← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقوله أيضا: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . وقد يكون -الإنسان- جيلا له فكر واحد ولون حضاري واحد مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤، ١٤١] . وقوله ﷺ في جيل الصحابة الذي رباه: "إن لكل أمة أجلًا، وإن لأمتي مائة سنة، فإذا مرت على أمتي مائة سنة أتاها ما وعدها الله"١. وقد يكون -الإنسان- مجموعة متميزة بالتزامها مثل الرسالة ومبادئها. مثل قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ [آل عمران: ١١٠] . وبسبب هذا التميز قال عمر بن الخطاب عند ذكر هذه الآية: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا! وفي تفسيرها قال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة٢! وقد يتسع مفهوم -الإنسان- حتى يشمل الإنسانية كلها إذا اجتمعت على فكرة واحدة ومنهاج واحد. مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] . ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] . والمعنى الثاني، فقد ورد مصطلح "أمة" ليعني -منهاج حياة- وما يتضمنه هذا المنهاج من معتقدات، وقيم وممارسات وتقاليد مثل قوله تعالى:

стр. 177

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] . والمعنى الثالث، فقد ورد مصطلح "أمة" ليعني -فترة زمنية- مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] . ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨] . والمعنى الرابع، حيث ورد مصطلح "أمة" ليعني مجموعة من الناس لها مهنة واحدة. مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] . والمعنى الخامس، حيث ورد مصطلح "أمة" ليشير إلى المخلوقات الأخرى من الحيوانات والطيور، والحشرات التي تنتمي إلى جنس واحد. مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ولقد كشف علم الحيوان إن لكل نوع منه لغة تخاطب، وتقاليد في العمل والقيادة، ونمطا في الاجتماع وأسلوبا في الحياة. ولقد تكرر شرح مصلح "الأمة" عند بعض المفسرين ليشير إلى المعاني التي مرت. فهو عند الطبري: "الجماعة والقرن من الناس"١. وهو "دين وملة"٢. وهو "الناس كانوا على دين واحد فاختلفوا" وهو "الإمام يقتدى به في الخير"٣. وهو "الأجل المحدود أو مجيء أمة وانقراض أخرى"٤. وهو "الطريقة: أي كنتم خير أهل طريقة"٥. مما مر كله يمكن الخروج بالملاحظات التالية حول مفهوم "الأمة"

стр. 178

ومعناه: الملاحظة الأولى، إن المعنى الاصطلاحي المتكامل لـ"الأمة" يتضمن عناصر أربعة: الأول، العنصر البشري، والثاني، العنصر الفكري. والثالث، العنصر الاجتماعي. والرابع، العنصر الزمني. فالأمة مجموعة من الناس تحمل رسالة حضارية نافعة للإنسانية، وتعيش طبقا لمبادئ هذه الرسالة. وتظل تحمل صفة -الأمة- ما دامت تحمل هذه الصفات. أما حين تفقدها فقد يطلق عليها اسم "الأمة"، ولكنها لن تكون النموذج الإسلامي للأمة تماما، كما يطلق اسم "دين" على أن دين، ولكن الدين المقبول عند الله هو الإسلام. والملاحظة الثانية، إن العنصر الرئيسي في مفهوم الأمة هو عنصر -الرسالة- أي العطاء الذي تقدمه جماعة من الناس إلى بقية مجموعات الإنسانية ليساعد على بقاء النوع البشري ورقيه. والملاحظة الثالثة، لا يشترط في العنصر البشري -أو المكون الأول للأمة- الروابط الدموية، أو الجغرافية، ولا الكم العددي. فقد يكون هذا العنصر فردًا واحدًا، وقد يكون فئة أو جماعة أو جيلا، أو أجيالا أو الإنسانية كلها ما دامت تحمل رسالة، ويوحدها فقه شامل لهذه الرسالة وتطبيقات فاعلة تنتج عنها نظم، وتطبيقات حضارية في ميادين الحياة المختلفة تسهم في بقاء النوع البشري ورقيه. والملاحظة الرابعة، إن الأمة تتدرج في نشأتها، ونموها كتدرج نمو الجسد الإنساني فكما يبدأ الجسد نطفة، ثم علقة ثم يولد طفلا ثم يصبح صبيا، ثم يقوى شابا ثم يبلغ رجلا ثم يعود شيخا، وكما إن الإنسان الكامل هو الذي يبلغ النضج الجسدي والنفسي، والعقلي ويقوم بوظائفه كاملة. فكذلك الأمة تبدأ فردا واحدا، ثم تصير مجموعة صغيرة ثم قوما ثم شعبا حتى تنتهي بالدائرة الإنسانية كلها. والأمة الراشدة هي التي تبلغ درجة الرشد الحضاري والنوعي، وأبرز شارات هذا النضج هو حمل رسالة الدعوة للخير بمعناه الواسع وإشاعته، والنهي عن المنكر بمعناه الواسع ومحاربته.

стр. 179

والملاحظة الخامسة، إن الأمة الراشدة لا ينال من وحدتها تنوع الشعوب، والقبائل فيها ولا اختلاف الألوان والمهن والأماكن ما دامت هذه التنوعات لا تخرج عن وظيفتها في تسهيل التعارف، وما دامت ولاءاتها تدور في فلك الرسالة وحده، ولا تدور في فلك الأشخاص والأشياء، وما دام يعمل هذا التنوع كما يعمل التنظيم الإداري القائم على الوحدة في الغاية، والتنوع في الاختصاصات والوسائل. والملاحظة السادسة، إن الأمة كيان صناعي يمكن بناؤه وهدمه. فهي تخرج إخراجا للقيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الإخراج يقتضي منها بذل الجهد، والمقدرات لتطوير المؤسسات التربوية والإدارية للقيام بالدراسة والتخطيط المستمر لإحكام تطوير الأمة، وإخراجها بما تتطلبه وظيفتها حسب حاجات الزمان والمكان. وإلى إخراج هذه المؤسسات كان التوجيه الإلهي، مثل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . والملاحظة السابعة، إن استمرار الأمة في الحياة مرهون باستمرار حملها للرسالة، وما يتفرع عنها من تطبيقات في مجالات الحياة المختلفة. فإذا ضعفت عن حمل هذه الرسالة، أو توقفت فاعليتها أو تقلصت تطبيقاتها انتهى وجود الأمة وحل محلها أمة أخرى لا علاقة لها بسابقتها، وإن ربطتها بها روابط الدم والأرض واللغة والثقافة، وهذا ما فهمه كبار الصحابة الذين عايشوا بدء الرسالة وتطبيقاتها من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ . ولقد كان الخليفة عمر حريصا على تأكيد هذا الفهم، والتصور عن الأمة المسلمة حين قال في شرح الآية المذكورة:

стр. 180

"لو شاء الله لقال: أنتم، فكنا كلنا. ولكن قال: "كنتم" في خاصة من أصحاب رسول الله ﷺ ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وفي مناسبة أخرى قال: "كنتم خير أمة أخرجت للناس"، تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا. وفي حجة حجها قرأ هذه الآية ثم قال: يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها. وعن ابن عباس في تفسير الذين هم خير أمة أخرجت للناس، قال: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. وعن أبي هريرة في تفسير الآية المذكورة: كنتم خير الناس للناس تجيئون بهم في السلاسل تدخلونهم في الإسلام١. ليدخلوا الجنة. والملاحظة الثامنة، إن سعة دائرة الأمرة يحددها -مدى التواصل والاتصال- الذي تحدده تكنولوجيا العصر. فحين كان الإنسان يسير على قدميه، ويتواصل مشافهة مع بني جنسه تحددت دائرة الأمة بالحدود الجغرافية، التي أمكنه التحرك داخلها. وحين ركب الحمير، والخيل اتسعت الدائرة لتشمل أكثر من قريته، وحين اكتشف العربات التي تجرها الخيول ورموز الكلمات والكتابة ازدادت سعة دائرة الأمة لتشمل القارة حتى إذا وقف على عتبة ركوب الفضاء، والتواصل بالتلكس والتلفون والفاكس رسمت الرسالة الإسلامية للأمة دائرة تتسع للإنسانية كلها. ويرتبط بهذا التطور الجغرافي لسعة رقعة الأمة تطور اجتماعي مواز يوسع دائرة القيم في كل طور فينقلها من القيم الأسرية إلى القبلية ثم

стр. 181

القومية ثم العرقية ثم العالمية. وإلى هذا التدرج في الاتساع كانت الإشارة النبوية في أن كل رسول بعث إلى قومه، وأنه ﷺ بعث إلى الناس كافة. ولكن المشكلة في التطور المشار إليه أن البشرية كانت -وما زالت- تعجز عن مواكبته فتقع في خطأين اثنين: الأول، إن فئات كثيرة من البشر كانت، وما زالت تمارس الرفس والحران، فترفض الانتقال من قيم طور انتهى أمده إلى قيم طور حل زمنه. والثاني، إن نوازع الهوى المرتبط بمصالح أهل المال والسلطان كانت، وما زالت تشوه مفهوم الأمة فتنتقل -الرسالة أو الفكرة- من المحور إلى الهامش، وتحل محلها روابط الدم أو الوطن أو المصالح المادية، وبذلك يطلق مصطلح "الأمة" على من لا ينطبق عليه مواصفات الأمة كما حددها القرآن والحديث. لذلك كان من أبرز مسئوليات المؤسسات التربوية الإسلامية أن تقوم في كل جيل بمراجعة المفاهيم المتحدرة من الآباء عن معنى -الأمة- ومكوناتها وروابطها بغية تجديد -المفاهيم- الصائبة، وتزكية المفاهيم المتداولة مما علق بها من نقص أو تشويه.

стр. 182

الفصل الخامس عشر: بدء ظاهرة "الأمة المسلمة" ونشأتها بدأ الإعداد لظاهرة "الأمة المسلمة" برسالة إبراهيم الذي وصفه القرآن الكريم ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] . ولقد جاء مفهوم "الأمة الإسلامية" كحلقة في سلسلة الرسالات السماوية التي توازت مع تطور المجتمعات البشرية. فحين بدأ الاجتماع البشري بطور الأسرة جاءت الرسالة أسرية كرسالة آدم ﵇. وحين انتقل الناس إلى طور القبيلة والقرية جاءت الرسالات قبلية وقروية كرسالات صالح وهود. وحين انتقلت المجتمعات إلى طور -القوم- جاءت الرسلات قومية كرسالة نوح ﵇. ومفهوم "القوم" هذا يقابله في اللغة الإنكليزية مصطلح People، وهو مفهوم دموي يستمد محتواه من روابط الدم حين بدأ الإنسان ينتقل من حياة التجوال الفردي إلى طور التجوال الأسري، والقبلي وتكونت نتيجة لذلك ظاهرة "القوم" في الطور الرعوي للبشرية. أما مفهوم "الشعب" فيقابله في اللغة الإنكليزية مصطلح Natiom. وهو مفهوم جغرافي يستمد محتواه من الروابط الجغرافية حين بدأت القبائل، والأقوام تنتقل من طور الرعي إلى طور الزراعة، والاستقرار في رقعة الأرض التي تحددها قوة الأقوام المتجمعة. وانتقال المجتمعات البشري من طور إلى طور كان يتسم لفترات طويلة جدا بالتناقض والاضطراب، والتمزق بين قيم ومفاهيم الطور السابق المنحدرة

стр. 183

من "الآباء" وبين قيم ومفاهيم الطور الجديد الذي يدلف إليه "الأبناء". ولذلك كان عمل الرسالات هو القضاء على التناقض والاضطراب، والتمزق المذكور ثم تسهيل الانتقال إلى الطور الجديد وتنظيمه. ثم جاء طور "الأمة" حينما بدأت الحدود الإقليمية تتهدم، وبدأ انسياح الأقوام والشعوب بعضهم على بعض. ولكنه انسياح سلبي مدمر اتخذ طابع الغزو والعدوان على الأبدان والنفوس، والعقول والممتلكات كما تمثل في الفراعنة والأشوريين، والكلدانيين وغيرهم. فجاءت الرسالات الموازية لهذا الطور ابتداء من -إبراهيم الكلداني- بمفهوم "الأمة"، وهو مفهوم فكري -نفسي يستمد محتواه من روابط الفكر والعقيدة، ويتخطى روابط الدم والأرض السابقة. ولقد سبق اختيار إبراهيم ﵇ للبدء بالإعداد لإخراج الأمة المسلمة اختبار لقدرته على القيام بهذه المهمة، ومدى استعداده لتقديم تكاليفها ومتطلباتها. وإلى هذا الاختبار يشير القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] . والكلمات التي ابتلي بها إبراهيم ﵇ هي الحوادث التي اختبره الله بواسطتها وهي: أولا، استعداده للتضحية بنفسه. والثانية، استعداده للهجرة والتخلي عن روابط الأسرة والدم والوطن. والثالثة: استعداده لمحاربة العقائد القائمة ورموز الثقافة المعاصرة المتخلفة. والرابعة، استعداده للتضحية بولده وأسرته. وتشير الآيات القرآنية إلى أن إبراهيم ﵇ اجتاز هذه

стр. 184

الاختبارات بنجاح وأنه استحق رتبة الإمامة للناس، وأنه سألها لذريته من بعده، فجاءه الجواب بالموافقة مع الاشتراط إلى أن هذه الإمامة عهد لا يناله الظالمون المقصرون من ذريته الذين لا يقومون بتكاليفها، ويفشلون باختباراتها. ثم مضى إبراهيم مصحوبا بأبنائه وأسرته في التمهيد لإخراج "الأمة المسلمة"، فابتدأ بتحديد مواطنها، ومؤسساتها حيث اختار لها موطنا منطقة وسطا تقع في ملتقى المواصلات العالمية، وتفاعل الحضارات وهي منطقة تمتد من بلاد الشام عبر دلتا مصر والحجاز. كذلك أقام مؤسستين تربويتين: الأولى، للتربية والتزكية وهي الكعبة والمسجد الحرام، والثانية، للدعوة والنشر وهي المسجد الأقصى. ثم انقسمت الأسرة إلى جوار المسجدين ليقوم كل فريق بالإشراف على المهمة الموكلة إليه في منطقته، وإعداد الأجواء لفكرة "الأمة" الجديدة. وإلى هذا الإعداد الإبراهيمي كانت الإشارة القرآنية التالية: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] . ثم كانت الانطلاقة الأولى لإخراج "أمة الرسالة" برسالة موسى التي جرى التمهيد لها برحيل يوسف، وأسرة يعقوب إلى مصر وإشاعة جو من الثقافة الملائمة للأمة التي يراد إخراجها. وكان الخروج -أو الهجرة- بالمؤمنين بالرسالة الجديدة مرورا بشمالي منطقة المسجد الحرام، والتوجه إلى منطقة المسجد الأقصى لتطهير أرض "أمة الرسالة" التي رسم حدودها إبراهيم، ولبدء الدعوة والنشر فيها. وكانت جماعة المهاجرين هذه تحمل في تشكليها صفة العالمية وتعدد الأجناس. وليس صحيحًا أنها اقتصرت على جنس واحد هو سلالة إسرائيل الدموية. فالقرآن يشير إلى أن أتباع موسى كان فيهم "رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه"، وأنه قال في اجتماع يرأسه فرعون: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ

стр. 185

يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ، وأن فرعون رد على هذا الرجل: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٧-٢٩] ويروي القرآن كذلك قصة السحرة -أو الإعلاميين عند فرعون- الذين، حين رأوا الآيات البينات، تحدوا فرعون حين هددهم بالصلب وتقطيع الأعضاء وقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] . ويذكر القرآن أيضًا أن دعوة موسى دخلت دوائر القصر الفرعوني حتى ضمت زوجة فرعون، التي ضحت بنعيم القصر ودعت الله أن يعوضها قصرًا بدله في الجنة. وفي المقابل يروي القرآن الكريم إن عصابة فرعون التي عارضت دعوة موسى قد ضمت في قيادتها مترفا عاتيا من قوم موسى، ومن سلالة إسرائيل الدموية هي قارون الذي وقف مع فرعون وهامان صفا واحدا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣، ٢٤] . ويضيف القرآن تفاصيل دقيقة عن قارون هذا فيقول: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ وإن كان لديه ﴿مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ وإن قومه قالوا له حين أظهر البطر والطغيان: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ . فرد عليهم بصفاقة وصلف: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي خبرة بأعمال التجارة والاستثمار، وأنه استمر في طغيانه حتى نزل به عقاب الله وخسفه، فدمرت قصوره وهلكت نفسه [القصص: ٧٦-٨٢] . وإذا كان القرآن يسمي الخارجين مع موسى بني إسرائيل؛ فلأن المدلول القرآني لـ"بنو" و"آل" يعني أتباع المعتقد لا سلالة الدم كما ذكر ذلك الطبري

стр. 186

في تفسيره نقلا عن الصحابة والتابعين الذين قالوا: إن آل الرجل هم أتباعه، وقومه هم من على دينه. ونقل الطبري عن ابن عباس إنه قال: في الآية هم المؤمنون من آل إبراهيم، وآل عمران وآل ياسين وآل محمد. يقول الله : "إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه"١. ولقد ذكر القرآن الكريم المنهج الذي زود الله به المهاجرين مع موسى، ليعيشوا طبقا لتوجياته في -منطقة الأمة المسلمة. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨] . والدخول سجدا إشارة إلى الثقافة والممارسات، ونمط العيش الذي يجب أن يكونوا عليه في أرض "أمة الرسالة" -أرض ما حول الأقصى، وهي أن تكون الممارسات كلها مستوحاة من معاني السجود. وهو هنا طاعة الله والتواضع للخلق. أما ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فهو إشارة إلى الثقافة، والقيم المتجددة التي تتميز بالنقد الذاتي -أو التوبة حسب التعبير القرآني- والاستعداد الدائم؛ لأن "تحط" الأمة عنها أغلال الموروثات الاجتماعية، وأصارها التي تعيق التكيف مع الشئون المتجددة، والخلق الجديد الذي تبرزه المشيئة الإلهية باستمرار. ولذلك قال الطبري في تفسيره - ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ - أي: قولوا الذي يحط عنكم خطاياكم وهو قول: لا إله إلا الله وتطبيقاتها. ومعنى ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ لا نؤاخذ الذين يجنبون طريق السجود إذا استغفروا. ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ : أي نزيد الذين يحسنون القيام بوظيفة -أمة الرسالة- نعمة واستقرارا. ولكن آثار البيئة التي نشأ فيها أتباع موسى -بيئة الثقافة الفرعونية- فعلت فعلها في هذه الانطلاقة الأولى لأمة الرسالة. ومن هذه الآثار أن أتباع موسى حين كانوا في طريقهم لأرض أمة الرسالة تأثروا بالتراث الديني

стр. 187

الفرعوني الذي كان يقوم على عبادة العجل "أبيس"١. كذلك تأثروا بأخلاق أهل الزراعة فحنوا إلى الراحة، وإلى تقاليد الطعام المصري من البقل والقثاء والبصل والثوم والعدس. وظهرت فيهم أيضا آثار بيئة الاستبداد الفرعوني، وما تفرزه في أخلاق المحكومين من ضعف الإرادة ونكوص عن التضحية وضجر من المسئولية. ولكن أخطر هذه الآثار التي ظلوا يعانون منها حتى الوقت الحاضر هي تأثرهم بـ"العنصرية" الفرعونية وتطوير "عنصرية" خاصة بهم، وقفت حائلا بينهم وبين الخروج إلى روابط أخوة الرسالة التي يقتضيها الطور الجديد، ثم أبقتهم حبيسي روابط الدم التي تعود إلى الأطوار الماضية بعد أن طلوها بطلاء ديني تحت اسم جديد هو "شعب الله المختار"، ولقد نتج عن ذلك إغلاق باب الانتماء إلى الأمة الجديدة أمام غير ذرياتهم، وتعطيل وظيفة المؤسسات التربوية في الأرض المباركة. ثم جاء عيسى ﵇ لإصلاح ما أصاب نواة الأمة الوليدة، ولإخراجها من مفهوم "القوم People" إلى مفهوم "عالمية أمة الرسالة" فاستخلص نفر من الحواريين الذين تخلوا عن مفهوم "شعب الله المختار"، ومضوا في الدعوة إلى -العالمية- بشكل أفراد لا بشكل "أمة". أما بقية الجماعات الإسرائيلية فقد ظلت حبيسة الأغلال، والآثار الاجتماعية والفكرية التي ورثتها عن بيئة الفراعنة وطورها الأحبار الإسرائيليون بعد أن البسوها لباسا توارثيا. ولذلك ناصبوا دعوة عيسى ﵇ العداء، وتسببوا في مزيد من تمزيق "الأمة" الوليد وانقسامها إلى قسمين رئيسيين أطلقوا عليهما اسم "اليهود"، واسم "النصارى". وكما فعلت آثار البيئة الفرعونية فعلها في دعوة موسى، كذلك فعلت

стр. 188

آثار البيئة الرومانية فعلها في -النصرانية. وأخطر هذه الآثار ما قام به مترفو المجتمعات الرومانية من تحويل محور الدعوة الجديدة من الولاء لـ"الرسالة" إلى الولاء لـ"شخص" الذي جاء بالرسالة بعد أن أسبغوا عليه الصفات التي كان الرومان يسبغونها على آلهتهم التثليثية، وبذلك أخرجوا الدعوة الجديدة من ميدان الاجتماع البشري ميدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى هامش تصورات غيبية لا صلة لها بالوجود القائم. أما الفرع الثاني من أسرة إبراهيم -فرع إسماعيل- فقد عملت بهم أيضا عوامل البيئة المحلية القاحلة، فتحولوا من "أمة رسالة وتربية" تضحي بالنفس والمال لتربية الوافدين، وتزكيتهم إلى "أمة سدنة" حولت الرسالة إلى نوع من الاستثمار السياحي الذي يدر عليهم المال، ويوفر لهم الجاه. ثم كانت الانطلاقة العملية الثانية التي قادها محمد ﷺ في الفرع الثاني من أسرة إبراهيم، والمقيمة في منطقة المسجد الحرام. فبلورت مفهوم "الأمة"، وأصبح الشعار المميز لرسالتها، ولما يزل مصطلحا متميزا لا يقابله في اللغات الأخرى مصطلح مواز. كذلك أصبح اسم "الأمة" مصدرا اشتقت منه أسماء مؤسسات الرسالة الجديدة، والعاملين فيها والممارسات الجارية مثل: "الإمامة" و"الإمام" للصلاة أو الحكم، و"آمين البيت الحرام" أي الحج. و"آمين" أي مقتدين. لذلك كانت ترجمة هذا المصطلح تشويها لمحتواه ومن الواجب أن يبقى كما هو في أصله العربي في أية ترجمة كانت. ولقد كان جوهر هذه الانطلاقة الجديدة تصحيح الاعوجاج الذي لحق بالمنهج الذي مهد له إبراهيم وبدأه موسى وعيسى، ثم استئناف المسيرة المستقيمة لهذا المنهج نحو غاياته العليا. ولذلك ركزت توجيهات الرسالة الجديدة على ما يلي: ١- إصلاح ما انحرف من منهاج إبراهيم ﵇. وذلك بدعوة فرع ذرية إسماعيل من قريش، وفروعها إلى التخلص من طابع "أمة السدنة"

стр. 189

ونوزاع التكسب بالمقدسات، وأما أدخلته حمية العصبيات القبلية من مظاهر الشرك والوثنية. ثم دعوة فرع ذرية إسحاق من اليهود، والنصارى للتخلص من طابع "شعب الله المختار"، وما رافقه من تشويهات لأصول العقيدة والرسالة لصالح المترفين، وأرباب الجاه والسلطان والكهانة. ثم دعوة الفريقين للاجتماع في صفوف "أمة الرسالة" الجديدة لاستئناف المهمة الأساسية مهمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله بين الناس كافة. ٢- القضاء على الانشقاقات التي حدثت في ذرية إبراهيم، وتسببت في تقسيم نواة "الأمة المسلمة" إلى يهود ونصارى، وما تلا هذا الانشقاق من انشقاقات أخرى تتنافى مع الغاية الكبرى التي بدأها -إبراهيم- لإخراج "أمة الرسالة" التي تعمل على جمع البشرية كلها على منهاج واحد في الفكر والاجتماع فتتوثق روابطها، ويرقى نوعها وتعود إلى سابق عهدها أمة واحدة وربا واحدا. ولتحقيق هذا الهدف تكررت الدعوة في القرآن إلى أهل الكتاب للإقبال إلى -كلمة سواء- أي منهج موحد مستقيم أساسه "ملة إبراهيم الحنيف": ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٤-٦٨] .

стр. 190

﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ، قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٥-١٤١] . ٣- اتخاذ الخطوات العملية التي تسهل هذه الوحدة المنشودة بين الانشقاقات التي أصابت مفهوم الرسالة بعد إبراهيم ﵇. ومن أجل هذه الوحدة كانت قبلة الصلاة نحو أول بيت بناه إبراهيم، وكان الحج إليه ليكون مؤسسة للتربية العالمية، وكانت حادثة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لإعادة الربط بين رسالة المسجدين، وتكامل دورهما في التربية والدعوة والتعليم. ولترسيخ هذه المعاني كان الحديث عن تجربة قوم موسى في منطقة المسجد الأقصى -في مطلع سورة الإسراء- ليكون هذا الحديث تحذيرا لـ"أمة الرسالة" الجديدة، لئلا تقترف ما اقترفته سابقتها من -أمة موسى- التي أغفلت عن الوظيفة الأساسية للمقيمين حول المسجد الأقصى، وانحرفت لاستغلال بركات المنطقة الجغرافية والطبيعية في الترف، والشهوات والمفاسد والصراعات، وبذلك استحقوا أن يبعث الله عليهم عبادا أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار ودمروا مؤسسات اللهو الدنيوي التي ألهتهم عن وظيفة

стр. 191

الدعوة وتبليغ الرسالة. وهذا ما فهمه أبو بكر الصديق حين حذر جيوش الفتح الإسلامي، التي وجهها إلى منطقة ما حول الأقصى من الانحراف عن أهداف الرسالة الإسلامية فقال: "إنكم تقدمون الشام وهي أرض شبيعة، وإن الله ممكنكم حتى تتخذوا فيها مساجد، فلا يعلم أنكم إنما تأتونها تلهيا، وإياكم والأشر"١. ٤- تقديم التفاصيل الكاملة لما يجب أن يكون عليه تنظيم -أمة الرسالة- ومؤسساتها، وقيمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ونشاطاتها المختلفة في الداخل، ثم تنظيم علاقاتها بالجماعات البشرية في الخارج. أثر ثقافة العصبية العربية في تشويه مفهوم -الأمة- بعد العصر الراشدي: من الإنصاف أن نقول: أنه كما كان للبيئة المصرية أثرها في انطلاقة موسى ﵇، فإن كان للبيئة العربية أثرها في انطلاقة محمد ﷺ . وهو أثر له جانبان: جانب إيجابي، وآخر سلبي. أما عن الجانب الإيجابي، فإن البيئة العربية سهلت نجاح الرسول -صلى الله عليه وسلم- في تربية الإنسان المسلم على تعشق المثل الأعلى، والتضحية في سبيله. ذلك أنها خلت من كثير مما كان في البيئة المصرية من ركام العقائد والثقافة، والقيم التي كبلت أفهام أتباع موسى ﵇، ولم يكن في الجزيرة العربية استقرار زراعي، وازدهار اقتصادي مما يفرز حياة الترف والتثقاقل إلى الأرض، وإنما فرضت البيئة الصحراوية القاسية نوعا من حياة الطوارئ والاستعداد الدائم للتحضية أمام الصعوبات، والأخطار الطبيعية والبشرية القائمة.

стр. 192

أما عن الجانب السلبي، فإن قيم العصبية العربية ومحاور الولاء التي تفرزها لم تكن تصلح بحال للانتقال مع المسلم الجديد إلى المجتمع العالمي الجديد؛ لأن هذه القيم والولاءات لا تسمح أبدًا بتوسيع شبكة العلاقات الاجتماعية إلى ما وراء دائرة الولاء القبلي، وتعتبر أولئك الذين يقيمون خارج الدائرة القبلية "أجانب" لا وراء يربطهم بمجتمع القبيلة. ولذلك شكلت هذه القيم، والولاءات العصبية عقبات ضخمة أمام تطبيق روابط الدائرة العالمية، التي اتصف بها المجتمع الإسلامي الجديد، وأثرت تأثيرا سلبيًّا في مستقبل الأمة المسلمة، وحالت دون تطورها ونضج مؤسساتها. وحين كانت قيم العصبية القبلية هذه تضطر إلى التعايش مع قيم الإسلام العالمية كانت تركز على "الأشكال" دون "الأعمال"، وعلى الشعائر الفردية دون المظهر الاجتماعي للعبادة، و"تنفق" القيم الإسلامية لدعم ولاءاتها العصبية. ولذلك وصف القرآن الكريم أصحاب هذه القيم العصبية بأنه: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ، أي هم غير مؤهلين لـ"فقه" القيم التي أنزلها الله، وإفراز النظم اللازمة للطور العالمي الذي وقفت البشرية على أعتابه، وجاءت قيم الإسلام لترشدهم إلى عبوره. ولذلك كان التحدي الأكبر الذي واجهه الرسول ﷺ بعد هجرته إلى المدينة، وشروعه في بناء أمة عالمية يتعايش فيها مختلف الأجناس، والأعراق هو -قيم العصبية القبلية- ولقد اتخذت جهوده لمجابهة هذا التحدي مظاهر عدة منها: المظهر الأول، هو تزكية أعضاء الأمة المسلمة الجديدة من قيم العصبية القبلية باعتبارها قيما نتنة بالية لا تصلح لهم بحال، وتنظيم علاقاتهم طبقا لقيم التقوى الملائمة لطور العالمية الجديد. والثاني، هو الجهاد ضد رءوس العصبية القبلية، وحماة ثقافتها ورموزها الصنمية.

стр. 193

والثالث، هو التحذير من الردة إلى قيم العصبية القبلية، وإدراج هذه الردة في قائمة الكبائر المخلدة في النار١. والرابع، التنبيه إلى دور قيم العصبية في فن المستقبل وما ستجره على الأمة المسلمة من كوارث ومذابح ودمار، وهو ما تقدم تفصيلاته الأحاديث النبوية الواردة تحت -كتاب الفتن- في مصنفات الحديث المختلفة. ولذلك كانت تزكية المجتمع المدني من قيم العصبية القبلية، والانتقال به إلى -قيم التقوى- العالمية محورا أساسيا من محاور التربية في صدر الإسلام. ولقد ظل التحذير من قيم العصبية أحد العناصر الرئيسية في منهاج الرسول ﷺ إلى أن لخص جهاده ضد الجاهلية العربية في خطبة فتح مكة فقال: "إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب" ٢. ولكن "ثقافة" العصبية وقيمها عادت الإمساك بدفة المجتمع بعد الخلافة الراشدة: أي بعد انقضاء جيل الصحابة الذي رباه الرسول، الأمر الذي أدى إلى ظهور التناقض بين المبادئ الإسلامية الداعية إلى مساواة الشعوب والأجناس، وبين التطبيقات السياسية، والاجتماعية التي قسمت المسلمين إلى عرب وموالي، وفتحت باب الانقسامات في الأمة المسلمة

стр. 194

بنسبة التراجع الذي توالى من القيم الإسلامية العالمية إلى القيم الشعوبية والقبلية. ولقد ابتدأت هذه الردة العصبية في الثقافة، والقيم ابتداء من إمساك الأمويين بقيادة الدولة الإسلامية، وحلول الملك محل الخلافة -كما يرى ابن تيمية١. ثم تولت مضاعفات هذه الردة حتى أفرغت مفهوم "الأمة" من محتواه الإسلامي وأحلت محله محتوى العصبيات القبلية، والشعوبية مما نال من وحدة الأمة المسلمة، وفتح أمامها أبواب الفتن والانقسامات المتتالية. كذلك حالت هذه الردة للثقافة القبلية، والقيم العصبية دون تطور المؤسسات السياسية والإدارية، والتشريعية الملائمة لطور العالمية، فحالت دون رسوخ قيم الشورى، والقيادة الجماعية ومسئولية الحاكم أمام المحكومين، وأنعشت الحكم المطلق والملكية الاقتصادية المطلقة، والفردية والارتجال ولونت أشكال الإعلام، والممارسات السياسية على جميع المستويات. ولقد كان لهذه الردة العصبية آثارها في الشكل الذي اتخذته مؤسسات التربية الإسلامية، إذ انحرفت هذه المؤسسات عن هدف "إخراج الأمة المسلمة" وتطويرها، والارتقاء بمفهومها، ومؤسساتها طبقات للحاجات والتحديات، وحل محل ذلك ظاهرتان: الأولى، عدم توجه مؤسسات التربية الإسلامية لتوليد العلوم، والمعارف اللازمة لتنظيم شبكة العلاقات الاجتماعية، وتطوير مؤسساتها بما يتفق مع الأصول الإسلامية في القرآن والسنة. وإنما زاغت بتأثير قيم العصبيات القبلية لتركز في مناهجها على "ثقافة" القبلية التي توجه للدوران في فلك "الأشخاص" الأقوياء، وتبرير ممارساتهم والإشادة بالمنجزات المنسوبة إليهم. والظاهرة الثانية، تقلص وظيفة المؤسسات التربوية التي لا تدور في فلك الدولة لتقتصر على "تربية" فرد معطل الفاعلية ينسحب من تيار الحياة

стр. 195

الجارية، ويجسد صورة "الناسك السلبي" الذي يقف موقفا سلبيا من وقائع الاجتماع البشري الجارية حوله، ويظل طوال عمره يعاني من الظلم، والفاقة منتظرا الرحيل إلى العدل والنعيم الأخرويين!! وكانت المحصلة لذلك كله هي حصر عمل المؤسسات التربوية، والعلمية في "فقه العبادات"، وتكرار نسخه واستظهاره جيلا بعد جيل مما أفرز آلاف المجلدات في "فقه الطهارة"، والحيض والنفاس والطلاق، والعدة بينما لم يزد "الفقه" المتعلق بـ"العلوم السياسية" و"فقه الاجتماع البشري" و"النظم الإدارية والتشريعية"، و"صلات الحاكم بالمحكوم" و"توزيع الثروات العامة" و"العمل الجماعي" عن أصابع اليدين. ومن أمثلتها -الأحكام السلطانية- للماوردي مع ما فيه من المآخذ، والانتقادات المتعلقة بمحتوياتها التي تبرر إطلاق أيدي أصحاب السلطان، وتعدد القيادات، والاستيلاء على القيادة والمراكز بالقوة وغير القوة.

стр. 196

الفصل السادس عشر: أهمية إخراج الأمة المسلمة الإطار العام الذي يحدد أهمية إخراج الأمة المسلمة، ويحدد مكوناتها هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٢-٧٥] . هكذا يبدو واضحا من الآية الأولى "رقم ٧٢" أن التربية الإسلامية لا تتوقف عند إعداد "الأفراد المؤمنين"، وإنما تتخذ من هذا الإعداد وسيلة لهدف آخر هو إخراج "أمة المؤمنين" التي يتلاحم أفرادها عبر شبكة من الروابط الاجتماعية، التي تندرج تحت أسماء: الهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة، والتي تكون محصلتها النهائية هي -الولاية- أي أن يتولى كل عضو رعاية شئون الأعضاء الآخرين. أما الأفراد المؤمنون الذين يبقون خارج -مهجر- الأمة المؤمنة، فهؤلاء لا فاعلية لإيمانهم ولا روابط ولا ولاية بينهم، وبين "أمة المؤمنين". ومع أن الآيات المذكورة أعلاه تتضمن -كما قلنا- أهمية إخراج الأمة المسلمة، وتتضمن المكونات الرئيسية لهذه الأمة، إلا أن الحديث في هذا

стр. 197

الفصل سوف يقتصر على أهمية إخراج الأمة المسلمة بينما يؤجل الحديث عن مكوناتها إلى الباب الذي يليه. أما مظاهر هذه الأهمية كما يلي: الأهمية الأولى، هي ما تنبه إليه الثانية -آية ٧٣ من السورة- حول الأضرار التي تنجم عن عدم إخراج الأمة المسلمة. وتتمثل هذه الأضرار في ثلاثة أضرار رئيسة هي: الضرر الأول، هيمنة -قيم الكفر- في الأرض، وإخراج "أمة الكفر" حيث لا يقتصر الكافرون على ممارسة كفرهم كأفراد متناثرين، وإنما يتجمعون في أمة يوالي بعضها بعضًا. فإذا لم تقم "أمة الإيمان" فسوف تتولى "أمة الكفر" القيادة في الأرض، وتهيمن على مقاليد التوجيه والتخطيط، والتنفيذ في كل ما يتعلق بشئون السلم والحرب سواء. والضرر الثاني، إن انتقال القيادة العالمية إلى "أمة الكافرين" سوف يؤدي إلى هيمنة "الفتنة" في حياة الناس. ولهذه الفتنة مظاهر عديدة منها: -الفتن السياسية- المتمثلة فيشيوع الظلم، وانتشار الحروب والصراعات الداخلية، أو الإقليمية أو العالمية. ومنها -الفتن الاجتماعية- كانهيار الأخلاق وشيوع التحلل، والفواحش وانتفاء الأمن وتقطيع الروابط الإنسانية. ومنها -الفتن الفكرية- كانتشار الفلسفات، والأفكار الهدامة ومضاعفاتها في الممارسات والعلاقات. ومنها -الفتن الاقتصادية- المتمثلة في "اقتصاد السحت" الذي يتورع عن الاتجار بما يهلك النفس والنسل، والاحتكار وأكل الحقوق شيوع الشح والجشع في جانب، وشيوع الفقر والحقد في جانب آخر. والضرر الثالث: أن انتقال القيادة العالمية إلى "أمم الكفر" سوف يؤدي إلى شيوع "الفساد الكبير" في الأرض. ولهذا الفساد مظاهر متنوعة متجددة منها: الإسراف في الإنتاج الذي يبدد الموارد، والإسراف في الاستهلاك الذي يهدم العافية، ويجلب الأمراض التي لم تعرف قبل ذلك. ومنها: تخريب البيئة والتسبب باضطراب التوازن بين مكوناتها، وعناصرها ومضاعفات ذلك في تخريج المناخ والتربة، وإفساد الماء والهواء، وتدمير مقومات الحياة لعوالم الإنسان، والحيوان، والنبات.

стр. 198

ولو نظرنا في أحداث التاريخ -الذي هو بعض مظاهر آيات الله في الأنفس -لوجدنا براهين بينة ناصعة لهذا التقرير الذي ساقته الآية عن نتائج إخراج "أمة المؤمنين" أو هيمنة "أمة الكافرين". فحين أخرجت "الأمة المسلمة"، وأحكمت روابط "الولاية" فيها كانت نتيجة ذلك هزيمة "أمم الكفر" التي مثلتها آنذاك أمثال فارس والروم. أما حين انحسرت التربية الإسلامية لتقتصر على إعداد "الأفراد المسلمين" الذي يعتزلون الدنيا، وينتظرون الرحيل إلى العدل الأخروي، فقد نسي المسلمون أنفسهم -مفهوم الأمة المسلمة- واختفت مكوناتها من مناهج التربية وأنشطتها، وتفككت الأمة المسلمة القائمة، واحتلت مكانها أمم غير مؤمنة تسلمت القيادة العالمية، وملأت الأرض بالفتنة والفساد الكبير، وصار المسلم يشد الرحال إلى "أمم الكفر" ليتعلم في مؤسساتها كيفية إخراج الأمم، وبناء المجتمعات على النمط الذي تحدده له هذه المؤسسات، وأهدافها في التبيعية والاستعمار، وإشاعة الفتنة والفساد الكبير. والأهمية الثانية، لقيام "أمة المؤمنين" هي ما توجه إليه الآية الثالثة -آية ٧٤ من السورة- حول الفوائد والمنافع التي تترتب على إخراج "الأمة المسلمة"، وهي ثلاث فوائد: الفائدة الأولى، تجسيد الإيمان في "جنسية" مميزة و"هوية" خاصة، وفي حضارة إسلامية لها ثقافاتها ونظمها الاجتماعية، وتطبيقاتها في ميادين السلوك والقيم والعادات، والتقاليد الممتدة عبر الزمان والمكان. ولذلك وصفت الآية بأن أفراد "الأمة المسلمة" المجاهدين المتآوين المتناصرين في مهجر واحد "هم المؤمنون حقًّا". أما الأقليات الإسلامية المبعثرة هنا، وهناك فهذه لا تدخل في وصف "المؤمنون حقا"؛ لأنها لا تتمكن من أن تعيش إيمانها في "جنسية متميزة" وتطبيقات اجتماعية لها ثقافتها، ولغتها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، ولها قيمها وعاداتها وتقاليدها وأخلاقها. وبالتالي لا تفرز حضارة متميزة تنحدر عبر التاريخ، وتشد إليها الرحال ليتعلم الناس في مؤسساتها التربوية، والإدارية كيفية الحفاظ على النوع البشري ورقيه. وإنما تذهب جهود هذه الأقليات هدرا في روافد "أمة غير مسلمة"

стр. 199

ثم تذوب وتختفي بعد جيل أو جيلين. ولذلك لن يكون قبول حياة "الأقلية" إلا ضرورة مؤقتة حتى ينجح العمل الإسلامي الصائب في إيجاد مهجر تقوم فيه "أمة المؤمنين"، فإذا قامت صارت حياة الأقلية رضي بالاستضعاف في الأرض، وظلمًا للأنفس ووضعها في بيئات مرهقة للإيمان تهدد بذهابه، والانتهاء بأصحابه إلى عقوبة الله. ولذلك حدد القسم الثاني من الآية الأولى العلاقة بين "الأمة المسلمة" و"الأقليات المسلمة" المتناثرة خارج -دار الهجرة- بأن أفرغ هذه العلاقة من -الولاء والولاية- أي عدم المسئولية عن الأقليات إلا ما كان من نصرتها إذا تعرضت لاضطهاد ديني من قبل أمم لا تربطها بالأمة المسلمة من مواثيق، ولا معاهدات. وإن الباحث ليلمح في هذه العلاقة السلبية بين "الأمة المسلمة" و"الأقليات المسلمة" خلق نوع من الأوضاع القلقة غير المريحة التي تجبر الأقليات المذكورة على الهجرة إلى مهجر "أمة المؤمنين". والفائدة الثانية، هي الاستقرار الاجتماعي، والاستقرار السياسي المشار إليهما بـ"لهم مغفرة". فالمغفرة هي تجنيب الأمة المسلمة عقوبات أخطاء الأمم. وعقوبات الأمم في القرآن الكريم متنوعة منها ثوران الأحقاد الداخلية، أو إشاعة الفتن والحروب في الداخل، أو تسليط الغزاة من خارج: - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] . - ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: ٥] . والفائدة الثالثة، هي الازدهار الاقتصادي المصحوب بالتماسك الاجتماعي، والعلاقات الكريمة بين طبقات الأمة وأفرادها، والمحافظة على كرامة الأمة وعلى قيمها وأخلاقها في الداخل، وسمعتها التاريخية في الخارج. فـ"الأمة المؤمنة" رزقها "رزق كريم" يحفظ كرامات الأفراد رجالًا

стр. 200

ونساء فلا تضطرهم لقمة العيش إلى التفريض بكراماتهم، وحرماتهم ولا إلى تجارة الفواحش والمنكر. وهو "رزق كريم" يحفظ كرامة الأمة التاريخية، فلا يلطخ سمعتها ويصمها بعار الغزو والاستعمار والتسلط والاحتلال، وهو يحفظ كرامتها الحضارية، فلا يضطرها إلى ممارسة الفضائح ونقض المواثيق، والتآمر على الأصداء وإيثار المنافع المادية على علاقات الرقي الحضاري. وهو "رزق كريم" يحفظ كرامة الأمة الاجتماعية، فلا تحتاج إلى تقدمة أعراضها ونسائها كراقصات، ومغنيات وغوان في أماكن اللهو والفاحشة لتجلب السائحين، وطالبي المتع المحرمة الضارة! وأخيرًا هو "رزق كريم" يحفظ للأمة المسلمة كرامتها عند الله، ويمنحها كرامة الدرجات العلى في الآخرة سواء في المنزلة أو المأوى. والأهمية الثالثة لقيام "أمة المؤمنين" هي ما توجه إليه الآية الرابعة -آية ٧٥ من السورة- من خلال الإشارة إلى أن -الأمة المسلمة- هي مجتمع مفتوح غير مغلق. فباب الهجرة إليه مفتوح، والانضمام إليه له شرط واحد فقط هو الإيمان والمشاركة في حمل الرسالة، مع مراعاة روابط الأرحام بين المهاجرين في جميع الأزمان حتى لا يؤدي اختلاط المهاجرين بدون ضوابط إلى التفكك الاجتماعي. فالله عليم بقوانين الاجتماع السليم، وغير السليم وبالنتائج الحسنة أو السيئة. وبسبب هذه الأهمية -لإخراج الأمة المسلمة- أدرك رجالات الأمة الإسلامية الأوائل أهمية إخراج "الأمة المسلمة"، ومتطلبات العضوية فيها. من ذلك ما قاله عمر بن الخطاب حين قرأ قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "يا أيها الناس من سره أن يكون من تلكم الأمة، فليؤد شرط الله فيها"١.

стр. 201

والأهمية الرابعة، لمفهوم "الأمة" الذي تطرحه التربية الإسلامية هي أهمية كبرى بالنسبة للتربية الحديثة، وللعاملين في ميادين التطوير التربوي في المجالين الإقليمي والدولي. والغفلة عن هذه الأهمية سوف تكون هدرا كبيرا لمصدر أساسي من مصادر -التربية الدولية Global Education- التي تتطلع المؤسسات التربوية العالمية إلى بنائها وإشاعتها. ذلك إن مفهوم "الأمة" يلائم المرحلة الجديدة التي وقفت البشرية على أبوابها ببعثة محمد ﷺ ثم أصبحت معالم هذه المرحلة واضحة جلية في زمننا -زمن سرعة المواصلات والاتصال، والتكنولوجيا- حيث انهارت مفاهيم "القوم People" و"الشعب Nation"، وأخذت الحدود بين المواطن تتهدم، والروابط الدموية تتمزق، واختلطت البشرية اختلاطا شديدا من خلال الأسفار العالمية، والتجارة العالمية، والتبادل الثقافي العالمي، والزواج العالمي، ووجدت المجتمعات الحديثة نفسها بلا روابط دموية، ولا روابط جغرافية، ولا روابط ثقافية واجتماعية. بل إنه لتعاد خلخلة المجتمع الواحد، والمدينة الواحدة، والحي الواحد، والمؤسسة الواحدة، والبناية الواحدة ثم تشكيل كل منها مرة كل يوم، أو كل أسبوع من حيث الجنسيات والتجمعات البشرية حيث يرحل أناس ويحل آخرون. في هذه الظروف الجديدة يجد الإنسان نفسه بحاجة إلى "أخوة" جديدة بدل أخوة الأسر، والقبائل والأقوام التي تمزقت، وتناثر أعضاؤها في أطراف الأرض، وإلى بديل عن الروابط التقليدية التي تعود إلى أطوار الرعي والاستقرار الزراعي عندما كانت التحركات، والعلاقات محدودة بحدود القوم والإقليم. ومن الطبيعي أن انتهاء فاعلية الروابط التقليدية أدى إلى انتهاء فاعلية القيم، والمقاييس والأخلاق التي انبثقت عن هذه الروابط، ووضع البشرية أمام نوعين من الروابط والقيم والمقاييس لا ثالث لهما: فإما العودة إلى علاقات الغابة وطور الكهوف، وإما روابط "الأمة" الواحدة التي تعيش في

стр. 202

"قرية الكرة الأرضية" الواحدة في ظل عقيدة واحدة وثقافة واحدة. وفي هذه الحال لا تجد البشرية نموذجا لهذا لنوع الثاني من الروابط إلا رباط "الأمة المسلمة" بمحتوياته الفكرية -النفسية وتطبيقاته الاجتماعية التي تتجاوز روابط الدم والأرض، والمصالح المادية وتتجاوب كليا مع حاجات الطور العالمي الذي دلفت إليه البشرية المعاصرة.

стр. 203

الباب الرابع: مكونات الأمة المسلمة مدخل ... الباب الرابع: مكونات الأمة المسلمة الإطار العام الذي يحدد المكونات الرئيسية لنموذج الأمة المسلمة هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] . هذه هي مكونات الأمة المسلمة: أفراد مؤمنون، وهجرة ومهجر، وجهاد ورسالة، وإيواء، ونصرة، وولاية١. ويمكن أن نمثل لهذه المكونات بالمعادلة الرياضية التالية: أفراد مؤمنون + هجرة وتجمع في مهجر واحد + رسالة وجهاد + إيواء +نصرة = أمة مسلمة ذات ولاء متبادل. ويمكن أن نمثل لهذه المعادلة بالشكل التالي:

стр. 204

الفصل السابع عشر: العنصر الأول الأفراد المؤمنون أولا: أهمية الأفراد المؤمنين كعنصر من عناصر الأمة ... الفصل السابع عشر: العنصر الأول الأفراد المؤمنون لا يهدف البحث هنا إلى استعراض -الأفراد المؤمنين- كفئة تحمل "معتقدات" معينة عن الخالق والمنشأ، والحياة والمصير كما هو في مقررات العقيدة في المعاهد والكليات الشرعية. وإنما الهدف هو تقديم الأفراد المؤمنين كعنصر من عناصر الأمة المسلمة الملائمة للطور الحاضر: طور العالمية الذي جاءت الرسالة الإسلامية على أبوابه لتزود أهله بالقيم، وشبكة العلاقات الاجتماعية التي تساعد على بقاء النوع البشري ورقيه. وانطلاقا من هذا الهدف يركز البحث على ثلاثة موضوعات: الأول، أهمية الأفراد المؤمنين كعنصر من عناصر الأمة. والثاني، أهمية "الهوية" و"الجنسية" و"الثقافة" الإيمانية في العالم المعاصر. والثالث، دور التربية في بلورة محتوى الثقافة الإيمانية وتنشئة إنسان التربية الإسلامية عليها. أولا: أهمية الأفراد المؤمنين كعنصر من عناصر الأمة تبدو أهمية -الأفراد المؤمنين- في أن هذا النوع من البشر هو الذي يحقق للأمة التوازن الاجتماعي والصحة النفسية. ذلك إن طبيعة الإنسان -كما يعرضها القرآن الكريم، ويثبت ذلك ممارسات الإنسان على الأرض- تشير إلى تكوينه النفسي شبيه بتكوينه الجسدي، أي يتكون من عناصر تتحد حسب نسب معينة، وتفرز تركيبا معينا يمثل حالة الصحة، فإذا اضطربت نسب هذا التركيب ارتفاعا أو هبوطا دخل حالة المرض. والحالات التي يمر بها التكوين النفسي للإنسان هي حالات: الوسطية، والطغيان، والهوان، وتمثل الحالة الأولى مظهر الصحة الذي يضمن للإنسان السلام،

стр. 205

بينما تمثل الحالتان الثانية والثالثة مظهر المرض الذي يهدد سلامة الإنسان نفسه. وإلى هذه القابلية المرضية يشير قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] . والإيمان بالله -بمفهومه الإسلامي- هو العامل الحاسم في تقرير حالات الصحة أو المرض المشار إليها. إذ إن إحساس الإنسان بالمسئولية أمام الله يبقيه في منزلة -الوسطية- فيمنعه من "الطغيان"، وتجاوز الحدود والاعتداء على وجود الآخرين إذا كان في حالة القوة والغنى، ويقيه من "الهوان" والسكوت على استباحة الطاغين لحرماته إذا كان في حالة الضعف والفقر. فإذا غاب -الإيمان بالله- من وجود الإنسان تذبذب بين مرضي الطغيان والهوان، وتراءى له -عند المرض الأول- أنه مستغن بنفسه لا حاجة له لغيره، وأنه قادر على الإمساك بسنن الوجود وأحداثه وضربه الفرح، والفخر والبطر وادعى القدرة والعلم. أما في حالة -المرض الثاني- فإن الإنسان يصاب بالكفر واليأس والهبوط عن المنزلة الإنسانية بين المخلوقات. ويتكرر الحديث الإلهي عن حالات المرض هذه ومضاعفاتها، من ذلك قوله تعالى: - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ٩، ١٠] . - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢] . - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا﴾ [الإسراء: ٨٣] .

стр. 206

- ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩] . - ﴿كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] . - ﴿قُتِلَ الْإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] . - ﴿إِنَّ الْإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] . ولقد أثبت تاريخ الإنسان على الأرض هذه التقريرات القرآنية، فالأمم التي تكونت من أفراد ينقصهم عنصر الإيمان ضربتها المضاعفات المرضية المشار إليها. ففي حالة القوة والغنى انتشر بينها سرطان الطغيان وأفرز مضاعفات: عنصرية الدم الأزرق الملوكي، والرجل الأبيض، وشعب الله المختار، والطبقية الهندية، والعالم المتقدم، والارستقراطية، والسادة، والنازية، والفاشستية، والدارونية الاجتماعية، والاستعمار. أما في حالة الضعف والفقر، فقد انتشر سرطان الاستضعاف والهوان، وأفرز مضاعفات: البرابرة، والعالم المتخلف، والبروليتاريا العمالية، والعبيد والرقيق، والرجل الملون، والشودرا المنبوذين، والعائلة الوضيعة، ... وهكذا. وظهرت لكل حالة مؤسساتها ونواديها، وثقافاتها المزودجة المتناقضة، والإنسان في كل الحالتين خاسر مهدد البقاء، محروم الحب والاطمئنان، إلا في الفترات التي تسلح -خلالها- بالإيمان بالله، وعمل بهذا الإيمان، وتواصى بالحفاظ عليه، والصبر على تكاليفه، ومجابهة الأخطار التي تهدده. وإلى هذه الفترات يشير قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .

стр. 207

ولكن الإيمان بالله لا يمد الإنسان بعافية "الوسطية"، ويقيه من مرضي "الطغيان" و"الهوان" إلا إذا استمد محتواه من الاجتماع البشري، وتجسدت تطبيقاته في قلب الاجتماع الإنساني. وأبرز هذه التطبيقات هي: بلورة "هوية" الإنسان الحقيقية. ومنحه "جنسية" إيمانية واحدة. وتزويده بـ"ثقافة" واحدة ذات مؤسسات واحدة. أما عن بلورة "هوية" الإنسان الأصلية فإن -آيات الله في الكتاب- تمد العاملين في مجال التربية بإطار عام لهذه الهوية يبين أن الإنسان مفطور على الصلاح والخير. ولكن فطرته هذه رقيقة ضعيفة يضربها المرض فيفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكن التربية الإيمانية تحصنه من قابلية المرض ومضاعفاته في الإفساد والشر. ولقد عانى علم النفس الحديث كثيرًا حتى استشرف هذه الحقيقة عن طبيعة الإنسان، وهو استشراف ما زال في مراحل الحديث النظري، ولما يأخذ طريقة إلى ميادين التطبيق العملي في التربية والسياسة، والاجتماع والاقتصاد. ولقد قام -أبراهام ماسلو Abraham Maslow- رائد علم النفس الإنساني بأبحاث واسعة في ميدان البحث في الطبيعة الإنسانية، وخلص إلى تعديلات كبيرة في معارف علم النفس عن الإنسان، وانتهى إلى الإطار الذي يرسمه القرآن في هذا المجال. ومما قاله في هذا الشأن: "إن غلطة فرويد Frued الكبيرة، والتي نحاول تصحيحها الآن، هي إنه اعتقد أن العقل الباطن مجرد شر غير مرغوب به. ولكن العقل الباطني يحمل معه أيضا جذور الإبداع ومتع السعادة، والخير، وقواعد الأخلاق، والقيم الإنسانية، فنحن الآن نعلم أن هناك عقلًا باطنيا صحيحا وسليما مثلما إن هناك عقلا باطني سيئا وسقيما. وتقوم مدارس علم النفس الحديثة بدراسة هذا بطريقة كاملة، كما إن المعالجين النفسيين بدأوا يضعون هذا

стр. 208

المفهوم موضع التطبيق ... "١. ويحدد -ماسلو- الإطار الحديث الذي توصل إليه علم النفس عن الطبيعة الإنسانية في الخطوط العريضة التالية: - في داخل كل فرد طبيعة بيولوجية أساسية هي إلى درجة معينة طبيعية وجوهرية، وهي غير قابلة للتغير. - كل طبيعة داخلية هي جزء متميز في كل فرد من ناحية، ومن ناحية أخرى هي مشتركة في الجنس الإنساني كله. - يمكن دراسة هذه الطبيعة علميا، واكتشافها والتعرف عليها. - لا تبدو هذه الطبيعة الإنسانية شريرة بالأصل، وإنما الحاجات الأساسية لها والعواطف الإنسانية الأساسية، والطاقات الإنسانية الأساسية هي بالأصل محايدة وإيجابية وخيرة. أما النزعة للتخريب و"السادية" والقسوة والحقد وأمثال ذلك، فيبدو أنها ليست أساسية، وإنما هي ردود فعل عنيفة ضد الإحباطات والفشل في تحقيق الحاجات الأساسية. - بما إن هذه الطبيعة الإنسانية الداخلية محايدة، وخيرة فمن الأفضل استخراجها وتشجيعها أكثر من كبتها والضغط عليها، وإذا سمح لها أن توجه حياتنا فسوف نعيش أصحاء ومنتجين وسعداء. - وإذا تعرض جوهر الإنسان هذا للضغط أو الرفض فسوف يعتريه المرض بطريقة واضحة أحيانا، وبطرق ملتوية أحيانا أخرى، وأحيانا في الحال، وأحيانا فيما بعد. - هذه الطبيعة الإنسانية ليست قوية وصلبة، وليست معصومة من الخطأ وإنما هي ضعيفة ورقيقة، ومن السهل أن تتغلب عليها العادة والضغط الثقافي والاتجاهات الخاطئة٢.

стр. 209

ولقد أثبت تاريخ الإنسان على الأرض إن هذه الطبيعة الخيرة في الإنسان لا يستخرجها إلا الإيمان بالله، وما يقتضيه هذا الإيمان من أعمال وتطبيقات. وأما عن "الجنسية" فالقرآن واضح وصريح في اشتقاق جنسية الإنسان من "الأفكار" التي يدور في فلكها. فالدين يدورون في فلك -الأفكار- الرسالة الإسلامية أسماهم "المؤمنين"، والذين يكفرون -أي يحجبون، ويخفون- أفكار الرسالة ويقفون عند "أفكار" خاطئة تقتصر على معالجة الرغبات العاجلة في محطة -الحياة الدنيا- يطلق عليهم اسم "الكافرين"، والذين ينفقون "الأفكار" من أجل تعزيز ولاءاتهم لـ"الأشخاص" و"الأشياء" يطلق عليهم اسم "المنافقين". والنموذج الأول -نموذج المؤمنين- هو الذي تشتق "جنسية" الإنسان المسلم منه، وتتطلع التربية الإسلامية إلى تنشئته. ويشدد القرآن الكريم على هذه الجنسية، ويربط بينها وبين الغاية من إخراج الأمة المسلمة والوظيفة التي أخرجت من أجلها. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] . ويلحق بـ"جنسية" الإنسان المؤمن "طبقته" داخل الأمة المسلمة. وتقرر هذه الطبقة طبقا لدرجة -اتقائه- من الإصابة بمرض الطغيان أو الهوان، وإلى هذا المقياس يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . وبهذا المقياس تحددت في مجتمع النبوة طبقات الأمة المسلمة، فظهرت طبقة "المهاجرين" و"طبقة الأنصار" و"طبقة الطلقاء" و"طبقة

стр. 210

المنافقين". وهذا مقياس لا اعتبار فيه لعامل القوة الذي يدور في فلك "الأشخاص"، ولا لعامل الثروة الذي يدور في فلك "الأشياء"، وإنما يقوم على أساس اتقاء مرضي الطغيان، والهوان الذي يدور في فلك "أفكار" الرسالة الإسلامية". ولقد أثبت تاريخ الحضارة الإسلامية أنه طالما ظلت "جنسية" الإنسان المسلم تستمد من "هو سماكم المسلمين"، فإن الأمة المسلمة ظلت تعيش لحمل الرسالة إلى الناس في الخارج، وظلت "الطبقة العليا" مفتوحة لكل من "اتقى" مرضي الطغيان، والهوان مهما كان أصله ولونه وغناه أو فقره. وحين تحولت لتشتق "الجنسية" من الولاء لـ"أشخاص" الحاكمين و"أشيائهم" و"أقاليمهم" توقفت عن حمل الرسالة، واشتغلت بغيرها من أشياء الدنيا، ومالكي هذه الأشياء وظهر فيها الأشراف والموالي والسادة، والمستخدمين والممالك. وأما عن "ثقافة" الإنسان المؤمن فهي تعني -هنا: القيم ونظم الحياة، والإدارة والعادات والتقاليد، والأخلاق، والفنون التي تجسد الإيمان في تطبيقات عملية تميز حياة المؤمنين عما سواها، وتحتل التفصيلات المتعلقة بهذه الثقافة جزءا كبيرا من القرآن الكريم. من ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١-١١] . ومنها قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا

стр. 211

سَلامًا، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا، وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا، وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا، أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا، خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣-٧٦] . الحديث النبوي وتطبيقاته السنة يحددان للثقافة، والقيم الإسلامية قوائم سلوكية تصل إلى بضع وستين شعبة أو بضع وسبعين تتكون منها مجتمعة "ثقافة" إيمانية فعالة توجه النشاطات، والممارسات وتقيم شبكة علاقات اجتماعية تبلغ بالأمة المسلمة مرتبة الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى١. كذلك قام لهذه "الثقافة" الإيمانية حدود مميزة منعتها من التداخل مع "الجنسيات"، و"الثقافات" المستمدة من الانتماءات العرقية والإقليمية والمصالح المادية. والتوجيهات القرآنية في هذا الشأن كثيرة صارمة منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا

стр. 212

الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٣، ٢٤] .

стр. 213

ثانيا: أهمية الهوية والجنسية والثقافة الإيمانية في العالم المعاصر ... ثانيا: أهمية "الهوية" و"الجنسية" و"الثقافة" الإيمانية في العالم المعاصر: في الماضي أدت نظريات "هوية" الإنسان مثل "الدارونية الاجتماعية" و"التقسيمات العرقية" و"الأديان القائلة بطبقية الخلق" إلى ظهور سياسات الصراع والبقاء للأقوى، والغزو، والاستعمار، وظهور ممارسات التسلط الطبقي، وعدم المساواة، والرق، والاستئثار بمصادر العيش. وجميع هذه التطبيقات ما زالت تهيمن على السلوك البشري، والعلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب وتملأ حياتهم بالقلق والاضطراب، والشقاء والمآسي. كذلك أدت صعوبة المواصلات، وقصر مسافات السفر وضيق دائرة الحركة -في الماضي- إلى ظهور الحدود الإقليمية والقومية. فكان الإنسان لا يتحرك في الغالب إلا داخل حدود الإقليم، وكان الفرد يجد في المجتمع القائم على انتماءات الدم، والعصبيات القبلية والإقليمية، والقومية ما يشبع حاجته في الانتماء. ولذلك كانت هذه الانتماءات هي المصادر الوحيدة لتحديد "الجنسية" وبلورة "الثقافة". كانت الإقامة الدائمة والتواصل الدائم يوفران نوعا من القيم المحلية التي يمكن أن نسميها "قيم المصانعة"، وهي قيم تقوم على خجل الناس بعضهم من بعض، ومراعاة شئون بعضهم بعضًا، والتردد عن الإساءة لبعضهم بعضا، فإذا اشتدت الخلافات، وانفجرت الخصومات كان للقيم المذكورة دورها في إصلاح العلاقات وترميمها. وهكذا تطور نوع من الثقافة والعادات، والتقاليد التي تسهم في انسجام الأذواق محليا، وبذر بذور الخلاف عالميا. ثم جاء العصر الحاضر -عصر التكنولوجيا، وقرية الكرية الأرضية-

стр. 214

فأفرز ظاهرتين فريدتين: الأولى، تزويد الإنسان بأدوات فاعلة يمكن استعمالها للدفاع عن الإنسان وبناء حياته، أو لفناء الإنسان، وتدمير مقومات حياته. وافيمان بالله هوالعامل الحاسم في أحد الاستعمالين. والظاهرة الثانية، هي انهيار الحدود بين الأقطار والقوميات والثقافات، وتفتت القبائل والعائلات، ووهنت روابط الدم والإقليم إلا في أماكن معزولة، ومواقف هشة متسارعة الانهيار والانحسار، ودخلت المجتمعات البشرية في طور جديد تتميز الحياة فيه بالإقامة الموقوتة والجوار الموقوت، وانقلب التجانس الثقافي إلى "خلطة" مضطربة من الثقافات والتقاليد، والعادات والقيم في المدينة الواحدة، وأحيانا في البناية الواحدة، مما ساعد على تمزق الروابط القائمة، وتنافر الأذواق والتوتر في العلاقات في المواقف المختلفة، ووجد الإنسان المعاصر نفسه يعيش في تجمعات، وأكوام بشرية مجردة من الروابط والانتماءات، إلا ما كان من روابط المصالح المتذبذبة والشهوات الآنية الموقوتة. ولقد أفرزت هذه التغيرات المضطربة أزمات ثلاث: الأولى، عدم ملاءمة "الهوية" الشائعة عن الإنسان. والثانية، عدم ملاءمة "الجنسية" المحلية التقليدية. والثالثة، انهيار نظم "الثقافة والقيم" المحلية القديمة. أما عن الأزمة الأولى، فإن "الهوية" التي طرحتها -وما زالت تطرحها- الدارونية الاجتماعية للإنسان، والقائمة على أن البقاء للأقوى، قد بررت عمليات القتل والجريمة سواء بين الفراد، والطبقات داخل كل مجتمع أو بين المجتمعات والمجتمعات الأخرى. ولا تقتصر مضاعفات هذه "الهوية" على شعوب العالم الثالث المتخلف تكنولوجيا، وإنما تشمل العالم المتقدم تكنولوجيا الذي يتفوق في أدوات القتل والدمار. فالأفراد "الأمريكيون والأروبيون" الذين يحاربون "الآسيويين والأفارقة" في جيوش تستولي على مصادر الثروة، والطاقة هم أنفسهم الذين يعودون إلى بلادهم ليقتل بعضهم بعضا من أجل ما في جيوبهم من جنيهات ودولارات.

стр. 215

وأما عن الأزمة الثانية، فقد تحولت -الجنسية- المحلية إلى قيد خانق لحرية الفرد في التعبير والاختيار في الداخل، وحريته في التنقل والعمل والإقامة في الخارج. ففي الداخل قامت علاقات "الجنسيات" المستمدة من العصبيات العائلية والإقليمية، والقومية على أساس هيمنة عصبية معينة على بقية العصبيات والاستئثار بالجاه، والتملك مما تسبب في ظهور علاقات الريبة، وعدم الثقة والخوف والتآمر وقيام المؤسسات البوليسية، ودوائر التجسس والمخابرات لتقصي نشاطات خصوم العصبيات الحاكمة ومجابهتها. وفي الخارج اشتعلت الصراعات الدولية، وقامت علاقات الدول على المخادعة والتجسس، والتآمر ثم الانتهاء إلى الصراع المكشوف والانفجارات العسكرية المدمرة. وفي المجال الاقتصادي أشاعت "الجنسيات" المستمدة من العصبيات العائلية والإقليمية والقومية، الاحتكار والترف في ناحية والحرمان، والفقر في ناحية أخرى. وتسبيت بظواهر الاستعمار والعدوان، ونهب ثروات الشعوب في الوقت الذي تضع الدول المستعمرة -بكسر الميم- الحواجز والعراقيل وقوانين السفر، والإقامة التي تمنع أصحاب "الجنسيات" المستعمرة -بفتح الميم- والمغايرة من المساواة في فرص الإقامة، ومصادر العيش الكريم. لهذا كله صارت المجتمعات المعاصرة بحاجة إلى مفهوم جديد في "الجنسية"، مفهوم لا تتحكم به عصبيات عرقية، أو إقليمية أو مصالح مادية. ومن الإنصاف أن نقول: أن شعوب أوربا وأمريكا قد نزعت عن "الجنسيات" فيها قيود السفر، والعمل والإقامة وأحالتها إلى مجرد أدوات لـ"التعارف" تماما كما يوجه إليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] ، بينما يستمر "فقهاء الملوك والرؤساء" يسهمون في تعزيز سجون "الجنسيات" العصبية وقيودها، ومضاعفاتها التي أدت إلى وفاة الأم الإسلامية ومزقتها في الأرض كل ممزق.
следующие страницы →