← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8367

أهداف التربية الإسلامية

ماجد عرسان الكيلاني

Полный текст (559 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والأخلاق والقيم، وأفرزت آثارا مدمرة في حياة الفرد وعلاقات الجماعات. وهناك توجيهات إلى مختلف العلوم الطبيعية المتعلقة بالأرض، والكواكب وما على الأرض من كائنات حية وجامدة. ومن أمثال هذه التوجيهات: - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] . ولقد اكتشف البشرية بعض أدوات هذا الإمساك المتمثلة في الجاذبية وقوانينها، ولكن افتقارها لتوجيهات الوحي أعمالًا عن -الحق- في هذا الاكتشاف. - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: ٥] . - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] . وهناك توجيهات إلى علوم الاجتماع البشري الذي جرى على الأرض، ودعوة للتنقيب في آثار المجتمعات السابقة، واكتشاف الأسباب التي أدت إلى انهيارها، وعمل سنن الله فيها: - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ٩] .

стр. 282

وخلال هذه التوجيه يلفت القرآن الكريم الانتباه إلى أن كثيرًا من الأجيال السابقة قد عمرت الأرض، وجعلت العلوم التي ساعدتها على التمكين في الأرض غاية بذاتها، وفرحت بها وتكبرت وبطرت وانصرفت عن الغاية الكبرى -وهي طاعة الله وتجسيد هذه الطاعة في- الإصلاح في الأرض -فكان مصيرها أن نزل بها ما كانت تستهزئ بالآخرين منه من ضعف، وتخلف وانهيار. وهذا هو الخطر الذي يتهدد الحضارة الحديثة التي فتنها التقدم العلمي والتكنولوجي فراحت تحارب الله ورسله في كل الميادين، وترتكب نفس الخطأ في الفرع بالعلم، والوقوف عند ثمراته المادية دون الانتقال إلى غاياته الإيمانية. - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٢، ٨٣] . وتتكرر الدعوة إلى السير في الأرض شريطة أن تكون غايات هذا السير استعمال أدوات المعرفة من العقل والسمع، والبصر للبحث عن مظاهر الحق خلق الأرض لا سير الغافلين عما يرون ويسمعون، الباحثين عن المتع الدنسة، والشهوات الهابطة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] . والمحصلة النهائية لهذا السير في الأرض والبحث في خلقها، وما عليها والأحداث التي جرت فوقها هي تخريج نوع من البشر يبقون في -قراءة- دائمة لآيات الآفاق والأنفس، وذكر دائم جوهره: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] .

стр. 283

ثانيًا: تقدير قيمة العمل اليدوي، وتربية المسلم عليه وتدريبه على مهاراته: لا بد للتربية الإسلامية أن تجتهد في تنمية حب العمل -خاصة اليدوي منه- وجعله من محاور القيم في الأمة، واعتباره الوسيلة الكريمة للعيش الكريم حتى لا يفسح المجال للوسائل غير الكريمة، التي تنال من عنصر -الإيواء- وتفسده. ولا بد للتربية الإسلامية أن تنفر من العجز والكسل اللذين عززهما قيم العصبية القبلية التي تجيز الغزو، وتحتقر العمل وتجعله من مهام الخدم، والعبيد والمستضعفين. فالعجز مبغوض من الله ورسوله. ومن أمثال ذلك قوله ﷺ : "إن الله ليلوم على العجز، قابل من نفسك الجهد، فإن غلبت فقل: توكلت على الله وحسبي الله ونعم الوكيل" ١. وقوله أيضا: "خير الكسب كسب يدي العامل إذا نصح" ٢. وقوله كذلك: "إن الله يحب المؤمن المحترف" ٣. وسئل ﷺ : أي الأعمال أزكى؟ قال: "كسب المرء بيده" ٤. وعن أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فشكا إليه الفاقة. ثم رجع فقال يا رسول الله: لقد جئتك من عند أهل بيت ما أراني أرجع إليهم حتى يموت بعضهم! قال فقال له: - "انطلق هل تجد من شيء"!

стр. 284

قال: فانطلق فجاء بحلس وقدح، فقال: يا رسول الله هذا الحلس كانوا يفترشون بعضه ويكتسون بعضه، وهذا القدح كانوا يشربون فيه. فقال رسول الله ﷺ : - "من يأخذهما مني بدرهم"! فقال رجل: أنا يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : - "من يزيد على درهم"! فقال رجل: أنا آخذهما باثنين. فقال رسول الله ﷺ : - "هما لك"! فدعا الرجل فقال له: - "اشتر بدرهم فأسا وبدرهم طعاما لأهلك"! قال: ففعل، ثم رجع إلى النبي ﷺ فقال له: - "انطلق إلى هذا الواي فلا تدع حاجا، ولا شوكا ولا حطبا، ولا تأتيني خمسة عشر يومًا! "الحاج: نوع من الشوك". قال: فانطلق فأصاب عشرة دراهم. قال رسول الله ﷺ : - "فانطلق فاشتر بخمسة طعام لأهلك، وبخمسة كسوة لأهلك"! فقال: يا رسول الله بارك الله في فيما أمرتني. فقال رسول الله ﷺ : - "هذا خير من أن تجيء يوم القيامة وفي وجهك نكتة المسألة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي دم موجع، أو عزم مفظع، أو فقر مدقع" ١! ولا بد للتربية الإسلامية أن تزكي القيم الاجتماعية من المفاهيم

стр. 285

الخاطئة للزهد التي عززت الرضى بالفقر، وجعلته من سمات الصلاح والصالحين. فالمؤمنون مدعوون -في القرآن- للسعي في مناكب الأرض -أي مراكز الثقل الاقتصادي فيها- لجمع المال، فإذا جمعوه بالأساليب المشروعة الكريمة زهدوا به فأنفقوه وانتفعوا به، ونفعوا غيرهم بالأساليب المشروعة التي تحفظ الكرامات، ولا توقع تحت ضغوط الفاقة والحاجة. فهذا هو مفهوم الزهد الذي وجه إليه ﷺ حين علم أصحابه أن الزهد ليس بإضاعة المال، وتحريم الحلال وإنما الزهد أن يكون المؤمن أوثقف بما في يد الله مما في يده، فيعتدل في جمعه ويسهل عليه إنفاقه١. وتتكرر التوجيهات النبوية في هذا المجال حتى لا تدع مجالا للغموض أو اللبس. من ذلك قوله ﷺ : - "خيركم من لم يترك آخرته لدنياه، ولا دنياه لآخرته، ولم يكن كلا على الناس". - "من استطاع منكم أن يقي دينه وعرضه بماله فليفعل". - "إن الفاقة لأصحابي سعادة، وإن الغنى للمؤمنين في آخر الزمان سعادة". - "يا جابر لا عليك أن تمسك عليك ما لك فإن لهذا الأمر مدة" ٢. - "يأتي على الناس زمان من لم يكن معه أصفر ولا أبيض لم يتهن للعيش". - "إذا كان آخر الزمان لا بد للناس فيها من الدراهم، والدنانير يقيم الرجل بها دينه ودنياه" ٣.

стр. 286

ولقد وعى فقهاء الصحابة هذه التوجيهات، فعملوا على إشاعتها وتدريب الرعية عليها. أتى عمر بن الخطاب على قوم فقال: ما أنتم؟ فقالوا: نحن المتوكلون، فقال: بل أنتم المتكلون "أي المتكلون على أموال الناس". ألا أخبركم بالمتوكلين؟ رجل ألقى حبه في بطن الأرض ثم توكل على ربه١! وعن عمر أيضا أنه قال: يا معشر القراء! ارفعوا رءوسكم فقد اتضح الطريق، استبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالًا على المسلمين٢. وعن نافع قال: دخل شاب قوي المسجد، وفي يده مشاقص "نصل سهم" وهو يقول: من يعينني في سبيل الله؟ قال: فدعا به عمر فأتي به فقال: من يستأجر مني هذا يعمل في أرضه؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا أمير المؤمنين! قال: بكم تأجره كل شهر؟ قال: بكذا وكذا. قال عمر: خذه فانطلق به. فعمل في أرض الرجال أشهرا، ثم قال عمر للرجل: ما فعل أجيرنا؟ قال: صالح يا أمير المؤمنين. قال: ائتني به وبما اجتمع له من الأجر! فجاء به وبصرة من دراهم. فقال عمر للشاب: خذه هذه فإن شئت الآن فاغز، وإن شئت فاجلس٣! كذلك وعى هذه المفاهيم بعوث المسلمين الثقافية، وعلموها للشعوب التي خرجوا إليها. من ذلك ما وجه إليه معاذ بن جبل معلم الشام، واليمن حين قال: "يا ابن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمها

стр. 287

انتظامًا، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة، وأنت من الدنيا على خطر"١. ومثله ما وجه إليه علي بن عتام حين قال: "ما أحب إلي أن يكون المسلم محترفا. فإن المسلم إذا احتاج أول ما يبذل دينه"٢. والواقع إن القعود عن العمل وجمع المال والسيطرة على موارده من قبل غير المؤمنين أضر بالإسلام والمسلمين، والناس أجمعين في الداخل والخارج. ففي الداخل أخرس ألسنة العلماء عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وعن مواجهة الظالم بظلمه، بل تحول الكثير منهم إلى أدوات تبرر الظلم وتسوغه. أما في الخارج فإن حاجة الشعوب والأمم إلى المال أجبرتها في كثير من المواقف، والسياسات إلى التنازل عن كراماتها واستقلال، وقيمها في الفضائل الإنسانية. والمترفون عادة يجزئون مفهوم الدين -من خلال علمائهم أو سحرتهم- فيفصلون بين المظهر الديني للعبادة، وبين المظهر الاجتماعي، ويفرغون المصطلحات الدينية من محتوياتها الاجتماعية، ثم يؤولونها بمعان غيبية لا علاقة لها بالواقع، ويصرفون الأفهام عن "الأعمال" إلى "الأشكال"، ويجعلون الزهد رضا بالفقر والفاقة وانتظارا لنعيم الآخرة وعدلها، والمخدوعون لا يفطنون إلى أن سد هذه الحاجات الدنيوية يهدم هذا الجسر، فيسقط في جهنم الدنيا والآخرة سواء. ولذلك دعا إبراهيم ﵇ أن يرزق الله ذريته التي أسكنها بواد غير ذي زرع من الثمرات، لعلهم يشكرون ويصلون ويسبحون.

стр. 288

ولا بد للتربية أن تتوسع في تشخيص -المشورات المدمرة- التي قدمها خبراء التربية الغربيين للأقطار الإسلامية في العصر الحديث، وكان من ثمارها تنظيم المناهج وبناء آلاف المدارس، والجامعات التي تخرج الآلاف من المختصين بتحليل شعر بعر الآرام، ووصف المواقد ومرابض الجمال، والغزل والمدح والتشبيب، وتاريخ الغزوات القبلية، والفتن بينما لم يؤسسوا إلا مدرسة زراعية أو صناعية واحدة تقام في زاوية معزولة من زوايا القطر النائية، ثم لا يجد خريجوها العمل ولا الاحترام، ويكونون عينة مرعبة لما سيكون عليه المتخصص في الزراعة أو الصناعة. ومثلها مشورات خبراء الإدارة التي كدست آلاف الموظفين في الدوائر الحكومية، ليتقاسموا أعمالًا روتينية يمكن أن تقوم بها حفنة قليلة منهم. ومثلها مشورات الخبراء العسكريين التي كدست مئات الألوف من أبناء القرى، والبادية في المعسكرات ولا عمل لهم إلا طوابير الصباح والتفيش على الأحذية الملمعة، والذوقون المحلوقة الناعمة والقبات المكوية. وتظل جميع هذه الفئات فريسة العجز، والكسل بانتظار آخر الشهر لاستلام رواتب ورقية لم يعرقوا من أجلها قطرة من عرق. فكانت نتائج تلك المشورات كلها اقتلاع المسلم المعاصر من الأرض، ثم تحويله -في أحسن أحواله- إلى رقيق متجول في الأقطار بحثا عن رزق "الوظيفة" المحدود. أما الأغلبية الساحقة من أقطار المسلمين، فقد تحولت إلى مستودعات تعج بالجائعين الذين ينتظرون قوافل الإعانات الدولية، وهيئات الإغاثة والجمعيات التبشيرية. ثالثا: والمظهر الثالث لعنصر "الإيواء" هو تنمية قيم الاستقرار والزواج، وتكوين الأسر، وما يتفرع عن ذلك من توفير للسكن، ووسائل المواصلات واعتبار الموجود منها في عداد الملكية العامة إذا اقتضت الظروف ذلك: وتقدم التوجيهات النبوية أصولًا لمثل هذه القيم من ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عنه ﷺ :

стр. 289

"من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له. ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" ... قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل"١. وفي موقف أخرى يحذر ﷺ من مستقبل الاحتكار في وسائل النقل وفي المسكن. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تكون إبل للشيطان، وبيوت للشياطين. فأما إبل الشياطين فقد رأيتها. يخرج أحدكم بجنيبات معه قد أسمنها فلا يعلو بعيرا منها، ويمر بأخيه قد انقطع به فلا يحمله. وأما بيوت الشياطين فلم أرها" ٢. والإشارة إلى الإبل رمز لوسائل المواصلات، وهي تتغير بتغير العصور وتقدم التكنولوجيا ومثلها الإشارة إلى البيوت. ومعنى -لم أرها- أي لم توجد زمن الرسول، وإنما ستأتي في أزمان بعده حين يحتكر المأوى، ويمتلك أناس عشرات المنازل الفارغة، والمباني الشاهقة بينما ملايين المسلمين يأوون إلى الخرائب، ويفترشون الطرقات، وتكون هجراتهم في الأرض في سيبل المأوى والغذاء. غير أن بناء المساكن وإقامة المباني في القيم الإسلامية محدودة بحدود الغايات الكبرى من -الإيواء. فالبناء يكون في قمة الأعمال الصالحة إذا كان الهدف منه إيواء المحتاجين للمأوى، وجمع قلوب الأمة على الصلاح والعدل والتعاون. ومن هذا المنطلق كان الترغيب في بناء المساجد، والبنايات التي يأوي إليها المحتاجون والتوجيهات النبوية في ذلك كثيرة ومتنوعة. من ذلك قوله: - "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتًا في الجنة" ٣.

стр. 290

- "وإن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما ينشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحق من بعد موته" ١. أما أن تكون المساكن والأبنية إظهارا للعلو في الأرض، وتجسيدًا للطبقية والترف، وتمييزا للأغنياء عن الفقراء، وتعطيلًا لمساحات واسعة من الأرض عن الزراعة والغرس، فذلك عبث ولهو طائش من يقترفه خارج عن تقوى الله وطاعته. ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨-١٣١] . ولقد فسر ابن عباس وتلميذه مجاهد: الريع، بأنه كل مكان مشرف من الأرض مرتفع. والآية: البنيان. والعبث، البناء لمجرد التفاخر. والمصانع: القصور المشيدة٢. والرسول ﷺ يجرد من الأجر كل إنفاق على البناء الذي لا حاجة له، أو يستهدف الزينة والمباهاة. من ذلك قوله: - "النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء، فلا خير فيه" ٣. وعن قيس بن أبي حازم، قال: إنهم دخلوا على الصحابي -خباب- وهو يبني حائطا فقال: إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب٤. ولذلك ذكر الرسول ﷺ أنه حين يذهب العلم ويفشو الجهل، فإن

стр. 291

الناس يتنافسون في تشييد البناء تفاخرا ولهوا، حتى إن سكان الخيام في البادية يشاركون في هذه المنافسة. من ذلك قوله ﷺ : - "من أشراط الساعة إذا تطاول رعاء البهم في البنيان" ١. - "وإذا رأيت الحفاة العراة، الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها، وإذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها" ٢. رابعا: والمظهر الرابع لـ"الإيواء" هو حرمة إقامة الإنسان وعدم طرده أو نفيه من مكان -إيوائه: فالقرآن الكريم يشدد على -حرمة الإيواء- وعدم إخراج الإنسان من سكنه، وموضع استقراره بسبب الخصومات التي تثيرها اختلافات الرأي، أو الولاءات العصبية والانتماءات الحزبية أو المصالح المختلفة. من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥] . ولقد استعرض الطبري تفاسير الصحابة، وتلاميذهم لهذه الآية فذكر إن قتل الرجل رجلًا آخر مثل قتل الرجل نفسه. وإن إخراج الرجل رجلا آخر من مكان إيوائه كإخراجه لنفسه؛ لأن الأمة بمنزلة رجل واحد كما قال ﵊، وإنهم في تراحمهم وتعاطفهم بمنزلة الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. ويضيف الطبري نقلا عن قتادة قوله في الآية: أي لا يقتل بعضكم بعضا، ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ . ونفسك يا ابن آدم أهل ملتك -

стр. 292

أي أمتك. وعن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضا، ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ يقول: لا يخرج بعضكم بعضا من الديار١. وتتضاعف خطورة نفي الإنسان، وإخراجه من مكان إيوائه إذا كان المنفيون من الرسل والدعاة ورجال الفكر، والعلم الذين يكرسون جهودهم لإصلاح ما أفسد الناس. وإلى هذه الخطورة كانت الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا، سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦، ٧٧] . هذه هي سنة الله التي مضت في جميع الرسالات من قبل، وهي سنة ماضية مستمرة، فحين تخرج الأمم رسلها ودعاتها، وتنفيهم ينزل بها العذاب المدمر، ولن تجد لسنة الله هذه تحويلًا. وعن ابن عباس: إنها نزلت في أهل مكة حين أخرجوا الرسول الله ﷺ وصحبه، فعذبهم الله بعد قليل من إخراجه بقتلهم يوم بدر٢. خامسا: والمظهر الخامس لـ"الإيواء" هو الربط بين الأمن المعيشي، والأمن الديني يقترن الأمن المعيشي بالأمن الديني اقتران الوسيلة بالهدف. فإذا انهدمت الوسيلة، وتعطلت فاعليتها صعب تحقيق الهدف. ولذلك يوجه القرآن الكريم -في دعاء إبراهيم ﵇ إلى أن توفر الأمن المعيشي، والأمن الاجتماعي سبب في عبادة الله وشكره: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا

стр. 293

لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] . وتتكرر توجيهات الرسول ﷺ إلى العلاقة بين العبادة والأمن المعيشي من ذلك ما يرويه أبو واقد الليثي حيث قال: "كنا نأتي النبي ﷺ إذا نزل علينا فيحدثنا. فقال لنا ذات يوم: "إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون إليه ثان. ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ثم يتوب الله على من تاب" ١. وعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ . قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعا لم يفرق بينهما -وقرأ الآية- وأبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة. وقال: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه! وعن عبد الله بن مسعود قال: أمرتم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له٢! فالصلاة -إذن- لا تقوم معانيها في واقع الحياة إلا إذا اقترنت بإيتاء الزكاة، والرسول ﷺ يربط -أيضًا- بين الأمن المعيشي وبني شفاء الإنسان من الجريمة، والشح، والانحراف. وكأن الأمة المسلمة مسئولة عن توفير الوسائل والمأوى اللذين يوفران للمجرمين، والمنحرفين الشفاء من أمراضهم وانحرافاتهم من خلال تلبية حاجتهم التي أدت بهم إلى الانحراف. فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قال رجل: لأتصدقن بصدقة. فخرج

стр. 294

بصدقته فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق. قال: اللهم لك الحمد لأتصدقن بصدقة! فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية. فأصبحوا يتحدثون تصدق على زانية. فقال: اللهم لك الحمد على زانية! لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقة فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني، فأتي فقيل له: أما صدقتك عن سارق، فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله" ١. سادسًا: والمظهر السادس لـ"الإيواء" هو الربط بين الإيواء، والفاعلية السياسية والإدارية: وحتى يصبح -الإيواء- حقيقة قائمة في الحياة الاجتماعية لا بد من توفير الضمانات الكافية له، وعلى رأسها الوسائل الإدارية، والسياسية التي تضمن للإيواء تحققه واستمراره، ولقد اعتمد تنفيذه في صدر الإسلام على تقوى الحاكم ورسوخه في علمه. من ذلك ما قام به أبو بكر الصديق من رفض حازم لعرض المرتدين لآداء الصلاة دون الزكاة حتى لا تتعطل فاعلية الصلاة في حياة الناس، وتتحول تحت ضغط الحاجات المادية إلى طقوس، وحركات شكلية. ومثله عمر بن الخطاب الذي حرص على أن لا يتميز الخلفاء، والولادة عن غيرهم في مظاهر العيش. من ذلك كتابه إلى أبي موسى الأشعري الذي جاء فيه: "إنما أنت رجل منهم " أي من المسلمين". غير إن الله جعلك أثقلهم حملًا. وقد بلغني أنه نشأ لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك، ومطعمك ومركبك، ليس للمسلمين مثلها. فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرت بواد خصب فلم يكن لها هم إلا التسمن، وإنما حتفها في السمن،

стр. 295

واعلم إن العامل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شقيت به رعيته"١. وحين كتب إليه عمرو بن العاص من مصر: "إنا قد خططنا لك دارًا عند المسجد الجامع! ". رد عليه الخليفة عمر قائلًا: "أنى لرجل من الحجاز تكون له دار بمصر؟ " وأمره أن يجعلها سوقا للمسلمين"٢. ثم حدد صلاحية الحاكم بالنسبة لمال الأمة بقوله: "إني أنزلت مال الله تعالى مني بمنزلة اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت"٣. وفي رواية أخرى: "يحل لولي الأمر ما يحل لولي اليتيم، من كان غنيا فليستعف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف"٤. ومثله ما فقهه علي بن أبي طالب حين قال: "إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، وإن جاعوا وعروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه"٥. ولكن التاريخ أثبت إن هذا الحرص الذي التزمه أبو بكر، والاستعفاف

стр. 296

الذي تحلى به الخليفة عمر، والحس الاجتماعي العادل المرهف الذي أوتيه علي ﵃ لم يتصف به إلا أبو بكر وعمر، وعلي ونفر لم يتعد أصابع اليد. لذلك لا يجوز أن يترك مصير "الإيواء" المعيشي والاجتماعي لتقوى الحاكمين ومشيئتهم، وإنما لا بد أن توجه التربية إلى صون هذا الإيواء وحمايته بالتشريعات، والمؤسسات التي تقيد يد الحاكم، وتجعله عرضة للاستجواب والاستفسار والمحاكمة إن أتى ما يخرق هذا الحرص والاستعفاف والتشريع. كذلك لا يجوز أن تترك صدقات الفقراء لمشيئة الأغنياء، ليبذلوا الفضلات والفتات والدراهم، والقروش التي لا تسد حاجة ولا توقف عوزا، وإنما لا بد من التشريعات، وضرائب الضمان الاجتماعي التي توفر حاجة الأمة في "الإيواء" بالأساليب الكريمة، التي لا تناول من كرامات الناس، ولا تعرضهم للمن والأذى إذا لم تكف الزكاة لذلك١. سابعًا: والمظهر السابع للإيواء هو تكامل أقاليم الأرض التي تقطنها الأمة المسلمة -سواء بالوحدة أو الاتحاد وأهمية هذا التكامل أنه بدونه يستحيل تحقيق الإيواء، وتجسيد تطبيقاته في الأمن المعيشي والأمن الديني، ويستحيل بناء الحضارة الإسلامية، ونجاح مشروعات التنمية. والسبب إن الحضارة -أية حضارة- لا تقوم ولا تزدهر إلا على رقعات الأرض الكبيرة الواسعة. ويقدم التاريخ في الماضي

стр. 297

والحاضر البراهين الساطعة لذلك. ففي الماضي مهدت الفتوحات اليونانية والرومانية، ومن قبلها إلى قيام حضارات هذه الأمم، كذلك مهد الفتح الإسلامي -الذي وحد رقعة واسعة امتدت من شرق آسيا حتى غرب أفريقا وجنوب أوربا- إلى قيام الحضارة الإسلامية وازدهارها. وحين عملت معاول العصبيات القبلية، والعرقية، والطائفية عملها، وجزأت العالم الإسلامي إلى دول متناحرة وأقاليم مراقبة الأبواب والحدود توقف المد الحضاري، ثم انحسر ثم جمد ثم انهار. وفي الحاضر يقدم تاريخ الأقطار الإسلامية الحديثة براهين مماثلة كذلك. فهذه الأقطار التي حرصت -وما زالت تحرص- على تكريس التجزئة، واختراع الكثير من قوانين السفر، والإقامة والعمل التي توفر لهذه التجزئة الدوام والفاعلية، وقعت جميعها تحت غوائل الضعف السياسي، والديون الاقتصادية والاضطراب الاجتماعي رغم ضخامة مصادرها البشرية وثرواتها الطبيعية، وظلت حبيسة التخلف رغم محاولاتها المتكررة للتقدم، والتي مر عليها أكثر من قرنين حتى الآن. كما أن النظر في حاضر الأمم الحديثة الأخرى يقدم الشواهد البينة للعلاقة المتلازمة بين اتساع الوحدات الجغرافية، وقيام الحضارات وازدهارها. فالأقطار التي توحدت أو اتحدت -كما هو الحال في أمريكا وأوربا، والصين واليابان- وفرت "الإيواء" لشعوبها بمختلف مظاهره وأشكاله. فقد وفرت "الإيواء الفكري والعلمي" لعلمائها وطلابها، ووفرت "الإيواء الاقتصادي" لرساميلها وصناعاتها وتجاراتها وثرواتها، ووفرت "الإيواء المعيشي والأمني" لشعوبها. بل إن توفير هذا الإيواء كان عاملا قويا في جذب العلماء، والمبدعين في جميع الكفاءات والمؤهلات من الأقطار الأخرى. وكان من ثمار ذلك كله أن يسرت للحضارة فيها أن تنشأ وتزدهر، وأن تنتشر في الخارج، وصار إنسان هذه الأقطار يتمتع بـ"الإيواء" المحترم والأمن المعيشي، والاعتقادي وحرية السفر، وكرامة الإقامة والعمل في بقاع الأرض كلها.

стр. 298

أما الأقطار التي ظلت حبيسة العصبيات الإقليمية والتجزئة السياسية -كما هو الحال في الأقطار العربية، والإسلامية ونظائرها في أفريقيا وأمريكا اللاتينية- فقد انتفى منها "الإيواء الإنساني"، واضطر علماؤها وطلابها، وشعوبها إلى الهجرة طلبًا للخبز والأمان. وانتفى منها "الإيواء الأمني"، فانهزمت أمام التحديات العسكرية التي طرقتها من خارج، واضطرت قياداتها والعناصر المؤهلة فيها إلى الهروب، واللجوء الساسي بسبب نزاعاتها، وفتنها التي نشبت في الداخل، وانتفى "الإيواء الاقتصادي"، فهاجرت الأموال ورحلت الصناعات، والتجارات والأعمال، وانتفى "الإيواء الوظيفي"، فتمزقت كفاءاتها في الأقطار المتقدمة. وبالتالي انتهت جميع محاولاتها في البناء الحضاري إلى العجز والإعياء، والسقوط قبل أن تصل إلى غاياتها المطلوبة.

стр. 299

أهمية الإيواء: واستنادًا إلى معاني -الإيواء- ومظاهره التي مرت يتضح دور الإيواء، وأهميته في الأمة التي يوجهها روح هذا العنصر. وتتجلى هذه الأهمية فيما يلي: أولًا: الأمة التي يوجه الحياة فيها عنصر -الإيواء- أمة مفتوحة الأبواب للمؤمنين من جميع الأجناس. فليس هناك حواجز مادية، ولا عوائق قانونية مما تفرزه روابط الدم والإقليم. بل تكون جنسية المسلم هي عقيدته. وبها -فقط- تتحدد مكانته الاجتماعية، وتتيسر إقامته ونشاطاته. ثانيًا: الأمة التي يوجه الحياة فيها عنصر -الإيواء- يتكامل اقتصادها، وتتوحد مواردها. والرسول ﷺ يجعل هذه الوحدة إحدى العلامات المميزة للأمة المسلمة فيقول: "ليس منا من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم" ١. وإذا كانت تطبيقات الحديث قد تركزت في مجتمع المدينة النبوي على علاقات الجوار الفردي والأسري، فإن هذه التطبيقات تتسع -بعد

стр. 300

انتشار الإسلام وتعدد أقطار الأمة وشعوبها -لتفرض الوحدة الاقتصادية على جميع أقاليم الأمة، وشعوبها بعد أن أثبت واقع التجزئية أنه انتهى بالأقاليم الغنية، والفقيرة إلى الفقر والديون والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ثالثا: الأمة التي يوجه علاقاتها -الإيواء- تتمحور قيمها حول -المظهر الاجتماعي- للعبادة. وتتوفر فيها فرص الاستقرار النفسي، والأسري والاجتماعي، وتتوفر فيها الخدمات العامة كالتعليم والعلاج، وفرص العمل وكل ما يحمي الإنسان من الجهل، والفقر والمرض وآثار الشيخوخة والنوازل المختلفة. رابعا: حين تسود قيم -الإيواء- في الأمة تتمحور قيمها الإدارية حول "الإعداد والتخطيط" بدل "الارتجال والتفريط" وتعد للمستقبل عدته، وبذلك تحفظ مجتمعها من الأزمات وحضارتها من الانحطاط والانهيارات. خامسًا: حين يشكل -الإيواء- بعض مكونات الأمة، ويغذي مماراساتها لا تسمح بارتفاع الأسعار ارتفاعا ينسف الاستقرار والأمن المعيشي، ويطرد الأفراد في هجرات معاكسة إلى الخارج. فلا سماح أبدًا بزيادة النفقات عن الدخول، ولا مجال للاحتكار، والاستغلال اللذين يهزان أركان الأمة، ويضعفان تماسكها وروابطها. سادسًا: حين يشكل -الإيواء- بعض مكونات الأمة يجري حشد الطاقات البشرية، والمادية ويحسن استخدامها، ويدب الاجتهاد والنشاط في ميادين العلم، والمعرفة المتعلقان بتطوير الاقتصاد وازدهاره، ويترجمان إلى أعمال، ومشروعات لاستثمار ثروات الأرض الزراعية والحيوانية، والمعدنية والطبيعية في ضوء التوجيهات التي توجه إليها مفاهيم "الإيواء" الواسعة المنتشرة في القرآن والسنة.

стр. 301

مسئولية التربية إزاء عنصر الإيواء: تنجلى مسئولية التربية الإسلامية إزاء عنصر -الإيواء- في الأمور التالية: الأول: بلورة مضامين مظاهر الإيواء التي مرت في البحث حسب مقتضيات التطور الاجتماعي، الذي تمر به الأمة زمانا، ومكانا ثم ترجمتها إلى تطبيقات عملية حسب الحاجات والتحديات. والثاني: إفراز المؤسسات العلمية التي تطور مضامين -الإيواء- إلى علوم متخصصة تنمو، وتتشكل حسب حاجات الزمان والمكان. والثالث: اقتراح المؤسسات الإدارية والتنفيذية التي تضمن تجسيد عنصر -الإيواء- في شبكة علاقات اجتماعية تهتدي بالأصول الإسلامية، وتستفيد من تجارب الآخرين وحكمتهم. والرابع: تعميق الولاء لعنصر "الإيواء"، ومؤسساته وتطبيقاته والغيرة عليها من عدان المتسلطين، أو المحتكرين إلى درجة الغيرة على الأعراض والحرمات؛ لأن في غياب الإيواء ومؤسساته، وتطبيقاته تعريض الأعراض للامتهان، والحرمات للتدنيس. والخامس: تطوير مفهوم إسلامي للعمل يحتقر العجز والكسل، ويحارب الجشع والاحتيال ويشيع التعاون والتكافل، ويثمر السعادة بالعيش، والاستمتاع بالعلاقات والمعاملات. والسادس: تطوير -علم اقتصاد إسلامي- تتطابق مفاهيمه، وتطبيقاته مع أصول الإيواء في القرآن، والسنة وتشيع التراحم والمودة والموالاة، وتكريم الإنسان. ولا بد من التوسع في تبيان مضار "اقتصاد السحت" الذي يشير إليه القرآن في ثلاثة مواضع من سورة المائدة: الأول عند قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٣] . والثاني والثالث عند قوله تعالى:

стр. 302

﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٢، ٦٣] . والسحت -في اللغة- معناه: الاستئصال. يقال: أسحت الرجل: استأصل ما عنده. وسحت رأسه: استأصله حلقا. وأسحت ماله: استأصله وأفسده. وفي تفسيره قوله تعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] : أي يستأصلكم بعذاب١. ومسحوت المعدة: إذا كان أكولا لا يلقى إلى جائعا٢. وفي الاصطلاح: السحت هو ما خبث من المكاسب وحرم؛ لأنه يسحت البركة أي يذهبها٣. والنظر في تفاسير السلف يدل على أنهم فهموا "السحت" في ضوء خبراتهم الاقتصادية التي عرفوها في أزمنتهم وأمكنتهم. وفقد فسره عمر بن الخطاب فقال: ما كان من السحت: الرشا، ومهر الزانية. وفسره أبو هريرة بقوله: مهر البغي سحت، وعسب الفحل سحت٤، وكسب الحجام سحت، وثمن الكلب سحت، وفسره ابن مسعود فقال: من شفع شفاعة ليرد بها حقا أو يرفع بها ظلما، فأهدي له فقبل فهو سحت. وفسره علي بن أبي طالب فقال: "في كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب، والاستعجال في القضية، وحلوان الكاهن، وعسب الفحل، والرشوة في الحكم، وثمن الميتة من السحت"٥.

стр. 303

أما الرازي فقد قال في تفسير الآيتين الأخيرتين: "المسارعة الشروع بسرعة، والإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداه إلى غيرهم، وأما أكل السحت، فهو أخذ الرشوة. والأصل في لفظ المسارعة أنه يستعمل في القرآن في الخير مثل: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ، و ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ . فهم يقدمون على هذه المنكرات، وكأنها خير يحق لهم أن يسارعوا فيه. والربانيون هم العلماء القائمون على تربية الأمة وإدارة شئونها، والأحبار هم العلماء القائمون على توجيهها وتعليمها١. ولقد ذم الله الفريقين؛ لأنهم تركوا النهي عن اقتراف الشرور الثلاثة التي مر ذكرها ثقافة وعلما، ونكصوا عن محاربتها فعلا وإدارة، واستعمل في الأولى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . وفي الأحبار والربانيين التاركين للنهي عن المنكر: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ؛ لأن الصنع أقوى من العمل. فالعمل إذا صار مستقرا راسخا متمكنا يسمى صناعة. فهم ساعدوا -بصمتهم- على رسوخ هذه المنكرات. ولذلك قال ابن عباس عن هذه الآية: هي أشد آية في القرآن. وعن الضحاك: ما في القرآن أخوف عندي منها٢. وحين ننظر -نحن أهل القرن العشرين- في الآيات الثلاث في ضوء خبرات زماننا نجد أن الآيات المذكورة توجه التربية الإسلامية إلى التمركز في قلب الاجتماع الإنساني، والعمل على تجسيد "الإيواء" في واقع نظيف من "اقتصاد السحت" و"ثقافة الإثم والعدوان" المؤديين إلى حرمان الإنسان من طمأنينة العيش و"ماعون" العبادة. ولتقوم التربية بهذه الوظيفة لا بد أن تقوم بما يلي:

стр. 304

١- إبراز خطورة "ثقافة الإثم" وتطبيقاتها في النظم ومضاعفاتها في التقاليد والعادات، والممارسات التي يسقط عنها مفكروا الحضارة الحديثة، ووسائل الإعلام صفات افثم ويحيلونها -بسحر الكلمة والصورة- إلى فضائل ومظاهر تقدم وتحرر. ٢- إبراز خطورة "اقتصاد السحت" الذي يسحت -أي يستأصل- مصادر العيش المادية والفضائل، والروابط الإنسانية بوسائله وأدواته الكثيرة المتعددة مثل: أشكال الربا المركب، وإشاعة الجشع، والاحتكار ومضاعفاتها في الصراع والطبقية والترف، والفقر والاغتراب النفسي، وتجارة الحروب، والمضاربات المؤدية إلى الإفلاس والديون و"سحت" موارد الأمم وإشاعة الأزمات الاقتصادية العالمية. ومثلها تجارة الفواحش في السينما، والسياحة وما يشتملان عليه من تسويق للجنس المحرم، واللهو الماجن في الفنادق، ودور الرقص والتمثيل، ومثلها أيضا تجارة السجائر والخمور، والمخدرات التي يروج لها في محطات الإذاعة والتلفزيون ومثلها تجارة أشرطة الفيديو، والكاسيت وأنماط الدعاية والإعلان والتأليف، والصحافة التي تزين ذلك كله، وتغري الناشئة باقترافه وممارسته. ٣- إبراز خطورة "العدوان" الذي يجسده -في الداخل- الظلم والتطفيف والاحتكار وأكل الحقوق، والمصادرات والضراب الباهظة. وفي الخارج يجسده شن الهجمات العداونية على الجماعات، والشعوب والقارات الأخرى لـ"سحت" اقتصادها، واستئصال موارد عيشها وتخريب بيئاتها. ٤- إبراز خطورة سكوت -العلماء ورجال الفكر- عن نقد نظريات "الإثم" في الثقافة، والتربية وتطبيقات "السحت" في الاقتصاد و"العدوان" في السياسة والإدارة. وغني عن القول أن التحذير الموجه إلى -الأحبار، والربانيين من أهل الإنجيل وأهل التوراة إنما يمتد إلى -فقهاء وعلماء أهل القرآن- الذين يتجاهلون المظهر الاجتماعي للعبادة الناهي عن "ثقافة الإثم" و"اقتصاد

стр. 305

السحت" و"سياسة العدوان"، والداعي إلى تمركز الدعوة في قلب الاجتماع البشري، وإلى توجيه "الأعمال"، وشبكة العلاقات الاجتماعية بدل إلهاء الناس بالحديث عن "الأشكال" في الهيئة واللباس والطقوس، والغيبيات التي لا أثر لها، وتبرير ممارسات السلطة الظالمة، وتمنية المظلومين بالعدل الأخروي، وجوائزه في الصبر على المظالم، والمرض، والجهل، والفقر. وحين تقوم التربية الإسلامية بمسئولياتها التي مر ذكرها، فسوف تبرز اجتهادات وتطبيقات تجسد "الإيواء"، وتحققه في عالم الواقع بدل أن يبقى مجرد شعارات نظرية يتباهى "الخطباء" بوجودها في كتب "الإسلام" وأسفاره، وتفتقر مجتمعات "المسلمين" إلى تطبيقاتها وممارساتها. وسوف يبرز كثير من التطبيقات الحديثة الموازية للتطبيقات، التي مثل لها أمثال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود: فاعتبار "كسب الحجام" مظهرًا من مظاهر "السحت" في الماضي يؤدي بالضرورة إلى -مجانبة الطب- في الحاضر، ومثله اعتبار ثمن "الشفاعة التي ترد الحق وترفع الظلم" مظهرًا من مظاهر "السحت" في الماضي يؤدي إلى -مجانية المحاماة- في الحاضر. واعتبار "مهر البغي" مظهرا من مظاهر "السحت" في الماضي سوف يؤدي إلى إعادة النظر في صناعة السينما والسياحة، والفيديو والكاسيت في الحاضر، وتنظيفها وتحليتها بما يوفر الرزق الكريم والترويح البريء العفيف في الحاضر، وهكذا.

стр. 306

الفصل الحادي والعشرون: العنصر الخامس النصرة معنى النصرة ... الفصل الحادي والعشرون: العنصر الخامس النصرة النصرة هي العنصر الخامس من العناصر المكونة للأمة المسلمة. وللوقوف على مضمون هذا العنصر لا بد من النظر في أمرين: الأول، معنى النصرة في القرآن والحديث. والثاني، المناسبات التي اقترنت بالتوجيهات التي عالجت هذا العنصر، والتطبيقات التي جسدته في مجتمع النبوة والخلفاء الراشدين. معنى النصرة: يتردد ذكر مصطلح -النصرة- ومشتقاته في القرآن، والحديث لتعني ما يلي: - النصرة بمعنى اتباع دين الله والجهاد في سبيله، وطاعة أوامره واجتناب معاصيه. مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . - النصرة بمعنى التأييد والمساعدة على التفوق والغلبة. مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] . ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] . - النصرة بمعنى المؤازرة. مثل قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .

стр. 307

وفي الحديث: "النساء ينصر بعضهن بعضا". البخاري -كتاب اللباس. "من نصر قومه على غير حق فهو كالبعير". أبو داود -السنن، كتاب الأدب، ٨٢. - النصرة بمعنى الحماية. مثل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠] . ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] . - النصرة بمعنى مساندة الحق وإشاعة العدل. مثل قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] . - النصرة بمعنى الثأر ودفع العدوان. مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] . ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] . وفي الحديث: "دونك فانتصري" ١. "من دعا على من ظلمه فقد انتصر" ٢. - النصرة بمعنى منع الظلم ودفعه إذا وقع. مثل قوله ﷺ : "أمرنا بعيادة المريض ونصرة المظلوم" ٣. "من أذل عنده مؤمن فلم ينصره، وهو يقدر على نصره أذله الله على رءوس الأشهاد يوم القيامة" ٤.

стр. 308

"يقول الله : وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر على أن ينصره فلم ينصره" ١. أما عن المناسبات التي اقترنت بالتوجيهات القرآنية، والنبوية التي عالجت عنصر النصرة وأدرجته في العناصر المكونة للأمة الإسلامية فهي -أولًا- ذلك الالتزام الكامل الذي قام به الأنصار قولا، وعملا لنصرة الرسول ﷺ ونصرة المهاجرين معه، ومن أجل ذلك أطلق عليهم اسم -الأنصار، وهي -ثانيًا- تلك التضحية الكاملة التي قدمها المهاجرين حين اقتلعوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي، وثقافته اقتلاعا كاملا ثم أوقفوا هذه الأنفس لنصرة دين الله ، وهي -ثالثا- إقامة الفريقين مجتمعين لمعاني الإسلام في واقع حياتهم في المجتمع النبوي والراشدي، ثم الخروج إلى العالم كله لإقامة هذه المعاني في حياة الآخرين.

стр. 309

مظاهر النصرة: يتحقق عنصر -النصرة- في حياة الأمة المسلمة من خلال المظاهر التالية: ١- نصرة "الأفكار" الرسالة الإسلامية في مواجهة طغيان "الأشخاص"، وزخرف "الأشياء": وتفصيل ذلك كالتالي: يتكون كل مجتمع من ثلاثة عناصر رئيسية هي: الأفكار والأشخاص والأشياء. وتكون الأمة في أعلى درجات الصحة حين تكون "نصرة" الأفكار هي المحور الذي يدور في فلكه "الأشخاص والأشياء". ففي هذه الحالة

стр. 310

يخلف "أشخاص" المؤمنين الرسول في نصرة أفكار الرسالة، فتظهر -الخلافة- وتتحدد مواقع الأفراد، ووظائفهم طبقا لمقياسين: الأول، مدى القدرة على حمل الرسالة أي فقهها وتطبيقها. والثاني، مدى الإخلاص في هذا الحمل. والقرآن يطلق على كل من القدرة والإخلاص اصطلاحي: القوة، والأمانة. وذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ . وفي آية أخرى يسميهما: التمكين، والأمانة. وذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ . والقوة هنا تعني -الجدارة- وهي شاملة ذات مظاهر عديدة. فهي في ميدان الحكم تدور حول العلم بالعدل كما دل عليه القرآن والسنة، وحول القدرة على تنفيذ الأحكام. والقوة في ميدان العسكرية تدور حول شجاعة القلب والخبرة العسكرية. وهكذا في بقية ميادين الحياة كالتربية والإدارة، والاقتصاد والصناعة وغيرها. أما -الأمانة- فتدور حول الولاء الذي من أجله تبذل القدرة. أهو لـ"أفكار" الرسالة أم لـ"الأشخاص" أم لـ"الأشياء"١!!؟ ويتسرب الخلل إلى عنصر -النصرة- حين تطغى نصرة "الأشخاص" على نصرة "الأفكار". والتطبيقات العملية لهذا الطغيان تتمثل في -امتلاك- أصحاب العصبيات الأسرية أو القبلية أن الطائفية، أو العرقية أو الإقليمية لـ"الأفكار والأشياء"، ثم توظيفهما معا لدعم مكانة "أشخاص" العصبيات ونفوذهم. فيظهر -الملك- بدل -الخلافة- وتتحدد مراكز الأفراد ووظائفهم طبقات لمدى استعمالهم لصفتي: القوة، والأمانة في خدمة هذه العصبيات. وهذا ما حذر أبو بكر الصديق منه يزيد بن أبي سفيان كما روى ذلك يزيد نفسه فقال:

стр. 311

"قال أبو بكر لما بعثني إلى الشام: يا يزيد إن لك قرابة عسى أن تؤثرهم بالإمارة، وذلك أكبر ما أخاف عليك. فإن رسول الله ﷺ قال: "من ولي من أمور المسلمين شيئا فأمر عليهم أحدا محاباة له بغير حق، فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا، ولا عدلا حتى يدخله جهنم. ومن أعطى أحدا من مال محاباة فعليه لعنة الله". أو قال: "برئت منه ذمة الله. إن الله دعا الناس أن يؤمنوا فيكونوا حمى الله. فمن انتهك في حمى الله شيئا بغير حق فعليه لعنة الله. أو قال: برئت منه ذمة الله " ١. ومن هذا الهدي النبوي -الراشدي استوحى ابن تيمية آراءه في هذا الشأن فقال: "فإن عدل "ولي الأمر" عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة، أو صداقة، أو مرافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس: كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، فيما نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فإن الرجل لحبه لولده أو لعتيقه قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله وخان أمانته"٢. ولما كانت "الأشياء" وما تجسده من مال وزخارف الحياة المادية هي الوسيلة الرئيسية التي يستعملها "أشخاص" العصبيات للحصول على النصرة، فإنه سرعان ما تصبح نصرة "الأشياء" هي المحور الذي تدور في فلكه "الأفكار والأشخاص"، وتصبح الهيمنة في الأمة لأرباب المال، والتجارات وصانعي الشهوات، وتسود ثقافة الاستهلاك والترف، وتتمزق شبكة العلاقات

стр. 312

الاجتماعية وتصبح الأفكار، والقيم بعض سلع التجارة ومواد الاستهلاك والدعايات السياسية والاقتصادية، ويتوقف التفكير الموضوعي ويحل محله الهوى، وتتحدد ميادين التربية بحدود هذه الثقافة الاستهلاكية، وينشغل الناس بأشيائهم وحاجاتهم اليومية ويعودون كالجاهلية همة أحدهم لا تتعدى بطنه وفرجه، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرًا. وتكون المحصلة النهائية لهذا التحول هو السعي -لامتلاك- "الأشياء"، فتظهر ظاهرة -الملك القسري- أي الذي يتوصل إليه بالقسر والعنف، والانقلابات الدموية والفتن ويلخص الحديث النبوية هذا التطور السلبي من -نصرة- "أفكار" الرسالة حتى "نصرة الأشياء" عند قوله ﷺ : "إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكًا عضوضًا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأرض، يستحلون الحرير والفروج، ويرزقون على ذلك وينصرون" ١. والمجتمعات التي تدور في فلك الأفكار الصحيحة تتفوق على تلك التي تدور في فلك الأفكار الخاطئة، كما كانت حال الأمة المسلمة في صدر الإسلام، وتفوقها على مجتمعات الرومان وفارس وغيرها. ولكن المجتمعات التي تدور في فلك الأفكار الخاطئة، أو التي يختلط فيها الصحيح والخاطئ، فهذه تتفوق على المجتمعات التي تدور في فلك الأشخاص والأشياء، وتهزمها كما هو الحال -الآن- في تفوق المجتمعات الغربية على مجتمعات العالم الثالث -ومنه العالم الغربي والإسلامي الحديث. والشكل الذي تنتظم طبقا له عناصر الأفكار والأشخاص، والأشياء يحدد نوع التربية وتطبيقاته في الثقافة والعلوم، ونظم الحياة المختلفة. فعندما تكون "الأفكار" هي المحور الذي يدور في فلكه "الأشخاص والأشياء"، فإن

стр. 313

التربية تتخذ -مثلها الأعلى- وخبراتها التي تضمنتها مناهجها، وتطبيقاتها من ميدان الأفكار ودرجة التزام الأشخاص بها، وتجسيد الأشياء لها في الماضي والحاضر والمستقبل، ويكون من ثمار التربية بناء حضارة تدور حول تطبيقات الأفكار، وتجسيدها في مسيرة الاجتماع البشري. أما حين يحتل "الأشخاص" مركز المحور الذي تدور في فلكه "الأفكار والأشياء"، فإن التربية تتخذ -مثلها الأعلى- وخبراتها التي تضمنها مناهجها وتطبيقاتها من ميدان "الأشخاص"، ومدى فاعلية قوتهم في الماضي والحاضر والمستقبل، واستعمال الأشياء لتنفيذ إراداتهم. وأما حين تكون "الأشياء" هي المحور الذي تدور في فلكه "الأفكار والأشخاص"، فإن التربية تتخذ -مثلها الأعلى- وتنتقي -خبراتها المنهجية، وتطبيقاتها العملية من ميدان الأشياء وتاريخها وحاضرها ومستقبلها، ومدى تأثيرها في عالم الأفكار، والأشخاص على المستوى المحلي والعالمي، ويكون من ثمار التربية بناء حضارة مادية تدور حول تطبيقات الأشياء، وتجسيدها في مسيرة الاجتماع البشري. وهذه هي حال التربية الحديثة التي يدور محور "النصرة" فيها حول "الأشياء" كما إن العلوم والثقافات والآداب، والفنون التي أفرزتها -وتفرزها- هي أيضا تتخذ -مثلها الأعلى- وتنتقي -خبراتها- من الدوران في فلك "الأشياء" في حين يدور كل من "الأفكار"، و"الأشخاص" في فلك "الأشياء"، ويستثمرون من أجل توفير الأشياء وتحسينها. والتجسيد العملي لهذا كله هو حضارة "الإنتاج والاستهلاك" التي يقودها الغرب المعاصر وتؤثر في العالم كله. ٢- نصرة العدل في مجابهة الطغيان، والتسلط، والظلم: ويمثل هذا المظهر محور عنصر النصرة، بل هو جوهره وغايته؛ لأن العدل "غاية" من الغايات الرئيسة التي من أجلها كان إرسال الرسل وتتابع الرسالات، وكان خلق مادة الحديد لصنع السلاح و"نصرة" العدل:

стр. 314

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] . فالعدل في حقيقته تجسيد لـ"أفكار" الرسالة ومثلها الأعلى، وبقاؤها المحور الذي يدور في فلكه "الأشخاص والأشياء". أما الظلم فحقيقته أن يهيمن "الأشخاص" الأقوياء على محور الاجتماع البشري، ويديرون "الأفكار والأشياء" في فلكهم لبقاء سلطانهم ودوام تملكهم. فالعدل -إذن- هو روح شبكة العلاقات الاجتماعية الذي يمنحها الحياة والبقاء، وغياب العدل يلغي مبرر وجود الأمم، ولذلك قال أبو الحسن الخزرجي: الملك مع العدل والكفر يدوم، ولكن الملك مع الإسلام والظلم لا يدوم. وجيوش الفتح الإسلامي حين خرجت إلى العالم، إنما خرجت لرفع الظلم عن الشعوب، أما اعتناق الإسلام فقد تركته لاختيار الشعوب المحررة للتبين وحدها الرشد من الغي دون إكراه في الدين، ولتختار واحدا من اثنين: إما الإسلام وإما الجزية التي تسوي غير المسلم بالمسلم الذي يدفع الزكاة، ويخدم في الجيش لحماية الجميع من الظلم. وأساس هذه الاستراتيجية التي وجهت الفتوحات الإسلامية هي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ . ولقد أورد الطبري أن النبي ﷺ فسر "الوسط" بالعدل، وأن معنى "أمة وسطا" أمة عدول، وأن ابن عباس، وتلامذته أخذوا بهذا التفسير وعلموه١. ويتكرر الطلب إلى -أمة المؤمنين- بأن يكونوا "قوامين بالعدل" أي كثيري القيام بالعدل في نظم حياتهم، وإداراتهم وممارساتهم وقيمهم، وعاداتهم إلى الدرجة التي يصبح -العدل- هو السمة المميزة لمجتمعهم وحضارتهم، وأن لا يحول دون تجسيد هذه الصفة في واقعهم صلة رحم، أو حمية قرابة أو شنآن كراهية:

стр. 315

- ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] . - ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] . - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] . - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] . ولا بد لصفة العدل هذه أن تنتشر لينعم بها جميع الناس دون فرق في دين أو جنس: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] . وفي الحديث النبوي يحتل الإمام العادل المركز الأول بين سبعة أصناف من البشر، يقفون تحت المظلة الإلهية يوم القيامة بينما يغرق الناس في عرقهم، ويتضورون في حر شمس الآخر التي تعلوهم باعا أو ذراعا: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" ١. وأما عن الظلم فإن آيات الله في القرآن صريحة واضحة في التحريض على القتال لاستنقاذ المظلومين من الرجال والنساء، والأولاد الذين لا يجدون حيلة للتحرر من الاستغلال والاستبعاد:

стр. 316

﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] . وآيات الله في القرآن تسوي بين مصير المظلومين الذين يسكتون على الظلم، وبين الظالمين الذي ينزلون الظلم بالناس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] . وفي المقابل يشيد القرآن بالذين يتناصرون لمقاومة الظلم، ويستنهض هممهم لمنازلته: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٣٩-٤٢] . والرسول ﷺ يجعل خنوع الأمة، وعدم تناصرها لمقاومة الظلم من العلامات الدالة على موتها، وانتهاء مبررات وجودها: "إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت الظالم فقد تودع منها" ١. ويقول أيضا: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تكون العامة تستطيع تغير

стр. 317

على الخاصة. فإم لم تغير العامة على الخاصة عذب الله العامة والخاصة" ١. ويؤكد ﷺ أن موالاة الظلمة تخرج من الإسلام في الدنيا، وتحرم من شفاعته في الآخرة: "سيكون من بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض. ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض" ٢. وكان من ثمار هذه التربية النبوية أن قامت روابط النصرة في مجتمع الراشدين على تعشق العدل والتضحية في سبيله، وصارت طاعة الحاكم مرهونة بدرجة تقيده بالعدل واحترام الحريات. كان عمر بن الخطاب في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار فقال: "أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فسكتوا. فقال ذلك مرتين أو ثلاثًا. فقال بشر بن سعد: لو رفعت ذلك قومناك تقويم القداح -أي السهم. فقال عمر: أنتم إذا! أنتم إذا"٣. "أي أنتم إذن الممثلون للأمة المسلمة الحقة". وجميع مواقف عمر كانت من جنس هذا الموقف؛ لأن عمر كان حاكما مربيا يرسي تقاليد ثقافة جديدة في السياسة والاجتماع، والاقتصاد ويريد هذه الثقافة أن تتحدر في تاريخ الأمة، وأن يصبح العدل والحرية محور هذه الثقافة والسمة المميزة لنظمها، وقيمها وأعرافها. ٣- نصرة الحرية في مجابهة الاستبعاد: وهذا المظهر من مظاهر النصرة يمثل عقيدة التوحيد، ويجسدها في واقع اجتماعي يصهر الفروق بين الأفراد والجماعات. وذلك كان غياب

стр. 318

الحرية في حقيقته هو غياب التوحيد؛ لأن حقيقة التوحيد أن لا يخشى الإنسان الموجد إلا الله. وغياب الحرية معناه خشية غير الله. ولقد فسر الطبري قوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ أن معنى لا يشركون بي شيئا هو أنهم لا يخافون غيري من جبابرة السلاطين والأشخاص"١. وهذا يضع على التربية الإسلامية مسئولية كبيرة في تنمية تعشق -الحرية- ونصرتها والغيرة عليها والدفاع عنها إذا انتهكت كالغيرة على الأعراض والحرمات. ويتفرع عن ذلك تنمية الوعي بقيمة التعبير عن الرأي؛ لأن الأمة التي يوجهها عنصر -النصرة- أمة تدرك قيمة النقد الذاتي -أو التوبة حسب التعبير الإسلامي- وأثره في دوام صحتها وعافيتها، فلا تتراكم آثار الممارسات الخاطئة حتى تنفجر في فتن مدمرة تأتي على كيان الأمة دفعة واحدة. ولا بد للتربية الإسلامية أن تدرب متعلميها على ممارسة كلا من حرية الرأي، والنقد الذاتي بحيث تنطبق عليها المواصفات التي توجه إليها أمثاله قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ و ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ٢ وبذلك لا يتحول النقد أو التعبير إلى سباب، ومهاترات تزرع الأحقاد وتبذر الفتن، وإنما تقوم على تشخيص الظواهر الاجتماعية وتحليل مقدماتها، ونتائجها بغية التعرف على الممارسات والمسارات الخاطئة للتوبة منها، واكتشاف الصحيحة للرجوع إليها. ونحن نلمح في طريقة نزول الوحي ما يشجع على ظاهر -التعبير عن الرأي الرفيع- والتساؤل البناء، فحينما تساءلت نسيبة بنت كعب المشهورة بأم عمارة، وصاحبة المواقف البطولية في أحد وحروب الردة، فقالت: يا نبي الله! ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يذكرون؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ

стр. 319

وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] . ومع اعتقادنا الراسخ بكمال العلم الإلهي، إلا أننا نرى في مناسبة الآية واستجابة الوحي لطلب -نسيبة- وأخواتها بعض مظاهر الحكمة الإلهية التي شكلت الأحداث لتعلم جيل الصحابة -والأمة المسلمة درسا في التعبير عن الرأي، وأهميته ولو كان الذي يعبر عن رأيه امرأة، ولو كان الموضوع الذي يدور حوله التساؤل هو أسلوب الوحي!! فإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك من بني البشر من هو التساؤل والنقد الإيجابيين!! وعلى هذا المنهج سارت الحياة في المجتمع النبوي والعهد الراشدي. فحين تولى عمر بن الخطاب الخلافة -مثلًا- كتب إليه أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل من الشام رسالة مشتركة يذكرانه بالمسئولية التي عهدت إليه ويحذرانه مغبة القصور عنها. ومما جاء فيها: "أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكلٍّ حصته من العدل، فأنت كيف أنت عند ذلك يا عمر! فإنا نحذرك يوما تعيى فيه الوجوه، وتجف فيه القلوب، وتقطع فيه الحجج، يملك قهرهم بجبروته، والخلق داخرون له، يرجون رحمته ويخافون عقابه". وتلقى عمر الكتاب فلم تأخذه عزة السلطان، وإنما شكر لهما النصيحة والتواصي، وكتب يطمئنهما إلى ما أوصيا به ثم أضاف: "كتبتما به نصيحة تعظاني بالله أن أنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما. فإنكما تكتبان به وقد صدقتما فلا تدعا الكتاب إلي، فإني لا غنى بي عنكما والسلام عليكما"١.

стр. 320

وكما أسلفنا فإن أمثال عمر لم يتعدوا أصابع اليد في تاريخ المسلمين. لذلك فإن من ضمانات مبادئ الحرية، والعدل التي أراد عمر إرساءها واستمرار "نصرتهما" أن لا تترك هذه المبادئ إلى ورع الحاكم، وأخلاقه بل تحرس بالتشريع وبالمؤسسات، وأن لا يكون هناك حكم دائم مدى الحياة، ولا سلطة فردية مطلقة؛ لأن دوام الحكم وفردية التصرف معناه العصمة من الخطأ، والعصمة معناها عدم النقد بل تحريمه وتجريم فاعله، وعدم النقد معناه تشجيع الحاكم على الطغيان، وبقاء الطغيان والظلم مدى الحياة معناه أحد مصيرين: إما أن تمضي الأمة في أطوار المرض حتى الوفاة، وإما أن لا تجد الأمة سبيلًا للتخلص من الطاغية إلا بالانقلابات، والثورات الدموية والفتن المدمرة!! التي تنتهي إلى مرض الأمة وموتها. ولتجنب هذه السلسلة من السلبيات، والمضاعفات المهلكة لا بد للتربية الإسلامية أن ترفع انتخاب الحاكم، وجماعية القيادة وتقنين القيم السياسية، وتحديد فترة الحكم إلى مرتبة فروض الدين؛ لأن هذا ما توجه إليه روح الشورى التي يوجه إليها القرآن الكريم وتطبيقات السنة، وهذا ما فهمه عمر بن الخطاب حين قال: "لا خلافة إلا عن مشورة"١. والواقع إن النظام الرئاسي وما يرافقه من المؤسسات، والتشريعات الذي تطبقه أمم غير مسلمة -كالولايات المتحدة الأمريكية- هو أقرب إلى روح الإسلام من أنظمة الحكم القائمة في العالم الإسلامي؛ لأن هذه الأنظمة في حقيقتها ردة إلى تقاليد العصبية القبلية التي تمنح شيخ القبيلة هيمنة مطلقة في السلطان، والتملك وتوريث ذلك للأبناء والأحفاد من بعده. وثمة مظهر آخر من مظاهر نصرة الحرية في مواجهة الاستبعاد هو أن
следующие страницы →