ثانيا: أهمية الهوية والجنسية والثقافة الإيمانية في العالم المعاصر
...
ثانيا: أهمية "الهوية" و"الجنسية" و"الثقافة" الإيمانية في العالم المعاصر:
في الماضي أدت نظريات "هوية" الإنسان مثل "الدارونية الاجتماعية" و"التقسيمات العرقية" و"الأديان القائلة بطبقية الخلق" إلى ظهور سياسات الصراع والبقاء للأقوى، والغزو، والاستعمار، وظهور ممارسات التسلط الطبقي، وعدم المساواة، والرق، والاستئثار بمصادر العيش. وجميع هذه التطبيقات ما زالت تهيمن على السلوك البشري، والعلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب وتملأ حياتهم بالقلق والاضطراب، والشقاء والمآسي.
كذلك أدت صعوبة المواصلات، وقصر مسافات السفر وضيق دائرة الحركة -في الماضي- إلى ظهور الحدود الإقليمية والقومية. فكان الإنسان لا يتحرك في الغالب إلا داخل حدود الإقليم، وكان الفرد يجد في المجتمع القائم على انتماءات الدم، والعصبيات القبلية والإقليمية، والقومية ما يشبع حاجته في الانتماء. ولذلك كانت هذه الانتماءات هي المصادر الوحيدة لتحديد "الجنسية" وبلورة "الثقافة". كانت الإقامة الدائمة والتواصل الدائم يوفران نوعا من القيم المحلية التي يمكن أن نسميها "قيم المصانعة"، وهي قيم تقوم على خجل الناس بعضهم من بعض، ومراعاة شئون بعضهم بعضًا، والتردد عن الإساءة لبعضهم بعضا، فإذا اشتدت الخلافات، وانفجرت الخصومات كان للقيم المذكورة دورها في إصلاح العلاقات وترميمها. وهكذا تطور نوع من الثقافة والعادات، والتقاليد التي تسهم في انسجام الأذواق محليا، وبذر بذور الخلاف عالميا.
ثم جاء العصر الحاضر -عصر التكنولوجيا، وقرية الكرية الأرضية-
стр. 214
فأفرز ظاهرتين فريدتين: الأولى، تزويد الإنسان بأدوات فاعلة يمكن استعمالها للدفاع عن الإنسان وبناء حياته، أو لفناء الإنسان، وتدمير مقومات حياته. وافيمان بالله هوالعامل الحاسم في أحد الاستعمالين. والظاهرة الثانية، هي انهيار الحدود بين الأقطار والقوميات والثقافات، وتفتت القبائل والعائلات، ووهنت روابط الدم والإقليم إلا في أماكن معزولة، ومواقف هشة متسارعة الانهيار والانحسار، ودخلت المجتمعات البشرية في طور جديد تتميز الحياة فيه بالإقامة الموقوتة والجوار الموقوت، وانقلب التجانس الثقافي إلى "خلطة" مضطربة من الثقافات والتقاليد، والعادات والقيم في المدينة الواحدة، وأحيانا في البناية الواحدة، مما ساعد على تمزق الروابط القائمة، وتنافر الأذواق والتوتر في العلاقات في المواقف المختلفة، ووجد الإنسان المعاصر نفسه يعيش في تجمعات، وأكوام بشرية مجردة من الروابط والانتماءات، إلا ما كان من روابط المصالح المتذبذبة والشهوات الآنية الموقوتة.
ولقد أفرزت هذه التغيرات المضطربة أزمات ثلاث: الأولى، عدم ملاءمة "الهوية" الشائعة عن الإنسان. والثانية، عدم ملاءمة "الجنسية" المحلية التقليدية. والثالثة، انهيار نظم "الثقافة والقيم" المحلية القديمة.
أما عن الأزمة الأولى، فإن "الهوية" التي طرحتها -وما زالت تطرحها- الدارونية الاجتماعية للإنسان، والقائمة على أن البقاء للأقوى، قد بررت عمليات القتل والجريمة سواء بين الفراد، والطبقات داخل كل مجتمع أو بين المجتمعات والمجتمعات الأخرى. ولا تقتصر مضاعفات هذه "الهوية" على شعوب العالم الثالث المتخلف تكنولوجيا، وإنما تشمل العالم المتقدم تكنولوجيا الذي يتفوق في أدوات القتل والدمار. فالأفراد "الأمريكيون والأروبيون" الذين يحاربون "الآسيويين والأفارقة" في جيوش تستولي على مصادر الثروة، والطاقة هم أنفسهم الذين يعودون إلى بلادهم ليقتل بعضهم بعضا من أجل ما في جيوبهم من جنيهات ودولارات.
стр. 215
وأما عن الأزمة الثانية، فقد تحولت -الجنسية- المحلية إلى قيد خانق لحرية الفرد في التعبير والاختيار في الداخل، وحريته في التنقل والعمل والإقامة في الخارج.
ففي الداخل قامت علاقات "الجنسيات" المستمدة من العصبيات العائلية والإقليمية، والقومية على أساس هيمنة عصبية معينة على بقية العصبيات والاستئثار بالجاه، والتملك مما تسبب في ظهور علاقات الريبة، وعدم الثقة والخوف والتآمر وقيام المؤسسات البوليسية، ودوائر التجسس والمخابرات لتقصي نشاطات خصوم العصبيات الحاكمة ومجابهتها.
وفي الخارج اشتعلت الصراعات الدولية، وقامت علاقات الدول على المخادعة والتجسس، والتآمر ثم الانتهاء إلى الصراع المكشوف والانفجارات العسكرية المدمرة.
وفي المجال الاقتصادي أشاعت "الجنسيات" المستمدة من العصبيات العائلية والإقليمية والقومية، الاحتكار والترف في ناحية والحرمان، والفقر في ناحية أخرى. وتسبيت بظواهر الاستعمار والعدوان، ونهب ثروات الشعوب في الوقت الذي تضع الدول المستعمرة -بكسر الميم- الحواجز والعراقيل وقوانين السفر، والإقامة التي تمنع أصحاب "الجنسيات" المستعمرة -بفتح الميم- والمغايرة من المساواة في فرص الإقامة، ومصادر العيش الكريم.
لهذا كله صارت المجتمعات المعاصرة بحاجة إلى مفهوم جديد في "الجنسية"، مفهوم لا تتحكم به عصبيات عرقية، أو إقليمية أو مصالح مادية. ومن الإنصاف أن نقول: أن شعوب أوربا وأمريكا قد نزعت عن "الجنسيات" فيها قيود السفر، والعمل والإقامة وأحالتها إلى مجرد أدوات لـ"التعارف" تماما كما يوجه إليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] ، بينما يستمر "فقهاء الملوك والرؤساء" يسهمون في تعزيز سجون "الجنسيات" العصبية وقيودها، ومضاعفاتها التي أدت إلى وفاة الأم الإسلامية ومزقتها في الأرض كل ممزق.
стр. 216
وأما عن الأزمة الثانية، أي انهيار نظم "الثقافة والقيم" المحلية القديمة فقد صار الإنسان المعاصر يعاني مما يسميه علماء الاجتماع، وعلماء النفس الإحباط وخيبة الأمل Frusttration والإحساس بالاغتراب Alienation والشعور بالضعف Powerlessness والمعاناة من عدم الانسجام، ومظاهر الشذوذ في الحياة والسلوك Normlessness.
ولقد حل محل القيم المحلية المنهارة قيم جديدة يمكن أن نسميها -قيم المصلحة- وهي قيم تشبه مناديل الورق التي يستعملها الإنسان للحظات أو دقائق، ثم يلقي بها في سلة النفايات وبراميل القاذورات. لذلك أصبح المجتمع المعاصر يعاني من مظاهر التفكك، والانحلال واللامبالاة وانهيار الصداقات والعلاقات دون أن يحسب الناس لبعضهم بعضا كبير حساب. لهذا كله صارت المجتمعات المعاصرة بحاجة إلى مفهوم جديد في "الثقافة والقيم" التي توفر للإنسان حاجاته في الانتماء، والتقدير أينما حل وأقام، وتوفر الأمن والاستقرار أينما سافر وعمل.
ولكن الحلول التي يطرحها المختصون لأزمة "الثقافة والقيم" ما زالت حلولًا متخلفة قاصرة، بل إن بعضها ليزيد الطين بلات والويل ويلات. ومثال ذلك ما يقترحه -ألفن توفلر Alvin Toffier أحد مشاهير المفكرين المستقبليين Futurists في كتبه المختلفة مثل كتاب -صدمة المستقبل Future Shock الذي طبع في سنة واحدة تسع طبقات بلغ عددها ٢٧ مليون نسخة، كما ترجم إلى عدة لغات، وما زال يطبع ويترجم بنفس الكثافة والانتشار.
لقد عالج -توفلر- التغيرات الكاسحة التي تحدثها التكنولوجيا في شبكة العلاقات الاجتماعية على المستويات المحلية والعالمية، واجتهد أن يضع شبكة علاقات جديدة لمجتمعات المستقبل. ولقد كان في تشخيصه دقيقًا عميق الحس، فهو مثلا يذكر أن التكنولوجيا الحديثة حولت المجتمعات الحديثة إلى من أسماهم -البدو الجدد The New Nomads- الذين يركبون الطائرات بدل الجمال، وينزلون في المطارات بدل المضارب،
стр. 217
وينامون في الفنادق بدل الخيام، ويحملون الحقائق بدل -الأخراج والأكياس- وكذا ... وكذا ...
ولكن معالجاته وحلوله جاءت بالطامات الكبرى، فهو -مثلًا- يقترح "النسبية المطلقة" في القيم والأخلاق والسلوك، ويدعو إلى تبرير جميع ألوان الشذوذ والانحراف، وتدمير الأسر، والروابط الاجتماعية، وإلى إيجاد مؤسسات الأمومة، وتفريخ الأطفال بالجملة، والزواج المؤقت، واستئجار الأرحام، وبيع النطف، والسماح بالأسر التي يكونها ذوو الشذوذ الجنسي، وبالصداقات الموقوتة، على أن يكون المحور الذي تدور في فلكه كل هذه الظواهر المقترحة هو توفير الطاقات العاملة لمراكز الإنتاج والعمل١.
ولو تعدينا -ألفن توفلر- إلى غيره من مشاهير المفكرين من أمثال: ثيودور روزاك، ودانيال بل، وفوتز شوماخر، وديفيد بربل، ورنيه دوبو، لوجدنا أيضًا أن إبداعاتهم تقف عند تشخيص الأزمة القائمة في "الثقافة والقيم" أما المعالجة والحلول، فلا تتعدى صيحات التحذير واستنفار المختصين، والدعوة إلى تظافر الجهود للبحث عن شبكة علاقات اجتماعية جديدة مع مراعاة الانفتاح على ثقافات العالم كله، والاستعداد لتقبل البديل المنفذ المناسب٢.
وهناك فريق ثالث يحمل اسم -الواقعيين، وهؤلاء يبررون الصراعات الداخلية والحروب الخارجية على أساس أن الحياة تنظمها قوانين البقاء للأقوى، أو ما يسمى بـ"الدارونية الاجتماعية". وهذه فلسفات تبرر عمليات الصراع، والقتل والتدمير، وترك الإنسان المهزوم لمصيره في الهلاك إن نزلت به الكوارث العسكرية، والطبيعية والأزمات الاقتصادية٣.
стр. 218
وحين نمعن النظر في الخارطة الفكرية للعالم المعاصر: عالم قرية الكرة الأرضية الذي استحالت فيه القارات إلى حارات، والأجناس إلى عائلات، والأقطار إلى بيوت، لا نجد منقذا إلا أن تتوجه البشرية إلى عنصر الإيمان بمفهومه الإسلامي لتستمد منه "هويتها" و"جنسيتها" و"ثقافتها"، وليمدها بقيم التقوى التي تلازم -البدو الجدد حسب تسمية ألفن توفلر- أينما رحلوا وأينما حلوا، وتشدهم إلى قوة أعلى هي معهم أينما كانوا، تراقبهم ويراقبونها، ويحسبون حسابها أينما كانوا، قوة الله القائل:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] .
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
стр. 219
ثالثا: دور التربية في إخراج الأفراد المؤمنين وتنمية تطبيقات الإيمان في الهوية والجنسية والثقافة
...
ثالثا: دور التربية في إخراج الأفراد المؤمنين، وتنمية تطبيقات الإيمان في "الهوية" و"الجنسية" و"الثقافة"
لا تكفي الوسائل التقليدية في إخراج الأفراد المؤمنين، بل لا بد من مؤسسات تربوية جديدة تعمل على أساس من المعرفة العلمية الراسخة بأصول التربية الإسلامية، وميادينها، ومناهجها، المحيطة بالحاجات والتحديات التي يفرضها التطور في الزمان والمكان.
ويراعى في عمل المؤسسات التربوية المقترحة أن تركز على ما يلي:
١- إعادة تأصيل مفهوم الإيمان لتتمركز تطبيقاته الفكرية، والعملية في واقع الاجتماع الإنساني على الأرض بدل نفيه في مقولات عيبية بعيدا عن رحلة الإنسان عبر الحياة والمصير.
٢- إعادة تأصيل "هوية" الإنسان على أساس من المعرفة العلمية بالنفس الإنسانية، وتطوير مناهج علم النفس ووسائله حتى يقوم بدوره في استخراج فطرة الإنسان الخيرة، وإبراز آيات الله في الأنفس.
стр. 220
٣- إبراز خطورة الفصل بين عناصر: "الهوية" و"الجنسية" و"الثقافة" في حياة الأفراد المؤمنين؛ لأن الأمة التي تتحد فيها "هوية" الإنسان و"جنسيته" على أساس الإيمان بالله هي وحدها التي تكون "ثقافتها" -أي قيمها ونظمها وأخلاقها وعادتها وتقاليدها، وفنونها وشبكة العلاقات الاجتماعية- مستمدة من الإيمان وذات مضامين إيمانية.
أما الأمة التي تتحدد "الجنسيات" فيها طبقًا لعصبيات العائلة أو القبيلة أو الإقليم أو القومية، فلا تكون "ثقافتها" إلا مثلها. وهذا ما يفسر التناقضات القائمة بين الانتماء الإسلامي للأقطار العربية، والإسلامية المعاصرة وبين ممارساتها الاجتماعية والسياسية، وسائر شبة العلاقات الإنسانية فيها.
٤- تفنيد "الجنسيات" و"الثقافات" الإقليمية القائمة في ديار المسلمين، وما ينتج عنها من مضاعفات سلبية في العلاقات السياسية، وقضايا الحدود وشئون الإدارة والهجرة، والإقامة والسفر والعمل والتملك باعتبارها -كبائر- مخالفة لـ"الجنسية" و"الثقافة" الإيمانيتين، وعوائق مانعة لـ"الماعون" الذي يجسد الأخوة الإيمانية ويهيئ للمسلمين أن يعيشوا إسلامهم عمليا في الداخل، وينهضوا برسالتهم في الخارج.
وخلال تفنيد هذه -الكبائر- السياسية، والثقافية لا بد من توضيح أشكال التخريب الذي مارسته النظم التربوية، والمؤسسات الإعلامية ودور النشر والصحابة في العالم الإسلامي منذ قرن، أو أكثر من أجل ترسيخ "الجنسيات" و"الثقافات" التي استمدها المستعمر -بكسر الميم- غير المسلم من عصبيات القبيلة، والإقليم والقومية وأحلها محل "جنسية" الإيمان و"ثقافة" الإسلام، ثم أوقف الإنسان المسلم تحت راياتها ينشد باسمها الأناشيد الوطنية، ويقاتل في سبيلها أخاه المسلم، وهو يحسب أنه يقاتل في سبيل الله. ولا بد كذلك من تبيان آثار هذه "الجنسيات" و"الثقافات" العصبية في تعطيل فاعلية "جنسية" الإيمان، و"ثقافته" ودحرهما من ميدان الحياة الاجتماعية، والتطبيقات الإدارية والسياسية، والولاءات العملية إلى مخزون الانتماء النظري
стр. 221
لتستثمر عند الحاجة لها من أجل نصرة "جنسيات" و"ثقافات" العصبيات العائلية والقبلية، والطائفية والإقليمية والقومية.
فإذا أحاط -إنسان التربية الإسلامية- بهذا كله أمكنه الوقوف على الحكمة من التوجيهات النبوية التي تدرج الارتداد إلى هذه "الثقافات" و"الجنسيات" العصبية في قائمة الكبائر الملقية في النار١.
٥- بلورة المعادلات العملية لكل من "الهوية"، و"الجنسية" و"الثقافة" الإيمانية ثم تربية -إنسان التربية الإسلامية- على الولاء لها، وتدريبه على ترجمتها إلى قيم ونظم سياسية، وإدارية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، وثقافية وعلى إقامة المؤسسات، وتوفير الأدوات اللازمة لتطبيق النظم المذكورة. وأي قصور في هذه المجهودات المطلوبة سوف يقود إلى قصور في التطبيقات العملية، والاقتصار على التلقين النظري، وسوف تكون آثار هذا القصور مثل آثار تجربة السلوكيين على الكلب الذي اعتاد على أكل الدجاج الحي، حين علقوا بعنقه دجاجة ميتة لا يستطيع الوصول إليها، ولا التخلص من نتنها، فكانت النتيجة أن رائحة النتن انتهت بالكلب إلى كراهية الدجاج، والهروب من رؤيته حيا وميتا.
وهكذا التربية التي تقتصر على التلقين دون التطبيق، فإنها تنتهي بالإنسان إلى اليأس والإحباط، وعدم تصديق الدعاوى المنادية بالقيم الخيرة، والأعمال الإيمانية الصالحة. وهنا تبدو حكمة الله تعالى في تخصيص أكبر مقته للذين يقولون ما لا يفعلون.
٦- إعادة تأصيل طرق وأساليب إخراج الفرد المؤمن بحيث تتفاعل
стр. 222
في نفسه آيات الوحي في الكتاب مع آيات الله في الآفاق، والأنفس في مختبرات العلم، ويتظافر القسمان لاستخراج معجزات العصر، وبذلك يولد اليقين وتتجسد صلاحية القرآن لكل زمان ومكان.
ولعل من متطلبات التأصيل المقترح أن تقوم المؤسسات التربوية المنشودة بمراجعة شاملة جريئة للأساليب التربوية الموروثة، إذ يشير النظر في تاريخ التربية الإسلامية إلى أن هذا التاريخ شاهد طريقتين لإخراج الأفراد المؤمنين، الأولى: طريقة الرسول ﷺ وامتداداتها على أيد أصحابه في العصر الراشدي، والتي كان من ثمارها إخراج أمة مسلمة حملت رسالة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والإيمان بالله. والثانية: طريقة القولبة المذهبية التي كان من ثمارها انقسام الأمة الإسلامية القائمة إلى الفرق، ومذاهب تتجادل وتتناحر، وكل يدعي احتكار الإيمان، ويتبادل مع الآخرين قذائف التفسيق والتكفير.
وتقوم -الطريقة الأولى- على تدبر أفعال الله وسننه وقوانينه في الخبرات الفعلية التي كان الرسول، والذين معه يمرون بها يوميا في قلب الاجتماع الإنساني، وشبكة العلاقات الاجتماعية القائمة في ميادين الفكر والثقافة والاجتماع والسياسة، والاقتصاد وشئون الحرب والسلم وغيرها في ضوء توجيهات الوحي المتدرجة المتتابعة. أي أن هذه الطريقة كانت تتكامل فيها التوجيهات التربوية مع التطبيقات العملية، وتهيئ لآيات الوحي أن تتفاعل في نفس المتعلم مع آيات الآفاق، والأنفس في تجارب عملية يكون من ثمراتها حصول "اليقين" ثم "الإيمان". وفي إطار هذا التوجه تنزل مفهوم الإيمان وتحددت محتوياته، ومعادلاته العملية في حياة الأفراد المؤمنين.
فـ"الإيمان بالله" جاء ليعرف -إنسان التربية الإسلامية- بانفراد الله في تربية العوالم كلها، وإرشاد هذا الإنسان إلى سننها وعلاقاتها، والتعامل معها لما فيه بقاء الإنسان ورقيه. وبناء على ذلك طالب المؤمنين بالتزكي من صنمية العصر التي تمركزت في -صنمية الأنداد- الذين يزعمون القدرة على
стр. 223
التأثير بمصائر العوالم، ويدعون الحق في تحديد "جنسيات" الجماعات الإنسانية و"طبقاتها" و"ثقافاتها" طبقا لمصالح عائلاتهم أو طبقاتهم، أو أقاليمهم أو قبائلهم أو قومياتهم أو أعراقهم في التملك والجاه والهيمنة.
و"الإيمان بالملائكة" جاء لإنضاج الوعي عند -إنسان التربية الإسلامية- بفاعلية ملائكة الله في تنفيذ أوامر، ورقابتهم للبشر وتدوين أعمالهم خلال الحياة اليومية الجارية، ليكون هذا الإيمان سببا في الاستهانة بأحكام البشر ورقابة أعوان الظلمة، والأصنام الأنداد الذين يعملون بقوة السلاح، وسحر الكلمة على تجريد الناس من التفكير والإرادة، ثم تحويلهم إلى مخلوقات بشرية لا عمل لها إلا طاعة الجبابرة، والتسبيح بحمدهم والدعاء لهم بطول العمر، ودوام السلطان.
و"الإيمان بالكتب الإلهية" استهدف استيقان المؤمنين بأهمية الاستنارة بهذه الكتب في ميادين الحياة المختلفة، وتحصينهم من سحرة الفكر، والثقافة الذين يزيفون الحق ويزينون الباطل في النشاطات اليومية الجارية.
و"الإيمان بالرسل" استهدفت تنيمة اليقين عند -إنسان التربية الإسلامية- بأهمية الاستجابة لرسالاتهم وأهمية الاقتداء بهم، وأثر هذا في حفظ النوع البشري ورقيه، وصيانة المؤمنين من ضلالات شياطين الإنس الذين ينتهون بالناس إلى الكفر، والفسوق والتخلف، والانحلال والهلاك.
و"الإيمان بالآخرة" استهدف إيقاظ -إنسان التربية الإسلامية- لمصير المسيرة الإنسانية عبر الحياة إلى ما بعدها، والوعي بالأمانة الموكلة للإنسان خلال المسيرة المذكورة.
و"الإيمان بالقدر خيره وشره" استهدف إنضاج الوعي عند إنسان التربية الإسلامية بأهمية "التفكير السنني -القانوني- الذي يتحقق بأن كل شيء خلقه الله بقدر -أي بقانون- وأن السلوك الخير والسياسات الخيرة، بناء على هذه الأقدار، يثمران اجتماعا إنسانيا راقيا وحضارة متقدمة، وأن السلوك الشرير والسياسات الشريرة ثمرتها الانحطاط الاجتماعي، والتخلف
стр. 224
الحضاري. وفي المقابل فإن جميع المزاعم والمقولات التي يشيعها سحرة الكلمة والبيان من الشعراء الغاوين، ومن الأدباء والإعلاميين، والفنانين عن إرادات أصحاب النفوذ والجاه، فإنها حين تصطدم بأقدار الله -أي قوانينه وسننه- فإنها لا يكون من ثمارها إلا ضنك العيش وخسران المصير. ثم تكون المحصلة النهائية للإيمان بالقدر خيره، وشره هي الالتزام بالتفكير العلمي، والموضوعية في جميع السياسات وأنماط السلوك.
أما -الطريقة التربوية الثانية- التي شاهدها تاريخ التربية الإسلامية فهي -طريقة القولبة المذهبية- التي نشأت حين هيمن رجال القوة على رجال الشريعة، والفكر ودحروهم من قلب الاجتماع الإنساني إلى عالم الغيب المتعلق بـ"ذات الله"، وعالم "الفرد" الخاص المتعلق بالهيئة وشعائر العبادة وقضايا الطهارة، وعلاقات الزوجين ومعاملات الأسواق، تاركين قضايا الحياة الرئيسة، -خاصة شئون الحكم والمال العام- لـ"ثقافة" العصبيات القبلية بتقاليدها وأعرافها الصنمية القائمة على "طغيان" القوي و"استضعاف" الضعيف. فمنذ ذلك التحول قام عمل المؤسسات التربوية فيما يخص "الإيمان"، وإخراج الأفراد المؤمنين على التلهي بالجدل حول قضايا الاستواء والنزول، والتجسيد والتشبيه ومحاكمة الماضين الأموات، والعزل الأحياء بالنسبة لهذه القضايا، وعلى تلقين المتعلمين "فهم" إنسان معين أو فرقة معينة دون أن يصاحب هذا التلقين تجارب عملية في مختبر الآفاق والأنفس، فكان من ثمار هذا التلقين المجرد تكوين "اعتقاد" مقولب يفرز سلوكا جامدا لا يتغير ولا يتبدل. ثم تطورت ونمت هذه الأساليب، وأفرزت مناهج دراسية عرفت باسم "مباحث العقيدة".
والعقيدة -كدلالة على الإيمان الصحيح أو الخاطئ- مصطلح لم يرد في القرآن والسنة، وإنما لذي ورد هو "اليقين"، ومشتقاته التي تكررت في "٢٨" موضعا من سور القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى:
﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ١١٨] .
стр. 225
- ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] .
- ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] .
- ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢] .
وهناك فرق كبير بين "العقيدة أو الاعتقاد" وبين "اليقين". فالاعتقاد مجرد تقبل وتسليم باعثه "الميل" أو "الكره"، وثمرته إخراج إنسان يختزن في رأسه أفكارًا معينة دون برهان أو دليل، و"يعقد" عليها عقدة -أو ختما حسب تعبير القرآن- لا تسمح بالتبديل أو التعديل، و"يعصب" عينيه وأذنيه عن كل ما يخالف هذا "الاعتقاد" أو لا يرضيه، ولذلك فمن الطبيعي أن يتخذ الحوار بين أصحاب "العقيدة" شكل المصادمات المذهبية. والواقع أن هذا الأسلوب في "الاعتقاد" هو شكل متطور للعصبيات، والولاءات القبلية بعد أن تكيفت للبيئة الإسلامية، وطلت نفسها بطلاء إسلامي، وصاحب "الاعتقاد" المذهبي هو شخص متطور عن الشاعر الجاهلي الذي، قال: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد وما زالت الأقاليم الإسلامية توالي -الإمام أو الفقيه- الذي خرج أو يخرج منها، وتشايعه دون فهم أو إطلاع، وتضفي عليه لقب "شيخ الإسلام" تيمنا بـ"شيخ القبيلة" ولا تعترف بهذه المشيخة لغيره إلا لمن أوصى به هذا "الشيخ" أو زكاة!! وما زالت -العصبيات القبلية- تتكيف لتلائم موجات الرأسمالية والاشتراكية، والديموقراطية والتنظيمات الإدارية، ومؤسسات الحكم التي تفد من بلاد الرأسمالية والاشتراكية حيث تقتبس ألقابها، ومصطلحاتها وتتزي بأزيائها وتحتفل باحتفالات ومراسمها، ولكنها تبقى في مضمونها، وجوهرها نظما قبلية -تستمد روحها من "ثقافة" عصبيات ما قبل الإسلام.
أما "اليقين" فهو قناعة ورضى راسخان. وهو ثمرة تجربة محسوسة يتزاوج فيها خبر الوحي مع برهان محسوس من ميدان الآفاق والأنفس -أي ميدان الاجتماع الإنساني والكون الطبيعي- أي هو ثمرة تحرير الفرد في
стр. 226
"خبرة مربية" يكون من نتائجها مشاهدة معجزة كونية، أو اجتماعية أو نفسية تدعم الآية القرآنية، وتكشف عن صدقها. ثم تكون المحصلة النهائية لـ"اليقين" هي إخراج أفراد مؤمنين "يوقنون" بما يؤمنون به، ولهم القدرة على التعايش مع الشئون الإلهية المتجددة في مختلف الأزمنة والأمكنة، وإخراج أمة مسلمة متحدة الكلمة راقية الرسالة!!
стр. 227
الفصل الثامن عشر: العنصر الثاني الهجرة والمهجر
معنى الهجرة
...
الفصل الثامن عشر: العنصر الثاني: الهجرة والمهجر
والعنصر الثاني من عناصر الأمة المسلمة هو -الهجرة- التي توفر للأفراد المؤمنين أن يعيشوا نموذج -المثل الأعلى- للحياة الإسلامية، وأن يتحرروا من كافة الأغلال والآصار الثقافية، والاجتماعية والمعنوية والمادية التي تحول دون هذا العيش.
معنى الهجرة:
الهجرة معناها الانتقال، وهي نوعان: انتقال حسي، وانتقال نفسي. والانتقال الحسي معناه الانتقال من مجتمعات الكفر، والشرك إلى مجتمع الإيمان.
أما الانتقال النفسي، فهو يعني الانتقال من ثقافة مجتمعات غير المؤمنين بنظمها، وعقائدها وأخلاقها وقيمها وعائدتها، وتقاليدها وتطبيقاتها المختلفة إلى ثقافة الإيمان بمظاهره وتطبيقاته ومؤسساته، وإلى هذا النوع من الهجرة النفسية كانت التوجيهات الإلهية عند قوله تعالى:
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] .
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠] .
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] .
وإلى النوعين مجتمعين من الهجرة كانت الإجابات النبوية عن معنى الهجرة وأشكالها. فلقد سأله أعرابي بقوله: يا رسول الله أخبرنا عن
стр. 228
الهجرة؟ إليك أينما كنت أو لقوم خاصة أم إلى أرض معلومة، أم إذا مت انقطعت؟
فسكت عنه يسيرًا ثم قال: "أين السائل؟
قال: ها هو ذا يا رسول الله!
قال: الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر، وإن مت بالحضر"١.
وفي موقف آخر قال ﷺ : "المهاجر من هجر السوء فاجتنبه" ٢.
وفي موقف آخر قال ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تطلع الشمس من مغربها" ٣.
وفي موقف آخر سأل رجل فقال: يا رسول الله أي الهجرة أفضل؟
قال: "أن تهجر ما كره ربك! وهما هجرتان: هجرة البادي، وهجرة الحاضر، فهي أشدها وأعظمها بلية" ٤.
وممن ناقش رابطة الهجرة -الرازي- فقال:
"الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان. وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفر إلى أعمال المسلمين. قال ﷺ : "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه". وقال المحققون: الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته ... وبذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر. ثم لم يقتصر تعالى عن ذكر الهجرة بل قيده بكونه في سبيل الله. فإنه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار
стр. 229
الإسلام. ومن شعار الكفر إلى شعار الإسلام لغرض من أغراض الدنيا. إنما المعتبر وقوع الهجرة لأجل أمر الله"١.
ولقد نقل -القرطبي- عن ابن العربي أنه قسم الهجرة إلى ستة أقسام: الأول: الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضا في أيام النبي ﷺ ، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي ﷺ حيث كان، فإن بقي في دار الحرب عصى ويختلف في حاله. والثاني: الخروج من أرض البدعة. قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف، والمنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] . والثالث: الخروج من أرض غلب عليها الحرام؛ لأن طلب الحلال فرض على كل مسلم. والرابع: الفرار من الأذية في البدن، وذلك رخصة إلهية، وأول من فعلها إبراهيم ﵇، فإنه لما خاف من قومه قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] ، وقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] وقال مخبرا عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] . والخامس: خوف المرض في البلاد الموبوءة والخروج منها إلى الأرض المعافاة، وهو ما أذن به الرسول ﷺ للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح، فيكونوا فيه حتى يصحوا. والسادس: الفرار خوف الأذية في المال؛ لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والأهل مثله وأوكد٢.
والخلاصة إن التعاريف النبوية للهجرة، وتفسيرات الباحثين الإسلاميين تشير بوضوح تام إلى أن الهجرة قسمان: هجرة جسدية وهجرة نفسية، وأن الهجرتين متكاملتان متبادلاتا الفاعلية والتأثير. ذلك أن -الأفراد المؤمنين-
стр. 230
الذين يتناثرون في بيئات غير إسلامية لا يستطيعون العيش حسب نماذج -المثل الأعلى- الإسلامي للحياة، ولا يستطيعون النجاة بناشئتهم من الضغوط الأخلاقية والاجتماعية، والثقافية المحيطة، إلا إذا قاموا بهجرة جسدية إلى -مهجر- إسلامي تتوفر فيه أسباب الحياة الإسلامية، والهجرة النفسية من آثار الثقافات اللاإسلامية وتطبيقاتها في المشاعر والعقول والسلوك. ويستمر التلازم بين الهجرتين ما دام المؤمنون لم يمسكوا بزمام القيادة الدولية، فإذا تم لهم هذا الإمساك توقفت الهجرة الحسية، واستمرت الهجرة النفسية -على مستوى العالم كله- وهو ما أشار إليه الرسول ﷺ بعد فتح مكة، وإمساك المسلمين لزمام الأمر في الجزيرة كلها فقال: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" ١.
ويلاحظ على الهجرة بمفهومها المعنوي أنها تقابل "التزكية" أو -"تغيير" ما بالأنفس- اللذين يشدد عليهما القرآن الكريم. وغاية هذا التغيير هو -هجر- الثقافة الخاطئة أو الآبائية التي انقضى زمنها. ولقد كان أبرز مظاهر الهجرة المعنوية هو الانتقال من -ثقافة العصبية القبلية- بكل قيمها، وتطبيقاتها الصنمية إلى ثقافة الإسلام بكل قيمها وتقاليدها التوحيدية. ولذلك نبه الرسول ﷺ إلى أن العودة إلى ثقافة الطور القبلي ومفاهيم القبلية، وتطبيقاتها هو مظهر من مظاهر الردة، وكبيرة من الكبائر المخلدة في النار. فعن عبد الله قال: آكل الربا، وموكله وكاتبه إذا علموا بذلك، والواشمة والمستوشمة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابيا بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة٢.
стр. 231
وفي تفسير الطبري لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] ، أن علي بن أبي طالب قال في مسجد الكوفة: يا أيها الناس إن الكبائر سبع! فأصاخ الناس. فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: ألا تسألوني عنها؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما هي؟ قال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار يوم الزحف، والتعرف بعد الهجرة.
فقلت لأبي: يا أبت التعرب بعد الهجرة، كيف لحق ههنا؟
فقال يا بني: وما أعظم من أن يهاجر الرجل حتى إذا وقع سهمه في الفيء، ووجب عليه الجهاد خلع ذلك من عنقه فرجع أعرابيا كما كان!
وعن عبيدة بن عمير قال: الكبائر سبع ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله ... إلى أن قال: والتعرب بعد الهجرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ ١.
ولعل الحكمة من اعتبار -العودة إلى العصبية القبلية، أو التعرب بعد الهجرة -ردة وكبيرة من الكبائر هو أن هذه العودة نكسة في نظام القيم الإسلامية حيث تعود "القوة فوق الشريعة" أو فوق القانون، ويعود الولاء للقبيلة بدل الأمة، أي تعود "قوة" رأس القبيلة، وإرادته لتحل محل "الشريعة" وإرادة الله. فهي إذن عودة لجوهر الصنمية، وما يرافقها من عودة إلى الارتجال والفردية والفوضى بدل الإعداد وروح الجماعة والنظام. وذلك وصف الله -المتعربين- بقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٢ ولذلك أيضا عرف الرسول ﷺ هجرة البدوي
стр. 232
بقوله: هجرة البادي الطاعة١. أي طاعة الشريعة والانقياد للنظام٢.
стр. 233
أهمية الهجرة:
الهجرة عنصر أساسي من عناصر الأمة المسلمة، ولها أهميتها في استمرار عافيتها، والحفاظ عليها من عوامل المرض والوفاة. وتتمثل هذه الأهمية فيما يلي:
الأهمية الأولى، تخليص المؤمنين من العوز وعدم الأمن ثم إطلاق قدراتهم الدفاعية، والإنتاجية في أيام السلم والحرب سواء. وإلى هذه النتائج الهامة كانت الإشارة الإلهية عند قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] .
والمراغم هو المنعة والقوة، أو ما يرغم به المؤمنون المهاجرون ظالميهم على مسالمتهم ويردعونهم عن العدوان عليهم. والسعة هي الغنى وسعة العيش. ويتكرر الحديث عن أهمية الهجرة في توفير المنعة، والإنجاز الحضاري في مواضع عديدة من القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١] .
стр. 234
ونظرا لأهمية الهجرة في توفير المنعة، وإطلاق القدرات وتوفير الإنجازات أدان الله سبحانه المتقاعسين عن الهجرة، وتوعدهم بالعذاب. من ذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] .
ويروي المفسرون عن عبد الله بن عباس أن ناسا من المسلمين لم يهاجروا فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت الآية١.
ولقد استمرت الهجرة عاملا أساسيا في قوة حركات الإصلاح التي نجحت في إخراج العالم الإسلامي من ضعفه -في فترات متقطعة، وفي أماكن مختلفة- مثل الحركة التي أخرجت جيل صلاح الدين في المشرق، والحركة التي أخرجت جيل المرابطين في المغرب. فقد هجرت الأولى "فقه" السلاطين، و"ثقافة" النفاق اللذين ضربا مجتمع الخلافة في بغداد ثم انسحبت إلى المهجر الذي نما، وامتد حتى شمل المنطقة الواقعة ما بين الموصل وشمال سوريا في الشمال، وبين مصر والحجاز في الجنوب. كذلك اتخذت الثانية لها مهجرا في غرب أفريقيا، ثم خرجت قوة ردت العافية للمغرب والأندلس لقرون٢.
والأهمية الثانية، هي إن الهجرة -بمعناها النفسي والحسي- تنسجم مع حقيقة من الحقائق الكبرى التي يطرحها الإسلام عن الوجود. وهذه
стр. 235
الحقيقة هي -استمرارية الخلق- أي أن هذا الكون ما زال يخلق: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] . واستمرارية الخلق هذه ترفد الحياة دائما بالجديد من الأفكار والأشخاص والأشياء. والكائنات الجديدة تفرز -علاقات جديدة. والعلاقات الجديدة تتطلب -قيما جديدة- تترجم إلى نظم ومؤسسات، وسياسات جديدة: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] . والذين لا يعون استمرارية الخلق وما ينتج عنها من تجدد في الشئون، والعلاقات والقيم والتطبيقات لا يفقهون مضمون الهجرة المطلوبة، ويقلعون في الاتجاه المعاكس للتاريخ فيرتدون إلى الآبائية ويسقطون في التخلف، ويلفهم اللبس والحيرة والاضطراب، وينتهون إلى البوار: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] .
والأهمية الثالثة، هي أن الهجرة بمعناها الشامل حركة تجديد مستمر، وعامل من عوامل قوة الأمة الفكرية والمادية؛ لأنها تجتذب حول "المثل الأعلى" الذي تطرحه الرسالة الإسلامية العناصر الصالحة المتفوقة من كل جيل من البشرية كلها لتلتقي حول أسمى الغايات، وتتعاون لإنجاز أرقى الحضارات. ومن المحزن أن لا يبرز "فقه وفقهاء للجنسية والمواطنة" القائمة على مفهوم الهجرة هذا في الوقت الذي نشاهد أثر قوانين الهجرة -التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية- في تجميع العناصر ذات الكفاءات العالية من أقطار الأرض كلها، ثم إطلاق قدراتها وإرادتها لما فيه قوة الولايات المتحدة، واحتلالها مكان الصدارة في العالم كله.
ومن الموضوعية أن نقول: أنه في الوقت الذي يعجز العقل الإسلامي المعاصر عن شهود مراد الوحي في -العلاقة بين استمرارية الخلق، والهجرة وتجدد عافية الأمم- فإن الفكر الغربي المعاصر قد شهد هذه الحقيقة ونظم حياته طبقا لها، وإن كانت العلاقات السلبية التي قامت بين المفكرين، وبين الكنيسة جعلتهم -على المستوى العقائدي- يتنكرون لفكرة الخلق ويستدلونها بفكرة "النشوء والارتقاء والتطور" أي الاعتقاد بأن الكون ينشأ
стр. 236
ويرتقي ويتطور من نفسه دون اعتبار لقوة الله المسيرة للنشأة والترقي والتطور، وهكذا ظهر عند الغربيين ما يسمى بنظرية التطور evolution، ونظرية الخلق Creationism.
ولكن من الإنصاف أن نقول أن العقل الإسلامي في الماضي لم يكن غائبا دائما عن أهمية الهجرة واستمراريتها. فهذا ابن تيمية يعلق على الآية التي قدمناها كإطار لعناصر الأمة المسلمة، ويذكر أن المؤمنين الذين ذكرتهم الآية صنفان: المهاجرون الذين هاجروا إلى المدينة من بلادهم، والأنصار الذين استقبلوهم. ومن لم يهاجر من الأعراب لهم حكم آخر. وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم. فكل هذه الأنواع حكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظائرهم. وأضاف أن معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ هو إشارة إلى من تبع هذا المنهاج إلى يوم القيامة١.
ولكن الآبائية التي تستمد جذورها من ثقافة العصبية القبلية كانت دائما تطلي حرانها بطلاء إسلامي فترفض الهجرة والتجدد، وتشن إرهابا فكريا على العقول المجددة، وتغري الحاكمين بأصحابها، فتجهز عليهم وتحرم الأمة من ثمرات اجتهادهم.
والأهمية الرابعة، هي أن الهجرة النفسية والفكرية ضرورة من ضرورات وحدة الجبهة الداخلية في الأمة المسلمة. إذ يقوم جوهر هذه الهجرة على هجر -الأفراد المؤمنين- لمعتقداتهم وثقافاتهم، وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم السابقة المتناقضة المفرقة ليحل محلها عقيدة واحدة، وثقافة واحدة، ونظام قيم واحد تتفرع عنه عادات، وتقاليد وممارسات واحدة يكون من ثمارها رص الصفوف وتجانس السلوك، واتفاق الكلمة وتنسيق المقدرات.
стр. 237
ولقد أدركت الدول المتقدمة في العصر الحديث -خاصة الولايات المتحدة- أهمية هذه الهجرة النفسية في بناء الجبهة الداخلية. ولذلك جعلتها من الأصول التي يقوم عليها نظام التربية فيها، وأطلقت عليها اسم -البوتقة الصاهرة- Melting Pot -وحشدت لها- وما زالت تحشد- ما تتطلبه من قدرات ومؤسسات بغية صهر ثقافات أفواج المهاجرين القادمين إلى الولايات المتحدة في بوتقة الثقافة الأمريكية الموحدة.
وفي المقابل تبدو خطورة -الردة الثقافية- التي مارستها نظم التربية ومؤسسات الثقافة والإرشاد والإعلام في "الدول الإقليمية" القائمة في "مزق" الأمة الإسلامية المتوفاة، وهي تركز جهودها على تطوير ثقافات إقليمية، وقيم إقليمية، وفولكلور إقليمي، وفنون إقليمية، وآداب إقليمية، وأعياد إقليمية، وآثار إقليمية استمدتها جميعا من ثقافات العصبيات الجاهلية التي هجرها "الأجداد المؤمنون" في الماضي الأمر الذي رسخ التمزق، وكرس الفرقة والاختلاف، وأقام حواجز صلدة عنيدة أمام حركات الإصلاح، ومحاولات الوحدة.
стр. 238
دور التربية في بلورة عنصر الهجرة:
لا تتحقق الهجرة -خاصة الهجرة النفسية- إلا بعمل تربوي منظم تديره مؤسسات تربوية متخصصة واعية الفلسفة والأهداف والتطبيقات، محيطة بقوانين التغيير والتجديد في حياة الأفراد والجماعات. كذلك لا بد من توفير العوامل المساعدة على نجاح الهجرة المشار إليها، وأبرز هذه العوامل اثنان:
الأول، توفر العدد المناسب من التربويين المجددين الخبراء بتغيير ما في الأنفس -من أفكار ومعقتدات، وتغيير تطبيقات هذه الأفكار في نظم الحياة، والقيم والاتجاهات والممارسات. ويتناسب انتشار الهجرة الفكرية والثقافية في أوساط الأمة مع عدد الخبراء التربويين المجددين المشتغلين
стр. 239
بتغيير ما في الأنفس كتناسب كمية الخميرة اللازمة لتخمير كمية معينة من العجين. واهتزاز هذه النسبة في العالم الإسلامي أمر بارز الوضوح إذ لم يظهر فيه طوال القرون التسعة الأخيرة إلا عدد محدود من المجددين ابتداء من أيام ابن تيمية ومرورا بابن عبد الوهاب في الجزيرة والشوكاني في اليمن، والسرهندي في الهند ثم الأفغاني ومحمد عبده حتى جيل حسن البنا، والمودودي ومالك بن نبي في الوقت الحاضر، مع اعتبار المعاناة الشديدة التي واجهتها تلك القلة المصلحة من الكثرة المتمسكة بالآبائية والجمود. بينما يوجد في بلد -كالولايات المتحدة مثلًا- من المفكرين الأحياء المعادلين لمنزلة "المجتهد" ما يزيد عن ثلاثة ملايين، ومع ذلك فهي توفر لهم كل أسباب الإبداع ولا تتوقف عن البحث عن المتفوقين الأذكياء في الداخل، واستقدامهم من الخارج.
والثاني، توفير البيئة الصالحة لنجاح الهجرة المنشودة بمظاهرها النفسية والحسية. والحرية هي التجسيد العملي للبيئة المطلوبة؛ لأن الهجرة هي حرية التفكير والاختيار. والذين اتصفوا بحرية التفكير والاختيار من معاصري الرسالة الإسلامية، هم الذين هاجروا من حياة الجاهلية إلى الإسلام. أما الذين لم يتصفوا بهذه الحرية، فقد ظلوا يمارسون الحران والرفس جامدين على ما انحدر إليهم من آبائهم من معتقدات، ونظم وثقافة وممارسات، وقيم انتهت بهم إلى الهلاك والبوار.
فالهجرة لا تصل مداها المشار إليه إلا إذا حررت التربية نفوس المتعلمين من داخل، وهيأت التطبيقات والسياسات الإدارية لتسود الحرية حياة الأمة من خارج. ذلك أن الحرية عامل أساسي في تحقيق أمرين: الأول، نمو القدرات العقلية اللازمة للمعرفة والعلم. والثاني، إطلاق الإرادات العازمة اللازمة لمناصرة الحق والتقدم، ومناهضة الباطل والتخلف. وحين تختفي الحرية تتعطل القدرات العقلية، وتتقلص الإرادات العازمة وتتوقف الأمة عن الإبداع، والإنجاز وتسير في طريق الضعف المفضي إلى
стр. 240
الاستضعاف في الدنيا والعقوبة في الآخرة. لذلك لا بد أن تكون التربية الإسلامية قادرة على تحقيق ثلاثة أمور هي:
الأول، فرز الأذكياء الموهوبين -أو أولي الألباب حسب المصطلح القرآني- في الداخل واستقدامهم من خارجٍ ثم إعداد هؤلاء لقيادة عمليات التغيير، والتجديد في الأمة المسلمة، مع الحذر من تسرب "الأغبياء" الذين تنصبهم ولاءات العصبيات الأسرية والقبلية، والإقليمية "أصناما ثقافية" و"معوقات حاسدة" مهلكة تضطهد الأذكياء وتتحكم بمصائرها، وتدفعهم إلى الهجرات والهجمات المعاكسة.
والثاني، تدريب -إنسان التربية الإسلامية- على مراجعة الموروثات الثقافية، والاجتماعية المتحدرة من كل جيل، واكتشاف الجوانب التي عدا عليها الخطأ، أو الإفساد في الفهم والتطبيق، أو تلك التي مضى زمنها وبطل مفعولها، ثم القدرة على التخلص منها ومن آثارها، والهجرة من تطبيقاتها في ميادين السياسة والاجتماع، والاقتصاد وسائر مظاهر الثقافة السائدة في القيم والتقاليد، والعادات والأخلاق والفنون، والنظم وشبكة العلاقات الاجتماعية.
فالهجرة -هنا- توبة من الثقافة الخاطئة أو التي بطل مفعولها، ومما يتفرع عنها من نظم وتطبيقات ومؤسسات، وممارسات ووظائف خاطئة أو متخلفة. والرسول ﷺ يربط بصراحة بين الهجرة والتوبة فيقول:
"لا تنقطع الهجرة حتى تنقع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" ١.
فالهجرة توبة، والتوبة هجرة. وكلاهما انتقال من الخطأ والجمود والتخلف، وانتقال من البيئات التي ترعى هذه السلبيات الموقفة للارتقاء، الخانقة للعيش، المانعة للحياة.
стр. 241
والثالث، تدريب المتعلمين على "فقه" نموذج -المثل الأعلى- اللازم لزمنهم، ثم تنشئتهم على استيعاب تفاصيل المثل الأعلى الجديد، وبذلك تعدهم لزمن غير زمن آبائهم -كما يوصي علي بن أبي طالب- وتتكون لديهم القدرات والمؤهلات اللازمة للغد الذي سيعبرونه، ولن يصابوا بالمفاجآت والصدمات من تطورات المستقبل كما يصاب الذين يشير إليهم قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] .
стр. 242
الفصل التاسع عشر: العنصر الثالث عنصر الجهاد والرسالة
معنى الجهاد
...
الفصل التاسع عشر: العنصر الثالث عنصر الجهاد والرسالة
الجهاد والرسالة هما العنصر الثالث من عناصر الأمة المسلمة. والجمع بينهما في عنصر واحد سببه اقترانهما -في القرآن والسنة- اقتران الوسيلة بالهدف. فالرسالة بدون جهاد مفضية إلى مقت الله وغضبه، والجهاد بدون رسالة نصرة للعصبيات، وخدمة للشهوات موجبًا لعقوبة الله وعذابه.
أما عن تفاصيل هذا العنصر فهي كما يلي:
معنى الجهاد:
الجهاد معناه -لغويًّا- بذل أقصى الجهد. أما اصطلاحًا فهي يعني استفراغ الطاقة لتحقيق الأهداف التي توجه إليها الرسالة الإسلامية في ميادين الحياة الفكرية، والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، والعسكرية وغيرها في أوقات السلم والحرب سواء. وهذا ما يوجه إليه القرآن الكريم في مواضع كثيرة جدًّا من ذلك قوله تعالى:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] أي أن الجهاد الذي اختاركم الله من أجله لا ضيق فيه، ولا عنت وإنما هو يتناسب مع الوسع، والطاقة التي أودعها في خلقكم وتكوينكم١.
والرسول ﷺ يرسم الإطار الواسع للجهاد من خلال أمرين: الأول، طرح معادلات الجهاد العملية في ميدان العمل الإيجابي. والثاني، التحذير مما يخالفه في ميدان العمل، والتعوذ مما يعيق عن القيام به من العجز
стр. 243
والكسل والمرض وغلبة الديون وقهر الرجال١. فالجهاد إذن هو -تكنولوجيا الإسلام- التي توفر العمل، والإنتاج في أوقات السلم، والمنعة في أوقات العدوان. ولكن ليس بقصد توفير الرخاء الاقتصادي، والمنعة السياسية لجنس معين من البشر، أو تحقيق تفوق لقوم على بقية الأقوام، أو توفير امتياز لطائفة دينية على بقية الطوائف، وإنما لغاية أخرى هي تأهيل كتلة بشرية لحمل رسالة الإسلام إلى العالم. ولذلك فالذي تقوم به الأقطار المتقدمة صناعيا، وعلميا وإداريا -في الحاضر- هو جهاد لكنه بدون رسالة. وبذلك تكون أزمة العالم الحديث هو أن هناك مجتمعات تقوم بالمظهر المادي للجهاد لكن بدون رسالة، بينما -ترقد في سبات- إلى جانبها مجتمعات تخزن الرسالة في أسفارها، وتستظهر نصوصها في مؤسساتها التربوية، ولكن بدون جهاد لحملها ونشرها.
ولا بد من الانتباه إلى -المعنى الحضاري للجهاد. فالجهاد يعكس مفهوم -الأمن الإسلامي- الذي يركز على إيصال الرسالة، وتبليغها إلى الآخرين بغية توفير الأمن الفكري والمادي، والنفسي لبقاء النوع البشري ورقيه. ذلك إن مصدر الخطر على بقاء النوع البشري ورقيه -حسب التصور الإسلامي- يكمن في "القيم" التي تكفر -أي تحجب وتخفي- قوانين الخلق في النشأة والمصير، وتقتصر على نوازع التمتع بالحياة وشهواتها، ومن هذا -الكفر- تتشوه جميع أشكال الاعتقاد والشعور، والممارسات في ميادين السلوك والاجتماع والعلاقات حتى إذا ظهر أهل الكفر في الأرض أشاعوا الفتن، والمظالم السياسية والمفاسد الاجتماعية، وردوا شبكة العلاقات الاجتماعية إلى عهود الغاب والهمجية والتخلف. ولذلك كان طلب بذل النفس لمحاربة قيم الكفر ومؤسساته وممثليه، وبذل المال لنشر قيم الرسالة الإسلامية، وإقامة مؤسساتها والإنفاق على العاملين
стр. 244
والدارسين فيها حتى يتحقق التفوق للقيم الإسلامية، فيشيع السلام ويكون الدين كله لله.
وهذا المفهوم الإسلامي للأمن، والسلام يختلف تمام الاختلاف عن مفهوم الأمن
القومي الذي ترفع لواءه المجتمعات المعاصرة، وتتخذه ذريعة للممارسة مختلف أشكال العدوان ضد بعضها البعض.
وتعريف -الجهاد- بالشكل المذكور أعلاه، يجعل ترجمة هذا -المصطلح- إلى اللغات الأخرى أمرا صعبا وضارا. فهو صعب؛ لأنه لا يوجد ما يقابله في اللغات الأخرى، وهو ضار؛ لأن الترجمة تشوه معناه كما حدث لترجمته إلى اللغة الإنكليزية التي أطلقت عليه اسم -الحرب المقدسة Holy War- حيث عممت مظهرا واحدا من مظاهر الجهاد، وطمست بقية المظاهر.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أثر تراث ما قبل الإسلام في تطبيقات الجهاد عند الشعوب الإسلامية. فالعربي فهم المظهر المرادف لثقافة الغزو الذي كانت القبائل العربية تمارسه قبل الإسلام. والمسلم الباكستاني جذبه المظهر النفسي المشابه لثقافة التقشف الهندوسي، التي كان عليها في جاهليته. وهذا كله من سوء التأويل الذي تتسبب به الموروثات الثقافية السابقة، إذا لم تقم التربية بدورها في الجهاد التربوي الذي يستهدف تزكية مناهج الفهم والتطبيق.
стр. 245
مظاهر الجهاد:
لا يكون الجهاد أصيلا شاملا ما لم تقم التربية بتأصيل معناه، وتبيان مظاهره حسب متطلبات الزمان والمكان. والذي يحدد عمل التربية في هذا المجال ثلاثة عوامل: الأول، درجة تطور البشرية. والثاني، نوع التحديات القائمة في الداخل والخارج. والثالث، نسخ المظهر الجهادي أو رفع النسخ عنه.
стр. 246
وانطلاقًا من هذه العوامل الثلاثة تنقسم مظاهر الجهاد إلى ثلاثة مظاهر رئيسه يندرج تحت كل منها تطبيقات عملية لا حصر لها ولا نهاية. وتتجدد بتجدد الخلق، وما يتطلبه الخلق الجديد من تجديد في القيم والوسائل، والعلاقات والمؤسسات. أما هذه المظاهر الرئيسة فهي:
١- الجهاد التربوي، يستهدف الجهاد التربوي تحقيق أمرين: الأول، تزكية مكونات العمل الصالح عند الفرد، أي تزكية "القدرات العقلية" من أسر الهوى والجمود، وتزكية "المثل الأعلى" من سجن الحاجات الجسدية، وتزكية "الخبرات" من سلطان الآبائية والتقليد والخرافة، وتزكية "الإرادات" من الخوف والشهوات، وتزكية "القدرات" من العجز والكسل١.
والثاني، تزكية "الثقافة" السائدة المتعلقة بعناصر الأمة، أي عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية. وذلك بتفريغها من محتوى "الولاءات العصبية" ثم ملؤها بـ"الولاء للأفكار" الإسلامية كما سنعالج ذلك في هذا البحث.
والجهاد بالمفهوم المذكور عمل يجب أن يعتمد على التخطيط العلمي، ويجب أن يكون له مؤسساته وخبراؤه وميادينه، وطرقه ووسائله والمربون العاملون في مجالاته. وهذا ما وجه إليه القرآن الكريم والسنة الشريفة، ولأهميته كانت المساواة بين مداد العلماء ودماء الشهداء٢.
ولابد من الإشارة -هنا- إلى التشويه الذي أصاب مفهوم الجهاد التربوي في عهود التقليد، والجمود وتجزئة نظرية التربية الإسلامية، فقد أدى هذا التشويه إلى اعتبار الجهاد التربوي -جهادا نفسيًّا- يقع على عاتق الفرد المسلم وحده حيث يدخل في صراع عصبي مع دوافه وشهواته في مواقف
стр. 247
الحياة المختلفة حتى انتهى به هذا التصور إلى أحد مصيرين: إما الانفلات من تعالم الدين، وإما تلبس شخصية الدرويش، والمتزهد اللذين يقدمان بؤس الحياة وصرامتها بدل تنظيمها وجمالها.
٢- الجهاد التنظيمي، وغاية هذا الجهاد هو تنظيم "وسع" الأفراد المؤمنين الذين يتم تزكيتهم في مرحلة الجهاد التربوي، أي تنظيم قدراتهم المعنوية والمادية والبشرية بما يكفل حشدها، وتكاملها دون هدر أو نقص لتكون محصلة هذا التنظيم هو "إخراج الأمة المسلمة". ويوجه القرآن الكريم إلى أن "أمة المؤمنين" حين "تفقه" هذا الجهاد التنظيم وتتقنه، وتصبر على تكاليفه النفسية والمادية، فإن ما تحتاجه من -الأفراد المؤمنين- في هذا الجهاد ستكون نسبة عددهم ١-١٠ مقارنة بما تحشده "أمة الكافرين". والسبب في ذلك هو انسجام "فقه" المؤمنين مع قوانين الخلق الخلق، و"جهل" الكافرين بهذه القوانين واصطدامهم بها مما يجعلها تعمل لصالح "معكسر" المؤمنين، وهزيمة معكسر الكافرين:
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] .
أي لا يفقهون نظم الحشد والإعداد النفسي والاجتماعي، والمادي وأساليب التعبئة وتخطيط الاستراتيجيات، وأهمية الهدف الذي يتم من أجله الحشد والجهاد.
والجهاد التنظيمي بهذا المفهوم لا يكون عملا فرديا، وإنما هو مظهر استراتيجي يقتضي من الأمة أن تقيم له مؤسساته التربوية، والعلمية والتطبيقة، ومراكز البحث ووسائله ولوازمه، ولا بد من تجدد علومه والارتقاء بمؤهلات العاملين فيه، وتوفير التكاليف التي يحتاجها والممارسات التي يتطلبها.
٣- الجهاد العسكري، وغاية هذا الجهاد هو توجيه "أمة المؤمنين" لإزالة العوائق التي تحول دون إيصال "الرسالة الإسلامية" التي تستهدف
стр. 248
الحفاظ على بقاء النوع البشري ورقيه الإنساني. ويتجلى اقتران هذا النوع من الجهاد بالرسالة الإسلامية من خلال الضوابط العقدية، والأخلاقية التي تحكمه وتوجهه بحيث لا يخرج لحظة واحدة عن غايات الرسالة وأهدافها. وحين يتحقق هدف من أهداف الرسالة دون قتال يتوقف الجهاد القتالي، ويصير ممنوعا. والأمثلة على ذلك واضحة في التطبيقات النبوية. فعن أسامة بن زيد ﵄ قال:
"بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة. فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم. فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ ، فقال:
- "يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله!!؟ "
- قلت: كان متعوذًا. "أي يتظاهر بقولها ليعوذ بها من القتل".
فما زال "النبي" يكرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم"١.
وعن المقداد بن عمرو الكندي، وكان ممن شهد معركة بدر قال: قلت لرسول الله ﷺ : أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟
فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله! ".
قلت: يا رسول الله إنه قطع يدي ثم قال ذلك بعدما قطعها!؟
فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" ٢.
стр. 249
وتذهب التوجيهات التي توجب دوران الجهاد في فلك الرسالة مدى أبعد فتحث الأمة المسلمة على العفو والامتناع عن الثأر، أو استرجاع ما صودر من ممتلكاتها حين تظهر على عدوها، ويتحقق لها النصر حتى تفتح بصائر الخصوم على نبالة الغاية الأساسية من الجهاد. قدم شريح بن ضبيعة الكندي إلى النبي ﷺ من اليمامة. وحين وصل ترك خيله خارج المدينة، ثم دخل على النبي وحده وسأله:
- إلام تدعو الناس؟
قال: "إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة".
فقال شريح: حسن! إلا أن لي أمراء لا أقطع دونهم رأينا ولعلهم يسلمون ويأتون معي فلما خرج قال النبي ﷺ لأصحابه:
- "لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم".
فمر شريح بماشية سارحة لأهل المدينة فساقها وطلبه المسلمون فعجزوا عن اللحاق به. فلما خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية، فإذا بشريح هذا وأصحابه ومعهم الماشية التي نهبوها جاء يهديها إلى الكعبة. فقال لهم الرسول الله ﷺ : "هذا شريح دونكم إياه". فلما توجه المسلمون لطلبه أنزل الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢] .
فلم يملك الرسول ﷺ إلا الامتثال لأمر الله، والتوقف عن التعرض لشريح. ولقد كانت بقية مواقف الرسول ﷺ مع الخصوم نماذج حية للعفو، والامتثال للتوجيهات الإلهية التي تقرن الجهاد بالرسالة. فقد ناله ﷺ القسط الأكبر من الأذى، ومع ذلك فقد كان يضبط أحزانه، ويتناسى آلامه وثأره ممن أبلغ الجرح فيه فها هو يعفو عن وحشي قاتل عمه حمزة في أحد، ويعفو عن ابن أبي سرح الذي ابتدع أبشع الأكاذيب عليه، ويعفو عن هند زوجة أبي سفيان المتآمرة الأولى على اغتيال حمزة، وآكلة كبده بعد
стр. 250
استشهاده، ويمنع أصحابه بعد فتح مكة من استرجاع دورهم، وممتلكاتهم التي صادرتها قريش عند هجرتهم إلى المدينة المنورة. ومثل هذا وذاك كثير.
وتحتاج التربية الإسلامية أن تحكم "فقه" كل مظهر من مظاهر الجهاد الثلاثة خاصة فيما يتعلق بنسخه أو رفع النسخ عنه١.
فالمظهر القتالي للجهاد يصبح مبررا، ومعمولا به حين تشيع قيم الكفر وتنتشر "ثقافة العدوان" و"اقتصاد السحت" اللذان يهددان بقاء النوع البشري ورقيه، وتكون الأمة الإسلامية قادرة عليه مهيأة له عدة وعددا. ولكن بروز اتجاهات الحوار بني المجتمعات الإنسانية "ينسخ" مظهر الجهاد القتالي، ويفرض على مؤسسات التربية الإسلامية أن تهيئ مفكرين مؤهلين، قادرين أن "يجادلوا" قادة الفكر العالمي بمناهج "أحسن" محتوى، و"أحسن" رسوخا وإحاطة بحقائق الوجود، وخبرات الحياة الإنسانية.
وارتداد الأمة إلى محاور الولاء "القبلي" و"الإقليمي" و"القومي" يقتضي من المؤسسات التربوية أن تبذل أقصى "وسعها" للجهاد التنظيمي، والاستراتيجي لبلورة شبكة علاقات جديدة تحديد الأطر، والاستراتيجيات التي تنظم "وسع" الأمة الإسلامية، ومقدراتها كلها وتهيؤها لعبور طور العالمية الذي يشكل محور التربية الإسلامية في إخراج الأمة الإسلامية، وتقيها من نسيان سنن الله في الاجتماع الإنساني، لئلا ينسيها الله منافع أنفسها في الدنيا والآخرة. فالنسخ أو رفعه يطبقان على مظاهر الجهاد الثلاثة حسب الظروف، والمناسبات مع الانتباه إلى أن المظاهر السلمية للجهاد تحتل منزلة الأولية في كل سياق قرآني حسب تدرج معين يشمل الجهاد بالمال، فإذا لم يكف