← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقد كان قبله يوم بني جبلة وتميم، وكان يوما مذكورا من أيام العرب، ولم يكن كيوم عكاظ، وذكر حديثا طويلا وروي أشعار كثيرة اختصرناها مخافة التطويل؛ ولذلك موضع غير هذا. وحدثني حسن بن حسين الأزدي قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة: أن فجار البراض بين كنانة يوم وقيس أربعة أيام، في كل سنة يوم، وكان أوله يوم شطيمة١ من عكاظ، وعلى الفريقين الرؤساء من قريش؛ غير أبي براء، وكانت هوزان من وراء المسيل، وقريش دون المسيل، وبنو كنانة في بطن الواديط. وقال لهم حرب بن أمية: إن أبيحت٢ قريش فلا تبرحوا مكانكم، وعبأت هوازن، وأخذوا مصافهم، وعبأت قريش؛ فكان على إحدى المجنبتين ابن جدعان، وعلى الآخر كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وحرب بن أمية في القلب؛ فكانت الدائرة أول النهار لكنانة على هوزان، حتى إذا كان آخر النهار وصبرت، فاستحر٣ القتل في قريش؛ فلما رأى ذلك الذين في الوادي من كنانة مالوا إلى قريش وتركوا مكانهم؛ فلما فعلوا ذلك استحر القتل بهم فقتل تحت رايتهم ثمانون رجلا. وقال آخرون: لما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناة نجا بهم رئيسهم استبقاء لقومه؛ فاعتزل بهم إلى جبل يقال له: رخم وقال: دعوهم، ولوددت أنه لم يفلت منهم أحد، فكان يوم شيطمة لهوزان على كنانة، ولم يقتل من قريش أحد يذكر. وزالت آخر النهار في بني بكر٤.

стр. 667

ذكر يوم العبلاء: حدثني الأزدي قال: حدثني محمد، عن أبي عبيدة قال: وجمع هؤلاء وأولئك، فالتقوا بالعبلاء -وهو الجبل الذي إلى جنب عكاظ- ورؤساؤهم الذين كانوا يوم شيطمة بأعيانهم؛ فكانت الدائرة أيضا في لهوزان على كنانة١

стр. 668

ذكر يوم شرب: حدثني الأزدي قال: حدثني محمد عن أبي عبيدة قال: ثم جمع الفريقان على قرن الحول١ في اليوم الثاني من عكاظ، فالتقوا فيه بشرب من عكاظ، وعليهم رؤساءهم

стр. 669

ذكر يوم الحريرة: حدثني الأزدي حسن بن حسين قال: حدثني محمد بن حبيب الهاشمي عن أبي عبيدة، قال: كانت فيه الدائرة لهوزان على كنانة، وهو آخر أيامهم، وحريرة إلى جنب عكاظ؛ مما يلي مهب جنوبها لمن يقبل يريد مكة من مهب شمالها حتى تقطع دوين قرن؛ فكان رؤساؤهم الذين كانوا قبلا إلا قيسا فإنه مات، وكان بعده الرئيس عليهم جثامة بن قيس، وقتل يومئذ أبو سفيان بن أمية. ومن كنانة ثلاث رهط، قتلهم عثمان بن أسد بن مالك بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقتل ورقاء بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن عمرو بن عامر أبا كتف وابني إياس وعمرو وابن أيوب، وقد ذكرهم خداش بن زهير في شعره١. فهذه أيام الفجار الخمسة التي تراجفوا فيها. في أربع سنين: أولهن يوم نخلة حين تبعتهم هوزان؛ فكان كفافا لا على هؤلاء ولا على هؤلاء. ثم يوم شيطمة فكان لهوزان على كنانة، ثم يوم عكاظ الأول -وهو يوم العبلاء- فكان لهوزان على كنانة، ويوم عكاظ الثاني -وهو يوم شرب- كان لبني كنانة على هوزان. ولم يكن بينهم يوم أعظم منه، ثم يوم الحريرة وهو آخر أيامهم.

стр. 670

قال: ثم كان الرجل يلقي الرج أو الرجلين أو أكثر من ذلك أو أقل فيقتتلون؛ فربما قتل بعضهم بعضا. فلقي ابن محمية أخو بني الديل بن بكر أبا خداش بن زهير بالصفاح١؛ فقال أخو زهير بن خداش: جئت معتمرا، فقال: لا يلقي الدين إلا أن قلت معتمرا، فقتله ثم ندم، فقال: اللهم إن العامري المعتمر ... لم آت فيه عذر المعتذر ثم إن الناس تداعوا إلى السلم على أن يدي الفضل من القتلى التي فيهم؛ أي الفريقين أفضل على الآخر، فتواعدوا عكاظا ليتعادوا القتلى، وتعاقدوا وتواثقوا أن يتموا على ذلك وجعلوا بينهما مواعدا يلتقون فيه لذلك؛ فأبي ذلك وهب بن معتب، وخالف قومه، وجعل لا يرضي بذلك، حتى يدركوا ثأرهم، فقال في ذلك أمية بن جدعان بن الأشكر: المرء وهب وهب آل معتب ... مل الغواة وأنت لما تملل يسعى يعوذها بحر وقودها ... وإذا تعابى صلح قومك فأعمل وهي في شعره، واندس وهي حتى مكرت هوزان بكنانة وهم على رأس الصلح؛ فبعثت خيلا عليها سلمة بن مشعل البكائي، وخالد بن هوذة، فيهم ناس من بني هلال، ورئيسهم ربيعة بن أبي ظبيان، وناس من بني نصر، عليهم مالك بن عوف، فأغاروا على بني ليث بصحراء الغميم وهم غارون فقاتلوهم، وجعل مالك يقاتل ويرتجز، وهو أمرد يومئذ، يقول: أمر يبدي حمله شيب اللحا ... وهو أول يوم ذكر فيه مالك بن عوف فقتلت بنو مدلج يومئذ عبيد بن عوف البكائي، وسبيع بن أبي المؤمل من بني محارب، ثم انهزمت بنو ليث، فاستحر القتل ببني الملوح بن يعمر، فقتلوا منهم ثلاثين رجلا، وساقوا نعما، ثم أقبلوا، فعرضت لهم خزاعة وطمعوا فيهم فقاتلوهم؛ فلما رأوا أنه لا بد لهم منهم، وقالوا: عرضونا من غنيمتكم عراضة، فأبوا، فخلوا سبيلهم. فقال مالك بن عوف: نحن حمينا الخيل من بطن لية ... وخلدان فينا جافينات ووقعا تواعد ضبطا ذو خزاعة حزبنا ... وما حزت ضبطا يغلب مضجعا

стр. 671

ثم إن الناس تداعوا إلى الصلح، ورهنوا رهنا بوفاء بديات من كان له الفضل في القتلى وتم الصلح، ووضعت الحرب أوزارها ... انتهى. وكان آخر أمر الفجار ما ذكره الزبير بن بكار؛ لأنه قال: وحدثني محمد بن حسن عن حماد بن موسى عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: حدثني حكيم بن حزام قال: لما توافت كنانة، وقيس، من العام القابل، بعكاظ، بعد العام الأول الذي كانوا التقوا فيه، ورأس الناس حرب، خرج معه عتبة بن ربيعة، وهو يومئذ في حجر حرب فمنعه أن يخرج، وقال يا بني أنا بك، فاقتاد راحلته، وتقدم في أول الناس فلم يدر به حرب إلا وهوفي العسكر، قال حكيم بن حزام: فنزلنا عكاظ، ونزلت هوزان بجمع كثير؛ فلما أصبحنا ركب عتبة جملا ثم صاح في الناس: يا معشر مضر، علام تفانون بينكم؟ هلم إلى الصلح قالت هوزان، وماذا تعرض. قال أعرض أن أعطي دية من أصيب، قالوا: ومن أنت؛ قال: أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، قالوا: قد قبلنا، فاصطلحج الناس، ورضوا بما قال عتبة: وأعطوهم أربعين رجلا من فتيان قريش، وكنت فيهم؛ فلما رأت بنو عامر أن الرهن قد صار في أيديهم رغبوا في العفو، فأطلقوهم. قال الزبير: وسمعت عبد الرحمن بن عبد الله يقول: لم يسد مملتق من قريش إلا عتبة بن ربيعة، وأبو طالب بن عبد المطلب، فإنهما سادا بغير مال ... انتهى. وكلام مغلطاي يقتضي أن أيام هذه الفجار ستة؛ لأنه في "سيرته" -على ما أخبرت به عنه: وأيام الفجار أربعة، قال السهيلي٢، والصواب أنها ستة ... انتهى. ووقع في كلام الفاكهي ما يقتضي أنه كان قبل الفجار الذي أثاره البراض فجار آخر، وذكر الفاكهي شيئا من خبره، فنذكر ذلك لما فيه من الفائدة، ونص ما ذكره الفاكهي.

стр. 672

ذكر الفجار الأول وما كان فيه بين قريش وقيس عيلان وسبب ذلك: حدثنا عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق، قال: ثم هاج يوم الفجار الأول بين قريش، ومن كان إلفها من كنانة كلها، وبين قيس عيلان؛ وسببه أن رجلا من بني كنانة كان عليه دين لرجل من بني نضر بن معاوية بن بكر بن هوزان، فواعده به الكناني، فوافاه النصري بسوق عكاظ بقرد معه، فوقفه بالسوق، فقال: من يبيعني مثل هذا بمال لي على فلان بن فلان الكناني؛ وإنما أراد ذلك النضري الكناني وقومه، فمر به رجل من كنانة؛ فضربه القرد بالسيف أنفا مما يقول النضري، فصرخ

стр. 673

النضري في قيس، والكناني في بني كنانة؛ فتجاوز الناس حتى كادوا أن يكون بينهم قتال ثم تداعوا بمنى للصلح، وسرى الخطب من أنفسهم، فتراجع الناس وكف بعضهم عن بعض، ولم يكن بينهم إلا ذلك. ويقال: بل قعد قتيبة من العرب من قريش غدية إلى امرأة من بني عامر ذات هيبة، عليها برفع وهي في درع فضل -وكذلك نساء العرب يفعلن- فأعجبهم ما رأوه من حسن هيئتها؛ فقالوا لها: يا أمة الله أسفري لنا عن وجهك ننظر إليك، فأبت عليهم، فقام غلام منهم فشبك درعها إلى ظهرها بشوكة -والمرأة لا تدري- فلما قامت انكشف الدرع عن دبرها، فضحكوا وقالوا: منعتنا أن ننظر إلى وجهك فقد نظرنا إلى دبرك!! فصاحت المرأة في بني عامر: فضحت فتحاور الناس ثم ترادوا، ورأوا أن الأمر دون١. ويقال: بل قعد رجل من بني غفار بني خليل بن حمزة يقال له: أبو معشر، كان عارفا متصنعا في نفسه بسوق عكاظ، ومد رجله وقال: أنا ابن مدركة بن خندف ... من تضعفوا في عينه لا تطرف ومن تكونوا قومه يغطرف أنا والله أعز العرب، فمن زعم أنه أكرم مني فليضربها بالسيف. فضربها رجل من قيس فخدشها خدشا غير كبير، فتحاور الناس عند ذلك حتى كاد أن يكون بينهم قتال. قال: ثم تراجع الناس ورأوا أنه لم يكن بينهم شيء كبير، فكل هذا الحديث يقال في يوم الفجار٢، والله أعلم أي ذلك كان؟ قال عبد الملك: قال زياد: قال ابن إسحاق: وقد قال بعض الشعراء شعرا، قد ذكر فيه عكاظ وما أصابوا من بني كنانة وضرب رجل أبي معشر فقال: عمرك الله سائلي أي قوم ... معشري في سوالف الأعصار نحن كنا الملوك من أهل نجد ... زمن جزناه بميل الدمار ومنعنا الحجاز من كل حي ... وقمعنا الفجار يوم الفجار وضربنا به كنانة ضربا ... حالفوا بعده سني العسار وتركنا سراة خثعم محا ... كذا تتويج أهل الدثار فاستغاثوا إلى العريف فقلنا ... أخرجوهم من العريف بثار

стр. 674

قال زياد في حديثه هذا: وقال ابن إسحاق، فأجابه أمية بن الأشكر بشعر١، فقال: أبلغا حمة الغريب أنا ... قد قتلنا ميراثكم في الفجار وسقيناكم المنية صرفا ... ودهشنا بالنهب والإذكار وطحنا مضر فدارت رحانا ... فاستدلوا الباء والأعشار خرجوا من ديارهم سراعا ... إلينا فرددته للديار وضربوا هوازن بعكاز ... مثل ضرب الصحيفة وطلعنا بعد تعود إليها ... سحب الخيل ضم للمغمار فتركناهم هنالك صرعى ... وحلت عن قلوبهم للفرار رفعت عن خجولها كل أثنى ... فصلاها هاربا بغير إزار

стр. 675

ذكر شيء من خبر الأحابيش ومحالفتهم لقريش: ذكر الزبير بن بكار في كتاب "النسب" شيئا من خبر الأحابيش ومحالفتهم مع قريش لأنه قال: وحدثني محمد بن الحسن قال: تحالفت قريش والأحابيش الأحلاف؛ فصاروا حلفاء لقريش دون بني كنانة، والحيا والمصطلق من خزاعة كلها إلا الحيا والمصطلق مع بني مدلج. قال: وكان تحالف قريش والأحابيش على الركن يقوم رجلان أحدهما من قريش والآخر من الأحابيش فيضعفان أيديهما على الركن فيحلفان بالله القائل بحرمة هذا البيت، والمقام، والركن، والشهر الحرام، على النصر على الخلق جميعا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وعلى التعاقل التعاون وعلى من عاداهم من الناس جميعا ما بل بحر صوفه، وما قام حراء وثبير، وما طلعت الشمس من مشرقها، وما غربت من مغربها، إلى يوم القيامة؛ فسموا عند ذلك الأحابيش لاجتماعهم ... انتهى، والله أعلم.

стр. 676

الباب الخامس والثلاثون: ذكر شيء من خبر حلف الفضول: روينا في "السيرة لابن إسحاق تهذيب ابن هشام"، وروايته عن زياد البكائي شيئا من خبره، ونص ذلك على ما في السيرة، قال ابن هشام: "وأما حلف الفضول، فحدثني زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق قال: تداعت قبائل من قريش إلى حلف الفضول؛ فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي لشرفه وسنة؛ فكان حلفهم عنده: بنو هاشم وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلم حتى ترد عنه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف "حلف الفضول". قال ابن إسحاق فحدثني محمد بن زيد، عن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول: قال رسول الله ﷺ : "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" ١ ... انتهى. وقد ذكر الزبير بن بكار أشياء من خبر حلف الفضول، وأفاد في ذلك غير ما سبق؛ لأنه قال فيما رويناه عنه: حدثني أبو الحسن الأثرم عن أبي عبدية، قال: كان سبب حلف الفضول أن رجلا من أهل اليمن قدم مكة ببضاعة، فاشتراها رجل من بني

стр. 677

سهم؛ فلوى الرجل بحقه؛ فسأله ماله، فأبى عليه، فسأله متاعه فأبى عليه، فقام على الحجر وقال: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر وأشعث محرم لم يقض حرمته١ ... بين الإله وبين الحجر والحجر أقائم من بني سهم بذمتهم ... أم ذاهب في ضلال مال معتمر إن الحرام لو تمت حرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر ثم ذكر الزبير خبرا يقتضي أن الرجل الذي باع سلعته من السهمي كان من زبيد، ولا منافاة بين كونه من اليمن، وكونه من زبيد، لجواز كون نسبته إلى اليمن، باعتبار يكناه به، والله أعلم. وفي الخبر الذي فيه أن البائع من زبيد فوائد ليست في الخبر الذي فيه أن البائع من اليمن، فاقتضى ذلك ذكرنا له، ونص ذلك على ما في كتاب الزبير: حدثني محمد بن فضالة عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن ابن شهاب قال: كان شأن حلف الفضول أنه بدأ ذلك أن رجلا من بني زبيد قدم مكة معتمرا في الجاهلية، ومعه تجارة له فاشتراها منه رجل من بني سهم؛ فأواها إلى بيته، ثم تغيب، فابتغى متاعه الزبيدي، فلم يقدر عليه، فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه، فأغلظوا عليه، فعرف أن لا سبيل إلى ماله، فطوف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه؛ فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها، ثم قال بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الأهل والوطر ومحرم شعث لم يقض عمرته ... يا آل فهر وبين الحجر والحجر هل محضر من بني سهم بحضرتهم ... فعادل، أم حلال مال معتمر فما نزل من الجبل أعظمت ذلك قريش؛ فتكلموا فيه. فقال المطيبون: والله لئن قمنا في هذا لنقضين على الأحلاف، وقال الأحلاف: والله لئن تظلمنا في هذا لنقضين على المطيبين؛ فقال ناس من قريش: تعالوا فلنكن حلفاء فضولا دون المطيبين ودون الأحلاف، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان، وصنع لهم يومئذ طعاما كثيرا، وكان رسول الله ﷺ يومئذ معهم قبل أن يوحى إليه، وهو ابن خمس وعشرين سنة، فاجتمعت بنو هاشم، وأسد، وزهرة، وتيم، وكان الذي تعاقد عليه القوم وتحالفوا أن لا يظلم بمكة غريب ولا قريب، ولا حر ولا عبد؛ إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه، ويردوا٢ إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم، ثم عمدوا إلى ماء من زمزم فجعلوه في جفنة، ثم بعثوا

стр. 678

به إلى البيت؛ فغسلت به أركانه، ثم أتوا به فشربوه، فحدث هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت إنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان، من حلف الفضول ما لو دعيت إليه اليوم لأحببت، وما أحب أن لي به حمر النعم". قال الزبير: حدثني عبد العزيز بن عمرو العنبسي أن الذي اشترى من الزبيدي المتاع: العاص بن وائل السهمي، وقال: حلف الفضول بنو هاشم وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تيم، تحالفوا بينهم بالله، لا يظلم أحد بمكة إلا كنا جميعا مع المظلوم على الظالم، حتى نأخذ له مظلمته ممن ظلمه، شريفا أو وضيعا، منا أو غيرنا. ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل؛ فقالوا: والله لا نفارقك حتى تؤدي إليه حقه، فأعطى الرجل حقه، فمكثوا كذلك لا يظلمن أحد حقه بمكة إلإ أخذوه له؛ فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس حتى أدخل في حلف الفضول، وليست عبد شمس في حلف الفضول١. وحدثني محمد بن حسن بن محمد بن طلحة عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، وعن محمد بن فضالة، عن هشام بن عروة، وعن إبراهيم بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهادي قال إن بني هاشم وبني المطلب، وبني أسد بن عبد العزي، وبني تيم بن مرة، تحالفوا على أن لا يدعوا بمكة كلها ولا في الأحابيش مظلوما يدعوهم إلى نصرته إلا أنجدوه حتى يردوا إليه مظلمته، أو يبلغوا في ذلك عذرا، وعلى أن لا يتركوا لأحد فضلا إلا فخذوه، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك سمي حلف الفضول: بالله على الظالم حتى نأخذ للمظلوم حقه ما بل بحر صوفة، وما رسا حراء وثبير في مكانهما، وعلى الناس في المعاش. وذكر الزبير ما يوهم أن سبب حلف الفضول بغير ما سبق؛ لأنه قال: وقال بعض العلماء إن قيسا السلمي باع متاعا من أبي بن حلف، فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بني جمح، فلم يقم بجواره؛ فقال قيس: يال قصي كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأخلاق الكرم أظلم لا يمنع مني من ظلم٢ وبلغ الخبر عباس بن مرداس فقال: إن كان جارك لم تنفعك ذمته ... وقد شربت بكأس الذل أنفاسا فأت البيوت وكن من أهلها صددا ... ولا تبد باديهم فحشا ولا باسا

стр. 679

وثم كن بفناء البيت معتصما ... تلقي ابن حرب وتلقي المرء عباسا ساقي الحجيج وهذا ياسر فلح ... والمجد يورث أسداسا وأخماسا وقام العباس وأبو سفيان حتى ردا عليه متاعه. واجتمعت بطون قريش فتحالفوا على رد الظلم بمكة، وأن لا يظلم أحد إلا منعوه وأخذوا له بحقه، وكان حلفهم في دار ابن جدعان؛ فقال رسول الله ﷺ : "شهدت حلفا في دار ابن جدعان ١، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به لأحببت" فقال قوم من قريش: هذا والله أفضل من الحلف؛ فسمي: حلف الفضول. قال: وقال الآخرون: تحالفوا على مثال حلف تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر؛ ألا يقروا ظلما ببطن مكة إلا غيروه، وأسماهم: الفضل بن شراعة، والفضل بن وداعة، والفضي بن قضاعة. والله أعلم أي ذلك كان؟ وذكر الزبير خبرا يقتضي أن البائع من أبي بن خلف رجل من ثمالة؛ لأنه قال: حدثني علي بن صالح، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن أبيه، فذكر قصته، ثم قال: فبلغ ذلك معاوية، وعنده جبير بن مطعم، فقال له معاوية: يا أبا محمد كنا في حلف الفضول؟ قاله جبير بن مطعم: لا، وقد مر رجل من ثمالة؛ فباع سلعة له من أبي بن خلف ووهب بن حذافة بن جمح، فظلمه، وكان سيء المخالطة؛ فأتى الثمالى أهل حلف الفضول فأخبرهم؛ فقالوا: اذهب فأخبره بأنك قد آتيتنا، فإن أعطاك حقك وإلا فارجع إلينا. فأتاه فأخبره ما قال له أهل حلف الفضول، وقال له: فما تقول؟ فأخرج إليه حقه، فأعطاه إياه، فقال: أتعجزني ببطن مكة ظالما ... وإني ولا قومي لدي ولا صحبي وناديت قومي بارقا لتجيبني ... وكم دون قومي من فياف ومن شهب؟ ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني جمحخ والحق يؤخذ بالغصب وذكر الزبير حبرا يوهم أن سبب حلف الفضول غير ما سبق؛ لأنه قال: حدثني غير واحد من قريش، منهم عبد العزيز بن عمر العنبسي، عن معن بن عبد الله بن عنبسة قال: إن رجلا من خثعم قدم مكة تاجرا٢، ومعه ابنه له يقال له يقال لها القتول، أوضأ نساء العالمين: فعلقهما نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، فلم يبرح حتى

стр. 680

نقلها إليه، وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها: عليك بحلف الفضول، فأتاهم وشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج، وقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل -وهو يومئذ بناحية مكة وهي معه- وإلا فإنا من قد عرفت؛ فقال: يا قوم متعوني بها الليلة، فقالوا: قبحك الله ما أجهلك، لا والله ولا شخب لقحه١. قال: وهي أوسع أحاليل من الشاة فأخرجها إليهم، فأعطوها أباها، وركب معهم الخثعمي؛ فذلك يقول نبيه بن الحجاج: راح صحبي ولم أحي القتولا ... لم أودعهم وداعا جميلا وذكر بقية الأبيات، وقال نبيه في ذلك أبياتا أخر٢. وذكر الفاكهي من خبر حلف الفضول عن الزبير بن بكار جميع ما ذكرناه عن الزبير٣. وذكر الفاكهي في ذلك غير ما سبق، فاقتضى ذلك ذكرنا له لما فيه من الفائدة، ونص ما ذكر الفاكهي::ذكر حلف الفضول، وسببه، وتفسيره، وغيره من الحلف". ثم إن قريشا تداعت إلى الفضول؛ وذلك بعد رجوعهم من عكاظ، ويقال: بعد فراغهم من بنيان الكعبة، وكان حلفا جميلا على قريش؛ لأن رسول الله ﷺ حالف فيه، فاجتمعوا في ذلك في دار ابن جدعان لشرفه وموضعه في قومه، وكانت له أسباب سأذكرها إن شاء الله تعالى. حدثني عبد الله بن شبيب الربعي مولى بني قيس بن ثعلبة قال: حدثني أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الخزاعي، قال: حدثني عمرو بن أبي بكر العدوي، قال: حدثنا عثمان بن الضحاك، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت جدي حكيم بن حزام يقول: انصرفت قريش من الفجار، وكان رسول الله ﷺ ابن عشرين سنة؛ وكان حلف الفضول في شوال، وكان أشرف حلف وأعظم بركة؛ وذلك أن الرج لمن العرب أو غيرها من العجم، كان يقدم مكة بسلعته، فربما ظلم ثمنها، وكان آخر من ظلم بها رجل من زبيد٤، فقدم مكة بسلعةله؛ فباعها من العاص بن وائل، فظلمه ثمانها، فطاف في الأحلاف: عبد الدار، وجمح، وسهم، ومخزوم، فسألهم أن يعينوه على العاص بن وائل، فزجروه وتجهموه، وأبوا أن يغلبوه

стр. 681

على العاص؛ فلما نظر إلى سلعته قد حيل دونها، رقي على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتها، فصاح بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة، نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يال الرجال وبين الحجر والحجر هل محضر من بني سهم بخفرته ... وعادل أم ضلال مال معتمر إن الحرام لمن تمت حرامته ... ولا حرام لثوب الفاخر الغدر فقال الزبير بن عبد المطلب: إن هذا الأمر ما ينبغي لنا أن نسمك عنه؛ فطاف في بني هاشم، وزهرة، وأسد، وتيم، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان، وتحالفوا بالله القائل، لنكون يدا للمظلوم على الظالم، حتى يؤدي إليه حقه ما بل بحر صوفة، ومارسا حراء وثبير في مكانهما، وعلى التأسي في المعاش: ثم نهضوا إلى العاص بن وائل فنزعوا سلعة الزبيدي، ودفعوها إليه، فقالت قريش: إنه قد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، فسمي: حلف الفضول، فقال الزبير بن عبد المطلب: حلفت لنعقدن حلفا عليهم ... وإن كنا جميعا أهل دار نسميه الفضول إذا عقدنا ... مقربة الغريب لذي الجوار ويعلم من حوالي البيت أنا ... أباة الضيم نمنع كل عار١ إذا لام الغدار لنا حراما ... أقمنا بالسيوف ذا الازورار قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثني عمرو بن أبي بكر قال: كان يقال: كان في جرهم مثل هذا الحلف؛ فمشى فيه رجال، منهم فضل، وفضال، وفضالة، فسموه حلف الفضول، وقال: الزبير بن عبد المطلب: إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... أن لا يقيم ببطن مكة ظالم أمر عليه تعاقدوا٢ وتواثقوا ... فالجار والمعتر فيهم سالم٣ وقد بان بما ذكرناه من هذه الأخبار المتعلقة بحلف الفضول فوائد كثيرة تتعلق بذلك؛ وإنما سبب تسميته بحلف الفضول، كون الذين تحالفوا عليه تحالفوا على حلف مثله، سبق إليه جماعة من جرهم، يقال لكم منهم: الفضل، أو ما يقرب من معناه.

стр. 682

وأشار السهيلي إلى أن تسميته بحلف الفضول؛ لكون الذين تحالفوا عليه تحالفوا على أن يردوا الفضول على أهلها؛ لأنه قال، بعد أن حكي عن ابن قتيبة: إن سبب تسميته أن جماعة من جرهم يقال لأحدهم الفضل بن فضالة، والثاني الفضل بن وداعة، والثالث فضيل بن الحارث، ومن تبعهم سبقوا قريشا إلى مثل هذا الحلف. والذي قاله ابن قتيبة حسن؛ ولكن في الحديث ما هو أقوى منه وأولى. روى الحميدي عن سفيان عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله ﷺ : "شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها، وأن لا يعين ظالم مظلوما". ورواه في مسنده الحارث بن عبد الله بن أبي أسامة التميمي. وقد بين هذا الحديث: لم سمي حلف الفضول. وكان حلف الفضول بعد الفجار؛ وذلك أن حرب الفجار كانت في شعبان، وكان حلف الفضول في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به، وأشرفه في العرب١، والفضول جمع فضل ... انتهى.

стр. 683

ذكر شيء من خبر ابن جدعان الذي كان في داره حلف الفضول: هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي التيمي المكي، يكنى أبا زهير، من رهط أبي بكر الصديق ﵁ وكان من رؤساء قريش وأجوادهم، وله في الجود أخبار مشهورة؛ منها: أنه كانت له جفنة للأضياف يستظل بظلها في الهاجرة؛ لأن في "غريب الحديث" لابن قتيبة: أن رسول الله ﷺ قال: "كنت أستظل فيها بظل جفنة عبد الله بن جدعان بمة في الهاجرة". قال ابن قتيبة: كانت جفنته يأكل منها الراكب على البعير، وسقط فيها صبي فغرق، أي مات فيها١. ومنها على ما قال هشام بن الكلبي: كان له مناديان يناديان؛ أحدهما بأسفل مكة، والآخر بأعلى مكة، وكان المناديان سفيان بن عبد الأسد، وأبو قحافة، وكان أحدهما ينادي: ألا من أراد اللحم والشحم فليأت دار ابن جدعان. وينادي الآخر: ألا من أراد الفالوذج فليأت دار ابن جدعان وهو أول من أطعم الفالوذج بمكة؛ ذكر هذا الخبر عن ابن الكلبي الفاكهي في "أخبار مكة"٢.

стр. 684

ومنها: أن أمية بن أبي الصلت١ قبل أن يمدح ابن جدعان: كان قد أتى بني الديان من بني الحارث بن كعب، فرأى طعام بني عبد الديان٢ منهم لباب البر والشهد والسمن، وكان ابن جدعان التمر والسويق ويسقي اللبن، فقال، أمية: ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم ... فرأيت أكرمهم بني الديان البر يلبك بالشهاد طعامهم ... لا ما يعللنا بنو جدعان فبلغ شعره عبد الله بن جدعان؛ فأرسل ألفي بعير إلى الشام تحمل إليه البر والشهد والسمن، وأمر مناديا ينادي على الكعبة: ألا هلموا إلى جفنه عبد الله بن جدعان، فقال أمية عند ذلك: له داع بمكة مشمعل٣ ... وآخر فوق كعبتها ينادي إلى ردح من الشيزى عليها ... لباب البر يلبك بالشهاد٤ وكان ابن جدعان في بدء أمره صعلوكا ترب اليدين، وكان مع ذلك سريرا فاتكا، لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه، حتى أبغضته عشريته، ونفاه أبو وحلف أن لا يأويه أبدا، لما أثقل به من الغرم. وحمله من الديات، فخرج في شعاب مكة حائرا يتمنى الموت ينزل به، فرأى شقا في الجبل، فظن فيه حية، فتعرض للشق يرجو أن يكون فيه ما يقتله فيستريح؛ فلم ير شيئا، فدخل فيه، فإذا فيه ثعبان عظيم، له عينان تقدان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان. فأخرج له فانسابت عيناه مستديرتان ينظران نحو بيت، فخطا خطوة، فصفر به الثعبان، وأقبل عليه كالسهم، فأخرج له، فانساب عنه قدما لا ينظر إليه، فوقع في نفسه أن مصنوع، فأمسكه بيده، فإذا هو مصنوع من ذهب، وعيناه ياقوتتان، فكسره وأخذ عينيه، ودخل البيت، فإذا جثث على سرر طوال لم ير مثله طويلا وعظما، وعند رؤوسهم لوح من فضة، فيه تاريخهم، وإذا هم رجال من ملوك جرهم، وآخرهم موتا الحارث بن مضاض صاحب الغربة الطويلة، وإذا عليهم ثياب لا يمس منها شيء إلا انتثر كالهباء من طوال الزمن، وشعر مكتوب في اللوح، فيه عظات، آخر بيت منه: صاح هل رأيت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب

стр. 685

وقال ابن هشام: كان اللوح من رخام، وكان فيه: أنا ثعلبة بن عبد المدان بن خشرم بن عبد يا ليل بن جرهم بن قحطان بن هود نبي الله، عشت خمسمائة عام، وقطعت غور الأرض باطنها وظاهرها في طلب الثروة والمجد والملك؛ فلم يكن ذلك ينجيني من الموت، وتحته مكتوب: قد قطعت البلاد في طلب الثر ... وة والمجد قالص١ الأثواب وسريت البلاد قفرا لقفر ... بضماني٢ وقوتي واكتسابي فأًصاب الردى بنات فؤادي ... بسهام من المنايا صباب فانقضت شدلي وأقصر جهلي ... واسترحت عواذلي عن عتاب ودفعت السعادة بالحكم لما ... نزل الشيب في محل الشباب صاح هل رأيت أو سمعت براع ... در في الضرع ما قرى في الحلاب وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذ، ثم علم على الشق بعلامة، وأغلق بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم فسادهم، وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف. وذكر حديث كنز ابن جدعان موصلا بحديث الحارث بن مضاض: ابن هشام في غير هذا الكتاب: ووقع لنا في كتاب "ري العاطش وأنس الواحش" لأحمد بن عمار، أن ابن جدعان حرم في الجاهلية، بعد أن كان مغرى بها؛ وذلك أنه سكر فتناول القمر ليأخذه، فأخبر بذلك حين صحا، فحلف لا يشربها أبدا، ولما كبر وهرم أراد بنو تيم أن يمنعوه من تبذير ماله، ولاموه في العطاء فكان يدعو الرجل، فإذا دنا منه لطمه لطمة خفيفة ثم قال: قم فانشد لطمتك، واطلب ديتها؛ فإذا فعل ذلك أعطته بنو تيم من مال ابن جدعان حتى يرضى ... انتهى من كتاب السهيلي٣. وذلك جميع ما ذكرناه من خبر ابن جدعان خلا ما ذكرناه من خبره عن ابن الكلبي. وفي مسلم أن عائشة ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : "إن ابن جدعان كان يطعم الطعام، ويقري الضيف؛ فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال ﷺ : "لا، إنه لا يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" ٤ ... انتهى.

стр. 686

وذكر الفاكهي في وفاة ابن جدعان هذا خبرا غريبا؛ لأنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بما نصه: "ذكر موت أهل الشرف من قريش، بمكة ومراثيهم"، ثم هلك عبد الله بن جدعان بن عمرو التيمي، فبكته الجن والإنس، فأما بكاء الجن: فحدثني إبراهيم بن يوسف المكي، قال: حدثنا إسماعيل بن زياد، عن ابن جريج قال: إن عبد الله بن عباس ﵄ كان يحدث أن النباش بن زرارة التميمي -وكان حليفا لقريش- قال: خرجنا إلى الشام تجارا في الجاهلية وعبد الله بن جدعان صبي حين خرجنا؛ فلما سرنا نحوا من خمس عشرة ليلة، نزلنا ذات ليلة واشتهينا أن نصبح بذلك المكان. قال: فقام أصحابي، وأصابني أرق شديد، فإذا هاتف يهتف يقول: ألا هلك الهلوك غيث بن فهر ... وذو العز والمج التليد وذو الفخر قال: فأجبته فقلت: ألا أيها الناعي أخا المجد والذكر ... من المرء تنعاه لنا من بني فهر؟ فأجابه الهاتف فقال: نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا الندى ... وذا الحسب المعدود والمنصب الفخر قال: فأجبته فقلت: لعمري لقد نوهت بالسيد الذي ... له الفضل معلوم على ولد النضر فأخبرنا أنا علمت وفاته ... فإنك قد أخبرت جلا من الأمر فأجابه الهاتف فقال: مررت بنسوان يخمشن أوجها ... عليه صياحا بين زمزم والحجر قال فأجبته فقلت: متى إنما عهدي به منذ جمعة ... وستة أيام لغرة ذا الشهر قال: فأجابه الهاتف فقال: ثوى منذ أيام ثلاث كوامل ... مع الصبح أو في الصبح في وضح الفجر قال: فاستيقظ الرفقة وهي تتراجع بنعي ابن جدعان، وقالوا: إن كان أحد نعي لعز وشرف فقد نعي ابن جدعان؛ فقال الجني: أرى الأيام لا تبقي عزيزا ... لعزته ولا تبقي ذليلا فأجبته فقلت: ولا تبقي من الثقلين حيا ... ولا تبقي الجبال ولا السهولا

стр. 687

فقال الجني: صدقت ... انتهى١. وذكر الهاتف شيئا من رثاء الإنس لابن جدعان٢.

стр. 688

ذكر شيء من خبر أجواد قريش في الجاهلية: كان في قريش في الجاهلية، أجواد مع ابن جدعان، لهم في الجود أخبار مشهورة؛ ويقال لبعضهم: أزواد الركب؛ لكفايتهم من معهم المؤنة، على ما ذكر ابن الكلبي وغيره. وفيما نقل الفاكهي وغيره. ونص ما ذكر الفاكهي: "ذكر أزواد الركب من قريش". حدثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدثنا أبو جعفر، عن هشام بن الكلبي، قال: وكانوا إذا سافروا لم يختبز معهم أحدا، ولم يطبخ إلا الأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، ومسافر بن أبي عمرو، وابن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وأبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وزمعة بن عبد المطلب بن أسد ... انتهى١.

стр. 689

ذكر الحكام من قريش بمكة في الجاهلية: هؤلاء الحكام ذكرهم الفاكهي؛ لأنه قال: "ذكرالحكام من قريش بمكة". حدثنا محمد بن علي النجار الصنعاني قال: حدثنا عبد الرزاق -هو١ ابن جريج- قال: أخبرني بشير بن تميم، أن الحارث٢ بن عبيد بن عمرو بن مخزوم كان حكم قريش في الجاهلية، وكان أول من حكم قريشا في الجاهلية بالقسامة والدية؛ حكم بالقسامة في رجل، وبمائة من الإبل في رجل، وكان عقل أهل الجاهلية الغنم. وحدثني الحسن بن الأزدي قال: حدثنا محمد أبو جعفر، عن الكلبي في الحكام من قريش قال: فمن بني هاشم: عبد المطلب بن هاشم، والزبير، وأبو طالب ابنا عبد المطلب، ومن بني أمية: حرب بن أمية، أبو سفيان بن حرب، ومن بني زهرة: العلاء بن الحارثة الثقفي، حليف بني زهرة، ومن بني مخزوم، العدل، وهو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. ومن بني سهم: قيس بن عدي بن سعد بن

стр. 690

ذكر تملك عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن كلاب القرشي الأسدي على قريش بمكة وشيء من خبره: قال الزبير بن بكار فيما رويناه عنه: حدثنا علي بن صالح، عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة، عن عروة بن الزبير، قال: خرج عثمان بن الحويرث، وكان يطمع أن يملك قريشا، وكان بمن أظرف قريش وأعقلها، حتى قدم على قيصر، وقد رأى موضع حاجتهم إليه ومتجرهم من بلاده، فذكر له مكة ورغبة فيها. وقال: تكون زيادة في ملكك كما ملك كسرى صنعاء؛ فملكه عليهم وكتب له إليهم، فلما قدم عليهم قال: يا قوم إن قيصر من قد علمتم، أموالكم ببلاده وما تصيبون من التجارة في كنفه. وقد ملكني عليكم؛ وإنما أنا ابن عمكم وأحدكم، وإنما آخذ منكم الجراب من القرظ والعكة من السمن والإهاب، فأجمع ذلك ثم أبعث به إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك؟ أن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا به، ويقطع مرفقكم منه؛ فلما قال لهم ذلك خافوا قيصر، وأخذ بقلوبهم ما ذكر من متجرهم، فأجمعوا على أن يعقدوا على رأسه التاج عشية، وفارقوه على ذلك: فلما طافوا عشية، بعث الله تعالى عليهم ابن عمه أبا زمعة الأسود بن المطلب نب أسد، فصاح على أحفل ما كانت قريش في الطواف، وقال: عباد الله ملك بتهامة، فانحاشوا انحياش حمر الوحش، ثم قالوا: صدقت، واللات والعزى ما كان بتهامة ملك قط؛ فأسقطت قريش عما كانت قالت له، ولحق بقيصر ليعلمه. وقال الزبير: حدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الحزامي عن أبيه قال: قال الأسود بن عبد المطلب حين أرادت قريش أن تملك عثمان بن الحويرث عليها: إن قريشا لقاح لا تملك ... انتهى باختصار. ثم روى الزبير بسنده: أن قيصر حمل عثمان على بغلة، عليها سرج عليه الذهب، حين ملكه، قال الزبير: قال عمي: وكان عثمان بن الحويرث حين قدم مكة بكتاب قيصر مختوم في أسفله بالذهب ... انتهى. وذكر الزبير خبرا فيما انتهى إليه أمر عثمان بن الحويرث، وملخص ذلك: أنه خرج إلى قيصر بالشام، فسأل تجار قريش بالشام عمرو بن جفنة الغساني أن يفسد على عثمان عند قيصر، فسأل عمرو في ذلك ترجمان قيصر فأخبر الترجمان قيصر عن عثمان حتى حضر عثمان، وترجم عنه بأن عثمان يشتم الملك، فأمر قيصر بإخراج عثمان، ثم تحيل

стр. 691

عليه عثمان حتى عرف من أين أتى ودخل على قيصر وعرفه ما يقتضي أن الترجمان كذب عليه؛ فكتب قيصر إلى عمرو بن جفنة يأمره أن يحبس لعثمان من أراد حبسه من تجار قريش بالشام، ففعل ذلك عمرو، ثم سم عثمان فمات بالشام، وذكرنا هذا الخبر بنصه في أصل هذا الكتاب، والله أعلم.

стр. 692

الباب السادس والثلاثون: ذكر شيء من خبر فتح مكة: قال ابن إسحاق في سيرته "تهذيب ابن هشام": ورأيته عن زياد البكائي عنه في أخبار سنة ثمان من الهجرة قال: "ثم أقام رسول الله ﷺ بعد بعثة إلى مؤتة جمادى الآخر ورجبا، ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدث على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له: الوتير١، وكان الذي هاج ما بين بني بكر وخزاعة، أن رجلا من بني الحضرمي واسمه مالك بن عباد، وحلف الحضرمي يومئذ إلى الأسود بن رزن- خرج تاجرا؛ فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه، وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه؛ فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الديلي -وهم منخر بن كنانة- وأشرافهم: سلمى، وكلثوم، وذؤيب، فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من بني الديل، قال: كان بنو الأسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين ونودي دية لفضلهم فينا٢. قال ابن إسحاق: فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به؛ فلما كان صلح الحدييبية بين رسول الله ﷺ وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله ﷺ ، كما حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم وغيرهم من علمائنا: أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده

стр. 693

فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش، وعهدها فليدخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم١. قال ابن إسحاق: فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل من بني بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأرا بأولئك النفر الذين أصابوا منهم من بني الأسود بن رزن؛ فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الديل، وهو يومئذ قائدهم، وليس كل بني بكر تابعه حتى أتى خزاعة وهم على الوتير -ماء لهم- فأصابوا رجلا منهم، وتحاوزوا واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم؛ فلما انتهوا إلى الحرم، فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم؛ إلهك، فقال كلمة عظيمة: لا إله له اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم؛ فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟ وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلا يقال له منبه، وكان منبه رجلا معوزا٢ خرج هو ورجل من قومه يقال له تميم بن أسد؛ فقال منبه: يا تميم انج بنفسك، فأما أنا هوالله إني لميت، قتلوني أو تركوني. لقد أنبت فؤادي٣. فانطلق تميم فأفلت، وأدركوا منبها فقتلوه، فلما دخلت خزاعة مكة لجئوا إلى بديل بن ورقاء، ودار مولى لهم يقال له: رافع، فقال تميم بن أسد يعتذر من فراره عن منبه، فذكر أبياتا له أولها: لما رأيت بني نقاثة أقبلوا ... يغشون كل وتيرة وحجاب الأبيات. وذكر أيضا أبياتا للأخزر بن لعط الديلي، وأبياتا لبديل بن عباد، ويقال له: بديل بن حزم، وبيتين لحسان بن ثابت. ثم قال ابن إسحاق: فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة، وكانوا في عقده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخزاعي، ثم أحد بني كعب، حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، وكان في ذلك مما هاج فتح مكة؛ فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس، فقال: يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكما والدا ... ثم أسلمنا فلم ننزع يدا

стр. 694

وانصر -هداك الله- نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول قد تجردا ... إن كان شر وجهه تربدا١ في فيلق كالبحر يجري سرمدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا ... وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا يقول: قتلنا وقد أسلمنا قال ابن هشام: ويروى: فانصر هداك الله نصرا أبدا قال ابن هشام ويروي: نحن ولدناك فكنت ولدا قال ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ : "نصرت يا عمرو بن سالم"، ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان في السماء فقال: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب". ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة؛ فأخبروه بما أصيب منهم، ومظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد قال رسول الله ﷺ : "كأنكم بأبي سفيان وقد جاءكم ليشد العقد، ويزيد في المدة"، ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه، حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان، وقد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ليشد العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديل بن ورقاء قال: "من أين أقبلت يا بديل؟ "، وظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ . قال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي، قال: "أو ما جئت محمدا؟ " قال: لا؛ فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء بديل المدينة لقد علف بها النوى؛ فأتى مبرك راحلته فأخذ من بعرها قفته؛ فرأى فيه النوى فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة؛ فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂؛ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه. فقال: يا بنية ما أرى؟ يا بنية أرغبت في هذا الفراش، أم رغبت به عني؟

стр. 695

قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس؛ فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ . قال: والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئا. ثم ذهب إلى أبي بكر ﵁ فكلمه أن يكلم رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب ﵁ فكلمه؛ فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب ﵁ وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وعندها حسن بن علي ﵁، غلام يدب بين يديها؛ فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة ﵂ فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا أن يجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟. قالت: والله ما بلغ بني ذلك وأن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ ، قال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: أو ترى ذلك مغنيا على شيئا؟ قال: لا، والله ما أظنه؛ ولكني لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، وقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق؛ فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد على شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة ﵁ فلم أجد فيه حدا، ثم جئت أبن الخطاب ﵁ فوجدته أدنى العدو. ثم قال ابن هشام: أعدى العدو. قال ابن إسحاق: قال: ثم أتيت عليا ﵁ فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني شيئا، أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت. قالوا: فهل أجاز ذلك لك محمد؟ قال: لا، قالوا: يلك، والله أن زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنك ما قلت: قال: لا والله لا وجدت غير ذلك. وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، فأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر ﵁ على ابنته عائشة ﵂ وهي تحرك بعض جهاز رسول الله ﷺ ، فقال: أي بنية أأمركم رسول الله ﷺ أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهز. قال ﵁: فأين ترينه يريد؟ قالت ﵂: لا والله ما أدري. ثم إن رسول الله ﷺ أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالتهيؤ والجد: وقال: "اللهم خذ العيون

стр. 696

والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها"، فتجهز الناس، فقال حسان بن ثابت ﵁ بحرض الناس ويذكر مصاب رجال خزاعة: عناني ولم أشهد ببطحاء مكة ... رجال بين كعب تحز رقابها بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم ... وقتلى كثير لم تجن ثيابها ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي ... سهيل بن عمرو حرها١ وعقابها وصفوان عودا خر من شعر إسته ... فهذا أوان الحرب شد عصانها ولا ناسيا يا ابن أم مجالد ... إذا اختلفت صرفا وأعضل نابها ولا تجزعوا منا فإن سيوفنا ... لها وقعة بالموت يفتح بابها قال ابن هشام: قول حسان: بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم يعين قريشا، وابن أم مجالد عكرمة بن أبي جهل٢. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال: لما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة -يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لي غيره: أنها سارة، مولاة لبني عبد المطلب- وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا؛ فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم، فخرجا حتى أدركاها بالخليفة -خليفة بني أحمد فاستنزلاها بالخليفة، فالتمساه في رحلها؛ فلم يجدا شيئا، فقال لها علي بن أبي طالب ﵁: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله ﷺ ، ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجد منه قالت: أعرض عني، فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله ﷺ فدعا رسول الله ﷺ حاطبا فقال: "يا حاطب ما حملك علي هذا؟ " فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ماغيرت ولا بدلت، ولكني كنت أمرا ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد أهل، فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله دعني فلأضربن عنقه، فإن الرجل قد نافق. قال: فقال رسول الله ﷺ : "وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع

стр. 697

إلى أصحاب بدر يوم بدر؛ فقال: "اعلموا ما شئتم، فقد غفرت لكم"؛ فأنزل الله تعالى في حاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ١-٤] إلى آخر القصة١. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ثم مضى رسول الله ﷺ لسفره، واستخلف علي المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري ﵁. وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام رسول الله ﷺ ، وصام الناس معه؛ حتى إذا كانوا بالكديد -بين عسفان وأمج- أفطر. ثم مضى حتى نزل مر الظهران، في عشرة آلاف من المسلمي؛ فصحت معهم، وبعضهم يقول: ألفت سليم وألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار؛ فلم يتخلف عنه ﷺ ، منهم أحد؛ فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله ﷺ ، ولا يدرون ما هو فاعل؟ وخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتجسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، وقد كان العباس بنعبد المطلب ﵁ لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق- قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راض، فيما ذكره ابن شهاب الزهري. ثم قال ابن إسحاق بعد أن ذكر خبر إسلام أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أمية بن المغيرة المخزومي، وشعرا لأبي سفيان في إسلامه: ولما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران، قال العباس بن عبد المطلب ﵁ فقلت: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها، حتى جئت الأراك فقلت لعلي أجد بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فخرجهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه فيستأمنوه، قبل أن يدخلها عليهم عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له؛ إذ سمعت كلام أبي سفيان، وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان. وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا. قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، قال: يقول أبو سفيان

стр. 698

-﵁: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته، فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: ويحك أبا سفيان! هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله ﷺ فاستأمنه لك؛ فركب خلفي ورجع صاحباه. فقال: فجئت به، كلما مررت بنار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله ﷺ وأنا عليها قالوا: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ ، وركضت البغلة، فسبقته بما تبسق الدابة البطيئة الرجل البطيء، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، ودخل عليه عمر ﵁ فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: فقلت يا رسول الله إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله ﷺ فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه الليلة رجل دوني. قال: فلما أكثر عمر ﵁ في شأنه قلت: مهلا يا عمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت له هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب وأسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب، قال: فقال رسول الله ﷺ : "اذهب به يا عباس إلى رحلك؛ فإذا أصبحت فأتني به" فذهبت به إلى رحلي، فبات عندي. فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ ؛ فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ " قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد، قال ﷺ : "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن أن تعلم أني رسول الله؟ " قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئا. فقال له العباس ﵁: ويحك أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحق وأسلم. قال العباس ﵁: قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا. قال ﷺ : "نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن"؛ فلما ذهب لينصرف، قال رسول الله ﷺ : "يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله تعالى،

стр. 699

فيراها"، قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي؛ حيث أمرني رسول الله ﷺ أن أحبسه، قال: ومرت القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة، قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سليم. فيقول: ما لي ولسليم؟ ثم ترم القبيلة، فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفذت القبائل، ما ترم قبيلة إلا سألني عنها؛ فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء. قال ابن هشام: وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها، قال ابن إسحاق: فيها المهاجرون والأنصار. لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد. قال: سبحان الله يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. قل: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذا. قال: قلت: النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. فقامت إليه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس١، قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم؛ فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله؛ وما يغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى ذي طوي٢ وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة٣ حمراء، وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله بحين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرجل. ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبر أبي قحافة ﵁ وإسلامه: وأمر النبي ﷺ بتغيير شيبة، ومناشدة أبي بكر ﵁ الناس في طوق أخته. وحدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله ﷺ حين فرق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام ﵁ أن يدخل بفي الناس من كذا، وكان الزبير -رضي الله

стр. 700

عنه -على المجنبة اليسرى. وأمر سعد بن عبادة ﵁ أن يدخل في بعض الناس من كذا. قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل المعلم أن سعدا ﵁ حين وجه داخلا، قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، فسمعها رجل من المهاجرين، قال ابن هشام: هو عمر بن الخطاب ﵁. فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال لسعد بن عبادة، ما نأمن أن تكون له في قريش صولة. فقال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: "أدركه، فخذ الراية، فكن أنت الذي تدخل بها". قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه قال: إن رسول الله ﷺ أمر خالد بن الوليد ﵁ فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم، وسليم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من العرب. وأقبل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ بالصف من المسلمين، ينصب وضربت له هناك قبة. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر: أن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، كانوا قد جمعوا ناسا بالخندقة٢ ليقاتلوا؛ وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يعد سلاحا قبل دخول رسول الله ﷺ ، ويصلح منه؛ فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: بمحمد وأصحابه. قالت: والله ما أراه يقوم بمحمد وأصحابه شيء. قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال: إن يقبلون اليوم فما لي عله ... هذا سلاح كامل وآلة٣ وذو غرارين سريع السلة ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل وعكرمة؛ فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ﵁ ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر -أحد بني محارب بن فهر- وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم حليف بن منقذ، وكانا في خيل خلاد بن الوليد ﵁، فشذا عنه، فسلكا طريقا غير طريقه، فقتلا جميعا، قتل خنيس بن خالد قبل كرز بن جابر، فجعله كرز بن جابر بين رجليه، ثم قاتل

стр. 701

عنه حتى قتل، وهو يرتجز ويقول: لقد علمت صفراء من بني فهر ... نقية الوجه نقية الصدر لأضربن اليوم عن أبي صخر قال ابن هشام: وكان خنيس بن خالد من خزاعة. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح، وعبد الله بن أبي بكر قالا: وكان خنيس يكنى بأبي صخر. وأصيب من جهينة، سلمة بن الميلاء من خيل خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر، أو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا، فخرج حماس منهزما، حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته، أغلقي علي بابي قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال: إنك لو شهدت يوم الخندمة ... إذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو يزيد قائم كالمؤتمة١ ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمة ... ضربا فلا يسمع إلا غمغمة لهم نهيت٢ حولنا وهمهمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر قوله: كالمؤتمة: وتروي للرعاش الهذلي هذه الأبيات. وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، وحنين، والطائف شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى امرأته من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم؛ إلا أنه قد عهد في نفر سماهم، أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم ابن سعد أخو بني عامر بن لؤي: وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لأنه كان أسلم، وكان يكتب لرسول الله ﷺ الوحي، فارتد مشركا راجعا إلى قريش، ففر إلى عثمان بن عفان ﵁، وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه حتى أتى به رسول الله ﷺ ، بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة، فاستأمن له؛ فزعموا أن رسول الله ﷺ صمت طويلا، ثم قال: "نعم" فلما انصرف عنه عثمان ﵁، قال رسول الله ﷺ لمن حول من أصحابه: "لقد صمت ليقوم بعضكم

стр. 702

فيضرب عنقه"؛ فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي؟ قال ﷺ : "لا، إن النبي، لا يقتل بالإشارة". قال ابن هشام: ثم أسلم بعد؛ فولاه عمر بن الخطاب ﵁ بعض أعماله، ثم ولاه عثمان ﵁ بعد عمر ﵃. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خطل من بني تيم بن غالب؛ وإنما أمر بقتله إنه كان مسلما، فبعثه رسول الله ﷺ مصدقا، وبعص معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه، وكان مسلما، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما، فنام فاستيقظ، ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله. ثم ارتد مشركا، وكانت له قينتان: فرتني وصاحبتها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ؛ فأمر رسول الله ﷺ بقتلهما معه. والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد قصي، وكان ممن يؤذيه بمكة. قال ابن هشام: وكان العباس بن عبد المطلب ﵁ حمل فاطمة، وأم كلثوم، بنتي رسول الله ﷺ ، يريد بهما المدينة؛ فنخس بهما الحويرث بن نقيذ، فرمي بهما إلى الأرض. قال ابن إسحاق: ومقيس بن صبابة؛ وإنما أمر رسول الله ﷺ بقتله لقتله الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مشركا. وسارة مولاة لبني عبد المطلب، وعكرمة بن أبي جهل، وكانت سارة ممن يؤذيه بمكة. وأما عكرمة؛ فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له من رسول الله ﷺ فأمنه، فخرجت في طلبه، حتى أتت به رسول الله ﷺ . وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث المخزومي، وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه. وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله -رجل من قومه- فقالت ابنه مقيس في قتله: لعمري قد أخزي نميله رهطه ... وفجع أضياف الشقا بمقيس فلله عينا من رأى مثل مقيس ... إذا النفساء أصبحت لم تخرس وأما قينتا ابن خطل، فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى استؤمن لها من رسول الله ﷺ بعد، فأمنها. وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها. ثم بقيت حتى أوطأها رجل من

стр. 703

الناس فرسا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ بالأبطح، فقتلها. وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب ﵁. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب أن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة، فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم -وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي- قالت: فدخل علي علي بن أبي طالب أخي، فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة، وإن فيها لأثرا لعجن، وفاطمة ابنته تستره بثوبه؛ فلما اغتسل ﷺ أخذ ثوبه فتوشح به. ثم صلى ثمان ركعات في الضحى، ثم انصرف إلي، فقال: "مرحبا وأهلا بأم هانئ، ما جاء بك؟ " فأخبرته خبر الرجلين، وخبر علي ﵁ فقال ﷺ : "قد أجزنا من أجرت، وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما". قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة قالت: إن رسول الله ﷺ لما نزل مكة، واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به وسعى على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده؛ فلما قضي طوافة، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس في المسجد. قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ وقف على باب الكعبة، فقال: "لاإله إلا الله وحده، لا شريك له، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة، أو دم، أو مال، يدعى به؛ فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد السوط والعصا؛ ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب". ثم تلا ﷺ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] الآية كلها. ثم قال ﷺ "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ " قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد؛ فقام إليه علي بن أبي طالب ﵁ ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله ﷺ ، اجمع لنا الحجابة مع السقاية. فقال رسول الله ﷺ : "أين عثمان بن أبي طلحة؟ " فدعي له، فقال ﷺ "هاك مفتاحك يا عثمان، إن اليوم يوم بر ووفاء".

стр. 704

قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة أن رسول الله ﷺ قال لعلي ﵁ فلا أعطيكم ما ترزون، لا ما تزرون. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم ﵊ مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: "قاتلهم الله قد جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم، بالأزلام؟ " ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران] . ثم أمر ﷺ بتلك الصورة كلها فطمست، قال ابن هشام: وحدثني أن الرسول ﷺ دخل الكعبة ومعه بلال ﵁ ثم خرج رسول الله ﷺ وتخلف بلال؛ فدخل عبد الله بن عمر ﵄ على بلال فسأله: أين ﷺ ولم يسأله كم صلى. فكان ابن عمر ﵄ إذا دخل البيت مشي قبل وجهه وجعل الباب قبل ظهره حتى يكون بينه وبين الجدار ثلاث أذرع، ثم يصلي بنواحي الموضع الذي قال له بلال ﵁. وحدثني أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال ﵁ فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد بن الحارث بن هشام ﵃ جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقدج أكرم أسيد ألا يكون سمع هذا فسمع منه مايغيظه. وقال الحارث بن هشام: أما والله لو علم أنه محق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة. فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: "قد علمت الذي قلتم"، ثم ذكر ذلك لهم. فقال الحارث وعتاب ﵄: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك. قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي سندر الأسلمي عن رجل من قومه قال: كان معنا رجل يقال له أحمرا، وكان رجلا شجاعا، وكان إذا نام غط غطيطا منكرا لا يخفي مكانه، وكان إذا بات في جبة بات معتبرا؛ فإذا بيت الحي صرخوا يا أحمر، فيثور مثل الأسد لا يقوم لسبيله شيء، فأقبل أعرابي من هذيل يريدون حاضره، حتى إذا دنوا من الحاضر قال ابن الأثوع الهذلي: لا تعجلوا حتى انظر، فإن كان في الحاضر أحمر فلا سبيل إليهم فإن له غطيطا لا يخفي. قال: فاسمع؛ فلما كان عام الفتح وكان العد من يوم الفتح أتى ابن الأثوع الهذلي حتى ندخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس، وهو على شركه، فرأته خزاعة

стр. 705

فعرفوه، فأحاطوا به، وهو إلى جنب جدار من جدر مكة، يقولون: أنت قاتل. قال: نعم، أنا قاتل أحمر. فعندئذ أقبل خراش بن أمية مشتملا على السيف؛ فقال هكذا عن الرجل، والله ما نظنه إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه فلما تفرجنا عنه حمل عليه فطنه بالسيف في بطنه؛ فوالله لكأني أنظر إليه وحوشته تسيل من بطنه، وإن عيينه ليريقان في رأسه وهو يقول: قد فعلتموها يا معشر خزاعة حتى أفجعت فوقع؛ فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر القتل إن نفع قتلتم قتيلا لأدينه". قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي قال: لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير، جئته فقلت له: يا هذا، إنا كنا مع رسول الله ﷺ حين افتتح مكة؛ فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رج لمن هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله ﷺ فينا خطيبا فقال: "أيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض؛ فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا. لم تحلل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة، غصبا على أهلها، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس؛ فليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ فمن قال لكم إن رسول الله ﷺ قاتل فيها، فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله، ولم يحلها لكم، يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل، قد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لأدينه؛ فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاؤوا فدم قاتله، وإن شاؤوا فعقله" ١. ثم ودى رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي قتله خزاعة؛ فقال عمرو لأبي شريح: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، إنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية، قال أبو شريح: إني كنت شاهدا، وكنت غائبا، وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك. قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله ﷺ يوم الفتح: جندب بن الأكوع، قتلته بنو كعب، فواده مائة ناقة. قال ابن هشام: وبلغني عن يحيى بن سعيد أن النبي ﷺ حين افتتح مكة ودخلها، قام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار؛ فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه ولده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: "ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل ﷺ بهم حتى أخبروه. فقال النبي ﷺ : "معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم".
следующие страницы →