← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عنده. ويحتاج كذلك أن نعيد النظر في مفهوم العلم، وتصنيف المتعلمين فلا نسمح بالدخول في حرم العلم، إلا لأولي الألباب من الأذكياء الموهوبين؛ لأنهم وحدهم القادرون على التسخير، وإبراز معجزة الرسالة في ميدان العلم. كذلك الحضارة لا تكون -أبدًا- ضد الرسالة، وإن من أهداف الرسالة أن تنقل الإنسان من التخلف إلى الحضارة. بل إن الحضارة مقدمة ممهدة لمجيء المثل الأعلى -أي المبدأ الديني- وذلك ما يراه المؤرخ البريطاني توينبي Toynbee حين ذكر أن الحضارة الرومانية بأمنها، وطرق مواصلاتها ورقي مؤسساتها كانت مقدمة سارت عليها الفكرة المسيحية التي حملها المبشرون على الطرق الرومانية الآمنة، حتى جعلوا روما نفسها مركز الكنيسة. فإذا كان العلم معجزة الرسالة في الآفاق، والأنفس فإن الحضارة تقدم وسائل الاتصال والتبليغ الملائمة للوصول إلى المجتمع البشري المعاصر للرسالة. وإن العلاقة بين القدرات العلمية التي تفرز الحضارة، وبين إرادة المثل الأعلى سببية طردية. فالقدرات العلمية هي التي ترفع درجة إرادة المثل الأعلى عند الإنسان، ثم تعود الإرادة إلى طلب مزيد من القدرة العلمية، ثم تحدث القدرة مزيدا من الإرادة. وهكذا يستمر التأثير المتبادل بين الاثنين، ويكون من ذلك تقدم العلم الذي هو العامل الرئيسي في تقدم الإرادات والمجتمعات. وإن التقهقر في الحضارات لا يحدث حين ينتشر العلم، ويتمتع الناس بثماره -كما يشاع بين بعض المؤرخين الذين ينظرون في المضاعفات، ويغفلون عن الأسباب الحقيقية. بل يحدث التقهقر حين تفشل نظم التربية في تنشئة أجيال لا يكون واضحا لديها أمر العلاقة بين القدرات التسخيرية، وبين إرادة المثل الأعلى -أو المبدأ الديني- فيزهدون في العلم ويعبثون بثماره أو يقتصرون على جانب منه، فتبقى الإرادة عزلى عن قدرتها وتبدأ في

стр. 142

الضمور. وهكذا يقل العلم فتقل إرادة المثل الأعلى، كما قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد. ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رءوساء جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" ١. إن أساس الخطأ الذي يقع فيه بعض مؤرخي الحضارات حين يربطون بين التقدم العلمي وبين تقهقر الحضارات والمجتمعات أمران: الأول، أنهم يخلطون بين العلم والأدب العلمي، وبين الظن وأدب الأهواء والشهوات، والإرادات الهابطة. ومثال ذلك ما يقوم به بعض المؤرخين حين يربطون بين عصر الإمارات الضعيفة في الأندلس، وبين ما يسمونه بازدهار الآداب والثقافة التي لم ترتفع عن مستوى الإرادات الضعيفة، والأهواء والشهوات السائدة، وكأن التعبير عنها أو تشجيع هذا التعبير بأشكاله المختلفة هو ازدهار في حد ذاته. والأمر الثاني، هو الخلط بين العلوم وبين التطبيقات المادية، أو الصناعية للعلوم. فحين يتوقف التقدم العلمي تستمر تطبيقاته المادية زمنا بعده، بل إنها تشيع وتنتشر بسبب الإقبال على حياة الترف والشهوات. إن ما تحتاجه الرسالة الإسلامية هو قيام مؤسسات تربوية تفرز نماذج جديدة من العلماء، الذين يحسنون إبراز معجزة الرسالة في ميدان العلم، وتكون لهم الكفاءة العلمية، والتفكير العلمي اللذان يؤهلانهم لاعتلاء المنابر الجديدة، التي أفرزها العلم في مسجد "قرية الكرة الأرضية" الطهور الذي خص الله به رسوله٢ -منابر التلفزة ومحطات الإرسال الفضائية، والطباعة

стр. 143

العالمية، ويخاطبون الإنسانية بأحسن مما عندها علما وفكرا وأدبا. تحتاج الرسالة الإسلامية إلى مؤسسات تربوية ومفاهيم، وتطبيقات تربوية جديدة تتعايش مع المفاهيم الجديدة للعلم التي تحكم على الأشياء بنتائجها المحسوسة وثمراتها العلمية. ومفهوم العلم هذا هو المناسب للإسلام، بل نحن نجد أدلة محسوسة لما يعطيه الإيمان للناس المؤمنين من الطمأنينة، والتخفيف من الشقاء، والعذاب الذي يعاني منه من لا يؤمن بالله واليوم الآخر. بل إن العلم بالآخرة صار في قوة العلم التجريبي -كما يقول الأستاذ جودت سعيد- وصار مجاله أوسع، فبدل أن يكون هذا المجال هو غرفة المختبر الذي تستخدم فيه الأنابيب، والقناني تحول إلى مختبر الكون الفسيح، وأحداثه التاريخية والاجتماعية. وهذا ما يلائم المنهج الإسلامي الذي يطلب إلى العالم أن يسير في الأرض، ويتبع التطور الذي يعتري الكائنات والظواهر والأحداث ابتداء من خلقها، وتكوينها حتى واقعها، واحتمالات تطورها الأخرى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] . فالذي تهدف إليه التربية الإسلامية -إذن- هو أن يقدم الإيمان إلى الناس بالصورة التي يقدم بها علم الجغرافيا، أو الفلك أو الكيمياء أو الفيزياء، وبذلك يصير الإيمان علما. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] . ولكن التعليم الذي تقدمه المؤسسات التربوية في العالم الإسلامي لا يبث في الفرد اكتساب ملكة البحث، وكشف القوانين. وهي لا توحي للدارس أن العلم قابل للزيادة، ولا تحثه على طلب المزيد منه. بل إنها توحي أنها ورثت العلم كاملا فلا يمكن المزيد عليه، وأن البحث انتهى مع "الآباء" الذين لم يتركوا شيئًا إلا بحثوه وفهموه، وليس على الدارس إلا أن يتملق علمهم ويتغنى بإطرائهم. وبذلك تعكس هذه المؤسسات معنى قوله تعالى:

стр. 144

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . وتعكس معنى قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] . وقوله أيضا: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧] .

стр. 145

الفصل الحادي عشر: إحكام توازن الإرادة العازمة، والقدرة التسخيرية في تربية الفرد من الضروري أن تتوازن الإرادات النبيلة العازمة مع القدرات التسخيرية في تربية الفرد، ومن خلال هذا التوازن يتولد "العمل الصالح" بالصورة التي مر عرضها في هذا البحث. ومعنى هذا أن تعمل التربية على تنمية الإرادات العازمة حتى درجة التضحية بالمال، والنفس ثم تعمل بنفس القدر من الجهد، والكفاءة لتنمية القدرات التسخيرية حتى درجة التسخير الكامل للإمكانات المادية، والبشرية المتوفرة. ومن الخطورة البالغة أن تقصر تنمية إحدى الاثنتين عن الأخرى، فتركز التربية -مثلا- على تنمية الإرادات دون القدرات أو العكس، فلذلك آثاره المدمرة في حياة الأفراد والأمم، ولتوضيح ذلك نستعرض آثار القصور في تنمية القدرات التسخيرية، وآثار القصور في تنمية الإرادات النبيلة الجازمة كما هو حاصل في تطبيقات التربية المعاصرة في الشرق والغرب. حين تغفل التربية -أو تجهل تنمية القدرات التسخيرية عند المتعلمين إلى المستوى اللازم، الذي تستدعيه حاجات العصر وخبراته في الوقت الذي تجد وتنجح في تنمية الإرادات العازمة النبيلة إلى درجة التضحية بالمال والنفس، فإن الأفراد في كل عمل يمارسونه ينتهون إلى الفشل والإحباط. وهذه هي حالة الأفراد الذين تخرجهم مؤسسات التربية القائمة في الأقطار العربية، والإسلامية ومثلها المؤسسات التربوية الموازية كالأحزاب، والجماعات والمساجد وبرامج الإعلام الديني والوطني. فجميع هذه المؤسسات تفصل تفصيلا كافيا في عرض محتويات المثل الأعلى -الديني والوطني، وتنمي

стр. 146

إرادات الأفراد إلى درجة التضحية بالمال والنفس. ولكنها تهمل -إهمالًا يكاد يكون كليا- الخبرات المربية والقدرات العقلية، اللذين ينتج عن تفاعلهما القدرات التسخيرية. ويكون من نتيجة هذا الإهمال قصور القدرات التسخيرية عن الإرادات العازمة، فيحدث الاضطراب في التفكير والعواطف، والمشاعر والسلوك وينشأ التخبط في إصدار الأحكام، واتخاذ القرارات وتنفيذها، وتتكرر مواقف الفشل والإحباط. وتكرار الفشل هذا له نتائج سلبية مدمرة تنعكس اتجاهات الأفراد والجماعات سواء. فهو -أولًا- يؤدي إلى فقدان الثقة بالمثل الأعلى، فتضعف الإرادة العازمة النبيلة، وتقصر عن مستوى التضحية بالمال، والنفس ويتراجع الفرد إلى إرادات الحفاظ على الجسد أو النوع، ويقعد عن العمل العام، ويتوقف عن المشاركة في الجهاد. وهذه حال كثير من الأفراد والشعوب في الأقطار العربية، والإسلامية المعاصرة. فكثير من الأفراد المشتغلين في المبادئ والقضايا الوطنية، والإسلامية انتهى بهم تكرار الفشل، والإحباط إلى التخلي عن هذه المبادئ والقضايا والانسحاب الجزئي أو الانسحاب الكلي، الانسحاب الجزئي للاشتغال بإرادات الطعام، والحفاظ على الجسد والذرية، أو الانسحاب الكلي من المجتمعات العربية، والإسلامية للانضمام إلى مجتمعات غير عربية ولا إسلامية. وهذه -أيضًا- حال كثير من الشعوب العربية والإسلامية التي عجزت قدراتها التسخيرية عن تلبية الحاجات الداخلية، ومواجهة التحديات الخارجية، وانتهت إلى تكرار الفشل والإحباط والهزيمة، فإنها -أيضا- انسحبت انسحابات جزئية لتنكفئ على أمورها الخاصة أو انسحابات كلية لتقطع انتماءاتها، أو تتخلى عن مسئولياتها إزاء القضايا المشتركة ثم تبحث عن انتماءات أخرى تشاركها إرادات البحث عن الطعام، والحفاظ على النوع. والأثر -الثاني- هو أن كثيرا من الأفراد والجماعات ممن نمت إرادتهم، وقصرت عنها قدراتهم التسخيرية إذا واجهوا المشكلات، فإنهم

стр. 147

يعالجونها بما يشبه التهلكة والانتحار حيث لا يعرفون لمواجهة الأزمات، وحل المشكلات إلا طريقا واحدا هو طريق العنف الانتحاري بالقول والعمل، ويقترفون الحماقة ويجانبون الحكمة. وهذه هي الصفة الغالبة على الأفراد والجماعات، والهيئات الرسمية والشعبية والمنظمات الوطنية العاملة في ميادين البناء الداخلي، أو المقاومة للاحتلال الخارجي. أما عن آثار القصور في ميادين الإرادات النبيلة العازمة، فإن الظاهرة البارزة لآثار هذا القصور هو فقدان الإنسان للسعادة، وفقدان لذة الاستمتاع بثمرات النجاح الذي توصله إليه القدرات التسخيرية. وهذه هي حال التربية في المؤسسات التربوية القائمة في الأقطار المتقدمة خاصة في أوربا وأمريكا. فلا شك أن هذه المؤسسات قد حققت نجاحات هائلة في ميادين الخبرات المربية، والقدرات العقلية التي تزاوجت لإنجاب أفراد ذوي قدرات تسخيرية عالية في ميادين الكشف، والاختراع وتطوير التكنولوجيا والإدارة والسياسة وغيرها. ولكن المشكلة التي أفرزتها المؤسسات التربوية هناك هي الأزمة في الإرادات النبيلة العازمة. فهذه المؤسسات تعاني من قصور شديد في مجال تربية الإرادة، حيث تقف مستويات هذه الإرادة التي تنميها المؤسسات التربوية المذكورة عند مستوى إرادات الطعام، وإرادات الحفاظ على النوع ولا تتخطاها إلى مستوى إرادة الارتقاء بالجنس البشري، والسبب في ذلك هو غياب -المثل الأعلى- وقصور مستويات -المثل السوء- الذي تعرضه الفلسفات التربوية الموجودة هناك. مما أفرز -وما زال يفرز- سلاسل متلاحقة من الأزمات الأخلاقية، والاجتماعية. وتكرار هذه الأزمات له نتائجه السلبية المدمرة في اتجاهات الأفراد والجماعات سواء. فهو -أولًا- يؤدي إلى فقدان الثقة بالعلم، وخيبة الآمال التي ترتبت عليه -كما يقول إدجار فور، وزملاؤه في تقريرهم التربوي. ذلك إن التفاوت الهائل بين التكنولوجيا المتقدمة التي أفرزها العلم، وبين القيم الإنسانية المتخلفة بسبب غياب المثل الأعلى قد قلب ثمرات العلم والتقدم إلى عكس الغايات التي نشأ العلم بسببها. فالإنسان أصبح يعاني -أكثر من

стр. 148

قبل- من حالات الاضطراب النفسي والقلق الفردي والجماعي. والأثر -الثاني- هو ظهور ظاهرة -الاغتراب alienatiom- التي يعاني منها الإنسان المعاصر، وشدة الحاجة إلى معرفة الذات الإنسانية، وهوية الإنسان ومكانته، وعلاقاته بنفسه وبالآخرين من حوله. والأثر -الثالث- هو إحساس إنسان التربية الحديثة -بالعجز Powerlessnss. وحقيقة هذا المرض هو شعور الإنسان المعاصر بالعجز عن التأثير في مجريات حياته. فبرز رق الآلة ورق مكان العمل، ورق وسائل الإعلام، الأمر الذي أفقد الإنسان حريته في الاختيار والتفكير، وانتهى به إلى الاستسلام لعوامل البيئة المحيطة في تلبية الحاجات، ومواجهة المشكلات. ولقد ناقش هذا المرض النفسي مربون وعلماء اجتماع، وعلم نفس من أمثال: ثيودور روزاك وديفيد مارتن، ومايكل لبرنر وسماه الأخير -فائض العجز١. والأثر -الرابع- هو شعور إنسان التربية الحديثة بانتقاص الذات بسبب انحسار المثل الأعلى عند التربية الحديثة إلى مستوى الحفاظ على الجسد البشري، الذي ابتكرت له الشعارات من أمثال: "الكفاح من أجل المعيشة" و"البقاء للأقوى". وخلال الكفاح من أجل البقاء أفرزت أمراض الطغيان والاستضعاف، وجملت الرذيلة والفساد، وقبحت الفضيلة والصلاح، والجري المتواصل وراء الغرائز والشهوات. والأثر -الخامس- هو فقدان إنسان التربية الحديثة الانتماء affilation، وصار الإنسان رقمًا في ركام البشر المتدفق في شوارع المدن الكبرى حيث يعيش الناس سجناء في سجون مساكنهم، وشققهم وراء أبواب مصفدة بالأقفال والأزراد والخوف من الجريمة والاغتصاب. فصارت مساكن الناس المتجاورة ماديا متباعدة نفسيا واجتماعيا، وكأنهم يعيشون في حديقة حيوانات!! تتطلع الضارية منها لافتراس الضعيفة.

стр. 149

الفصل الثاني عشر: مشكلة تربية الفرد في أهداف التربية الحديثة أولا: تضييق مفهوم العمل الصالح وحصره بالإنتاج المادي ... الفصل الثاني عشر: مشكلة تربية الفرد في أهداف التربية الحديثة بالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها مؤسسات التربية في الأقطار المتقدمة لبلورة أهداف تربية الفرد، فما زالت التربية الحديثة تعاني من قصور خطير في هذا الميدان. أما مظاهر هذا القصور فتتمثل فيما يلي: أولا: تضييق مفهوم "العمل الصالح" وحصره بالإنتاج المادي إذا كانت التربية الإسلامية قد جعلت "العمل الصالح" سمة الفرد الذي تستهدف إخراجه، فإنها في تفسيرها لمفهوم الصالح قد انتهت إلى أن العمل الصالح يتجسد في "الفرد الصالح-المصلح" بالمفهوم الواسع الذي مر عرضه. أما التربية الحديثة التي انتشرت في أرجاء الأرض بانتشار الحضارة الغربية فقد حصرت مفهوم "العمل الصالح" في الإنتاج المادي، وإيجاد "الفرد المنتج-المستهلك". ولذلك يلاحظ أن المؤسسات التربوية الحديثة كالمدرسة، والمعهد والجامعة تركز على إعداد الفرد ليكون "منتجًا" بينما تركز المؤسسات الموازية كالإعلام، والصحافة والتلفزيون على إعداد الفرد ليكون "مستهلكا". ولقد ناقش العديد من الباحثين الصفة الأولى -وهي إعداد الفرد ليكون منتجًا فذكروا أن المدارس المعاصرة تهيئ الناشئة -بالدرجة الأولى- لحياة العمل الإنتاجي وذلك بوسلتين: الأولى: أنها تعلمهم مهارات محددة ذات علاقة بالعمل. والثانية: إنها تنمي فيهم الاتجاهات والعادات الضرورية للآداء الوظيفي الفعال.

стр. 150

ويضيف هؤلاء إن الأمر لا يحتاج إلى عميق نظر لملاحظة التوازي بين تربية الطفل "كعامل" ووظيفة المعلم "كرئيس عمال" أو"مشرف عمال" وإنه يجري التركيز على هاتين الصفتين في جميع مستويات التعليم. ذلك أن جميع المهن تحتاج في الغالب إلى عمال، وموظفين لهم معرفة بالوقت ودقة في أوقات الحضور ومثابرة مستمرة بالعمل حتى تنطلق صفارة التوقف. وهذا النوع من اليقظة والدقة هو ما تدرب المدارس الطلبة عليه من خلال التأكيد على عمل الواجبات المدرسية، وأهمية الحضور وعدم التأخير الذي يتسبب في خصم بعض العلامات، ودق الجرس في وقت محدد، وإدارة فصول الدراسة بالطريقة التي تدار بها المصانع والمعامل، وإشاعة الاتجاهات والقيم والعادات المطلوبة في دنيا العمل. ويسمي -جون جارولمك- هذه التعليمات والنظم كلها بـ"منهاج المدرسة الخفي" الذي يندر أن تبرز نصوصه واضحة في المنهاج رغم أنها جزء رئيسي من عمل المعلم. فأصحاب العمل يميلون عادة لتعليم العمال الواجبات الدقيقة، وأن يجري إنجازها بسرعة وطاعة، وحيوية وعلى مستوى عال من الإنجاز. وهم يتوقعون من المدارس أن تطور هذه الصفات قبل دخول الناشئ دنيا العمل. ومن أبعاد هذا "المنهاج الخفي" تدريب الناشئ على التعاون مع الآخرين، والعمل كفريق من ناحية، ولكن تدريبهم على التنافس الذي يحتاجه عالم العمل من ناحية أخرى. وهذا من شأنه أن يخلق نوعًا من التناقض في شخصية الفرد، ويهيئ لأسباب الصراع الذي يدور في العادة في أماكن العمل في صفوات العمال والموظفين؛ لأن الفرد لا يستطيع أن يكون متعاونًا ومنافسًا في آن واحد. ومن أبعاد هذا "المنهاج الخفي" أن المدرسة تركز على المهارات الأساسية اللازمة لدنيا العمل كالقراءة، والكتابة والحساب وحسن الحديث، كذلك يجري التركيز على المقررات العلمية والمهنية، وإعطاء المكانة الأولى لها بينما يقلل من قيمة الدراسات المتعلقة بإنسانية الإنسان، ورفعته وأخلاقه

стр. 151

وتهمل الدراسات الدينية إهمالا يكاد يكون تاما١. أما عن الصفة الثانية وهي -إعداد الفرد ليكون مستهلكا- فهذا واضح في الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام والصحافة، والسينما والتلفزيون والمعارض وغيرها. وإذا كانت الإعلانات التجارية تمارس التربية الاستهلاكية بصورة مباشرة، فإن تنمية الاتجاهات الاستهلاكية تجري بأساليب غير مباشرة في السينما والتلفزيون، والتركيز على قصص الحب ومسلسلات الغرام، وما يتفرع عنها وخلالها من المناظرة، والمواقف ليس هدفا في ذاته، وإنما هو وسيلة لعرض ما يتخلل هذه المواقف والمناظر من مظاهر الحفلات واللباس، والزينة والهدايا والسيارات والتنزه والرحلات وكل ما يتطلبه التسويق التجاري، ورفع شيهة "الاستهلاك"، وتوجيه المشاهدين إلى ذلك كله. ونحن نعلم الأثر الذي يحدثه أمثال ألفيس برسلي، أو جيمس بوند، أو ممثل السيارة المسحورة، أو ممثلات الإغراء في نشر بنطلون الجينز، وسيارات الجاكور والمسجلات الموسيقية، والأزياء والموديلات وإيجاد "الفرد المستهلك"، الذي يستهلك أكثر مما يحصل عليه من الأجر. ولا يقتصر هذا الفرق في التوجيه على الأفراد، وإنما يمتد إلى المجتمع، ففي حين تسهم التربية الإسلامية في إفراز ما يمكن أن نسميه "ثقافة القيم" حيث تقاس الأنشطة، والظواهر الاجتماعية بمقاييس القيم والمثل الأخلاقية التي جاء بها الإسلام، فإن التربية الحديثة تسهم في إفراز ما يمكن أن نسميه بـ"ثقافة العمل والاستهلاك"، وقياس الأنشطة والظواهر الاجتماعية بمقدار ما يستهلكه الفرد والجماعة. كذلك يمتد هذا الأثر إلى العادات والتقاليد، وغير ذلك من مظاهر الحياة الاجتماعية القائمة. والواقع أن إفراز "ثقافة العمل والاستهلاك" في المجتمعات الحديثة قد

стр. 152

أدى إلى ظاهرتين إحداهما إيجابية والأخرى سلبية. أما الظاهرة الإيجابية فهي تحديد مكانة كل فرد بمقدار ما ينتجه، فأدى ذلك إلى تقدم الصناعة ووفرة الإنتاج. ولكن الظاهرة السلبية هي إن مكانة الفرد تحددت بمقدار ما يستهلكه في ميادين الحياة المادية، وبذلك اشتغل التنافس بين الأفراد والجماعات، وشاعت المقاييس المادية وحلت محل المقاييس الأخلاقية والعلمية، وانقطع التواصل وانهار الاجتماع، وأصبحت النفعية المادية تحكم العلاقات وتوجهها. وليس صحيحا أن النفعية شاعت؛ لأن فلسفة تربوية معينة -كالبراجماتية- أو فيلسوفًا خاصا -مثل جون ديوي- قال بها وتبناها، وإنما البراجماتية جاءت ثمرة "ثقافة الاستهلاك"، ولم يزد جون ديوي وأمثاله عن دور تبرير ما شاع وانتشر ثم صياغته صياغة تربوية علمية كما هو منهج التفكير الغربي، الذي يستمد مبادئه مما يشيع في الواقع، ويعترف به المجتمع. ولكن أخطر مظاهر هذا الأثر السلبي إن التربية الحديثة، قضت على الجانب الإنساني الأخلاقي في شخصية الفرد المعاصر؛ لأن هذه النظم فصلت بين العلوم الطبيعية، وبين العلوم الإنسانية والدينية ثم حصرت الثانية، والثالثة في تخصصات معزولة عن تيار الحياة الجاري، وجعلت مهمتها -في أحسن الظروف- المشاركة في الترويح، وتخفيف التوترات النفسية والاجتماعية التي تفرزها بيئة العمل والاستهلاك. في حين هيأت جميع الوسائل لتفجر المعرفة الطبيعية، وتطبيقاتها التكنولوجية واستعمالاتها الاجتماعية دون إرشاد أو توجيه. فأدى ذلك إلى انهيارات في توازن المجتمعات، وإلى بروز طبقتين من الناس: طبقة أقلية تملك ثمار هذه المعارف، والتطبيقات التكنولوجية وتتحكم بالمصائر، وطبقة تنتج هذه التطبيقات، وتنال أقل من أثمان المواد التي يجري تشجيعها على استهلاكها. وكانت المحصلة لذلك كله عودة "الصنمية" إلى وجدان الفرد المعاصر، حيث انغرس في نفسه نوع من -الاقتران الإشراطي- بقدرة الإنسان على رزق أخيه الإنسان أو حرمانه، وقدرته على منح الحياة أو سلبها، فأدى ذلك كله إلى عودة الرق في شكل يناسب العصر كما يشير إلى ذلك الدراسات التي أفرزتها منظمات العمل الدولية، والمعاهد المتخصصة.

стр. 153

ثانيًا: تدني مستوى "المثل الأعلى" إلى مستوى -تلبية حاجات الجسد البشري مرت مشكلة "المثل الأعلى" في التربية الحديثة بفترات مضطربة انتهت به إلى التمحور حول "إشباع رغبات الفرد" أي المستوى الثالث: مستوى تلبية حاجات الجسد البشري. ولقد مرت هذه المشكلة في مراحل تاريخية تنزلت بمستويات المثل الأعلى حتى حصرته في المستوى المشار إليه. ففي المرحلة الأولى كانت التربية الحديثة تستمد نموذج المثل الأعلى من المصادر المسيحية، الذي كان يفترض به أنه يمثل المستوى الأول، مستوى الارتقاء بالنوع الإنساني. ولكن التطبيقات الاجتماعية لهذا النموذج شاهدت صدامات خطيرة مع الطبيعة الإنسانية ووقائع الحياة، كذلك اصطدم هذا النموذج بحقائق العلم الذي جاءت بها النهضة الحديثة، وكانت حصيلة هذا الصدام هي تمرد الإنسان الغربي على المثل الأعلى المذكور، ثم التوجه إلى المصادر الفلسفية خاصة خلال القرن الماضي، ومطلع القرن الحالي. وهذا التوجه حدد المرحلة الثانية للتصورات التي مرت بها مشكلة المثل الأعلى في التربية الحديثة. ففي المرحلة الثانية تبنت التربية المثل الأعلى الذي أفرزته تأملات الفلاسفة بالقدر الذي وصلت إليه قدراتهم العقلية، وحددته خبراتهم الشبرية في البيئات التي سمحت لهم مهاراتهم اللغوية، والفكرية وتفاعلاتهم الثقافية والاجتماعية. وكانت حصيلة هذه المرحلة هي النزول بالمثل الأعلى من المستوى الأول -مستوى الرقي بالنوع الإنساني- إلى المستوى الثاني: مستوى المحافظة على النوع البشري، بل إن هذه الفلسفات استهدفت المحافظ على نوع معين من الأجناس البشرية، وهو -الجنس الأبيض- باعتباره هو الممثل الحقيقي للإنسان. ونتيجة النوع من -المثل الأعلى

стр. 154

- برزت أيديولوجيات و"مثل سوء" متطرفة مثل "النازية" و"الفاشستية" و"سمو الرجل الأبيض"، التي تسببت في المآسي وألوان الدمار والتخريب التي ما زال الإنسان يعاني منها حتى الوقت الحاضر. ولقد هيأ هذا الفشل -بالإضافة إلى ظهور نظريات التطور البيولوجي- إلى انتقال التربية الحديثة للبحث عن نموذج آخر من -المثل الأعلى- في مصادر علم النفس الحديث. وهذا التوجه حدد المرحلة الثالثة، أو المرحلة الحالية التي انتهت إليها مشكلة -المثل الأعلى. وأبرز خصائص -المثل الأعلى- في المرحلة الحالية هو إنه نموذج يمثل المستوى الثالث: مستوى تلبية حاجات الجسد البشري، وإشباع شهواته وهو ما تطلق عليه التربية في الوقت الحاضر "إشباع رغبات الفرد". أي عكست ترتيب مستويات المثل الأعلى، فجعلت الأداة هي الهدف، ثم تنزلت بالهدف وأحالته في عداد الأدوات أو ضمن "روافع القوة Leverages of Power" كما هو عند -مارجنثوا- رائد مدرسة العلوم السياسية الواقعية في الوقت الحاضر الذي أدرج -الدين- و"القومية"، وكل نماذج المثل الأعلى السابقة في عداد الأدوات، التي تستغل لإشباع رغبات الفرد. ونتيجة لهذا التطور أصبح "المثل الأعلى" في التربية الحديثة هو "إشباع رغبات الفرد، وإعداده للحصول على ما فيه مصلحته". ويختلف المختصون في شرح ما تعنيه "مصلحة الفرد" اختلافا كبيرا. فأناس يفسرون "مصلحة الفرد" بأنها الحصول وظيفة رفيعة ومكانة عالية، وأناس يرونها في توفر فرص الحياة المادية الرغيدة، وآخرون يرونها في إمداد الفرد بالقدرات، والمهارات التي تعده للحياة. ولقد لخص -جوان وايت- مختلف الآراء التي ناقشت "إشباع رغبات الفرد وتحقيق مصالحه" في قسمين رئيسين: القسم الأول، مصالح أساسية: وهذه تقع بين مستويين اثنين: مستوى أدنى من الغذاء والكساء، والمأوى والرعاية الصحية التي توفر البقاء على قيد

стр. 155

الحياة. ومستوى أعلى يوفر للفرد مستوى عال من الطعام المغذي، والمأوى المريح والصحة الجيدة، وهو لا يقنع الفرد في الأقطار المتقدمة إلا به. ويلحق بهذه الحاجات الأساسية حاجات فسيولوجية، ونفسية كالحاجة للجنس والقدر المناسب من الحرية والأمن، والدخل المادي والعمل المريح. وهذه وإن يجري الاتفاق على ضرورتها، إلا أن الاختلاف يقع حول درجة إشباعها. والقسم الثاني، مصالح جوهرية: وخلاصتها أن مصلحة الفرد في توفير السعادة. وتتشعب الآراء في تفسير هذه السعادة، فأناس يرون إن سعادة الفرد في إشباع رغباته التي يتمركز حولها اهتمامه، وفي قدرته على الحصول على الوسائل التي تحقق هذه الرغبات. وخطورة هذا الراي، عند -جون وايت، أنه يثير مشكلات خطيرة حين تتمركز رغبات الفرد حول رغبة شاذة، وتصبح وظيفة التربية التركيز على هذه الرغبة الشاذة كذلك، رغم مزية الاختيار الحر الذي يوفرها هذا الرأي، وأناس يقرنون سعادة الفرد بسعادة الحواس والمشاعر. وخطورة هذا الرأي -عند وايت- إنه يقتل المسئولية في الفرد؛ لأن معناه أن لا يتعلم الإنسان شيئا، ولا يمارسه إلا إذا سعدت به حواسه ومشاعره. فالطبيب إذا لم يسعد بعلاج المرض فلا داعي للقيام بذلك، والمرأة إذا لم تسعد برعاية أطفالها، فلا داعي لذلك أيضا وهكذا١. وهناك رأي ثالث يخالف الآراء السابقة مخالفة كلية. فهو يرى أن "مصلحة الفرد" تكمن في "الإبداع النفسي- لأن المتعلم كالفنان، وليس كالباحث عن الحقيقة. فهو يرى حياته في التعبير عن أعمق مشاعره وحدسه. والخير لا يأتيه من خارج وإنما يخلقه هو نفسه؛ لأنه يعيش في عالم ليس فيه قيم متأصلة، وإنما الإنسان يشكل نفسه ويعطيها نوعا من

стр. 156

الكمال والتوازن. ومعنى ذلك أن التربية يجب أن تتمركز حول التلميذ، ولا شيء سوى ذلك. ويعلق -جون وايت- على هذه الآراء مجتمعة بقوله: إن المشكلة في هذه التفسيرات كلها أنها تجرد "مصلحة الفرد" من القيم وتفرغها من الفضائل والتعقل، وتبقي الفرد شبيها بالحيوان الذي يتصرف طبقا لغرائزه دون أن يكون لديه ما يوجه أعماله وعلاقاته مع الآخرين، كما يحرمه من النظرات المستقبلية١. وثمة مظهر آخر لإهمال "المثل الأعلى" يتمثل في الجدل الدائر حول قيمة الفضائل الأخلاقية، التي يجب أن تتضمنها أهداف تربية الفرد. وخلاصة هذا الجدال أنه يصعب تجاهل الأهداف الأخلاقية بسبب الحاجة إلى ضوابط، ومقاييس تنظم العلاقات بين الأفراد. ولكن يصعب أيضًا تحديد مفهوم محدد واضح للفضائل الأخلاقية بحيث لا يتناقض هذا المفهوم مع الهدف الأساسي، وهو "إشباع الفرد" الذي مر شرحه. لقد تناولت الفلسفات التربوية هذه المشكلة، وعرفتها تعريفات متعددة. فبعضها -كالفلسفة البراجماتية- قالت: إن رغبات الفرد هي فضائل في حد ذاتها، وبعضها قال بتوفير الفرصة للفرد ليفهم الأخلاق، ثم تترك له الحرية ليمارس منها ما يشاء، فبينما رأت مدارس أخرى أن الفضيلة هي إبداعات عقلية تترك للفرد نفسه. ولكن المشكلة التي تشترك بها جميع الفلسفات التربوية هي الافتقار إلى حل التناقض بين "إشباع رغبات الفرد"، وأهداف التربية الأخلاقية. وإزاء العجز عن تحديد العلاقة بين "إشباع رغبات الفرد"، وبين التربية الأخلاقية برز رأي يقول باقتصار التربية على ما فيه -المصلحة العامة.

стр. 157

ولكن المشكلة التي برزت هي كيفية تحديد مفهوم -المصلحة العامة- والفرق بينها وبين المصلحة الخاصة، وأين هو حد التوافق بين المصلحتين١. ونتيجة لذلك كله برز رأي آخر دعا إلى صياغة أهداف التربية الأخلاقية طبقا لما أسماه بـ -نظرية الاكتفاء بالحد الأدنى من الأخلاق- وتسمى بالإنجليزية ٢The Minimalist View. وحجة أصحاب هذا الرأي أن الحد الأدنى يوفر للأفراد أن يعيشوا حياتهم الخاصة دون خوف من الأذى الجسدي، أو الغش أو الخداع أو العدوان والإهانة. فإذا تم ذلك قام المجتمع المثالي. والمجتمع المثالي هو الذي لا يحتاج فيه أحد إلى أحد، وإنما يقف كل فرد فيه مستقلا بأموره. ويعلق -جون وايت- على هذه النظرية فيقول: "والحد الأدنى للأخلاق مقياس واقعي؛ لأنه يراعي اهتمام الفرد برغباته الخاصة، فالمسيحية ومثلها الفلسفات التي تنادي بالحب العام تتجاهل الطبيعة الإنسانية، إذ ليس بمقدور الإنسان العادي أن يؤثر غيره على نفسه. والقديسون هم نادرو الوجود ولا قياس عليهم. والتربية تستطيع من حيث المبدأ أن تجعل منا قديسين، ولكن ثمن ذلك هو العبث بالطبيعة الإنسانية التي نعرفها. ويمكن أن يجري غسل أدمغتنا لنؤثر غيرنا على أنفسنا، ولكن ما هو المقابل لذلك؟ وما حق الغاسلين في تغيير طبائعنا؟ فالحد الأدنى للأخلاق -إذن- هو المقياس الملائم للمجتمع الرأسمالي الذي ينشد الربح الخاص. وهو الذي يتلاءم مع أهداف التربية التي تجعل رغبات الفرد محور اهتماماتها. وهو مقياس مرن يسمح للناس أن يتعاملوا مع بعضهم البعض كما يرغبون"٣.

стр. 158

ولكن السؤال الذي يواجهه المختصون هو كيف يمكن تحديد "الحد الأدنى" للأخلاق؟ يجيب -وايت- على هذا السؤال بالقول إن رأي الأكثرية هو أن يترك ذلك للفرد نفسه ليقرر مستوى الأخلاق التي سيمارسها. فإذا نوى الوفاء بالوعد، وعدم الأذى وقول الصدق، وفعل الخير وإعطاء الصدقة فله ذلك. وإن أراد أن لا يفعل شيئًا من ذلك فلا ضير عليه ولا لوم. وإذا تعارض مقياس "الحد الأدنى للأخلاق" مع مصلحة الفرد، فله أن يهبط بالحد الأدنى إلى درجة الصفر ولا يفعل فضيلة على الإطلاق. وله أن يخلف وعده، وأن يؤذي غيره، ولا يقول الصدق إذا كان ذلك يخدم مصلحته، ولكن إن كان ذلك يلحق الضرر بسمعته، فله أن يلتزم هذه الفضائل، وإن استطاع النجاة من سوء السمعة، والأذى فله الخيار في ممارسة الأخلاق أو عدم الممارسة. ويضيف -وايت- إن هذه هي النظرية الشائعة في الوقت الحاضر، ويمكن أن تشكل أهداف التربية الأخلاقية في المستقبل عند قطاع كبير من سكان الأرض"١. وهناك رأي آخر يربط بين هدف "إشباع رغبات الفرد"، وبين الأهداف الأخلاقية بما يسميه -الأخلاق الخلاصية Universalistic Morality وهي أن يعيش الفرد من أجل خلاص الآخرين، وهو ما بشرت به المسيحية. ويذكر -جون وايت- إن التربية الشيوعية -هي من هذا النوع مع اختلاف بالطابع. فبدل أن تطبع الأخلاق الخلاصية بالطابع الديني، فإنها تطبعها بطابع مادي غير ديني حيث يصلب الفرد في الدنيا من أجل الجماعة كما تصلب المسيحية المسيح من أجل المجموع، وهذه تربية غير واقعية. وهناك رأي آخر يربط بين "إشباع رغبات الفرد"، وبين التربية الأخلاقية بما يسميه -الأخلاق المحلية المحدودة Concrete Morality حيث يتحلى

стр. 159

الفرد بالأخلاق ضمن مجموعة محدودة كالأسرة، أو الطائفة أو الحي أو الدائرة؛ لأنه لا فكاك له من حسن التعامل معهم. ولكن لا ضرورة لوجود قاعدة أخلاقية للتعامل مع من هم خارج المجموعات المحلية المحدودة١. ولقد كانت ثمار هذه الآراء المتعلقة بتربية الفرد، وتحديد العلاقة بين رغباته وأخلاقه أن صارت المؤسسات التربوية الحديثة تفرز إنسانا لا يتصف بأية ضوابط أخلاقية، ولا مقاييس اجتماعية. وهو -في أحسن أحواله- يكون محايدا أخلاقيا Amoralist أي لا هو إلى جانب الأخلاق، ولا هو ضدها وإنما يتصرف طبقا لما تمليه عليه رغباته، ومصالحه المتلونة الموقوتة، وانطلاقا من هذه المصالح والرغبات قد يكون في موقف مع الأخلاق، وضدها في موقف آخر.

стр. 160

ثالثًا: حصر الإرادة في مستوى الرغبات والشهوات قلنا: إن مستويات الإرادة تتوازى مع مستويات المثل الأعلى المعروض على القدرات العقلية. وحين نطبق هذه القاعدة على التربية الحديثة نجد أن الإرادة فيها تقتصر على مستويين اثنين من المستويات الثلاثة التي أشرنا إليها. أي أن التربية الحديثة تقتصر على تنمية: إرادة الإنسان للغذاء لبقاء الجسم. وإرادة الإنسان للنكاح لبقاء النوع الإنساني. ومن الطبيعي -كما قلنا- أن يتفرع عن هاتين الإرادتين إرادات فرعية كثيرة. ولما كان المستوى الثالث مستوى: - إرادة الإنسان للعقيدة والقيم ليرتقي الإنسان بنوعه -غير موجودة في التربية الحديثة، فإن الإرادات المتفرعة عن هذا المستوى لا تنمو كذلك.

стр. 161

رابعًا: حصر الخبرات بالكونية، والاجتماعية دون الدينية والأخلاقية من الإنصاف أن نقول: أن التربية المعاصرة قد أبدعت في ميدان الخبرات الكونية، وما تفرع عن ذلك من تقدم هائل في ميادين المعرفة الطبيعية، والتطبيقات التكنولوجية. بل إنها في هذا الميدان قد فاقت كل ما تقدم من عصور المعرفة كلها. وهي تتقدم الآن في ميدان الخبرات الاجتماعية، وتنعكس آثار هذا التقدم في علوم الإدارة وعلوم السياسة، وعلم النفس وأمثالها من العلوم الاجتماعية. ولكن اقتصار هذه الخبرات على الميادين الكونية، والاجتماعية قد أفسد ثمراتها وأحالها إلى أدوات شقاء عند قطاعات كبيرة جدا؛ لأن هذا الاقتصار المشار إليه قد فصل الوسائل عن الغايات، التي توفرها الخبرات الدينية والأخلاقية وما يتفرع عنها في حياة الأفراد، والجماعات. ولا يمنع أن نقول: إن الانتباه بدأ يتحول نحو ميدان الخبرات الدينية التي يسميها -ماسلو- بخبرات القمة أو Peak-Experience، وهي يوم ترسخ جذورها وتمتد فروعا سوف تستخرج عناصر الفطرة الطيبة في الإنسان.

стр. 162

خامسا: حصر القدرات بالعقلية والجسدية دون الأخلاقية ومن الإنصاف كذلك أن نقول: أن التربية الحديثة تقدمت تقدما ممتازا في ميدان دراسة القدرات العقلية وتصنيفها، والدراسات المتعلقة بالدماغ والجهاز العصبي، والمجالات التي يمكن توظيف هذه القدرات العقلية فيها بما يناسب الثورة العلمية، والتفجر المعرفي القائم. ومثله أيضا القدرات الجسدية والتعمق في فهمها وتوظيفها، وما يتفرع عن ذلك في ميادين التربية الصحية. ولكن الأزمة ما زالت قائمة في ميدان القدرات الأخلاقية. ونحن نسميها قدرات؛ لأننا نؤمن أن بذور الأخلاق، والقيم موجودة كامنة في

стр. 163

الإنسان كالقدرات العقلية، والقدرات العضلية وأنها بعض مكونات -الوسع- الذي جعل الله التكليف على أساسه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وهي يوم يجري الانتباه عليها ويقوم البحث العلمي، والتربوي في أصولها ووظائفها وأساليب تنيمتها وتوفير بيئاتها. وأهم شروط هذه البيئة هي توفر العدل والحرية ستبرز فضائل الإنسان، وتتكامل مع بقية مزاياه التي تفرد بها المخلوقات، والتي قرر الله سبحانه أنه يعلم عن وفرتها وسموها ما لا تعلمه الملائكة، الذين لم يروا في الإنسان إلا جانب التخلف، وما ينتج عنه من إفساد في الأرض وسفك للدماء.

стр. 164

الفصل الثالث عشر: أزمة تربية الفرد في المؤسسات التربوية القائمة في الأقطار العربية والإسلامية لا يمثل الفرد الذي تخرجه المؤسسات التربوية الإسلامية النموذج الإسلامي الذي استعرضنا مواصفاته التي مرت. كذلك لا يمثل الفرد -الذي تخرجه المؤسسات التربوية الحديثة في الأقطار العربية، والإسلامية- النموذج الذي تخرجه مثيلاتها في الأقطار الأوربية والأمريكية. وهذا يعني أن هناك مشكلة قائمة في كلا النوعين من المؤسسات التربوية. أما مظاهر هذه المشكلة فهي كما يلي: أ- مظاهر الأزمة في المؤسسات التربوية الإسلامية التقليدية: من الواضح أن ثمرة التطبيقات التربوية الجارية في المؤسسات التربوية الإسلامية التقليدية -فيما يتعلق بتربية الفرد- تقصر كثيرًا عن المستوى الذي كانت تخرجه مثيلاتها في عصور الازدهار. كذلك ليس لدى هذه المؤسسات صورة واضحة عن -نموذج الإنسان- الذي يجب إخراجه في ضوء المواصفات التي مر شرحها عن شخصية "الفرد الصالح-المصلح". ويمكن القول أن الأزمة المذكورة تتركز في ما يلي: ١- انحسار مفهوم "العمل الصالح"، وحصره في ميادين العبادة، والأخلاق الفردية: صحيح إن هذا الانحسار قد حدث منذ قرون، وهو بعض نتائج الانشقاق الذي حدث بين العلوم الدينية، وبين العلوم الطبيعية والاجتماعية في

стр. 165

الحضارة الإسلامية١. ولكن المؤسسات التربوية الحاضرة تسلمت هذا المفهوم دون مراجعة أو تقويم، وأقامت عليه مناهجها، ونشاطاتها الأمر الذي أفرز عدة نتائج سلبية أهمها: النتيجة الأولى، إخراج إنسان فاقد المهارات اللازمة للحياة الحديثة عاجزا عن المشاركة فيها إلا ما كان من الوظائف الدينية كالوعظ، والإمامة والتدريس. وحين أحس بهذا العجز وصار جزءا من ثقافته نسبه إلى الإرادة الإلهية مما تسبب في شيوع الجبرية، والكسل وما ينتج عنهما من مضاعفات. والنتيجة الثانية، حصر المثل العيا في السلوك الفردي دون الجماعي، ولذلك صار الفرد المسلم المعاصر لا يستجيب للنظام، ولا يهتم بشئون الآخرين في الدائرة والشارع وقيادة السيارة، وركوب وسائل المواصلات وغير ذلك. وهو يعيش هذا التناقض بين السلوك الفردي، والعلاقات الاجتماعية وهو يمارس الشعائر الدينية كالصلاة والحج، إذ تراه في الوقت الذي يندفع لممارسة الشعار، فإنه لا يتورع عن مزاحمة الضعفاء، وكبار السن والنساء وإيذائهم. وهذه ظاهرة انسحبت على حياة المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وجعلت منها نموذجا غير صالح للإسلام عند من يتعامل مع هذه المجتمعات من غير المسلمين. والنتيجة الثالثة، العناية بـ"الأهداف العامة" وإهمال "الأهداف التعليمية"، أو نقول العناية بـ"الغايات" وإهمال "الوسائل". وبذلك صارت الأهداف مثاليات غير قابلة للتطبيق. والنتيجة الرابعة، تشويه معاني المصطلحات المتعلقة بمظاهر "العمل الصالح" وإخراجها من ميادين الحياة الاجتماعية وعن مدلولاتها الأصلية. فمثلا انقلب معنى "الصبر"، فصار صبرا على المرض والجهل والفقر والظلم

стр. 166

والهزيمة والتخلف، بعدا أن كان صبرا على مواجهة التحديثات ومقارعة الشر ورد العدوان، وإرهاق العمل وعلاج الأمراض المختلفة. وانقلب معنى "الزهد" فصار عجزا عن العمل وقعودا عنه، ورضى بالفقر والضعف والهوان بعد أن كان زهد الأغنياء والأقوياء بالثروة والجاه في سبيل المثل الأعلى. وانقلب معنى "التوكل" فصار تبريرا للارتجالية، والفوضى وعدم الإعداد وإضاعة الوقت والمقدرات، بعد أن كان ثباتا وإصرارا بعد استكمال الاستعداد والتخطيط. وانقلب معنى "التسليم للمشيئة الإلهية"، فصار تبريرا للتراخي وعدم الإنجاز، بعد أن كان تصميما على مواجهة المصاعب واستهانة بكافة العقبات ما عدا مشيئة الله. والنتيجة الخامسة، أن حصر مفهوم "العمل الصالح" في الميادين الدينية أدى إلى إهمال المؤسسات التربوية للقدرات التسخيرية، والخبرات المربية مما أفرز أفرادا يفتقرون إلى القدرات، والمهارات التي يتطلبها العصر. ٢- غموض نموذج "المثل الأعلى": لا تقدم المؤسسات والنظم التربوية الإسلامية التقليدية نموذج المثل الأعلى الذي يتفق مع الأصول الأولى في القرآن، والسنة ويلائم حاجات الحاضر وتحدياته. ولكنها تكتفي بعرض صور منتقاة من "المثل العليا" التي أفرزها "فقه الآباء" في العصور المختلفة، وأحيانا تكتفي بمدح هذه النماذج دون عرض لتفاصيلها أو إيصال الدارس بمصادرها. ويصاحب هذا العرض انتقاص مما تراه وتعتبره "مثل سوء" تقوم خارج المنطقة الإسلامية في الحاضر. وتكون النتيجة لذلك عزل المتعلم عن الحاضر، وإحساسه بالنقص إزاء الماضي مما يورثه العجز والاغتراب. ويزيد في حدة المشكلة المشار إليها أن البيئات المحلية الخانقة للحرية المثقلة بـ"آصار" الموروثات الاجتماعية والآبائية الثقافية، المكبلة بـ"أغلال" القيم السياسية والإدارية السلطوية تفرز قدرات عقلية قاصرة، مشوهة التكوين.

стр. 167

ويعزز هذه الآثار السلبية أساليب التربية القائمة على إلقاء التعميمات النظرية من وجهة نظر واحدة يقتصر إلقاء المعلومات، وتلقين المعتقدات المختلفة من وجهة نظرة واحدة قائمة -على التعضية والانتفاء والتبرير والإلزام- دون أن يسهم المتعلم بشيء من التحليل أو المناقشة١. لذلك كله يكون نمط الشخصية التي تخرجها هذه المؤسسات هي -الشخصية المقبولة، أي التي تصب في قالب جامد م التفكير والسلوك، ولا تخرج عن هذا القالب إلا في حالات نادرة يكون سببها تعرض صاحبها لتأثيرات ثقافية تهزه هزا عنيفا، وحين يكون لديه القدرات العقلية العالية التي تمكنه من تحطيم قوالب الجمود والآبائية. ب- مظاهر الأزمة في المؤسسات التربوية الحديثة: تعاني المؤسسات التربوية الحديثة في الأقطار العربية، والإسلامية من نفس المشكلة التي تعاني منها المؤسسات الإسلامية التقليدية، ولكن مع اختلاف في الأعراض والمضاعفات، ويمكن القول أن الأزمة المذكورة تتركز فيما يلي: ١- حصر مفهوم "العمل الصالح" في القدرات والمهارات المادية: قامت المؤسسات التربوية الحديثة -في الأصل- لتعالج النقص الذي تعاني منه المؤسسات الإسلامية التقليدية، وهو العجز في ميدان -القدرات التسخيرية، غير أن قيامها بهذا الشكل لم تصحبه دراسات تشخيصية لعلاج الوضع التربوي برمته، وإنما كان قيامها رد فعل انفعاليا أحدثه الإحساس

стр. 168

بالنقص في ميدان العلوم الطبيعية والإدارية والعسكرية. لذلك قفزت هذه المؤسسات إلى الطرف المقابل للمؤسسات الإسلامية واعتنت بـ -القدرات التسخيرية- عناية أهملت بسببها -الإرادة العازمة النبيلة- التي تتولد من تزاوج القدرات العقلية مع المثل الأعلى. فإذا كانت المؤسسات الإسلامية التقليدية قد حصرت مفهوم -العمل الصالح- في الأخلاق الفردية، فإن مؤسسات التربية الحديثة قد حصرته بـ -القدرات والمهارات- المادية. ولذلك جاء الطابع العام لشخصية الخريج من هذه المؤسسات نموا في جانب القدرات، والمهارات وعجزا في الجانب الإرادي أي بعكس ما هو قائم في المؤسسات التربوية الإسلامية. ولقد ترتب على هذه الجزئية في مفهوم "العمل الصالح" عدة نتائج سلبية أهمها: النتيجة الأولى، إن حصر "العمل الصالح" في المؤسسات الحديثة بالقدرات، والمهارات وانحساره من ميادين الإرادة العازمة النبيلة أدى إلى انفلات الخريجين الأخلاق ومعايير القيم، وما ينتج عن ذلك من مضاعفات. والنتيجة الثانية، إن حصر "العمل الصالح" -وهو هنا "العمل الناجح" في المهارات والقدرات المادية، وانحساره من ميادين الأخلاق والقيم والعقيدة أدى إلى ضعف انتماء الخريج الحديث لتاريخه وحضارته. وصار يبحث عن "مثل أعلى" من خارج أصوله وثقافته. ولقد فتح هذا البحث الباب لنماذج عديدة من "المثل السوء"، التي كانت تشيع في عقود مختلفة في الساحة الأوربية من أمثال القومية، والوطنية والشيوعية وغيرها. والنتيجة الثالثة، إن حصر "العمل الصالح" في القدرات والمهارات المادية أدى إلى العناية "بالأهداف التعليمية" وإهمال "الأهداف العامة". أو نقول أدى إلى العناية "بالوسائل" وإهمال "الغايات"ز وبذلك صارت الوسائل بدون غايات إلا ما تمليه الأهواء الموقوتة، والعصبيات المحلية والأيديولوجيات الوافدة، ونماذج القدوة المستوردة.

стр. 169

٢- اضطراب مفهوم "المثل الأعلى": لا يوجد للمؤسسات التربوية الحديثة في الأقطار العربية والإسلامية مصدر محدد للمثل الأعلى. ومعنى المصدر المحدد أنها ليس لها التزام واضح واع بالعقيدة الإسلامية، ولا بمدرسة فكرية عميقة التصور للحياة المعاصرة. وإنما هي تقلد في هذا المجال طبقا لأماكن دراسة العاملين فيها، أو طبقا للتيار العام الذي تزجيه -في فترات مختلفة- الأنظمة السياسية والمؤسسات الإعلامية على المستوى المحلي والعالمي. ففي فترة ما بشرت بـ"القومية" و"الوطنية" وفي فترة أخرى بشرت بـ"التقدمية" و"الاشتراكية" مع خليط مضطرب من "مثل" الجاهلية العربية القديمة، ومثل "الإقليمية" و"إشباع رغبات الفرد". وغير ذلك. وساعد على هذا الاضطراب المذكور إن المؤثرات الاجتماعية، والثقافية في البيئة الحاضرة تؤثر نفس التاثير الذي ذكرناه عن المؤسسات الإسلامية التقليدية، كما إن الأساليب القائمة على الإلقاء، والإلزام هي نفس الأساليب التي أشرنا إليها كذلك، والتي تحول دون حرية الفكر وتعدد الخبرات. لذلك يكون نمط الشخصية التي تخرجها هذه المؤسسات هي مزيج من "الشخصية البوهيمية" و"الشخصية المقولبة" التي تعاني من العجز وفقدان الهوية. ويقوم إلى جانب النظم والمؤسسات التربوية التقليدية، والحديثة مؤسسات وجماعات، وفئات تمارس أدوارًا من التربية الموازية كالسينما والتلفزيون والصحافة، والأحزاب والجمعيات، والمساجد والزوايا الصوفية والأسر والعائلات العشائرية، وهي تعاني من نفس المشكلات التي مر ذكرها، وتزيد في الارتجالية والعشوائية والآبائية، والتربية فيها تقدم نماذج مفككة غير مترابطة، مختلفة غير متجانسة. ولقد أفرز هذا الوضع التربوي المختلط اختلاطا في اتجاهات الأجيال، وأفرز مضاعفات الانقسام، والاضطراب الذي يميز الحياة المعاصرة في الأقطار العربية والإسلامية.

стр. 170

الباب الثالث: إخراج الأمة المسلمة مقدمة: إخراج الأمة المسلمة هو الهدف الثاني من أهداف التربية الإسلامية. وما لم توجه العناية إلى بلورة هذا الهدف، وتربية -إنسان التربية الإسلامية- عليه فإن الجهود التي تبذل لتحقيق الهدف الأول: هدف تربية الفرد المسلم لن تكون ذات قيمة؛ لأن الأفراد الصالحين -المصلحين هم عنصر واحد من عناصر تتفاعل لتجسد -الأمة المسلمة- في بناء اجتماعي واقعي يلبي الحاجات والتحديات القائمة. وإلى هذا البناء كانت الإشارة في الحديث النبوي القائل: "المؤمن للؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا" ١. و"المؤمنون في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى" ٢. وكما أن البنيان المرصوص ليس كومة من الحجارة، وإنما هو جدر متينة من الحجارة المصقولة المشدودة بعضها إلى بعض بالإسمنت، والحديد حسب قوانين هندسة البناء، وعدد الأعمدة، والجسور والعقود، وعمق الأساس، وسمك الجدار، ومقدار الارتفاع، وظروف المناخ المحيط. وكما أن الجسد لا يتداعى أعضاؤه بالسهر، والحمى للعضو المصاب

стр. 171

إلا إذا كان يغذي الجسد قلب نابض بالحياة، ويدبر أموره دماغ سليم، وأجهزة معافاة للهضم والتنفس، وشبكة نشطة من الشرايين والأوردة والأعصاب، ويغذيه دم نقي متوازن التركيب والعناصر. فكذلك الأمة ليست أكواما بشرية -صالحة أو غير صالحة- وإنما هي نسيج اجتماعي تحكمه سنن الله، وقوانينه في بناء الأمم وصحتها ومرضها ووفاتها، وتتلاحم فيه مكونات الأمة، وتعمل متكاملة بحيث يكون حصيلة هذا كله إخراج الأمة المسلمة، وقيامها بوظائفها طبقا لحاجات الزمان والمكان. وتتكامل المرحلتان -مرحلة تربية الفرد المسلم، ومرحلة إخراج الأمة المسلمة- بحيث تكون الأولى مقدمة للثانية، ولا تغني واحدة دون الأخرى. ولذلك كان التركيز في المرحلة المكية على تربية الفرد المسلم، أن الإنسان الصالح -المصلح، بينما كان إخراج الأمة المسلمة هو محور العملية التربوية في المرحلة المدنية. غير أن البحث في المصادر الإسلامية يكشف أن لـ"الأمة" في التاريخ الإسلامي مفهومين: مفهوم نظري في القرآن والسنة، وهو مفهوم يقدم النموذج الذي يجب أن تكون عليه الأمة، وقد اخترت في هذا البحث أن أطلق عليه اسم "الأمة المسلمة". ومفهوم عملي يمثله كيان "الأمة" الذي برز عبر العصور الإسلامية ابتداء من عصر الرسول ﷺ حتى الوقت الحاضر، وقد اخترت أن أطلق عليه اسم "الأمة الإسلامية". وتبين وقائع التاريخ أن المفهوم العملي للأمة قد تطابق مع المفهوم النظري لزمن معين -هو عصر الرسول، وعصر الخليفتين أبي بكر وعمر- ثم أخذ في الابتعاد تدريجيا، حتى انتهى إلى مخالفته تماما مثبتا بذلك ما أخبر به الرسول ﷺ حين قال:

стр. 172

- "تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، وأن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما" ١. - "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". "قال عمران راوي الحديث: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة"، "ثم إن بعد قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن" ٢. وهذا يعني -بشهادة رسول الله ﷺ أن "الأمة الإسلامية" لم تكن طوال التاريخ "أمة مسلمة" راشدة، وإنما أخذت -منذ وقت مبكر- بالانحراف عن نموذج الأمة في القرآن والسنة حتى خالفته تماما، وإن مؤسسات التربية الإسلامية في العصور التي تلت عصر النبوة، والخلافة الراشدة تركت -أو أجبرت على ترك- "فقه" إخراج الأمة المسلمة، وما يتطلبه هذا الإخراج من نظم وتشريعات ومؤسسات تقي الأمة من التسلط، وتحميها من عوامل المرض وأخطاء الوفاة. ثم نسيت هذا الهدف، ثم انحسرت لتقتصر على تربية الفرد الصالح -غير المصلح الذي يهيأ منذ الطفولة للانتقال إلى الآخرة دون التدرب على عبور محطة الدنيا. وهذا النموذج في التربية هو الذي ورثته مؤسسات التربية الإسلامية في العصور الحديثة، حيث ما زالت هذه المؤسسات تعمل على أساس أنه: "إذا صلح الفرد صلحت الأمة"، وما زالت مؤسسات التربية الإسلامية التقليدية، والحركات العاملة في ميدان العمل الإسلامي تتقبل هذه المقولة، وتتعامل معها وكأنها آية من آيات الكتاب، وليس كفرضية من الفرضيات البشرية التي قد تثبت، أو لا تثبت بالاختبار والتجريب في مختبر الآفاق والأنفس. فكانت النتيجة العملية لهذه الممارسات التربوية الخاطئة هي تكدس الأفراد المسلمين في أكوان بشرية ليس لديها علوم محددة عن "فقه" بناء الأمم

стр. 173

وتنسيق المقدرات البشرية والمادية. ولذلك أصبحت لعبة سهلة بأيدي قوى الاحتلال الخارجي، التي ما زالت تصنع من شظايا الأمة المسلمة المتوفاة مزقًا من الكيانات المهيضة التي تطلق عليها اسم -الأمم الإسلامية- وتحدد لها "جنسياتها" و"ثقافاتها" ومحاور "الولاء" فيها طبقا لنظريات عصبية مختلفة، وتصمم لها تطبيقاتها الخاوية الضعيفة في شئون السياسة، والإدارة والاجتماع. والمحصلة النهائية لجهل المؤسسات التربوية الإسلامية بإخراج الأمة المسلمة هي أن هذه المؤسسات ما زالت تعمل على إعداد أفراد صالحين -غير مصلحين لتقذف بهم إلى بيئات غير صالحة حيث تدخل فضائلهم الفردية في صراع مع علاقات اجتماعية غير فاضلة، إلى أن ينتهي بهم الأمر إلى الازدواجية في السلوك وإلى التلاؤم، والتآكل ثم الوقوع ضحية والانفعالات، والانفجارات التلقائية، والجهاد المرتجل أو المصطنع الذي كثيرا ما ينتهي إلى الانتحار الاجتماعي١، أو السحق تحت ضغط الإحباطات والنكسات دون أن ينتبه أحد إلى أن المطلوب هو "فقه" جديد -أو علم جديد- يتكامل فيه علم إخراج الأمة المسلمة، وعوامل صحتها ومرضها وموتها، وبعثها إلى آخر ما يتعلق بها. لكل ذلك أصبحت الحاجة ماسة وشديدة إلى استكشاف -فقه إخراج الأمة المسلمة- وبلورة أصوله، وتنبيه الباحثين الإسلاميين إلى دخول ميدانه في ضوء الغايات العليا التي ترشد إليها توجيهات القرآن الكريم، والسنة الشريفة والشئون المتجددة في الآفاق والأنفس. وهذا ما هدفت إلى الإسهام فيه الفصول التالية من هذا الباب.

стр. 174

الفصل الرابع عشر: مفهوم الأمة المسلمة ١- معنى الأمة: الأمة مصطلح من المصلحات التي ولدت بميلاد الرسالة الإسلامية مثل مصطلح "الصلاة" و"الزكاة" و"الإيمان" و"الإسلام" و"الكفر" و"النفاق" وهكذا. والأمة تعني -لغويًّا- الجماعة من الناس التي تؤم جهة معينة١. وأما المعنى -الاصطلاحي، فقد تكررت الإشارة إليه في القرآن، والحديث ليدل على معان عديدة أهمها: المعنى الأول، ورد مصطلح "الأمة" ليدل أن الأمة هي: إنسان + رسالة. و"الرسالة" هنا هي مثل أعلى يقدم النموذج الأمثل للجوانب الخيرة في سلوك الفرد، والجماعة ليأتم به الناس ويسعدوا، ويقدم الصورة الشاملة للجوانب الشريرة ليتجنبها الناس ويسلموا من آثارها. ويشير القرآن الكريم إلى هذه -الرسالة في مواضع عديدة باسم- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما عن "الإنسان" فقد يكون فردا واحدا مثل الإشارة إلى إبراهيم ﵇ عند قوله تعالى:

стр. 175

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النمل: ١٢٠] . ومثل قوله ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: "يبعث أمة وحده"؛ لأنه لم يشرك في دينه شيئا١. ومثل قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه فروة الأشجعي حين قال: كنت جالسا مع ابن مسعود فقال: إن معاذًا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين. فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ . فأعاد قوله: إن معاذا. فلما رأيته أعاد عرفت أنه تعمد الأمر فسكت. فقال: أتدري ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم! قال: الأمة الذي يعلم الخير ويؤتم به ويقتدى. والقانت: المطيع لله. وكان معاذ بن جبل ﵁ معلما للخير مطيعا لله ورسوله٢. وقد يكون -الإنسان- جماعة من العلماء الدعاة الذين يحملون رسالة إصلاحية مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] . وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . وقد يكون -الإنسان- طائفة أو قبيلة لها معتقدها، ونهجها مثل قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] .

стр. 176

وقوله أيضا: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . وقد يكون -الإنسان- جيلا له فكر واحد ولون حضاري واحد مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤، ١٤١] . وقوله ﷺ في جيل الصحابة الذي رباه: "إن لكل أمة أجلًا، وإن لأمتي مائة سنة، فإذا مرت على أمتي مائة سنة أتاها ما وعدها الله"١. وقد يكون -الإنسان- مجموعة متميزة بالتزامها مثل الرسالة ومبادئها. مثل قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: ١١٠] . وبسبب هذا التميز قال عمر بن الخطاب عند ذكر هذه الآية: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا! وفي تفسيرها قال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة٢! وقد يتسع مفهوم -الإنسان- حتى يشمل الإنسانية كلها إذا اجتمعت على فكرة واحدة ومنهاج واحد. مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] . ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] . والمعنى الثاني، فقد ورد مصطلح "أمة" ليعني -منهاج حياة- وما يتضمنه هذا المنهاج من معتقدات، وقيم وممارسات وتقاليد مثل قوله تعالى:

стр. 177

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] . والمعنى الثالث، فقد ورد مصطلح "أمة" ليعني -فترة زمنية- مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] . ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨] . والمعنى الرابع، حيث ورد مصطلح "أمة" ليعني مجموعة من الناس لها مهنة واحدة. مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] . والمعنى الخامس، حيث ورد مصطلح "أمة" ليشير إلى المخلوقات الأخرى من الحيوانات والطيور، والحشرات التي تنتمي إلى جنس واحد. مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ولقد كشف علم الحيوان إن لكل نوع منه لغة تخاطب، وتقاليد في العمل والقيادة، ونمطا في الاجتماع وأسلوبا في الحياة. ولقد تكرر شرح مصلح "الأمة" عند بعض المفسرين ليشير إلى المعاني التي مرت. فهو عند الطبري: "الجماعة والقرن من الناس"١. وهو "دين وملة"٢. وهو "الناس كانوا على دين واحد فاختلفوا" وهو "الإمام يقتدى به في الخير"٣. وهو "الأجل المحدود أو مجيء أمة وانقراض أخرى"٤. وهو "الطريقة: أي كنتم خير أهل طريقة"٥. مما مر كله يمكن الخروج بالملاحظات التالية حول مفهوم "الأمة"

стр. 178

ومعناه: الملاحظة الأولى، إن المعنى الاصطلاحي المتكامل لـ"الأمة" يتضمن عناصر أربعة: الأول، العنصر البشري، والثاني، العنصر الفكري. والثالث، العنصر الاجتماعي. والرابع، العنصر الزمني. فالأمة مجموعة من الناس تحمل رسالة حضارية نافعة للإنسانية، وتعيش طبقا لمبادئ هذه الرسالة. وتظل تحمل صفة -الأمة- ما دامت تحمل هذه الصفات. أما حين تفقدها فقد يطلق عليها اسم "الأمة"، ولكنها لن تكون النموذج الإسلامي للأمة تماما، كما يطلق اسم "دين" على أن دين، ولكن الدين المقبول عند الله هو الإسلام. والملاحظة الثانية، إن العنصر الرئيسي في مفهوم الأمة هو عنصر -الرسالة- أي العطاء الذي تقدمه جماعة من الناس إلى بقية مجموعات الإنسانية ليساعد على بقاء النوع البشري ورقيه. والملاحظة الثالثة، لا يشترط في العنصر البشري -أو المكون الأول للأمة- الروابط الدموية، أو الجغرافية، ولا الكم العددي. فقد يكون هذا العنصر فردًا واحدًا، وقد يكون فئة أو جماعة أو جيلا، أو أجيالا أو الإنسانية كلها ما دامت تحمل رسالة، ويوحدها فقه شامل لهذه الرسالة وتطبيقات فاعلة تنتج عنها نظم، وتطبيقات حضارية في ميادين الحياة المختلفة تسهم في بقاء النوع البشري ورقيه. والملاحظة الرابعة، إن الأمة تتدرج في نشأتها، ونموها كتدرج نمو الجسد الإنساني فكما يبدأ الجسد نطفة، ثم علقة ثم يولد طفلا ثم يصبح صبيا، ثم يقوى شابا ثم يبلغ رجلا ثم يعود شيخا، وكما إن الإنسان الكامل هو الذي يبلغ النضج الجسدي والنفسي، والعقلي ويقوم بوظائفه كاملة. فكذلك الأمة تبدأ فردا واحدا، ثم تصير مجموعة صغيرة ثم قوما ثم شعبا حتى تنتهي بالدائرة الإنسانية كلها. والأمة الراشدة هي التي تبلغ درجة الرشد الحضاري والنوعي، وأبرز شارات هذا النضج هو حمل رسالة الدعوة للخير بمعناه الواسع وإشاعته، والنهي عن المنكر بمعناه الواسع ومحاربته.

стр. 179

والملاحظة الخامسة، إن الأمة الراشدة لا ينال من وحدتها تنوع الشعوب، والقبائل فيها ولا اختلاف الألوان والمهن والأماكن ما دامت هذه التنوعات لا تخرج عن وظيفتها في تسهيل التعارف، وما دامت ولاءاتها تدور في فلك الرسالة وحده، ولا تدور في فلك الأشخاص والأشياء، وما دام يعمل هذا التنوع كما يعمل التنظيم الإداري القائم على الوحدة في الغاية، والتنوع في الاختصاصات والوسائل. والملاحظة السادسة، إن الأمة كيان صناعي يمكن بناؤه وهدمه. فهي تخرج إخراجا للقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الإخراج يقتضي منها بذل الجهد، والمقدرات لتطوير المؤسسات التربوية والإدارية للقيام بالدراسة والتخطيط المستمر لإحكام تطوير الأمة، وإخراجها بما تتطلبه وظيفتها حسب حاجات الزمان والمكان. وإلى إخراج هذه المؤسسات كان التوجيه الإلهي، مثل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . والملاحظة السابعة، إن استمرار الأمة في الحياة مرهون باستمرار حملها للرسالة، وما يتفرع عنها من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة. فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة، أو توقفت فاعليتها أو تقلصت تطبيقاتها انتهى وجود الأمة وحل محلها أمة أخرى لا علاقة لها بسابقتها، وإن ربطتها بها روابط الدم والأرض واللغة والثقافة، وهذا ما فهمه كبار الصحابة الذين عايشوا بدء الرسالة وتطبيقاتها من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . ولقد كان الخليفة عمر حريصا على تأكيد هذا الفهم، والتصور عن الأمة المسلمة حين قال في شرح الآية المذكورة:

стр. 180

"لو شاء الله لقال: أنتم، فكنا كلنا. ولكن قال: "كنتم" في خاصة من أصحاب رسول الله ﷺ ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وفي مناسبة أخرى قال: "كنتم خير أمة أخرجت للناس"، تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا. وفي حجة حجها قرأ هذه الآية ثم قال: يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها. وعن ابن عباس في تفسير الذين هم خير أمة أخرجت للناس، قال: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. وعن أبي هريرة في تفسير الآية المذكورة: كنتم خير الناس للناس تجيئون بهم في السلاسل تدخلونهم في الإسلام١. ليدخلوا الجنة. والملاحظة الثامنة، إن سعة دائرة الأمرة يحددها -مدى التواصل والاتصال- الذي تحدده تكنولوجيا العصر. فحين كان الإنسان يسير على قدميه، ويتواصل مشافهة مع بني جنسه تحددت دائرة الأمة بالحدود الجغرافية، التي أمكنه التحرك داخلها. وحين ركب الحمير، والخيل اتسعت الدائرة لتشمل أكثر من قريته، وحين اكتشف العربات التي تجرها الخيول ورموز الكلمات والكتابة ازدادت سعة دائرة الأمة لتشمل القارة حتى إذا وقف على عتبة ركوب الفضاء، والتواصل بالتلكس والتلفون والفاكس رسمت الرسالة الإسلامية للأمة دائرة تتسع للإنسانية كلها. ويرتبط بهذا التطور الجغرافي لسعة رقعة الأمة تطور اجتماعي مواز يوسع دائرة القيم في كل طور فينقلها من القيم الأسرية إلى القبلية ثم
следующие страницы →