← История

История · id 8362

شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام

التقي الفاسي

Полный текст (1 072 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عنمة، وكعب بن زيد أصابه سهم فقتله، وسعد بن معاذ عاش حتى قتل النبي ﷺ بني قريظة بحكمه، واستجاب دعاءه، ثم قبض شهيدا، وسيأتي ذكر وفاته، وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشدة؛ لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى هدى الله نعيم بن مسعود أحد غطفان للإسلام؛ لإنفاذ أمره سبحانه في نصر نبيه وإقامة دينه؛ فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : "إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة"، فخرج حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديمًا في الجاهلية فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، ولا تقدرون على أن تحولوا عنه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم؛ فإن رأوا نهزة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به إن خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا منهم أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه، قالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لهم: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني، قالوا: نفعل، قال: تعلمون أن اليهود قد ندموا على ما صنعوه فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ من القبيلتين قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي حتى تستأصلهم، فأرسل إليهم: نعم، فإن بعثت إليكم يهود تطلب منكم رجلا واحدا فلا تدفعوه، ثم خرج فأتى غطفان فقال لهم مثل ما قال لقريش، فأرسلت قريش إلى يهود أن اغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، فقالوا: لسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فقالت قريش وغطفان: إن الذي حدثكم نعيم لحق، ثم أرسلوا إلى قريظة إنا لن ندفع إليكم أحدا؛ فإن أردتم أن تقاتلوا فقاتلوا، فقالت قريظة: إن الذي قال لكم نعيم لحق، وخذل الله بينهم وبعث عليهم الريح في ليالٍ باردة شديدة البرد، فجعلت تكفئ قدورهم وتطرح أبنيتهم، فرجعوا إلى بلادهم وكان مجيئهم وذهابهم في شوال سنة خمس من الهجرة. قلت: والخندق اليوم باقٍ وفيه قناة تأتي من عين بقباء إلى النخل الذي بأسفل المدينة بالسيح حوالي مسجد الفتح وفي الخندق نخل قد انطم أكثره وتهدمت حيطانه.

стр. 982

الباب الحادي عشر: في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة قال ابن إسحاق: ولما انصرف رسول الله ﷺ من الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح أتى جبريل رسول الله ﷺ معتمًّا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوَقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: "نعم" فقال: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة؛ فإني عامد إليهم فمزلزل بهم، فأذَّن رسول الله ﷺ في الناس: من كان سامعا ومطيعا فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة، وأقبل رسول الله ﷺ والمسلمون، فمر بنفر من أصحابه فقال: هل مر بكم أحد فقالوا: مر بنا دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم"، وأتاهم رسول الله ﷺ والمسلمون ونزل عليهم، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ فتواثبت الأوس، وقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج فهبهم لنا، فقال: "ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منهم"، قالوا: بلى، قال: "فذلك إلى سعد بن معاذ"، وكان سعد في خيمة في المسجد يداوى جرحه، فأتاه الأوس، فأركبوه، وأتوا به رسول الله ﷺ فقال: أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري، فقال ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ١ "، ثم استنزلوا بني قريظة من حصونهم، فحبسوا بالمدينة في دار امرأة من بني النجار، ثم خرج ﷺ إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم، فجيء بهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، وكانوا سبعمائة وفيهم حيي بن أخطب النضري الذي حرضهم على نقض العهد وعلى محاربة النبي ﷺ ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة؛ فإنها كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد من الحصن، فقتلته، فقتلها النبي ﷺ وكان النبي قد قتل منهم كل من أنبت، ومن لم ينبت استحياه ثم قسم الرسول أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأنزل الله في بني قريظة وأمر الخندق الآيات من سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [٩-٢٧] الآية. ولما فرغ ﷺ من شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، فمات منه شهيدًا، وروي أن جبريل أتى النبي ﷺ في جوف الليل فقال: يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ فقام ﷺ سريعا يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات.

стр. 983

الباب الثاني عشر: في ذكر مسجد النبي ﷺ وفضله قدم النبي ﷺ المدينة حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فنزل في علو المدينة في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم، فمكث عندهم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، فأخذ مربد كلثوم فعمله مسجدًا، وأسسه، وصلى فيه إلى بيت المقدس، وخرج من عندهم يوم الجمعة عند ارتفاع النهار، فركب ناقته القَصوَى، وحشد المسلمون، ولبسوا السلاح عن يمينه وشماله، وخلفه منهم الماشي والراكب، واعترضه الأنصار فما يمر بدار من دورهم إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى القوة والمنعة والثروة، فيقول لهم خيرا ويدعو لهم، ويقول عن ناقته: "إنها مأمورة؛ خلوا سبيلها"، فمر ببني سالم فأتى مسجدهم الذي في الوادي وادي رانوناء، وأدركته صلاة الجمعة فصلى بهم هنالك وكانوا مائة رجل، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة ثم ركب راحلته وأرخى لها زمامها وسار حتى انتهت به إلى زقاق الحبشي ببني النجار، فبركت على باب دار أبي أيوب الأنصاري، فنزل النبي ﷺ ، ينزل عليه القرآن ويأتيه جبريل حتى ابتنى مسجده ومساكنه، وكان النبي ﷺ قد نزل في سفل بيت أبي أيوب وذكر أبو أيوب أنه فوق النبي ﷺ فلم يزل ساهرا حتى أصبح، فأتاه فقال: يا رسول الله، إني أخشى أن أكون ظلمت نفسي أن أبيت فوق رأسك، فقال ﵇: "السفل أرفق بنا وبمن يغشانا"، فلم يزل أبو أيوب يتضرع إليه حتى انتقل إلى العلو، وأقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب سبعة أشهر، وكان بنو مالك بن النجار يحملون كل يوم قصاع الثريد إلى النبي يتناوبون ذلك بينهم إلا سعد بن عبادة فإنه ما كان يقطع جفنته في كل ليلة إلى دار أبي أيوب فيدعو النبي أصحابه فيأكلون، وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ لما أخذ المربد من بني النجار كان فيه نخل وقبور المشركين وخِرب "خرائب" فأمر النبي ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضاديته حجارة، قال: وكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم: "اللهم إن الخير خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة" وجعلوا ينقلون الصخر، وطفق النبي ﷺ ينقل اللبن معهم في ثيابه ويقول: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر وبنى النبي ﷺ مسجده مربعا، وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وطوله سبعون ذراعا أو يزيد، وجعل له ثلاث أبواب: بابا في مؤخره، وباب عاتكة وهو باب الرحمة والباب الذي

стр. 984

كان يدخل منه النبي ﷺ وهو باب عثمان، ولما صرفت القبلة إلى الكعبة سد النبي ﷺ الباب الذي كان خلفه وفتح الباب الآخر حذاءه فكان المسجد له ثلاثة أبواب: باب خلفه وباب عن يمين المصلى وباب عن يساره، وجعلوا أساس المسجد من الحجارة وبنوا باقيه من اللبن، وفي الصحيحين: كان جدار المسجد عند المنبر ما كادت الشاة تجوزه، وقالت عائشة: كان طول جدار المسجد بسطة وكان عرض الحائط لبنة لبنة ثم إن المسلمين كثروا، فبنوه لبنة ونصفا ثم قالوا: يا رسول الله لو أمرت فزيد فيه قال: "نعم" فأمر به فزيد فيه، وبني جداره لبنتين مختلفتين ثم اشتد عليهم الحر، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد فظلل، قال: "نعم"، فأمر به فأقيم له سواري من جذوع النخل شقة ثم شقة ثم طرحت عليها العوارض والخصف والإذخر، وجعل وسطه رحبة فأصابتهم الأمطار فجعل المسجد يكف١ عليهم، فقالوا: يا رسول الله لو أمرت بالمسجد يعمر فَطُين فقال لهم: "عريش كعريش موسى ثمام وخشيبات والأمر أعجل من ذلك"، فلم يزل كذلك حتى قبض ﷺ ، ويقال: إن عريش موسى كان إذا قام أصاب رأسه السقف، قال أهل السير: بنى النبي ﷺ مسجده مرتين؛ بناه حين قدم أقل من مائة في مائة فلما فتح الله عليه خيبر بناه، وزاد عليه في الدور مثله، وصلى النبي ﷺ فيه متوجها إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم أمر بالتحول إلى الكعبة فأقام رهطا على زوايا المسجد؛ ليعدل القبلة، فأتاه جبريل ﵇، فقال: يا رسول الله ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده: هكذا، فأماط كل جبل بينه وبينها فوضع القبلة وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء، فلما فرغ قال جبريل: هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها، وصارت قبلته إلى الميزاب، أخبرنا أبو القاسم المظفري والأرحبي في كتابيهما عن أبي علي الأصفهاني عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد الخلدي، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن أبو زبالة، حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن هشام بن سعد بن أبي هلال عن أبي هريرة قال: كانت قبلة النبي ﷺ الشام، وكان مصلاه الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام من مسجده موضع الأسطوانة المخلفة اليوم خلف ظهرك ثم تمشي إلى الشام حتى إذا كنت بين باب آل عثمان كانت قبلته في ذلك الموضع. فضيلة المسجد والصلاة فيه: أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن أحمد العطار، أخبرنا أبو سعد عمار بن طاهر الهمداني، حدثنا مكي بن عبد السلام الرميلي، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد النصيبي، أخبرنا محمد بن محمد الواسطي، حدثنا عمر بن الفضل بن مهاجر، حدثنا الوليد بن

стр. 985

حماد الرملي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال ﷺ : "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"، أخرجه البخاري في صحيحه. أنبأنا الذهلي، حدثنا أبو محمد بن عبدوس، حدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "من دخل مسجدي هذا يتعلم خيرا أو يعلمه كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس كان كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره". أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحسن الهمداني في كتابه قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمد بن محمد الفقيه، قال: أنبأنا عبد العزيز بن أحمد النصيبي، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي، حدثنا عمرو بن الفضل بن مهاجر، حدثنا أبي، حدثنا الوليد، أخبرنا محمد بن النعمان، أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو عبد الملك عن عبد الواحد بن زيد عن شهر بن حوشب عن عبد الله قال: سكن الخضر بيت المقدس فيما بين باب الرحمة إلى باب الأسباط، وهو يصلي في كل جمعة في خمسة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد قباء، ويصلي كل ليلة جمعة في مسجد الطور ويأكل كل جمة أكلتين من كمأة وكرفس ويشرب مرة من زمزم ومرة من جب سليمان الذي ببيت المقدس ويغتسل من عين سلوان. أنبأنا أبو الفرج بن الجوزي قال: أنبأنا عباد بن أحمد الحسن آباذي، قال: أخبرنا الحسن بن عمر الأصبهاني أنبأنا الحسن بن علي البغدادي حدثنا محمد بن علي الهمداين حدثنا محمد بن عمران حدثنا بحر بن نصير أخبرنا موسى بن عبيدة عن داود بن مدرك عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أنا خاتم الأنبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار وتركب إليه الرواحل، وصلاة في مسجدي هذا أفضل من الصلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام". وأخرج مسلم في الصحيح أن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" ١. أخبرنا عبد الوهاب بن علي أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي أنبأنا أبو محمد الصيرفي أنبأنا أبو بكر بن عبدان عن عبد الوهاب بن المهتدي حدثنا أيوب بن سليمان الصعدي حدثنا أبو اليمان حدثنا العطاف بن خالد عن عبد الله بن عثمان بن عمر بن الأرقم بن أبي الأرقم عن أبيه عن جده قال: قلت لرسول الله ﷺ : إني أريد أن

стр. 986

أخرج إلى بيت المقدس قال: "فلم؟ " قلت: للصلاة فيه، قال: "ههنا أفضل من الصلاة هناك ألف مرة". أنبأنا أبو القاسم البقل عن أبي علي الأصبهاني عن أبي نعيم الحافظ عن جعفر الخلدي قال: أنبأنا أبو زيد المخزومي أخبرنا الزبير بن بكار أخبرنا محمد بن الحسن حدثني إسماعيل بن المعلى عن يوسف بن طهمان عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رسول الله ﷺ قال: "من خرج على طهر لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه كان بمنزلة حجة". وحدثني محمد بن الحسن حدثني حاتم بن إسماعيل عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبينة عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يغلب على مسجدي هذا الكلاب والذباب والضباع، فيمر الرجل ببابه فيريد أن يصلي فيه فما يقدر عليه". ذكر حجر أزواج النبي ﷺ : لما بنى رسول الله ﷺ مسجده بنى بيتين لزوجته عائشة وسودة ﵄ على نعت بناء المسجد من لبن وجريد النخل، وكان لبيت عائشة مصراع واحد من عرعر أو ساج، ولما تزوج رسول الله ﷺ نساءه بنى لهن حجرًا وهي تسعة أبيات، وهي ما بين بيت عائشة ﵂ إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ ، قال أهل السير: ضرب النبي ﷺ الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشامي ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة في المسجد. قال عمر بن أبي أنس: كان منها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر، وذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع. قال مالك بن أنس: وحدثني الثقة عندي أن الناس كانوا يدخلون حجرات أزواج النبي بعد وفاته يصلون فيها يوم الجمعة. قال مالك: وكان المسجد يضيق عن أهله، وحجر النبي ﷺ ليست من المسجد، ولكن أبوابها شارعة في المسجد، قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان. أخبرنا صالح بن أبي الحسن الخريمي أنبأنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري أخبرنا أبو الحسن بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا عبد الله بن يزيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز كانت بيوتا باللبن ولها حجر من جريد، ورأيت أم سلمة

стр. 987

وحجرتها من لبن، فسألت ابن ابنها، فقال: لما غزا رسول الله ﷺ دومة، بنت أم سلمة بلبن حجرتها، فلما قدم نظر إلى اللبن فقال: ما هذا البناء، فقالت: أردت أن أكف أبصار الناس، فقال: يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلم البنيان، وقال عطاء الخراساني: أدركت حجر أزواج النبي ﷺ من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر النبي ﷺ في مسجده، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم. وسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ: والله لوددت أنهم لو تركوها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والفخر، وقال عمران بن أبي أنس: لقد رأيتني في مسجد رسول الله ﷺ وفيه نفر من أصحابه أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو أمامة بن سهل وخارجة بن زيد يعني لما نقضت حجر أزواجه ﵇ وهم يبكون حتى اخضلَّت لحاهم من الدمع، وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تُركت حتى يقصر الناس من البنيان، ويروا ما رضي الله لنبيه ﷺ ومفاتيح الدنيا بيده. ذكر بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ ﵂: كان خلف بيت النبي ﷺ عن يسار المصلى إلى الكعبة وكان فيه خوخة إلى بيت النبي ﷺ كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل إلى المخرج اطلع منها يعلم خبرهم، وكان يأتي بابها كل صباح، فيأخذ بعضادتيه، ويقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] ، وقال محمد بن قيس: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر أتى فاطمة ﵂ فدخل عليها وأطال عندها المكث، فخرج مرة في سفر، فصنعت فاطمة مسكتين من ورِق "فضة" وقرطين وسترًا لباب بيتها؛ لقدوم أبيها وزوجها، فلما قدم ﵇ ودخل عليها وقف أصحابه على الباب، فخرج وقد عُرِفَ الغضب في وجهه، ففطنت فاطمة أنما فعل ذلك لما رأى المسكتين والقلادتين والستر، فنزعت قرطيها وقلادتيها، ومسكتيها، ونزعت الستر، وأنفذت به إلى رسول الله ﷺ وقالت للرسول: قل له: تقرأ عليك ابنتك السلام، وتقول لك: اجعل هذا في سبيل الله، فلما أتاه قال: "فعله، فداها أبواها -ثلاث مرات- ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء"، ثم قام، فدخل عليها. وقال محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁: لما أخذ رسول الله ﷺ الستر من فاطمة شقَّهُ لكل إنسان من أصحابه ذراعين ذراعين. وقال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر قبل رأس فاطمة ﵂.

стр. 988

أنبأنا أبو القاسم التاجر عن أبي علي الحداد عن أبي نعيم الحافظ عن أبي محمد الخواص، قال: أخبرنا أبو يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن جعفر بن محمد، كان يقول: قبر فاطمة ﵂ في بيتها الذي أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد؛ قلت: وبيتها اليوم حوله مقصورة وفيه محراب وهو خلف حجرة النبي ﵇. ذكر مصلى النبي ﷺ بالليل: روى عيسى بن عبد الله عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يطرح حصيرا كل ليلة إذا انكف الناس، ورأيت عليا كرم الله وجهه ثَمَّ يصلي صلاة الليل، قال عيسى: وذلك موضع الأسطوان الذي على طريق النبي ﷺ مما يلي الدور. وروي عن سعيد بن عبد الله بن فضيل، قال: مر بي محمد بن علي ابن الحنفية ﵁ وأنا أصلي إليها، قال لي: أراك تلزم هذه الأسطوانة هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا، قال: فالزمها؛ كانت مصلى رسول الله ﷺ بالليل، قلت: وهذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة ﵂ وفيها محراب إذا توجه الرجل كان يساره إلى باب عثمان ﵁. ذكر الجذع الذي كان يخطب إليه النبي ﵇: أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر الجنابذي، أخبرنا يحيى بن علي المديني، أخبرنا أبو الحسين بن النقور، أخبرنا أبو القاسم بن حنانة، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا هدية بن خالد، حدثنا حماد بن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس عن النبي ﷺ : أنه كان يخطب إلى جذع نخلة، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، وأتى النبي ﷺ فاحتضنه فسكن، فقال ﵇: "لو لم أحتضنه لَحَنَّ إلى يوم القيامة". أنبأنا عبد الرحمن بن علي قال: أخبرنا جابر بن ياسين، أخبرنا المخلص، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا المبارك بن فضالة، حدثنا الحسن عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى خشبة مسنِدًا ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: "ابنوا لي منبرًا" فبنوا له منبرا له عتبتان، فلما قام على المنبر يخطب حنَّت الخشبة إلى رسول الله ﷺ ، قال أنس: وأنا في المسجد، فسمعت الخشبة تحنُّ حنين الواله، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكنت، فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحنُّ إلى رسول الله ﷺ شوقا إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه، وفي لفظ: فنزل إليه النبي ﷺ فاحتضنه وسارَّه بشيء، وفي لفظ: فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشق، وفي لفظ: فجعلت تئن أنين

стр. 989

الصبي حتى استقرت، وفي لفظ: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر، كل هذه الألفاظ في الصحيح، وقال أبو سعيد الخدري: لما سكن الجذع أمر النبي ﷺ أن يحفر له ويدفن. وقال أبو بريدة الأسلمي: لما سكن الجذع قال له النبي ﷺ : "إن شئت أن أردك إلى الحائط الذي كنت فيه كما كنت، فتنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمر، وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتأكل أولياء الله من ثمرك"، ثم أصغى إليه النبي ﷺ يسمع ما يقول، قال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله، وأكون في مكان لا أداس فيه، فقال رسول الله ﷺ : "نعم، قد فعلت"؛ وعاد إلى المنبر ثم أقبل على الناس فقال: "خيرته كما سمعتم فاختار أن أغرسه في الجنة، اختار دار البقاء على دار الفناء". وقالت عائشة ﵂: لما قال له النبي ﷺ ذلك غار الجذع فذهب، وقال ابن أبي الزناد: لم يزل الجذع على حاله زمان رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄، فلما هدم عثمان ﵁ المسجد اختلف في الجذع فمنهم من قال: أخذه أبي بن كعب فكان عنده حتى أكلته الأرضة، ومنهم من قال: دفن في موضعه، وكان الجذع في موضع الأسطوانة المخلفة التي عن يمين محراب النبي ﷺ عند الصندوق. ذكر عمل المنبر: وروى البخاري في الصحيح من حديث أبي حازم أن نفرا جاءوا إلى سهل بن سعد قد تماروا في المنبر من أي عود هو، فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو ومن عمله؛ رأيت رسول الله أول يوم جلس عليه، فقلت له: فحدثنا، فقال: أرسل ﵇ إلى امرأة: "انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها"، فعمل هذه الدرجات الثلاث ثم أمر بها فوضعت بهذا الموضع وهي من طرفاء الغابة ... وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه؛ فإن لي غلاما نجارا؟ قال: "إن شئت" فعمل له المنبر. وروى أبو داود في سننه من حديث عبد الله بن عمر أن النبي لما بدن قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: "بلى" قال: فاتخذ له منبرا مرقاتين١، وروي عن أبي الزناد أنه ﵇ كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد فقال: "إن القيام قد شق علي" وشكا ضعفا في رجليه، فقال له تميم الداري وكان من أهل فلسطين: يا رسول الله أنا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام قال: فلما أجمع

стр. 990

ذوو الرأي من أصحابه على اتخاذه قال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس، فقال له النبي ﷺ : "فمره يعمل"، فأرسل إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عملها درجتين ومجلسا ثم جاء بالمنبر فوضعه في موضع المنبر اليوم ثم راح إليه رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حنَّ الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة حتى ارتاع الناس، وقام بعضهم على رجليه، فأقبل ﵇ حتى مسه بيده فسكن، فما سمع له صوت بعد ذلك، ثم رجع إلى المنبر فقام عليه، وقد روي أن اسم هذا الغلام الذي صنع المنبر مينا، وقال عمر بن عبد العزيز: عمله صباح غلام العباس بن عبد المطلب. قال الواقدي١: وفي سنة ثمانٍ من الهجرة اتخذ النبي ﷺ منبره واتخذه درجتين ومقعدة. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة ﵂ قالت: قال ﷺ : "قوائم منبري رواتب في الجنة، وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة". وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "منبري على حوضي"، قال الخطابي: معناه: من لزم عبادة الله عنده سقي من الحوض يوم القيامة، قلت: الذي أراه أن المعنى هذا المنبر بعينه يعيده الله على حاله فينصبه عند حوضه كما تعود الخلائق أجمعون. أخبرنا أبو طاهر المبارك بن المبارك العطار قال: أخبرنا أبو الغنائم محمد بن محمد الخطيب، وأخبرنا هبة الله بن الحسن بن السبط قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله العكبري قالا: أخبرنا أبو طالب العادي أخبرنا عمر بن أحمد بن شاهين قال: حدثنا علي بن محمد العسكري حدثني دارم بن قبيصة حدثني نعيم بن سالم قال: سمعت أنس بن مالك قال: رسول الله ﷺ يقول: "منبري على ترعة من ترع الجنة". قال أبو عبيدة القاسم بن سلام: في الترعة ثلاثة أقوال: أحدها أنها الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة، والثاني أنها الباب، والثالث أنها الدرجة. وروى أبو داود في السنن من حديث جابر بن عبد الله قال: قال ﷺ : "لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر إلا تبوأ مقعده من النار أو وجبت له النار". وقال ابن أبي الزناد: كان ﷺ يجلس على المنبر ويضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر قام على الدرجة الثانية، ووضع رجليه على الدرجة الثالثة السفلى فلما

стр. 991

ولي عمر قام على الدرجة السفلى، ووضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولي عثمان فعل ذلك ست سنين ثم علي فجلس موضع النبي وكسى المنبر قبطية، فلما حج معاوية كساه قبطية وزاد فيه ست درجات، ثم كتب إلى مروان بن الحكم وهو عامله على المدينة أن ارفع المنبر على الأرض فدعا له النجارين وعمل هذه الدرجات ورفعوه عليها، وصار المنبر تسع درجات بالمجلس لم يزد فيه أحد قبله ولا بعده، قال: ولما قدم المهدي المدينة سنة إحدى وستين ومائة قال لمالك بن أنس: إني أريد أن أعيد منبر النبي ﷺ على حاله، فقال له مالك: إنما هو من طرفاء وقد سُمِّر إلى هذه العيدان وشد، فمتى نزعته خفت أن يتهافت ويهلك فلا أرى أن تغيره. قلت: وطول منبر النبي ﷺ ذراعان وشبر وثلاث أصابع، وعرضه ذراع راجح، وطول صدره وهو مستند النبي ﷺ ذراع، وطول رمانتي المنبر الذي يمسكها رسول الله ﷺ إذا جلس يخطب شبر وإصبعان، وطول المنبر اليوم ثلاثة أذرع وشبر ثلاث أصابع، والدكة التي هو عليها طول شبر وعقد، ومن رأسه إلى عتبته خمسة أذرع وشبر، وقد زيد فيه اليوم عتبتان وجعل له باب يفتح يوم الجمعة ولم يزل الخلفاء إلى يومنا هذا يرسلون في كل سنة ثوبا من الحرير الأسود، وله علم ذهب يكسى به المنبر، ولما كثرت الكسوة عندهم أخذوها فجعلوها ستورا على أبواب الحرم. ذكر الروضة: أخبرنا أبو طاهر بن المقطوش قال: أخبرنا أبو الغنائم بن المهتدي وأخبرنا أبو القاسم الهمداني أخبرنا أبو المعز بن كادش قالا: أخبرنا محمد بن علي بن أبي الفتح الحربي قال: أخبرنا أبو الحفص بن شاهين حدثنا علي بن محمد العسكري حدثنا دارم بن قبيصة حدثني نعيم بن سالم بن قنبر قال: سمعت أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين حجرتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ١ أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وقال: "بيتي" مكان "حجرتي"، وقال الخطابي: معناه: من لزم طاعة الله تعالى في هذه البقعة آلت به الطاعة إلى روضة من رياض الجنة، والذي هو عندي أن يكون هذا الموضع بعينه روضة في الجنة يوم القيامة، وقال أبو عمر ابن عبد البر: معناه أن النبي ﷺ كانت الصحابة تقتبس منه العلم في ذلك الموضع فهو مثل الروضة قلت: ويؤيد قولَه قولُ النبي ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا" قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذكر".

стр. 992

ذكر سد الأبواب الشوارع في المسجد: روى البخاري في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال: خطب النبي ﷺ فقال: "إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده"، فبكى أبو بكر فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ أن يكون الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فكان رسول الله ﷺ هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا، فقال يا أبا بكر: "لا تبك؛ إن أَمَنَّ الناسِ عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر"، قال أهل السير: كان بابه في غربي المسجد، وروى ابن عباس أن النبي ﷺ أمر بالأبواب كلها فسُدَّتْ إلا باب علي ﵁. ذكر تجميره: ذكر أهل السير أن عمر بن الخطاب أتى بسفط من عود فلم يسع الناس فقال: أجمروا به المسجد؛ لينتفع به المسلمون فبقيت سنة في الخلفاء إلى اليوم يؤتى في كل عام بسفط من عود يجمر به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند المنبر من خلفه إذا كان الإمام يخطب، قالوا: وأتي عمر بن الخطاب بمجمرة من فضة فيها تماثيل من الشام فكان يجمر بها المسجد ثم توضع بين يدي عمر فلما قدم إبراهيم بن يحيى بن محمد واليا على المدينة غيرها وجعلها ساذجا وهي في يومنا هذا منقوشة. ذكر تخليقه: روي أن عثمان بن مظعون تفل في المسجد فأصبح مكتبئا، فقالت له امرأته: ما لي أراك مكتئبا. فقال: لا شيء؛ إلا أني تفلت في القبلة وأنا أصلي فعمدت إلى القبلة فغسلتها ثم خلقتها فكان أول من خلق١ القبلة، وقال جابر بن عبد الله: كان أول من خلق المسجد عثمان بن عفان ﵁ ثم لما حجت الخيزران أم موسى وهارون في سنة سبعين ومائة وأمرت بالمسجد أن يخلق فتولى تخليقه جاريتها مؤنسة فخلقته جميعه حتى الحجرة الشريفة جميعها. منع آكل الثوم من دخوله: روى البخاري في الصحيح أن النبي ﷺ ، قال: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتزل مسجدنا"، وفي لفظ آخر: "فلا يقربن مسجدنا".

стр. 993

النهي عن رفع الصوت فيه: روى البخاري في الصحيح أن السائب بن يزيد قال: كنت نائما في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁ فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما، فقال: ممن أنتما أو من أين أنتما؟ فقالا: من الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد النبي ﷺ . جواز النوم فيه: روى البخاري في الصحيح أن عبد الله بن عمر كان ينام في المسجد وهو شاب عزب لا أهل له، وروى أيضا من حديث سهل بن سعد قال: جاء رسول الله ﷺ إلى بيت فاطمة ﵂ فلم يجد عليا ﵁ في البيت فقال: "أين ابن عمك؟ "، فقالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج فلم يقل١ عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: "انظر أين هو فأخبرنا"، فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداءه عن شقه وأصابه تراب فقال له: "قم أبا تراب". جواز الصلاة على الجنائز فيه: روى أبو داود في السنن من حديث عائشة ﵂ قالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضا في المسجد سهيل وأخيه، وروي أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه". النهي عن إخراج الحصى منه: روى أبو داود في السنن من حديث أبي هريرة رفعه إلى النبي ﷺ "أن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد". ذكر مواضع تأذين بلال: روى ابن إسحاق أن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن، وذكر أهل السير أن بلالًا كان يؤذن على أسطوانة في قبلة المسجد يرقى إليها بأقتاب وهي قائمة إلى اليوم في منزل عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁، وروى نافع عن عمر قال: كان بلال يؤذن على منارة في دار حفصة بنت عمر التي تلي المسجد

стр. 994

قال: فكان يرقى على أقتاب فيه، وكانت خارجة من مسجد رسول الله ﷺ ، لم تكن فيه وليست فيه اليوم. ذكر أهل الصفة ﵃: روى البخاري في الصحيح أن أصحاب الصفة كانوا فقراء، وروي أيضا من حديث أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء؛ إما إزار وإما كساء قد ربطوه في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. وروي أيضا من حديث أبي هريرة أنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: "أبا هر". قلت: لبيك يا رسول الله قال: "الحق" ومضى فاتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي فدخلت فوجدت لبنا في قدح فقال: "من أين هذا اللبن؟ " قالوا: هداه لك فلان أو فلانة قال: "أبا هر" قلت: لبيك رسول الله، قال: "الحق إلى أهل الصفة فادعهم إلي" وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولا يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدٌّ، فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت قال: "أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله قال: "خذ فأعطهم" فأخذت القدح فجعلت أعطيه فيشرب حتى يروى حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روى القوم وأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم، وقال: "يا أبا هر" قلت: لبيك يا رسول الله قال: "بقيت أنا وأنت" قلت: صدقت يا رسول الله قال: "اقعد فاشرب" فقعدت فشربت فقال: "اشرب" فشربت فما زال يقول: "اشرب" حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا قال: "فأرني" فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة، وروى أهل السير أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند رسول الله ﷺ في المسجد فقال: ألا تفرق هذه الأضياف في دور الأنصار ونجعل لك من كل حائط قنوا؛ ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام؟ فقال رسول الله ﷺ : "بلى" فلما جذ ماله جاء بقنو فجعله في المسجد بين ساريتين، فجعل الناس يفعلون ذلك، وكان معاذ بن جبل يقوم عليه وكان يجعل عليه حبلا

стр. 995

بين الساريتين ثم يعلق الأقناء على الحبل، ويجمع العشرين أو أكثر، فيهش عليهم بعصاه من الأقناء فيأكلون حتى يشبعوا ثم ينصرفون، ويأتي غيرهم فيفعل لهم مثل ذلك فإذا كان الليل فعل لهم مثل ذلك. ذكر العود الذي في الأسطوانة التي عن يمين القبلة: روى أهل السير عن مصعب بن ثابت قال: طلبنا علم العود الذي في مقام النبي ﷺ فلم نجد أحدا يذكر لنا منه شيئا حتى أخبرني محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة أنه جلس إلى جنبه أنس بن مالك فقال: تدري لم صنع هذا العود؟ قلت: لا أدري، قال: كان رسول الله ﷺ يضع عليه يمينه ثم يلتفت إلينا، فيقول: "استووا وعدلوا صفوفكم"، فلما توفي رسول الله ﷺ سرق العود، فطلبه أبو بكر فلم يجده حتى وجده عمر عند رجل من الأنصار بقباء، وقد دفن في الأرض فأكلته الأرضة فأخذ له عودًا فشقه، ثم أدخله فيه ثم شعبه ورده إلى الجدار، وهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز في القبلة، وهو الذي في المحراب اليوم باقٍ، وقال مسلم بن حباب: كان ذلك العود من طرفاء الغابة. ذكر مواضع اعتكاف النبي ﷺ : روى أهل السير أن ابن عمر قال: كان النبي إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سرير بأسطوانة التوبة. ذكر أسطوانة التوبة: قال ابن إسحاق: لما حاصر رسول الله بني قريظة بعثوا إليه أن ابعث لنا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف -وكانوا حلفاء الأوس- نستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وأجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم فقالوا له: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسول الله حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله على ما صنعت، وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبدًا، فلا تراني ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدًا، فلما بلغ رسول الله خبره وأبطأ عليه وكان قد استبطأه قال: "أما لو جاءني لاستغفرت الله له، فأما إذا فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه"، فأنزل الله توبته على رسول الله وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله ﷺ من السحر يضحك فقلت: مم تضحك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك قال: "تيب على أبي لبابة"، فقلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله؟ قال: "بلى إن شئت"، قال: فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب

стр. 996

الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر؛ فقد تاب الله عليك، قال: فثار الناس؛ ليلقوه قال: لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه، وأنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] قال إبراهيم بن جعفر: السارية التي ارتبط إليها ثمامة بن أثال الحنيفي هي السارية التي ارتبط إليها أبو لبابة، وروى خالد بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن عمر بن حزم أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ربوص، والربوص: الثقيلة، بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه فما يكاد يسمع وكاد بصره يذهب وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة، وإذا أراد أن يذهب لحاجته حتى يفرغ ثم تأتي به فترده في الرباط كما كان، وكان ارتباطه ذلك إلى جذع في موضع الأسطوانة التي يقال لها أسطوانة التوبة، وروي عن محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ كان يصلي أكثر نوافله إلى أسطوانة التوبة، قلت: وهذه الأسطوانة الثانية عن يمين حجرة النبي ﷺ التي كان يصلي إليها في الصف الأول خلف أمام الروضة وهي معروفة. ذكر أسطوانة النبي ﷺ التي كان يصلي إليها: روى الزبير بن حبيب أن الأسطوانة التي بعد أسطوانة التوبة إلى الروضة وهي الثالثة من المنبر ومن القبر ومن رحبة المسجد ومن القبلة وهي متوسطة في الروضة، صلى النبي ﷺ إليها المكتوبة بضع عشرة ثم تقدم إلى مصلاه اليوم، وكان يجعلها خلف ظهره، وأن أبا بكر وعمر والزبير وابنه عبد الله وعامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها، وأن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها؛ وكان يقال لها مجلس المهاجرين، وقالت عائشة ﵂ فيها: لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالاسم، فسألوها عنها، فأبت أن تسميها، فأصغى إليها ابن الزبير فسارَّته بشيء، ثم قام فصلى إلى التي يقال لها أسطوانة عائشة، قال: فظن من معه أن عائشة أخبرته أنها تلك الأسطوانة وسميت أسطوانة عائشة، وأخبرني بعض أصحابنا عن زيد بن أسلم قال: رأيت عند تلك الأسطوانة موضع جبهة النبي ﷺ ثم رأيت دونه موضع جبهة أبي بكر ثم رأيت دون موضع جبهة أبي بكر موضع جبهة عمر ﵄، ويقال: إن الدعاء عندها مستجاب. ذكر أسطوانة النبي ﷺ التي كان يجلس إليها إذا جاءه الوفود: روى ابن أبي فديك عن غير واحد من مشايخه أن الأسطوانة الثالثة من قبر النبي ﷺ وهي التي تلي الرحبة وهي خلف أسطوانة علي بن أبي طالب التي خلف أسطوانة التوبة كان النبي يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته، قلت: إذا عددت الأسطوان الذي فيه مقام جبريل كانت الثالثة.

стр. 997

ذكر أسطوانة علي بن أبي طالب ﵁: وروى أهل السير أن الأسطوانة التي خلف أسطوانة التوبة هي مصلى علي بن أبي طالب ﵁. ذكر فضيلة الصلاة إلى أساطين المسجد: روى البخاري في الصحيح من حديث يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي سلمة بن الأكوع، فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة، قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها، وروي أيضا من حديث أنس قال: لقد أدركت أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب. قلت: فعلى هذا جميع سواري مسجد النبي ﷺ يستحب الصلاة عندها؛ لأنها لا تخلو من أن كبار الصحابة صلوا إليها. ذكر زيادة عمر بن الخطاب ﵁ في المسجد: عن ابن عمر قال: زاد عمر بن الخطاب في المسجد من شاميه، وروى البخاري في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر أن المسجد كان على عهد النبي ﷺ مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد النبي ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا، وروى أهل السير أن عمر ﵁ قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني أزيد في المسجد" ما زدت فيه، أنبأنا أبو القاسم الحذاء عن أبي علي المقري عن أبي نعيم الأصبهاني عن أبي جعفر الخلدي، أخبرنا أبو يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة، حدثني محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن مصعب بن ثابت عن مسلم بن خباب أن النبي قال يوما وهو في مصلاه: لو زدنا في مسجدنا وأشار بيده نحو القبلة، فلما توفي ﵇ وولي عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله قال: "لو زدنا في مسجدنا" وأشار بيده نحو القبلة فأجلسوا رجلًا في موضع مصلى النبي، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأوا أن النبي رفع يده ثم مد، ووضعوا طرفه بيد الرجل ثم مدوه فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا أن ذلك شبيه بما أشار رسول الله من الزيادة فقدم عمر القبلة فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة. قال أهل السيرة: كان بين المنبر وبين الجدار الذي كان على عهد رسول الله بقدر ما يمر شاة، فأخذ عمر إلى موضع المقصورة اليوم، وزاده فيه، وزاد في يمين القبلة، فصار طوله أربعين ومائة ذراع، وسقفه جريد ذراعان، وبنى فوق ظهر المسجد سترة ثلاثة أذرع

стр. 998

وبنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة، وجعل له ستة أبواب: بابين عن يمين القبلة وبابين عن يسارها ولم يغير باب عاتكة ولا الباب الذي كان يدخل منه النبي، وفتح بابا عند دار مروان بن الحكم، وفتح بابين في مؤخر المسجد، وروي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي". وروى غيره مرفوعا أنه قال: "هذا مسجدي وما زيد فيه فهو منه، ولو بلغ صنعاء كان مسجدي". وكان أبو هريرة يقول: ظهر المسجد كقعره، وأدخل عمر في هذه الزيادة دارًا للعباس بن عبد المطلب وهبها للمسلمين، وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد هدم دار كانت للعباس بن عبد المطلب؛ ليزيدها في المسجد وقال: ذلك أرفق بالمسلمين، فقال له العباس: حكِّم بيني وبينك في ذلك، فجعلا بينهما أبي بن كعب فقال: إني أحدثكما حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال: إن داود النبي أراد بنيان بيت المقدس وكانت أرضه لرجل فاشتراها سليمان منه فلما باعه الرجل إياه قال الرجل: ما أخذت مني خير أم ما أعطيتني؟ قال: بل ما أخذت، قال: فإني لا أجيز، فناقضه البيع، ثم اشتراها ثانية فقال له: ما أخذت مني خير أم ما أعطيتني؟ فقال: بل ما أخذت منك قال: إني لا أجيز فناقضه البيع، ثم اشتراها الثالثة فصنع مثل ذلك، فقال له سليمان: أشتريها منك بحكمك على أن لا تسألني، قال: فاشتراها بحكمه فاحتكم شيئا كثيرا اثني عشر قنطارا ذهبا، فاستعظمه سليمان، فأوحى الله إليه: إن كنت تعطيه من رزقنا فأعطه حتى يرضى، وإن كنت تعطيه من عندك فذلك لك، وعم النبي العباس إن شاء باعها وإن شاء تركها، قال العباس: أما إذا قضيت فيَّ فقد جعلتها للمسلمين. وكانت للعباس دار إلى جنب المسجد فقال له عمر: بعنيها فقال له العباس: لا أبيعك، فقال عمر: إذًا آخذها، فقال العباس: لا تأخذها، فقال: اجعل بيني وبينك من شئت، فجعلا بينهما أبي بن كعب فأخبروه الخبر، فقال: أوحى الله إلى سليمان أن ابْنِ بيتَ المقدس وكان بيت لعجوز فأراد أخذه منها فأبت أن تبيعه إياه، فعزم على أخذه منها وإدخاله في المسجد، فأوحى الله إليه أن بيتي أحق المواضع أن لا يدخل فيه شيء من الظلم، فكف عن أخذه فقال عمر: وأنا أشهدكم أني قد كففت عن دار العباس، فقال له العباس: أما إن كان هذا وحكم لي عليك فإني أشهدكم أني قد جعلتها صدقة على المسلمين، فهدمها عمر، وأدخلها في المسجد، واشترى نصف موضع كان خطه النبي ﷺ لجعفر بن أبي طالب وهو بالحبشة دارا بمائة ألف فزاده في المسجد. أخبرتنا عفيفة الفارقانية في كتابها عن الحسن بن أحمد عن أحمد بن عبد الله عن جعفر محمد بن الحسن حدثني عبد العزيز بن أبي حبارة عن الضحاك بن عثمان عن أبي النضر عن

стр. 999

بشر بن سعيد أو سليمان بن يسار الضحاك أنه حدثه أن المسجد كان يرش زمان النبي ﷺ وزمان أبي بكر وعامة زمان عمر، وكان الناس يتنخمون فيه ويبصقون حتى عاد زلقا حتى قدم ابن مسعود الثقفي، وقال لعمر: أليس قربكم وادٍ؟ قال: بلى قال: فمر بحصباء تطرح فيه فهو أكف للمخاط والنخامة، فأمر بها عمر، وذكر محمد بن سعد أن عمر بن الخطاب ألقى الحصا في مسجد رسول الله وكان الناس إذا رفعوا رءوسهم من السجود نفضوا أيديهم فأمر بالحصباء فجيء به من العقيق فبسط في المسجد. ذكر زيادة عثمان بن عفان ﵁ فيه: روى البخاري في الصحيح أن عثمان زاد في المسجد زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج، وذكر أهل السير أن عثمان ﵁ لما ولي الخلافة سنة أربع وعشرين سأله الناس أن يزيد في مسجدهم، وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة حتى إنهم ليصلون في الرحاب، فشاور فيه عثمان أهل الرأي من أصحاب رسول الله، فاجتمعوا على أن يهدمه ويزيد فيه، فصلى الظهر بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله ﷺ وأزيد فيه، وأشهد أني لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدا بنى الله تعالى له بيتا في الجنة"، وقدر أن لي فيه سلفا والإمام عمر بن الخطاب زاد فيه وبناه، وقد شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول الله ﷺ على هدمه وبنائه وتوسعته، فحسن الناس ذلك ودعوا له، فأصبح فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه، وكان رجلًا يصوم النهار ويقوم الليل، وكان لا يخرج من المسجد فهدمه، وأمر بالقصة المنخولة وكان عمله في أول ربيع الأول سنة تسع وعشرين، وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ثلاثين، فكان عمله عشرة أشهر، وزاد من القبلة إلى موضع الجدار اليوم، وزاد فيه من المغرب أسطوانًا بعد المربعة، وزاد فيه من الشام خمسين ذراعا ولم يزد فيه من المشرق شيئًا، وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة وخشب النخل والجريد وبيضه بالقصة وقدر زيد بن ثابت أساطنيه فجعلها على قدر النخل وجعل فيه طاقات مما يلي المشرق والمغرب وبنى المقصورة بلبن وجعل فيها كوة ينظر الناس منها إلى الإمام وكان يصلي فيها خوفا من الذي أصاب عمر وكانت صغيرة وجعل أعمدة المسجد حجارة منقوشة فيها أعمدة الحديد وفيها الرصاص وسقفه بالساج، فجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه على ما كان على عهد رسول الله ﷺ باب عاتكة، والباب الذي يليه، وباب مروان، والباب الذي يقال له باب النبي ﷺ وبابين في مؤخره. وقال عبد الرحمن بن سفينة: رأيت القصة تحمل إلى عثمان وهو يبني المسجد من بطن نخل، ورأيته يقوم على رجليه، والعمال يعملون فيه حتى تأتي الصلاة فيصلي بهم ثم

стр. 1000

ربما نام في المسجد واشترى من مروان بن الحكم داره وكان بعضها لآل النجار وبعضها دار العباس لها باب إلى المسجد وهي اليوم باقية على حالها وفيها تسكن الأمراء. ذكر زيادة الوليد بن عبد الملك فيه ١: ذكر أهل السير أن الوليد بن عبد الملك لما استعمل عمر بن عبد العزيز على المدينة أمره بالزيادة في المسجد وبنيانه، فاشترى ما حوله من المشرق والمغرب والشام من أبي سبرة الذي كان أبي أن يبيع عليه ووضع الثمن له فلما صار إلى القبلة قال له عبد الله بن عبد الله بن عمر: لسنا نبيع هذا هو من حق حفصة، وقد كان رسول الله ﷺ يسكنها، فقال له عمر: ما أنا بتارككم أنا أدخلها المسجد، فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر: أجعل لكم في المسجد بابا تدخلون منه، وأعطيكم دار الرقيق مكان هذا الطريق، وما بقي من الدار فهو لكم، ففعلوا، فأخرج بابهم في المسجد وهي الخوخة التي في المسجد تخرج في دار حفصة، وأعطاهم دار الرقيق وقدم الجدار في موضع اليوم، وزاد من المشرق ما بين الأسطوان المربعة إلى جدار المسجد ومعه عشر أساطين من مربعة القبر إلى الرحبة إلى الشام ومد في المغرب أسطوانتين وأدخل في حجرات أزواج النبي ﷺ وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف الثلاث التي كان يقال لها القراين اللاتي يقول فيهن أبو قطيفة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط: ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ... بقيع المصلى أم كعمد القراين ودار عبد الله بن مسعود، وأدخل فيه من المغرب دار طلحة بن عبيد الله ودار أبي سبرة بن أبي رهم ودار عمار بن ياسر وبعض دار العباس بن عبد المطلب وأعلى ما أدخل منها، فجعل منابر سواريها التي تلي السقف أعظم من غيرها من سواري المسجد قالوا: وبعث الوليد إلى ملك الروم: إنا نريد أن نعمل مسجد نبينا الأعظم، فأعنا فيه بعمال وفسيفساء، فبعث إليه بأربعين من الروم وبأربعين من القبط وبأربعين ألف مثقال عونا له وبأحمال من فسيفساء، وبعث هذه السلاسل التي فيها القناديل، فهدم عمر المسجد، وأخمر النورة التي يعمل بها الفسيفساء، وحملوا القصة من النخل منخولة وعمل الأساس من الحجارة والجدار بالحجارة المنقوشة المطابقة والقصة وجعل عمد المسجد من حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص، وجعل طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدمه مائتي ذراع وفي مؤخره مائة وثمانين وعمله بالفسيفساء والمرمر، وعمل سقفه بالساج، وموهه بالذهب، وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ وأدخلها فيه، وأدخل القبر فيه أيضا، ونقل لبن حجرات النبي ﷺ ولبن المسجد فبنى به داره بالحرة وهو فيها اليوم له بياض على اللبن.

стр. 1001

وقال بعض الذين عملوا الفسيفساء: إنا عملناه على ما وجدناه من صور شجر الجنة وقصورها، وكان عمر إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء وأحسن عملها نقده ثلاثين درهما، قالوا: وكانت زيادة الوليد بن عبد الملك من المشرق إلى المغرب ستة أساطين، وزاد إلى الشام من الأسطوانة المربعة إلى القبر أربع عشرة أسطوانة منها عشرة في الرحبة وأربع في السقائف الأُوَل التي كانت قبل، وزاد من الأسطوان التي دون المربعة إلى المشرق أربع أساطين، وأدخل بيت النبي ﷺ في المسجد وبقي ثلاث أساطين في السقايف وجعل للمسجد أربع منارات في كل زاوية منارة، وكانت المنارة الرابعة مطلَّة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن فأطل عليه، فأمر سليمان بتلك المنارة فهدمت إلى ظهر المسجد. قالوا: وأمر عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد بأسفل الأساطين، فجعل قدر سترة اثنين يصليان إليها، وقدر مجلس اثنين يستندان إليها، وقالوا: ولما صار عمر إلى جدار القبلة دعا مشايخه من أهل المدينة من قريش والأنصار والموالي والعرب، فقال لهم: تعالوا احضروا بنيان قبلتكم لا تقولوا عمر غير قبلتنا فجعل لا ينزع حجرا إلا وضع حجرا، قالوا: ومات عثمان بن عفان ﵁، وليس للمسجد شرافات ولا محراب، فأول من أحدث الشرافات والمحراب عمر بن عبد العزيز، قال: وكتب عمر بن عبد العزيز الكتاب الذي في القبلة عن يمين الداخل من الباب الذي يلي دار مروان بن الحكم حتى انتهى إلى باب علي ﵁ كتبه مولى لحويطب بن عبد العزى اسمه سعد، والكتاب "أم القرآن" ومن أول سورة: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ إلى خاتمة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، وعمل الميازيب من رصاص ولم يبقَ منها إلا ميزابان: أحدهما في موضع الجنائز، والآخر على الباب الذي يدخل منه أهل السوق يقال له باب عاتكة، وعمل المقصورة من ساج، وهدم بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وأدخله في المسجد، وكان ذلك في سنة إحدى وتسعين ومكث في بنيانه ثلاث سنين. وكتب عمر في القبلة في صحن المسجد في الفسيفساء ما نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أمر عبد الله أمير المؤمنين الوليد بتقوى الله وطاعته والعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ وبصلة الرحم وتعظيم ما صغر الجبابرة من حق الله سبحانه وتصغير ما عظموا من الباطل وإحياء ما أماتوا من الحقوق وإماتة ما أحيوا من العدوان والجور وأن يطاع الله سبحانه، ويعصى العباد في طاعة الله فالطاعة لله سبحانه ولأهل طاعته لا طاعة لأحد في معصية الله يدعو إلى كتاب الله سبحانه وسنة نبيه ﷺ وإلى العدل في أحكام المسلمين والقسم بالسوية في فيئهم ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله سبحانه بها لذوي القربى واليتامي والمساكين وابن السبيل".

стр. 1002

قالوا: ولما قدم الوليد بن عبد الملك حاجًّا بعد فراغ عمر بن عبد العزيز من المسجد جعل يطوف فيه وينظر إلى بنائه فقال لعمر حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف كله مثل هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إذًا تعظم النفقة جدًّا؛ أتدري كم أنفقت على عمل جدار القبلة وما بين السقفين؟ قال: وكم؟ قال: خمسة وأربعين ألف دينار، وقال بعضهم: أربعين ألف دينار، وقال: والله لكأنك أنفقتها من مالك، وقيل: كانت النفقة أربعين ألف مثقال. قالوا: وكان معه أبان بن عثمان بن عفان فلما استنفد الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان فقال: أين بنياننا من بنيانكم، فقال أبان: بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس، قالوا: وبينا أولئك القوم يعملون في المسجد إذ خلا لهم فقال بعضهم لأبولن على قبر نبيهم فتهيأ لذلك ونهاه أصحابه فلما هم أن يعمل اقتلع وألقي على رأسه فانتثر دماغه فأسلم بعض أولئك النصارى وعمل أحدهم على رأس خمس طاقات من جدار القبلة، وفي صحن المسجد صورة خنزير، فظهر عليه عمر بن عبد العزيز فأمر به فضربت عنقه، قالوا: وكان عمل القبلة مقدم المسجد، وكانت الروم تعمل ما خرج من السقف من جوانبه ومؤخره، قال أهل السير: ولما فرغ عمر من بنيان المسجد أراد أن يجعل في أبوابه في كل باب سلسلة تمنع الدواب من الدخول فعمل واحدة وجعلها في باب مروان ثم بدا له عن البواقي، قلت: فهي باقية إلى اليوم، وأقام الحرس فيه يمنعون الناس من الصلاة على الجنائز فيه، ومن أن يخترقوه، والسنة في الجنائز باقية إلى هذا إلا في حق العلويين ومن أراد من الأمراء وغيرهم من الأعيان، والباقون يصلى عليهم خلف الحائط الشرقي من المسجد إذا وقف الإمام على الجنازة كان النبي ﷺ عن يمينه. ذكر زيادة المهدي فيه: قال أهل السير: لم يزل المسجد على ما زاد فيه الوليد بن عبد الملك حتى ولي أبو جعفر المنصور١ فهم بالزيادة وشاور فيها وكتب إليه الحسن بن زيد يصف له ناحية موضع الجنائز، ويقول: إن زيد في المسجد من الناحية الشرقية توسط قبر النبي ﷺ في المسجد، فكتب إليه أبو جعفر: إني قد عرفت الذي أردت، فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان بن عفان ﵁، قالوا: وتوفي أبو جعفر ولم يزد فيه شيئا. ثم حج المهدي٢ ابن أبي جعفر سنة إحدى وستين ومائة، فقدم من الحج إلى المدينة واستعمل عليها جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس سنة إحدى وستين ومائة، وأمره

стр. 1003

بالزيادة في مسجد رسول الله ﷺ وولاه بناءه هو وعبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد العزيز بن مروان، وعبد الملك بن شبيب الغساني من أهل الشام، فزيد في المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم، وكانت زيادته مائة ذراع ولم يزد فيه من الشرق ولا الغرب ولا القبلة شيئا، ثم خفض المقصورة وكانت مرتفعة ذراعين من الأرض، فوضعها في الأرض على حالها اليوم، وسد على آل عمر خوختهم التي في دار حفصة حتى كثر الكلام فيها، ثم صالحهم على أن خفض المقصورة وزاد في المسجد لتلك الخوخة ثلاث درجات، وحفرت الخوخة حتى صارت تحت أرض المقصورة وجعل عليها في جدار القبلة شباك فهو عليها اليوم، وكان المهدي قبل بنائه المسجد قد أمر به فقدر ما حوله من الدور، فابتيع، وكان مما أدخل فيه من الدور دار عبد الرحمن بن عوف التي يقال لها دار مليكة، ودار شرحبيل ابن حسنة، وبقية دار عبد الله بن مسعود التي يقال لها دار القراء، ودار المسور بن مخرمة الزهري، وفرغ من بنيان المسجد سنة خمس وستين ومائة. قالوا: وكتب على أثر الكتاب الذي كتبه عمر بن عبد العزيز في صحن المسجد ما نسخته: "أمر عبد الله المهدي أمير المؤمنين أكرمه الله وأعز نصره بالزيادة في مسجد رسوله الله ﷺ وإحكام عمله ابتغاء وجه الله والدار الآخرة أحسن الله ثوابه بأحسن الثواب والتوسعة لمن صلى فيه من أهله وأبنائه من جميع المسلمين، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين فيما نوى من حسنته في ذلك وأحسن ثوابه، بسم الله الرحمن الرحيم" ثم كتب "أم القرآن" كلها، ثم كتب على أثرها: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] ... الآية كلها ثم كتب: "وكان مبتدأ ما أمر به عبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين -أكرمه الله- من الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ في سنة اثنتين وستين ومائة، وفرغ منه سنة خمس وستين ومائة، فأمير المؤمنين -أصلحه الله- يحمد الله على ما أذن له واختصه به من عمارة مسجد رسول الله ﷺ وتوسعته حمدا كثيرا، والحمد لله رب العالمين على كل حال". قالوا: وعرض منقبة جداري المسجد مما يلي المغرب ينقصان شيئا، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربع أصابع، وإنما زيد فيها؛ لأنها من ناحية السيل، وفي صحن المسجد أربع وستون بلاعة لماء المطر، عليها أرحا، ولها صمائم من حجارة يدخل الماء من أصعابها، وكان أبو البحتري وهب بن وهب القاضي على المدينة واليًا لهارون أمير المؤمنين، فكشف سقف المسجد في سنة ثلاث وسبعين ومائة، فوجد فيه سبعين خشبة مكسورة فأدخل مكانها خشبا صحاحا، وكان ماء المطر يغشى قبلة المسجد فجعل التي في شرقيه تلي القبر فمنع الماء الصحن ومنع حصباء القبلة أن يصل إلى الصحن.

стр. 1004

ذكر الستارة التي كانت على صحن المسجد: قال أهل السير: لما قدم أبو جعفر المنصور المدينة سنة أربعين ومائة أمر بستور فستر بها صحن المسجد على عمد لها رءوس كقريات الفساطيط وجعلت في الطيقان، فكانت الريح تدخل فيها فلا يزال العمود يسقط على الإنسان فغيرها وأمر بستور هي أكثف من تلك الستور وبحبال، فأتي بها من جدة من حبال السفن المتينة، وجعلت على تشبيك حباله اليوم، وكانت تجعل على الناس كل جمعة فلم يزل كذلك حتى خرج محمد بن عبد الله بن حسن يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، فأمر بها فقطعت ذرائع لمن كان يقاتل معه، فتركت حتى كان زمن هارون أمير المؤمنين١ فأحدث هذه الأستار، ولم تكن في زمن بني أمية. أنبأنا ذاكر بن كامل عن الحسن بن أحمد بن محمد الحداد عن أبي نعيم الحافظ عن أبي جعفر الخلدي قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المخزومي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني محمد بن الحسن بن زبالة قال: حدثني حسين بن مصعب قال: أدركت كسوة الكعبة يؤتى بها المدينة قبل أن تصل إلى مكة فتنشر على الرضراض في المسجد ثم يخرج بها إلى مكة وذلك في سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين ومائة. ذكر المصاحف التي كانت بالمسجد: قال مالك بن أنس: أرسل الحجاج بن يوسف إلى أمهات القرى بمصاحف فأرسل إلى المدينة بمصحف منها كبير وكان في صندوق عن يمين الأسطوان التي عملت على مقام النبي ﷺ وكان يفتح يوم الجمعة والخميس فيقرأ فيه إذا صليت الصبح، وبعث المهدي بمصاحف لها أثمان، فجعلت في صندوق عن يسار السارية، ووضعت منابر لها كانت تقرأ عليها، وحمل مصحف الحجاج في صندوقه فجعل عند الأسطوان التي عن يمين المنبر، وإلى الأسطوان الأخرى التي تليها صندوق آخر فيه مصحف بعث به المهدي؛ ليقرأ فيها الناس على طبقة منبر صحيح، وفي القبلة صندوق لاصق بالمقصورة فيه مصاحف يقرأ الناس فيها تصدقت بها حسنة أم ولد المهدي، ووضع رجل من أهل البصرة يقال له أبو يحيى صندوقا وجمع فيه مصاحف يتعلم فيها الأميون والأعاجم، قلت: وأكثر هذه المصاحف المذكورة دثرت على طول الزمان وتفرقت أوراقها فهو مجموع في يومنا هذا في خلال المقصورة إلى جانب باب مروان، وفي الحرم عدة مصاحف موقوفة، بخطوط ملاح مخزونة في خزانتين من ساج بين يدي المقصورة خلف مقام النبي ﷺ وهناك

стр. 1005

كرسي كبير فيه مصحف مقفل عليه أنفذ به من مصر وهو عند الأسطوانة التي في صف مقام النبي ﷺ محاذي الحجرة الشريفة، وإلى جانبه مصحفان على كرسي يقرأ الناس فيهما وليس في المسجد ظاهر سواهما. ذكر السقايات التي كانت في المسجد: قال محمد بن الحسن بن زبالة١: كان في صحن مسجد رسول الله ﷺ تسع عشرة سقاية إلى أن كتبنا كتابنا هذا في صفر سنة تسع وتسعين ومائة: منها ثلاثة عشر أحدثتها خالصة وهي أول من أحدث ذلك، ومنها ثلاث سقايات ليزيد البربري مولى أمير المؤمنين، ومنها سقاية لأبي البحتري وهب بن وهب، وسقاية لسحر أم ولد هارون أمير المؤمنين، وسقاية لسلسبيل أم ولد جعفر بن أبي جعفر، قلت: وأما الآن فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه، وفيه بركة كبيرة مبنية بالآجر والجص والخشب ينزل الناس إليها بدرج أربع في جوانبها، والماء ينبع من فوارة في وسطها يأتي من العين ولا يكون الماء فيها إلا في أيام الموسم إذا جاء الحاج وبقية السنة تكون فارغة عملها بعض أمراء الشام واسمه شامة، وعملت الجهمة أم الخليفة الناصر لدين الله وفقها الله توفيقا سديدا في مؤخر المسجد سقاية كبيرة فيها عدة من البيوت، وحفرت لها بئرا، وفتحت بابا إلى المسجد في الحائط الذي يلي الشام وهي تفتح في أيام الموسم. ذكر ذرع المسجد اليوم وعدد أساطينه وطبقاته وأبوابه وذكر تجديد عمارته وما وما يتعلق به من الرسوم: اعلم أن طول المسجد اليوم من قبلته إلى الشام مائتا ذراع وأربع وخمسون ذراعا وأربعة أصابع، ومن شرقيه إلى غربيه مائة ذراع وسبعون ذراعا شافة، وطول رحبته من القبلة إلى الشام مائة ذراع وتسع وخمسون ذراعا وثلاثة أصابع، ومن شرقيه إلى غربيه سبع وتسعون ذراعا راجحة، وطول المسجد في السماء خمس وعشرون ذراعا، هذا ما ذرعته أنا بخيط، وذكر محمد بن زبالة أن طول مناراته خمس وخمسون ذراعا، وعرضهن ثمانية أذرع في ثمانية أذرع، وأما طيقانه ففي القبلة إحدى عشرة طاقة، وفي الشام مثلها، وفي المشرق والمغرب تسع عشرة طاقة وبين كل طاقتين أسطوان، ورءوس الطاقات مسددة بشبابيك من خشب، وأما عدد أساطينه غير التي في الطيقان، ففي القبلة ثمانٍ وستون أسطوانة منها في القبر صلى الله على ساكنه وسلم أربع، وفي الشام مثله، وفي الشرق أربعون منها اثنتان في الحجرة وفي المغرب ستون أسطوانا وبين كل أسطوان وأسطوان

стр. 1006

تسعة أذرع وأما أبوابه فكانت بعد زيادة المهدي فيه: في المشرق باب علي ﵁، ثم باب النبي ﷺ ، ثم باب عثمان ﵁، ثم باب مستقبل دار ريطة، وباب مستقبل دار أسماء بنت الحسن، ثم باب مستقبل دار خالد بن الوليد، ثم باب مستقبل زقاق المصانع، ثم باب مستقبل ابنا الصوافي فذلك ثمانية أبواب: منها باقٍ في يومنا هذا: باب عثمان والباب المقابل لدار ريطة وفي الشام أربعة أبواب: الأول حذاء دار شرحبيل بن حسنة، والرابع حذاء بقية دار عبد الله بن مسعود، وليس منها شيء مفتوح في زماننا هذا، وفي المغرب سبعة أبواب: الخامس منها باب عاتكة والسادس باب زياد والسابع باب مروان، وليس منها شيء مفتوح في يومنا هذا إلا باب عاتكة، ويعرف الآن بباب الرحمة وهو الذي يلي باب الإمارة وفي دار مروان باب إلى المسجد باقٍ على حاله حتى الآن، روى إبراهيم بن محمد عن ربيعة بن عثمان قال: لم يبقَ من الأبواب التي كان رسول الله يدخل منها إلا باب عثمان، واعلم أن حدود مسجد رسول الله من القبلة الدرابزينات التي بين الأساطين، ومن الشام الخشبتان المغروزتان في صحن المسجد، فهذا طوله وأما عرضه من المشرق إلى المغرب فهو من حجرة النبي ﷺ إلى الأسطوان الذي بعد المنبر وهو آخر البلاد. ولم تزل الخلفاء من بني العباس ينفذون الأمراء على المدينة، ويمدونهم بالأموال؛ لتجديد ما يتهدم من المسجد ولم يزل ذلك متصلًا إلى أيام الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين١؛ فإنه ينفذ في كل سنة من الذهب العين الأمامي ألف دينار لأجل عمارة المسجد، وينفذ عدة من النجارين والبنائين والنقاشين والجصاصين والحراقين والحدادين والدوزجاربة والحمالين، ويكون مادتهم ما يأخذونه من الديوان ببغداد من غير هذه الألف المذكورة، وينفذ من الحديد والرصاص والأصباغ والحبال والآلات شيئا كثيرا، ولا تزال العمارة متصلة في المسجد ليلًا ونهارًا حتى إنه ليس به إصبع إلا عامرا وينفذ من القناديل والشيرج٢ والشمع عدة أحمال لأجل المسجد، وينفذ من الند والغالية المركبة والعود لأجل تجمير المسجد شيئا كثيرا، وأما الرسوم التي تصل من الديوان لغير العمارة فأربعة آلاف دينار من العين الأمامية للصدقات على أهل المدينة من العلويين وغيرهم، وينفذ من الثياب القطن ألف وخمسمائة ذراع لأجل أكفان من يموت من الفقراء الغرباء، هذا غير ما ينفذ للخطيب وإمام الروضة وللمؤذنين وخدام المسجد، وذكر يوسف بن مسلم أن زيت قناديل مسجد النبي ﷺ كان يحمل من الشام حتى انقطع في ولاية جعفر بن سليمان الأخيرة على المدينة، فجعله على سوق المدينة، فلما ولي المدينة داود بن عيسى سنة سبع أو ثمانٍ وتسعين ومائة أخرجه من بيت المال، قلت: وفي يومنا هذا يصل الزيت من مصر من وقف هناك، ومقداره سبعة وعشرون قنطارا بالمصري والقنطار مائة وثلاثون رطلًا، ويصل معه مائة وستون شمعة بيضاء كبار وصغار وعلبة فيها مائة مثقال ند.

стр. 1007

الباب الثالث عشر: في ذكر المساجد التي بالمدينة وفضلها اعلم أن المساجد والمواضع التي صلى بها رسول الله ﷺ بالمدينة كثيرة وأساميها في الكتب مذكورة إلا أن أكثرها لا يعرف في يومنا هذا، فذكره لا فائدة فيه هنا، فأما المساجد التي هي اليوم معروفة فهي: مسجد قباء: روى البخاري في الصحيح أن رسول الله ﷺ لبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه وخرج إلى المدينة. أنبأنا عبد الرحمن بن علي قال: أنبأنا محمد بن أبي منصور، أخبرنا محمد بن أحمد المقري، أنبأنا عبد الملك بن محمد الواعظ، حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا ابن خزيمة، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا إسماعيل بن أبي أوس، حدثني أبي عن شرحبيل بن سعد عن عويمر بن ساعدة أن النبي ﷺ قال لأهل قباء: "إن الله تعالى قد أحسن الثناء عليكم في الطهور قال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] إلى آخر الآية، ما هذا الطهور؟ " فقالوا: ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يزور قباء راكبا وماشيا، وفي صحيح مسلم أن عبد الله بن عمر كان يأتي قباء في كل سبت ويقول: رأيت رسول الله ﷺ يأتيه كل سبت، وروى أبو عروبة قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يأتي قباء كل يوم الاثنين ويوم الخميس فجاء يوما فلم يجد أحدا من أهله فقال: والذي نفسي بيده لقد رأيتنا ورسول الله ﷺ وأبا بكر في أصحابه ننقل حجارته على بطوننا ويؤسسه رسول الله ﷺ وجبريل ﵇، وروى البخاري في الصحيح قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر ﵃ أجمعين. وروى أبو أمامة ابن سهل بن حنيف عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: "من توضأ فأسبغ الوضوء وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له أجر عمرة"، وروت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها قال: والله لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي إلى بيت القدس مرتين ولو

стр. 1008

يعلمون ما فيه لضربوا إليه أكباد الإبل، وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ صلى إلى الأساطين الثلاث في مسجد قباء التي في الرحبة، قلت: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة نزل في بني عمرو بن عوف بقباء في منزل كلثوم بن الهرم، وأخذ مربده١ فأسسه مسجدا، وصلى فيه، ولم يزل ذلك المسجد يزوره رسول الله ﷺ مدة حياته ويصلي فيه أهل قباء فلما توفي رسول الله ﷺ لم تزل الصحابة تزوره وتعظمه، ولما بنى عمر بن عبد العزيز مسجد النبي ﷺ بنى مسجد قباء ووسعه وبناه بالحجارة والجص، وأقام فيه الأساطين من الحجارة داخلها عواميد الحديد والرصاص ونقشه بالفسيفساء وعمل له منارة وسقفه بالساج وجعله أروقة وفي وسطه رحبة وتهدم حتى جدد عمارته جمال الدين الأصبهاني وزير بني زنكي الملوك ببلاد الموصل٢. وذرعت مسجد قباء فكان طوله ثمانية وستين ذراعا تشف قليلا وعرضه كذلك، وارتفاعه في السماء عشرون ذراعا وطول منارته من سطحه إلى رأسها اثنان وعشرون ذراعا، وعلى رأسها قبة طولها نحو العشرة أذرع وعرض المنارة من جهة القبلة عشرة أذرع شافة، ومن المغرب ثمانية أذرع، وفي المسجد تسعة وثلاثون أسطوانا بين كل أسطوانين سبعة أذرع شافة، وفي جدارنه طاقات نافذة إلى خارج في كل جانب ثمان طاقات إلى الجانب الذي يلي الشام، والثامنة فيها المنارة فهي مسدودة والمنارة عن يمين المصلى وهي مربعة. مسجد الفتح: أنبأنا حنبل بن عبد الله الرصافي قال: أخبرنا أبو القاسم بن الخضر أخبرنا أبو علي بن المهذب أنبأنا أبو بكر القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا أبو عامر كثير يعني ابن زيد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: حدثني جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ دعا في مسجد الفتح يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بعد الصلاتين، فعرف البشر في وجهه، أنبأنا القاسم بن علي أخبرنا هبة الله بن أحمد أخبرنا أبو منصور بن شكرويه أخبرنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا أبو عبد الله المحاملي حدثنا علي بن سالم حدثنا إسماعيل بن أبي فديك عن معاذ بن سعيد السلمي عن أبيه عن جابر أن رسول الله ﷺ مر بمسجد الفتح الذي على الجبل وقد حضرت صلاة العصر فرقي فصلى فيه صلاة العصر، وروى هارون بن كثير عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ يوم الخندق دعا على الأحزاب في موضع

стр. 1009

الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح الذي على الجبل؛ قلت: وهذا المسجد على رأس جبل يصعد إليه بدرج، وقد عمر عمارة جديدة وعن يمينه في الوادي نخل كثير، ويعرف ذلك الموضع بالسيح ومساجد حوله وهي ثلاثة قبلة الأول منها خراب قد هدم وأخذت حجارته، والآخران معموران بالحجارة والجص، وهما في الوادي عند النخل، وروى معاذ بن سعد أن رسول الله ﵇ صلى في مسجد الفتح في الجبل وفي المساجد التي حوله١. مسجد القبلتين: روى عثمان بن محمد الأحبشي قال: زار رسول الله ﷺ امرأة من بني سلمة يقال لها: أم بشير في بني سلمة، فصنعت له طعاما، فجاء الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه في مسجد القبلتين الظهر فلما صلى ركعتين أمر أن يتوجه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله ﷺ فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين، وكانت يومئذ أربع ركعات منها ثنتان إلى بيت المقدس وثنتان إلى الكعبة، وقال سعيد بن المسيب٢: صرفت القبلة قبل بدر بشهرين، والثابت عندنا أنها صرفت في الظهر في المسجد، قلت: وهذا المسجد بعيد من المدينة قريب من بئر رومة وقد انهدم وأخذت حجارته وبقيت آثاره وموضعه يعرف بالقاع٣. مسجد الفضيخ ٤: روي عن هشام بن عروة والحارث بن فضيل أنهما قالا: صلى النبي ﷺ في مسجد الفضيخ٥، قلت: وهذا المسجد قريب من قباء ويعرف بمسجد الشمس وهو حجارة مبنية على نشز من الأرض. مسجد بني قريظة ٦: روى علي بن رفاعة عن أشياخ من قومه أن النبي ﷺ صلى في بيت امرأة فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة وهو المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ ببني قريظة،

стр. 1010

قلت: وهذا المسجد اليوم باقي بالعوالي وهو كبير طوله نحو عشرين ذراعا وعرضه كذلك، وفيه ست عشر أسطوانة قد سقط بعضها وهو بلا سقف وحيطانه مهدومة، وقد كان مبنيا على شكل بناء مسجد قباء وحوله بساتين ومزارع ومشربة أم إبراهيم ابن النبي ﵇، وهذا الموضع بالعوالي من المدينة بين النخل وهو أكمة قد حوط عليها بلبن والمشربة والبستان، وأظنه قد كان بستانا لمارية القبطية أم إبراهيم النبي ﷺ والله أعلم ... واعلم أن بالمدينة عدة مساجد خراب فيها المحاريب وبقايا الأساطين وتنقض وتؤخذ حجارتها فتعمر بها الدور، منها: مسجد بقباء قريب من مسجد الضرار فيه أسطوانات قائمة ومسجدان قريبان من البقيع أحدهما يعرف بمسجد الإجابة، وفيه أسطوانات قائمة ومحراب مليح وباقيه خراب، وآخر يعرف بمسجد البغلة فيه أسطوانة واحدة وهو خراب، وحوله يسير من الحجارة فيه أثر يقولون إنه أثر حافري بغلة النبي ﷺ فتستحب الصلاة في هذه المواضع وإن لم يعرف أساميها لأن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بن عبد العزيز وهو واليه على المدينة: مهما صح عندك من المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ فابن عليه مسجدًا فهذه الآثار كلها آثار بناء عمر بن عبد العزيز.

стр. 1011

الباب الرابع عشر: في ذكر مسجد الضرار وهده ... الباب الرابع عشر: في ذكر مسجد الضرار وهدمه هذه المسجد بناه المنافقون مضاهاة لمسجد قباء فكانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبي ﷺ ويستهزئون به، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا: حرام بن خالد، ومن داره أخرجه،، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف، وحارثة بن عامر، وابناه مجمع، وزيد،، ونفيل بن الحارث، ومحدج، وبجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت؛ فلما بنوه أتوا النبي ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: "إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قد قدمنا إن شاء الله لأتيناكم فصلينا لكم فيه"، فلما نزل رسول الله "بذي أوان"، وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار ومرجعه من تبوك أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخسم ومعن بن عدي أو أخاه عاصما، فقال: "انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فأهِدَّاه وحرقاه"، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، فأخذا سعفا من النخل، وأشعلا فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرق أهله عنه ونزل فيه من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ إلى آخر القصة. قلت: وهذا المسجد قريب من مسجد قباء وهو كبير وحيطانه عالية، وتؤخذ منه الحجارة وقد كان بناؤه متينا.

стр. 1012

الباب الخامس عشر: في ذكر وفاة النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ روي عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: بعثني رسول الله ﷺ من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي فانطلقت معه؛ فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى. ثم أقبل علي وقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيخ خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي الجنة قال: فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة، ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف فبدأ برسول الله وجعه الذي قبضه الله فيه. وروي عن عائشة ﵂ قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول وارأساه فقال: "بل والله يا عائشة وارأساه"؛ فقال: "وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك"، قالت: قلت: لكأني بك قد فعلت ذلك، ثم رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسم رسول الله ﷺ وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى اشتد به وجعه وهو في بيت ميمونة فدعا نساءه وكن تسعا: عائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وسودة وزينب وميمونة وجويرية وصفية فاستأذنهن على أن يمرض في بيت عائشة فأذن له فخرج رسول الله ﷺ يمشي بين العباس وعلي ﵄ عاصبا رأسه تخط قدماه الأرض حتى دخل بيت عائشة ثم حم رسول الله ﷺ واشتد وجعه فقال: "هريقوا علي من من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم" فأقعدوه ﷺ في مخضب وصبوا عليه الماء وخرج رسول الله ﷺ عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر فصلى على أصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر الصلاة عليهم ثم قال: "إن عبدًا من عباد الله خيره الله بين الدنيا والآخرة وبين ما عنده فاختار ما عنده" قال: ففهمها أبو بكر، وعرف أن نفسه يريد وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا، ثم قال رسول الله ﵇: "يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيرًا فإن الناس يزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد وإنهم كانوا عيبتي التي آويت إليها فأحسنوا إلى محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم" ثم نزل فدخل بيته وتتام به وجعه، وروى البخاري في الصحيح من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت أحدا الوجع عليه أشد من رسول الله. وفيه أيضا من حديث عبد الله بن مسعود قال: دخلت على النبي وهو يوعك فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا قال: "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان

стр. 1013

منكم"، ولما اشتد به وجعه ﷺ جاءه بلال يؤذنه بصلاة الفجر من يوم الاثنين، قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"؛ فلما تقدم أبو بكر يصلي بالناس وجد رسول الله ﷺ خفة فخرج على الناس قال أنس: فخرج رسول الله ﷺ على الناس وهم يصلون الصبح فرفع الستر وقام على باب عائشة فكان المسلمون يفتتنون في صلاتهم برسول الله ﷺ حين رأوه فرحا به وتفرجوا؛ فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم قال: وتبسم رسول الله ﷺ سرورا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم وما رأيت رسول الله ﷺ أحسن هيئة منه تلك الساعة، قال أبو بكر بن أبي مليكة: فلما تفرج الناس عرف أبو بكر أنهم لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله فنكص عن مصلاه فدفعه رسول الله ﷺ في طهره وقال: "صل بالناس" وجلس الرسول إلى جانبه فصلى قاعدا عن يمين أبي بكر فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس فكلمهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول: "يا أيها الناس سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم وإني والله ما تمسكون علي بشيء إني لم أحل إلا ما أحل القرآن ولم أحرم إلا ما حرم القرآن"؛ فلما فرغ ﷺ من كلامه قال له أبو بكر: يا نبي الله إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب واليوم يوم بنت خارجة أفآتيها؟ قال: نعم قال: ثم دخل ﵇ وخرج أبو بكر إلى أهله بالسيح وخرج يومئذ علي بن أبي طالب ﵁ على الناس من عند رسول الله ﷺ فقال له الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا، قال: فأخذ العباس بيده، وقال: يا علي أحلف بالله لقد رأيت الموت في وجه رسول الله ﷺ كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب. وفي صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: دعا النبي ﷺ فاطمة في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشيء؛ فبكت ثم دعاها فسارها فضحكت فسألتها عن ذلك فقالت: سارني أنه يقبض في وجعه فبكيت ثم سارني أني أول أهله لحوقا به فضحكت، وفيه من حديثها أيضا أنها قالت: إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيت وفي يومي وبين سحري ونحري وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن بن أبي بكر وأنا مسندة النبي ﷺ إلى صدري ومعه سواك رطب يستن به؛ فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت آخذه لك فأشار برأسه أن نعم فلينته وطيبته ثم دفعته إليه فاستن به فما رأيت النبي ﵇ استن استنانا قط أحسن منه وبين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات" ثم نصب يديه فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى" حتى قبض ومالت يده. قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول إنه لن يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير؛ فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على

стр. 1014

فخذي غشي عليه فلما أفاق شخص بصره نحوه سقف البيت ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى"؛ فقلت: إذا لا يختارنا فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح. وقالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﵇ وأصغيت إليه قبل أن يموت وهو مسند إلى ظهره يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى"، ولما تغشاه الموت قالت فاطمة ﵂: واكرب أباه، قال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، قالت عائشة: وثقل رسول الله ﷺ في حجري فنظرت في وجهه وإذا بصره قد شخص وهو يقول: "بل الفريق الأعلى في الجنة"، وقبض ﷺ ، قالت: فوضعت رأسه على وسادة وقمت أندب مع النساء أضرب وجهي وقالت فاطمة ﵂ تندبه: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه في جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، وقال جبريل للنبي عند موته: يا أحمد هذا آخر وطئي في الأرض ولا أنزل إليها أبدا بعد إنما كانت حاجتي من الدنيا، وكانت وفاته ﷺ حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة عن ثلاث وستين سنة من عمره وكمل بالمدينة من يوم دخلها إلى يوم مات عشر سنين كوامل مبلغا لرسالات الله مجاهدا لأعدائه. ولما توفي رسول الله قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وإن رسول الله ما مات؛ ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى فإنه غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ووالله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات، قالوا: وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسيح فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فيمم رسول الله وهو مسجى بثوب حبرة فشكف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى ثم قال: بأبي وأمي أنت والله لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها، ثم لن يصيبك بعدها موتى أبدا ثم رد البرد على وجهه وخرج عمر بن الخطاب يكلم الناس فقال: على رسلك يا عمر أنصت فأبى إلا أن يتكلم؛ فلما رآه أبو بكر لا ينصب أقبل على الناس؛ فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال: ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ قال: وأخذها الناس عن أبي بكر فهي في أفواههم قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله قد مات، ولما مات رسول الله قالوا: والله لا يدفن، ومات مات وإنه ليوحى إليه فأخروه حتى أصبحوا من يوم الثلاثاء وقال العباس: إنه قد مات

стр. 1015

وإني لأعرف منه موت بني عبد المطلب وقال القاسم بن محمد ما دفن رسول الله حتى عرف الموت في أظفاره قالت عائشة ﵂ ما أرادوا غسل رسول الله اختلفوا فقالوا: والله ما ندري أيجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا؟ أو نغسله وعليه ثيابه، قالت: فلما اختلفوا ألقى عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه قالت: فقاموا إلى رسول الله فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص دون أيديهم وغسله علي ﵁ أسنده إلى صدره وعليه قميصه يدلكه به من ورائه لا يفضي بيده إلى رسول الله ﷺ وابناه الفضل وقثم يقلبونه معه وأسامة بن زيد وشقران مولى النبي يصبان الماء عليه وعلي يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيا وميتا ولم يرد من رسول الله شيء مما يرى من الميت فلما فرغوا من غسله كفن. روى البخاري في الصحيح من حديث عائشة ﵁ أنها قالت: كفن رسول الله في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة فلما فرغ من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس يصلون عليه أرسالا -أي جماعات: الرجال ثم النساء ثم الصبيان ولم يؤم الناس على رسول الله أحد. واختلفوا في دفنه فأنبأنا عبد الرحمن بن علي، أخبرنا أبو الحسن الفقيه، أخبرنا علي بن أحمد البندار، أنبأنا عبيد الله بن محمد العكبري، حدثنا أبو عبد الله بن مخلد، حدثنا علي بن سهل بن المغيرة، حدثنا محمد بن عمر، حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن عثمان بن محمد الأخنسي عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، قال: لما توفي رسول الله ﷺ اختلفوا في موضع قبره فقال قائل: بالبقيع فإنه كان يكثر الاستغفار لهم وقال قائل: منهم عند منبره وقال قائل: منهم في مصلاه فجاء أبو بكر ﵁ فقال: إن عندي من هذا خبرا وعلما سمعت رسول الله يقول: "ما قبض نبي إلا دفن حيث توفي". أخبرنا الحسن بن محمد الواعظ، أنبأنا أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبي أن أصحاب النبي لم يدروا أين يقبرون رسول الله حتى قال أبو بكر ﵁ فأخروا فراشه وحفروا له تحت فراشه، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﵇ وكان أبو عبيدة يضرح حفر أهل مكة وكان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة؛ فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة وللآخر اذهب إلى أبي طلحة، اللهم خر لرسولك؛ فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله ثم دفن رسول الله من وسط الليل ليلة الأربعاء وكان الذين نزلوا قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم ابن العباس، وشقران مولى رسول الله وبنى على لحده

стр. 1016

تسع لبنات نصبن نصبا، وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أن النبي ﷺ رش على قبره وجعل عليه حصباء حمراء من حصباء العرصة ورفع قدر شبرين من الأرض، وروى البخاري في الصحيح من حديث أبي بكر بن عياش عن سفيان التمار أنه حدثه أنه رأى قبر النبي مسنما. وفي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك أنه قال: لما دفن النبي قالت فاطمة ﵂: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟ أنبأنا أبو جعفر الواسطي، عن أبي طالب، عن ابن يوسف، أخبرنا أبو الحسن بن الأبنوسي، عن عمر بن شاهين، أخبرنا محمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الكاتب، حدثني طاهر بن يحيى، حدثني أبي عن جدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما رمس رسول الله ﷺ جاءت فاطمة ﵂ فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينها وبكت وأنشأت تقول: ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت على مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا روي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: ما رأيت فاطمة ﵂ بعد أبيها ضاحكة ومكثت بعده ستة أشهر. وروى حجاج بن عثمان عن أبيه قال: رأيتهم اجتمعوا يوم مات النبي على أكمة فجعلوا يبكون عليه. وروى البخاري في الصحيح من حديث أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت: قبض روح رسول الله في هذين. وروى أنس من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك أبرز قبره؛ غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا، أنبأنا يحيى بن أسعد بن بوش عن أبي علي الحداد عن أبي نعيم الحافظ عن جعفر الخلدي، أنبأنا يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثني غير واحد، منهم عبد العزيز بن أبي حازم ونوفل بن عمارة قالوا: إن عائشة ﵂ كانت تسمع صوت الوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطنبة بمسجد النبي ﷺ فترسل إليهم أن لا تؤذوا رسول الله ﷺ وما عمل علي بن أبي طالب ﵁ مصراعي داره إلا بالمناصع توقيا لذلك، وروي أن بعض نساء النبي ﷺ دعت نجارا يغلق ضبة لها، وأن النجار ضرب المسمار في الضبة ضربا شديدا فصاحت عائشة بالنجار وكلمته كلاما شديدا وقالت: ألم تعلم أن حرمة رسول الله ﷺ ميتا كحرمته إذا كان كان حيا قالت الأخرى: وماذا سمع من هذا قالت عائشة ﵂:

стр. 1017

إنه ليؤذي رسول الله ﷺ صوت هذا الضرب كما لو كان يؤذيه حيا ﷺ تسليما. ذكر وفاة أبي بكر ﵁: ذكر محمد بن جرير الطبري بإسناد له أن اليهود سمت أبا بكر في أرزه، ويقال في خزيرة وتناول معه الحارث بن كلدة منها ثم كف وقال لأبي بكر: أكلت طعاما مسموما؛ فسم لسنته فمات بعد سنة ومرض خمسة عشر يوما فقيل له: لو أرسلت إلى الطبيب، فقال: قد رآني، قالوا: فما قالك لك؟ قال: قال إني أفعل ما أشاء، وقالت عائشة ﵂: كان أول ما بدا أبو بكر ﵁ أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يوما باراد فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى الصلاة وكان يأمر عمر بن الخطاب يصلي بالناس ويدخل عليه الناس يعودونه وهو يثقل كل يوم وهو يومئذ نازل في داره التي قطعها له رسول الله وجاه دار عثمان بن عفان، قال أهل السير كان ينزل أبو بكر بالسيح عند زوجته بنت خارجة بن زيد وأقام بالسيح بعدما بويع له بالخلافة ستة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة وربما ركب على فرس له وعليه إزار ورداء فيوافي المدينة؛ فيصلي الصلاة بالناس فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسيح؛ فكان إذا حضر صلى وإن لم يحضر صلى بهم عمر بن الخطاب، وكان تاجرا يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه وربما خرج بالغنم لرعيها وربما كفيها ورعيت له، وكان يحلب للحي أغنامه؛ فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها أبو بكر فقال بل لعمري لأحلبنها لكم وإني لأرجو ربي أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه؛ فكان يحلب لهم ثم نزل المدينة فأقام بها ونظر في أمره فقال والله ما يصلح أمر الناس والتجارة وما يصلحهم إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم ولا بد لعيالي مما يصلحهم فترك التجارة واستنفق من بيت مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوما بيوم ويحج ويعتمر، وكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم؛ فلما حضرته الوفاة قال: ردوا ما علي من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئا وإن أرضى التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم؛ فدفع ذلك إلى عمر فقال عمر: لقد أتعب من بعده. روى البخاري في الصحيح من حديث عائشة ﵂ قالت: دخلت على أبي بكر ﵁ فقال: في كم كفنتم النبي؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله؟ قالت: يوم الاثنين قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليلة؛ فنظرت إلى ثوب عليه كما يمرض فيه به ردغ من زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين

стр. 1018

وكفنوني فيها قلت: إن هذا لخلق قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت؛ فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء ودفن قبل الصبح، وكان آخر ما تكلم به أبو بكر ﵁: رب توفني مسلما وألحقني بالصالحين، وتوفي بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة فكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال وكان عمره ثلاثا وستين سنة وغسلته زوجته أسماء بنت عميس بوصية منه وابنه عبد الرحمن يصب عليه الماء، وكفن وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله وصلى عليه عمر في مسجد رسول الله ﷺ وجاء المنبر ودفن ليلة الثلاثاء إلى جنب رسول الله ﷺ وألصقوا لحده بلحده ودخل قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن ابنه ﵃ وكان أبوه قحافة حيا بمكة؛ فلما نعي إليه قال: رزء جليل، وعاش بعده ستة أشهر وأياما، وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة بمكة وهو ابن سبع وتسعين سنة ﵄. ذكر وفاة عمر ﵁: روى أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده من حديث معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب ﵁ قام يوم الجمعة خطيبا؛ فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر نبي الله ﷺ وأبا بكر ﵁، ثم قال: أيها الناس إني قد رأيت رؤيا كأن ديكا أحمر نقرني نقرتين ولا أدري ذلك إلا لحضور أجلي، وإن ناسا يأمرون أن أستخلف وإن الله لم يكن يضيع دينه وخلافته والذي بعث به نبيه، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الرهط الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فأيهم بايعوا فاسمعوا له وأطيعوا وذكر كلاما طويلا قال: فخطب بها عمر يوم الجمعة وأصيب يوم الأربعاء. وروى البخاري في الصحيح من حديث عمرو بن ميمون قال: إني لقائم ما بيني وبين عمر إلا عبد الله بن عباس حذاءه غداة أصيب وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف والنحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس؛ فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلبي حين طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة وصار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا وشمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة؛ فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح علينا برنسا؛ فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه؛ فمن يلي عمر قد رأى الذي رأى وأما أواخر المسجد فإنهم لا يدرون؛ غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس انظر من قتلني فجال ساعة ثم جاء فقال غلام المغيرة قال الصانع؟ قال: نعم قال: قاتله الله لقد أمرت به

стр. 1019

معروفا، وقال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل يدعي الإسلام واحتمل إلى بيته؛ فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل ذلك فقائل يقول: لا بأس وقائل يقول أخاف عليه فأتى بنبيذ فشربه فخرج من جوفه فعرفوا أنه ميت فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه وجاء شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك في صحبة رسول الله وقدمك في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم الشهادة قال: وددت أن ذلك كان كفافا لا علي ولا ولي؛ فلما أدبر رأى رداءه يمس الأرض قال: ردوا على الغلام، قال: يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أتقى وأنقى لثوبك يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجوده ستة وثمانين ألفا أو نحوه قال: إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فاسأل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم انطلق إلى عائشة أم المؤمنين أميرا وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال: يقرأ عليك السلام عمر بن الخطاب ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي فلما أقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال ما لديك قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت فقال: الحمد لله ما كان أهم إلي من ذلك فإذا أنا قبضت فاحملوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء معه فلما رأينها قمن فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال فولجت داخلا، فسمعنا بكاءها من داخل فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف قال: ما أجد أحدا أولى وأحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض؛ فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وقال: اشهد يا عبد الله بن عمر ليس لك من الأمر شيء وأوص الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل أن محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا؛ فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو ولا يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا؛ فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يأخذ من حواشي أموالهم ويرد على فقرائهم وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم؛ فلما قبض ﵁ خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر، وقال: يستأذن عمر بن الخطاب قالت: أدخلوه فأدخل موضعا هناك مع صاحبيه قلت: وباع عبد الله بن عمر دارا لعمر بن الخطاب ومالا له بالغابة ثم قضى دين أبيه وكانت وفاته ﵁ يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث

стр. 1020

وعشرين من الهجرة، وكانت خلافته عشر سنين كوامل وستة أشهر وأربعة أيام، وكان سنة ثلاثا وستين سنة وصلى عليه صهيب وجاه المنبر ودفن مع النبي. وروى البخاري في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس أنه قال: وضع عمر على سريره فكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع -وأنا فيهم- فلم يرعني إلا رجل أخذ منكبي؛ فإذا علي بن أبي طالب ﵁ فترحم على عمر وقال: ما خلت أحدا أحب أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كنت أسمع كثيرا رسول الله ﷺ يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر"، وروي أن عائشة ﵂ لما دفن عمر ﵁ لبست ثيابها الدرع والخمار والإزار، وقالت: إنما كان أبي وزوجي؛ فلما دخل معهما غيرهما لزمت ثيابي. وأخبرني يحيى بن أبي الفضل السعدي قال: أخبرنا أبو محمد الفقيه قال: أخبرنا أبو الحسن الشافعي قال: أخبرنا أبو عبد الله بن النبهاني أخبرنا أبو العباس الرازي أخبرنا أبو الزنباع، حدثنا عمر بن خالد، حدثنا أبو بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يخبر، عن عائشة ﵂ أنها رأت في المنام أنه سقط في حجرها أو بحجرتها ثلاثة أقمار؛ فذكرت ذلك لأبي بكر فقال: خير. قال يحيى بن سعيد؛ فسمعت بعد ذلك أن رسول الله ﷺ لما توفي فدفن في بيتها قال أبو بكر: هذا أحد أقمارك يا بنيه وهو خيرها، أنبأنا أبو القاسم الصموت عن الحسن بن أحمد، عن أحمد بن عبد الله عن جعفر بن محمد أخبرنا أبو زيد، حدثنا الزبير، حدثنا محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد عن أنيس بن أبي يحيى قال: لقي رسول الله جنازة في بعض سكك المدينة فسأل عنها فقالوا: فلان الحبشي فقال رسول الله: سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها. قلت: فعلى هذا طينة النبي ﷺ التي خلق منها من المدينة وطينة أبي بكر وعمر من طينة النبي وهذه منزلة رفيعة، وروي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ قال: دخلت على عائشة ﵂ فأطلعت على قبر النبي وقبر أبي بكر وعمر فرأيت عليها حصباء حمراء. وروي عن هارون بن موسى العروبي قال: سمعت جدي أبا علقمة يسأل: كيف كان الناس يسلمون على النبي قبل أن يدخل البيت في المسجد؟ فقال: كان الناس يقفون على باب البيت يسلمون وكان الباب ليس عليه غلق حتى هلكت عائشة ﵂، قال أهل السير: وكان الناس يأخذون من تراب قبر النبي؛ فأمرت عائشة بجدار فضرب عليهم، وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما زلت أضع خماري وأنفصل عن ثيابي حتى دفن عمر؛ فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارا قلت:
следующие страницы →