← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وانطلاقًا من هذه العوامل الثلاثة تنقسم مظاهر الجهاد إلى ثلاثة مظاهر رئيسه يندرج تحت كل منها تطبيقات عملية لا حصر لها ولا نهاية. وتتجدد بتجدد الخلق، وما يتطلبه الخلق الجديد من تجديد في القيم والوسائل، والعلاقات والمؤسسات. أما هذه المظاهر الرئيسة فهي: ١- الجهاد التربوي، يستهدف الجهاد التربوي تحقيق أمرين: الأول، تزكية مكونات العمل الصالح عند الفرد، أي تزكية "القدرات العقلية" من أسر الهوى والجمود، وتزكية "المثل الأعلى" من سجن الحاجات الجسدية، وتزكية "الخبرات" من سلطان الآبائية والتقليد والخرافة، وتزكية "الإرادات" من الخوف والشهوات، وتزكية "القدرات" من العجز والكسل١. والثاني، تزكية "الثقافة" السائدة المتعلقة بعناصر الأمة، أي عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة، والولاية. وذلك بتفريغها من محتوى "الولاءات العصبية" ثم ملؤها بـ"الولاء للأفكار" الإسلامية كما سنعالج ذلك في هذا البحث. والجهاد بالمفهوم المذكور عمل يجب أن يعتمد على التخطيط العلمي، ويجب أن يكون له مؤسساته وخبراؤه وميادينه، وطرقه ووسائله والمربون العاملون في مجالاته. وهذا ما وجه إليه القرآن الكريم والسنة الشريفة، ولأهميته كانت المساواة بين مداد العلماء ودماء الشهداء٢. ولابد من الإشارة -هنا- إلى التشويه الذي أصاب مفهوم الجهاد التربوي في عهود التقليد، والجمود وتجزئة نظرية التربية الإسلامية، فقد أدى هذا التشويه إلى اعتبار الجهاد التربوي -جهادا نفسيًّا- يقع على عاتق الفرد المسلم وحده حيث يدخل في صراع عصبي مع دوافه وشهواته في مواقف

стр. 247

الحياة المختلفة حتى انتهى به هذا التصور إلى أحد مصيرين: إما الانفلات من تعالم الدين، وإما تلبس شخصية الدرويش، والمتزهد اللذين يقدمان بؤس الحياة وصرامتها بدل تنظيمها وجمالها. ٢- الجهاد التنظيمي، وغاية هذا الجهاد هو تنظيم "وسع" الأفراد المؤمنين الذين يتم تزكيتهم في مرحلة الجهاد التربوي، أي تنظيم قدراتهم المعنوية والمادية والبشرية بما يكفل حشدها، وتكاملها دون هدر أو نقص لتكون محصلة هذا التنظيم هو "إخراج الأمة المسلمة". ويوجه القرآن الكريم إلى أن "أمة المؤمنين" حين "تفقه" هذا الجهاد التنظيم وتتقنه، وتصبر على تكاليفه النفسية والمادية، فإن ما تحتاجه من -الأفراد المؤمنين- في هذا الجهاد ستكون نسبة عددهم ١-١٠ مقارنة بما تحشده "أمة الكافرين". والسبب في ذلك هو انسجام "فقه" المؤمنين مع قوانين الخلق الخلق، و"جهل" الكافرين بهذه القوانين واصطدامهم بها مما يجعلها تعمل لصالح "معكسر" المؤمنين، وهزيمة معكسر الكافرين: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] . أي لا يفقهون نظم الحشد والإعداد النفسي والاجتماعي، والمادي وأساليب التعبئة وتخطيط الاستراتيجيات، وأهمية الهدف الذي يتم من أجله الحشد والجهاد. والجهاد التنظيمي بهذا المفهوم لا يكون عملا فرديا، وإنما هو مظهر استراتيجي يقتضي من الأمة أن تقيم له مؤسساته التربوية، والعلمية والتطبيقة، ومراكز البحث ووسائله ولوازمه، ولا بد من تجدد علومه والارتقاء بمؤهلات العاملين فيه، وتوفير التكاليف التي يحتاجها والممارسات التي يتطلبها. ٣- الجهاد العسكري، وغاية هذا الجهاد هو توجيه "أمة المؤمنين" لإزالة العوائق التي تحول دون إيصال "الرسالة الإسلامية" التي تستهدف

стр. 248

الحفاظ على بقاء النوع البشري ورقيه الإنساني. ويتجلى اقتران هذا النوع من الجهاد بالرسالة الإسلامية من خلال الضوابط العقدية، والأخلاقية التي تحكمه وتوجهه بحيث لا يخرج لحظة واحدة عن غايات الرسالة وأهدافها. وحين يتحقق هدف من أهداف الرسالة دون قتال يتوقف الجهاد القتالي، ويصير ممنوعا. والأمثلة على ذلك واضحة في التطبيقات النبوية. فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة. فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم. فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ ، فقال: - "يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله!!؟ " - قلت: كان متعوذًا. "أي يتظاهر بقولها ليعوذ بها من القتل". فما زال "النبي" يكرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم"١. وعن المقداد بن عمرو الكندي، وكان ممن شهد معركة بدر قال: قلت لرسول الله ﷺ : أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله! ". قلت: يا رسول الله إنه قطع يدي ثم قال ذلك بعدما قطعها!؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" ٢.

стр. 249

وتذهب التوجيهات التي توجب دوران الجهاد في فلك الرسالة مدى أبعد فتحث الأمة المسلمة على العفو والامتناع عن الثأر، أو استرجاع ما صودر من ممتلكاتها حين تظهر على عدوها، ويتحقق لها النصر حتى تفتح بصائر الخصوم على نبالة الغاية الأساسية من الجهاد. قدم شريح بن ضبيعة الكندي إلى النبي ﷺ من اليمامة. وحين وصل ترك خيله خارج المدينة، ثم دخل على النبي وحده وسأله: - إلام تدعو الناس؟ قال: "إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة". فقال شريح: حسن! إلا أن لي أمراء لا أقطع دونهم رأينا ولعلهم يسلمون ويأتون معي فلما خرج قال النبي ﷺ لأصحابه: - "لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر، وما الرجل بمسلم". فمر شريح بماشية سارحة لأهل المدينة فساقها وطلبه المسلمون فعجزوا عن اللحاق به. فلما خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية، فإذا بشريح هذا وأصحابه ومعهم الماشية التي نهبوها جاء يهديها إلى الكعبة. فقال لهم الرسول الله ﷺ : "هذا شريح دونكم إياه". فلما توجه المسلمون لطلبه أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢] . فلم يملك الرسول ﷺ إلا الامتثال لأمر الله، والتوقف عن التعرض لشريح. ولقد كانت بقية مواقف الرسول ﷺ مع الخصوم نماذج حية للعفو، والامتثال للتوجيهات الإلهية التي تقرن الجهاد بالرسالة. فقد ناله ﷺ القسط الأكبر من الأذى، ومع ذلك فقد كان يضبط أحزانه، ويتناسى آلامه وثأره ممن أبلغ الجرح فيه فها هو يعفو عن وحشي قاتل عمه حمزة في أحد، ويعفو عن ابن أبي سرح الذي ابتدع أبشع الأكاذيب عليه، ويعفو عن هند زوجة أبي سفيان المتآمرة الأولى على اغتيال حمزة، وآكلة كبده بعد

стр. 250

استشهاده، ويمنع أصحابه بعد فتح مكة من استرجاع دورهم، وممتلكاتهم التي صادرتها قريش عند هجرتهم إلى المدينة المنورة. ومثل هذا وذاك كثير. وتحتاج التربية الإسلامية أن تحكم "فقه" كل مظهر من مظاهر الجهاد الثلاثة خاصة فيما يتعلق بنسخه أو رفع النسخ عنه١. فالمظهر القتالي للجهاد يصبح مبررا، ومعمولا به حين تشيع قيم الكفر وتنتشر "ثقافة العدوان" و"اقتصاد السحت" اللذان يهددان بقاء النوع البشري ورقيه، وتكون الأمة الإسلامية قادرة عليه مهيأة له عدة وعددا. ولكن بروز اتجاهات الحوار بني المجتمعات الإنسانية "ينسخ" مظهر الجهاد القتالي، ويفرض على مؤسسات التربية الإسلامية أن تهيئ مفكرين مؤهلين، قادرين أن "يجادلوا" قادة الفكر العالمي بمناهج "أحسن" محتوى، و"أحسن" رسوخا وإحاطة بحقائق الوجود، وخبرات الحياة الإنسانية. وارتداد الأمة إلى محاور الولاء "القبلي" و"الإقليمي" و"القومي" يقتضي من المؤسسات التربوية أن تبذل أقصى "وسعها" للجهاد التنظيمي، والاستراتيجي لبلورة شبكة علاقات جديدة تحديد الأطر، والاستراتيجيات التي تنظم "وسع" الأمة الإسلامية، ومقدراتها كلها وتهيؤها لعبور طور العالمية الذي يشكل محور التربية الإسلامية في إخراج الأمة الإسلامية، وتقيها من نسيان سنن الله في الاجتماع الإنساني، لئلا ينسيها الله منافع أنفسها في الدنيا والآخرة. فالنسخ أو رفعه يطبقان على مظاهر الجهاد الثلاثة حسب الظروف، والمناسبات مع الانتباه إلى أن المظاهر السلمية للجهاد تحتل منزلة الأولية في كل سياق قرآني حسب تدرج معين يشمل الجهاد بالمال، فإذا لم يكف

стр. 251

دعمته مقدرات النفس العقلية والتنظيمية، ومقدرات العمل والإنتاج، وأخيرًا المقدرات القتالية مع بقاء الباب مفتوحا لأية بادرة تجنح للسلم، وتوقف سفك الدماء. وتتضح أهمية -الجهاد القتالي- في حياة الإنسانية كلها حين نرى أن الأفكار، والثقافات التي توجه سياسات غير المسلمين -خاصة في الغرب- لم تتخل بعد عن حب العدوان والسيطرة في الخارج، والطبقية والاستغلال في الداخل تطبيقات لمسلمة -الصراع والبقاء للأقوى- التي يتقبلها العقل الغربي دون مناقشة، ولا مراجعة وينطلق منها في ممارساته الإدارية والسياسية١. فالغرب يعتبر القتال الخارجي، والصراع الداخلي أداتين حيويتين من أدوات الصراع وبقاء الأقوى. وهو ينظر للقتال كضرورة بيولوجية لبتر العناصر الضعيفة لصالح العناصر القوية. ومن هنا اشتدت عناية الغرب بالحياة العسكرية، وإنتاج الأسلحة وتطويرها. وهذه فلسفة بعيدة الغور في تاريخ الفكر الغربي بدأت بعرقية اليونان والرومان وانتهت بـ"الدارونية الاجتماعية". والأفكار التي تناولت قتال الأقويا لإبادة الضعفاء عديدة، وكثيرة شاعت منذ مطلع القرن العشرين، وما زالت تنمو وتتوسع وتنتشر، وتوجه الممارسات السياسية والعسكرية٢.

стр. 252

وإلى أن "تتزكى" -العقليات غير المسلمة- من هذه الفلسفات العدوانية سيظل الجهاد الإسلامي حاجة إنسانية ماسة لردع العناصر المترفة الخربة، وإبطال سياساتها في الفتنة والفساد الكبير، ومن أجل إعادة التوازن والعافية للاجتماع البشري كلما اضطربت قيم العدل والمساواة، والحرية في التملك والعلاقات الإنسانية. لذلك لا يكون الجهاد إسلاميا إلا إذا اقترن بالرسالة الإسلامية، ووضع نفسه في خدمة أهدافها. فالرسول ﷺ يبين بوضوح: "أن الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل غضبا وحمية عصبية، والرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل رياء، فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ١. وكلمة -في سبيل الله- هي الرسالة الإسلامية، وهي العطاء الحضاري الذي يقدمه المسلم للإنسان ليسهم في بقاء النوع البشري ورقيه. وهي بعض تطبيقات المظهر الاجتماعي للعبادة. ومن هذه الرسالة تكتسب الحضارة الإسلامية أهم صفاتها المميزة. أما تفاصيل هذه الرسالة فهي كما يلي:

стр. 253

معنى الرسالة: يتكرر ذكر الرسالة والرسول ﷺ في مئات المواضع من سور القرآن. أما في الآية التي حددت الإطار العام لعناصر الأمة المسلمة، فقد وردت الإشارة إلى الرسالة عند قوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وتقسم محتويات الرسالة إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي:

стр. 254

١- الأمر بالمعروف، ومحوره الدعوة إلى التوافق مع سنن الله، وأقداره -أي قوانينه- في الوجود القائم؛ لأن في هذا التوافق بقاء الإنسان ورقيه. ٢- النهي عن المنكر، ومحوره تزكية الثقافة الإنسانية من عوامل الاصطدام بسنن الله، وأقداره في الوجود القائم؛ لأن في هذا الاصطدام تدميرا لبقاء الإنسان وسقوطه في الدنيا والآخرة. ٣- الإيمان بالله، ومحوره إقامة الحياة الإنسانية على أساس الإيقان بقدرة الله، وهيمنته وتصرفه بالوجود وملكه له. وثمرة هذا الإيمان حفظ الإنسان في حالة "الوسطية" في الفكر والسلوك، ووقاية له من مرض "الطغيان" في حالة القوة، ومرض "الاستضعاف" في حالة الضعف. وفي ذلك سلامة الفرد من الانحراف والخسران، والمجتمع من الاضطراب، والتخلف، والانهيار. وهذه العناصر الثلاثة الرئيسة المكونة للرسالة متضمنة في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وتتطابق استراتيجية الفتح الإسلامي، التي تنفي الإكراه في الدين، مع ترتتيب أقسام الرسالة في الآية، فتبدأ بتزكية المجتمعات بالمعروف ومحوره العدل والفضيلة، وتثني بالنهي عن المنكر محوره تجفيف مصادر الظلم والرذيلة، وتنتهي بالدعوة إلى الإيمان بالله من خلال البلاغ الذي يبين الرشد من الغي. ولقد شرح الصحابي الجليل، أبو هريرة هذه الآية فقال: "كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة، يبذل المسلمون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع الناس،

стр. 255

فهم خير الأمم للخلق، والخلق عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"١. والمعروف الذي تشير إليه الآية اسم جامع لكل ما ينفع الجنس البشري، ويرتقي بسلوكهم والعلاقات المتبادلة بينهم. ولذلك حين سأل رجل الرسول ﷺ عن المعروف أجابه: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تعطي صلة الحبل، ولو أن تعطي شسع النعل، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تنحي الشيء من طريق الناس يؤذيهم. ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق. وإن سبك رجل بشيء يعلمه فيك، وأنت تعلم نحوه فلا تسبه، فيكون أجره لك ووزره عليه. وما سر أذنك أن تسمعه فاعمل به، وما ساء أذنك أن تسمعه فاجتنبه" ٢. ومن الواضح أن التعريف النبوي لـ -المعروف- في الحديث المذكور، لم يتناول المعروف كله، وإنما راعى مستوى السائل وبيئته وجه انتباهه إلى ما يشيع في تلك البيئة. ولكن البحث الشامل في ما يوجه إليه القرآن، والحديث يظهر أن "المعروف" و"المنكر" يشملان شبكة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والشعوب والأمم، وإن كل ما ينفع الإنسان، ويورث الانسجام مع سنن الله وقوانينه في الخلق يندرج في قائمة "المعروف"، وما يضر البشر، ويصطدم مع هذه السنن والقوانين يندرج في قائمة "المنكر". وتعريف الرسالة -بهذا الشكل يخالف التصور الذي يطرحه البعض حين يدعون إلى الإسلام كرافعة قوة ووسيلة للنهوض بالمسلمين سياسيا، وعسكريا واقتصاديا، فهم يحلون الوسيلة محل الهدف، والهدف محل الوسيلة. فالنهوض بالمسلمين يندرج في قائمة الوسائل والنتائج، أما الهدف

стр. 256

فهو حمل الرسالة الإسلامية إلى الناس، وإن كان من نتائج هذا الحمل كرامة المسلمين، وتمكينهم في الأرض وسهولة العيش. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] . والرسول ﷺ يحذر من هذا الانتكاس في التصور، والفهم الذي يضع الوسائل في موضع الأهداف حين يقول: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أدخل الله عليهم ذلا لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم" ١. ويقول كذلك: "بعثت مرحمة وملحمة، ولم أبعث تاجرًا ولا زارعًا. ألا إن شرار الأمة التجار، والمزارعون إلا من شح على دينه" ٢. ومن الطبيعي أن الرسول ﷺ لا يقلل من قيمة الاقتصاد، ولا يحقر المهن التجارية والزراعية، وإنما أراد التنبيه إلى خطورة تحول الأمة الإسلامية من "أمة رسالة" تضحي بالمال والأنفس إلى "أمة سدنة" تتكسب بالرسالة لجمع المال ومتعة النفس؛ لأن حمل الرسالة هو الفارق الرئيس بين "أمة المؤمنين" و"أمة المنافقين". وفي ذلك يقول القرطبي: "وفي التنزيل: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: ٦٧] ثم قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] . فجعل تعالى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن

стр. 257

أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه"١.

стр. 258

أهمية الرسالة في وجود الأمة: للرسالة أهمية رئيسة في نشأة الأمم وتكوينها ومصيرها. وتبدو هذه الأمية في الأمور التالية: الأمر الأول، تتقرر مكانة الأمة بين الأمم على المستوى العالمي بمقدار ما تقدمه من عطاء حضاري للآخرين. وهذا العطاء هو الرسالة التي تحملها الأمة بين الأمة الأخرى، وتضع في خدمتها كافة إمكاناتها البشرية والمادية والمعنوية، وهو ما يسميه المؤرخ البريطاني -توينبي Toynbee- الأناقة الحضارية. والأمر الثاني، إن هذا العطاء الحضاري هو الضامن لبقاء الأمم واستمرارها. ذلك أن الأمة التي تتوقف عن العطاء تبدأ بالأخذ. والأخذ الذي لا يرافقه عطاء متبادل سبب من أسباب الذوبان وفناء الأمم، ولكنه فناء بطيء لا يراه إلا العارفون بقوانين الاجتماع البشري وسنن التاريخ؛ ولأنه يتم على مراحل تستغرق كل مرحلة منها جيلين أو ثلاثة. ففي المرحلة الأولى تأخذ الأمة الأشياء المادية كالمنتجات الصناعية والحربية. وفي المرحلة الثانية تأخذ الأمة العادات المادية كأشكال اللباس، والأثاث وأشكال الطعام. وفي المرحلة الثالثة تأخذ الأمة المظاهر الثقافية كاللغات، ونظم الإدارة والنظم الدبلوماسية والعلاقات الاجتماعية، والفنون وأشكال الترويح. وفي المرحلة الرابعة تأخذ الأمة القيم والمقاييس الاجتماعية، والأخلاقية.

стр. 259

وفي المرحلة الخامسة تأخذ العقائد. وعند هذه المرحلة تنهار جميع الحواجز ويبدأ الذوبان الكامل. والأمم التي تعي قوانين هذا الذوبان تحاول أن تتجنبه من خلال تجديد دورها في العطاء الحضاري، واستئناف العطاء ليتوفر لها البقاء، والتميز في الداخل، والاحترام وفي الخارج. من ذلك ما لجأت إليه اليابان من خلال تصدير فلسفة زن Zen ورياضة الجيدو، والكاراتيه وصبغ الصناعية اليابانية بأشكال الفن الياباني، ومن خلال المحافظة على القيم والتقاليد اليابانية بما فيها خروج مجلس الوزراء إلى المعبد الرئيسي للبوذية، لتقديم اليمن الدستورية هناك. والأمر الثالث الذي يمثل أهمية الرسالة في حياة الأمة هو أن الرسالة حاجة نفسية -اجتماعية. والأمم التي تحمل رسالة تحفظ وحدتها، وتجنب مجتمعها من الانقسام والتفتت، والحزبية والطائفية، والتصارع من أجل المصالح والعصبيات المحدودة. وتتناب الظاهرتان بشكل كامل بحيث أن غياب إحداهما يؤدي إلى بروز الثانية. ذلك أن الرسالة توحد أفراد الأمة، وجماعاتها حول هدف أسمى يستهلك طاقاتهم، ونشاطاتهم فتختفي الانقسامات والفتن. أما حين تغيب الرسالة فإن الناس تتقاسمهم أهداف فردية، ومصالح عصبية وبذلك تبرز الحزبية والعصبيات وتشيع الفتن، وتتفرق الأمة إلى فئات متنابذة متصارعة. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩] . ولقد علق ابن تيمية على هذه الآية فقال: "قد يكون العذاب من عنده، وقد يكون بأيد العباد. فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله، فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو في الواقع. فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم، وألف بينهم، وجعل بأسهم على عدوهم وعدو الله. وإذا

стр. 260

لم ينفروا في سبيل الله عذبهم بأن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض"١. وفي موضع آخر يحذر الله من نتائج التخلي عن حمل الرسالة، وتكاليفها في الإنفاق والجهاد فيقول: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . ولعل مناسبة الآية تلقي ضوءا ساطعا على الأثر المنيع للرسالة، والجهاد في الحفاظ على وحدة الأمة ونجاتها. فحين كان المسلمون على أبواب القسطنطينية، واصطفوا للقتال حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيه، ثم خرج مقبلا فصاح الناس: سبحان الله ألقى بيديه إلى التهلكة!! فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ فقال: "أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل. وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. إنا لما أعز الله تعالى دينه، وكثر ناصريه قلنا بعض لبعض سرا من رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت فلو أننا قمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله تعالى في كتابه يرد علينا ما هممنا به فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا فنصلحها. فأمر بالغزو"، فمال زال أبو أيوب غازيا في سبيل الله حتى قبضه الله "٢.

стр. 261

دور التربية في تعزيز الرسالة: تتحمل التربية الإسلامية مسئولية كبيرة إزاء بلورة هدف الرسالة

стр. 262

ووسائل حملها وغرس الولاء لها. ويمكن القول إن هذه المسئولية تتمثل في أمور أربعة هي: الأول؛ أن تبلور مضمون "رسالة العصر" التي يجب على الأمة حملها. إذ لا يكفي لبلورة الرسالة تلك الصيحات الخطابية التي تتوالى في الكتب والمجلات والصحف، والندوات وفوق المنابر: عودوا إلى الإسلام! وإنما لا بد من هيئات ومؤسسات تربوية، وفكرية ومراكز بحوث جامعية وغير جامعية متخصصة وظيفتها بلورة علوم سياسية، وإدارية ونفسية إسلامية يكون على رأسها كيفية إخراج الأمة المسلمة، وصيانتها من الضعف والتفكك، وتطويرها حسب متطلبات العصور والأجيال. ويتبلور مضمون الرسالة من خلال النظر في خمسة مصادر هي: أ- النظر في حاجات العصر الحاضر. وهو حاضر يشمل قرية الكرة الأرضية كلها. ب- النظر في مصادر قيم الرسالة، والسنة نظرا متحررا من قيود الآبائية والتقليد. جـ- النظر في "تاريخ فقه" الأسلاف المسلمين، وفي "خبرات" غير المسلمين، وما أنجزوه من مظاهر حكمة بناء الأمم نقدا وتحليلا، وإيجابا وسلبا. د- النظر في تاريخ المجتمعات البشرية، وكيف عملت قوانين الخلق -وما زالت تعمل- في تطورها إيجابا وسلبا. هـ- البحث الدائم في الطبيعة الإنسانية، وأساليب تفاعلها مع البيئة المحيطة إيجابا وسلبا. وفي جميع هذه الدراسات والميادين لا بد من -التقويم والمراجعة- المستمرين لنتائج النظر، والبحث المشار إليهما، وتطوير استراتيجيات بناء الأمة وتجديدها في ضوء نتائج المراجعة، والتقويم المشار إليهما.

стр. 263

ومن الطبيعي أن يلحق بمحتوى الرسالة العناية بـ"اللغة" التي تحمل هذا المحتوى وتنقل معانيه إلى الآخرين. وتنفرد الرسالة الإسلامية في هذا المجال في أن شيوع اللغة العربية، والارتقاء بدراستها بين -المؤمنين- بهذه الرسالة أمر ترتقي ضرورته إلى مستوى الرسالة نفسها؛ لأن اتقان اللغة العربية هو وحده الذي يمكن المؤمنين في أي مكان، وزمان من قراءة -اللغة الإلهية- في القرآن الكريم، وقراءة النصوص الأصلية للحديث النبوي، واستخراج حاجات العصر بما يحقق المعاصرة والواقعية والأصالة. ولن تغني الترجمات عن العربية بحال من الأحوال -إلا على سبيل الضرورة المؤقتة- لأن المترجم مهما ارتقى فكره وآداؤه اللغوي -إنما يقدم لقارئيه- فهمه للإسلام -وليس الإسلام نفسه. وكذلك "الفقيه" يقدم لقارئيه فهمه للإسلام، وليس الإسلام نفسه. والوقوف عند فهم الآخرين أمر له خطورته في الفصل بين المسلم، وبين القرآن وفي جمود الحضارة والاجتماع. ويقدم لنا التاريخ الإسلامي الأدلة الوافرة الكافية على أن انتشار اللغة العربية في الأقطار المفتوحة قد أسهم إلى حد كبير في فقه الرسالة نفسها، وتطوير "ثقافة" إسلامية مشتركة شكل إحدى روابط الأمة الفرعية، ودعمت العناصر الرئيسية للأمة وقوتها، وشدتها بعضها إلى بعض وحين انحسرت اللغة العربية من أقطار الإسلام -الواقعة خارج المنطقة العربية- انقطعت شعوب هذه الأقطار عن الاتصال المباشر بالقرآن والسنة، وانحسرت الثقافة الإسلامية المشتركة، وفتح الطريق لعودة "الثقافات" المحلية القديمة غير الإسلامية بقيمها وتقاليدها، وتطبيقاتها المختلفة. والأمر الثاني، أن تعمق التربية الإسلامية في نفوس -المتعلمين- الشعور بالمسئولية إزاء الرسالة، وأهمية العمل الجماعي وعدم الاكتفاء بالتدين الفردي، وأن تنمي فيهم القدرات العقلية، والمهارات العملية اللازمة لحمل هذه الرسالة وتحويلها إلى ممارسات وتطبيقات ناجحة. ولا بد هنا من الانتباه إلى التراث التربوي الذي انحدر من التاريخ الإسلامي وتسلمته

стр. 264

مؤسسات التربية الإسلامية التقليدية، ومضت في تطبيقه دون مراجعة أو تقويم. إذ يكشف النظر في هذا التراث على أنه ينقسم إلى قسمين: التراث الذي انحذر من عصور الازدهار، وفيه نرى العناية بتنمية العمل الجماعي وتنمية الولاء للرسالة، وتراث انحدر من عصور الركود، والجمود وفيه انحسرت التربية من حياة الجماعة لتركز على -إعداد الفرد، -الموالي للمذهب أو الطريقة، ويتهيأ منذ سنوات الولادة للانتقال إلى الآخرة، وكأنه لا يمر بالدنيا. ولذلك اتسمت مؤلفات هذه الحقبة الراكدة بالتوجه إلى -الفرد المسلم لا إلى الأمة المسلمة- وعدم الاشتغال بالمهارات اللازمة للحياة الدنيا. والأمر الثالث، أن تقوم التربية الإسلامية بتجديد المهارات الجهادية، ونوع الجهاد اللازم للزمان والمكان، وأشكال التنظيم، والتخطيط اللازمين لتعبئة القدرات، والمهارات التي تقوم بتنميتها، وأن تهيئ لتوزيع الأدوار بين أفراد أمة الرسالة على أساس الجدارة، والاعتبارات التي تمليها متطلبات حمل الرسالة. والأمر الرابع، تحديد سعة دائرة المسئولية التي يجب إعداد متعلمي الزمان والمكان للعمل داخلها؛ لأن الدائرة النهائية لهذه المسئولية تشمل الإنسانية كلها -كما يذكر الإمام الرازي- فهو يرى أنه ما من شخص إلا ويكون من أمة محمد ﷺ : فإن كان مؤمنًا فهو من أمة الاتباع، وإن كان كافرا فهو من أمة الدعوة، وإن هذا معنى قوله: بعثت إلى الأحمر والأسود١. ومثل الرازي -ابن تيمية- الذي ذكر أن الله ختم الرسل بمحمد ﷺ وأخرج أمته لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وأقام علماءها مقام الأنبياء في تبليغ الرسالة"٢.

стр. 265

الفصل العشرون: العنصر الرابع الإيواء معنى الإيواء ... الفصل العشرون: العنصر الرابع الإيواء الإيواء هو العنصر الرابع من العناصر التي تتكون منها الأمة. وللوقوف على تفاصيله لا بد من النظر في أمرين: الأول، معنى الإيواء في القرآن والحديث. والثاني، التطبيقات العملية للإيواء في مجتمع المدينة المنورة زمن الرسول ﷺ باعتبار ذلك المجتمع نموذج التطبيقات المطلوبة في بناء الأمة المسلمة وإخراجها. معنى الإيواء: - أما عن معاني الإيواء في القرآن والحديث فهي كما يلي: - الإيواء بمعنى الوطن، ومكان الإقامة الدائمة. مثل قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩] . - الإيواء بمعنى حسن الاستقبال والتكريم. مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] . ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ [يوسف: ٩٩] . - الإيواء بمعنى الرعاية والعناية. مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] . ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣] . ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] .

стр. 266

- الإيواء بمعنى الاستقرار النفسي والاجتماعي. مثل قوله تعالى: - ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] . وفي الحديث: "ألك امرأة تأوي إليها" مسلم -باب الزهد- ٣٧. - الإيواء بمعنى طلب الأمن والنجاة. مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكف: ١٠] . ﴿قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣] . - الإيواء بمعنى السند والدعم والملجأ والحماية. مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] . ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] . - الإيواء بمعنى الراحة والاسترخاء. مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] . وفي الحديث الشريف: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي" صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، كتاب فضائل القرآن. وأما عن التطبيقات العملية للإيواء في مجتمع الرسول ﷺ في المدينة، فهي تتألف من أمرين اثنين كذلك: الأول، ما قدمه الأنصار للمهاجرين من استقبال كريم، وإقامة آمنة مريحة، ومؤاخاة عملية قامت على المشاركة الكاملة في الحياة والعمل والمئونة والمصير. والثاني، ما قام به الرسول ﷺ من تنظيم للعلاقات الاجتماعية بين مختلف الجماعات التي سكنت المدينة في زمنه مستهدفا تجسيد -الإيواء- في واقع عملي ينعم الجميع فيه بمقومات العيش الكريم، ويكون -مثلًا أعلى- تقتدي به أجيال الأمة المسلمة من بعد.

стр. 267

مظاهر الإيواء: تحتاج التربية الإسلامية إلى تعميق الإحاطة بمظاهر -الإيواء- حسب متطلبات الزمان، والمكان في ضوءس الخطوط العريضة التي يوجه إليها القرآن الكريم. وأهم هذه الخطوط ما يلي: أولا: تقدير قيمة الأرض واستعمارها بالطرق التي وجه الله إليها يتكرر التوجيه الإلهي في القرآن الكريم إلى أن الأرض من أعظم نعم الله على الإنسان. والقاعدة الأساسية في الاستفادة من هذه النعمة أن يجد كل إنسان فيها -الإيواء- بمعانيه الشاملة التي مرت، وأن يعطي الجمع الفرصة لاستعمار الأرض والانتفاع بها، وأن لا يجري احتكارها من قبل فئة، أو طبقة أو شعب أو عرق معين. وكل تنظيم للانتفاع بالأرض، ومقدراتها يجب أن ينطلق من هذه القاعدة التي تسعى لتأمين -الإيواء- في الأرض للإنسانية كلها: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] . ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] . وليتضح -مفهوم الإيواء- وتبين تطبيقاته واضحة جلية، فقد قضت الحكمة الإلهية أن يخرج الرسول ﷺ جماعة من البشر يدربهم على تطبيق هذا الإيواء، ثم يقدمهم نموذجا محسوسا للإنسانية كلها، وهذه الجماعة المشار إليها هي -الأمة الإسلامية. ويتكرر ذكر الأرض في القرآن الكريم في ٤٦٦ موضعًا. أما في الحديث الشريف، فقد احتل ذكرها حيزًا يصعب إحصاء عدده. ويمكن تصنيف التوجيهات القرآنية، والنبوية المتعلقة بالأرض إلى أربعة: التوجيه الأول، هو حسن الانتفاع بالأرض كمكان للإيواء والسكن والاستقرار. والثاني، هو حسن الانتفاع بالأرض كمصدر للعيش والغذاء. والثالث، اشتراك الإنسانية كلها للانتفاع بموارد الأرض وخيراتها. والرابع، حسن

стр. 268

الانتفاع بالأرض كمختبر من مختبرات المعرفة الموصلة إلى الله . أما تفاصيل هذه التوجيهات فهي كما يلي: ١- حسن الانتفاع بالأرض كمكان للإيواء والاستقرار: الأساس في -الإيواء- أن يتوفر لكل إنسان، مهما كان لونه أو جنسه أو عرقه أو دينه، حاجاته في الاستقرار المادي، والنفسي بغية التفرغ لتحقيق حاجة أعلى هي الحاجة لتحقيق الذات المتمثلة في معرفة الخالق، والإيقان بقدرته وطاعته ومحبته، ثم معرفة الحكمة من النشأة والحياة والمصير. ولتحقيق هذا الهدف خلق الله الأرض للأنام، ووضع في تكوينها كل المقومات والصفات التي تسهم في الوصول إلى هذا الهدف وتحقيقه. ولتحقيق أسباب الاستقرار المادي أحسن الله خلق تضاريس الأرض، وجملها ووفر فيها جميع أسباب الرخاء والراحة، حتى صارت بسهولها وجبالها، ومائها وخضرتها وأجوائها والنباتات والحيوانات، والطيور التي تزينها وتجعل الحياة فيها فراشا ومهدا: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢] . ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف: ١٠] . ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] . ولتحقيق أسباب الاستقرار النفسي أرسل الله رسله بالتوجيهات التي ترسخ مقومات هذا الاستقرار وتشيعه. وهذه التوجيهات قسمان: الأول، قيم رئيسة كبرى يتفرع عنها قيم فرعية كثيرة غايتها إشاعة التوافق مع سنن الخلق، وقوانينه لتكون ثمرة هذا التوافق هي الصلاح، والإصلاح المفضيين إلى الاستقرار وتجسيد -الإيواء- في الأرض. وهذه القيم الرئيسة الكبرى هي:

стр. 269

١- إشاعة العدل وجعله محور العلاقات البشرية؛ لأن العدل سبب في إرسال الله تعالى للرسل سلام الله عليهم، ومن أجله خلق الله الحديد ليصنع منه السلاح الذي ينصر العدل. وهذا ما يوجه إليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . وأهمية العدل هي أن النفوس الإنسانية -في بيئة العدل- تتصف بالاتزان والموضوعية، وحسن النظر المفضي إلى شهود براهين الإيمان وتعشقه، بعكس الظلم الذي يثير النفور والإحباط، والتطرف والحمية المفضية إلى الكفر. ٢- التواضع في الأرض واتخاذه أساسا لشبكة العلاقات الاجتماعية. وأساسه أمثال قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . والهون هو التواضع ولين الجانب، والمشي هو أسلوب الحياة ومناهجها. ٣- التوسط في "إنتاج" موارد الأرض و"استهلاكها". وأساس ذلك أمثال قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] . والأصل الذي تنبع منه هذه القيم الثلاث الرئيسة، وفروعها الثانوية هو -معرفة- الله -وتوحيده في العبادة أي في المحبة والطاعة. أما عن -القسم الثاني- من التوجيهات الإلهية فهي التحذير من -منكرات رئيسة كبرى- تقابل القيم الرئيسة الفاضلة التي مر ذكرها. ومن هذه المنكرات تنبع جميع أشكال الإفساد في الأرض، ويهدم استقرار الإنسان. وهذه المنكرات الرئيسة هي:

стр. 270

١- شيوع الظلم في الأرض وسريانه في العلاقات الإنسانية. ويتكرر التحذير من الظلم وآثاره المدمرة للاستقرار النفسي، والمادي في مواضع كثيرة من القرآن والحديث. ويتفرع عن الظلم مضاعفات ضارة لا حصر لها. ٢- التكبر والعلو في الأرض وما يتفرع عن ذلك من مضاعفات العصبية والعدوان والبطر. ولذلك يتكرر الحديث عن آثار "العلو" في الأرض، وما جره من دمار على الذين اقترفوه. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: ٤] . - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٥، ٤٦] . - ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] . - ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] . - ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] . - ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] . ٣- الإسراف في "إنتاج" موارد الأرض و"استهلاك" خيراتها، وما يتفرع عن هذا الإسراف من تخريب، وإفساد والبيئة ومصادر نعم الله وإحسانه، ويتكرر التنديد بالإسراف والتبذير ويرد مقترنا بالعلو في الأرض، ويضع أهله في مصاف الشياطين الذين يتركز فيهم غضب الله ومقته.

стр. 271

والمصدر الرئيسي لهذه المنكرات الثلاثة -أو أم المنكر وأشكاله- هو الكفر بالله أو الشرك به، ومعصيته والتنكر لهديه. ويتكرر التحذير في القرآن الكريم من مغبة الإفساد في الأرض، ومن محاربة رسالات الله التي تهدف إلى إشاعة الصلاح في الأرض، وتوفير مقومات -الإيواء- فيها. وحتى لا تكون التوجيهات الإلهية مجرد توجيهات نظرية كان إخراج الأمة المسلمة كطليعة بشرية تتعهد نشر الإصلاح، ومحاربة الإفساد في الأرض، وتهيئة الأرض كمكان للإيواء بمظاهره المختلفة، وتجسيدا للاسقترار النفسي والمادي الموصل إلى الهدف الكبير -هدف معرفة الله ومحبته وطاعته. وخلال عمليات -إخراج الأمة المسلمة- والتوجيه إلى عناصرها، ومقوماتها والغاية من إخراجها يحذر الله سبحانه من عواقب التهاون في هذا الإخراج، وإلى أن القصور فيه، أو الانحراف عن أهدافه سيؤدي إلى شيوع الفتن في الأرض، والفساد الكبير أي هدم مقومات الاستقرار ومظاهر الإيواء. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] . ٢- حسن الانتفاع بالأرض كمصدر للعيش والغذاء: الأرض أعظم مصادر العيش والحياة بدون منازع. ويعتمد مستقل أية أمة إلى حد كبير على الطريقة التي تستعمل بها الأرض. وحين كان الإنسان يحسن التعايش مع الأرض كانت الحضارات تقوم، وحين يسيء هذا التعايش تنهار الحضارة، وترحل إلى مكان آخر يحسن فيه إنسان آخر التعامل مع الأرض. وهذه قاعدة تنطبق على أكثر من ثلاثين حضارة شاهدتها الأرض١.

стр. 272

والأساس في حسن الانتفاع بالأرض كمصدر للعيش قاعدتان: الأولى، الإقامة في الأرض حيث تتوفر الحرية -خاصة حرية العبادة: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦] . أي هاجروا واستقروا حيث تستطيعون عبادتي عبادلة شاملة غير مجزأة، وعبادة متحررة من الضغوط المادية والنفسية والاجتماعية والفكرية. والثانية، حرية السفر في مناكب الأرض كلها للتجارة والعمل. وإلى هذه الحرية الثانية يشير القرآن بتعابير "الضرب في الأرض" و"السعي في مناكبها". وتتكرر هذه الإشارة في كل من سور البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والمزمل. ولا يجوز أن يحول بين الناس، وبين الضرب في الأرض والسعي في مناكبها والأكل من رزق الله عوائق التقسيمات الجغفراية، والجنسيات العصبية وأيدولوجيات العلو والاستكبار، وأخلاق الجشع والإسراف: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥] . ولا يجوز -أيضا- أن تقف المعتقدات الدينية حواجز مادية مانعة أمام الانتفاع بمصادر العيش في الأرض. ولذلك حين دعا إبراهيم ﵇ ربه أن يخص "المؤمنين" من ساكني البلد الحرام بالأمن، والثمرات -أي بنعمة الإيواء الأمني والمعيشي- جاءه الجواب الإلهي أن هذا -الإيواء- سوف يتمتع به "الكافرون" أيضا في فترة الحياة الدنيا القليلة، ثم يجزون على كفرهم في نار الآخرة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦] . قال ابن عباس في تفسير هذه الآية١: كان إبراهيم ﵇

стр. 273

احتجرها دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضا، فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى النار. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ... ومن نفس المنطلق نزل الوحي على الرسول ﷺ يأمر أبا بكر أن لا يوقف نفقته على من قذف ابنته عائشة أم المؤمنين، ويأمر الأنصار أن لا يوقفوا إنفاقهم على القربى والأنسباء من اليهود الذين لم يستجيبوا للرسالة -كما مر في صفحة سابقة- لأن توفير -الإيواء- للكافر يهيئ له أنه يتفرغ للتأمل في آيات الله، وبراهين قدرته في الآفاق والأنفس. وتتكرر التوجيهات الإلهية أن يقوم الانتفاع بالأرض كمصدر للعيش على ما تسميه -أكل الحلال والطليب- والتحذير من أساليب الشيطان التي توجه إلى ما تسميه -الحرام الخبيث: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] . - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] . - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] . وللانتفاع بخيرات الأرض منهجان لا ثالث لهما: فإما منهج الله في "الحلال الطيب" الذي يفرز مفاهيم في الاقتصاد تهيئ لجميع الناس الانتفاع الجسدي والنفسي والعقلي، وتشيع التعاون والتكافل بينهم، وتوفر للجميع التمتع بـ"الطيب" من الغذاء المؤدي إلى العافية والكرامة، وإما منهج الشيطان في "الحرام الخبيث" الذي يفرز نظريات في -الإنتاج والاستهلاك- تصيب البشر كلهم بالضنك النفسي والجسدي والعقلي، وتشيع الاستغلال والاحتكار، والابتزاز ونهب مقدرات الأفراد والشعوب لصالح أقليات مترفة تاركة للأكثرية الرديء -أو الخبيث- من الغذاء الجالب للأسقام، ومضاعفات المجاعات، والفتن في الأرض والفساد الكبير.

стр. 274

ويوجز الرسول ﷺ الآثار المتبادلة للمنهجين بقوله: "ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث" ١. ويفصل الرسول ﷺ التوجيهات القرآنية المتفرعة عن منهج "الحلال الطيب"، وتطبيقاتها العملية في أحاديث كثيرة جدا يصعب حصرها منها ما يلي: - "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" ٢. - "ما من رجل يغرس غرسا إلا كتب الله له من الأجر قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغراس" ٣. - "إذا قامت القيامة، وبيدك غرسة فاغرسها" ٤. كذلك يوجه ﷺ إلى وجوب إزالة المعوقات التي تحول دون استثمار الأرض وزراعتها. وأهم هذه المعوقات احتكارها ممن لا يزرعون ولا يعملون. - "من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها، فيلمنحها أخاه المسلم ولا يؤاجرها إياه" ٥. - "من كانت له أرض فليزعها أو فليحرثها أخاه، وإلا فليدعها" ٦. - "وعن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ أن يؤخذ للأرض أجر أو حظ"٧.

стр. 275

وعن نافع أن ابن عمر كان يكري مزارعه، فبلغه أن رافع بن خديج يحدث أن النبي ﷺ نهى عن ذلك، فدخل عليه وسأله فقال: كان رسول الله ﷺ ينهى عن كراء المزارع فتركها ابن عمر بعد١. ويلحق بالمعوقات التي تحول دون الانتفاع بالأرض الاستيلاء عليها ظلما، وعدم تمكين الآخرين من الاستفادة منها. والتحذيرات النبوية في هذا صارمة وحازمة. منها قوله ﷺ : - "من اقتطع أرضا ظالما لقي الله وهو عليه غضبان" ٢. - "من أخذ من الأرض شيئا ظلما جاء يوم القيامة يحمل ترابها إلى المحشر" ٣. - "من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" ٤. وأبشع أنواع الظلم المعاصر هو استغلال النفوذ للاستيلاء على الأرض، وتحويلها إلى سلعة تجارية باهظة الثمن، لا يقدر على دفعه إلا من أفنى عمره بالكد القاسي في أرداء الأرض كلها من أجل الحصول على مأوى لا يتعدى المائة متر مربع. ويرتبط بهذه التوجيهات ضرورة قيام التربية الإسلامية بإعادة النظر في مفاهيم التملك المطلق، التي أشاعتها عصور الملك العضوض، والقوانين التي بررت استيلاء أصحاب القوة والسلطان على الأرض رغم أنهم لا يعملون. والتربية -هنا- ملزمة أن تبني أصولها على نصوص القرآن والحديث، وتطبيقات السنة وعصر الراشدين. وكل فهم يستبدل فتاوى "علماء السلاطين

стр. 276

والخلفاء" في الماضي، أو "علماء الملوك والرؤساء" في الحاضر بنصوص الوحي والسنة الصريحة في عدلها وإرشادها، فإنما يندرج تحت قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . وحينما سئل ﷺ عن معنى ربوبية الأحبار والرهبان أجاب أنهم أحلوا الحرام، وحرموا الحلال١. ٣- اشتراك الأمة كلها للانتفاع بمصادر الثروة العامة، وعدم احتكارها من قبل فئة أو عائلة أو طبقة: وهي ما يوجه إليه قوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ ٢. وفي تفسير الطبري أن الحكمة من قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ ٣. إشارة إلى أن المال للأمة مجتمعة، وليس للبعض دون البعض الآخر. فـ"الباطل" هو أن يحتكره البعض دون البعض الآخر، أو يستأثر بوافره دون الآخرين؛ لأن الأصل في مفهوم الأمة المسلمة أنها كالجسد الواحد، وأن الغاية هي توفير أمنها مجتمعة، فإذا ظهر التفاوت، وصار المال دولة بين الأغنياء وحدهم انعكست آثار ذلك على الجميع، ولم ينج من الأمة أحد، وإنما الأمر يختلف بتوقيت الهلاك حيث يهلك المحرومون أولا ثم يتبعهم المحتكرون. فالأصل في المال أنه لله وأن الأمة كلها مستخلفة عليه، ولها مجتمعة حق الانتفاع به شريطة أن لا يخرج مفهوم المال عن كونه "ماعونًا" يعين الناس على إقامة أمور دينهم ودنياهم. وفي تفسير الصحابة لقوله تعالى:

стр. 277

﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] . هناك تفاسير متنوعة تتكامل جميعها لتقرر وجوب انتفاع الأمة كلها بمصادر الثروة، وعدم احتكارها من قبل فئات أو عائلات أو طبقات معينة. ففريق على رأسه -علي بن أبي طالب- يرون أن الكنز هو كل ما زاد عن أربعة آلاف درهم أوديت فيه الزكاة أم لم تؤد. وفريق على رأسه -أبو ذر الغفاري، وسالم بن الجعد -يرون أن كل ما زاد من المال عن حاجة صاحبه فهو كنز. وفريق على رأسه -عبد الله بن عمر- يرون أن -الكنز- هو كل مال وجبت فيه الزكاة ولم تؤد زكاته١، ٢. ولقد قدم رسول الله ﷺ الأشعريين نموذجا يجسد -الإيواء- ويمثل التطبيق الأمثل لمبدأ المشاركة العامة بالثروة. والأشعريون هم جماعة من المسلمين ينسب إليهم الصحابي أبو موسى الأشعري. ولقد كان من "فقههم" لـ"الإيواء" والمشاركة العامة في الثروة أنهم لا يكنزون شيئا دون بعضهم البعض. فإذا انتابهم قحط في أيام السلم أو حلت بهم ضائقة اقتصادية في أيام الحرب جمعوا ما عندهم من الماء والغذاء، ثم اقتسموه بالتساوي.

стр. 278

ولقد وصف رسول الله ﷺ عملهم هذا بقوله: "إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم" ١، ٢. أي هم على سنتي وهم النموذج الذي يمثل هذه السنة. ولا شك أن كلا من الآية والحديث المذكورين يشير إلى أن الأصل في الاقتصاد الإسلامي هو ضمان حاجات الأمة مجتمعة. ولذلك يتوجب على التربية الإسلامية أن تضع في محور القيم الاقتصادية التي تميها وجوب الاقتداء بأمثال "فقه الأشعريين" و"فقه علي بن أبي طالب" و"فقه أبي ذر وسالم بن الجعد" من الصحابة بهدف بلورة -علم اقتصاد إسلامي ونظم اقتصادية إسلامية قادرة على إعادة التوازن في حاجات الأمة، كلما نزلت بالأمة أزمات اقتصادية أو حدثت في صفوفها فروق طبقية، وهو الأمر الذي عزم الخليفة عمر بن الخطاب على فعله حينما قال: عزمت على أخذ فضول أموال أغنيائهم ورها إلى فقرائهم. والواقع أن تربية الرسول ﷺ للمجتمع الذي بناه قامت على جعل هذا التوازن الاقتصادي محور الحياة الاجتماعية؛ لأنه يجسد المظهر الاجتماعي للعبادة. وهذا المظهر هو محور صدق العبادة كما تم تفصيل ذلك في كتاب -فلسفة التربية الإسلامية- والأمثلة لهذه السياسة النبوية كثيرا جدًّا. ومن أمثلتها قوله ﷺ :

стр. 279

"المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار" ١، ٢. والإشارة إلى الموارد الثلاث بالأسماء الواردة في الحديث، إنما هي إشارة إلى مقومات الحياة الرئيسية في تلك البيئة الصحراوية في تلك المرحلة من تاريخ المجتمع الإسلامي. فإذا تبدلت البيئة، وتطورت المرحلة انسحبت حكم الشراكة على -مقومات الحياة الرئيسية- للعيش فيها أيضا. إذ الأساس في -الإيواء- هو توفير الأمن الاقتصادي والاجتماعي المفضي إلى الأمن الديني في مهجر الأمة. وكل ملكية فردية تزول وتتحول إلى الأمة إذا قامت الحاجة لذلك. ومن توجيهات الرسول ﷺ في ذلك: - "كل شيء سوى جلف هذا الطعام، والماء العذب، أو بيت يظله فضل ليس لابن آدم فيه حق" ٣. - "ما عظمت نعمة الله على عبد إلا اشتد عليه مئونة الناس، فمن لم يحتمل تلك المئونة للناس، فقد عرض تلك النعمة للزوال" ٤. - "إن لله أقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها إلى غيرهم. فإذا منعوهم نزعها منهم فحولها إلى غيرهم" ٥.

стр. 280

- "إن إبليس يبعث أشد أصحابه، وأقوى أصحابه إلى من يصنع المعروف في ماله" ١. ٤- حسن الانتفاع بالأرض كمصدر للمعرفة الموصلة إلى الله تعالى: إن مظاهر الانتفاع بالأرض التي مرت في البنود "١، ٢، ٣" ليست أهدافا نهائية في ذاتها، وإنما هي أهداف خاصة تفضي إلى هدف عام أكبر وهو -حسن الانتفاع بالأرض باعتبارها أحد مختبرات الآفاق، والأنفس التي يشاهد الإنسان فيها معجزات الله في خلقه وشواهد ربوبيته، وبراهين توحيده في الطاعة والمحبة والولاية. وإلى هذا الهدف العام الكبير يوجه أمثال قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣] . ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] . وتتنوع مظاهر المعرفة التي يوجه القرآن إلى ميادينها في الأرض: فهناك توجيهات إلى علوم "أصل الأنواع" ونشأة المخلوقات. والطريقة التي يرشد إليه القرآن في هذا الميدان هي السير في الأرض، ودراسة ما على سطحها من كائنات ومخلوقات: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] . وهذا المنهج طبقه -دارون- حين سار في الأرض مبتدأ من جنوب أمريكا الجنوبية، ولكنه -بسبب منهج المعرفة الذي يفصل بين الوحي والعقل والحواس- ضل الفهم وأخطأ تفسير ظواهر الخلق التي درسها، واليوم يكتشف العلماء الكثير من أخطاء دارون، ومنهجه في البحث، ولكن يبدو أنه اكتشاف متأخر؛ لأن آثار أخطار دارون قد ترسخت في تطبيقات أفكاره في

стр. 281

السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والأخلاق والقيم، وأفرزت آثارا مدمرة في حياة الفرد وعلاقات الجماعات. وهناك توجيهات إلى مختلف العلوم الطبيعية المتعلقة بالأرض، والكواكب وما على الأرض من كائنات حية وجامدة. ومن أمثال هذه التوجيهات: - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] . ولقد اكتشف البشرية بعض أدوات هذا الإمساك المتمثلة في الجاذبية وقوانينها، ولكن افتقارها لتوجيهات الوحي أعمالًا عن -الحق- في هذا الاكتشاف. - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] . - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] . وهناك توجيهات إلى علوم الاجتماع البشري الذي جرى على الأرض، ودعوة للتنقيب في آثار المجتمعات السابقة، واكتشاف الأسباب التي أدت إلى انهيارها، وعمل سنن الله فيها: - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] .

стр. 282

وخلال هذه التوجيه يلفت القرآن الكريم الانتباه إلى أن كثيرًا من الأجيال السابقة قد عمرت الأرض، وجعلت العلوم التي ساعدتها على التمكين في الأرض غاية بذاتها، وفرحت بها وتكبرت وبطرت وانصرفت عن الغاية الكبرى -وهي طاعة الله وتجسيد هذه الطاعة في- الإصلاح في الأرض -فكان مصيرها أن نزل بها ما كانت تستهزئ بالآخرين منه من ضعف، وتخلف وانهيار. وهذا هو الخطر الذي يتهدد الحضارة الحديثة التي فتنها التقدم العلمي والتكنولوجي فراحت تحارب الله ورسله في كل الميادين، وترتكب نفس الخطأ في الفرع بالعلم، والوقوف عند ثمراته المادية دون الانتقال إلى غاياته الإيمانية. - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٢، ٨٣] . وتتكرر الدعوة إلى السير في الأرض شريطة أن تكون غايات هذا السير استعمال أدوات المعرفة من العقل والسمع، والبصر للبحث عن مظاهر الحق خلق الأرض لا سير الغافلين عما يرون ويسمعون، الباحثين عن المتع الدنسة، والشهوات الهابطة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . والمحصلة النهائية لهذا السير في الأرض والبحث في خلقها، وما عليها والأحداث التي جرت فوقها هي تخريج نوع من البشر يبقون في -قراءة- دائمة لآيات الآفاق والأنفس، وذكر دائم جوهره: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] .

стр. 283

ثانيًا: تقدير قيمة العمل اليدوي، وتربية المسلم عليه وتدريبه على مهاراته: لا بد للتربية الإسلامية أن تجتهد في تنمية حب العمل -خاصة اليدوي منه- وجعله من محاور القيم في الأمة، واعتباره الوسيلة الكريمة للعيش الكريم حتى لا يفسح المجال للوسائل غير الكريمة، التي تنال من عنصر -الإيواء- وتفسده. ولا بد للتربية الإسلامية أن تنفر من العجز والكسل اللذين عززهما قيم العصبية القبلية التي تجيز الغزو، وتحتقر العمل وتجعله من مهام الخدم، والعبيد والمستضعفين. فالعجز مبغوض من الله ورسوله. ومن أمثال ذلك قوله ﷺ : "إن الله ليلوم على العجز، قابل من نفسك الجهد، فإن غلبت فقل: توكلت على الله وحسبي الله ونعم الوكيل" ١. وقوله أيضا: "خير الكسب كسب يدي العامل إذا نصح" ٢. وقوله كذلك: "إن الله يحب المؤمن المحترف" ٣. وسئل ﷺ : أي الأعمال أزكى؟ قال: "كسب المرء بيده" ٤. وعن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فشكا إليه الفاقة. ثم رجع فقال يا رسول الله: لقد جئتك من عند أهل بيت ما أراني أرجع إليهم حتى يموت بعضهم! قال فقال له: - "انطلق هل تجد من شيء"!

стр. 284

قال: فانطلق فجاء بحلس وقدح، فقال: يا رسول الله هذا الحلس كانوا يفترشون بعضه ويكتسون بعضه، وهذا القدح كانوا يشربون فيه. فقال رسول الله ﷺ : - "من يأخذهما مني بدرهم"! فقال رجل: أنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : - "من يزيد على درهم"! فقال رجل: أنا آخذهما باثنين. فقال رسول الله ﷺ : - "هما لك"! فدعا الرجل فقال له: - "اشتر بدرهم فأسا وبدرهم طعاما لأهلك"! قال: ففعل، ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال له: - "انطلق إلى هذا الواي فلا تدع حاجا، ولا شوكا ولا حطبا، ولا تأتيني خمسة عشر يومًا! "الحاج: نوع من الشوك". قال: فانطلق فأصاب عشرة دراهم. قال رسول الله ﷺ : - "فانطلق فاشتر بخمسة طعام لأهلك، وبخمسة كسوة لأهلك"! فقال: يا رسول الله بارك الله في فيما أمرتني. فقال رسول الله ﷺ : - "هذا خير من أن تجيء يوم القيامة وفي وجهك نكتة المسألة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي دم موجع، أو عزم مفظع، أو فقر مدقع" ١! ولا بد للتربية الإسلامية أن تزكي القيم الاجتماعية من المفاهيم

стр. 285

الخاطئة للزهد التي عززت الرضى بالفقر، وجعلته من سمات الصلاح والصالحين. فالمؤمنون مدعوون -في القرآن- للسعي في مناكب الأرض -أي مراكز الثقل الاقتصادي فيها- لجمع المال، فإذا جمعوه بالأساليب المشروعة الكريمة زهدوا به فأنفقوه وانتفعوا به، ونفعوا غيرهم بالأساليب المشروعة التي تحفظ الكرامات، ولا توقع تحت ضغوط الفاقة والحاجة. فهذا هو مفهوم الزهد الذي وجه إليه ﷺ حين علم أصحابه أن الزهد ليس بإضاعة المال، وتحريم الحلال وإنما الزهد أن يكون المؤمن أوثقف بما في يد الله مما في يده، فيعتدل في جمعه ويسهل عليه إنفاقه١. وتتكرر التوجيهات النبوية في هذا المجال حتى لا تدع مجالا للغموض أو اللبس. من ذلك قوله ﷺ : - "خيركم من لم يترك آخرته لدنياه، ولا دنياه لآخرته، ولم يكن كلا على الناس". - "من استطاع منكم أن يقي دينه وعرضه بماله فليفعل". - "إن الفاقة لأصحابي سعادة، وإن الغنى للمؤمنين في آخر الزمان سعادة". - "يا جابر لا عليك أن تمسك عليك ما لك فإن لهذا الأمر مدة" ٢. - "يأتي على الناس زمان من لم يكن معه أصفر ولا أبيض لم يتهن للعيش". - "إذا كان آخر الزمان لا بد للناس فيها من الدراهم، والدنانير يقيم الرجل بها دينه ودنياه" ٣.
следующие страницы →