بيضه ... واللازمين١ البيض بالأسياف عمرو العلا هشم الثريد لمعشر ... كانوا بمكة مسنتين عجاف يعني بعمرو العلا: هاشما. فلم يزل هاشم على ذلك حتى توفي؛ فكان عبد المطلب يفعل ذلك؛ فلما توفي عبد المطلب قام بذلك أبو طالب في كل موسم، حتى جاء الإسلام وهو على ذلك، وكان النبي ﷺ قد أرسل بمال يعمل به الطعام مع أبي بكر ﵁ حين حج

стр. 661

أبو بكر بالناس سنة تسع، ثم عمل في حجة النبي ﷺ في حجة الوداع. ثم أقامه أبو بكر ﵁ في خلافته، ثم عمر ﵁ في خلافته، ثم الخلفاء هلم جرا، إلى الآن. وهو طعام الموسم الي يطعمه الخلفاء اليوم في أيام الحج بمكة ومنى، حتى تنقضي أيام الموسم. وأما السقاية: فلم تزل بيد عبد مناف؛ فكان يسقي الناس الماء من بئر رم، وبئر خم١ على الإبل في المزاد٢ والقرب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أدم بفناء الكعبة، فيرده الحاج حتى يتفرقوا؛ فكان يستعذب ذلك الماء. وقد كان قصي حفر بمكة آبارا، وكان الماء بمكة غزيرا؛ إنما يشرب الناس من آبار خارجة من الحرم، فأول ما حفر قصي بمكة حفر بئرا يقال لها: العجول وكان موضعها في رام أم هانئ ابنة أبي طالب بالحزورة، وكانت العرب إذا قدمت مكة يردونها فيسقون منها ويتزاحخمون عليها، فقال قائل فيها: أروى من العجول ثمت انطلق ... إن قصبا قد وفى وقد صدق بالسمع واللحي ورى المعتبق٣ وحفر قصي أيضا بئرا عند الردم الأعلى، عند دار أبان بن عثمان التي كانت لآل جحش، بن رياب، ثم دثرت، فنثلها جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وأحياها، ثم حفر هاشم بن عبد مناف بئر بذر٤، وقال: حين حفرها: لأجعلنها للناس زبيدة٥ بالبطحاء في أصل المستندر، وهي التي يقول فيها بعض ولد هاشم: نحن حفرنا بذر بجانب المستندر نسقي بمائها الحجيج الأكبر٦ وحفر قصي أيضا هاشم سجلة، وهي البئر التي يقال لها بئر جبير بن مطعم، دخلت في دار القوارير فكانت سجلة لهاشم بن عبد مناف؛ فلم يزل لولده حتى وهبها أسد ابن هاشم لمطعم بن عدي، حين حفر عبد المطلب زمزم، واستغنوا عنها، ويقال: وهبها له عبد المطلب حين حفر زمزم واستغنى عنها، وسأله المطعم بن عدي، أن يضع

стр. 662

حوضا من أدم إلى جنب زمزم يسقي فيه من ماء بئره؛ فأذن له في ذلك, فكان يفعل؛ فلم يزل هاشم بن عبد مناف يسقي الحاج حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل على ذلك حتى حفر زمزم، فعفت على آبار مكة، فكان منها مشرب الحاج, قال: وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة؛ فإذا كان الموسم جمعها، ثم يسقى لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم: ويشتي الزبيب في نبذه بماء زمزم ويسقيه الحاج؛ لأنه يكسر غلظ ماء زمزم. وكانت -إذ ذاك- غليظة جدا، وكان الناس -إذ ذاك- لهم في بيوتهم أسقية فيها الماء منهذه الآبار، ثم ينبذون فيها القبضان من الزبيب والتمر؛ لأنه يكسر عنهم من غلظ ماء آبار مكة. وكان الماء العذب بمكة عزيزا لا يوجد إلا لأناس يستعذب له من بئر ميمون في خارج مكة، فلبث عبد المطلب يسقي النماس حتى توفي. فقام بأمر السقاية بعده العباس بن عبد المطلب ﵁ فلم يزل في يده، وكان للعباس كرم بالطائف، وكان يحمل زبيبه إليها، وكان يداين أهل الطائف، ويقتضي منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله ويسقيه الحاج في أيام الموسم حتى تنقضي، في الجاهلية، وصدر الإسلام، حتى دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، فقبض السقاية؛ فقال رسول الله ﷺ : "أعطيكم ما ترزون فيه ولا يرزون منه"؛ فقام النبي ﷺ بين عضادتي الباب -أي باب الكعبة- فقال: "ألا إن كل دم أومال أو مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي هاتين، إلا سقاية الحاج وسدانة الكعبة فإني قد أمضيتها لأهلها على ما كانت عليه في الجاهلية"؛ فقبضها العباس ﵄، وكان يفعل فيها كفعله دون بني عبد المطلب، وكان محمد ابن الحنفية ﵁ قد كلم فيها ابن عباس؛ فقال له ابن عباس ﵁: ما لك ولها، نحن أولى بها في الجاهلية والإسلام. قد كان أبوك تكلم فيها فأقمت البينة، وشهد لي طلحة بن عبد الله، وعامر بن ربيعة، وأزهر بن عوف ومخرمة بن نوفل، وأن العباس بن عبد المطلب كطان يليها في الجاهلية بعد عبد المطلب، وجدك أبو طالب في إبله في باديته بعرفة، وأن رسول الله ﷺ أعطاها العباس يوم الفتح٠ دون بني عبد المطلب؛ فعرف ذل من حضر؛ فكانت بيد عبد الله بن عباس بعد أبيه لا ينازعه فيها منازع، ولا يتكلم فيها متكلم حتى توفي. فكانت في يد علي بن عبد الله بن عباس ﵃ يفعل فيها كفعل أبيه وحفيده، يأتيه الزبيب من ماله بالطائف وينبذه، حتى توفي؛ فكانت بيد ولده حتى الآن.

стр. 663

وأما القيادة: فوليها من بني عبد مناف: عبد شمس بن عبد مناف، ثم وليها من بعده أمية بن عبد شمس، ثم من بعده حرب بن أمية؛ فقاد بالناس يوم عكاظ في حرب قريش وقيس بن عيلان. وفي الفجارين: الفجار الأول، والفجار الثاني، وقاد الناس قبل ذلك في حرب قريش، وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة، والأحابيش يومئذ مع بني بكر تحالفوا على جبل يقال له: الحبش، على قريش فسموا: الأحابيش، بذلك، ثم كان أبو سفيان بن حرب يقود قريشا بعد أبيه حتى كان يوم بدر؛ فقاد الناس عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وكان أبو سفيان بن حرب في العير يقود الناس؛ فلما أن كان يوم أحد، قاد الناس أبو سفيان بن حرب، وقاد الناس يوم الأحزاب، وكانت آخر وقعة لقريش، حتى جاء الله تعالى بالإسلام وفتح مكة١ ... انتهى، والله أعلم.

стр. 664

الباب الرابع والثلاثون في ذكر شيء من خبر الفجار والأحابيش ... الباب الرابع والثلاثون: في ذكر شيء من خبر الفجار ١ والأحابيش: ينا في السيرة لابن إسحاق تهذيب ابن هشام، وروايته عن البكائي عنه، قال ابن هشام: "فلما بلغ رسول الله ﷺ أربع عشرة سنة٢ أو خمس عشرة سنة فيما حدثني أبو عبيدة النحوي، عن أبي عمرو بن العلاء قال: هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة، وبين قيس عيلان، وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان، أجار لطيمة٣ للنعمان بن المنذر؛ فقال له البراض بن قيس أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة: أتجيرها على كنانة؟ قال: نعم، وعلى الخلق؛ فخرج عروة الرحال، وخرج البراض يطلب غفلته؛ حتى إذا كان بتيمن٤ ذي طلال بالعالية، غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام؛ فلذلك سمي "الفجار"، وقال البراض في ذلك: وداهية٥ تهم الناس قبلي ... شددت لها بني بكر ضلوعي هدمت بها بيوت بني كلاب ... وأرضعت الموالي بالضروع

стр. 665

رفعت له بذي طلال كفي ... فخر يميد كالجذع الصريع١ وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب: فأبلغ إن عرضت، بني كلاب ... وعامر، والخطوب لها موالي وبلغ، إن عرضت، بني نمير ... وأخوال القتيل بني هلال بأن الوافد الرحال أمسى ... مقيما عند تيم ذي طلال٢ وهذه الأبيات في أبيات له فيما ذكر ابن هشام. فأتى آت قريشا فقال: إن البراض قد قتل عروة، وهو في الشهر الحرام بعكاظ، فارتحلوا، وهوزان لا تشعر، ثم بلغهم الخبر؛ فأتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل؛ فأمسكت عنهم هوزان، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما والقوم يتناشدون، على كل قبيلة من قريش وكنانة رئيس منهم، وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم. وشهد رسول الله ﷺ بعض أيامهم؛ أخرجه أعمامه معهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم٣: "كنت أنبل على أعمامي" أي أرد عنهم نبل عدوهم إذا رموهم بها. قال ابن إسحاق: هاجت الحرب الفجار ورسول الله ﷺ ابن عشرين سنة؛ وإنما سمي "حرب الفجار" لما استحل هذان الحيان -كنانة وقيس عيلان- فيه من المحارم بينهم. وكان قائد قريش كنانة حرب أمية بن عبد شمس؛ فكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة؛ حتى إذا كان وسط النهار كان لظفر لكنانة على قيس٤ ... انتهى. وذكر الفاكهي خبر الفجار، وذكر فيه غير ما ذكره ابن إسحاق وابن هشام، فنذكر شيئا من ذلك لما فيه من الفائدة لأنه قال: وحدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال٥: كان الفجار الآخر بعد الفيل بعشرين سنة؛ فلم يكن في العرب يوم أعظم ولا أذهب ذكرا في الناس منه بين قريش ومن حالفها من كنانة بين قيس بني عيلان، فالتقوا فيها بعكاظ؛ وإنما سمي يوم الفجار بما استحل هذا الحيان -كنانة وقيس- فيه من المحارم.

стр. 666

وقد كان قبله يوم بني جبلة وتميم، وكان يوما مذكورا من أيام العرب، ولم يكن كيوم عكاظ، وذكر حديثا طويلا وروي أشعار كثيرة اختصرناها مخافة التطويل؛ ولذلك موضع غير هذا. وحدثني حسن بن حسين الأزدي قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة: أن فجار البراض بين كنانة يوم وقيس أربعة أيام، في كل سنة يوم، وكان أوله يوم شطيمة١ من عكاظ، وعلى الفريقين الرؤساء من قريش؛ غير أبي براء، وكانت هوزان من وراء المسيل، وقريش دون المسيل، وبنو كنانة في بطن الواديط. وقال لهم حرب بن أمية: إن أبيحت٢ قريش فلا تبرحوا مكانكم، وعبأت هوازن، وأخذوا مصافهم، وعبأت قريش؛ فكان على إحدى المجنبتين ابن جدعان، وعلى الآخر كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وحرب بن أمية في القلب؛ فكانت الدائرة أول النهار لكنانة على هوزان، حتى إذا كان آخر النهار وصبرت، فاستحر٣ القتل في قريش؛ فلما رأى ذلك الذين في الوادي من كنانة مالوا إلى قريش وتركوا مكانهم؛ فلما فعلوا ذلك استحر القتل بهم فقتل تحت رايتهم ثمانون رجلا. وقال آخرون: لما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناة نجا بهم رئيسهم استبقاء لقومه؛ فاعتزل بهم إلى جبل يقال له: رخم وقال: دعوهم، ولوددت أنه لم يفلت منهم أحد، فكان يوم شيطمة لهوزان على كنانة، ولم يقتل من قريش أحد يذكر. وزالت آخر النهار في بني بكر٤.

стр. 667

ذكر يوم العبلاء: حدثني الأزدي قال: حدثني محمد، عن أبي عبيدة قال: وجمع هؤلاء وأولئك، فالتقوا بالعبلاء -وهو الجبل الذي إلى جنب عكاظ- ورؤساؤهم الذين كانوا يوم شيطمة بأعيانهم؛ فكانت الدائرة أيضا في لهوزان على كنانة١

стр. 668

ذكر يوم شرب: حدثني الأزدي قال: حدثني محمد عن أبي عبيدة قال: ثم جمع الفريقان على قرن الحول١ في اليوم الثاني من عكاظ، فالتقوا فيه بشرب من عكاظ، وعليهم رؤساءهم

стр. 669

ذكر يوم الحريرة: حدثني الأزدي حسن بن حسين قال: حدثني محمد بن حبيب الهاشمي عن أبي عبيدة، قال: كانت فيه الدائرة لهوزان على كنانة، وهو آخر أيامهم، وحريرة إلى جنب عكاظ؛ مما يلي مهب جنوبها لمن يقبل يريد مكة من مهب شمالها حتى تقطع دوين قرن؛ فكان رؤساؤهم الذين كانوا قبلا إلا قيسا فإنه مات، وكان بعده الرئيس عليهم جثامة بن قيس، وقتل يومئذ أبو سفيان بن أمية. ومن كنانة ثلاث رهط، قتلهم عثمان بن أسد بن مالك بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقتل ورقاء بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن عمرو بن عامر أبا كتف وابني إياس وعمرو وابن أيوب، وقد ذكرهم خداش بن زهير في شعره١. فهذه أيام الفجار الخمسة التي تراجفوا فيها. في أربع سنين: أولهن يوم نخلة حين تبعتهم هوزان؛ فكان كفافا لا على هؤلاء ولا على هؤلاء. ثم يوم شيطمة فكان لهوزان على كنانة، ثم يوم عكاظ الأول -وهو يوم العبلاء- فكان لهوزان على كنانة، ويوم عكاظ الثاني -وهو يوم شرب- كان لبني كنانة على هوزان. ولم يكن بينهم يوم أعظم منه، ثم يوم الحريرة وهو آخر أيامهم.

стр. 670

قال: ثم كان الرجل يلقي الرج أو الرجلين أو أكثر من ذلك أو أقل فيقتتلون؛ فربما قتل بعضهم بعضا. فلقي ابن محمية أخو بني الديل بن بكر أبا خداش بن زهير بالصفاح١؛ فقال أخو زهير بن خداش: جئت معتمرا، فقال: لا يلقي الدين إلا أن قلت معتمرا، فقتله ثم ندم، فقال: اللهم إن العامري المعتمر ... لم آت فيه عذر المعتذر ثم إن الناس تداعوا إلى السلم على أن يدي الفضل من القتلى التي فيهم؛ أي الفريقين أفضل على الآخر، فتواعدوا عكاظا ليتعادوا القتلى، وتعاقدوا وتواثقوا أن يتموا على ذلك وجعلوا بينهما مواعدا يلتقون فيه لذلك؛ فأبي ذلك وهب بن معتب، وخالف قومه، وجعل لا يرضي بذلك، حتى يدركوا ثأرهم، فقال في ذلك أمية بن جدعان بن الأشكر: المرء وهب وهب آل معتب ... مل الغواة وأنت لما تملل يسعى يعوذها بحر وقودها ... وإذا تعابى صلح قومك فأعمل وهي في شعره، واندس وهي حتى مكرت هوزان بكنانة وهم على رأس الصلح؛ فبعثت خيلا عليها سلمة بن مشعل البكائي، وخالد بن هوذة، فيهم ناس من بني هلال، ورئيسهم ربيعة بن أبي ظبيان، وناس من بني نصر، عليهم مالك بن عوف، فأغاروا على بني ليث بصحراء الغميم وهم غارون فقاتلوهم، وجعل مالك يقاتل ويرتجز، وهو أمرد يومئذ، يقول: أمر يبدي حمله شيب اللحا ... وهو أول يوم ذكر فيه مالك بن عوف فقتلت بنو مدلج يومئذ عبيد بن عوف البكائي، وسبيع بن أبي المؤمل من بني محارب، ثم انهزمت بنو ليث، فاستحر القتل ببني الملوح بن يعمر، فقتلوا منهم ثلاثين رجلا، وساقوا نعما، ثم أقبلوا، فعرضت لهم خزاعة وطمعوا فيهم فقاتلوهم؛ فلما رأوا أنه لا بد لهم منهم، وقالوا: عرضونا من غنيمتكم عراضة، فأبوا، فخلوا سبيلهم. فقال مالك بن عوف: نحن حمينا الخيل من بطن لية ... وخلدان فينا جافينات ووقعا تواعد ضبطا ذو خزاعة حزبنا ... وما حزت ضبطا يغلب مضجعا
следующие страницы →